← Фикх малики

Фикх малики · id 1326

شرح المختصر الكبير للأبهري

الأبهري

Полный текст (2 801 стр.). Показаны 1961–2000 · переход к 1966.

стр. 1961

شيءٌ، ولا يُحَطُّ عنه ما تقدَّم من الجناية، سواءٌ أخذ لها أرشاً أم لا»؛ فلأنَّ المجني عليه قد كان ينتفع بعينه والبصر بها كمنفعة الصّحيح، فكان كالأعور إذا فُقِئت عينه، ففيها ديةٌ كاملةٌ؛ لبقاء منفعته (١) كانت بالبصر، وهذا هو أحد قولي مالكٍ، وقد بيَّنَّاه، وكذلك فيها القَوَدُ إذا جنى عليها عبدٌ ببقاء منفعتها. ••• [٢٢٦٥] مسألة: قال: ومُقَدَّم الفم والأضراس عقلها سواءٌ، خمسٌ خمسٌ (٢). • إِنَّمَا قالَ ذَلِكَ؛ لأنَّ رسول الله صَلَّى الله عَلَيْهِ قال: «وَفِي السِّنِّ خَمْسٌ مِنَ الإِبِلِ». رواه الزّهريُّ عن أبي بكر بن عمرو بن حزم، عن أبيه، عن جده: أنَّ رسول الله صَلَّى الله عَلَيْهِ قال ذلك (٣). واسم السنِّ يقع على كلّ سنٍّ، وليس يُراعى اختلاف المنافع والجمال في ذلك، كما لا يراعى ذلك في الأصابع؛ لِأَنَّهَا مختلفة المنافع والجمال، ثُمَّ في

стр. 1962

كلّ واحدٍ منها عشرٌ من الإبل؛ لعموم قول النَّبيِّ صَلَّى الله عَلَيْهِ: «وَفِي كُلِّ إِصْبَعٍ عَشْرٌ مِنَ الإِبِلِ» (١)، فكذلك الأسنان سواءٌ. ••• [٢٢٦٦] مسألة: قال: وإذا اسودَّتِ السنُّ، تَمَّ عَقْلُهَا، وإن طُرِحت بعد ذلك تَمَّ عَقْلُهَا (٢). • إِنَّمَا قالَ ذَلِكَ؛ لذهاب جمالها إذا اسودَّت، ففيها ديتها، كذهاب جمال الأنف إذا قطع، تَمَّ فيها ديتها إذا قُلِعت لذهاب منفعتها، كما يجب في الشمِّ إذا ذهب. وقد قال سعيد بن المسيب في السنِّ إذا اسودَّت: تَمَّ عَقْلُهَا، ثمَّ إن طُرِحَت، ففيها عقلها (٣). ••• [٢٢٦٧] مسألة: قال: ومن كانت سِنُّه تزحف: (فإذا كان ذلك اضطَّراباً شديداً، وإنّما هي معلَّقَةٌ فطرحت، فإنَّمَا فيها الحكم.

стр. 1963

(فإن كان ذلك خفيفاً، ففيها العقل (١). • إِنَّمَا قالَ ذَلِكَ؛ لأنَّ منفعتها يسيرةٌ إذا كانت معلَّقَةً، ففيها حكومةٌ بمقدار ما ذهب من منفعتها، وإذا كان ذلك خفيفاً، ففيها العقل؛ لبقاء أكثر منافعها. ••• [٢٢٦٨] مسألة: قال: وإن ضَرَبَ رجلٌ سِنَّ رَجُلٍ فحرَّكَها، فله بحساب ما نَقَصَها، وإن أصيبت بعد ذلك، فله بقدر ذلك أيضاً (٢). • إِنَّمَا قالَ ذَلِكَ؛ لأنَّ بتحريكها تنقص منفعتها، فله من الدّية بقدر ذهاب منفعتها. ••• [٢٢٦٩] مسألة: قال: وإذا تحرك سنُّ الكبير، ثُمَّ طرحها رجلٌ، ففيها العقل كاملاً، وإن انثلم طرف السنِّ، فله بحساب ما انثلم (٣). • يعني: إذا كان تحريكها يسيراً؛ لبقاء المنفعة فيها، وكذلك عليه من ديتها بقدر ما كَسَرَ منها؛ لذهاب منفعتها وجمالها. •••

стр. 1964

[٢٢٧٠] مسألة: قال: وإذا أصيبت سنُّ كبيرٍ فأخذ عقلها، ثمَّ نبتت، لم يرجع عليه بشيءٍ. وقاله ابن القاسم وأشهب (١). • إِنَّمَا قالَ ذَلِكَ؛ لِأَنَّهَا وإن نبتت، فليس فيها كبير منفعةٍ؛ لِأَنَّهَا تكون ضعيفةً، فلذلك قال: لا يرجع بديتها. وأحسب في هذا القول خلافاً بين أصحاب مالكٍ، قد قال قومٌ: «يرجع بِدِيَتِهَا»، ولست أقوم على حفظه الساعة. ••• [٢٢٧١] وقال ابن القاسم في السنِّ المنثلمة تصاب عمداً: (إن كان الَّذِي انثلم منها شيءٌ يسيرٌ، فله القصاص. (وإن كان له بالٌ، ربعها، ثلثها، فله العقل بحساب ما انثلم منها، ولا قَوَدَ له، أَخَذَ في الَّذِي انثلم عقلاً أو لم يأخذ، كان الَّذِي ذهب منها قليلاً أو كثيراً، فَإِنَّهُ يحاسب به في الخطأ (٢). • إِنَّمَا قالَ ذَلِكَ؛ لبقاء أكبر منفعتها، ففيها ديتها كاملةً.

стр. 1965

فأمَّا القَوَدُ منها فغير ممكنٍ؛ لأنَّهُ لا يقدر أن يَكْسِرَ منها بقدر ما كُسِرَ منها، فكان في ذلك ديتها بِقَدْرِهِ، لا القَوَدُ. ••• [٢٢٧٢] مسألة: قال: والسنُّ الصَّغير، أو العين تُكحلُ فتدمع، واليد تكسر تكون فيها العَثْمُ (١)، والكسر كلّه، والشَّجَّة، والظُّفر، يُستأنى بذلك وأشباهه حَتَّى يُعْرَف، ثمَّ يُعْقل. وَالمُوضِحَةُ في دمها ويُخَاف أن تكون مُنَقِّلَةً، يُستأنى بذلك وأشباهه حَتَّى يُعرف ما يصير إليه. والعين تُطْرَفُ (٢)، والسِّنُّ يُضْرَبُ، واليد تصاب وما أشبه ذلك، يُسْتَأْنَى بهم سنةً. فإن أصابها في السَّنَةٍ شيءٌ ذهب البصر، أو اسودَّت السنُّ، أو شُلَّت اليد، فقد تمَّ عقلها إذا أصابها ذلك في السَّنَة (٣). • إِنَّمَا قال: «إنَّه يُستأنى بهذه الأشياء»؛ ليتبيَّن أمر الجناية واستقرارها على شيءٍ ما، ورجوع ما يجوز أن يرجع مثله، مثل السّنِّ والعين والظّفر؛ ليكون أمر الجناية واستقرارها على شيءٍ ما؛ ليكون الحكم فيها على يقينٍ.

стр. 1966

ومتى حُكِم فيها قبل ذلك، لم يُعْلَم، هل يرجع أم لا؟، وقد تناهى الجرح أو لا؟. وإِنَّمَا جَعَلَ الانتظار سنةً؛ لتدور فصول الأزمنة على العين والسِّنِّ والظّفر، فلعلَّ يوافقها بعض الأزمنة وترجع فيه، كما يُفْعَل ذلك بالعِنِّين، يُنْتَظَر به سنةً ليزول عنه ما يجده. وقد ذكرنا قبل هذا، أنَّ دية الجرح لا يستقرُّ وجوبها قبل اندمالها؛ لجواز انتقاله إلى غيره، وهذا لا خلاف فيه بين أهل العلم، وكذلك حكم الجرح إذا كان عمداً عند مالكٍ؛ لأنَّهُ لا يُقاد منه حَتَّى يندمل فيستقرَّ حكمه؛ لجواز أن يسري إلى النَّفس أو إلى أكثر منه - أعني: من الجرح -، وقد ذكرنا هذا فيما تقدَّم (١). ••• [٢٢٧٣] مسألة: قال: وَأَهْلُ الذَّهَبِ أَهْلُ الشَّامِ وَأَهْلُ مِصْرَ، وأَهْلُ الوَرِقِ أَهْلُ العراق، وأَهْلُ الإبل أَهْلُ العمود (٢) (٣). • يعني: في حمل الدِّية؛ لأنَّ كلّ قومٍ إِنَّمَا يُلْزَمون من الدّية مِمَّا يملكون من أموالهم، لا يُكَلَّفُون غير ذلك، فأهل الذَّهَبِ الذَّهب، وأهل الورق الورق؛ لأنَّ في تكليفهم غير ذلك مشقةً عليهم (٤).

стр. 1967

وقد كان أصل الدِّيات الإبل، وإنّما قُوِّمَت على أهل الذَّهب والورق. والقيمة فإنَّمَا تكون بهذين الشيئين، لا شيء سواهما، فلهذا قال مالكٌ: «لا يؤخذ في الدّية بقرٌ ولا غنمٌ ولا حُلَلٌ، إلَّا أن يتراضوا بذلك، فيكون ذلك جائزاً». ••• [٢٢٧٤] مسألة: قال: ولا تُخْرَج الدّية إلَّا في ذهبٍ أو وَرِقٍ أو إبلٍ، لا يُخرج فيها شياهٌ (١) ولا حُلَلٌ (٢) ولا بقرٌ. ولا يُقبل من أهل القرى في الدّية الإبل، ولا من أهل العمود الذهب (٣). • إِنَّمَا قالَ ذَلِكَ؛ لِمَا ذكرناه: أنَّ أصل الوجوب في الدّية هو من الإبل، وكذلك أوجبها النَّبيُّ صَلَّى الله عَلَيْهِ. فروى مالكٌ، عن عبد الله بن أبي بكر بن محمد بن عمرو بن حزمٍ، عن

стр. 1968

أبيه: «أَنَّ فِي الكِتَابِ الَّذِي كَتَبَهُ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ لِعَمْرِو بْنِ حَزْمٍ فِي العُقُولِ: أَنَّ فِي النَّفْسِ مِئَةً مِنَ الإِبِلِ» (١). ورواه الزُّهريُّ، عن أبي بكر بن عمرو بن حزم، عن أبيه، عن جدِّه: «أَنَّ رَسُولَ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ كَتَبَ: أَنَّ فِي النَّفْسِ مِئَةً مِنَ الإِبِلِ» (٢). ثم قُوِّمَت الإبل بالذَّهَبِ والوَرِقِ دون غيرها، فلا يجوز غيرهما في الدِّية، ولا يجب على من وجبت له أن ينتقل إلى غير ما وجبت له، إلَّا أن يختار ذلك، كما لا يلزمه أن ينتقل من القَوَدِ إلى الدّية إلَّا أن يختار ذلك؛ لأنَّهُ الَّذِي وجب له. ••• [٢٢٧٥] مسألة: قال: وأسنان الإبل في القتل والجراح في الخطأ، على أهل الإبل أخماسٌ: خُمُسٌ حقاقٌ، وخُمُسٌ جِذَاعٌ، وخُمُسٌ بنات لبونٍ، وخُمُسٌ بَنَاتُ مخاضٍ، وخُمُسٌ بنوا لبنونٍ ذكرٍ (٣). • إِنَّمَا قالَ ذَلِكَ؛ لَمَّا رُوِيَ عن النَّبيِّ صَلَّى الله عَلَيْهِ أَنَّهُ جعل دية الخطأ كذلك. وكذلك رُوِيَ عن جماعةٍ من الصّحابة والتابعين.

стр. 1969

وروى حجّاجٌ (١)، عن زيد بن جبير (٢)، عن حنيف بن مالكٍ (٣)، عن عبد الله بن مسعودٍ: أنَّ النَّبيَّ صَلَّى الله عَلَيْهِ قال: «دِيَةُ الخَطَأِ أَخْمَاسٌ» (٤). وكذلك رُوِيَ عن ابن مسعودٍ (٥)، وزيد بن ثابتٍ (٦)، والفقهاء السبعة، وربيعة، وابن شهابٍ، والحسن، والشّعبي. ••• [٢٢٧٦] قال: وإذا وجبت مُغَلَّظَة (٧) على أهل الذهب، لم تُغَلَّظ، ولم يؤخذ منهم إلَّا ألف دينارٍ.

стр. 1970

وقد قيل: تُعطى قيمة الإبل على أنَّهَا تُغَلَّظ، وإن كان أكثر من ألف دينارٍ. وقال: يُنْظَر إلى فضل ما بين قيمة الخطأ وقيمة التغليظ، إن كان سُدُسَاً أو ربعاً أُعْطِيه. ويُفْعَل ذلك أيضاً في الجراح، إن فقأ عينه: نُظِرَ إلى قيمة خمس عشرة حُقَّةً، وخمس عشرة جذعةً، وعشرين خِلْفَةً، فيُنْظَر ما بين هذه الأسنان، فتُغَلَّظ على أهل الذَّهب. ولا يُغَلَّظ إلَّا في مثل ما صنع المُدْلِجِيُّ (١) بابنه (٢). • وجه قوله: «لا تُغَلَّظ الدّية على أهل الذَّهب والورق»؛ فلأنَّ التَّغليظ إِنَّمَا هو في فضل أسنان الإبل، ليس في العدد، وليس يمكن ذلك في الدَّنانير والدَّراهم؛ لأنَّ التَّغليظ يكون فيها بزيادة العدد، وذلك لا يجوز. ووجه قوله: «إنها تُغَلَّظ، وأنه تؤخذ منه قيمة الإبل المغلَّظة»؛ فلأنَّ التَّغليظ وقع من أجل القتل، فوجب الحكم به، سواءٌ كان ذلك على أهل الإبل وغيرهم (٣). وهذا هو القول الصَّحيح، ثُمَّ كيف العمل في التَّغليظ على أهل الذَّهب والورق. وقد فسَّره مالكٌ: بأن تُقَوَّم الإبل المغلَّظَةُ، فتكون قيمة ذلك عليه.

стр. 1971

وقد قال: «إنه تؤخذ منهم الدّية الَّتِي وجبت عليهم، وفضل ما بين قيمة التَّغليظ والخطأ، فيكون ذلك عليهم مع الدَّية»، وكلّ القولين له وجهٌ: (فوجه هذا القول: أنَّ أصل الدّية عليهم ألف دينارٍ، واثنا عشر ألف درهمٍ، فيؤخذ منهم ذلك، وفضل ما بين قيمة الخطأ والتَّغليظ يؤخذ أيضاً منهم؛ من أجل التّغليظ. (ووجه قوله: «تُقَوَّم الدّية المغلَّظة فتؤخذ منهم»؛ فلأنَّه لا طريق إلى أخذ التَّغليظ منهم إلَّا بهذا الوجه، فإن لم يُفْعَل كذلك، زال حكم التَّغليظ. والجراح في الحكم كالقتل؛ لأنَّهُ لَمَّا زال القَوَدُ فيه مع كونه عمداً أو القدرة عليه، وجب أن يُغَلَّظَ ما وجب فيه من الدِّية، كما يجب أن يُعْقَل ذلك في القتل. وقد قال مالكٌ: «إنَّ الجراح لا يُغَلَّظُ فيها العقل». ووجه هذا القول: هو أنَّ الجرح لَمَّا كان أخفض من النَّفس، لم يُغَلَّظ حكمه كحكم النَّفس، كما لم يكن حكمه في القسامة كحكم النَّفس، فكان في النَّفس القسامة لغلظ القتل، ولم يكن في الجرح لانخفاضه عن القتل. ألا ترى: أنَّ في النَّفس الكفَّارة على القاتل، وليس في الجرح كفَّارةٌ. •••

стр. 1972

[٢٢٧٧] مسألة: قال: ولا تُغَلَّظ في الشّهر الحرام، ولا في المُحَرَّمِ (١)، ولا في قرابة أخٍ ولا قرابة غيره (٢). • إِنَّمَا قالَ ذَلِكَ؛ لأنَّ المحرَّم (٣)، والشَّهر الحرام، والقرابة، لا أصل للتَّغليظ فيها، وإنّما التَّغليظ يقع لحرمة النَّفس، كما غُلِّظَت دية الحرِّ المسلم على دية الحرِّ الكافر، ودية الرّجل الحرِّ على دية المرأة الحرَّة، ولا فرق بين قتلها في الحرم والشَّهر الحرَّام والقرابة وغير ذلك، وإنّما يراعى فيه ما ذكرنا من حرمة النَّفس، أو غلظ القتل، لا غيرهما، والله أعلم. ••• [٢٢٧٨] مسألة: قال: وتُقَطَّعُ الدّية في ثلاث سنين أحبّ إلي، وثُلثي الدّية في سنتين، ونصف الدّية في سنتين، وثلث الدّية في سنةٍ. وقد قال: في النِّصف وثلاثة أرباع، يجتهد فيه الإمام على قدر ما يرى (٤). • إِنَّمَا قال: «إنَّ الدّية تُقَطَّع في ثلاث سنين، والثُّلث منها في سنةٍ»؛ تخفيفاً على العاقلة؛ لأَنْ يجمعوها في هذه المدَّة.

стр. 1973

وكذلك رُوِيَ عن عمر وعلي بن أبي طالب (١) ﵄ مثله، ولا خلاف في هذا بين جماعة أهل العلم. فأمَّا نصف الدِّية، فإنَّمَا قال: «إنَّه في سنتين»؛ لأنَّ الإبل تكون حوامل في وسط السَّنة، وليس يجوز أن تؤخذ حوامل في الدِّية، فأُخِّرَت إلى تمام السَّنَةِ لكي تضع. فروى أشهب (٢) عن الحسن (٣)، وعن الحكم عن إبراهيم، قالا: «أوَّل من فرض العطاء عمر بن الخطاب، وفرض فيه الدّية كاملةً في ثلاث سنين، وثلثي الدّية في سنتين، والنِّصف في سنتين، وما دون ذلك عليه» (٤). ووجه قوله: «إنَّ الإمام يجتهد في النِّصف والثَّلاثة الأرباع»؛ فلأنه لَمَّا لم يكن في ذلك أَجَلٌ مؤقتٌ، كان ذلك على اجتهاد الحاكم. •••

стр. 1974

[٢٢٧٩] مسألة: قال: ومن جَرَحَ رَجُلَاً جرحاً يقع عليه فيه ثلث الدِّية، لم يُنَجَّمْ عليه، وأُخِذَ منه كلّه (١). • يعني: إذا كان جرح عمدٍ، فإنَّ ديته في مال الجارح إذا رضي بذلك المجروح. ويكون نقداً؛ لأنَّ المتأخرة هي الدّية الَّتِي على العاقلة، لا الَّتِي على الجاني في نفسه. ••• [٢٢٨٠] مسألة: قال: ومن أصاب رجلاً مُوضِحَةً خطأً، لم تُنَجَّم عليها ديتها (٢). • إِنَّمَا قالَ ذَلِكَ؛ لأن دية الموضحة في مال الجاني، وهو قليل من الدِّية، فلم يُؤخّر ذلك. ••• [٢٢٨١] مسألة: قال: وقاتل العمد لا يرث من المال ولا من الدِّية، وقاتل الخطأ يرث من المال، ولا يرث من الدِّية (٣). • إِنَّمَا قالَ ذَلِكَ؛ لأنَّ قاتل العمد أراد استعجال الميراث بقتل من وَرِثَه،

стр. 1975

فمُنِعَ فيه عقوبةً له وردعاً عن أن يُفْعَلَ مثل فعله، وقد قال عمر بن الخطاب ﵁ في قصة المُدْلِجِيّ، حيث أعطى الدّية للأخ دون الأب، سمعت النَّبيَّ صَلَّى الله عَلَيْهِ يقول: «لَيْسَ لِقَاتِلٍ مِيرَاثٌ». رواه مالكٌ، عن يحيى بن سعيدٍ، عن عمرو بن شعيبٍ: «أَنَّ رَجُلَاً مِنْ بَنِي مُدْلِجٍ قَتَلَ ابْنَهُ، فَأَخَذَ عُمَرُ الدِّيَةَ فَجَعَلَهَا لِأَخِيهِ، وَقَا [لَ: قَا] لَ (١) رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ، قال: لَيْسَ لِلقَاتِلِ شَيْءٌ» (٢)، وهذا ما لا اختلا [ف] (٣) فيه نعلمه بين الفقهاء (٤). فأمَّا قاتل الخطأ فيرث من المال؛ لعموم قوله : ﴿يُوصِيكُمُ اللَّهُ فِي أَوْلَادِكُمْ لِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِّ الْأُنْثَيَيْنِ﴾ [النساء:١١]، ولسائر ما جعل الله ﵎ للوارثين من المورِّثين، فلم يجُز منع هذا المخطئ من الميراث؛ لأنَّهُ لم يقصد الاستعجال (٥) الميراث بالقتل فيُعَاقَبُ بالمنع كما عوقب قاتل العمد، فلمَّا لم يجُز الجمع بينهما لاختلاف المعنى، كان على أصله في وجوب الميراث له (٦).

стр. 1976

فأمَّا الدّية فلا يرث منها؛ لِأَنَّهَا مُؤدّاةٌ عنه، فكانت واجبةً عليه، ومحالٌ أن يؤدّي الإنسان شيئاً وجب عليه إلى نفسه. ولأنَّ في الأصول: أنَّ الجناية توجب على الجاني شيئاً لا له، وإذا كان هذا هكذا، لم يرث من الدّية بالإجماع، وورث من المال لِمَا ذكرناه. فإن قيل (١): هل رأيتم وارثاً يرث من بعض مال موروثه دون بعضٍ؟ قيل له: نعم، إذا كان حكم الأبعاض مختلفاً، وقد يجوز للإنسان إذا كان مريضاً أن يتصرَّف في بعض ماله دون بعضٍ، فلمَّا كان الإنسان ممنوعاً من التَّصرف في بعض ماله دون بعضٍ لدليلٍ قام، فكذلك الوارث يكون ممنوعاً من بعض مال موروثه دون بعضٍ لدليلٍ. وروى أبو عاصمٍ، عن ابن جريجٍ، عن عطاءٍ، قال في الرجل يقتل ابنه عمداً: «لا يرث من ماله ولا من ديته، فَأَمَّا الخطأ فيرث من ماله ولا يرث من ديته» (٢). وروى سعيدٌ، عن قتادة، عن الحسن، قال: «يرث من ماله ولا يرث من ديته» (٣).

стр. 1977

وروى وكيع، عن علي بن المبارك (١)، عن يحيى بن أبي كثير، عن عليٍّ ﵁ قال: «يَرِثُ إِنْ كَانَ خَطَأً، وَإِنْ كَانَ عَمْدَاً لَمْ يَرِثْ» (٢). ••• [٢٢٨٢] مسألة: قال: وقاتل العمد لا يَرِثُ ولا يَحْجِبُ، وهو بمنزلة الكافر والعبد، ولا يَحْجِبُ إلَّا من يَرِث (٣). • إِنَّمَا قالَ ذَلِكَ؛ لأنَّ من لا يرث لا يحجب؛ لأنَّهُ ليس من أهل الميراث، فلا مدخل له في حكمه؛ لأنَّ الحجب حكمٌ من أحكام الميراث. ألا ترى: أنَّ رجلاً لو خلَّف ابنه وأباه وجدَّه، وكان أبوه عبداً، أنَّ لجده السُّدس، والباقي لابنه، ولم يحجِب أبوه جدَّه بإجماعٍ؛ لأنَّهُ ليس من أهل الميراث، فكذلك كلّ من كان لا يرث، فَإِنَّهُ لا يحجب (٤). •••

стр. 1978

[٢٢٨٣] مسألة: قال: وقاتل الخطأ يَحْجِبُ في المال ولا يَحْجِبُ في الدِّيَةِ (١). • إِنَّمَا قالَ ذَلِكَ؛ لأنَّهُ يرث من المال فيَحْجِبُ فيه؛ لأنَّهُ من أهل الميراث فيه، ولا يرث من الدّية ولا يَحْجِبُ فيه. ••• [٢٢٨٤] مسألة: قال: وإذا قَبِلَ وُلَاة الدّم الدّية، فهي موروثةٌ على كتاب الله جَلَّ وَعَزَّ، ترثها بنات الميِّت وأخواته. فإن لم يُحْرِزِ النِّساء الميراث، كان ما بقي لأولى النّاس بميراثه مع النِّساء (٢). • إِنَّمَا قالَ ذَلِكَ؛ لأنَّ الدّية إذا قُبِلَت فهي بمنزلة مالٍ يُخَلِّفُهُ؛ لِأَنَّهَا بدلٌ من نفسه، يُقْضَى منها دينه، وتورث على كتاب الله جَلَّ وَعَزَّ، وكذلك أمر النَّبيُّ صَلَّى الله عَلَيْهِ بذلك. فروى سفيان، عن الزّهري، عن سعيدٍ، أنَّ عمر رحمة الله عليه قال: «الدِّيَةُ لِلْعَاقِلَةِ، ولَا تَرِثُ المَرْأَةُ مِنْ دِيَةِ زَوْجِهَا، حَتَّى أَخْبَرَهُ الضَّحَّاكُ بِذَلِكَ - وخبر الضّحاك هو: أَنَّ النَّبيَّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ كَتَبَ إِلَيْهِ: أنْ تُوَرِّثَ امْرَأَةَ أَشْيَمَ الضِّبَابِيِّ مِنْ دِيَةِ زَوْجِهَا» (٣).

стр. 1979

وروى سليمان بن موسى، عن عمرو بن شعيبٍ، عن أبيه، عن جدِّه: «أَنَّ رَسُولَ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ قَضَى أَنَّ العَقْلَ مِيرَاثٌ بَيْنَ وَرَثَةِ القَتِيلِ» (١). وقوله: «فإن لم يحرز النِّساء الميراث، كان ما بقي لأولى النّاس بميراثه»، يعني: من العصبة أو الموالي، كسائر ماله، وقد قال النَّبيُّ ﷺ : «أَلْحِقُوا الفَرَائِضَ بِأَهْلِهَا، فَمَا أَبْقَتْ فَلِأَوْلَى عَصَبَةٍ ذَكَرٍ» (٢) ••• [٢٢٨٥] مسألة: قال: وكلُّ من قُبِلَتْ منه الدّية في شيءٍ من القتل أو الجراح الَّتِي فيها القصاص، فذلك في مال القاتل: • إن وُجِدَ له مالٌ، أُخِذ منه. • وإن لم يوجد له مالٌ، أُتْبِعَ به ديناً عليه، ولا تحمل العاقلة من ذلك شيئاً (٣). • إِنَّمَا قالَ ذَلِكَ؛ لأنَّ الأصل في الجناية أنَّهَا على الجاني، فيها القصاص إذا كانت عمداً، فإن رضي منها بمالٍ، كان ذلك في مال الجاني، أو في ذمَّته إن لم يكن له مالٌ. ولم يجُز حمل ذلك العاقلة؛ لأنَّ النَّبيَّ صَلَّى الله عَلَيْهِ إنَّما حمَّلهم دية قتل الخطأ الَّتِي لا قصد للقاتل فيه، دون العمد، ولا خلاف في هذا بين جملة أهل العلم (٤). •••

стр. 1980

[٢٢٨٦] مسألة: قال: ولا تَعْقِلُ العاقلةُ أحدَاً أصاب نفسه بشيءٍ عمداً أو خطأً (١). • إِنَّمَا قالَ ذَلِكَ؛ لأنَّ دية الخطأ تُؤَدَّى عن القاتل، والقَاتِلُ نَفْسَهُ لا يصحُّ أن يُؤَدَّى عنه؛ لأنَّهُ هو الجاني على نفسه لا غيره، فلم يجب له بجنايته شيئاً. ألا ترى: أَنَّهُ لو قطع يد نفسه عمداً، لم تجب فيها الدّية، فكذلك إذا قتل نفسه، لم تجب له الدِّيَة؛ لأنَّ الدّية إِنَّمَا تجب له، ثمَّ تُورث عنه، ومحالٌ أن تجب له بجنايته على نفسه ديةٌ؛ لأنَّ الجناية تجب على الإنسان لا له. ••• [٢٢٨٧] مسألة: قال: والمرأة والصَّبيَّ الَّذِي لا مال لهما، إن جنى أحدهما جنايةً دون الثّلث، كان ذلك دَيْنَاً عليه، ولم تحمل العاقلة منه شيئاً (٢). • إِنَّمَا قالَ ذَلِكَ؛ لأنَّ العاقلة إِنَّمَا تحمل الثّلث من الدّية فصاعداً، فما كان أقلّ منها، فعلى الجاني في ماله، فإن لم يكن له مال، أتْبِعَ به ديناً في ذمَّته؛ لأنَّهُ لا يجوز أن يبطل أرش الجرح الَّذِي قد وجب لصاحبه. •••

стр. 1981

[٢٢٨٨] مسألة: قال: ولا يَحْمِلُ النِّساء ولا الصِّبيان من العقل شيئاً، ولا يحمل إلَّا من بلغ الحُلُمَ من الرِّجَالِ (١). • إِنَّمَا قالَ ذَلِكَ؛ لأنَّ النَّبيَّ صَلَّى الله عَلَيْهِ إِنَّمَا ألزم الدّية الرِّجال من العصبة دون النِّساء والصّبيان؛ لأنَّ الرِّجال هم أحمل للمواساة من النِّساء والصّبيان؛ لضعفهم وقلّة تصرّفهم، فخفَّفَ عنهم بترك إلزامهم؛ لِأَنَّهُم مِمَّنْ يُنْفَقُ عليهم، ولا خلاف في هذا نعلمه من جملة أهل العلم (٢). ••• [٢٢٨٩] مسألة: قال: وليس لأموال العاقلة حدٌّ، إذا بلغته عَقَلُوا، وإذا قَصُرت عنه، لم يَعْقِلُوا (٣). • إِنَّمَا قالَ ذَلِكَ؛ لأنَّ حمل العاقلة إِنَّمَا هو على وجه المواساة، فمن قدر عليها فعل، وليس لماله حدٌّ إذا بلغه أُخِذَ منه، وإذا قَصر عنه، لم يؤخذ.

стр. 1982

وكذلك مقدار ما يؤخذ منه، ليس هو مؤقَّتٌ عند مالكٍ، بل ذلك على حسب اجتهاد الإمام وما يراه (١). وقد حكى عنه بعض أهل المدينة: «أنَّ أكثر ما يؤخذ من الواحد نصف دينارٍ». ••• [٢٢٩٠] مسألة: قال: ومن جنى جنايةً خَطَأً، فما كان من ذلك دون الثّلث فهو في ماله، وما جاوز الثّلث من ذلك حَمَلَتْهُ العاقلة (٢). • إِنَّمَا قالَ ذَلِكَ؛ لأنَّ دون الثّلث من الدّية قليلٌ منها، فهو على الجاني في ماله، بدلالة: وجوب الجناية وبدلها على الجاني. فإذا كان الثّلث فأكثر، حملت عنه عاقلته؛ تخفيفاً عنه، إذا كانت جنايته خطأً، وقد بيَّنَّا هذا (٣). •••

стр. 1983

[٢٢٩١] مسألة: قال: ولا يُؤخذ أبو الصَّبيِّ بِغُرمِ جنايته (١). • إِنَّمَا قالَ ذَلِكَ؛ لأنَّ الله قال: ﴿وَلَا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى﴾ [الأنعام:١٦٤]، وقال النَّبيُّ صَلَّى الله عَلَيْهِ لأبي رِمْثَة: «ابْنَكَ هَذَا لَا يَجْنِي عَلَيْكَ، وَلَا تَجْنِي عَلَيْهِ» (٢). وهذا إذا كان أرش جنايته دون ثلث الدّية، فهو في مال الصَّبي، أو ذمَّته إن لم يكن له مالٌ. فأمَّا إذا كان ذلك ثلث الدّية فأكثر، كان على عاقلته كلّهم، ودخل أبوه معهم. فأمَّا جنايته على الأموال ففي ماله، أو ذمَّته إن لم يكن له مالٌ. ••• [٢٢٩٢] مسألة: قال: وجراح الصِّبيان فيما بينهم: لا تحمل العاقلة من ذلك إلَّا الثّلث فصاعداً، وما كان دون الثّلث، ففي أموالهم (٣). • إِنَّمَا قالَ ذَلِكَ؛ لأنَّ قتلهم وجرحهم يجري مجرى الخطأ، فكان ذلك

стр. 1984

على عواقلهم إذا كان الثّلث فصاعداً، أو في أموالهم إن كان أقلّ من ذلك، أو ذممهم إن لم يكن له مالٌ، وقد بَيَّنَّا ذلك (١). ••• [٢٢٩٣] مسألة: قال: ومن جُرِحَ جَائِفَةً أو مَأْمُومَةً عمداً، بُدِئَ بمال الجارح فيها، فما نقص عن ماله، كان على العاقلة (٢). • إنَّما قال: «إنَّ دية ذلك في ماله»؛ فلأنَّ ذلك جرح عمدٍ لا يمكن فيه القَوَدُ، فكان دية ذلك في ماله؛ لأنَّ دية العمد في مال الجاني دون عصبته. ووجه قوله: «ما نقص من ماله على العاقلة»؛ فلأنَّه لا يجوز إسقاط أرش الجرح، فلمَّا عجز مال الجاني عن ديته، كان ذلك على عاقلته (٣). وقد قال مالك: «إنه يُتْبَعُ به ديناً عليه، ولا تحمل العاقلة دية شيءٍ من قَتْلِ عمدٍ أو جرح عمدٍ»، وهذا أصحّ. ••• [٢٢٩٤] مسألة: قال: وإذا جرحت المرأَةُ امرأَةً أو رجُلَاً، فكان ذلك يبلغ ثلث دية المرأة، حملته العاقلة (٤).

стр. 1985

• ووجه هذا القول: هو أَنَّهُ تُراعى دية المجروح، فإن بلغ ثلث ديته حملته العاقلة؛ لِأَنَّهَا كثيرٌ، وسواءٌ كان الجارح رجلاً أو امرأةً. وقد قال مالك: «إنَّها إِنَّمَا تحمل ثلث عقل الرَّجل لا المرأة»، حكاه عنه غير ابن عبد الحكم. ••• [٢٢٩٥] مسألة: قال: وإن جرح رجلٌ امرأةً، فبلغ ثلث دية المرأة، عقلته العاقلة (١). • إِنَّمَا قالَ ذَلِكَ؛ لِمَا ذكرناه: أَنَّهُ يراعى ثلث دية المجروح، كان رجلاً أو امرأةً، فتكون دية ذلك على عاقلة الجارح، وإن قَصُرَ عنه كان في مال الجارح، أو ذمَّته إن لم يكن له مالٌ. ••• [٢٢٩٦] مسألة: قال: ويلزَمُ العاقِلَةَ عَقْلُ الموالي، كانوا أهل ديوانٍ أو منقطعين، وليس له أن يعقل عنه غير قومه (٢). • إِنَّمَا قالَ ذَلِكَ؛ لأنَّ المولى من فوق عصبةٍ. ألا ترى: أَنَّهُ يرث، فكذلك يُعْقَل عنه. وإِنَّمَا يُراعى في حمل الدّية العصبة، لا أهل الديوان، قال مالكٌ: «[قد تـ]

стр. 1986

ــعاقل (١) النَّاس في زمن رسول الله ﷺ وأبي بكرٍ، وصدرٍ من [زمن عمر] (٢)» (٣) [ ...... ] (٤) ألزم رسول الله صَلَّى الله عَلَيْهِ العاقلة [ ....... ] (٥)، فلا يجوز أن يُلْزَمَ غير العاقلة دية الجاني؛ لأنَّ الله ورسوله صَلَّى الله عَلَيْهِ لم يُلزمهم ذلك، وإنّما ألزم رسول الله صَلَّى الله عَلَيْهِ عصبة الجاني دون غيرهم، فلا يجوز تعدِّي ذلك إلى غـ[يرهم] (٦). ••• [٢٢٩٧] مسألة: قال: وإن انقطع الرّجل من أهل البادية إلى المدينة وما أشبهها من أُمَّهَات القرى فسكنها، ضُمَّ عقله إلى قومِهِ من أهل القرى. وإن لم يكن من أهل القرى من يحمل عقله، ضُمَّ إلى أقرب القبائل لقبيلته (٧). • إِنَّمَا قالَ ذَلِكَ؛ لِأَنَّهُم قد جمعوا عصبةً وَوِرْثَاً، فكانوا أولى بحمل الدّية مِمَّنْ بَعُدَ عنهم في القرب أو الدِّيار.

стр. 1987

فإن اكتُفِيَ بهم، وإلا ضُمَّ غيرهم إليهم من أهل قبيلته، الأقرب فالأقرب، حَتَّى تحصل الدّية، وإنّما يلزم كلّ واحدٍ منهم ما لا يجحف به ويَشُقُّ عليه. ••• [٢٢٩٨] مسألة: قال: وإذا وقع العقل على قبيلةٍ، فلم يوجد منهم أحدٌ، أو لم يوجد منهم رجلٌ، أو وُجِد منهم من لا يقوى على ذلك، ضُمَّ إليهم أقرب القبائل بهم، فإن لم يَقْوَوا، ضُمَّ إليهم أقربهم بهم (١). • إِنَّمَا قالَ ذَلِكَ؛ لأنَّهُ لا يجوز أن يسقط بدل الدّم الَّذِي هو الدّية، ولم يجز أيضاً أن تُكَلَّف العصبة ما يشقُّ عليهم، فَضُمَّ إليهم من يخفِّف عنهم من أهل قبيلتهم؛ لأنَّ كلّهم عصبَةٌ، فقد ألزمهم رسول الله صَلَّى الله عَلَيْهِ الدّية، فإن وُجِد في الأقربين من يحملها فذلك، وإلَّا ففي من يليهم، الأقرب فالأقرب، على ما فسَّره مالكٌ. ••• [٢٢٩٩] مسألة: قال: وإن كان للمرأة ولدٌ وزوجٌ من غير قبيلتها، لم يكن عليهما من عقلها شيءٌ، وميراثها لولدها وزوجها. وكذلك موالي المرأة، عقلهم على عصبتها، وميراثهم لولدها (٢). • إِنَّمَا قالَ ذَلِكَ؛ لأنَّ العقل إِنَّمَا تحمله العصبة المحض، فَأَمَّا الابن إذا لم

стр. 1988

يكن من قومها فليس بعصبةٍ محضٍ، وكذلك الزَّوج إذا لم يكن من قومها فليس من العصبة؛ لأنَّهُ إِنَّمَا يدلي بسببٍ لا نسبٍ. وروى اللَّيث بن سعيد (١)، حدثنا ابن شهابٍ، عن ابن المسيب، عن أبي هريرة قال: «قَضَى رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ فِي جَنِينِ امْرَأَةٍ مِنْ بَنِي لِحْيَانَ سَقَطَ مَيِّتاً بِغُرَّةٍ: عَبْدٍ أَوْ أَمَةٍ، ثمَّ إِنَّ المَرْأَةَ الَّتِي قُضِيَ عَلَيْهَا تُوُفِّيَتْ، فَقَضَى رَسُولُ الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ أَنَّ مِيرَاثَهَا لِزَوْجِهَا وعَصَبَتِهَا (٢)، وَأَنَّ العَقْلَ عَلَى عَصَبَتِهَا» (٣). وقد حكم عمر وعثمان للزّبير ﵃ بولاء موالي صفيَّة، وحكم أنَّ عقل جنايتهم على عصبة صفيّة دون الزّبير (٤). ••• [٢٣٠٠] مسألة: قال: ولو أنَّ امرأةً من كَلْبٍ تزوَّجت من قريشٍ فكان لها ولدٌ، ثمَّ جاءت بجنايةٍ، لم تكن جِنَايتها إلَّا على كلبٍ (٥).

стр. 1989

• إِنَّمَا قالَ ذَلِكَ؛ لأنَّ كلباً عصبتها، فجنايتها عليهم؛ لأنَّ رسول الله صَلَّى الله عَلَيْهِ قضى أنَّ الدّية على العاقلة. ••• [٢٣٠١] مسألة: قال: وتُعَاقِلُ المرأَةُ الرّجُلَ في المُوضِحَةِ وَالمُنَقِّلَةِ، وما دون المَأْمُومَةِ وَالجَائِفَةِ من الجراح كلّها، فعَقْلُهَا في ذلك كعقل الرجل. فإذا بلغت المَأْمُومَةُ وَالجَائِفَةُ وأشباهها مِمَّا يكون فيه ثلث الدّية فصاعداً، كان ذلك على النِّصفِ من عقل الرَّجُلِ (١). • إِنَّمَا قالَ ذَلِكَ؛ لأنَّ رسول الله صَلَّى الله عَلَيْهِ سوَّى في دية الجنين بين الذَّكر والأنثى في الغرّة، ولم يفرِّق بينهما، ومعنى ذلك عندنا أَنَّهُ قليلٌ من الدّية. وكذلك سوَّى الله بين الإخوة والأخوات من الأمِّ في الثُّلث، فإذا بلغت الدّية الثّلث فصاعداً، أُرجِعت إلى ديتها؛ لأنَّهُ قد صار كثيراً من الدّية؛ لأنَّ الثّلث قد يكون مرَّةً قليلاً، ويكون مرَّةً كثيراً؛ لأنَّهُ أول حدّ القليل، وآخر حدّ الكثير، بمنزلة الظلّ إذا صار مثله بعد زوال الشّمس؛ فذلك الوقت هو آخر وقت الظّهر وأول وقت العصر، فإذا بلغ ما يجب من الدّية ثلث الدّية فصاعداً، رجعت إلى النّصف من دية الرّجل؛ لأنَّ النَّبيَّ صَلَّى الله عَلَيْهِ جعل دية المرأة على النّصف من دية الرَّجُلِ. •••

стр. 1990

[٢٣٠٢] مسألة: قال: وإذا أصيبت كف المرأة فأخذت عقلها، ثمَّ أصيب لها أصبعٌ من الكفِّ الآخر، أخذت فيها عشراً من الإبل (١). • يعني: لا تُثَنَّى جنايةٌ تدخل للجناية على اليد الأخرى، بل يُبْتَدَأ العقل فيها؛ لأنَّ حكم كلّ يدٍ حكم نفسه دون غيره. وإِنَّمَا تُثَنَّى أصابع اليد في الجناية عليها بعضها على بعضٍ، أعني: أنَّ الجناية على الأصبع الثانية تضاف إلى الأولى حَتَّى تبلغ أربع أصابع، فترجع إلى عقلها وهو نصف عقل الرَّجُلِ، إلَّا أن تكون الجناية بضربةٍ واحدةٍ على أصابع اليدين، فيضمّ بعضها إلى بعض حينئذٍ؛ لأنَّ الحناية واحدةٌ فحكمها واحدٌ، فَأَمَّا إذا اختلف، لم تضمّ جناية يدٍ إلى جناية يدٍ، وكذلك الرِّجْلُ مثل اليد. ••• [٢٣٠٣] مسألة: قال مالك: وفي جنين الأمَةِ إذا طُرِحَ فاستَهَلَّ، قيمته حين يطرح، وإن كان أقلَّ من عُشْرِ قيمة أمِّهِ (٢). • إِنَّمَا قالَ ذَلِكَ؛ لأنَّ الجنين إذا استهل فقد ثبتت حياته، فوجب أن يراعى حكمه في نفسه لا حكم أمِّه؛ لأنَّ الجناية قد حصلت عليه، فكان فيه قيمته إذا كان عبداً، لا عُشْرَ قيمة أمِّهِ، وديته إن كان حرّاً، لا عشر دية أمِّه؛ لأنَّ حياته قد ثبتت باستهلاله، فكان حكمه يُعتَبر في نفسه دون حكم أمِّه، ولا خلاف في هذا بين أهل العلم.

стр. 1991

وإذا لم يستهلَّ، لم تُعْلَم حياته، فكانت قيمته أو ديته إن كان حراً معتبرةً من دية أمِّه، وهي عُشر دية أمّه إن كان حراً، أو عشر قيمة أمّه إن كان عبداً. ••• [٢٣٠٤] مسألة: قال: وفي جنين أمّ الولد من سيِّدها الحرّ، مثل ما في جنين الحرَّة (١). إِنَّمَا قالَ ذَلِكَ؛ لأنَّهُ حرٌّ مثل أبيه من حين خلق، لم يمسَّه رِقٌّ، فكان فيه غرّة عبدٍ أو أَمَةٍ، فتكون قيمتها خمساً من الإبل؛ لأنَّ النَّبيَّ صَلَّى الله عَلَيْهِ حكم في جنين المرأة بغرَّة عبدٍ أو أمةٍ (٢)، فجعل أصحاب رسول الله صَلَّى الله عَلَيْهِ قيمة ذلك خمساً من الإبل (٣)، وهي عُشْرُ دية أمِّه، فكان فيه من الورق ستمئة درهمٍ، ومن الذهب خمسون ديناراً؛ لأنَّ ذلك عشر دية المرأة. ••• [٢٣٠٥] مسألة: قال: ودية جنين الأَمَةِ غير (٤) ثمنها (٥). • إِنَّمَا قالَ ذَلِكَ؛ لأنَّ جنين الحرَّة لَمَّا كان فيه عُشْرُ دية أمّه إذا طُرِحَ، وجب

стр. 1992

أن يكون في جنين الأمَةِ إذا طُرِح عُشْر قيمة أُمِّهِ؛ من قِبَلِ أنَّ اعتباره في نفسه غير ممكنٍ، فوجب أن يُعْتَبر بأُمِّه، كما اعتُبِر الجنين الحرُّ بأُمِّه، فكان ذلك من قيمتها كهو في الحرِّ من دية أُمِّهِ. ••• [٢٣٠٦] مسألة: قال: وإذا طُرِحَ جنين الحُرَّةِ فاستهلَّ صارخاً، ثمَّ مات، ففيه الدّية كاملة (١). • إِنَّمَا قالَ ذَلِكَ؛ لأنَّهُ قد ثبت حكم نفسه بثبوت حياته، فوجب فيه الدّية كاملة؛ لأنَّهُ حيٌّ قَبْلُ، كما يجب ذلك في الحيِّ غير الجنين إذا قُتِلَ. ••• [٢٣٠٧] مسألة: قال: وتؤخذ الغُرَّةُ في دية الجنين من الحُمْرانِ أَحَبّ إلي، إلَّا أن تكون الحُمْرَانُ في الأرض الَّتِي يُقْضَى فيها بالغُرَّة قليل، فيؤخذ من أوسط السُّودَان، وقيمة ذلك خمسون ديناراً وستمئة درهم (٢)، وليس القيمة كالسُّنَّةِ الَّتِي لا اختلاف فيها (٣). • يعني بالحُمْران: البيضُ من العبيد والإماء، فإن لم يكن ذلك عبيد أهل

стр. 1993

البلد الَّذِي هم فيه البيض، لكنَّهم سُودان، كان ذلك من عبيدهم السُّودان؛ لأنَّ في تكليفهم غير ذلك ضرراً عليهم. وقيمة الغرّة خمسون ديناراً وستمئة (١) درهمٍ؛ لِأَنَّهَا بمنزلة خمسٍ من الإبل، وهي عُشْرُ دية المرأة، ونصف عشر دية الرجل، قوَّمَ أصحاب رسول الله صَلَّى الله عَلَيْهِ الغرّة بخمسٍ من الإبل، وهي الأصل، وقيمة الإبل بالدَّراهم والذهب اجتهادٌ، وليس هو منقولٌ عن أصحاب رسول الله صَلَّى الله عَلَيْهِ. وقد رُوِيَ عن عمر: «أَنَّهُ قَوَّمَ الإِبِلَ بِالدَّرَاهِمِ وَالدَّنَانِيرَ» (٢). •••

стр. 1994

[٢٣٠٨] مسألة: قال: وإذا قُتِلتِ المرأةُ وجنينُهَا في بطنها لم يزايلها، فليس في جنينها شيءٌ. وإن خرج منها: (كان العقل تامّاً، إن استهل. (وإن لم يستهلّ، كان فيه غرَّةٌ: عبدٌ أو وليدةٌ (١). • إِنَّمَا قالَ ذَلِكَ؛ لأنَّ الجنين إذا لم يزايل أمَّهُ في حال حياتها، فحكمه حكم أُمِّهِ، ولا حكم له في نفسه؛ لأنَّهُ بمنزلة عضوٍ منها، فلا غُرَّة فيه؛ لأنَّهُ تبعٌ لأمِّهِ. فأمَّا إذا زايلها قبل موتها ولم يستهلّ، ففيه غرَّةٌ: عبدٌ أو أمَةٌ، كما حكم النَّبيُّ صَلَّى الله عَلَيْهِ فيه؛ لأنَّهُ إِنَّمَا كان حكمه في جنينٍ زايل أُمَّه. فأمَّا إذا استهلَّ ففيه ديته كاملة؛ لأنَّ حكمه قد انفرد من حكم أمّه وثبتت حياته، فكان له حكم نفسه دون حكم أمِّه. ألا ترى: أَنَّهُ لو أُعْتِقَت أُمُّهُ لم يكن عتقاً له، وكذلك لا تكون ذكاته ذكاة أُمِّهِ، ولو أعتقت أمّه وهي حاملٌ به، لكان حرّاً بعتقها، وكان عِتْقُ أمِّهِ عتقه، وكذلك ذكاة أمِّهِ ذكاته، كما قال رسول الله صَلَّى الله عَلَيْهِ.

стр. 1995

وروى اللّيث بن سعدٍ، حدثنا ابن شهابٍ، عن ابن المسيّب، عن أبي هريرة، قال: «قَضَى رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ فِي جَنِينِ امْرَأَةٍ مِنْ بَنِي لِحْيَانَ سَقَطَ مَيِّتَاً، بِغُرَّةٍ: عَبْدٍ أَوْ أَمَةٍ» (١). ••• [٢٣٠٩] مسألة: قال: وإذا كان الجنين مضغةً أو عظماً قبل أن تُخلق فيه الرُّوحُ، ففيه غرَّةٌ: عبدٌ أو وليدةٌ، إذا عُلِمَ أَنَّهُ مخلوقٌ، وتكون موروثةً على كتاب الله . فإن كان إملاصها (٢) على الأب، لم يرث منها شيئاً (٣). • إِنَّمَا قالَ ذَلِكَ؛ لأنَّ حكم الجنين يقع عليه، سواءٌ كان مضغةً أو عَلَقَةً، ففيه غرَّةٌ؛ لأنَّهُ إِنَّمَا يُخْلَق حَالَاً فَحَالَاً، كما قال الله : ﴿ثُمَّ خَلَقْنَا النُّطْفَةَ عَلَقَةً فَخَلَقْنَا الْعَلَقَةَ مُضْغَةً فَخَلَقْنَا الْمُضْغَةَ عِظَامًا﴾ [المؤمنون:١٤]، (٤) فحكم الجنين يثبت له بأوَّل خلقٍ، تجب فيه الغرّة، وتنقضي العدة بوضعه، وتصير الأَمَةُ أُمَّ ولدٍ.

стр. 1996

وقوله: «هي موروثةٌ»؛ فلأنَّها بمنزلة ماله الَّذِي يخلقه؛ لِأَنَّهَا بدل نفسه، كدية المقتول. وقوله: «إن كان إملاصها على الأب، لم يرث منها شيئاً»، يعني: إذا كان الَّذِي طرحه الأب، فلا شيء له منها؛ لأنَّ القاتل لا يرث من الدّية شيئاً، كان القتل عمداً أو خطأً. ••• [٢٣١٠] مسألة: قال: وفي جنين اليهودية والنَّصرانية عُشْرُ دية أُمِّهِ (١). • إِنَّمَا قالَ ذَلِكَ؛ لأنَّهُ في اعتبار ديته من دية أُمِّهِ، كجنين الحرَّة المسلمة من ديتها، فلمَّا كان في جنين الحرَّة المسلمة عُشْرُ دية أمِّهِ، فكذلك كان ذلك في جنين اليهودية والنَّصرانية. ••• [٢٣١١] مسألة: قال: وإذا استهلَّ الجنين صارخاً، حملته العاقلة (٢). • إِنَّمَا قالَ ذَلِكَ؛ لأنَّهُ إذا استهلَّ صارخاً، ففيه الدّية كاملة، فقد صار ما وجب فيه كثيراً تحمله العاقلة. •••

стр. 1997

[٢٣١٢] مسألة: قال: وفي جنين النَّصرانية من المسلم غُرَّةٌ، ولو مات أبوه وأمَّه حاملٌ به، وَرِثَ أباه، وإن استهلَّ ففيه الدّية كاملة (١). • إِنَّمَا قالَ ذَلِكَ؛ لأنَّهُ لا فرق بين أن يكون جنين مسلمةٍ أو نصرانيةٍ؛ لأنَّ فيه غرَّةً: عبداً أو أَمَةً، واعتبار قيمة الغرَّة على ما ذكرنا. فإن استهلَّ ففيه الدّية كاملةً؛ لثبوت حكم نفسه بالاستهلال. وقوله: «يرث أباه»؛ فلأنَّه على دِينِ أبيه من حينِ خُلِقَ. ••• [٢٣١٣] مسألة: قال: ومن ضَرَبَ امرأته فأسقطت، فَإِنَّهُ ليس يرث من ديته شيئاً؛ لأنَّهُ ليس لقاتلٍ ميراثٌ (٢). • قد ذكر مالكٌ العلَّة في ذلك، وهو أنَّ القاتل لا يرث من الدّية شيئاً، سواءٌ كان القتل عمداً أو خطأً. ••• [٢٣١٤] مسألة: قال: وإذا ضُرِبَتِ المرأةُ فطرحت جنينين، ففيهما غُرَّتَان، وإن استهلَّا، كانت ديتان (٣). • إِنَّمَا قالَ ذَلِكَ؛ لأنَّهُ قد قتل نفسين، ففيهما ديتان، وذلك إذا استهلَّ.

стр. 1998

وإن لم يستهلّ، ففيهما غرَّتان؛ لأنَّهُ قد أسقط جنينين، في كلّ واحدٍ منهما غرّةٌ، إذ ليس أحدهما أولى بالغرَّة من الآخر. ••• [٢٣١٥] مسألة: قال: ولا قَوَدَ بين المؤمن والكافر في الجراح، ولا يقتل مسلمٌ بكافرٍ، ولا يقاد أهل الذِّمَّة من المسلمين (١). • إِنَّمَا قالَ ذَلِكَ؛ لأنَّ الله قال: ﴿فَمَنِ اعْتَدَى عَلَيْكُمْ فَاعْتَدُوا عَلَيْهِ بِمِثْلِ مَا اعْتَدَى عَلَيْكُمْ﴾ [البقرة:١٩٤]، (٢) وقال: ﴿الْحُرُّ بِالْحُرِّ وَالْعَبْدُ بِالْعَبْدِ﴾ [البقرة:١٧٨]، فلم يجز قتل مسلمٍ بكافرٍ، ولا حرٍّ بعبدٍ؛ لأنَّ في ذلك تعدّياً، وأخذ أكثر مِمَّا جنى الجاني. فإن قيل (٣): قد قال الله : ﴿النَّفْسَ بِالنَّفْسِ﴾ [المائدة:٤٥]، وقال: ﴿وَالْجُرُوحَ قِصَاصٌ﴾ [المائدة:٤٥]؟ قيل له: معنى هذا إذا كان القاتل متكافئاً للمقتول في الحرمة والدِّين، بدلالة: أنَّ السيِّد لا يُقْتَل بعبده بإجماع جملة أهل العلم الَّذِينَ يُعتمد على قولهم، وكذلك لا يُقْتَل الأب بابنه إذا قتله على وجهٍ ما؛ وذلك لعدم التكافؤ في الحرمة، فكذلك وجب بهذه الدّلالة أن لا يقتل مسلمٌ بكافرٍ، ولا حرٌّ بعبدٍ، وقد قال رسول الله صَلَّى الله عَلَيْهِ: «لَا يُقْتَلُ مُؤْمِنٌ بِكَافِرٍ».

стр. 1999

رواه أحمد بن حنبل ومسدّد، قالا، حدثني (١) يحيى بن سعيد، حدثنا سعيد بن أبي عروبة، حدثنا قتادة، عن الحسن، عن قيس بن عُبَادٍ (٢)، عن عليِّ بن أبي طالبٍ ﵁، أنَّ رسول الله صَلَّى الله عَلَيْهِ قال: «المُؤْمِنُونَ تَكَافَأُ دِمَاؤُهُمْ، وَهُمْ يَدٌ عَلَى مَنْ سِوَاهُمْ، وَيَسْعَى بِذِمَّتِهِمْ أَدْنَاهُمْ، أَلَا لَا يُقْتَلُ مُؤْمِنٌ بِكَافِرٍ، وَلَا ذُو عَهْدٍ فِي عَهْدِهِ» (٣). وروى هشيمٌ، عن يحيى بن سعيدٍ، عن عمرو بن شعيبٍ، عن أبيه، عن جده، قال: قال رسول الله صَلَّى الله عَلَيْهِ، وذكر مثله (٤). وقد قال مخالفنا: «إنَّ يد المؤمن لا تُقْطَعُ بيد الكافر، وكذلك عينه لا تُفْقَأ بعينه، وكذلك يد الحرِّ وعينه وسائر أعضائه، لا تؤخذ بأعضاء العبد، والكافر مثله، لا تؤخذ أعضاء المسلم بأعضائه إذا أخذها المسلم» (٥)، فوجب أن تكون النَّفس كحكم الأعضاء في أنَّهَا لا تؤخذ؛ لِأَنَّهَا أوكد حرمةً من الأعضاء، وقد سوَّى الله جلَّ وعزَّ في وجوب القصاص في النَّفس والجراح بقوله: ﴿النَّفْسَ بِالنَّفْسِ﴾ [المائدة:١٤٥]، وقوله: ﴿وَالْجُرُوحَ قِصَاصٌ﴾ [المائدة:١٤٥]، فإذا لم يجُز إجراء

стр. 2000

الآية على عمومها في الجراح بين المسلم والكافر، والحرِّ والعبد، كان كذلك في النَّفس، بل هي أولى بذلك؛ لقوة حرمة النفس. وقوله: «لا قَوَدَ بين المؤمن والكافر في الجراح»، فَإِنَّهُ يعني: لا يُقْتَصُّ من كافرٍ لمسلمٍ في أعضائه؛ لنقصان حرمة عضو الكافر، فأشبه الأشلّ إذا قَطَعَ يد صحيحٍ، أنَّ يد الأشلِّ لا تُقْطَع؛ لنقصانها، وكذلك يد الكافر هي أنقص من يد المسلم، وكذلك يد العبد هي أنقص من يد الحرّ، فلا يُقتص للحرِّ من العبد في يده ولا أعضائه. وهذا الَّذِي حكيناه هو قول عامَّة أهل المدينة، وهو قول السّبعة الفقهاء، واتَّبَعَهم مالكٌ فيه. فَأَمَّا النَّفس، فواجبٌ القَوَدُ فيها بينهم - أعني: أنَّ الكافر يقتل بالمسلم، وكذلك العبد يُقْتَلُ بالحرِّ -؛ لعموم قول الله : ﴿النَّفْسَ بِالنَّفْسِ﴾ [المائدة:٤٥]، إلَّا ما قامت الدّلالة أنْ لا قَوَدَ فيه، ومع ذلك، فلا نعلم خلافاً أنَّ العبد يُقْتَل بالحرِّ، والكافر يُقْتَل بالمسلم، والله أعلم. ••• [٢٣١٦] مسألة: قال: ومن قتل عبداً، أو يهودياً، أو نصرانياً، غِيلَةً، فذلك من الفساد في الأرض، ويُقْتَل (١). • إِنَّمَا قالَ ذَلِكَ؛ لأنَّ قتل الغيلة إِنَّمَا هو من أجل المال؛ لأنَّ المُحارِبَ والمُغْتَال إِنَّمَا يَقْتُلَان لطلب المال، لا لعداوةٍ بينهما وبين المقتول، فكان ضرره
следующие страницы →