← Фикх малики

Фикх малики · id 1326

شرح المختصر الكبير للأبهري

الأبهري

Полный текст (2 801 стр.). Показаны 1891–1930 · переход к 1896.

стр. 1891

فروى مالك، عن الزهري، عن أنس: «أَنَّ النَّبيَّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ قِيلَ لَهُ: هَذَا ابْنُ خَطَلٍ مُتَعَلِّقٌ بِأَسْتَارِ الكَعْبَةِ، قَالَ: اقْتُلُوهُ» (١). ومعنى قوله : ﴿وَمَنْ دَخَلَهُ كَانَ آمِنًا﴾ [آل عمران:٩٧]، أي: فأَمِّنوه، أي: لا تهيِّجُوه. وهذا أمرٌ، ثُمَّ أمر الله تعالى بإقامة الحدود من القتل والجرح والقطع، وأخذ الحقوق من المال وغيره على من وجب ذلك عليه، حيث كان في حلٍّ أو حرمٍ. ••• [٢١٦٠] مسألة: قال: ومن أُخِذَ في تُهمةٍ في قتل رجلٍ، فاعترف عند السُّلطان بغير ضربٍ، ثمَّ أُخْرِجَ المقتول من بئرٍ أو مَدْفَنٍ وجيء بِسَلَبِهِ، فلما أُمِرَ به ليُقْتَل، قال: «ما قتلته، ولكن رأيت من قتله»، فلا ينفعه إنكاره بعد ذلك، وكذلك السَّارق (٢). • إِنَّمَا قالَ ذَلِكَ؛ لأنَّ إقراره قد ثبت عليه ولزمه حكمه، فلا ينفعه الرّجوع عنه، ولا يسقط عنه ما قد لزمه من القتل، كما يُقِرُّ بالمال، ثمَّ يريد الرّجوع عنه، أَنَّهُ لا يقبل ذلك منه. وكذلك حدُّ القاذف والسّارق، لا يُقبل ذلك منه.

стр. 1892

وقد اختلف قول مالكٍ في رجوعه بعد إقراره في حدِّ الزّنا: (فقيل: إنَّ إقراره يُقْبَل؛ لأنَّهُ حقٌّ لله ، لا يتعلَّق به حقُّ آدميٍّ. (وقيل: لا يُقبل رجوعه، وسنذكره في موضعه إن شاء الله (١). ••• [٢١٦١] مسألة: قال: وإذا عدا ستَّة نفرٍ على رجلٍ، فأخذ اثنان منهم بيده، واثنان منهم برجله، وآخر يخنقه بعمامته، وآخر يضربه حَتَّى مات في أيديهم، ثمَّ هربوا، فلم يؤخذ منهم إلَّا واحد، فحُبِسَ ومعه غيره من أولياء الهاربين، فأقرَّ الَّذِي أُخِذَ من السِّتَةِ فقال: «كنَّا نَصْطَرِعُ لاعِبِينَ في موضعٍ غليظٍ فصرعته، ثمَّ تغاضبنا وتحامينا، فلم أزل عليه، فألزقته إلى الأرض حَتَّى غُشِيَ عليه، فقمت عنه وقد مات، ولم أُرد قتله»، فدعا قومُهُ عَشِيرَةَ الرّجِلِ المعتَرِفِ وأولياءَ الهاربين: «أن تُسَلِّمُوا إلينا بدِيَة صاحبنا خمس دياتٍ، وهذا المعتَرِفُ إن شئنا قتلناه وإن شئنا تركنا». فقال مالكٌ: أمَّا الدّيات فلا أرى بأخذها بأساً، وأمّا قَتْلُ هذا المعترف فلا أرى ذلك (٢). • إِنَّمَا قالَ ذَلِكَ؛ لأنَّهُ يجوز أخذ المال في القتل على وجه الصّلح، دِيَةً كانت أو خمس دِياتٍ أو أكثر أو أقلّ، حسب ما يقع الصّلح عليه.

стр. 1893

وأما قَتْلُ المعترف فلا يجوز؛ من قِبَل أَنَّهُ لم يعترف بقتل العمد، إِنَّمَا قال: «كنّا لاعبين»، أي: لا قصد لنا في القتل، فلم يجز قتله لهذه العلّة. ••• [٢١٦٢] مسألة: قال: ومن أقرَّ بقتل رجلٍ خطأً، فلا أرى في ماله شيئاً. وقد قال مالكٌ: إن لم يُتَّهم في قوله أن يكون خِيفَ محاباة أحدٍ؛ ليخبر به على قومٍ، فأرى أن يُصَدَّق إذا كان مأموناً، وتحمله العاقلة بخمسين يميناً (١). • وجه قوله: «إنه لا يلزمه شيءٌ في ماله ولا عاقلته (٢)»؛ فلأنه لم يُلْزِم نفسه شيئاً بقوله: «إنه قتل خطأً»، وإنّما أراد إلزام غيره وهم عاقلته، فلم يلزمهم ذلك أيضاً؛ لأنَّهُ لا يُقْبَل قوله على غيره بغير بيّنةٍ؛ لأنَّ إقرار الإنسان على غيره غير مقبولٍ عليه. ووجه قوله: «إنه يصدّق إذا لم يُتَّهَم في إقراره مع قسامة أولياء المُقِرِّ بقتله»؛ فلأنَّ المقرّ إِنَّمَا أقرّ بفعله دون فعل غيره، فلزمه الإقرار، ثمَّ جرَّ الإقرار ثبوت الدّية على العاقلة متى أقسم أولياء المقتول، وأَسْوَأُ حال إقراره أن يكون لوثاً لعاقلة المقتول، يُقسَمُ معه فتُستحق الدِّيَةُ. ••• [٢١٦٣] مسألة: قال: ومن اتُّهِمَ بقتل نفسٍ، فأُخِذَ فاعترف، ثمَّ حُبِسَ

стр. 1894

للقتل، فلمَّا أُخْرِج ليُقْتَل، قال: «إنَّما اعترفت خوفاً من الضَّرب، وأعوذ بالله أن أكون قتلته»، فلا يقبل قوله، إلَّا أن يأتي بأمرٍ معروفٍ (١). • إِنَّمَا قالَ ذَلِكَ؛ لأنَّ حكم الإقرار قد لزمه بإقراره، فلا يُقْبَل قوله، كما لو أقر بحقٍّ لغيره، ثمَّ رجع فيه لم يُقْبل، فكذلك الإقرار بالقتل، هو حقٌّ لآدميٍّ، فلا يُقبل رجوعه فيه، وقد ذكرنا هذا (٢). ••• [٢١٦٤] مسألة: قال: وإذا عُفِيَ عن قاتل العمد، ضُرِبَ مئةً وحُبِسَ سنةً. وكذلك من استُحِقَّ دمه بالقَسَامَةِ، ضُرِب مئةً وحُبِس سنةً. قال: ومن قتل عبداً عمداً، ضُرِبَ مئةً وحُبِس سنةً (٣). • إِنَّمَا قالَ ذَلِكَ؛ لأنَّ القتل فيه حقَّان: حقٌّ لله جَلَّ وَعَزَّ، وحقٌّ لآدميٍّ. (فإذا قُتِلَ: دخَلَ حقُّ الله في حق الآدميِّ. (وإذا عُفِيَ عنه: أُقيم حقُّ الله عليه، وهو الضّرب والحبس؛ لارتكابه ما قد نهاه الله عنه، وكان كالزاني البكر الَّذِي لا يُقْتل، بل يُجلَد ويُحْبَس إذا بقي. وكذلك إذا قَتَلَ حُرٌّ عَبْدَاً، وجبَ ضربُهُ مئةً وحُبِسَ سَنَةً؛ لفعله ما قد

стр. 1895

حظره الله جَلَّ وَعَزَّ؛ ولوجوب ردعه عن مثل ما فعله، إذ لا يمكن ردعه بالقَوَدِ بينهما؛ لنقصان حرمة العبد عن الحرِّ. ••• [٢١٦٥] مسألة: قال: وإذا أصيبت النَّفس، ففيها الدِّية. وإن تفرقت الجراح في جسده بيدٍ واحدةٍ أو أيدٍ متفرقةٍ، فشُجَّ مَأْمُومَةً وقُطِعَتْ يده ورجله، كان في ذلك العقل وثلث العقل. وإن قُطِعَت يده ورجله، ففي ذلك العقل. وإن أصيبت يداه وعيناه ورجلاه، فله ثلاث ديات. وإن أصيب بمأمومةٍ فذهب عقله، فله العقل وثلث العقل (١). • إِنَّمَا قالَ ذَلِكَ؛ لأنَّ في النَّفس الدِّيَة، وفي اليد نصف الدِّيَة، وكذلك في الرِّجل نصف الدِّيَة، وفي اليدين جميعاً الدِّيَة، وكذلك الرِّجْلَيْنِ، وفي المأمومة ثلث الدِّيَة، فإذا اجتمعت هذه الجراح في بَدَنِهِ، وجبت في كلّ واحدةٍ من ذلك ديته؛ لذهاب العضو أو منفعته، أو حصول الجناية عليه. فإن مات من هذه الجراح، كانت فيه ديةٌ واحدةٌ؛ لأنَّ أمرها قد صار إلى النَّفس، فكان الحكم لها دون الجراح. وقد روى يحيى بن حمزة، عن سليمان بن داود، عن الزّهري، عن أبي بكر بن محمد بن عمرو بن حزمٍ، عن أبيه، عن جده: «أَنَّ رَسُولَ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ كَتَبَ

стр. 1896

إِلَى أَهْلِ اليَمَنِ، أَنَّ فِي المُوضِحَةِ خَمْسَاً مِنَ الإِبِلِ، وَفِي الأَصَابِعِ، فِي كُلِّ إِصْبَعٍ عَشْرٌ مِنَ الإِبِلِ، وَفِي الذَّكَرِ الدِّيَةُ، وَفِي البَيْضَتَيْنِ الدِّيَةُ، وَفِي اللِّسَانِ الدِّيَةُ، وَفِي الشَّفَتَيْنِ الدِّيَةُ، وَفِي الصُّلْبِ الدِّيَةُ» (١). وقد روى محمد بن راشد (٢)، عن سليمان، عن عمرو بن شعيب، عن أبيه، عن جده: «أَنَّ رَسُولَ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ قَضَى فِي الأَنْفِ إِذَا جُدِعَ الدِّيَة، وَفِي اليَدِ إِذَا قُطِعَتْ نِصْفُ العَقْلِ، وَفِي الرّجل نِصْفُ العَقْلِ، وَفِي المَأْمُومَةِ ثُلُثٌ، وَفِي الجَائِفَةِ مِثْلُ ذَلِكَ، وَفِي الأَصَابِعِ فِي كُلِّ إِصْبُعٍ عَشْرٌ مِنَ الإِبِلِ، وَفِي الأَسْنَانِ خَمْسٌ مِنَ الإِبِلِ فِي كُلِّ سِنٍّ» (٣). وهذا قول الفقهاء السّبعة، وقول جماعة الفقهاء من الصّحابة والتّابعين. ••• [٢١٦٦] مسألة: قال: وإذا خَتَنَ الطّبيبُ فقطع الحشفة، فعليه العقل، وكلّ ما أخطأ به الطّبيب أو تعدّى - ما لم يتعمّد - فيه العقل. وقد قال مالكٌ: ليس على الطّبيب شيءٌ، إلَّا أن يكون تعدَّى (٤). • وجه قوله: «إنَّ عليه العقل - يعني: في ماله إذا قلَّ، وإن كثر فعلى

стр. 1897

عاقلته -»، هو أنَّه لَمَّا لم يُؤمر بقطع الحشفة وأخطأ في ذلك، وجب عليه العقل، وكذلك كلّ ما أتى عليه به من الخطأ فعليه عقله؛ لأنَّ ذلك ليس مِمَّا أُمِر به، والجناية منه واقعةٌ بتركه التحرُّز، كقاتل الخطأ أنَّ عليه الدِّية. ووجه قوله: «إنّه لا شيء عليه ولا على عاقلته»؛ فلأنَّ الطبيب مجتهدٌ في الصّلاح فيما يعالجه، فلا يُؤَاخذ بما أخطأ؛ لأنَّهُ قد أُمِر بالفعل، فأشبه الحاكم الَّذِي يقيم الحدّ على إنسانٍ فيموت في حدّه ذلك، فلا شيء عليه؛ لأنَّهُ فعل ما له فعله، وليس كذلك القاتل خطأً؛ لأنَّهُ لم يؤمر بما فعله من القتل الخطأ. فيشبه أن يكون الطبيب إذا قطع الحشفة، أن تكون الدّية على عاقلته؛ لأنَّهُ قد أخطأ في نفس العقل، وقد كان قادراً أن يحترس من القطع، وليس كما يؤتى على يديه من غير خطأٍ في القتل؛ لأنَّه فَعَلَ ما لا بد له منه، وذلك بمنزلة القوس يُقَوَّمُ فينكسر، فلا شيء على الصانع إذا لم يعنِّف؛ لأنَّهُ لا بد له من ذلك. وهذا القول كَأَنَّه أصحّ، أعني: الفرق بين قطعه الحشفة وبين خطئه في طريقة العلاج؛ لأنَّ هذا اجتهادٌ، وليس القطع وتركه اجتهادٌ، فافترقا لهذه العلَّة. ••• [٢١٦٧] مسألة: قال: وإذا شربت المرأة دواءً فسقط ولدها، فلا شيء عليها إذا كان دواء سلامةٍ (١). • إِنَّمَا قالَ ذَلِكَ؛ لِأَنَّهَا فعلت ما لها فعله من شرب الدواء، إذا كان سليماً

стр. 1898

في الأغلب، فلم يكن عليها أَمْرُ مَا آلَ إليه، كالإمام إذا أقام حدّاً على أحدٍ فمات فيه، والمجروح إذا اقتَصَّ من جارحه فمات منه، أَنَّهُ لا شيء عليهما؛ لأنَّهما فعلا ما لهما فعله، فكذلك المرأة مثل ذلك. ••• [٢١٦٨] مسألة: قال: وإذا سقى طبيبٌ إنساناً دواءً فمات، وقد كان سقى آخر قبله فمات منه من ساعته، فلا غُرَّةَ عليه، ولكن لو تُقُدِّمَ في ذلك، وقيل لهم: أيَّما طبيبٍ سقى إنساناً أو أبطله فعليه الضَّمان، ويُتَقَدَّم أن لا يداووا أحداً إلَّا بعلمٍ (١). • إِنَّمَا قالَ ذَلِكَ؛ لأن (٢) فعل ما يجوز له فعله، وهو سقي الدَّواء إذا كان سليماً في الأغلب، وقد أُمِر بفعله، وهذا على القول الَّذِي قال: إِنَّهُ لا شيء عليه فيما يخطئه. وعلى القول الآخر، يجب أن تكون الدّية على عاقلته؛ لأنَّ تلفه كان بسبب فعله. والصّحيح أَنَّهُ لا شيء عليه؛ لأنَّهُ قد أُمِر بفعل ما فعله، ولم يفرط بترك التحرّز، وليس هذا بمنزلة قطع الحشفة؛ لأنَّهُ كان يمكن أن لا يقطعها. فأمَّا إذا كان الطّبيب غير عالمٍ بالعلاج، فَإِنَّهُ متعدٍّ، يؤدَّب على فعله، وتكون

стр. 1899

الدّية عليه وعلى عاقلته إذا كثرت على ما بيَّنَّاه؛ لأنَّهُ لم يؤمر بالعلاج إذا لم يكن من أهل البصيرة، فهو متعدٍّ بفعله. ••• [٢١٦٩] مسألة: قال: ومن جُرِحَ، فأتى بشاهدٍ واحدٍ أنَّ فلاناً جرحه خطأً؛ حلف واستحقَّ دِيَةَ جرحه. والخطأ: أن يصيب الرَّجلُ الرَّجُلَ بالشّيءِ لم يعمد به (١). • إِنَّمَا قالَ ذَلِكَ؛ لأنَّ الَّذِي يجب في جرح الخطأ مالٌ، فيجوز أن يُسْتَحقَّ بشاهدٍ ويمينٍ؛ لأنَّهُ يجوز الحكم بذلك في الأموال. وحقيقة الخطأ: هو ما كان من غير قصدٍ للقتل أو الضَّربة، ففيه الدّية لا القَوَدُ، وقد قال الله : ﴿وَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ فِيمَا أَخْطَأْتُمْ بِهِ وَلَكِنْ مَا تَعَمَّدَتْ قُلُوبُكُمْ﴾ [الأحزاب:٥]، فعُلِم بهذا أنَّ الخطأ هو ما لم يتعمّد فعله ولا القصد إليه، لكنّه ما كان على غير وجه قصدٍ. ألا ترى: أنَّ الصبي والمجنون لا قَوَدَ عليهم فيما كان منهم من قتلٍ أو جرحٍ؛ لعدم قصدهم، فكذلك حقيقة المخطئ، هو من لا قصد له في فعله. •••

стр. 1900

[٢١٧٠] مسألة: قال: ولا يُعقل الخَطَأُ، حَتَّى يبرأ المجروح ويصحَّ (١). • إِنَّمَا قالَ ذَلِكَ؛ لأنَّ حكم الجرح إِنَّمَا يستقرُّ بعد اندماله، فيكون فيه حينئذٍ دية ما يستقرُّ عليه إن كان خطأً، أو القَوَدُ إن كان عمداً؛ لأنَّهُ قد يؤول إلى النَّفس، فلا يجوز القَوَدُ منه قبل اندماله، ولا أخذ ديته لهذه العلَّة، وهو أنَّ حكمه لم يستقرّ ولم يتناه أمره. ••• [٢١٧١] مسألة: قال: ومن استعان صبيّاً أو عبداً مملوكاً في شيءٍ له بالٌ، فهو ضامنٌ لِمَا أصابهما إذا كان بغير إذنٍ (٢). • إِنَّمَا قالَ ذَلِكَ؛ لأنَّ تلفه بسببه، وبغير إذن صاحبه، فهو ضامنٌ لقيمته وإن (٣) كان عبداً، أو ديته إن كان حرّاً. ••• [٢١٧٢] مسألة: قال: ومن أمر صبيّاً حرّاً أن ينزل في بئرٍ أو يرقى نخلةً، فهلك في ذلك، فالذي أمره ضامنٌ لِمَا أصابه من هلاكٍ أو غيره (٤).

стр. 1901

• يعني: أَنَّهُ ضامنٌ للدّية، وتَحْمِلُهَا العاقلة؛ لأنَّهُ قاتل خطأٍ؛ لأنَّ قتله كان بسببه، وإن كان دون الثّلث ففي ماله. ••• [٢١٧٣] مسألة: قال: وإن استعان كبيرٌ آخَرَ فأعانه، فلا شيء عليه، إلَّا أن يستغفِلَ أو يستجْهِلَ، أو يُقَرِّبَ له فيما لا يَعْلَمُ مِنْهُ مِثْلُ مَا يَعْلَمُ الَّذِي قَرَّبَ لَهُ (١). • إِنَّمَا قالَ ذَلِكَ؛ لأنَّهُ إذا كان كبيراً مميّزاً، فقد اختار ذلك بنفسه، وأَمْرُهُ إلى نفسه، فلا شيء على من أَمَرَهُ بذلك؛ لأنَّهُ لم يجبره عليه. فأمَّا إذا كان سفيهاً أو به غفلةٌ، فهو كالصَّبي، ليس له اختيارٌ صحيحٌ، فيلْزَمُ مَنْ أَمَرَهُ ما أصابه؛ لأنَّهُ حَمَلَه على ذلك. وكذلك إذا قرَّبَ لغير الجاهل ما تلف به؛ لزمه ذلك؛ لأنَّهُ قد غرَّه بالتّقريب له. ولأنَّه تلفه كان بسببه، فوجب دية ذلك على عاقلته؛ لأنَّ تلفه كان بسببه على وجه الخطأ لا على وجه القصد له. ••• [٢١٧٤] مسألة: قال: ومن اقتنى كلباً لماشيةٍ في داره، فعقر الكَلْبُ إِنْسَانَاً، فهو ضامنٌ لِمَا عَقَرَ إذا كان اقتناه وهو يعلم أَنَّهُ يَفْرِسُ الناسَ (٢).

стр. 1902

• إِنَّمَا قالَ ذَلِكَ؛ لأنَّهُ متعمِّدٌ (١) باقتنائه بعد علمه بأنه عقورٌ، فيلزمه ما عقر أو تلف. وكذلك كلّ من فعل شيئاً ليس له فعله، كالبئر يحفرها في الطّريق، أو الدَّابَّة يقيمها، فيَتلَف به أحدٌ، فهو ضامنٌ؛ لأنَّهُ متعمِّدٌ (٢) بما فعله، مخطئٌ في ذلك. فَدِيَةُ من تلف به على عاقلته، وما كان أقلَّ من ثلث الدّية في ماله، وكذلك ما تلف به من مالٍ ففي ماله دون عاقلته. وكلّ من فعل ما يجوز له فعله، من حفر بئرٍ وإقامة دابّةٍ في موضعٍ له، فعل ذلك فتلف به إنسانٌ أو دابَّةٌ، لم يكن على من فعل ذلك شيءٌ؛ لأنَّهُ فعل ما له فعله. وذلك بمنزلة الإمام إذا أقام حدّاً على أحدٍ فتلف فيه، أو المجروح إذا اقتصّ فتلف المُقْتَصُّ منه، أَنَّهُ لا شيء عليهما؛ لأنّهما فعلا ما لهما فعله. فكذلك حافر البئر والمقيم للدَّابَّة وأشباه ذلك، إذا كان له فعله فلا شيء عليه. ••• [٢١٧٥] مسألة: قال: ومن حفر بئراً على طريقٍ، أو ربط دابَّته، أو صنع أشباه ذلك على طريق المسلمين: • فما كان من ذلك مِمَّا لا يجوز له أن يصنعه، فأصيب فيه إنسانٌ، فهو

стр. 1903

ضامنٌ لهٌ، إن كان أقلّ من الثّلث كان في ماله، وإن كان أكثر من الثّلث كان على العاقلة. • وما صَنَع من ذلك مِمَّا يجوز له أن يصنعه، فلا شيء له عليه فيه ولا غرم (١). • إِنَّمَا قالَ ذَلِكَ؛ لِمَا ذكرنا: أنَّ كلّ من فعل ما له فعله، من حفر بئرٍ أو إقامة دابّةٍ في موضعٍ له إقامتها، فهو غير متعدٍّ في ذلك، فلا شيء عليه، كالإمام إذا أقام حدّاً فمات فيه، والمُقْتَصُّ منه إذا تلف. وكلّ من فعل ما لا يجوز له فعله، من حفر بئرٍ وأشباه ذلك، فتلف به مالٌ أو إنسانٌ، كان غُرْمُ المال في ماله، والدِّيةُ على عاقلته إذا كانت الثّلث فصاعداً؛ لأنَّهُ فعل ما ليس له فعله، فكان بمنزلة الإمام إذا تعدَّى الحدّ، والمجروح إذا تعدَّى في القصاص، أنَّ ذلك يلزمهما، فكذلك هذا؛ لأنَّ كلّ واحدٍ منهم متعدٍّ جائرٌ، والمتعدِّي يلزمه حكم ما تعدَّى فيه. ••• [٢١٧٦] مسألة: قال: ومن جعل على حائطه عيداناً أو قَصَبَاً لتَدْخُلَ في رِجْلِ من دَخَل حائطه، فهو ضامنٌ لَمَّا أصيب به، وكذلك الكلب يقتنيه لِيُحْرِزَ ثَمَرَهُ فيعقر إنساناً، فهو ضامنٌ لمَا أصاب (٢).

стр. 1904

• إِنَّمَا قالَ ذَلِكَ؛ لأنَّهُ لا يجوز له أن يقصد بفعل ذلك ليعقر به أحداً؛ لأنَّهُ متعدٍّ بهذا القصد؛ لأنَّهُ يقدر على حفظ حائطه بغير هذا الوجه. ومن أصحابنا من كان يقول: «معنى هذا من قول مالكٍ، إذا أخفاها ولم يُظهِرها حَتَّى يراها من يدخل». فأمّا الكلب، فإنَّ اقتناءَه لحرز الثّمرة لا يجوز؛ لأنَّهُ إِنَّمَا أُرْخِصَ له في كلب الماشية والصيد دون غيره. ويجوز أن يَعْلَمَ أَنَّهُ عقورٌ، فيكون باقتنائه له - مع علمه - متعدِّياً، ويلزمه أرش ما عقر بعد علمه واقتنائه. ••• [٢١٧٧] مسألة: قال: وإن جعل حِبَالَةً أو حفر حفيراً للسّباع، فعطب به إنسانٌ، فإذا كان مِمَّا يجوز له أن يصنعه في حائطه، فلا شيء عليه فيه (١). • إِنَّمَا قالَ ذَلِكَ؛ لِمَا ذكرناه: أَنَّهُ فعل ما له فِعْلُهُ، وكلُّ من فَعَلَ ما له فعله مِمَّا به حاجةٌ إليه ولا مندوحة له عنه فتلف به إنسانٌ أو مالٌ، فلا شيء عليه. والأصل في هذا الإمام، إذا حدَّ إنساناً فتلف فيه، أَنَّهُ لا شيء عليه.

стр. 1905

ولأنَّ هذا لم يقصد بالحفر تلف إنسانٍ فيَضْمَنُ ذلك لتعدِّيه في القصد، وإنّما قصد تلف السَّبع، وذلك جائزٌ له. ••• [٢١٧٨] مسألة: قال: وإذا قاد رجلٌ بصيرٌ أعمى، فوقع البصير في بئرٍ ووقع الأعمى عليه، فمات البصير، فديته على عاقلة الأعمى (١). • إِنَّمَا قالَ ذَلِكَ؛ لأنَّ تلفه إِنَّمَا كان بوقوع الأعمى عليه وبسببه، فهو قاتل خطأٍ، وعلى عاقلته دية المقتول. ••• [٢١٧٩] مسألة: قال: ومن نزل في بئرٍ، فأدركه رجلٌ آخر، فجبذ الأسفَلُ الأعلى، فخرَّا جميعاً فماتا، فعلى عاقلة الجاذب الدِّية (٢). • إِنَّمَا قالَ ذَلِكَ؛ لأنَّ الجاذب هو القاتل للَّذي جذبه ولِنَفْسِهِ، فَدِيَةُ من قتله على عاقلته؛ لأنَّهُ قاتل خطأٍ، وليس له دِيَةٌ؛ لأنَّهُ قاتلٌ نفسه. ••• [٢١٨٠] مسألة: قال: ومن أمسك لرجلٍ حبلاً في بئرٍ، فانقطع الحبل فسقط المتعَلِّقُ فمات، فلا شيء على المُمْسِكِ، وإن انفلت من يده فهو ضامنٌ (٣).

стр. 1906

• إِنَّمَا قالَ ذَلِكَ؛ لأنَّ الإتلاف هو من صُنْعِهِ، حيث ترك حفظه والتحرُّز من انفلاته من يده، فكان هو سبب سقوطه وتلفه. فأمَّا قطع الحبل فليس هو بسببه وصنعه، فلا شيء عليه في ماله، ولا على عاقلته، إذ لا صنع له في تلفه. ••• [٢١٨١] مسألة: قال: والدِّيَةُ في ذهاب السَّمع، اصْطَلَمَتْ (١) الأذنان أو لم تصطلما، وكذلك العين القائمة، وما كان من عمدٍ ففيه القَوَدُ (٢). • إِنَّمَا قالَ ذَلِكَ؛ لأنَّ في ذهاب السَّمع ذهاب منفعةٍ عظيمةٍ، ففي ذلك إذا ذهب العقل كلّه، وفي واحدٍ منه نصف الدَّية. وكذلك العينان مثل ذلك، في ذهاب بصرهما الدِّية، وفي واحدٍ منهما نصف الدِّية. وكذلك كلّ عضوٍ من الإنسان، إذا ذهب جزءٌ منها ففيه نصف الدَّية، وفي ذهابهما جميعاً الدَّية، وذلك كاليدين والرجلين وأشباه ذلك. وقد رُوِّينَا عن النَّبيِّ صلَّى الله عليه أَنَّهُ قال: «فِي السَّمْعِ الدِّيَةُ، وَفِي العَيْنَيْنِ الدِّيَةُ، وَفِي اليَدَيْنِ الدِّيَةُ، وَفِي الرِّجْلَيْنِ الدِّيَةُ» (٣).

стр. 1907

والدِّيات ومقاديرها، فإنَّما يُؤخَذُ ذلك اتِّبَاعاً، وليس يؤخذ باجتهادٍ إذا كان مؤقَّتاً، فَأَمَّا إذا لم يكن مؤقتاً فطريقه الاجتهاد، ويُقَدَّر النَّقص الَّذِي رفع بالجناية، وقد بيَّنَّاه (١). ••• [٢١٨٢] مسألة: وفي ثديي المرأة الدّية كاملة، وفي اللّسان الدّية كاملة، وفي ذَكَرِ الرَّجُلِ الدّية كاملة، وفي الحشفة إذا قُطِعَت الدّية كاملة، وفي الصُّلْبِ إذا كُسِرَ الدّية كاملة، وإن بَرِئَ وبه انحناءٌ أُعْطِي بقدر ذلك، وفي الشَّفَتَينِ الدِّيَةُ، وفي كلّ شفةٍ نصف الدِّيَةُ (٢). • إنّما قال هذا؛ اتّباعاً لِمَا رُوِيَ عن رسول الله صلَّى الله عليه أنَّه أوجب في هذا الدّية. فمنه ما رُوِيَ عنه ﵇ نَصّاً أَنَّهُ أوجب فيه، ومنه ما أجمع العلماء عليه. ولا خلاف فيما ذكره مالكٌ من وجوب الدّية فيه على ما ذكره لذهاب هذه الأعضاء أو منافعها؛ لأنَّ الدّية تجب بذهاب العضو ومنفعته، وذلك بقطعه، أو ذهاب منفعته مع بقائه، وذلك كاليد تُشَلُّ، والعين تُقَام ويذهبُ بصَرُها، والشمّ يذهب مع بقاء الأنف.

стр. 1908

والذَّكَر يُسَلُّ ففيه ديةٌ واحدةٌ، ولو قُطِعَ لكان فيه ديةٌ واحدةٌ، وفي قطعه ذهاب العضو ومنفعته. وقد روى يحيى بن حمزة، عن سليمان بن داود، عن الزّهريّ، عن أبي بكر بن محمد بن عمرو بن حزمٍ، عن أبيه، عن جدّه: «أَنَّ رَسُولَ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ كَتَبَ إِلَى أَهْلِ اليَمَنِ: أَنَّ فِي الذَّكَرِ الدِّيَةُ، وَفِي البَيْضَتَيْنِ الدِّيَةُ، وَفِي اللِّسَانِ الدِّيَةُ، وَفِي الشَّفَتَيْنِ الدِّيَةُ، وَفِي الصُّلْبِ الدِّيَةُ» (١). وهذا قول جملة أهل العلم، لا خلاف بينهم فيه نعلمه. ••• [٢١٨٣] مسألة: قال: ومن قُطِعَ ذَكَرُهُ وأُنثَيَاه جميعاً، فله ديتان، فإن كان أحدهما بعد الآخر، ففي كلّ واحدٍ ديةٌ (٢). • إِنَّمَا قالَ ذَلِكَ؛ لأنَّهما عضوان فيهما منفعةٌ تامَّةٌ في وَقْتِ قَطْعِهِمَا، ففيهما ديتان؛ لإيجاب النَّبيِّ صلَّى الله عليه الدّية فيهما، وسواءٌ قُطِعَا في ضربةٍ واحدةٍ أو ضربتين. فإن كان قَطْعُ أحدهما بعد اندمال الآخر، ففي الثّاني حكومةٌ؛ لأنَّ منفعته غير تامَّةٍ بعد قطع الأوّل منهما، وذلك بمنزلة ذكر الخصي فيه حكومةٌ؛ لأنَّ منفعته في حال القطع غير تامَّةٍ.

стр. 1909

وقد قال مالكٌ: «إنَّ في المقطوع منهما بعد الأوّل حكومةٌ، سواءٌ كان ذلك في قطعٍ واحدٍ أو قطعين»؛ لأنَّ الثّاني لا منفعة فيه كاملة بعد قطع الأول. وكأنَّ هذا القول أقيس، وتكون في المقطوع الثّاني حكومةٌ. ••• [٢١٨٤] مسألة: قال: وإن أصيب بعض ثديي المرأة، كان فيه حكومة العدل المجتهد. وكلُّ ما كُسِرَ من الإنسان خطأً: يدٌ، أو رِجْلٌ، أو غير ذلك من الجسد، فبرأ وعاد لهيئته، فلا شيء فيه، وإن كان نَقَصَ أو كان فيه عَثْلٌ (١)، ففيه عَقْلُه بحساب ما نقص. (وإن كان ذلك العظم مِمَّا فيه عقلٌ مُسَمّىً عن النَّبيِّ صلَّى لله عليه، فبحساب ما فُرِضَ. (وإن كان لم يأتِ فيه عن رسول لله صلَّى لله عليه ولم تمضِ فيه سُنَّةٌ، فإنَّمَا يُجْتَهَد فيه. وليس في الجراح إذا كانت خطأً في الجسد عقلٌ إذا برئ وعاد لهيئته، إلَّا الجائفة، فإنَّ فيها ثلث النَّفْسِ.

стр. 1910

وليس في مُنَقِّلَةِ الجسد عقلٌ، وهي مثل مُوضِحَةِ الجسد (١). • إِنَّمَا قالَ ذَلِكَ؛ لأنَّ ما قُطِعَ من العضو الَّذِي فيه شيءٌ مؤقتٌ، ففيه من ديته بمقدار ما قُطِعَ منه، نصفاً أو ثلثاً، يُتَحَرَّى ذلك فيكون فيه. فأمَّا ما لا دية فيه مؤقتةٌ من الجراح والكسر، فإنَّ في ذلك حكومة عدلٍ، بأن يُجْعَلَ ما بين قيمته صحيحاً أن لو كان عبداً، وبين قيمته معيباً، ثمَّ يكون عليه من الدّية بحسب ذلك ما كان من كسرٍ أو غيره. وإن عاد لهيئته وبَرِئَ فلا شيء فيه، لأنَّهُ ليس ثَمَّ نقصٌ يُرْجَع إليه يُعتبر منه أرشٌ الجناية، فلا شيء فيه. وإن كان الجرح مِمَّا فيه عقلٌ مُسَمَّىً، ففيه ديته وإن بَرِئَ، وذلك بمنزلة الجائفة والمأمومة والمنقِّلَةِ وأشباه ذلك، فإنَّ فيها ديتها وإن برئت؛ لِأَنَّهَا مؤقتةٌ؛ ولعظم الخوف فيها على النّفس. ••• [٢١٨٥] مسألة: قال: ومن شجَّ رجلاً شجَّةً لا قَوَدَ فيها، مثل المُنَقِّلَةِ، فعليه عقوبةٌ مع العقل. ويضرب في ذلك مجرَّدَاً، إلَّا أن تكون امرأةً تترك عليها ثيابها، وإن كان فرواً أو قطيفةً نُزِعت، وتُجْلَدُ الحدّ جالسةً، ولم أَرَ أحداً ضرب امرأةً ولا رجلاً إلَّا قاعدين (٢).

стр. 1911

• إِنَّمَا قالَ ذَلِكَ: «إنّه يعاقب من فعل ذلك مع وجوب العقل»؛ فلأنَّه فعل ما لا يجوز له فعله إذا تعمَّد ذلك، فوجب زجره وأدبه على ما فعله. وتُجَرَّد في الضّرب كلّه من الحدود وغيرها؛ ليصيبها أَلَمُهُ، وقد قال الله : ﴿وَلَا تَأْخُذْكُمْ بِهِمَا رَأْفَةٌ فِي دِينِ اللَّهِ﴾ [النور:٢] يعني: في ترك إقامة الحدود وترك إيلامه. ••• [٢١٨٦] مسألة: قال: وإذا استُؤْصِلَ مَارِنُ (١) الأنف، ففيه الدّية كاملةً (٢). • هذا إِنَّمَا قاله؛ لذهاب جمال الأنف، ففيه الدّية كاملةً. وقد روى محمد بن راشد، عن سليمان بن موسى، عن عمرو بن شعيبٍ، عن أبيه، عن جده: «أَنَّ رَسُولَ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ قَضَى فِي الأَنْفِ إِذَا جُدِعَ الدِّيَةَ كَامِلَةً» (٣). ••• [٢١٨٧] مسألة: قال: وليس في الحاجبين عقلٌ مسمَّىً (٤).

стр. 1912

• إِنَّمَا قالَ ذَلِكَ؛ لأنّهما ليسا بعضوٍ ثابتٍ كاليد والرِّجل، ففيها حكومة عدلٍ بقدر ما نقص، على ما بيَّنَّاه (١). ••• [٢١٨٨] مسألة: قال: ومن ربط رجلاً بحبلٍ فدلَّاه في بئرٍ، وربط حبلاً آخر في خشبةٍ، وتدلَّى الرّجل في طلب حَمَامٍ، فانقطع الحبل الَّذِي في الخشبة فخرَّ هابطاً، فخشي الرّجل أن يذهب معه فخلَّى سبيل الحبل؛ فعليه الدّية، ولا يشبه هذا السّفينة (٢). • إِنَّمَا قالَ ذَلِكَ؛ لأنَّهُ اختار تخلية الحبل من يده، فكان هو سبب تلف الرّجل المتدلِّي في البئر، فوجب أن تكون عليه الدّية، تحملها عاقلته؛ لأنَّهُ قاتلُ خطأٍ إذا لم يقصد قتله. فأمَّا السَّفينة إذا غلب صاحبها الرِّيحُ، فلا شيء عليه؛ لأنَّهُ لم يختر ما حدث عليها وعلى أهلها، وإنّما غُلِبَ على ذلك. ••• [٢١٨٩] مسألة: قال: وإذا كان للعبد ولدٌ من امرأةٍ حرَّةٍ، فجعله أبوه في

стр. 1913

البحر بغير إذن أمِّه فغرق المركب وغرق الغلام ونجا الأب، ثمَّ طلبت أمّه وأولياء أمّه ديته، فلا شيء على الأب في حُمْلَانِهِ إيَّاه (١). • إِنَّمَا قالَ ذَلِكَ؛ لأنَّ النّاس يركبون البحر وغالبهم السّلامة فيه، فلم يتعدَّ بحمله في البحر، فلا شيءَ عليه. ••• [٢١٩٠] مسألة: قال: ومن استعان رجلين يحملان معه خشبةً، فحملاها معه وهم ثلاثةٌ، وللمستعير ابنٌ صغيرٌ يمشي في الخشبة، فلمَّا ألقوها، ألقوها على الصّبي، فلم يلبث أن مات، وشهد شاهدان: «أنَّهم مرَّوا بنا يحملون الخشبة والصَّبِيُّ في ظلّها، فلمَّا ألقوها سمعنا وقعها وصوت الصَّبي، فابتدرنا فوجدنا الصَّبيَّ في حجر أبيه يمسكه، فلم يلبث أن مات»، فعليهم الدّية على قبائلهم، وعلى كلّ واحدٍ منهم عتق رقبةٍ، فإن لم يجد صام شهرين متتابعين (٢).

стр. 1914

• إِنَّمَا قالَ ذَلِكَ؛ لأنَّ من حَمَلَ الخشبة، هو سبب قتل الصَّبيِّ بطرحهم لها عليه، فعلى عاقلتهم ديته، وعلى كلّ واحدٍ منهم كفارةٌ؛ لأنَّهُ قاتِلُ خطأٍ؛ لإيجاب الله ذلك عليه بقوله: ﴿وَمَنْ قَتَلَ مُؤْمِنًا خَطَأً فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُؤْمِنَةٍ﴾، إلى قوله: ﴿فَمَنْ لَمْ يَجِدْ فَصِيَامُ شَهْرَيْنِ مُتَتَابِعَيْنِ﴾ [النساء:٩٢]. ••• [٢١٩١] مسألة: قال: وفي العقل إذا ذهب وعُرِفَ ذهابه الدِّيَةُ كاملة (١). • إِنَّمَا قالَ ذَلِكَ؛ لأنَّ العقل أفضل شيءٍ في الإنسان وأعظمه منفعةً. ألا ترى: أَنَّهُ يعرف الله به، ويلزمه الخطاب مع وجوده، ويزول عنه مع عدمه، وكانت منفعته أعظم من اليدين والرِّجْلَين (٢). ••• [٢١٩٢] مسألة: قال: وكلُّ ما ليس فيه عقلٌ مسمَّىً، مثل: المِلْطَاةِ وَالبَاضِعَةِ، فلا شيء فيه إذا بَرِئَ، إلَّا أن يشين، فيكون فيه بقدر الشَّيْنِ (٣). • إِنَّمَا قالَ ذَلِكَ؛ لأنَّ هذه الأشياء إذا برئت على غير نقصٍ، فلم يؤثر فعلها، فلا شيء فيها، وإذا أبقت نقصاً، فقد أثَّرت، فعليه بقدر ما نقص من الأَرْشِ، وذلك يُعْلَم بِحُكومة العدل على ما بيَّناه (٤). ••• [٢١٩٣] مسألة: قال: ومن كان بينه وبين رجلٍ قتالٌ، فأتى وبه أثر ضَرْبٍ وجِرَاحٍ، فزعم أنَّ فلاناً وفلاناً قاتلاه، وأنه أَثَّرَ فيهما موضع كذا وكذا، وأنَّهما

стр. 1915

اللَّذان فعلا به هذا، ثمَّ مات، فأرى أن يُسْجَنَا حَتَّى ينكشف أمرهما، وأُحِبُّ في مثل هذا لو اصطلحوا، فَأَمَّا القِصَاص في مثل هذا فلا أعلمه (١). • إنّما قال: «إنّهما يسجنان»؛ لِمَا ثبت من اللَّوث بقول المجروح: «إنّهما فعلا به ذلك». ولم يبلغ الأثر الَّذِي به أن تكون القسامة كقوله: «قتلني فلانٌ»، فلم ير فيه قسامةٌ؛ لِأَنَّهَا تجب بلوثٍ من بَيِّنَةٍ أو قول المجروح: «قتلني فلانٌ وفلانٌ دون غيرهما». فأمّا الصُّلح على المال فجائزٌ؛ لأنَّ الصُّلح على المال بين المسلمين جائزٌ، والقصاص لا يجب إلَّا ببيِّنةٍ تثبت، أو إقرارٍ، أو قسامةٍ مع لوثٍ. ••• [٢١٩٤] مسألة: قال: وإذا سقط حَمْلٌ على جاريةٍ: • فالحَمَّالُ ضامِنٌ إن كان حرّاً. • وإن كان عبداً كان ذلك في رقبته، إلَّا أن يفديه سيّده بقيمتها (٢). • إِنَّمَا قالَ ذَلِكَ؛ لأنَّ تلف الجارية بسبب الحمَّال وطرحه الحمل عليها. وكان ضامناً لقيمتها؛ لأنَّ ضمان المال يجب بالعمد والخطأ إذا تلف.

стр. 1916

وهذا إذا طَرَحَ الحمل، فَأَمَّا إذا سقط منه من غير صنعٍ له فيه، فيشبه أن لا يكون عليه شيءٌ في ذلك؛ لأنَّهُ لم يكن تلفها عن فعلٍ منه عمداً ولا خطأً. فإن كان الحمَّال عبداً، كان ذلك في رقبته؛ لأنَّ ما أخطأه العبد على المال والنّفس ففي رقبته، إلَّا أن يفديه سيّده بقيمة ذلك، فإن فعل، وإلا أسلم رقبته؛ لجنايته. ••• [٢١٩٥] مسألة: قال: وإذا جُبِرَتِ التَّرْقُوَةُ، فليس فيها شيءٌ (١). • إِنَّمَا قالَ ذَلِكَ؛ لأنَّ التَّرْقُوَةَ لم يجعل فيها النَّبيُّ صلَّى الله عليه شيئاً مؤقتاً، فإذا برئت، فلا شيء فيها، كسائر جروح البدن إذا برئت وعادت كهيئتها - مِمَّا ليس فيها شيءٌ مؤقتٌ -، فلا شيء فيها. وما رُوِيَ عن عمر بن الخطاب ﵁: «أَنَّهُ جَعَلَ فِي التَّرْقُوَةِ بَعِيرَاً» (٢)، يشبه أن يكون إذا كان هناك نقصٌ باقٍ، ففيها بقدر ما نقص، فكان ذلك المقدار شيئاً حكم فيه عمر. •••

стр. 1917

[٢١٩٦] مسألة: قال: وفي أَشْرَافِ الأُذُنَيْنِ (١)، والعينين القائمة (٢)، واليد الشَّلَاءُ (٣)، الاجتهاد (٤). • إِنَّمَا قالَ ذَلِكَ؛ لأنَّ الأذنين ليس جمالها ظاهرٌ كجمال الأنف فتكون فيهما الدّية كما تكون في الأنف إذا قُطِع؛ لأنَّهما يُغَطَّيَانِ بالعمامة والقلنسوة والرّداء وأشباه ذلك، والأنف لا يمكن فيه، وقد قال أبو بكرٍ الصّديق رضوان الله عليه: «تَسْتُرْهُمَا القَلَنْسُوَةُ وَالشَّعِيرَةُ» (٥)، والدِّية فإنَّمَا تجب: (بذهاب العضو الظّاهر الجمال كالأنف. (وذهاب منفعته وإن لم يكن له جمالٌ ظاهرٌ، كشلل الذّكَرِ، وقطع الحشفة. وقد قال مالكٌ: في الأذنين إذا قُطِعتا الدّية كاملة. ووجه هذا القول: أنَّ الأذنين عضوٌ فيهما منفعةٌ وجمالٌ كغيرهما من

стр. 1918

الأعضاء، ففيهما الدّية، فَأَمَّا اليد الشَّلاء ففيها حكومةٌ ولا دية فيها؛ لذهاب منفعتها، وليس جمالها ظاهراً كجمال الأنف، فكان فيها حكومةٌ. ••• [٢١٩٧] مسألة: قال: ومن كُسِرَتْ فخذه، ثمَّ جُبِرَتْ مستويةً، فليس على الكاسر نفقته ولا علاجه (١). • إِنَّمَا قالَ ذَلِكَ؛ لأنْ ليس في هذا أصلٌ يُرْجَعُ إليه في إيجاب ذلك على الجاني. ولأنه لو جُعِلَ عليه نفقته، لأمكن أن يتجَاوَزَ ذلك عَقْل شيءٍ مسمّىً، وذلك غير جائزٍ. ••• [٢١٩٨] مسألة: قال: وإذا كان أهل بلادٍ قد جَرَوا على عقلٍ مُسَمَّىً فيما دون المُوضِحَةِ، في الباضِعِ وما أشبهه، فأرى أن يُبْطَلَ ذلك من البلدان، وهو باطلٌ (٢). • إِنَّمَا قالَ ذَلِكَ؛ لأنَّ الأصل في هذه الأشياء الاجتهاد وحكم عدلٍ، بأن ينظر كم ثمنه لو كان عبداً صحيحاً، ثمَّ ثمنه وبه هذا العيب، ثمَّ يكون ذلك النَّقص

стр. 1919

من مقدار ديته على الجاني في ماله، أو على عاقلته إذا بلغ ما تحمله، فليس يجوز أن يكون في ذلك عقلٌ مسمَّىً. ••• [٢١٩٩] مسألة: قال: ومن شجَّ رجلاً شَجَّةً، فزعم أَنَّهُ ذهب منها سمْعُهُ، فلا يُعْجَلُ في أمره، ويُعْتَقَلُ (١) ويُصَاحُ به، ثمَّ يحلف بالله الَّذِي لا إله إلَّا هو: «لقد أَصَمَّ، وما حدث هذا الصَّمم إلَّا منذ ضُرِبْتُ هذه الضَّربة» (٢). • إِنَّمَا قالَ ذَلِكَ؛ لأنَّهُ لا يُقْدَر في علم صِحَّةِ ما قال في ذهاب سمعه أكثر مِمَّا وصفه مالكٌ، فيُجَرَّبُ ذلك كما ذكره مراراً، ثمَّ يُسْتَحْلف ويُعْطَى الدّية، إذ لا يتهيَّأ في أمره غير هذا، وقد ظهر دلائل ذهاب سمعه، فَدِينَ في ذلك، وأُعْطِيَ الدّية مع يمينه. ••• [٢٢٠٠] مسألة: قال: ومن حفر بئراً أو شِرْبَاً للماء أو للرِّبح - مِمَّا مثله يُعْمَلُ - في داره أو أرضه، فسقط فيها إنسانٌ فمات، فلا ضمان عليه (٣). • إِنَّمَا قالَ ذَلِكَ؛ لأنَّهُ فعل ما له أن يفعله، فلا شيء عليه فيما تلف فيه من إنسانٍ أو مالٍ، كالإمام إذا أقام حدّاً على رجلٍ فمات، فلا شيء عليه.

стр. 1920

وكالمقتصِّ منه إذا مات من الجرح، أَنَّهُ لا شيء على من اقْتَصَّ منه؛ لأنَّهُ فعل ما له فعله. ••• [٢٢٠١] مسألة: قال: وإن جعل حِبَالَةً في داره أو شيئاً؛ يُتْلِفُ به إِنْسَاناً، فتَلَفَ، فعليه ضمانه (١). • إِنَّمَا قالَ ذَلِكَ؛ لأنَّهُ قد قصد إتلاف الإنسان، ولا يجوز له قصده إتلافه، فهو ضامنٌ له؛ لأنَّهُ فعل ما لا يجوز له فعله، وذلك كما لو حفر بئراً، أو فعل شيئاً، في موضعٍ لا يجوز له فعله، فتَلَفَ به إنسانٌ أو مالٌ، فعليه ضمان ذلك؛ لأنَّهُ متعدٍّ بالفعل، والذي فَعَلَ ما لَهُ فِعْلُهُ فغير متعدٍّ، فلا شيء عليه فيما تلف به من إنسانٍ أو مالٍ. ••• [٢٢٠٢] مسألة: قال: ومن حمل إنساناً على دابَّةٍ ليسقيها، فصرعته فقتلته: (فإن كان كبيراً، فلا شيء عليه. (وإن كان صغيراً، فعليه عقله. (وإن كان عبداً، فعليه ثمنه (٢).

стр. 1921

• إِنَّمَا قالَ ذَلِكَ؛ لأنَّ الكبير إذا كان صحيح العقل مميِّزاً، فقد اختار ركوب الدَّابَّة، فلا شيء على من حمله إذا تلف؛ لأنَّهُ هو سبب تلف نفسه. فأمَّا الصَّغير، فعلى عاقلته ديته - أعني: عا [قلة] (١) الحامل -؛ لأنَّهُ سبب تلفه؛ لأنَّ الصبي لا اختيار له في فعله. وأما العبد فعليه قيمته في ماله؛ لأنَّهُ فعل به ما لا يجوز له أن يفعله به بغير إذن سيّده. ولأنَّه هو سبب تلفه. ••• [٢٢٠٣] مسألة: قال: ومن قُتِلَ وترك ابناً له صغيراً، وترك أباه (٢)، فللأب أن يقطع أمره بالعقل إن قَبِلَه (٣)، فأمَّا عفوه فلا أدري. وإن كان قَتْلُهُ على ماله، فليس للأب فيه عفوٌ ولا للسُّلطان (٤). • إِنَّمَا قالَ ذَلِكَ؛ لأنَّ الابن الصغير لا ينتفع بالعفو، ولا فائدة له فيه، فلا يجوز عفوه. فأمَّا إن عفا على مالٍ، فذلك جائزٌ؛ لأنَّ الصغير ينتفع به، وفي ذلك نظرٌ له.

стр. 1922

فإن قُتِلَ على أخذ مالٍ، لم يجز العفو فيه؛ لأنَّهُ قتله هو (١) على وجه غيلةٍ - وهي المحاربة -، ولا يجوز العفو في حدِّها؛ لأنَّهُ من حقوق الله ، كحدِّ الزِّنا والسَّرق وأشباهه. ••• [٢٢٠٤] مسألة: قال: ومن قُتِلَ وله ولدٌ صغارٌ، فيَنْظُرُ لهم وليُّهم في القَوَدِ. وإذا كان خطأً، لم يكن له العفو؛ لأنَّهُ مالٌ (٢). • إِنَّمَا قالَ ذَلِكَ؛ لأنَّ وليّ الصّغار - القيِّم لهم بذلك -: (يجوز عفوه عن العمد؛ لأنَّهُ ليس بمالٍ. (ولا يجوز عفوه عن الخطأ؛ لأنَّهُ مالٌ. (ويجوز عفوه أيضاً في العمد على المال؛ لأنَّهُ نظرٌ للأصاغر. ••• [٢٢٠٥] مسألة: قال: ومن قُتِلَ وله ولدٌ صغارٌ وعَصَبَةٌ: (فأمر العصبة جائزٌ إن قَتَلُوا.

стр. 1923

(وإن عَفَوا، لم يجز ذلك إلَّا بالدِّية، وهي المورُوثَةُ على كتاب لله : للمرأة وللإخوة للأمّ (١). وبنو العمِّ يَقْتُلُون إن أحبّوا ذلك، ولا يُنْتَظَرُ ولده إذا كانوا صغاراً (٢). • إِنَّمَا قالَ ذَلِكَ؛ لأنَّ الأصاغر لا ينتفعون بالعفو، فلا يجوز العفو عنه إلَّا أن يكون على مالٍ فيجوز؛ لأنَّ في ذلك نظراً لهم. وإذا عفوا على مالٍ أو ديةٍ، كان ذلك موروثاً على كتاب الله من ورثة المقتول؛ لأنَّهُ مالٌ لهم، فهم يرثون عنه. وقد روى الزّهري، عن سعيدٍ، أنَّ عمر رحمة الله عليه قال: «الدِّيَةُ لِلْعَاقِلَةِ، ولَا تَرِثُ المَرْأَةُ مِنْ دِيَةِ زَوْجِهَا، حَتَّى أَخْبَرَهُ الضَّحَّاكُ بِذَلِكَ»، وخبر الضَّحاك هو: «أَنَّ النَّبيَّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ كَتَبَ إِلَيْهِ: أنْ تُوَرِّثَ امْرَأَةَ أَشْيَمَ الضِّبَابِيِّ مِنْ دِيَةِ زَوْجِهَا» (٣). وروى سليمان بن موسى، عن عمرو بن شعيبٍ، عن أبيه، عن جدّه: «أَنَّ رَسُولِ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ قَضَى أَنَّ العَقْلَ مِيرَاثٌ بَيْنَ وَرَثَةِ المَقْتُولِ» (٤).

стр. 1924

وقوله: «لا يُنْتَظَرُ ولده إذا كانوا صغاراً»؛ فلأنَّ الصغير لا ولاية له في حال صغره. ألا ترى: أَنَّهُ لا يُنْتَظَرُ في تزويج وليّته كبره، بل يُزَوِّجُ غيره مِمَّنْ هو مثله في القرب إذا كَانَ، أو أبعد منه، كالأخوين إذا كان أحدهما صغيراً، زَوَّجَ الكبيرُ ولم ينتظر بلوغ الصَّغير، وقد قال النَّبيُّ صلَّى الله عليه: «لَا نِكَاحَ إِلَّا بِوَلِيّ» (١)، فكان ذلك للكبير دون الصغير، ولا يُنْتَظَرُ به، فكذلك الولاية في القتل مثله. ••• [٢٢٠٦] مسألة: قال: ومن قُتِلَ وله بنون صغارٌ وكبارٌ، فأراد الكبار أن يَقْتُلُوا، فذلك لهم (٢). • إِنَّمَا قالَ ذَلِكَ؛ لِمَا ذكرناه: أنَّ الوليّ هو الكبير من الولد دون الصّغير في القتل، كما هو الوليّ في تزويج أخته دون أخيه الصّغير، ولا يُنْتَظَرُ به بلوغه. وفي انتظاره ضررٌ على الكبير، ويجوز أن يموت القاتل قبل أن يُقاد منه. ••• [٢٢٠٧] مسألة: قال: ومن قُتِلَ وترك أباه وابنه، فالابن أولى بالقيام بالدَّم، وإن كان الابن صغيراً، نَظَرَ له وليّه ورفعه إلى السّلطان، وليس لجدّه - أبي أُمِّهِ - في هذا حقٌّ.

стр. 1925

وإن كان جدُّه أبو أمّه وليّه وأراد العفو، نُظِرَ في ذلك: فإن كان حظّاً للصّبي ونظراً له، جاز، ولا يجوز حَتَّى يكون حظّاً للصَّبي الَّذِي صَنَعَ (١). • إِنَّمَا قالَ ذَلِكَ؛ لأنَّ الابن أقرب العصبة، فهو أولى بالقيام بالدَّم من الأب. ألا ترى: أَنَّهُ أولى بولاء الموالي وكثرة الميراث من الأب؛ لأنَّ الأب يرث مع الابن بالرَّحم دون التَّعصيب، كما ترث الأمّ مع الابن، فكان الابن أولى بالقيام بالدّم والعفو؛ لقوّة سببه على سبب الأب. فإن كان الابن صغيراً، قام وليّه مقامه في ذلك، كما يقوم في ماله؛ لأنَّهُ كمنزلة الحاكم في رعيّته، يَنْظُرُ لهم، فكذلك وليّ الصّغير في نظره له. وكذلك إن كان جَدُّهُ وليّه، - بأن يُوِصي أبو الصّغير إليه -، فَإِنَّهُ يعفو على مالٍ إنْ رأى ذلك ويُقْبَلُ؛ لأنَّهُ مقام الأب في ذلك. ولا مدخل للجدِّ أبي الأمّ في ذلك؛ لأنَّهُ يُدْلِي بالرَّحم لا بالتَّعصيب، إلَّا أن يوصي إليه أبو الصَّبيّ فيكون ذلك له. ••• [٢٢٠٨] مسألة: قال: ومن قُتِلَ وله بنون غُيَّبٌ وحُضُورٌ، لم يُقْتَلِ القاتل، وانتُظِرَ به الغُيَّبُ حَتَّى يقدموا، فيقتلوا أو يعفوا (٢).

стр. 1926

• إِنَّمَا قالَ ذَلِكَ؛ لأنَّ الغائب وليٌّ في حال القتل، فيُنتَظَرُ؛ لأنَّهُ مِمَّنْ له النَّظر والتّمييز، وليس كذلك الصّغير؛ لأنَّهُ لا تمييز له ولا نظر. وكما يُنتظر بالغائب في ولاية التّزويج حَتَّى يقدُم، فكذلك يُنتظر به في ولاية القتل، ولا يُنتظر بالصّغير أن يكبر فيهما جميعاً. ••• [٢٢٠٩] مسألة: قال: والقائد (١) والسّائق (٢) والرّاكب، كلّهم ضامنٌ لِمَا أصابت الدَّابَّة، إلَّا أن تَرْمَحَ من غير أن يُفعل بها شيئاً. وما وطئت الدَّابَّة بيدها أو برجلها، أو عَضَّت، وعليها راكبٌ، فأعنتت: (فإن كان ما أتت من هذا كلّه مِنْ قِبَلِ الراكب، هو الَّذِي يَعْسِبُهَا (٣)، أو يَشْلِيهَا (٤)، أو يضربها، فترمح برجلها، فهو لذلك ضامنٌ. (وما كان من قِبَلِهَا، فهو هدرٌ (٥). • إِنَّمَا قالَ ذَلِكَ؛ لأنَّ الرَّاكب والقائد والسَّائق، سببٌ لِمَا فعلته الدَّابَّة

стр. 1927

وجَنَتْهُ، فعليهم ضمان ذلك؛ لأنَّ كلّ واحدٍ منهم مقصِّرٌ مفرّطٌ بتركه حفظ الدَّابَّة، ومنعها أن تفعل ما فعلت. فأمَّا إذا فعلت شيئاً لا صنع له فيه، فلا شيء عليه؛ لأنَّهُ غير مفرّطٍ ولا مقصِّرٍ بترك حفظها أو [إرسـ]ـالها (١)، وقد قال رسول الله صلَّى الله عليه: «العُجْمَى جُرْحُها جُبَارٌ» (٢). رواه [ما] لكٌ (٣)، عن الزّهري، عن سعيدٍ وأبي سلمة، عن أبي هريرة، عن النَّبيِّ صلَّى [الله علـ]ـيه (٤). ومعناه: إذا فعلت ذلك بغير صنع أحدٍ، فَأَمَّا إذا فعلت ذلك بصنع راكبٍ أو قائدٍ أو سائٍق، لزمه ذلك؛ لتركه حفظها ومنعها مِمَّا فعلته. ••• [٢٢١٠] مسألة: قال: والرَّديفانِ على الدَّابَّة، تصيب دابَّتُهُمَا إنساناً بُجُرْحٍ، أنَّ عقل ذلك الجرح عليهما جميعاً. وقد قال مالكٌ: إن كانا على محملٍ لا يُقادُ بهما (٥)، فهو عليهما جميعاً، فإن كانا رديفين، فليس المُؤَخَّرُ مثل المُقَدَّمِ، وذلك على الاجتهاد.

стр. 1928

وإن كان المؤخر حرَّكَها وبيد المقدَّمِ لجامها، فهما ضامنان، وإن كان المؤخَّر لم يُحَرِّك والمقدَّمُ الَّذِي أقْدَمَهَا، فالغرم عليه فيما أرى، على وجه الاجتهاد فيما يُرى عند ذلك (١). • إنّما قال: «في الرّديفين على الدَّابَّة، واللّذين في محملٍ، أنَّ عقل ما جنت عليهما»؛ فلأنَّ ما جنته بسببهما، فليس أحدهما بأولى من الآخر في حمل أرش الجناية، إلَّا أن يكون ما جنته بسبب أحدهما دون الآخر، أو كان أحدهما قادراً على منعها مِمَّا فعلته فلم يمنعها، فيكون ذلك عليه؛ لأنَّهُ هو السّبب فيما جنت دون الآخر. وذلك على حسب الاجتهاد في حال ما يحدث ذلك، على حسب ما قاله مالكٌ. ••• [٢٢١١] مسألة: قال: وإذا جَمَحَ فرسٌ بصبيٍّ وعَلِمَ أَنَّهُ مغلوبٌ فصدم إنساناً فجرحه، فهو على الصَّبي (٢). • يعني: في ماله إذا كان دون الثّلث، وعلى عاقلته إذا كان ثلث الدّية فما فوقه؛ لأنَّ الصبيَّ سبب تلف الإنسان الَّذِي أتلفه. •••

стр. 1929

[٢٢١٢] مسألة: قال: وإذا اصطدم مُرَادِيٌّ وخَوْلَانِيٌّ على فرسين، فَوَصَلَ (١) فرس الخولاني على رِجْلِ صَبِيٍّ فقطع أصبعاً من أصابعه، فالعقل على مُرَادٍ وخَوْلَانَ (٢). • يعني: عاقلة الرَّجلين المصطدمين؛ لأنَّهما سبب ما أتلفاه. وهذا إذا زاد الجرح على الأصبع أو أدَّى إلى النّفس؛ لأنَّ العاقلة لا تحمل دية الأصبع؛ لِأَنَّهَا عُشْرُ الدِّية، وذلك في مال الجاني. ••• [٢٢١٣] مسألة: قال: وما ضربت الدَّابَّة بيدها وعليها راكبٌ، فليس على راكبها شيءٌ، إلَّا أن يكون أوطأها أو حرَّكها (٣). • إِنَّمَا قالَ ذَلِكَ؛ لأنَّ رسول الله ﷺ قال: «جُرْحُ العُجْمَى جُبَارٌ» (٤). وهذا إذا لم يكن جرحها بسببب فعل أحدٍ، فإذا كان بسبب فعل أحدٍ، فهو ضامنٌ؛ لتعدِّيه أو تقصيره. ••• [٢٢١٤] مسألة: قال: ومن أوقف دابَّته على باب المسجد أو باب الأمير، فقتلت إنساناً، فلا شيء عليه؛ لأنَّهُ موضعٌ تُوقَفُ فيها الدَّوابّ.

стр. 1930

وكلُّ من ربط دابَّته في موضعٍ لا يُمْنَعُ منه، فأصابت إنساناً، فلا شيء عليه (١). • إِنَّمَا قالَ ذَلِكَ؛ لِمَا ذكرناه: أنَّ كلّ من فعل ما له فعله من إقامة دابَّةٍ أو حفر بئرٍ وأشباه ذلك، في موضعٍ له فِعْلُهُ، فتلف به إنسانٌ أو مالٌ، فلا شيء عليه؛ لأنَّهُ فعل ما له فعله، بمنزلة الإمام إذا حدَّ إنساناً فمات منه، والمجروح إذا اقتصّ فمات المُقْتَصُّ منه، فلا شيء عليهما؛ لأنّهما فعلا ما لهما فعله، فكذلك هذا مثله. وكلّ من فعل ما ليس له فعله، فتلف به إنسانٌ أو مالٌ، كان عليه ضمان ذلك؛ لتعدّيه للفعل، كما يتعدَّى الإمام في الحدِّ، والمستقيد في القَوَدِ، فليزمهما ذلك. ••• [٢٢١٥] مسألة: قال: وإذا وقع العَسْكَرُ على إنسانٍ فقتله، فلا شيء عليه (٢). • يعني: الرَّوْشَنُ (٣)؛ لأنَّ صاحبه ليس متعدّياً بإخراجه وبنائه.
следующие страницы →