وقد روى الأوزاعي، عن يحيى بن أبي كثير، عن أبي سلمة، عن أبي هريرة، أنَّ رسول الله صَلَّى الله عَلَيْهِ قال: «مَنْ قُتِلَ لَهُ قَتِيلٌ فَأَهْلُهُ بَيْنَ خِيَرَتَيْنِ، أَنْ يَقْتُلُوا، أَوْ يُفَادُوا» (١)، والمفاداة إِنَّمَا تكون من اثنين لا من واحدٍ، إلَّا في ألفاظ يسيرةٍ محفوظةٍ عند العرب.
فدل هذا الحديث أَنَّهُ ليس للولي جبر القاتل على أخذ الدّية منه إذا بذل القَوَدَ (٢).
•••
[٢١١٩] مسألة: قال: والقصاص من المسلمين فيما كان عن أصلِ عداوةٍ أو نائرةٍ.
فَأَمَّا الدّم، فهم يعفون إن شاؤوا ويقتلوا، أو يُعقَل لهم فيأخذون الغِيَرَ، يعني: الدّية (٣).
• إِنَّمَا قالَ ذَلِكَ؛ لجَعْلِ الله القصاص بينهم بقوله: ﴿كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِصَاصُ فِي الْقَتْلَى﴾ [البقرة:١٧٨]، وقال: ﴿النَّفْسَ بِالنَّفْسِ﴾ [المائدة:٤٥].
فما كان عن نائرةٍ أو عداوةٍ، فللولي القَوَدُ والعفو والمراضاة على الدّية، كما وصفنا.
стр. 1857
وما كان على وجه الغيلة - وهي المحاربة وأخذ المال عليها -، لم يجز العفو عنه؛ لأنَّ قتله على هذا الوجه هو لجماعة المسلمين، يقوم الإمام به، فلا يجوز للوليّ العفو عنه؛ لأنَّ من قَتَلَ لأخذ المال لم يقصد إنساناً في نفسه لعداوةٍ ما، وإنّما يقصد النّفوس للمال، فكان ضرره أعظم مِمَّنْ قتل بعداوةٍ؛ لأنَّهُ لا يريد قتل جملة النّاس، فجاز العفو عنه، ولم يجز العفو عن المغتال والمحارب لِمَا ذكرناه.
•••
[٢١٢٠] مسألة: قال: ومن ضرب رجلاً فاتّقاه بيده فكسرها، أُقِيدَ منه (١).
• إِنَّمَا قالَ ذَلِكَ؛ لِأَنَّهَا انكسرت بِضَرْبِهِ وجنايته، فعليه القَوَدُ؛ لقوله ﵎: ﴿وَالْجُرُوحَ قِصَاصٌ﴾ [المائدة:٤٥].
•••
[٢١٢١] مسألة: قال: ومن جدع أنف رجلٍ أو فقأ عينه أو كسر يده، لم يُتْرَك يَسْتَقِيدُ منه، ولكن يُدْعَى له أهل العلم بذلك، فيُقَاد منه بحساب ما نقص من الأنف واليد والرِّجْلِ وما أشبه ذلك، ويقاد من الكسر.
وما كان من الجراح في الجسد ففيه القصاص، كما قال لله .
والدَّامِيَةُ (٢) وَالبَاضِعَةُ (٣)، وما يستطاع القَوَدُ منه، ففيه القَوَدُ (٤).
стр. 1858
• إِنَّمَا قالَ ذَلِكَ؛ لأنَّهُ قد يَحْمِلُه ما في نفسه على من جنى عليه، أن يتعدَّى إلى أكثر مِمَّا وجب له، فلم يُمَكَّن هو من القَوَدِ، وجُعِلَ ذلك إلى غيره.
ومعنى آخر، وهو أَنَّهُ قد يجوز أن لا يعرف هو وجه القَوَدِ، فيُرْجَع في ذلك إلى أهل البصر به.
وقوله: «إنَّ في الكسر والجرح القَوَدَ، وكذلك كلّ ما يستطاع القَوَدُ فيه ولم يكن الغالب التّلف فيه، مثل المَأْمُومَةِ (١) وَالجَائِفَةِ (٢) والمنَقِّلَةِ، وكسر الفخذ»؛ فلأنَّ الله قال: ﴿وَالْجُرُوحَ قِصَاصٌ﴾ [المائدة:٤٥]، وقال: ﴿فَمَنِ اعْتَدَى عَلَيْكُمْ فَاعْتَدُوا عَلَيْهِ بِمِثْلِ مَا اعْتَدَى عَلَيْكُمْ﴾ [البقرة:١٩٤]، وقال النَّبيُّ صَلَّى الله عَلَيْهِ:
стр. 1859
«كِتَابُ اللهِ القِصَاصُ» (١) فوجب القَوَدُ في كلّ جرحٍ يُسْتَطاع القَوَدُ منه إذا طالب بذلك المجروح، إلَّا أن يكون مَخُوفَاً، أو يُتَعَذَّرُ فيه البلوغ إلى المماثلة، فتكون فيه الدّية، وذلك كالمأمومة والمنَقِّلة والجائفة وكسر الفخذ، ففي ذلك كلّه ديته ولا قَوَدَ فيه؛ لأَّن ذلك كلّه مخوفٌ؛ ولأنّ الوصول إلى المماثلة متعذرٌ فيه.
•••
[٢١٢٢] مسألة: قال: ومن لطم رجلاً، فذهب بصره والعين قائمةٌ، أو بَخَصَهَا (٢):
(فإن كان فقأها، فُقِئَت عينه.
(وإن كان ذهب البصر والعين قائمةٌ، فإن كان يُستطاع القَوَدُ منه أُقِيد، وإلا عُقِلَ له (٣).
• إِنَّمَا قالَ ذَلِكَ؛ لقول الله : ﴿وَالْجُرُوحَ قِصَاصٌ﴾ [المائدة:٤٥]، فإذا فقأ عين أحدٍ، فُقِئت عينه، إذا كان مماثلاً له في الحريّة والدِّين، وكذلك الأعضاء كلّها، وكذلك النّفس.
فإذا ذهب بصر العين من غير فَقْءٍ، أُقيد منه إن أمكن ذلك، وإن لم يمكن
стр. 1860
كانت فيه الدّية، بمنزلة المأمومة والجائفة، فيهما الدّية وإن كانت عمداً؛ لتعذّر القَوَدِ فيهما.
•••
[٢١٢٣] مسألة: قال: وإذا قتل رجلٌ كبيرٌ وصبيٌّ صغيرٌ رجلاً عمداً، قُتِلَ الكبير، وكان على الصَّغيرِ نصف الدّية.
وكذلك لو كان رجلٌ وعبدٌ قَتَلا عبداً، قُتِلَ به العبد، وكان على الحرِّ نصف ثمنه.
وقَتْلُ الصَّغيرِ لا يكون إلَّا خطأً (١).
• إِنَّمَا قال: «إنَّ الكبير يُقْتَل»؛ لأنَّهُ قاتل عمدٍ، وقد قال الله تبارك اسمه: ﴿وَمَنْ قُتِلَ مَظْلُومًا فَقَدْ جَعَلْنَا لِوَلِيِّهِ سُلْطَانًا فَلَا يُسْرِفْ فِي الْقَتْلِ﴾ [الإسراء:٣٣]، فلا فرق بين أن ينفرد الكبير بالقتل، أو يشاركه فيه صغيرٌ؛ لأنَّ كلّ واحدٍ مأخوذٌ بجنايته لا بجناية غيره.
ولو لم يُقْتَلِ الكبير، لأدّى ذلك إلى إتلاف النّفوس، وزال معنى الحياة الَّتِي جعلها الله جلَّ وعزَّ في القصاص؛ لأنَّهُ لا يشاء أحدٌ أن يقتل أحداً، إلَّا دعا صغيراً أو مجنوناً فقتل معه، وهذا يؤدِّي إلى الهرج والفساد.
وقوله: «إنَّ على الصّغير نصف الدّية» - يعني: على عاقلة الصّغير -؛ فلأنَّ عمد الصغير خطأٌ، ودية قتل الخطأ على العاقلة.
стр. 1861
وقوله: «في الحرّ والعبد إذا قَتَلا عبداً قُتِل العبد به»؛ فلأنَّ المقتول مماثلٌ للقاتلِ، فوجب القَوَدُ فيه، وقد قال الله : ﴿وَالْعَبْدُ بِالْعَبْدِ﴾ [البقرة:١٧٨]، فكان على الحرّ نصف ثمن العبد المقتول؛ لأنَّهُ لا يُقْتَلُ حرٌّ بعبدٍ؛ لعدم التكافؤ بينهما.
وكان عليه قيمة ما أتلفه على سيِّده من ماله؛ لأنَّ العبد مالٌ.
وقوله: «إنَّ قتل الصغير خطأٌ»؛ فلأنَّ الصغير معدوم القصد في فعله القتل وغيره، فجرى مجرى المجنون والنائم، وقد قال النَّبِيُّ صلَّى الله عليه: «رُفِعَ القَلَمُ عَنِ الصَّبِيِّ حَتَّى يَبْلُغَ، وَعَنِ المَجْنُونِ حَتَّى يُفِيقَ، وَعَنِ النَّائِمِ حَتَّى يَنْتَبِهَ» (١)، فَرَفَعَ الإثم عنهم كلّهم، وأجراهم مجرىً واحداً، ومعلومٌ أَنَّهُ لا قصد لفعل النّائم ولا المجنون، فكذلك الصّبي مثله.
•••
[٢١٢٤] مسألة: قال: ولو قتل صغيرٌ وكبيرٌ رجلاً خطأً، كان على عاقلة كلّ واحدٍ منهما نصف الدّية، وتحمله العاقلة (٢).
• إِنَّمَا قالَ ذَلِكَ؛ لأنّهما قد اتَّفقا في قتل الخطأ؛ لأنَّ عمد الصبي خطأٌ؛ لعدم قصده وتمييزه.
ودية الخطأ فعلى عاقلة القاتل؛ بإلزام النَّبيِّ صلَّى الله عليه إيّاهم ذلك.
•••
стр. 1862
[٢١٢٥] مسألة: قال: وإن جرح كبيرٌ صغيراً، استُقِيدَ منه إن شاء أولياء الصّبيّ، وإن شاؤوا أخذوا العقل.
وكذلك الحرُّ والعبد يَقْتُلَانِ الحرَّ عمداً (١).
• هذا يحتمل أن يقال على أحد الروايتين عن مالكٍ: إِنَّهُ يُخَيَّرُ وليّ المقتول في بعض الرّوايات عنه، وقد قال في الأعور إذا فُقِئَتْ عينه: «هو مخيّرٌ بين أن يأخذ الدّية أو القَوَدَ».
ويحتمل أن يقال: إنَّ هذا إِنَّمَا هو نظرٌ للصّغير وحاجته إلى المال، فخُصَّ بذلك لهذه العلّة.
والتخيير أصحّ، وهو أحد الروايات عن مالكٍ؛ لأنَّ النَّبيَّ صلَّى الله عليه خَيَّر ولي المقتول بين أخذ الدّية أو القَوَدِ، فكان له الخيار؛ لأنَّهُ مُتَعَدَّى عليه في وليّه، والقاتل ظالمٌ، وقد قال الله جلّ ثناؤه: ﴿إِنَّمَا السَّبِيلُ عَلَى الَّذِينَ يَظْلِمُونَ النَّاسَ﴾ [الشورى:٤٢].
ووجه قوله: «إنّه لا يكون مخيّراً»؛ فلأنَّ القتل العمد وكذلك الجرح، إِنَّمَا فيه القصاص دون الدّية، فليس للمجني عليه وولي المقتول جبر الجاني على الدّية، وقد ذكرنا هذا (٢).
•••
стр. 1863
[٢١٢٦] مسألة: قال: ومن قطع يد رجلٍ اليمنى، ثمَّ سرق، فأُتِيَ به وقام المجروح، فَإِنَّهُ يُقْطع بالسَّرِقَة ولا شيء للمجروح؛ وذلك لأنَّ السَّرقة أمرٌ لله لا يُعْفَى عنه، وأنَّ المجروح رُبَّما عفا (١).
• إِنَّمَا قالَ ذَلِكَ؛ لأنَّ القاطع إذا قُطِعَت يده، فقد وصل المجنيّ عليه إلى غرضه من القَوَدِ، وهو قطع قاطع يده.
ولأنَّ القطع في السّرقة أقوى منه في القَوَدِ، فوجبت تقدمته؛ لجواز ترك القطع في القَوَدِ وعدم جواز ترك القطع في السَّرَقِ، فإذا قُطِعَ في السَّرَقِ، سقط حقُّ الآدمي من القَوَدِ، وكان بمنزلة قاتل العمد إذا مات، أَنَّهُ لا شيء لولي المقتول من ديةٍ ولا غيرها، وقد ذكرناه.
•••
[٢١٢٧] مسألة: قال: والقِصَاص بين الرِّجال والنِّساء الأحرار، كما يكون بين الرِّجال، فَنَفْسُ المرأة بِنَفْسِهِ، وَجُرْحُهَا بِجُرْحِهِ (٢).
• إِنَّمَا قالَ ذَلِكَ؛ لقول الله جل ثناؤه: ﴿النَّفْسَ بِالنَّفْسِ﴾ [المائدة:٤٥]، وهذا على عمومه في كلّ نفسٍ، إلَّا ما خصَّت منه دلالةٌ.
стр. 1864
وقد روى همامٌ، عن قتادة، عن أنسٍ: «أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ رَضَخَ رَأْسَ يَهُودِيٍ رَضَخَ رَأْسَ مُسْلِمَةٍ عَلَى أَوْضَاحٍ لَهَا» (١).
•••
[٢١٢٨] مسألة: قال: ويُقْتَلُ الرَّجلان الحرَّان والثلاثَةُ بالرَّجُلِ الحُرِّ، والمرأتان بالمرأة الحرَّةِ، والعبيد والإماء كذلك، إذا كان قتل العمد (٢).
• إِنَّمَا قالَ ذَلِكَ؛ لقول الله : ﴿كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِصَاصُ فِي الْقَتْلَى﴾ [البقرة:١٧٨]، وقال: ﴿وَمَنْ قُتِلَ مَظْلُومًا فَقَدْ جَعَلْنَا لِوَلِيِّهِ سُلْطَانًا فَلَا يُسْرِفْ فِي الْقَتْلِ﴾ [الإسراء:٣٣]، فلا فرق بين أن يكون القاتل واحداً أو جماعةً؛ لوقوع اسم القِتْلَةِ عليهم؛ ولِجَعْلِ الله الحُجَّة لولي المقتول عليهم.
ولو لم تُقْتَلِ الجماعة بواحدٍ؛ لأدَّى ذلك إلى رفع الحياة في القصاص الَّذِي جعله الله جَلَّ وعزَّ حياةً، ولَمَا شاءَ شاءٍ أن يَقْتُلَ آخر ثمَّ لا يُقْتَلَ به، إلَّا دعا من يقتل معه.
وقد قتل عمر بن الخطاب ﵁ سبعة نفرٍ من أهل صنعاء قتلوا رجلاً، وقال: «لَوْ تَمَالَأَ عَلَيْهِ أَهْلُ صَنْعَاءَ لَقَتَلْتُهُمْ بِهِ» (٣).
•••
стр. 1865
[٢١٢٩] مسألة: قال: ومن أمر رجلاً بقتل رجلٍ، فليس العبد في ذلك كالحرِّ؛ لأنَّ الحرّ لا يطيع هذا، كَأَنَّه يرى أنَّ المأمور الحرَّ إذا قَتَلَ قُتِلَ هو بعينه.
وقال ابن القاسم: يُقْتَل العبد والسيِّد إذا أمره، وإذا أمر حُرّاً، قُتِلَ القاتل وحُبِسَ الآمر وضُرِبَ (١)(٢).
• إِنَّمَا قالَ ذَلِكَ؛ لأنَّ المأمور الحرّ لا يجوز له طاعة غيره في معصية الله ، فإذا قَتَلَ بأمر غيره - إذا لم يضْطَرّه إلى ذلك ويُكرِهُه عليه -، فهو القاتل دون الآمر؛ لأنَّهُ المختار للقتل المنفرد به دون الآمر.
فأمَّا إذا كان مِمَّنْ يخاف الآمر ويُلزم طاعته، فالقتل عليهما جميعاً، وذلك بمنزلة السيّد والعبد، إلَّا أن يكون المأمور غير مميّزٍ ولا عارفٍ بتحريم القتل، فلا قتل عليه، وعلى الآمر له بذلك القتل؛ لأنَّهُ هو القاتل دون المأمور.
فأمَّا إذا كان مميّزاً - أعني: العبد -، كان القتل عليه وعلى سيِّده؛ لأنَّهُ أطاع سيّده فيما لا يجوز له، وعلى السيّد القتل؛ لأنَّهُ اضطره إلى ذلك، فصارا مشتركين في القتل، السيّد بالأمر، والعبد بالفعل.
فأمَّا الآمر إذا كان المأمور مِمَّنْ لا تلزمه طاعة الآمر، فَإِنَّهُ يُضْرَبُ ويُحْبَسُ؛ أدباً له على فعل ما لا يجوز له فعله، وهو أمره بقتل من لا يجوز قتله.
стр. 1866
فأمَّا القَوَدُ فهو على المأمور؛ لأنَّهُ متعدٍّ بالقتل دون الآمر.
•••
[٢١٣٠] مسألة: قال: ومن اطَّلَعَ على رجلٍ في بيته، ففقأ عينه بحصاةٍ، فعليه القَوَدُ (١).
• إِنَّمَا قالَ ذَلِكَ؛ لأنَّهُ فَعَلَ ما لا يجوز له فعله من فَقْءِ عينه؛ لأنَّ الَّذِي أُبِيحَ منه هو دفعه عن النّظر، فأمَّا فَقْءُ عينه قاصداً لذلك فغير جائزٍ.
وذلك بمنزلة من أراد مال غيره بغير حقٍّ، أو دمه أو نفسه، فَإِنَّهُ مباحٌ له أن يدفعه عن ذلك من غير قصدٍ منه إلى قتله، فإن أدَّى الدفع إلى القتل لم يكن عليه شيءٌ إذا لم يقدر على غيره؛ لأنَّ دفعه عن ذلك مباحٌ له، فكذلك هذا مباحٌ له دفعه عن النّظر والاطّلاع عليه من غير تعمّدٍ إلى فَقْءِ عينه، فإن تعمّد فَقْءَ عينه من غير دفعٍ منه، كان عليه القَوَدُ.
والخبر الَّذِي قيل فيه: «لَوْ عَلِمْتُ أَنَّكَ تَعْمَدُنِي - فِي الَّذِي نَظَر فِي بَابِ رَسُولِ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ، فَاطَّلَعَ عَلَيْهِ - لَفَقَأْتُ عَيْنَكَ» (٢) هو على وجه التّغليظ، أو على وجه الدفع عن النّظر.
والدَّليل على صِحّة ما قلناه، أنَّ فَقْءَ عينه لو كان مُسْتَحِقّاً لفُقِئت وإن تَرَك
стр. 1867
الاطّلاع، فلمَّا لم يجز ذلك، دلَّ على أنَّ الخبر على وجه التّغليظ؛ لأنَّ (١) الفَقْءَ واجبٌ، أو يكون على وجه الدّفع وإن أدَّى إلى فَقْءِ العين، والله أعلم.
•••
[٢١٣١] مسألة: قال: وإذا تعمَّد الرّجل قَتْلَ ابنِهِ، قُتِلَ بِهِ (٢).
• إِنَّمَا قالَ ذَلِكَ؛ لعموم قول الله : ﴿النَّفْسَ بِالنَّفْسِ﴾ [المائدة:٤٥]، وقوله: ﴿كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِصَاصُ فِي الْقَتْلَى﴾ [البقرة:١٧٨]، وقوله: ﴿وَالْجُرُوحَ قِصَاصٌ﴾ [المائدة:٤٥]، وهذا على عمومه في كلّ نفسٍ متكافئةٍ للقاتل، إلَّا أن تقوم دلالةٌ على تخصيص شيءٍ من ذلك، ولا فرق بين الأب وغيره إذا صَحَّ أَنَّهُ تعمَّد القتل وزالت الشّبهة فيه، وذلك مثل أن يذبحه، أو يضرب عنقه، أو يجزل وسطه، وأشباه ذلك مِمَّا يُعْلَم أَنَّهُ قصد قتله.
فَأَمَّا إذا فعل به شيئاً يُعْلَم أَنَّهُ لم يرد قتله فأدَّى ذلك إلى قتله، لم يُقْتَلْ به، وكان عليه ديةٌ مُغَلَّظَةٌ في ماله.
فإن قيل (٣): أليس لو فعل الأجنبيُّ ذلك بالأجنبيِّ قتلته به، فكذلك يجب أن يُفْعَل ذلك بالأب إذا فعل بابنه، فيُسَوَّى بينهما في القَوَدِ، أو يُفَرَّق بينهما في إسقاطه؟
стр. 1868
قيل له: إِنَّمَا قلنا ذلك؛ لأنَّ للآباء أن يؤدِّبوا أبناءَهم، ومع ذلك، فليس الأغلب منهم إرادة قتل أولادهم، بل الأغلب منهم الشَّفَقَة عليهم والرأفة، وليس كذلك الأجنبيُّ؛ لأنَّهُ ليس له أن يؤدب أجنبياً منه، وليس فيه الشّفقة عليه كشفقة الأب على ابنه، فإذا أمكننا حمل أمر الأب على ما هو عليه في الأصل، حملناه على ذلك؛ لأنَّ ذلك للأغلب والأقوى، فإذا زال ذلك بتعمّده لقتله، زال ما كان عليه من الأصل ووجب قتله، لعموم قوله : ﴿النَّفْسَ بِالنَّفْسِ﴾ [المائدة:٤٥].
وقد روى مالكٌ والليث بن سعد، عن يحيى بن سعيد، عن عمرو بن شعيب: «أَنَّ سُرَاقَةُ بْنُ مَالِكِ بْنِ جُعْشُمٍ المُدْلِجِيّ أَتَى عُمَرَ بْنِ الخَطَّابِ ﵁، فَأَخْبَرَهُ أَنَّ رَجُلاً مِنْهُمْ يُدْعَى قَتَادَةُ، حَذَفَ ابْنَهُ بِسَيْفٍ فَأَصَابَ سَاقَهُ فَنُزِيَ مِنْهَا فَمَاتَ، فَجَاءَ عُمَرَ بْنَ الخَطَّابِ فَذَكَرَ ذَلِكَ لَهُ، فَأَعْرَضَ عَنْهُ، فَقَالَ لَهُ سُرَاقَةُ: إِنْ كُنْتَ وَلِيَّ أَمْرِنَا فَأَقْبِلْ عَلَيْنَا، وَإِنْ كَانَ إِلَى غَيْرِكِ فَرُدَّنَا إِلَيْهِ، فَأَقْبَلَ عَلَيْهِ عُمَرُ، فَقَصَّ القِصَّةَ، فَقَالَ لَهُ عُمَرُ: اعْدُدْ لِي عَلَى قُدَيْدٍ عِشْرِينَ وَمِئَةَ بَعِيرٍ، فَلَمَّا جَاءَ عُمَرُ، أَخَذَ مِنْهُ ثَلَاثِينَ حِقَّةً، وَثَلَاثِينَ جَذَعَةً، وَأَرْبَعِينَ خَلِفَةً، ثمَّ قَالَ: أَيْنَ أَخُو المَقْتُولِ؟، فَقَالَ لَهُ: خُذْهَا، ثمَّ قَالَ عُمَرُ بْنُ الخَطَّابِ: إِنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ قَالَ: لَيْسَ لِقَاتِلٍ شَيْءٌ» (١).
وقد رُوِيَ عن عمر من غير هذا الحديث: «أَنَّهُ أَرَادَ قَتْلَهُ، فَقِيلَ لَهُ: يَا أَمِيرَ المُؤمِنِينَ: إِنَّهُ لَمْ يُرِدْ قَتْلَهُ، وَإِنّما أَرَادَ أَدَبَهُ، وَإِنَّهُ كَانَ مِنْ أَعَزّ النّاسِ عَلَيْهِ، فَأَلْزَمَهُ
стр. 1869
بَعْدَ ذَلِكَ الدّيَةَ مُغَلَّظَةً» (١)، ولو لم يجز قتل الأب بابنه إذا تعمّد قتله، لم يكن عمر يريد قتله به.
فإن قيل (٢): قد رُوِيَ عن النَّبيِّ صَلَّى الله عَلَيْهِ أَنَّهُ قال: «لَا يُقْتَلُ وَالِدٌ بِوَلَدٍ» (٣)؟
قيل له: معناه إن صحَّ، إذا قتله على غير تَعَمُّدٍ لقتله، بل إذا عمد أَدَبَهُ لا قتله؛ لأنَّ له أن يؤدِّبَه كما ذكرناه.
وقد قال مخالفنا (٤) في هذه المسألة: «إنَّه إذا قتله على وجه الغيلة، أَنَّهُ يُقْتَل به» (٥).
•••
[٢١٣٢] مسألة: قال: ومن قتل رجلاً بِعَصَاً، فإن شاء وليّه قَتَلَهُ بالسّيف،
стр. 1870
وإن شاء قتله بالعصا إذا كانت تُجْهِزُ في ضربةٍ واحدةٍ، لا يكون شيءٌ عنيفٌ، فَأَمَّا ضرباتٍ فلا (١).
• إِنَّمَا قالَ ذَلِكَ؛ لأنَّ الله قال: ﴿فَمَنِ اعْتَدَى عَلَيْكُمْ فَاعْتَدُوا عَلَيْهِ بِمِثْلِ مَا اعْتَدَى عَلَيْكُمْ﴾ [البقرة:١٩٤]، فلوليّ المقتول، أن يقتل القاتل بمثل ما قَتَلَ وليّه، لا يزيد عليه في الضّرب، ولا بغير ما قتل به.
فإن قتل بما هو أوجأ منه كان له ذلك؛ لأنَّهُ قد أحسن حينئذٍ إلى القاتل وخفّف عنه.
•••
[٢١٣٢ - ٢] مسألة: قال: وأحب إلي [أن يولِّيَ] (٢) القاضي على [الجراح] (٣) رجلين يبصران ذلك، ويقيسـ[ـان] (٤) ويجتمعان [في] (٥) معرفة ذلك (٦).
стр. 1871
[إنما] قال ذلك ليـ[ ..... ] (١) بهما العدل بيـ[ـن] (٢) الجاني والمجـ[ـني عليه] (٣) وليشدَّ كـ[ـلٌّ منهما] (٤) الآخر، وقد جعـ[ـل الله] (٥) تعالى ذلك في جـ[ـزاء] (٦) الصيد، ويقـ[ ..... ] (٧) المقتول بالمثـ[ـل] (٨)، فقال: ﴿يَحْكُمُ بِهِ ذَوَا عَدْلٍ مِنْكُمْ هَدْيًا بَالِغَ الْكَعْبَةِ﴾ [المائدة:٩٥]، فكـ[ـان] (٩) هذا مثله، وإ [ذا] (١٠) كان واحداً [ ..... ] (١١) هذا جاز، كـ[ـما] (١٢) يجوز في قيمة [ ..... ] (١٣) المتلف، والـ[ـ ..... ] (١٤) يجوز فيه و [ ..... ] (١٥) الحكم، فكذلك [ ...... ] (١٦).
•••
стр. 1872
[٢١٣٢ - ٣] وإذا جرح الرَّجلُ الـ[ـرجلَ] (١)، ثُمَّ جرحـ[ـه] (٢) الآخرُ مثل جرحه، ثُمَّ طلب [ ..... ] (٣) ثانية، أو طـ[ـ ..... ] (٤) أحدهما [ ..... ] (٥) بينهما؛ لأنـ[ ..... ] (٦) أخذ قوده (٧).
قد ذكر [مالكٌ] (٨) العلَّة [في ذلك] (٩)، وهو لأنه قد [أخذ] (١٠) حقه، وتنـ[ ..... ] (١١) كل واحـ[ـدٍ] (١٢) منهما [ ..... ] (١٣)، وكذلك [ ..... ] (١٤) لهما بغير إذ [ن] (١٥) الإمام.
•••
стр. 1873
[٢١٣٣] مسألة: قال: وإذا اقْتَصَّ الرَّجُلُ من الجرح، فأرى أن يَقْتَصَّ له طبيبٌ، وأرى جُعْلَهُ على الَّذِي يُقْتَصُّ له (١).
• إِنَّمَا قالَ ذَلِكَ؛ لأنَّ الطبيب أبصر بذلك من غيره؛ لئلا يتعدّى في أكثر مِمَّا له، أو يقصر عنه.
وجَعَلَ جُعْلَه على الَّذِي يَقْتَصُّ؛ لأنَّهُ شيءٌ يقدر هو على تناوله، وليس هو غير مميّزٍ كالقفيز من الصّبرة، فتكون أجرته على المأخوذ منه وهو البائع.
•••
[٢١٣٤] مسألة: قال: ومن وُجِدَ متعلِّقاً بِرَجُلٍ في جُرْحٍ جرحه، وليس له إلَّا شاهدٌ واحدٌ، حلف واقتصّ، فإن ردّ اليمين على المدّعى عليه فنكل، اقْتَصَّ منه (٢).
• إِنَّمَا قالَ ذَلِكَ؛ لأنَّ هذا حقٌّ من الحقوق، وقد يدخله المال وينتقل إليه، فجاز أن يُحْكَم فيه بالشّاهد واليمين، وكذلك بالشّاهد ونكول المدّعى عليه، كما يحكم بالمال.
وليس يجوز أن يحكم فيه بالقتل؛ لغلظ أمر القتل.
ألا ترى: أنَّ في القتل قسامةٌ؛ لغلظه ووكود حرمته، وليس ذلك في الجراح،
стр. 1874
وكذلك يُحكم بالشّاهد واليمين في الجراح، ولا يحكم في القتل ولا في الحدود؛ لغلظ أمرها.
وقد قال مالكٌ: «إنَّه لا يحكم بالشّاهد واليمين في جراح العبد، وإنّما يحكم في الأموال خاصةً»، وهذا القول هو أصحّ.
ووجهه: أنَّ الحكم بالشاهد واليمين إِنَّمَا جاء عن النَّبيِّ صلَّى الله عليه في المال دون غيره، والمال أخفض حرمةً من البدن، وما يثبت منه مِمَّا ليس بمالٍ.
ألا ترى: أَنَّهُ لا يجوز الحكم بشاهدٍ ويمينٍ في الحدود والقتل والعدالة وما أشبه ذلك؛ لِأَنَّهَا أشياء تثبت في البدن، فكذلك الجرح مثله إذا كان عمداً، لا يحكم بذلك فيه.
ولو جاز أن يُحْكَمَ فيه؛ لأنَّهُ قد يدخله مالٌ وينتقل إليه، لجاز ذلك في القتل؛ لأنَّهُ قد يدخله مالٌ وينتقل إليه، وهذا غير جائزٍ.
•••
[٢١٣٥] مسألة: قال: ومن جرح رجلاً عمداً، فأراد المجروح أخذ العقل، و [أبى] (١) ذلك الآخَر، فليس له إلَّا القصاص، إلَّا أن يرضى (٢).
• إِنَّمَا قالَ ذَلِكَ؛ لأنَّ الله أوجب القصاص في القتل، وقال: ﴿وَالْجُرُوحَ قِصَاصٌ﴾ [المائدة:٤٥]، فالذي ألزم القاتل والجارح القَوَدُ منه دون المال،
стр. 1875
وليس عليه غيره، إلَّا أن يحبّ ذلك ويرضى به، فَأَمَّا أن يُجْبَرَ عليه فغير جائزٍ، وقد ذكرناها فيما تقدَّم (١).
•••
[٢١٣٦] مسألة: قال: ومن قَتَلَ أخاه عمداً، وللمقتول ابنٌ غلامٌ وأبٌ، فأبى الأب أن يَقْتُلَ ابنه، وأبى الابن إلَّا أن يَقْتُلَ عمَّه، فالأمر في ذلك إلى الابن، إن شاء قتل، وإن أحبّ عفا (٢).
• إِنَّمَا قالَ ذَلِكَ؛ لأنَّ الابن هو الوليّ هاهنا؛ لقوَّة سببه، بدلالة: أَنَّهُ أولى بالولاء وكثرة الميراث، فكذلك هو أولى بالقيام بالدّم دون جدِّه.
ألا ترى: أنَّ الأب يرث من ابنه إذا ترك الابن ابناً مثلما ترث الأمّ، وهو السُّدس بالولادة، والابن يرث ما بقي من ذلك بالتّعصيب، فكذلك وجب أن يكون الابن أولى بالقَوَدِ والعفو من الأب؛ لأنَّهُ العصبة، وقد قال الله جَلَّ وعزَّ: ﴿وَمَنْ قُتِلَ مَظْلُومًا فَقَدْ جَعَلْنَا لِوَلِيِّهِ سُلْطَانًا فَلَا يُسْرِفْ فِي الْقَتْلِ﴾ [الإسراء:٣٣]، فكان الابن هو الوليّ دون الأب، له القَوَدُ والعفو.
стр. 1876
ولأنه أيضاً أقرب إلى الأب من ابنه (١)، وقد قال رسول الله صلَّى الله عليه: «فَاطِمَةُ بَضْعَةٌ مِنِّي» (٢)، فالولد أولى بالأب.
•••
[٢١٣٧] مسألة: قال: ويُقْتَلُ الأخ بأخيه، إذا قتله عمداً على وجه العداوة (٣).
• إِنَّمَا قالَ ذَلِكَ؛ لقول الله ﷻ : ﴿النَّفْسَ بِالنَّفْسِ﴾ [المائدة:٤٥]، وهذا على عمومه في كلّ نفسٍ مكافئةٍ للقاتل، ولا فرق بين الأخ وغيره، ولا خلاف في هذا نعلمه.
•••
[٢١٣٨] مسألة: قال: وإذا فَجَرَتِ امرأةٌ، فقال لها ابنها: «لأخبرنَّ أبي»، فقتلته، قُتِلَتْ بِهِ (٤).
• إِنَّمَا قالَ ذَلِكَ؛ لعموم قوله : ﴿النَّفْسَ بِالنَّفْسِ﴾ [المائدة:٤٥]، فوجب قتل الأبوين بالولد إذا تعمّدا قتله، وقد ذكر هذا فيما تقدَّم (٥).
•••
стр. 1877
[٢١٣٩] مسألة: قال: ومن قطع يد رَجُلٍ وهو أقطع، قطعها عمداً، فإن كان إِنَّمَا قطعها؛ لأنَّهُ يرى أن لا قَطْعَ عليه، رأيت أن تُقْطَعَ يَدُهُ (١).
• إِنَّمَا قالَ ذَلِكَ؛ لقول الله جَلَّ وَعَزَّ: ﴿وَالْجُرُوحَ قِصَاصٌ﴾ [المائدة:٤٥]، فوجب القَوَدُ في كلّ جرحٍ عمداً إذا أمكن ذلك، مع وجود التكافؤ بينهما.
•••
[٢١٤٠] مسألة: قال: ومن كانت بينهما منازعةٌ، ثمَّ تفرَّقَا، ثمَّ تعلَّق أحدهما بالآخر وأصبعه مجروحةٌ فزعم أَنَّهُ جَرَحَهُ، فليأت ببيِّنَةٍ، وإلا فيمين المدَّعَى عليه، وإن كان من أهل التُّهْمَةِ رأيت أن يُضْرَبَ (٢).
• إِنَّمَا قالَ ذَلِكَ؛ لأنَّهُ مدَّعٍ على صاحبه الجرح، فعليه البيِّنَة، وإلا فيمين المدّعى عليه؛ للَّوَثِ الواقع بينهما.
ويحلف يميناً واحدةً؛ لأنَّهُ ليس في الجراح قسامةٌ.
وقوله: «يضرب إذا كان متَّهَمَاً»؛ لأنَّ الغالب من حاله أَنَّهُ مِمَّنْ فعل مثل هذا.
•••
стр. 1878
[٢١٤١] مسألة: قال: ومن قُطِعَ إحدى قصبتي يده، فعليه (١) القَوَدُ إن كان يُسْتَطَاعُ ذلك (٢).
• إنّما قال ذلك؛ لقول الله جَلَّ وَعَزَّ: ﴿وَالْجُرُوحَ قِصَاصٌ﴾ [المائدة:٤٥]:
(فكلّ جرحٍ يُستطاع القَوَدُ فيه، ففيه القَوَدُ؛ لإيجاب الله القَوَدَ فيه إذا طالب بذلك المجروح.
(وكلُّ ما لا يُستطاع القَوَدُ فيه، ففيه الدّية، وذلك مثل المأمومة والجائفة العمد، فيهما الدّية؛ لتعذّر القَوَدِ فيهما، فكذلك كلُّ ما يستطاع القَوَدُ فيه مثله.
•••
[٢١٤٢] مسألة: قال: ومن قَطَعَ يد رجلٍ صحيحةً سليمةً، أو فقأ عينه، وَيَدُ القاطِعِ أو عَيْنُ الفَاقِئِ بها نقصٌ أو عيبٌ وفيها استمتاعٌ، فأراد المجروح القَوَدَ بيده، فذلك له.
وأمَّا إن كان لا استمتاع له بها، واليد شلّاء والعين قائمةٌ، فأراد القَوَدَ، فلا قَوَدَ له (٣).
стр. 1879
• إِنَّمَا قالَ ذَلِكَ؛ لأنَّهُ إذا كان فيها استمتاعٌ ففيها القَوَدُ؛ لحصول المنفعة فيها، فللمجروح إزالتها في القَوَدِ؛ لِأَنَّهَا تكافِئُ يده في وجود المنفعة فيها.
فأمَّا إذا لم تكن فيها منفعةٌ، وكانت يداً شلّاء، أو عيناً قائمةً، فلا قَوَدَ في ذلك؛ لعدم التكافؤ في وجود المنفعة فيها، وإنّما يريد تعذيبه بذلك، فليس له ذلك.
•••
[٢١٤٣] مسألة: قال: وإن قَطَعَ بعض أصبع رجلٍ، وأصبع القاطع أطول من أصبع المقطوع، والمقطوع أطولُ، فَإِنَّهُ يُنْظَرُ إلى أُنْمُلَةِ المقطوع - ما أصيب منها -، فإن كان ثلثها أو ربعها، قُطِعَ من أصبع القاطع بقدر ذلك، على هذا الحساب يكون، كانت أنملته طويلةً أو قصيرةً (١).
• إِنَّمَا قالَ ذَلِكَ؛ لأنَّ الله جَلَّ وعزَّ قال: ﴿وَالْجُرُوحَ قِصَاصٌ﴾ [المائدة:٤٥]، وقال: ﴿فَمَنِ اعْتَدَى عَلَيْكُمْ فَاعْتَدُوا عَلَيْهِ بِمِثْلِ مَا اعْتَدَى عَلَيْكُمْ﴾ [البقرة:١٩٤]، فوجب بهذا أن يُقْتَصَّ من الجارح بمقدار ما جرح أو قطع، كانت أصبعه أطول أو أقصر، كما تُقْطَع يدٌ طويلةٌ بيدٍ قصيرةٍ، وقصيرةٌ بطويلةٍ، ويُقْتَل طويلٌ بقصيرٍ، وقصيرٌ بطويلٍ، مع وجود التكافؤ في ذلك كلّه، فكذلك هذا، يُقْتَصُّ من الجارح مقدار ما قطع من أصبع المقطوع، أو يده، أو غيره من الأعضاء، كان قَدْرُ ذلك أطول أو أقصر.
•••
стр. 1880
[٢١٤٤] مسألة: قال: وقال ابن شهابٍ: مضت السُّنَّةُ، أنَّ الرّجل إذا أصاب امرأته بجرحٍ، أنَّ عليه عقل تلك الجراح، ولا يُقاد منه (١).
قال مالكٌ: وإنّما ذلك في الخطأ، أن يَضْرِبَ الرّجل امرأته فيصيبُها مِنْ ضَرْبِه ما لم يتعمَّد، يضربها بالسوط فيفقأ عينها أو نحو هذا، وأمّا العمد ففيه القَوَدُ، إذا فقأ عينها أو كسر يدها أقيدت منه (٢).
• إِنَّمَا قالَ ذَلِكَ؛ لأنَّ الله جلَّ وعزَّ قال: ﴿وَالْجُرُوحَ قِصَاصٌ﴾ [المائدة:٤٥]، وقال: ﴿فَاعْتَدُوا عَلَيْهِ بِمِثْلِ مَا اعْتَدَى عَلَيْكُمْ﴾ [البقرة:١٩٤]، وهذا على عمومه في كلّ أحدٍ، إلَّا ما خرج بالدّلالة.
ولا فرق في ذلك بين الرّجل وامرأته إذا كان الجرح عمداً، فَأَمَّا إذا كان خطأً، فدية ذلك على عاقلته إذا كانت ثلث ديتها فصاعداً؛ لأنَّهُ لم يتعمّد ذلك.
•••
[٢١٤٥] مسألة: قال: ومن أصاب امرأته - بكراً إلى الصِّغَرِ ما هِيَ -، فعنَّف عليها في وطئه إيّاها، فلم يُقِمْ إلَّا سبعاً حَتَّى ماتت، فإن عُلِمَ أنَّ موتها من إصابته إيّاها، فعليه الدّية، وأرى أن تُعْلِمَ أهلها بالّذي صنع، فيَرَوا فيه رأيهم، وأرى أن يُحَرِّرَ رقبةً (٣).
стр. 1881
• إِنَّمَا قالَ ذَلِكَ؛ لأنَّ هذا قاتل خطأٍ؛ لأنَّ موتها كان بسبب فعله، وهو وطؤها إذا كانت مِمَّنْ لا تطيق الوطء، فكانت ديتها على عاقلته.
وعليه تحرير رقبةٍ مؤمنةٍ، وديةٌ مُسَلَّمَةٌ إلى أهلها.
•••
[٢١٤٦] مسألة: قال: وإذا كانت حرّةٌ تحت عبدٍ، شجَّها أو كسر ضِلْعَاً من أضلاعها، فهو لها عبدٌ، إلَّا أن يفتكَّه السَّيِّد بِدِيَةِ الجراح.
(فإن أسلمه: انفسخ النّكاح بينهما، وحَرُمَت عليه.
(وإن افتكَّه: فهي امرأته على حالها.
وإن قال: «أَنَا أَفْتَكُّهُ عَلَى أنَّكِ لَسْتِ بِزَوْجَةٍ»، فلا ينفعه ذلك، وهي امرأته على حالها (١).
• إِنَّمَا قالَ ذَلِكَ؛ لأنَّ العبد إذا جنى على حرٍّ، فسيِّده بالخيار، بين أن يفتكَّه بأرش الجناية، أو يسلمه إلى المجني عليه عبداً له، لا بدّ له من ذلك.
فإن افتكَّ السيِّدُ هذا العبدَ الزَّوجَ بأرش جنايته، فالزَّوجية باقيةٌ بينهما.
وإن أسلمه إلى امرأته بجنايته، صار عبداً لها وانفسخ النّكاح؛ لأنَّ ملك أحد الزوجين الآخر يفسخ النّكاح.
وشرطه أَنَّهُ إن افتكه لم تكن زوجةً له باطلٌ؛ لأنَّ الزوجية ثابتةٌ، لا ترتفع
стр. 1882
بشرطه، وإنّما ترتفع بحصول أحد الأشياء الواقع لها، من: طلاقٍ، أو مُلْكٍ، أو ردّةٍ، أو ما أشبه ذلك.
•••
[٢١٤٧] مسألة: قال: وإذا اقتتل جماعةٌ، فانكشفوا وبينهم قتيلٌ أو جريحٌ، ولا يُدرَى من قَتَلَهُ ولا من جَرَحَهُ، فَعَقْلُهُ على القبيلة الَّتِي نَازَعَته.
وإن كان من غير الفريقين، فعقله على الفريقين جميعاً (١).
• إِنَّمَا قالَ ذَلِكَ؛ لأنَّهُ إذا كان قتالهم على غير وجه التَّدين والتّأويل، فالعقل على القبيلة الَّتِي نازعته؛ لِأَنَّهُم هم الَّذِينَ قتلوه في الأغلب.
ولم يكن فيه قودٌ؛ لأنَّهُ لا تُعرف عين القاتل فيُقتصّ منه.
ولا يمكن فيه قسامةٌ؛ لأنَّ القسامة تكون على واحدٍ من جماعةٍ ثبتت الدّعوى عليه.
وإن كان من غير الفريقين، فعقله عليهما جميعاً؛ من قِبَلِ أنَّهم سبب قتله، لأنَّ قتله لم يخرج عنهما، ولا يجوز إسقاط دمه، ولا بدّ فيه من قودٍ أو ديةٍ، فكان فيه الدّية عليهما.
فأمَّا إذا كان قتالهم على وجه التأويل والتَّدَيّن، فلا قَوَدَ بينهم ولا دية، بدلالة: قتل الحربي الكافر للمسلم، لا دية عليه، ولا قَوَدَ إذا أسلم.
стр. 1883
وبدلالة قتل الجمل وصِفَّين، أَنَّهُ لم يُقَدْ بعضهم من بعضٍ، ولا كانت بينهم دياتٌ، فكذلك كلّ من اقتتل من المسلمين على وجه تأويل دينٍ فهو مثله، في أَنَّهُ لا قَوَدَ ولا دية فيه.
فأمَّا إذا كان على غير وجه الدِّين، وكان على وجه عصبيَّةٍ أو عداوةٍ أو طَلَبِ مُلْكٍ، فبينهم القَوَدُ إذا تعمَّد القتل والجرح وثبت ذلك على أحدٍ، وعلى عواقلهم الدّية في القتل الخطأ؛ لِأَنَّهُم غير معذورين فيما فعلوه من القتال.
•••
[٢١٤٨] مسألة: قال: وإذا وقعت بينهم جراحٌ، استُحْلِفُوا على من ادَّعوا، ثمَّ يُقَادُوا (١).
• إِنَّمَا قالَ ذَلِكَ؛ لَمَّا بيَّنَّاه أنَّ بينهم القَوَدَ إذا اقتتلوا في النّفس والجرح، إذا كان على غير وجه التأويل؛ لعموم إيجاب الله ﵎ القصاص في ذلك بقوله: ﴿وَالْجُرُوحَ قِصَاصٌ﴾ [المائدة:٤٥]، وقوله: ﴿كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِصَاصُ فِي الْقَتْلَى﴾ [البقرة:١٧٨].
وقوله: «إنهم يُقَادُون باليمين»، يعني: مع الشَّاهد الواحد.
وقد قال مالكٌ: إِنَّمَا الجراح بمنزلة القتل، لا تكون إلَّا ببيّنةٍ، فإذا لم تكن بيّنةٌ، فإنَّمَا فيه العقل، وكذلك القتل إذا لم تكن بيّنة، في النّائرة في العين.
•••
стр. 1884
[٢١٤٩] قال ابن القاسم: إن أقام شاهداً واحداً على جرحه، حلف واقتصّ، وإلّا ففيه الدِّيَة (١).
• قد ذكرت وجه قوله: «إنه يُحْكَم بالشاهد الواحد بالقَوَدِ في الجراح»، ووجه قوله: «إنه لا يحكم به» فيما تَقَدَّمَ (٢).
ولا فرق في ذلك بين النّائرة وغير النّائرة، إلَّا أن يكون ذلك على وجه التّدين والتّأويل، وأنّه لا قَوَدَ فيه ولا دية على ما بيّناه.
•••
[٢١٥٠] مسألة: قال: وإذا اقتتل نفرٌ، فافترقوا وبينهم قتيلان، إلَّا أنَّ بأحدهم جَدْعُ أُذُنٍ وجراحٌ، فإنَّمَا فيهم العقل، وليس في جراحهم شيءٌ (٣).
• إِنَّمَا قالَ ذَلِكَ؛ لأنَّهُ لا يُدرى من قتلهم ولا من جرحهم، فلا قَوَدَ فيه، وفيه الدّية لا غير.
وليس في الجراح شيءٌ؛ لأنَّ الدّية تأتي عليه، بمنزلة ما لو قَطَع يدي رجلٍ ثمَّ قتله، لكانت فيه ديةٌ واحدةٌ؛ لِأَنَّهَا دية النَّفس، فإذا اجتمع قطع الأعضاء والقتل، كان الحكم للقتل دون الأعضاء في الدّية والقَوَدِ.
•••
стр. 1885
[٢١٥١] مسألة: قال: ولا يُقَاد [في الجـ]ـائفة (١) والمأمومة، وتركُ القَوَدِ من المُنَقِّلَةِ أعجبُ إليَّ، ولا يقاد من الفخذ (٢).
• إِنَّمَا قالَ ذَلِكَ؛ لأنَّ الغالب في الجائفة والمأمومة التّلف، وكذلك المنقِّلة وكسر الفخذ، فوجب ترك القَوَدِ فيها كلّها؛ لغلبة الخوف على النّفس.
قال [ ..... ] (٣): وأمّا ما لا يخاف منه التّلف في الغالب إذا أقيد منه؛ فلقول الله تعالى: ﴿وَالْجُرُوحَ قِصَاصٌ﴾ [المائدة:٤٥].
•••
[٢١٥٢] مسألة: قال: ولا يُقَاد من اللَّطمة، ولكن يعاقبه الإمام في ذلك، وذلك يختلف.
وأمّا هؤلاء السُّودَانِ والصبيان يلتطمون في كلّ ساعةٍ، فذلك خفيفٌ، وأمّا الرّجل ذو الهيئة يُلْطم، فذلك مخالفٌ لهما (٤).
• إِنَّمَا قالَ ذَلِكَ؛ لأنَّ اللّطمة لا يمكن فيها المماثلة، فلا قَوَدَ فيها، ويعاقَبُ الفاعل لها على قدر اجتهاد الإمام فيمن لطمه، بحسب دينه وشرفه وحاله، وقد
стр. 1886
قال رسول الله صلَّى الله عليه: «نَزِّلُوا النَّاسَ مَنَازِلَهُمْ» (١)»، وقال: «إِذَا أَتَاكُمْ كَرِيمُ قَوْمٍ فَأَكْرِمُوهُ» (٢)، وطرح رداءَه لجرير بن عبد الله ليقعد عليه (٣)، وقال: «أَقِيلُوا ذَوِي الهَيْئَاتِ عَثَرَاتِهِمْ» (٤)، فالنّاس مختلفون في هذا كما قال مالكٌ، يُتْرَكُ أمرهم على حسب حالهم والاجتراء عليهم، فيؤدَّبُ من فعل ذلك بهم على حسب جنايتهم.
•••
[٢١٥٣] مسألة: قال: ومن ضرب رجلاً حَتَّى أحدث، فعليه العقوبة من السُّلطان بقدر ما يرى (٥).
• قال أبو بكر: وهذا مثل ما ذكرناه: أنَّ الإمام يؤدِّبه بقدر اجتهاده، وحسب حال من فعل ذلك به.
•••
[٢١٥٤] وليس في الظُّفْرِ قودٌ، ويُسْتَأْنى حَتَّى يُنْظَر إلى ما يصير إليه، وفي عقله الاجتهاد.
стр. 1887
وقد قال: إن كان يُستطاع القَوَدُ منه أقيد (١).
• وجه قوله: «لا قَوَدَ في الظُّفر»؛ فلأنَّ ذلك متعذّرٌ فيه، فكان بمنزلة الجائفة والمأمومة، لا قَوَدَ فيهما، وفيه حكومةٌ.
ووجه قوله: «إنَّ فيه القَوَدَ»؛ فلأنَّ القَوَدَ يستطاع فيه بقلعه، كما يمكن ذلك في السنّ، فليس قلعه مخوفاً ككسر الفخذ والجائفة والمأمومة، فكان فيه القَوَدُ إذا كان عمداً، وهذا هو الصّحيح.
وإن كان خطأً ففيه حكومةُ عدلٍ، وذلك أن يقال: كم كانت قيمته لو كان صحيحاً لو كان عبداً، وكم قيمته وبه هذا العيب، فما قيل من شيءٍ كان عليه ما بين القيمتين من الدّية بقدر ذلك، كان عُشْرُ الدّية مثلاً أو أقل أو أكثر.
وقوله: «يُستأنى بالظفر حَتَّى يُنظر إلى ما يصير أمره»؛ فلجواز أن يرجع كما يرجع السنُّ.
•••
[٢١٥٥] مسألة: قال: ومن لطم رجلاً فذهب بصره والعين قائمةٌ، أو نَخَسَهَا (٢):
(فإن كان فقأها، فُقِئت عينه.
стр. 1888
(فإن ذهب البصر والعين قائمةٌ، فَإِنَّهُ إن استُطِيعَ القَوَدُ أُخِذَ، وإلا عُقِلَ له (١).
• إِنَّمَا قالَ ذَلِكَ؛ لأنَّ الله قال: ﴿وَالْعَيْنَ بِالْعَيْنِ﴾ [المائدة:٤٥]، وقال: ﴿وَالْجُرُوحَ قِصَاصٌ﴾ [المائدة:٤٥]، فكلُّما استُطِيع القَوَدُ منه أقيد، بعد أن لا يكون الغالب منه التّلف وخوفٌ على النّفس، وإذا كان كذلك، لم يُقَدْ منه، وكانت فيه الدّية.
•••
[٢١٥٦] مسألة: قال: وإذا اقتتل رجلان، فعضَّ أحدهما لسان الآخر، فقطع منه ما منعه الكلام شهراً، ثمَّ تكلَّم وقد نقص من كلامه، فأُحِبُّ أن لا يُقاد منه؛ لأنَّهُ يُعْرَفُ حده (٢)، وأخاف أن يَشْرَعَ حديدةً فيُذْهِب كلامه أو جُلَّه، فأحبُّ إليَّ أن لا يُقاد منه.
وكُلُّ ما لا يُستطاع القَوَدُ منه، فلا قَوَدَ فيه (٣).
• إِنَّمَا قالَ ذَلِكَ؛ لأنَّ المماثلة في القَوَدِ غير ممكنةٍ؛ لأنَّهُ لا يُقْدَر على مثل
стр. 1889
ما قُطِعَ منه فيقاد به، وإذا كان كذلك، كانت فيه الدّية بقدر ما ذهب منه، ويعتبر ذلك بقدر ذهاب الكلام.
•••
[٢١٥٧] مسألة: قال: وإذا قُطِعَ مِنَ اللِّسانِ مَا مَنَعَ الكَلَام، ففيه الدّية كاملة، وكذلك العين إذا ذهب بصرها وهي قائمةٌ، ففيها الدِّية (١).
• إِنَّمَا قالَ ذَلِكَ؛ لأنَّهُ قد أبطل الغرض من اللِّسان والمنفعة به بذهاب الكلام، ففيه الدّية كاملة، فكذلك العين إذا ذهب البصر منها، ففيها الدّية كاملة - أعني: دية العين بذهاب المنفعة -، وهذا مِمَّا لا خلاف فيه، وقد قال النَّبيُّ صَلَّى الله عليه: «فِي العَيْنَيْنِ الدِّيَةُ، وَفِي اللِّسَانِ الدِّيَةُ».
رواه يحيى بن حمزة، عن سليمان بن داود، عن الزهري، عن أبي بكر بن محمد بن عمرو بن حزمٍ، عن أبيه، عن جده، أنَّ رسول الله صَلَّى الله عَلَيْهِ قال ذلك (٢).
•••
[٢١٥٨] مسألة: قال: ويُنْتَظَرُ باللِّسان حَتَّى يُنْظر، أينبت أم لا (٣).
• إِنَّمَا قالَ ذَلِكَ؛ لجواز أن ينبت إذا عولج باللَّبن وغيره.
стр. 1890
وقد قيل: إِنَّهُ إذا قُطِع من أصله رجع.
•••
[٢١٥٩] مسألة: قال: ومن قتل رجلاً في الحَرَمِ، فَإِنَّهُ يُقْتَلُ في الحرم، وإن قتله في الحلّ فلم يُقْدَرْ عليه إلَّا في الحرم، قُتِلَ في الحرم، وتقام الحدود الَّتِي افترض لله جلَّ وعزَّ على عباده في الحرم وغيره، ولا يُسْتَأْنَى بصاحبه بعد أن وجب عليه (١).
• إِنَّمَا قالَ ذَلِكَ؛ لأنَّ الله سوَّى في وجوب القَوَدِ في الحرم وغيره بقوله: ﴿فَاعْتَدُوا عَلَيْهِ بِمِثْلِ مَا اعْتَدَى عَلَيْكُمْ﴾ [البقرة:١٩٤]، وقوله: ﴿وَالْجُرُوحَ قِصَاصٌ﴾ [المائدة:٤٥]، وكذلك إقامة الحدود فيه كهي في غيره؛ لعموم إيجاب الله الحدود على من ارتكبها بقوله: ﴿الزَّانِيَةُ وَالزَّانِي فَاجْلِدُوا كُلَّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا مِائَةَ جَلْدَةٍ﴾ [النور:٢]، وقوله: ﴿وَالسَّارِقُ وَالسَّارِقَةُ فَاقْطَعُوا أَيْدِيَهُمَا﴾ [المائدة:٣٨]، ولم يفرِّق في ذلك بين الحرم والحل.
والحرم أولى الأماكن بإقامة الحدود فيه، من الحدود والقصاص وغيرها، كما تقام فيه حقوق الأموال.
وقد قتل النَّبيُّ صلَّى الله عليه في الحرم جماعةً وجب قتلهم، ولم يخرجهم إلى الحلّ، منهم: ابن خَطَلٍ والقِينَتَيْنِ.
стр. 1891
فروى مالك، عن الزهري، عن أنس: «أَنَّ النَّبيَّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ قِيلَ لَهُ: هَذَا ابْنُ خَطَلٍ مُتَعَلِّقٌ بِأَسْتَارِ الكَعْبَةِ، قَالَ: اقْتُلُوهُ» (١).
ومعنى قوله : ﴿وَمَنْ دَخَلَهُ كَانَ آمِنًا﴾ [آل عمران:٩٧]، أي: فأَمِّنوه، أي: لا تهيِّجُوه.
وهذا أمرٌ، ثُمَّ أمر الله تعالى بإقامة الحدود من القتل والجرح والقطع، وأخذ الحقوق من المال وغيره على من وجب ذلك عليه، حيث كان في حلٍّ أو حرمٍ.
•••
[٢١٦٠] مسألة: قال: ومن أُخِذَ في تُهمةٍ في قتل رجلٍ، فاعترف عند السُّلطان بغير ضربٍ، ثمَّ أُخْرِجَ المقتول من بئرٍ أو مَدْفَنٍ وجيء بِسَلَبِهِ، فلما أُمِرَ به ليُقْتَل، قال: «ما قتلته، ولكن رأيت من قتله»، فلا ينفعه إنكاره بعد ذلك، وكذلك السَّارق (٢).
• إِنَّمَا قالَ ذَلِكَ؛ لأنَّ إقراره قد ثبت عليه ولزمه حكمه، فلا ينفعه الرّجوع عنه، ولا يسقط عنه ما قد لزمه من القتل، كما يُقِرُّ بالمال، ثمَّ يريد الرّجوع عنه، أَنَّهُ لا يقبل ذلك منه.
وكذلك حدُّ القاذف والسّارق، لا يُقبل ذلك منه.
стр. 1892
وقد اختلف قول مالكٍ في رجوعه بعد إقراره في حدِّ الزّنا:
(فقيل: إنَّ إقراره يُقْبَل؛ لأنَّهُ حقٌّ لله ، لا يتعلَّق به حقُّ آدميٍّ.
(وقيل: لا يُقبل رجوعه، وسنذكره في موضعه إن شاء الله (١).
•••
[٢١٦١] مسألة: قال: وإذا عدا ستَّة نفرٍ على رجلٍ، فأخذ اثنان منهم بيده، واثنان منهم برجله، وآخر يخنقه بعمامته، وآخر يضربه حَتَّى مات في أيديهم، ثمَّ هربوا، فلم يؤخذ منهم إلَّا واحد، فحُبِسَ ومعه غيره من أولياء الهاربين، فأقرَّ الَّذِي أُخِذَ من السِّتَةِ فقال: «كنَّا نَصْطَرِعُ لاعِبِينَ في موضعٍ غليظٍ فصرعته، ثمَّ تغاضبنا وتحامينا، فلم أزل عليه، فألزقته إلى الأرض حَتَّى غُشِيَ عليه، فقمت عنه وقد مات، ولم أُرد قتله»، فدعا قومُهُ عَشِيرَةَ الرّجِلِ المعتَرِفِ وأولياءَ الهاربين: «أن تُسَلِّمُوا إلينا بدِيَة صاحبنا خمس دياتٍ، وهذا المعتَرِفُ إن شئنا قتلناه وإن شئنا تركنا».
فقال مالكٌ: أمَّا الدّيات فلا أرى بأخذها بأساً، وأمّا قَتْلُ هذا المعترف فلا أرى ذلك (٢).
• إِنَّمَا قالَ ذَلِكَ؛ لأنَّهُ يجوز أخذ المال في القتل على وجه الصّلح، دِيَةً كانت أو خمس دِياتٍ أو أكثر أو أقلّ، حسب ما يقع الصّلح عليه.
стр. 1893
وأما قَتْلُ المعترف فلا يجوز؛ من قِبَل أَنَّهُ لم يعترف بقتل العمد، إِنَّمَا قال: «كنّا لاعبين»، أي: لا قصد لنا في القتل، فلم يجز قتله لهذه العلّة.
•••
[٢١٦٢] مسألة: قال: ومن أقرَّ بقتل رجلٍ خطأً، فلا أرى في ماله شيئاً.
وقد قال مالكٌ: إن لم يُتَّهم في قوله أن يكون خِيفَ محاباة أحدٍ؛ ليخبر به على قومٍ، فأرى أن يُصَدَّق إذا كان مأموناً، وتحمله العاقلة بخمسين يميناً (١).
• وجه قوله: «إنه لا يلزمه شيءٌ في ماله ولا عاقلته (٢)»؛ فلأنه لم يُلْزِم نفسه شيئاً بقوله: «إنه قتل خطأً»، وإنّما أراد إلزام غيره وهم عاقلته، فلم يلزمهم ذلك أيضاً؛ لأنَّهُ لا يُقْبَل قوله على غيره بغير بيّنةٍ؛ لأنَّ إقرار الإنسان على غيره غير مقبولٍ عليه.
ووجه قوله: «إنه يصدّق إذا لم يُتَّهَم في إقراره مع قسامة أولياء المُقِرِّ بقتله»؛ فلأنَّ المقرّ إِنَّمَا أقرّ بفعله دون فعل غيره، فلزمه الإقرار، ثمَّ جرَّ الإقرار ثبوت الدّية على العاقلة متى أقسم أولياء المقتول، وأَسْوَأُ حال إقراره أن يكون لوثاً لعاقلة المقتول، يُقسَمُ معه فتُستحق الدِّيَةُ.
•••
[٢١٦٣] مسألة: قال: ومن اتُّهِمَ بقتل نفسٍ، فأُخِذَ فاعترف، ثمَّ حُبِسَ
стр. 1894
للقتل، فلمَّا أُخْرِج ليُقْتَل، قال: «إنَّما اعترفت خوفاً من الضَّرب، وأعوذ بالله أن أكون قتلته»، فلا يقبل قوله، إلَّا أن يأتي بأمرٍ معروفٍ (١).
• إِنَّمَا قالَ ذَلِكَ؛ لأنَّ حكم الإقرار قد لزمه بإقراره، فلا يُقْبَل قوله، كما لو أقر بحقٍّ لغيره، ثمَّ رجع فيه لم يُقْبل، فكذلك الإقرار بالقتل، هو حقٌّ لآدميٍّ، فلا يُقبل رجوعه فيه، وقد ذكرنا هذا (٢).
•••
[٢١٦٤] مسألة: قال: وإذا عُفِيَ عن قاتل العمد، ضُرِبَ مئةً وحُبِسَ سنةً.
وكذلك من استُحِقَّ دمه بالقَسَامَةِ، ضُرِب مئةً وحُبِس سنةً.
قال: ومن قتل عبداً عمداً، ضُرِبَ مئةً وحُبِس سنةً (٣).
• إِنَّمَا قالَ ذَلِكَ؛ لأنَّ القتل فيه حقَّان: حقٌّ لله جَلَّ وَعَزَّ، وحقٌّ لآدميٍّ.
(فإذا قُتِلَ: دخَلَ حقُّ الله في حق الآدميِّ.
(وإذا عُفِيَ عنه: أُقيم حقُّ الله عليه، وهو الضّرب والحبس؛ لارتكابه ما قد نهاه الله عنه، وكان كالزاني البكر الَّذِي لا يُقْتل، بل يُجلَد ويُحْبَس إذا بقي.
وكذلك إذا قَتَلَ حُرٌّ عَبْدَاً، وجبَ ضربُهُ مئةً وحُبِسَ سَنَةً؛ لفعله ما قد
стр. 1895
حظره الله جَلَّ وَعَزَّ؛ ولوجوب ردعه عن مثل ما فعله، إذ لا يمكن ردعه بالقَوَدِ بينهما؛ لنقصان حرمة العبد عن الحرِّ.
•••
[٢١٦٥] مسألة: قال: وإذا أصيبت النَّفس، ففيها الدِّية.
وإن تفرقت الجراح في جسده بيدٍ واحدةٍ أو أيدٍ متفرقةٍ، فشُجَّ مَأْمُومَةً وقُطِعَتْ يده ورجله، كان في ذلك العقل وثلث العقل.
وإن قُطِعَت يده ورجله، ففي ذلك العقل.
وإن أصيبت يداه وعيناه ورجلاه، فله ثلاث ديات.
وإن أصيب بمأمومةٍ فذهب عقله، فله العقل وثلث العقل (١).
• إِنَّمَا قالَ ذَلِكَ؛ لأنَّ في النَّفس الدِّيَة، وفي اليد نصف الدِّيَة، وكذلك في الرِّجل نصف الدِّيَة، وفي اليدين جميعاً الدِّيَة، وكذلك الرِّجْلَيْنِ، وفي المأمومة ثلث الدِّيَة، فإذا اجتمعت هذه الجراح في بَدَنِهِ، وجبت في كلّ واحدةٍ من ذلك ديته؛ لذهاب العضو أو منفعته، أو حصول الجناية عليه.
فإن مات من هذه الجراح، كانت فيه ديةٌ واحدةٌ؛ لأنَّ أمرها قد صار إلى النَّفس، فكان الحكم لها دون الجراح.
وقد روى يحيى بن حمزة، عن سليمان بن داود، عن الزّهري، عن أبي بكر بن محمد بن عمرو بن حزمٍ، عن أبيه، عن جده: «أَنَّ رَسُولَ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ كَتَبَ