← Фикх малики

Фикх малики · id 1326

شرح المختصر الكبير للأبهري

الأبهري

Полный текст (2 801 стр.). Показаны 1821–1860 · переход к 1826.

стр. 1821

فَأَهْلُهُ بَيْنَ خِيَرَتَيْنِ، أَنْ يَقْتُلُوا أَوْ يُقادُوا» (١)، ومعنى المقاداة المفاعلة، وهي تكون من اثنين، إلَّا في أحرف يسيرةٍ يعرفها أهل اللغة، فدلَّ هذا الخبر أنَّ الدّية توجد باتّفاق ولي المقتول والقاتل. وهذا القول أولى؛ لظاهر كتاب الله من غيره. وقوله: «إنَّ دية قتل العمد إذا عُفِيَ عنه، تكون في مال القاتل خاصَّةً دون العاقلة»؛ فلأنَّ القتل العمد لَمَّا كان شيئاً يلزم القاتل في نفسه - أعني: القَوَدَ منه دون غيره -، فكذلك بَدَلُهُ الَّذِي هو المال، عليه في نفسه دون عاقلته. ولأنَّ النَّبيَّ صلَّى الله عليه ألزم العاقلة دية الخطأ دون العمد؛ لأنَّ المخطئ لم يتعمَّدِ القتل، فخُفِّفَ عنه بحمل غيره عنه الدّية، وليس كذلك العمد، بل هو مُغَلَّظٌ في نفسه وماله، ولا خلاف في هذا بين جملة أهل العلم. ••• [٢٠٨١] مسألة: قال: ويجوز عفو الرّجل عن دمه في قتل العمد، إلَّا أن يكون قَتْل غِيلَةٍ (٢) فلا يجوز عفوه فيه (٣).

стр. 1822

• إِنَّمَا قالَ ذَلِكَ؛ لأنَّ قتل العمد ليس بتركٍ، قال: لأنَّ الَّذِي يجب في العمد القَوَدُ دون المال على ما ذكرناه. ولا يجوز عفوه إذا قُتِل غيلةً؛ لأنَّ قتل الغيلة يجب قَتْلُ القاتل فيها من أجل حقِّ الله جَلَّ وَعَزَّ، كما يجب قتل المرتدّ والزّاني المحصن وقطع السّارق، ولا يجوز العفو عنهم؛ لأنَّ قَتْلَ المغتالِ هو فسادٌ في الأرض، ولا يجوز الفساد في الأرض؛ من أجل حقّ الله جَلَّ وَعَزَّ، لا من أجل حقِّ آدميٍّ. فإذا قَتَلَ على وجه الغيلة - وهي أخذ المال -، وجب قتله، ولم يجز العفو عنه بوجهٍ. ••• [٢٠٨٢] مسألة: قال: وإذا قام عصبة المقتول ومواليه، وقالوا: «نحن نحلف ونستحقُّ دم صاحبنا»، فذلك لهم، وإن أراد النِّساء يعفون فليس ذلك لهنَّ، العصبة أولى بذلك منهنَّ. وإن أراد العصبة أن يعفوا وأبى ذلك النِّساء فذلك لهنَّ، ومن أخذ القَوَدَ أولى مِمَّنْ تركْنَهُ (١) (٢). • إِنَّمَا قالَ ذَلِكَ؛ لأنَّ الأولياء هم العَصَبَة، فلهم القيام بالدَّم دون النِّساء؛ لعلمهم بالصَّلاح ووضع الأمور مواضعها.

стр. 1823

فإذا عفا العصبة وطالبت النِّساء، كان القول قول النِّساء؛ لأنَّ المطالبة بالدّم حقٌّ قد وجب، والعصبة يُتَّهمون على تركه على غير وجه النّظر، بل يجوز أن يكون لأخذ مالٍ، فكان من طلب بالقَوَدِ أولى؛ لأنَّ في قتل القاتل صلاحاً للنّساء وجملة النّاس. وقد قال مالك: إنَّ القول قول العصبة في العفو والقَوَدِ دون النِّساء. ووجه هذا القول، هو أنَّ العصبة هم الأولياء، ولهم القيام بالدّم وإثباته دون النِّساء، فكذلك لهم القَوَدُ والعفو دون النِّساء. ••• [٢٠٨٣] مسألة: قال: وإذا كان بنون وبناتٍ، فعفو البنين جائزٌ على البنات، ولا أمر للبنات مع البنين (١). • إِنَّمَا قالَ ذَلِكَ؛ لأنَّ سبب البنين أقوى من سبب البنات؛ لِأَنَّهُم يجمعون رحماً وعصبةً وحسن نظرٍ في الأمور، ولا يُتَّهَمُون أيضاً كما يُتَّهَم غيرهم من العصبة؛ لبعد منزلتهم عن منزلة الابن. وليس كذلك البنات، لأنهنَّ لا عصبة فيهنَّ كهي في البنين، ولأنَّ قربهنَّ وقرب البنين سواءٌ، فلا مدخل لهنَّ مع البنين بوجهٍ. فأمَّا سائر العصبات مع البنين (٢)، فليس كذلك؛ لقرب البنات وبُعدِ العصبة.

стр. 1824

وقد قال مالك: إن عفو العصبة جائزٌ، وإنَّ القيام إليهم والعفو بالدم دون النِّساء. ••• [٢٠٨٤] مسألة: قال: وقاتل العمد إذا عُفِيَ عنه بعد أن يستحقُّوا الدَّم، فلا عقل عليه، إلَّا أن يكون اشتُرِطَ ذلك عليه عند العفو. وقد قال مالكٌ: إذا جاء ما يُسْتَدَلُّ به على ما قال فذلك له، وإلا فلا شيء له. وقد قال أيضاً: إنَّه يحلف بالله ما عفا إلَّا على الدّية، ويكون ذلك له (١). • إِنَّمَا قالَ ذَلِكَ؛ لأنَّ الَّذِي وجب على القاتل القَوَدُ، فإذا تُرِكَ، فلا شيء عليه من المال لِمَا ذكرناه، إلَّا أن يُشْتَرط ذلك عليه فيلزمه بالشَّرط، أو يُعْلَمَ أنَّ الولي إِنَّمَا عفا عنه للمال، فيكون ذلك له. ووجه قوله: «إنَّ الولي يحلف ثمَّ تكون له الدّية»؛ فلأنَّ القصاص حقٌّ للولي، فإذا قال: «تركته لآخذ بدله مالاً»، كان القول قوله مع يمينه؛ لأنَّهُ لا يجوز أن يُبْطَلَ حقُّه بغير تَعَيُّنٍ لتركه له لغير بدلٍ. ••• [٢٠٨٥] مسألة: قال: ومن قُتِلَ وترك أُمَّهُ وابنةً وعصبته، فتريد العصبة العفو، وأبت الأم والابنة إلَّا القتل، ثمَّ ماتت الأم والبنت قبل أن تَقْتُلَا، وتركت الأمُّ عصبةً ليسوا من عصبة الميّت، وتركت البنت ولداً ليسوا من عصبة الميّت،

стр. 1825

فلهم مثل ما كان للأمّ والبنت من القتل والقيام به، فإنْ عفَوا مع العصبة، كانت الدّية لعصبة المقتول دونهم (١). • إِنَّمَا قالَ ذَلِكَ؛ لأنَّ ورثة الأمّ والبنت قد قاموا مقامهما في حقوقهما من المال، فكذلك يجب أن يقوموا مقامهم في القصاص فيمن وجب قتله؛ لأنَّه حقٌّ ورثوه عن الأم والبنت. فأمَّا الدّية فهي لعصبة المقتول وورثته دون ورثة الأم؛ لِأَنَّهُم أقرب إليه من ورثة الأمّ والبنت. ••• [٢٠٨٦] مسألة: قال: وإذا وُجِدَ القتيل في مَحَلَّةِ قومٍ أو دارهم، لم يؤخذ به أقرب النّاس إليه، ولا أحداً (٢). • إِنَّمَا قالَ ذَلِكَ؛ لأنَّهُ قد يقتله قومٌ، ثمَّ ينقلونه إلى محلَّة غيرهم، هذا موجودٌ في النّاس، فلا يجوز أخد من وُجِد ذلك في محلته. وقصة الأنصار، فإنَّمَا أُخِذت اليهود بقتل وليّهم؛ لِأَنَّهُم ادَّعوا عليهم القتل،

стр. 1826

لا لأنَّهُ وُجِد بين أظهرهم، وقد قال النَّبيُّ صلَّى الله عليه: «تُقْسِمُونَ عَلَى رَجُلٍ مِنْهُمْ فَيُدْفَعُ بِرُمَّتِهِ». ••• [٢٠٨٧] مسألة: قال: ومن مات من زحامٍ، أو وُجِد في ماءٍ، أو وُجِد ميتاً حين يفيض النّاس من عرفة، فليس فيه شيء (١). • إِنَّمَا قالَ ذَلِكَ؛ لأنَّ القتل لم يثبت على واحدٍ ولا على جماعةٍ بأعيانهم، فلا شيء فيه؛ لأنَّهُ لا يُدرى من تلزمه الدّية إن كان القتل خطأً، أو القَوَدُ إن كان عمداً، وقد قال النَّبيُّ صلَّى الله عليه: «البئر جُبَارٌ، - أي: هَدَرٌ -، والرِّجْلُ جُبَارٌ، والعُجْمَى جُبَارٌ»، أي: لا شيء في قتلى هؤلاء. فروى مالكٌ، عن الزهري، عن أبي سلمة، عن أبي هريرة، أنَّ النَّبيَّ صَلَّى الله عَلَيْهِ قال: «العُجْمَى جُرْحُها جُبَارٌ، وَالبِئْرُ جُبَارٌ، وفي الرِّكَازِ الخُمُسُ» (٢). •••

стр. 1827

باب العقول (١) [٢٠٨٨] قال عبد الله: قال مالكٌ: ومن ضُرِبَ مُوضِحَةً (٢) فصارت مُنَقِّلَةً (٣) فله عَقْلُ المُنَقِّلَةِ، وإن ذهبت عينه فله عَقْلُ مُوضِحَةٍ وعقل عَيْنِهِ، ولو ذهبت يده ورجله، لكان له عقل المُوضِحَة واليدِ والرِّجْلِ (٤). • إِنَّمَا قالَ ذَلِكَ؛ لأنَّ الدّية تجب لِمَا استقرَّ عليه أمر الجرح، فإذا استقرّ على شيءٍ ما، كانت ديته إن كانت مسمّاةً، وإن لم تكن، كانت فيه حكومةٌ. وهذا في جرح الخطأ؛ لأنَّ الجاني هو سبب ذهاب الأعضاء ومنافعها؛ لِأَنَّهَا ذهبت بجنايته.

стр. 1828

وكذلك الجرح إذا كان عمداً، فَإِنَّهُ يُقْتَصُّ منه بعد اندماله؛ لجواز أن ينتقل إلى غيره، ولا يجوز القَوَدُ منه قبل استقراره. ••• [٢٠٨٩] مسألة: قال: ومن عَضَّ أُصْبُعَ رجلٍ، فبرئ منها، فمات (١)، فَإِنَّهُ يُقْسِم ولاته إن أحبّوا. وإن شُلَّت أصبعه: فإن قُدِرَ على أن يُصْنَعَ بالجارح مثل ذلك، فُعِلَ به (٢). • إِنَّمَا قالَ ذَلِكَ؛ لأنَّ الحُكْمَ بالقسامة واجبٌ كما ذكرنا، فإذا مات المعضوضُ أُصْبُعَه، أقسم أولياؤه أَنَّهُ مات من العضّة، ثمَّ كان لهم القَوَدُ مِمَّنْ عضَّه؛ لأنَّ موته كان بفعله. وكذلك يقاد من أصبعه إذا شُلَّت إن قُدِرَ على ذلك؛ لأنَّ الله قال: ﴿وَالْجُرُوحَ قِصَاصٌ﴾ [المائدة:٤٥]، وقال: ﴿فَمَنِ اعْتَدَى عَلَيْكُمْ فَاعْتَدُوا عَلَيْهِ بِمِثْلِ مَا اعْتَدَى عَلَيْكُمْ﴾ [البقرة:١٩٤]. وإذا لم يمكن القَوَدُ في الجرح، كانت فيه ديته، بمنزلة المأمومة والجائفة والمنَقِّلَةِ، أنَّ في ذلك الدّية وإن كانت عمداً؛ لتعذُّرِ القَوَدِ في ذلك كلّه. •••

стр. 1829

[٢٠٩٠] مسألة: قال: وليس على الجارح قَوَدٌ، إلَّا في الجرح الَّذِي أصاب بعينه، فَأَمَّا ما يبرأ من الجراح ففيه العقل، إلَّا أن يبلغ ذلك النَّفس فيقتل به. ولا يكون في شيءٍ من الجراح قَسَامَةٌ (١). • إِنَّمَا قالَ ذَلِكَ؛ لأن الله قال: ﴿وَالْجُرُوحَ قِصَاصٌ﴾ [المائدة:٤٥]، وقال: ﴿فَمَنِ اعْتَدَى عَلَيْكُمْ فَاعْتَدُوا عَلَيْهِ بِمِثْلِ مَا اعْتَدَى عَلَيْكُمْ﴾ [البقرة:١٩٤]، فليس يجوز أن يُقْتَصَّ من الجاني أكثر مِمَّا جنى، وإن آل جَرْحُه إلى أكثر مِمَّا جَرَح، لكنّه يُقتص منه مثل الجرح: (فإن آل جَرْحُه إلى مثل ما استقرت عليه جرح الأول، فقد أخذ حقه - أعني: المجروح -. (وإن نقص عن ذلك، عقل الجارح ما بينهما؛ لأنَّهُ قد أتلف على الرّجل بجنايته عضواً ومنفعة عضوٍ، فوجب عليه بدل ذلك. (وإن زاد جرح المقتَصِّ منه على جرح الأوّل، لم يكن على الأوّل شيءٌ؛ لأنَّهُ لم يتعدّ بأخذ القَوَدِ، وإنّما فعل ما له فعله، وذلك بمنزلة الحاكم إذا أقام الحدّ على رجلٍ فمات منه، فلا شيء على الحاكم في ماله، ولا على عاقلته؛ لأنَّهُ فَعَلَ مَا لَهُ فِعْلُهُ، فكذلك المجروح إذا استقاد، ثمَّ مات الجارح أو زاد جرحه على الأوّل، لم يكن على المستقيد شيءٌ؛ لأنَّهُ فعل ما له فعله.

стр. 1830

ولأنَّ الجاني هو المعتدي الظّالم، وقد قال الله : ﴿إِنَّمَا السَّبِيلُ عَلَى الَّذِينَ يَظْلِمُونَ النَّاسَ﴾ [الشورى:٤٢]. ••• [٢٠٩١] مسألة: قال: وإذا جُرِحَ الرَّجُلُ، فترامى جُرْحُه إلى ما هو أعظم منه، فَإِنَّهُ يستقاد من الجارح بِقَدْرِ الجُرْحِ الأوّل. فإن برأ ما جَرَحَه إلى مثل ما ترامى جُرْحُ المجروح أوّلاً أو أكثر، كان ذلك بذلك، وإن جاء دون ذلك، عُقِلَ له ما بينهما (١). • إِنَّمَا قالَ ذَلِكَ؛ لأنَّهُ لا يجوز أن يتعدَّى في القصاص الموضع الَّذِي وقعت الجناية فيه إلى غيره، ولا إلى أكثر منه، إلَّا أن يؤدّي إلى النفس فيكون فيه القَوَدُ؛ لأنّ الجناية تقرّرت على القتل، فجزاؤها القتل، كما قال الله جَلَّ وَعَزَّ: ﴿وَجَزَاءُ سَيِّئَةٍ سَيِّئَةٌ مِثْلُهَا﴾ [الشورى:٤٠]، وقال: ﴿فَاعْتَدُوا عَلَيْهِ بِمِثْلِ مَا اعْتَدَى عَلَيْكُمْ﴾ [البقرة:١٩٤]. وقوله: «إذا استقر جُرْحُ المستقيد، وزاد جُرح المستقاد منه عليه، أنَّه لا شيء على المُستقيدِ»؛ فذلك لِمَا قد ذكرناه، وهو أَنَّهُ فَعَلَ ما له فِعْلُهُ وأَخَذَ حقّه، ولم يكن متعدّياً في ذلك، فكان كالإمام يجلد إنساناً في حدٍّ فيموت منه، فلا شيء عليه في ماله ولا على عاقلته؛ لأنَّهُ فعل ما له فعله، وكذلك المستقيد لا شيء عليه فيما زاد المستقاد منه؛ لأنَّهُ فَعَل ما له فعله، والجاني هو الظّالم. •••

стр. 1831

[٢٠٩٢] مسألة: قال: وفي المُوضِحَةِ في الوجه خمسون ديناراً، ويزاد فيها بقدر الشَّيْنِ على ما يُرَى (١). • إِنَّمَا قالَ ذَلِكَ؛ لأنَّ النَّبيَّ صَلَّى الله عَلَيْهِ أوجب في الموضِحَةِ خمساً من الإبل، وهي نصف عُشْرِ الدّية، ونصف عشر الدّية إذا كانت ذهباً خمسون ديناراً، وإذا كانت ورِقَاً ستّمئة درهم. ورَوَى الحكم بن موسى، حدثنا يحيى بن حمزة (٢)، عن سليمان بن داود، حدثنا الزهري، عن أبي بكر بن محمد بن عمرو بن حزم، عن أبيه، عن جده: «أَنَّ رَسُولَ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ كَتَبَ إِلَى أَهْلِ اليَمَنِ، أَنَّ فِي المُوضِحَةِ خَمْسَاً مِنَ الإِبِلِ» (٣). وقوله: «إنَّه يُزاد فيها بقدر الشَّين»؛ فلأنَّ الشَّين كَأَنَّه جُرْحُ غير المُوضِحَةِ، فيُجْتَهَد فيه. •••

стр. 1832

[٢٠٩٣] مسألة: قال: ومن جرح رجلاً مِلْطَاةً (١) فصارت مُوضِحَةً، أُقِيدَ من مِلْطَاةٍ، فإن صارت مُوضِحَةً فذلك بذلك، ولا عقل له (٢). • إِنَّمَا قالَ ذَلِكَ؛ لأنَّهُ لا يجوز له أن يُتَعدَّى في القصاص الموضع الَّذِي وقعت الجناية فيه؛ لقول الله جَلَّ ثناؤه: ﴿فَاعْتَدُوا عَلَيْهِ بِمِثْلِ مَا اعْتَدَى عَلَيْكُمْ﴾ [البقرة:١٩٤]. فإن زاد جرح المُستقيد على جرح المُسْتَقَاد منه، عقل ما بينهما؛ لأنَّهُ سبب ذهاب عضوه أو منفعته أو الجناية عليه، وإن جاء مثله فقد أخذ حقّه. ••• [٢٠٩٤] مسألة: قال: ومن أصاب رجلاً بضربةٍ في رأسه، فذهبت منه يده ورجله: (فيُفْعَلُ (٣) له ذلك إن كان خطأً. (وإن كان عمداً اقتُصَّ له بقدر الجرح الأوّل، وعُقِلَ له ما بعد ذلك (٤).

стр. 1833

• إِنَّمَا قالَ ذَلِكَ؛ لِأَنَّهَا ذهبت عن جنايته؛ فعليه ديتها؛ لِأَنَّهَا سبب ذهابها، وقد ذكرنا هذا. ••• [٢٠٩٥] مسألة: قال: ومن شجَّ رجلاً مُوضِحَةً فصارت مُنَقِّلَةً، فإن أراد أن يأخذ عَقْلَ المُنَقِّلَةِ فذلك له؛ لأنَّ الضَّربة هشَّمت العظم، والبَطُّ لا تأتي منه مُنَقِّلَةٌ، والمُنَقِّلَةُ ما طارت فِرَاشُهَا (١) (٢). • إِنَّمَا قالَ ذَلِكَ؛ لأنَّ المنقِّلة إِنَّمَا حدثت عن الضّربة لا عن العلاج بالبطّ والشق؛ لِأَنَّهَا تهشم العظم. وقوله: «ما طار فراشها»، يعني: انتقل من العظم شيءٌ أو خرج منه. ••• [٢٠٩٦] مسألة: قال: ومن شَجَّ رجلاً مُوضِحَةً فصارت مُنَقِّلَةً عند العلاج، استُقِيدَ منه مُوضِحَةٌ، ثمَّ عُقِلَ له ما بين المُوضِحَةِ والمُنَقِّلَةِ. ولو عُلِمَ أنَّهَا كانت مُنَقِّلَةً من أوّل ضربةٍ، كان له فيها ما في المُنَقِّلَةِ (٣).

стр. 1834

• يعني: من الدّية لا القَوَدِ؛ لأنَّهُ لا قَوَدَ في المنقِّلة عنده، قال مالكٌ: «لم يبلغني أنَّ أحداً أقاد منها غير ابن الزبير» (١)؛ لأنَّهُ لا يُتَوصَّلُ إلى المماثلة فيها، وكذلك في الجائفة والمأمومة؛ لأنَّهُ جُرْحٌ على مضٍّ (٢) في البدن، لا يُوقَف على غوره. ولأنَّ في المنقّلة والمأمومة والجائفة فيهما خوفاً عظيماً على النّفس، ولا قَوَدَ فيها لهذا المعنى أيضاً. فأمَّا الموضِحَة ففيها القَوَدُ؛ لأنَّهُ يُتوصل إلى القَوَدِ فيها، ويُعْرَف غورها وحدّها؛ لأنَّ الموضحة ما أوضح عن العظم، وحَدُّ ذلك معروفٌ. ••• [٢٠٩٧] مسألة: قال: وكلُّ ما كُسِرَ من الإنسان - يدٌ أو رجلٌ - عمداً، لم يُقَدْ منه ولم يعقل، حَتَّى يبرأ جرح صاحبه فيقاد منه. (فإن جاء جُرح المستقاد منه مثل جرح الأوّل حين يصحّ، فهو القَوَدُ. (وإن زاد جرح المستقاد منه، فليس على المجروح الأوّل شيءٌ. (وإن برئ جرح المستقاد منه وشُلَّ المجروح الأول، أو برئت جراحه

стр. 1835

وبها عيبٌ أو نقصٌ، لم يَسْتَقِدِ الجارح (١) ثانيةً، ولكن عليه عقل ما بينهما، فإن مات المُقْتَصُّ منه فلا قَوَدَ فيه (٢). • إنّما قال: «إنه لا يُستقاد من الجرح حَتَّى يبرأ صاحبه»؛ لأنَّهُ لا يُدْرَى على ما يتقرّر أمره، على ذهاب النّفس أم غيرها من الأعضاء، فيراعى ذلك؛ حَتَّى يقع القَوَدُ موقعه، أو يستقر حكم الدّية؛ لأنَّهُ لا يُدْرَى ما هي ولا ما يؤول أمر الجرح إليه فيُحْكَم فيه. وقوله: «إنَّ جرح المستقاد منه إن زاد أو مات منه فلا شيء على المستقيد»؛ فلأنّه فَعَلَ ما له أن يفعله، وليس يقدر أن يأخذ حقّه بغير الوجه الَّذِي أخذه، كما لا يقدر الإمام أن يأخذ الحدّ بغير الوجه الَّذِي أخذه، فلا شيء عليه فيما حدث بعد ذلك، وقد ذكرناه (٣). ••• [٢٠٩٨] مسألة: قال: وإذا ضرب النَّفرُ الرّجُلَ حَتَّى يموتَ تحت أيديهم، قُتِلُوا به جميعاً (٤). • إِنَّمَا قالَ ذَلِكَ؛ لأنَّ الله قال: ﴿كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِصَاصُ فِي الْقَتْلَى﴾

стр. 1836

[البقرة:١٧٨]، وكلُّ واحدٍ من هؤلاء يقع عليه اسم قاتلٍ، وقد قال الله : ﴿وَمَنْ قُتِلَ مَظْلُومًا فَقَدْ جَعَلْنَا لِوَلِيِّهِ سُلْطَانًا فَلَا يُسْرِفْ فِي الْقَتْلِ﴾ [الإسراء:٣٣]، فجعل الله تعالى لوليِّ المقتول أن يقتل مَنْ قَتَلَ وليّه، سواءٌ كان واحداً أو جماعةً. ولأنه لو لم تُقتل الجماعة بواحدٍ؛ لأدَّى ذلك إلى الهرج والفساد وقتل النّفوس؛ لأنْ لا يشاء أحدٌ قتل أحدٍ إلَّا دعا معه غيره فَقَتَلا، حَتَّى يكون (١) عليهم القَوَدُ. وقد روِّينا عن عمر بن الخطاب ﵁، أنَّه قتل سبعةَ نفرٍ بواحدٍ، وقال: «لَوْ تَمَالَأَ عَلَيْهِ أَهْلُ صَنْعَاءَ لَقَتَلْتُهُمْ بِهِ» (٢). وفي ترك قتل الجماعة بواحدٍ، زوال ما جعل الله في القصاص من الحياة؛ لأنَّ الجماعة كانت تَقْتُلُ واحداً فلا تُقْتَلُ به. ••• [٢٠٩٩] مسألة: قال: وإن هو مات بعد ضربهم كانت قَسَامةً، وإذا كانت قسامةً، لم تكن إلَّا على واحدٍ، وعلى هذا الأمر عندنا في الرِّجال والنِّساء والعبيد والإماء (٣). • يعني: إذا حُمِلَ المضروب، ثمَّ مات بعد ذلك، لم يُقتل أحدٌ مِمَّنْ يُدَّعى

стр. 1837

أَنَّهُ قتله - إذا لم تكن بيّنةٌ - بغير قسامةٍ؛ لجواز أن يكون موته كان بغير سبب ضَرْبِ من ضَرَبَه، إِنَّمَا هو بمعنى آخر عَرَضَ له. وإذا كانت قسامةً، كانت على واحدٍ من الجماعة دون الباقين، وقد ذكرنا هذا (١). وقوله: «وعلى هذا الأمر عندنا في الرِّجال والنِّساء والعبيد والإماء»، يعني: أَنَّهُ يُقْتَل رجالٌ برجلٍ، ونساءٌ بامرأةٍ، وعبيدٌ بعبدٍ، وإماءٌ بأمةٍ، لا أنَّه يُقتل حرٌّ بعبدٍ، ولا حُرَّةٍ بأمةٍ. ••• [٢١٠٠] مسألة: قال: وإذا أَمْسَكَ الرَّجُلَ للرَّجُلِ فَقَتَلَهُ: (فإن كان أمسكه وهو يرى أَنَّهُ يَقْتُلُهُ، قُتِلَا به جميعاً. (وإن كان لا يرى أَنَّهُ يقتُلُهُ، وإنّما يضربه كما يضرب النّاسُ، لا يرى أَنَّهُ عَمَدَ لقتله، قُتِلَ القاتل، وعوقب الممسك أشدّ العقوبة، وحُبِسَ سنةً (٢). • إِنَّمَا قالَ ذَلِكَ؛ لأنَّ الممسك مشاركٌ في القتل كالجارح، والإمساك فيجب القَوَدُ فيه. ألا ترى: أنَّ رجلاً لو أمسك رجلاً وضغطه حَتَّى مات، لقُتِلَ به، فكذلك الممسك إذا شارك غيره؛ لاشتراكهما في القتل، مع جواز أن تكون الرّوح

стр. 1838

خرجت بفعل أحدهما دون الآخر، كما يجوز ذلك في الجارحين، ثمَّ مع ذلك يكون عليهما القَوَدُ. فإن قيل (١): فيجب على هذا، إذا قطع رجليه، ثمَّ قتله آخر، أن يُقتلا؛ لأنّهما قد اشتركا، وكذلك إذا ناول رجلٌ آخر سكيناً فقتل بها رجلاً، وجب أن يكون عليهما القودُ؛ لأنّهما قد اشتركا؟ قيل له: لا يشبه ما ذكرته ما قلنا؛ لأنَّ الممسك مشاركٌ للقاتل في حال القتل، قد اجتمع فعلاهما في زمنٍ واحدٍ، وليس كذلك ما ذكرته من مناولة السّكين وقطع الرِّجلين؛ لأنَّهُ لم يتفق فعلاهما في زمنٍ واحدٍ اشتركا فيه. فإن قيل (٢): فيجب أن يكون الحدّ على من أمسك امرأةً، فزنا بها آخر؟ قيل له: لا يجب ما قلت؛ من قِبَلِ أنَّ الاشتراك في فعل الزنا لا يصحّ في زمنٍ واحد، فكان الممسك أو الجارح جميعاً مشاركاً لغيره. فإن قيل (٣): يجب أن يكون على من لم يتعمّد قتله نصف الدّية - يعني: الممسك -؛ لأنَّهُ مشاركٌ في قتل الخطأ. قيل: ليس يحفظ عن مالكٍ في هذا شيءٌ، ويحتمل أن تكون على عاقلته نصف الدّية بمنزلة الخاطئ والعامد إذا اجتمعا في القتل، كان على العامد القودُ،

стр. 1839

وعلى عاقلة الخاطئ نصف الدّية، فكذلك هذا، وقد قال هذا الَّذِي قلناه جماعةٌ من مشايخنا. وقوله: «إنَّه يُضْرَبُ الممسك ويُحبس، إذا لم يُرِدِ القتل بالحبس (١)، ولم يَعْلَمْ ذلك من صاحبه»؛ فلأنّه فرط في ترك تعرُّفِ ذلك. ولأنّه كان عاصياً بإمساكه لمن يرى أَنَّهُ يضربه غيره ويتعدَّى عليه، فوجب أن يعاقب على فعله ذلك. ••• [٢١٠١] مسألة: قال: وإذا قامت البيّنة على نفرٍ أنّهم شرعوا إلى رجلٍ بالضّرب فضربوه وافترقوا وبه مُوضِحَةٌ، لا يُدرَى مِنْ أَيِّهِمْ كانت الشَّجَّة، فعليهم العقل كلّهم (٢). • إنّما قال: «إنَّ عليهم دية الموضحة كلّهم»؛ لأنَّهُ لا يجوز أن يبطل الحكم فيها، إمّا بالقَوَدِ أو الدّية؛ لأنَّ الجناية لم تخرج عنهم، ولا يمكن القَوَدُ فيها؛ لأنَّهُ لا يُعْرَفُ الشَّاجُّ بعينه فيقاد منه، وليس في الجرح قسامةٌ فيُقْسَم على واحدٍ، فوجب أن تكون ديتها على جماعتهم؛ إذ ليس أحدهم بذلك أولى من الآخر. •••

стр. 1840

[٢١٠٢] مسألة: قال: وإذا قَتَلَ السَّكران، قُتِلَ به (١). • إِنَّمَا قالَ ذَلِكَ؛ لأنَّ السَّكران مؤاخذٌ بأفعاله معاقبٌ عليها؛ لأنَّ القلم غير مرفوعٍ عنه؛ لأنَّهُ عاصٍ بالفعل الَّذِي فعله، بإدخاله على نفسه ما أزال تمييزه من المحرَّمِ الَّذِي تناوله، فوجب عليه القَوَدُ (٢)، ولزمه حدود ما يرتكبه من الأفعال الَّتِي فيها الحدود، كالزنا والقذف وأشباه ذلك، وقد قال الله : ﴿كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِصَاصُ فِي الْقَتْلَى﴾ [البقرة:١٧٨]، وقال: ﴿النَّفْسَ بِالنَّفْسِ﴾ [المائدة:٤٥]، وهذا على عمومه في كلّ قاتلٍ، إلَّا ما خرج بالدّلالة، والسّكران قاتلٌ، فوجب قتله كما وجب حدُّه إذا زنا. ••• [٢١٠٣] مسألة: قال: وأمَّا المجنون والمعتوه حين يؤخذا، فلا نرى عليهما إلَّا العقل (٣). • إِنَّمَا قالَ ذَلِكَ؛ لأنَّ القلم عنهما مرفوعٌ؛ لعدم تمييزهما وزوال قصدهما للقتل، والقَوَدُ إِنَّمَا يجب على من قتل قاصداً للقتل، وكذلك لا حدّ عليهما إذا زنيا. وقد روى حمّاد بن سلمة، عن حمادٍ، عن إبراهيم، عن الأسود، عن عائشة،

стр. 1841

عن النَّبيِّ صَلَّى الله عَلَيْهِ قال: «رُفِعَ القَلَمُ عَنِ ثَلَاثَةٍ، عَنِ المَجْنُونِ حَتَّى يُفِيقَ، وَعَنِ الصَّبِيِّ حَتَّى يَحْتَلِمَ، وَعَنِ النَّائِمِ حَتَّى يَنْتَبِهَ» (١). ••• [٢١٠٤] مسألة: قال: وجناية المعتوه فيما فوق الثُّلث تحمله العاقلة، وما دون الثّلث مِمَّا لا تحمله العاقلة فهو بمنزلة الصَّبي في جنايته، فإن وُجِدَ له مالٌ أُخِذَ منه، وإن لم يوجد له مالٌ لم تحمله العاقلة - يعني: ويُتْبَعُ به ديناً عليه -، كما لو أتلف مال غيره (٢). • إنّما قال هذا؛ لأنَّ العاقلة إِنَّمَا تحمل ثلث الدّية فصاعداً، فَأَمَّا ما دون ذلك فعلى الجاني في ماله، أو يُتْبَعُ بذمَّتِه إن لم يكن له مالٌ؛ لأنَّ الجناية في الأصل على الجاني، لا تنتقل عنه إلى غيره إلَّا بدليلٍ. ولأنَّ النَّبيَّ صَلَّى الله عَلَيْهِ جعل دية الجنين على الجانية - فيما أحسب - دون عصبتها، وجعل دية أُمِّه على عصبتها (٣). •••

стр. 1842

[٢١٠٥] مسألة: قال: ومن قتل رجلاً عمداً، ثمَّ أصاب إنساناً خطأً، أو قتل إنساناً خطأً، ثمَّ أصاب إنساناً عمداً، عَقَلَتْ عنه العاقلة ما أصاب من الخطأ. ولو أصيب هو خطأً بعدما قَتَلَ عمداً، عُقِلَ له؛ لأنَّهُ رجلٌ من المسلمين، يرث، ويورث، ويَحْجِبُ، ويُعْقَلُ عنه، ما لم يُسْتَقَد منه (١). • إِنَّمَا قالَ ذَلِكَ؛ لأنَّ قتلُهُ لا يخرجه عن لزوم الأحكام إياه فيما عليه وله؛ لأنَّهُ مِمَّنْ تجري الأحكام عليه حَتَّى يُقْتَل، وقد فسّره مالكٌ بقوله: «لأنَّه رجلٌ من المسلمين»، وقد قال رسول الله صَلَّى الله عَلَيْهِ: «لَا أُعَافِي مَنْ قَتَلَ بَعْدَ أَخْذِ الدِّيَةِ» (٢). ••• [٢١٠٦] مسألة: قال: ومن قَتَل رجلاً عمداً، ثمَّ عدا عليه رجلٌ فقتله، فَإِنَّهُ يقال لأولياء المقتول الآخَرِ: «أَرْضُوا أولياء المقتول الأوَّل، وشأنكم فقاتل (٣) صاحِبِكُم، اقْتُلُوا أو اعفوا»، فإن لم يَرْضَوهُ، دُفِعَ القاتل الثاني إلى أولياء المقتول الأوّل، فقتلوا أو عفوا. وقد قال مالكٌ فيمن قتل رجلاً عمداً، أو فقأ عين رجلٍ عمداً، ثمَّ قُتِلَ القاتل أو فُقِئَتْ عين الفاقئ قَبْلَ يُقْتَصّ منه: إنَّه لا دية له ولا قود؛ لأنَّهُ قد ذهب

стр. 1843

حقّه، وإنّما ذلك بمنزلة ما لو مات القاتل أو الفاقئ فذهب حقّه، والأوّل أعجب إلينا (١). • إِنَّمَا قالَ ذَلِكَ؛ لأنَّ أولياء المقتول الأوّل قد استحقّوا عين القاتل بأن يقتلوه أو يعفوا عنه إن شاؤوا، ليس لأحدٍ منعُهُم من ذلك، فإذا أتلف هذه العين المستحقَّة مُتْلِفٌ، كان لهم فيه مثل ما كان لهم في القاتل الأول؛ لأنَّ هذا القاتل الثاني أيضاً أتلف عيناً قد استحقّوا قتلها؛ فكانوا أولى بها من أولياء المقتول الثاني، إلَّا أن يُرضوهُمْ أولياء المقتول الثاني على ما فسره مالكٌ، فيكون حينئذٍ أولياء المقتول الثاني أولى بالقاتل الثّاني؛ لِأَنَّهُم قد أَرْضَوا أولياء المقتول الأوّل وصار الحقّ لهم، فكان لهم القتل، أو العفو وأخذ الدّية إذا بُذلت لهم. وليس يشبه موت القاتل كقتله؛ لأنّ موته حتف أنفه هو بغير سببٍ يجب على أحدٍ فيه قودٌ أو ديةٌ، فَأَمَّا إذا قُتِلَ، فيجب على قاتله القَوَدُ إن كان عمداً، أو الدّية على عاقلته إن كان خطأً. ووجه قوله: «أنْ لا شيء لأولياء المقتول الأوّل إذا قُتِلَ القاتل»، فلأنَّ قتله بمنزلة موته، فلو مات حتف أنفه لم يكن لهم شيءٌ، وكذلك إذا قُتِلَ؛ لأنَّ الَّذِي وجب لهم القَوَدُ لا لأخذ المال (٢)، فإذا قُتِلَ القاتل، فقد تعذّر القَوَدُ فيه، فهو بمنزلة ما لو مات، والقول الأوّل أصحُّ لِمَا ذكرناه.

стр. 1844

وكذلك فَقْؤُ العين إذا كان عمداً، وقطع الجوارح، مثل القتل سواءٌ، إذا قُطِع ذلك من القاطع أو فُقِئَ عين الفاقِئ، فالحكم فيه على ما ذكرناه في القتل سواءٌ؛ لأنَّ الحق إِنَّمَا وجب في الشّيء الَّذِي قد تلف. ••• [٢١٠٧] مسألة: قال: ومن قتل رجلاً عمداً، ثمَّ عدا عليه رجلٌ فقتله خطأً، فإنَّ لأولياء المقتول الأوَّل أن يأخذوا الدِّية من قاتل قتيلهم، وهو أحبُّ إلينا (١). • هذا على أحد الرِّوايتين اللّتين ذكرنا؛ لِأَنَّهُم لَمَّا استحقّوا عين القاتل، وجب أن تكون لهم الدِّية؛ لِأَنَّهَا بدل العين المستحقّة لهم. ••• [٢١٠٨] مسألة: قال: ومن جَرَحَ رجلاً، ثمَّ قَتَلَ آخر، فالقتل يأتي على ذلك كلّه (٢). • إِنَّمَا قالَ ذَلِكَ؛ لأنَّ القَوَدَ أُريد به الرَّوعُ والانزجار عن مثل ذلك الفعل، قال الله : ﴿وَلَكُمْ فِي الْقِصَاصِ حَيَاةٌ يَاأُولِي الْأَلْبَابِ﴾ [البقرة:١٧٩]، معناه: أنَّ الإنسان إذا علم أَنَّهُ يُقْتَل إذا قَتَلَ، امتنع من القتل، فكان في ذلك حياةٌ، وإذا كان هذا هكذا، ثمَّ قتل القاتل، لم يُقْتَص منه للجراح قبل القتل؛ لأنَّ القتل يأتي على ذلك كلّه؛ إذ لا بقاء معه.

стр. 1845

وقد قال مخالفنا في هذه المسألة (١): «إنَّ المحارب لو أخذ المال قُطِعت يده ورجله من خلافٍ، ولو قَتَلَ قُتِلَ، ثمَّ لو قَتَلَ وأخذ المال لقُتِلَ ولم تقطع يده ورجله»، فكذلك يجب أن يكون هذا في كلّ جرحٍ أو قطعٍ إذا كان معه قطعٌ إذاً (٢) أنَّ القتل يجزئ عن ذلك. فإن قيل: إنَّ القَوَدَ هو حقّ آدميٍّ، وما ذكرته فهو حقٌّ لله ، يدخل بعضه في بعض؟ قيل له: لو كان كما ذكرت، لوجب أن يدخل قطع السّرق في القتل، وحدّ الخمر في القتل، وليس هذا قولك، وفي هذا نقض ما قلته. والصحيح ما قاله مالكٌ: إنَّ القتل ينوب عن غيره من الجراح والحدود، إلَّا حدّ الفرية وحده، ونذكره فيما بعد إن شاء الله (٣). ••• [٢١٠٩] مسألة: قال: ومن جرح رجلاً، ثمَّ قتله: (فإن كان مثَّل به، جُرِحَ، ثمَّ قُتِل. (وإن كان لم يُمَثِّلْ به قُتِلَ، والقتل يأتي على ذلك كلّه (٤).

стр. 1846

• إِنَّمَا قالَ ذَلِكَ؛ لأنَّهُ إذا مثَّل به، فقد قصد بهذا الفعل الفساد والتّنكيل، فوجب أن يُفْعَل به مثله، ليرتدع غيره عن فعل مثله. فأمَّا إذا قصد قتله من غير تنكيلٍ، قُتِل بأوجى ما يُقْدر عليه، وقد قال رسول الله صلَّى الله عليه، فيما روى عمران بن حصين: «إِنَّ اللهَ كَتَبَ الإِحْسَانَ عَلَى خَلْقِهِ، فَإِذَا قَتَلْتُمْ، فَأَحْسِنُوا القِتْلَةَ» (١)، أو كما قال (٢). ••• [٢١١٠] مسألة: قال: وإذا قُتِلَ رجلٌ، فعدا وليّه على القاتل فقتله، فإن كان هو وليه الَّذِي إليه العفو أو القتل، أدَّبه الإمام بافتئاته عليه (٣). • إِنَّمَا قالَ ذَلِكَ؛ لأنَّهُ أَخَذَ مَا لَهُ أَنْ يأخذه - وهو حقّه من القَوَدِ -، وليس

стр. 1847

لأحدٍ دفعه عنه، ولو طالب الإمام بفعله، لفعل مثله، وإنّما يُؤَدَّب؛ لتقدُّمِهِ على ذلك بغير أمر الإمام. ••• [٢١١١] مسألة: قال: وشِبْهُ العمد باطلٌ، إِنَّمَا هو عمدٌ وخطأٌ (١). • إِنَّمَا قالَ ذَلِكَ؛ لأنَّ الله تعالى إِنَّمَا ذكر في القتل العمد والخطأ لا غيرها (٢)، فليس هاهنا قتلٌ ثالثٌ يُعْرَف، والحديث الَّذِي ذُكِرَ فيه شبه العمد (٣) غير صحيحٍ عند أهل المدينة. ••• [٢١١٢] مسألة: قال: وقَتْلُ العَمْدِ، لمن عَمَدَ القتل - فيما يرى النّاس -،

стр. 1848

أو الضربَ الَّذِي هو الضَّرْبُ فيكون فيه هلاك المضروب، فذلك العمد الَّذِي فيه القَوَدُ (١). • إِنَّمَا قالَ ذَلِكَ؛ لأنَّ العمد للقتل، هو بما يظهر عند النّاس قصد الإنسان للقتل بالضّرب والرّمي وأشباه ذلك، إذا تعمَّد فيما يُعْرَف ذلك من غالب أمر الضارب؛ لأنَّهُ لا سبيل إلى معرفة ما في قلبه، وهل تعمَّد القتل أم لا، لأنَّ هذا لا يعلمه إلَّا الله ، غير أَنَّهُ يُسْتَدَل على مراده بظاهر حاله وفعله: (فإن كان فيما يرى النّاس أَنَّهُ عَمَدَ ذلك، قُتِلَ به، إذا كان ما فَعَلَهُ مِثْلُهُ يَقْتُلُ من الضّرب والمضروب به؛ لأنَّهُ قد قَتَلَ، وقد أوجب الله القَوَدَ على القاتل. (وإن كان مثله من الضّرب أو المضروب به لا يَقْتُلُ مثله في الأغلب، لم يُقْتَل به؛ لأنَّهُ لم يتعمّد القتل، وإنّما أتى على يده من غير قصدٍ لذلك، فكانت الدّية على عاقلته. وبما ذكرناه يُعْتَبَر أمر القاتل، هل تعمَّد أو أخطأ. وقد يُخطِئ أيضاً بأن يريد شيئاً فيخطئه إلى قتل إنسانٍ، فهذا هو من الخطأ. ••• [٢١١٣] مسألة: قال: ومن العمد، أن يضرب الرجلُ الرّجل حَتَّى تَفِيضَ نَفْسُهُ.

стр. 1849

أو يضربه في النَّائِرَةِ (١) بينهما، ثمَّ ينصرف عنه وهو حيٌّ، فَيُنْزَى (٢) فِي ضَرْبِهِ، فَيَمُوتُ، فَتَكُونُ فِي ذَلِكَ القَسَامَةُ (٣). • إِنَّمَا قالَ ذَلِكَ؛ لأنَّهُ إذا تعمَّد ضربه فقد قصد قتله في الظاهر، فوجب عليه القَوَدُ إذا (٤) مات مكانه. فإن مات بعد أن حُمِلَ وبَرَأَ ما جرحه، كانت فيه قسامةٌ؛ لجواز أن يكون موته من غير سبب الضّرب. ••• [٢١١٤] مسألة: قال: ومن قَتَلَ رجلاً بعصا، قُتِلَ بعصا، وإن لم يمت في ضربةٍ واحدةٍ، ضُرِبَ حَتَّى يموت، ولا يُطَوَّل عليه في ذلك (٥). • إِنَّمَا قالَ ذَلِكَ؛ لأنَّ الله قال: ﴿فَمَنِ اعْتَدَى عَلَيْكُمْ فَاعْتَدُوا عَلَيْهِ بِمِثْلِ مَا اعْتَدَى عَلَيْكُمْ﴾ [البقرة:١٩٤]. وروى همامٌ، عن قتادة، عن أنسٍ: «أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ رَضَخَ رَأْسَ

стр. 1850

يَهُودِيٍ رَضَخَ رَأْسَ مُسْلِمَةٍ عَلَى أَوْضَاحٍ لَهَا» (١)، فوجب أن يُقْتَل بمثل ما قَتَل إذا كان موجياً، فإن لم يكن موجياً قُتِل بالسيف. وقد روى النعمان بن بشير، عن النَّبيِّ صَلَّى الله عَلَيْهِ قال: «لا قَوَدَ إِلَّا بِالسَّيْفِ» (٢). ••• [٢١١٥] مسألة: قال: وإذا كان القِصَاص: قُصَّت المرأة من الرَّجل، كما يقتَصُّ الرّجلُ من المرأة. وإذا كان العقل: كانت المرأة والرَّجل فيه سواءٌ، إلَّا أن تبلغ المرأة ثلث دية الرّجل، ثمَّ تكون في عقلها ويكون الرّجل في عقله (٣). • إِنَّمَا قالَ ذَلِكَ؛ لأنَّ الله جلَّ وعزَّ قال: ﴿النَّفْسَ بِالنَّفْسِ﴾ [المائدة:٤٥]، معناه: إذا كانت النّفوس متكافئةً في الحريّة والدِّين، وقال: ﴿وَالْجُرُوحَ قِصَاصٌ﴾ [المائدة:٤٥]، والمرأة مكافئةٌ للرّجل في الحريّة والدِّين، فكان بينهما القَوَدُ، ولا خلاف في هذا بين العلماء. وقوله: «إنّها تساوي الرّجل إلى ثلث دية الرّجل، ثمَّ ترجع في ثلث ديته وما زاد إلى ديتها - وهي نصف دية الرّجل»؛ فلأنَّ النَّبيَّ صلَّى الله عليه سوَّى

стр. 1851

في القليل من الدّية بين الذَّكر والأنثى - وهو الجنين -، جعل فيه خمساً من الإبـ[ـل] (١)، وسوَّى بين الذَّكر والأنثى، فوجب أن يستوي في الذّكر والأنثى في كلّ قليلٍ من الدّية (٢). وحَدُّ ذلك دون الثّلث من الدّية، بدلالة: أنَّ النَّبيَّ صلَّى الله عليه جعل الثّلث من الشّيء كثيراً، ودونه قليلاً، بقوله ذلك لسعدٍ: «الثُّلُثُ، وَالثُّلُثُ كَثِيرٌ» (٣). ولَمّا وجب أن تكون الجناية في الأصل على الجاني، كانت عليه حَتَّى تقوم الدّلالة على زوالها إلى غيره، ولم تقم عندنا على الثّلث فدونه، فكانت على الجاني. فأمَّا ما زاد على ذلك فعلى العاقلة، ويستوي أيضاً فيها الرّجل والمرأة؛ لأنَّ ذلك قليلٌ منها، كما استوى الذّكر والأنثى من الجنين في ديته. ••• [٢١١٦] مسألة: قال: والقَوَدُ بين الأحرار، بين النِّساء والرّجال (٤). • إِنَّمَا قالَ ذَلِكَ؛ لأنَّ الله تعالى ذكره قال: ﴿النَّفْسَ بِالنَّفْسِ﴾، إلى قوله: ﴿وَالْجُرُوحَ قِصَاصٌ﴾ [المائدة:٤٥]، وهذا إذا تكافؤوا في الحريّة والدِّين، بدلالة: أَنَّهُ

стр. 1852

لا يقتل السيّد بعبده ولا المؤمن بالمعاهد باتفاق العلماء، وكذلك لا يُقْتَل حرٌّ بعبدٍ، ولا مؤمنٌ بكافرٍ ذميٍّ. ••• [٢١١٧] مسألة: قال: وإذا قَتَلَتِ المرأَةُ رَجُلَاً، والتي قَتَلَتْ حَامِلٌ، لم يُقَدْ مِنْهَا حَتَّى تَضَعَ حملها. فإن قُتِلَتْ وهي حامل عمداً، فَيُقْتَلُ قاتِلُهَا، وليس عليه في جنينها شيءٌ. وإن كان خطأً، فعلى عاقلته الدّية، ولا شيء عليهم في جنينها (١). • إِنَّمَا قالَ ذَلِكَ؛ لأنَّهُ لا يجوز أن يُقْتَلَ معها من لم يَقْتُلْ، وهو الولد الَّذِي هي حاملٌ به؛ لأنَّهُ لا يجوز قتل غير القاتل، وقد قال النَّبيُّ ﷺ للغامدية حيث زنت، ثمَّ حملت: «اذْهَبِي حَتَّى تَضَعِي» (٢)؛ لأنَّهُ لم يجز أن يُقتَلَ من لم يزنِ؛ لزنا غيره، فكذلك هذا. وقوله: «فإن قُتلَت وهي حاملٌ فلا شيء في جنينها»؛ لأنَّ الجنين إذا لم يُزَايِل أمَّهُ قبل موتها، فهو بمنزلة عضوٍ منها، فلا حكم له ينفرد به، فوجب قَتْلُ قاتلها إذا كان عمداً، وليس عليه في جنينها شيءٌ، وإن كان خطأً فعلى عاقلته ديتها دون دية الجنين إذا لم يزايل أمَّهُ قبل موتها. فإن زايل أمَّه قبل موتها كانت فيه الغرّة، وهي عُشْرُ دية أمّه، أو نصف عُشْرِ دية أبيه؛ لأنَّ النَّبيَّ صلَّى الله عليه حكم بذلك في الجنين، وهو خمسٌ من الإبل.

стр. 1853

فروى شعبة، حدثنا منصور، عن إبراهيم، عن عبيد بن نَضْلَةَ، عن المغيرة بن شعبة: «أَنَّ امْرَأَتَيْنِ كَانَتَا تَحْتَ رَجُلٍ مِنْ هُذَيْلٍ، فَضَرَبَتْ إِحْدَاهُمَا الأُخْرَى بِعَمُودٍ فَقَتَلَتْهَا، واخْتَصَمُوا إِلَى رَسُولِ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ، فَقَالَ أَحَدُ الرَّجُلَيْنِ: كَيْفَ نَدِي مَنْ لَا صَاحَ وَلَا أَكَلَ وَلَا شَرِبَ وَلَا اسْتَهَلَّ؟، قَالَ: أَسَجْعٌ كَسَجْعِ الجَاهِلِيَّةِ، وَقَضَى فِيهِ بِغُرَّةٍ» (١). وروى ابن وهبٍ، أخبرني يونس، عن ابن شهابٍ، عن سعيد بن المسيّب وأبي سلمة، عن أبي هريرة قال: «أَقْبَلَتْ (٢) امْرَأَتَانِ مِنْ هُذَيْلٍ، فَرَمَتْ إِحْدَاهُمَا الأُخْرَى بِحَجَرٍ فَقَتَلَتْهَا، فَاخْتَصَمُوا إِلَى رَسُولِ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ، فَقَضَى رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ: دِيَةَ جَنِينِهَا غُرَّةً، عَبْدَاً أَوْ وَلِيدَةً، وَقَضَى بِدِيَةِ المَرْأَةِ عَلَى عَاقِلَتِهَا، وَوَرَّثَهَا وَلَدَهَا وَمَنْ مَعَهُمْ، فَقَا [لَ حَمَلُ بْنُ] (٣) مَالِكِ النَّابِغَةِ الهُذَلِيُّ (٤)» (٥). وروى أسباطٌ (٦)، عن سماك، عن عكرمة، عن ابن عباس في قصة حَمَلِ بن

стр. 1854

مالكٍ، قال: «فَأَسْقَطَتْ غُلَامَاً وَقَدْ نَبَتَ شَعْرُهُ مَيِّتَاً، وَقَدْ مَاتَتِ المَرْأَةُ، فَقَضَى عَلَى العَاقِلَةِ الدِّيَةَ» (١)، فعُلِم بهذا الخبر أنَّ النَّبيَّ صلَّى الله عليه إِنَّمَا جعل في الجنين الدّية إذا زايل أمَّهُ قبل موتها، فَأَمَّا إذا لم يزايلها لم تكن له ديةٌ، ودخلت ديته في دية أمِّهِ، كما يكون حكمه قبل مزايلة أُمِّه حُكْمَ أُمِّه في الزّكاة والحريّة والعبودية، وإذا زايل أمه، ثبت حكمه في نفسه دون حكم أمِّهِ لِمَا ذكرناه، فكذلك في ديته وغرّته، فإذا استهل صارخاً بعد طرحه، كانت فيه الدّية، وإذا لم يستهل، كانت فيه الغرّة. ••• [٢١١٨] مسألة: قال: ومن فقأ عين رجلٍ اليمنى، ثمَّ فقأ عين آخر اليمنى، ثمَّ آخر اليمنى، فقُئِت عينه اليمنى لجميعهم، ولم يكن عليه بعد ذلك شيءٌ. وكذلك لو قتل رجلاً عمداً، ثمَّ قتل آخر عمداً، ثمَّ آخر قتله عمداً، قُتِلَ لجميعهم، ولم يكن عليه بعد ذلك شيء (٢). • إِنَّمَا قالَ ذَلِكَ؛ لأنَّ الَّذِي يجب في العمد من القتل والجرح القصاص لا غيره، إلَّا أن يتراضوا على الدّية فيجوز ذلك؛ لأنَّ الله قال: ﴿كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِصَاصُ فِي الْقَتْلَى﴾ [البقرة:١٧٨]، الآية، وقال: ﴿وَالْجُرُوحَ قِصَاصٌ﴾ [المائدة:٤٥]،

стр. 1855

فإذا قُتِل القاتل أو فُقِئَ الفاقئ، فقد توصّل جميعهم إلى الغرض منه، فلا دية بعد ذلك؛ لأنَّ الأصل أن لا دية في العمد. ولأنه ليس يخلو أن يكون القَوَدُ وجب لجميعهم، فقد وصلوا إليه بقتله أو فَقْءِ عينيه، أو هو للأوّل دون مَن بعده، فيجب إذا عفا الأوّل أن لا يكون لمن بعده القَوَدُ، وهذا لا يقوله أحدٌ، وإذا كان كذلك، ثبت أنَّ الَّذِي وجب لجميعهم القَوَدُ لا غيره من الدّية. ومعنى قوله : ﴿فَمَنْ عُفِيَ لَهُ مِنْ أَخِيهِ شَيْءٌ فَاتِّبَاعٌ بِالْمَعْرُوفِ وَأَدَاءٌ إِلَيْهِ بِإِحْسَانٍ﴾ [البقرة:١٧٨]، معناه: من ترك له شيءٌ من المال، فاتّباع بمعروفٍ، والعافي عند مالكٍ هو القاتل، أن يَتْرُكَ ماله ويُتْرَكَ له القَوَدُ، لا أولياء المقتول؛ لأنَّ ولي المقتول إذا عفا فقد ترك ما له من القَوَدِ، فكيف يتبع بشيءٍ، إلَّا أن يُدَّعَى في الآية ضميرٌ أَنَّهُ يُترك القَوَدُ على مالٍ، وهذا ليس فيها. فإن قيل (١): إنَّ النَّبيَّ صلَّى الله [عليه قال: «مَنْ قُتِلَ] (٢) لَهُ قَتِيلٌ فَأَهْلُهُ بَيْنَ خِيَرَتَيْنِ، بَيْنَ أَنْ يَقْتُلُوا، أَوْ يَأْخُذُوا الدِّيَةَ» (٣)؟ قيل له: معنى هذا الخبر، هو إباحة النَّبيِّ صلَّى الله عليه أخذ الدّية إذا بُذِلت، لا أنَّ القاتل يجبر على ذلك، ولولا هذا الخبر لَما جاز أخذ الدّية إذا بُذِلت، ولكان العفو أو القَوَدُ دون غيره.

стр. 1856

وقد روى الأوزاعي، عن يحيى بن أبي كثير، عن أبي سلمة، عن أبي هريرة، أنَّ رسول الله صَلَّى الله عَلَيْهِ قال: «مَنْ قُتِلَ لَهُ قَتِيلٌ فَأَهْلُهُ بَيْنَ خِيَرَتَيْنِ، أَنْ يَقْتُلُوا، أَوْ يُفَادُوا» (١)، والمفاداة إِنَّمَا تكون من اثنين لا من واحدٍ، إلَّا في ألفاظ يسيرةٍ محفوظةٍ عند العرب. فدل هذا الحديث أَنَّهُ ليس للولي جبر القاتل على أخذ الدّية منه إذا بذل القَوَدَ (٢). ••• [٢١١٩] مسألة: قال: والقصاص من المسلمين فيما كان عن أصلِ عداوةٍ أو نائرةٍ. فَأَمَّا الدّم، فهم يعفون إن شاؤوا ويقتلوا، أو يُعقَل لهم فيأخذون الغِيَرَ، يعني: الدّية (٣). • إِنَّمَا قالَ ذَلِكَ؛ لجَعْلِ الله القصاص بينهم بقوله: ﴿كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِصَاصُ فِي الْقَتْلَى﴾ [البقرة:١٧٨]، وقال: ﴿النَّفْسَ بِالنَّفْسِ﴾ [المائدة:٤٥]. فما كان عن نائرةٍ أو عداوةٍ، فللولي القَوَدُ والعفو والمراضاة على الدّية، كما وصفنا.

стр. 1857

وما كان على وجه الغيلة - وهي المحاربة وأخذ المال عليها -، لم يجز العفو عنه؛ لأنَّ قتله على هذا الوجه هو لجماعة المسلمين، يقوم الإمام به، فلا يجوز للوليّ العفو عنه؛ لأنَّ من قَتَلَ لأخذ المال لم يقصد إنساناً في نفسه لعداوةٍ ما، وإنّما يقصد النّفوس للمال، فكان ضرره أعظم مِمَّنْ قتل بعداوةٍ؛ لأنَّهُ لا يريد قتل جملة النّاس، فجاز العفو عنه، ولم يجز العفو عن المغتال والمحارب لِمَا ذكرناه. ••• [٢١٢٠] مسألة: قال: ومن ضرب رجلاً فاتّقاه بيده فكسرها، أُقِيدَ منه (١). • إِنَّمَا قالَ ذَلِكَ؛ لِأَنَّهَا انكسرت بِضَرْبِهِ وجنايته، فعليه القَوَدُ؛ لقوله ﵎: ﴿وَالْجُرُوحَ قِصَاصٌ﴾ [المائدة:٤٥]. ••• [٢١٢١] مسألة: قال: ومن جدع أنف رجلٍ أو فقأ عينه أو كسر يده، لم يُتْرَك يَسْتَقِيدُ منه، ولكن يُدْعَى له أهل العلم بذلك، فيُقَاد منه بحساب ما نقص من الأنف واليد والرِّجْلِ وما أشبه ذلك، ويقاد من الكسر. وما كان من الجراح في الجسد ففيه القصاص، كما قال لله . والدَّامِيَةُ (٢) وَالبَاضِعَةُ (٣)، وما يستطاع القَوَدُ منه، ففيه القَوَدُ (٤).

стр. 1858

• إِنَّمَا قالَ ذَلِكَ؛ لأنَّهُ قد يَحْمِلُه ما في نفسه على من جنى عليه، أن يتعدَّى إلى أكثر مِمَّا وجب له، فلم يُمَكَّن هو من القَوَدِ، وجُعِلَ ذلك إلى غيره. ومعنى آخر، وهو أَنَّهُ قد يجوز أن لا يعرف هو وجه القَوَدِ، فيُرْجَع في ذلك إلى أهل البصر به. وقوله: «إنَّ في الكسر والجرح القَوَدَ، وكذلك كلّ ما يستطاع القَوَدُ فيه ولم يكن الغالب التّلف فيه، مثل المَأْمُومَةِ (١) وَالجَائِفَةِ (٢) والمنَقِّلَةِ، وكسر الفخذ»؛ فلأنَّ الله قال: ﴿وَالْجُرُوحَ قِصَاصٌ﴾ [المائدة:٤٥]، وقال: ﴿فَمَنِ اعْتَدَى عَلَيْكُمْ فَاعْتَدُوا عَلَيْهِ بِمِثْلِ مَا اعْتَدَى عَلَيْكُمْ﴾ [البقرة:١٩٤]، وقال النَّبيُّ صَلَّى الله عَلَيْهِ:

стр. 1859

«كِتَابُ اللهِ القِصَاصُ» (١) فوجب القَوَدُ في كلّ جرحٍ يُسْتَطاع القَوَدُ منه إذا طالب بذلك المجروح، إلَّا أن يكون مَخُوفَاً، أو يُتَعَذَّرُ فيه البلوغ إلى المماثلة، فتكون فيه الدّية، وذلك كالمأمومة والمنَقِّلة والجائفة وكسر الفخذ، ففي ذلك كلّه ديته ولا قَوَدَ فيه؛ لأَّن ذلك كلّه مخوفٌ؛ ولأنّ الوصول إلى المماثلة متعذرٌ فيه. ••• [٢١٢٢] مسألة: قال: ومن لطم رجلاً، فذهب بصره والعين قائمةٌ، أو بَخَصَهَا (٢): (فإن كان فقأها، فُقِئَت عينه. (وإن كان ذهب البصر والعين قائمةٌ، فإن كان يُستطاع القَوَدُ منه أُقِيد، وإلا عُقِلَ له (٣). • إِنَّمَا قالَ ذَلِكَ؛ لقول الله : ﴿وَالْجُرُوحَ قِصَاصٌ﴾ [المائدة:٤٥]، فإذا فقأ عين أحدٍ، فُقِئت عينه، إذا كان مماثلاً له في الحريّة والدِّين، وكذلك الأعضاء كلّها، وكذلك النّفس. فإذا ذهب بصر العين من غير فَقْءٍ، أُقيد منه إن أمكن ذلك، وإن لم يمكن

стр. 1860

كانت فيه الدّية، بمنزلة المأمومة والجائفة، فيهما الدّية وإن كانت عمداً؛ لتعذّر القَوَدِ فيهما. ••• [٢١٢٣] مسألة: قال: وإذا قتل رجلٌ كبيرٌ وصبيٌّ صغيرٌ رجلاً عمداً، قُتِلَ الكبير، وكان على الصَّغيرِ نصف الدّية. وكذلك لو كان رجلٌ وعبدٌ قَتَلا عبداً، قُتِلَ به العبد، وكان على الحرِّ نصف ثمنه. وقَتْلُ الصَّغيرِ لا يكون إلَّا خطأً (١). • إِنَّمَا قال: «إنَّ الكبير يُقْتَل»؛ لأنَّهُ قاتل عمدٍ، وقد قال الله تبارك اسمه: ﴿وَمَنْ قُتِلَ مَظْلُومًا فَقَدْ جَعَلْنَا لِوَلِيِّهِ سُلْطَانًا فَلَا يُسْرِفْ فِي الْقَتْلِ﴾ [الإسراء:٣٣]، فلا فرق بين أن ينفرد الكبير بالقتل، أو يشاركه فيه صغيرٌ؛ لأنَّ كلّ واحدٍ مأخوذٌ بجنايته لا بجناية غيره. ولو لم يُقْتَلِ الكبير، لأدّى ذلك إلى إتلاف النّفوس، وزال معنى الحياة الَّتِي جعلها الله جلَّ وعزَّ في القصاص؛ لأنَّهُ لا يشاء أحدٌ أن يقتل أحداً، إلَّا دعا صغيراً أو مجنوناً فقتل معه، وهذا يؤدِّي إلى الهرج والفساد. وقوله: «إنَّ على الصّغير نصف الدّية» - يعني: على عاقلة الصّغير -؛ فلأنَّ عمد الصغير خطأٌ، ودية قتل الخطأ على العاقلة.
следующие страницы →