وقوله: «هي موروثةٌ»؛ فلأنَّها بمنزلة ماله الَّذِي يخلقه؛ لِأَنَّهَا بدل نفسه، كدية المقتول.
وقوله: «إن كان إملاصها على الأب، لم يرث منها شيئاً»، يعني: إذا كان الَّذِي طرحه الأب، فلا شيء له منها؛ لأنَّ القاتل لا يرث من الدّية شيئاً، كان القتل عمداً أو خطأً.
•••
[٢٣١٠] مسألة: قال: وفي جنين اليهودية والنَّصرانية عُشْرُ دية أُمِّهِ (١).
• إِنَّمَا قالَ ذَلِكَ؛ لأنَّهُ في اعتبار ديته من دية أُمِّهِ، كجنين الحرَّة المسلمة من ديتها، فلمَّا كان في جنين الحرَّة المسلمة عُشْرُ دية أمِّهِ، فكذلك كان ذلك في جنين اليهودية والنَّصرانية.
•••
[٢٣١١] مسألة: قال: وإذا استهلَّ الجنين صارخاً، حملته العاقلة (٢).
• إِنَّمَا قالَ ذَلِكَ؛ لأنَّهُ إذا استهلَّ صارخاً، ففيه الدّية كاملة، فقد صار ما وجب فيه كثيراً تحمله العاقلة.
•••
стр. 1997
[٢٣١٢] مسألة: قال: وفي جنين النَّصرانية من المسلم غُرَّةٌ، ولو مات أبوه وأمَّه حاملٌ به، وَرِثَ أباه، وإن استهلَّ ففيه الدّية كاملة (١).
• إِنَّمَا قالَ ذَلِكَ؛ لأنَّهُ لا فرق بين أن يكون جنين مسلمةٍ أو نصرانيةٍ؛ لأنَّ فيه غرَّةً: عبداً أو أَمَةً، واعتبار قيمة الغرَّة على ما ذكرنا.
فإن استهلَّ ففيه الدّية كاملةً؛ لثبوت حكم نفسه بالاستهلال.
وقوله: «يرث أباه»؛ فلأنَّه على دِينِ أبيه من حينِ خُلِقَ.
•••
[٢٣١٣] مسألة: قال: ومن ضَرَبَ امرأته فأسقطت، فَإِنَّهُ ليس يرث من ديته شيئاً؛ لأنَّهُ ليس لقاتلٍ ميراثٌ (٢).
• قد ذكر مالكٌ العلَّة في ذلك، وهو أنَّ القاتل لا يرث من الدّية شيئاً، سواءٌ كان القتل عمداً أو خطأً.
•••
[٢٣١٤] مسألة: قال: وإذا ضُرِبَتِ المرأةُ فطرحت جنينين، ففيهما غُرَّتَان، وإن استهلَّا، كانت ديتان (٣).
• إِنَّمَا قالَ ذَلِكَ؛ لأنَّهُ قد قتل نفسين، ففيهما ديتان، وذلك إذا استهلَّ.
стр. 1998
وإن لم يستهلّ، ففيهما غرَّتان؛ لأنَّهُ قد أسقط جنينين، في كلّ واحدٍ منهما غرّةٌ، إذ ليس أحدهما أولى بالغرَّة من الآخر.
•••
[٢٣١٥] مسألة: قال: ولا قَوَدَ بين المؤمن والكافر في الجراح، ولا يقتل مسلمٌ بكافرٍ، ولا يقاد أهل الذِّمَّة من المسلمين (١).
• إِنَّمَا قالَ ذَلِكَ؛ لأنَّ الله قال: ﴿فَمَنِ اعْتَدَى عَلَيْكُمْ فَاعْتَدُوا عَلَيْهِ بِمِثْلِ مَا اعْتَدَى عَلَيْكُمْ﴾ [البقرة:١٩٤]، (٢) وقال: ﴿الْحُرُّ بِالْحُرِّ وَالْعَبْدُ بِالْعَبْدِ﴾ [البقرة:١٧٨]، فلم يجز قتل مسلمٍ بكافرٍ، ولا حرٍّ بعبدٍ؛ لأنَّ في ذلك تعدّياً، وأخذ أكثر مِمَّا جنى الجاني.
فإن قيل (٣): قد قال الله : ﴿النَّفْسَ بِالنَّفْسِ﴾ [المائدة:٤٥]، وقال: ﴿وَالْجُرُوحَ قِصَاصٌ﴾ [المائدة:٤٥]؟
قيل له: معنى هذا إذا كان القاتل متكافئاً للمقتول في الحرمة والدِّين، بدلالة: أنَّ السيِّد لا يُقْتَل بعبده بإجماع جملة أهل العلم الَّذِينَ يُعتمد على قولهم، وكذلك لا يُقْتَل الأب بابنه إذا قتله على وجهٍ ما؛ وذلك لعدم التكافؤ في الحرمة، فكذلك وجب بهذه الدّلالة أن لا يقتل مسلمٌ بكافرٍ، ولا حرٌّ بعبدٍ، وقد قال رسول الله صَلَّى الله عَلَيْهِ: «لَا يُقْتَلُ مُؤْمِنٌ بِكَافِرٍ».
стр. 1999
رواه أحمد بن حنبل ومسدّد، قالا، حدثني (١) يحيى بن سعيد، حدثنا سعيد بن أبي عروبة، حدثنا قتادة، عن الحسن، عن قيس بن عُبَادٍ (٢)، عن عليِّ بن أبي طالبٍ ﵁، أنَّ رسول الله صَلَّى الله عَلَيْهِ قال: «المُؤْمِنُونَ تَكَافَأُ دِمَاؤُهُمْ، وَهُمْ يَدٌ عَلَى مَنْ سِوَاهُمْ، وَيَسْعَى بِذِمَّتِهِمْ أَدْنَاهُمْ، أَلَا لَا يُقْتَلُ مُؤْمِنٌ بِكَافِرٍ، وَلَا ذُو عَهْدٍ فِي عَهْدِهِ» (٣).
وروى هشيمٌ، عن يحيى بن سعيدٍ، عن عمرو بن شعيبٍ، عن أبيه، عن جده، قال: قال رسول الله صَلَّى الله عَلَيْهِ، وذكر مثله (٤).
وقد قال مخالفنا: «إنَّ يد المؤمن لا تُقْطَعُ بيد الكافر، وكذلك عينه لا تُفْقَأ بعينه، وكذلك يد الحرِّ وعينه وسائر أعضائه، لا تؤخذ بأعضاء العبد، والكافر مثله، لا تؤخذ أعضاء المسلم بأعضائه إذا أخذها المسلم» (٥)، فوجب أن تكون النَّفس كحكم الأعضاء في أنَّهَا لا تؤخذ؛ لِأَنَّهَا أوكد حرمةً من الأعضاء، وقد سوَّى الله جلَّ وعزَّ في وجوب القصاص في النَّفس والجراح بقوله: ﴿النَّفْسَ بِالنَّفْسِ﴾ [المائدة:١٤٥]، وقوله: ﴿وَالْجُرُوحَ قِصَاصٌ﴾ [المائدة:١٤٥]، فإذا لم يجُز إجراء
стр. 2000
الآية على عمومها في الجراح بين المسلم والكافر، والحرِّ والعبد، كان كذلك في النَّفس، بل هي أولى بذلك؛ لقوة حرمة النفس.
وقوله: «لا قَوَدَ بين المؤمن والكافر في الجراح»، فَإِنَّهُ يعني: لا يُقْتَصُّ من كافرٍ لمسلمٍ في أعضائه؛ لنقصان حرمة عضو الكافر، فأشبه الأشلّ إذا قَطَعَ يد صحيحٍ، أنَّ يد الأشلِّ لا تُقْطَع؛ لنقصانها، وكذلك يد الكافر هي أنقص من يد المسلم، وكذلك يد العبد هي أنقص من يد الحرّ، فلا يُقتص للحرِّ من العبد في يده ولا أعضائه.
وهذا الَّذِي حكيناه هو قول عامَّة أهل المدينة، وهو قول السّبعة الفقهاء، واتَّبَعَهم مالكٌ فيه.
فَأَمَّا النَّفس، فواجبٌ القَوَدُ فيها بينهم - أعني: أنَّ الكافر يقتل بالمسلم، وكذلك العبد يُقْتَلُ بالحرِّ -؛ لعموم قول الله : ﴿النَّفْسَ بِالنَّفْسِ﴾ [المائدة:٤٥]، إلَّا ما قامت الدّلالة أنْ لا قَوَدَ فيه، ومع ذلك، فلا نعلم خلافاً أنَّ العبد يُقْتَل بالحرِّ، والكافر يُقْتَل بالمسلم، والله أعلم.
•••
[٢٣١٦] مسألة: قال: ومن قتل عبداً، أو يهودياً، أو نصرانياً، غِيلَةً، فذلك من الفساد في الأرض، ويُقْتَل (١).
• إِنَّمَا قالَ ذَلِكَ؛ لأنَّ قتل الغيلة إِنَّمَا هو من أجل المال؛ لأنَّ المُحارِبَ والمُغْتَال إِنَّمَا يَقْتُلَان لطلب المال، لا لعداوةٍ بينهما وبين المقتول، فكان ضرره
стр. 2001
أعظم مِمَّنْ يقتل من أجل عداوةٍ أو نائرةٍ؛ لأنَّ قتل هذا خاصٌّ، وقتل المغتال والمحارب عامٌّ، فكان ضررهما أعظم، فوجب قتله إذا قتل؛ لغلظ فساده، وقد قال الله تعالى: ﴿إِنَّمَا جَزَاءُ الَّذِينَ يُحَارِبُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَيَسْعَوْنَ فِي الْأَرْضِ فَسَادًا أَنْ يُقَتَّلُوا أَوْ يُصَلَّبُوا أَوْ تُقَطَّعَ أَيْدِيهِمْ وَأَرْجُلُهُمْ مِنْ خِلَافٍ﴾ [المائدة:٣٣]، الآية، فأباح الله قتلهم من أجل الفساد، سواءٌ قَتَلَ أو لم يقتل، فإذا قَتَلَ، فقد تناهى في الفساد، فوجب قَتْلُهُ، سواءٌ قَتَلَ مسلماً أو كافراً، أو حرّاً أو عبداً، فَقَتْلُهُ إذا قَتَلَ غيلةً إِنَّمَا هو من أجل الفساد، لا من أجل قتله الكافر أو العبد.
•••
[٢٣١٧] مسألة: قال: ودية اليهوديّ والنّصرانيّ، مثل نصف (١) دية المسلم.
وجراح اليهوديّ والنّصراني والمجوسيّ في دياتهم، على حساب جراح المسلمين في ديتهم: فِي المُوضِحَةِ نصف العُشُر، وفي المَأْمُومَةِ ثُلُثُ الدِّية.
ودية المجوسيّ ثمانمئة درهمٍ (٢).
• إِنَّمَا قالَ ذَلِكَ؛ لِمَا رُوِيَ أنَّ النَّبيَّ صَلَّى الله عَلَيْهِ جعل دية أهل الكتاب نصف دية المسلمين.
فروى محمد بن راشدٍ، عن سليمان بن موسى، عن عمرو بن شعيبٍ، عن
стр. 2002
أبيه، عن جده: «أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَضَى أَنَّ عَقْلَ أَهْلِ الكِتَابِ نِصْفُ عَقْلِ المُسْلِمِينَ، وَهُمُ اليَهُودُ وَالنَّصَارَى» (١).
فَأَمَّا وجهه من جهة القياس: فلأنَّ الدّية المكَمَّلَة - وهي دية الرّجل - لَمَّا كانت مُستَحَقَّةً بوصفين، وهما: الإسلام والحريَّة، وكان اليهودي والنّصراني فيه أحد الوصفين، وجب أن تكون ديته نصف دية المسلم، بدلالة: أنَّ المرأة لَمَّا نقص أحد أوصافها وهو التَّذكير، نقص نصف ديتها، وكذلك اليهوديّ والنَّصرانيّ، قد نقص أحد الوصفين - وهو الإسلام -، فوجب أن تكون ديته على النِّصف من دية الحرِّ المسلم، وقد رُوِّينَا هذا القول عن جماعةٍ من السَّلف.
فأمَّا دية المجوسيّ، فإنَّمَا هي قيمته؛ لأنَّهم قُوِّمُوا قيمة العبيد؛ لنقصان حرمتهم عن حرمة أهل الكتاب، فلم يجز أن يُلْحَقُوا بهم في الدِّية.
ألا ترى: أَنَّهُ لا يجوز أكل ذبائحهم وتزويج نسائهم، كما يجوز ذلك في أهل الكتاب.
وقد روى أبو عاصمٍ، عن ابن جريجٍ، عن عمرو بن شعيبٍ، أنَّ عمر بن الخطاب ﵁ كتب إلى أبي موسى الأشعري في أمر المجوس حين فشى القتل فيهم: «إِنَّمَا هُمْ عَبِيدٌ، فَقَوِّمْهُمْ قِيمَةَ العَبِيدِ، قَالَ: فَقَوَّمَ ثَمَانِمِئَةِ دِرْهَمٍ» (٢)، ففرضها عمر، ثمَّ جرى الحكم عليها.
стр. 2003
ولم يجُز أن يلحق أهل الكتاب والمجوس في ديتهم بدية الأحرار المسلمين؛ لنقصان حرمتهم عن حرمة المسلمين.
ولَمَّا لم يجُز أن يكون حكم القَوَدِ بينهم وبين المسلمين في الجراح كحكم القَوَدِ بين المسلمين، وجب ألا يكون حكمهم في الدّية كحكم دية المسلمين.
ولَمَّا لم يجُز أن يكون حكمهم إذا قُذِفُوا في وجوب الحدِّ على من قذفهم كحكم من قَذَفَ المسلمين؛ لنقصان حرمتهم عن المسلمين، فكذلك لم يجُز أن يكون حكمهم في الدّية حكم المسلمين.
فأمَّا جراحهم فيما بينهم واعتبارها من دياتهم، فكاعتبار جراح المسلمين من دياتهم؛ لأنَّ جرح كلّ جنسٍ معتبرٍ قدره من ديته، وهذا لا نعلم فيه خلافاً.
ولَمَّا لم يجز أن تكون دية المرأة كدية الرَّجُلِ؛ لانخفاض حرمتها عن حرمة الرَّجُلِ، فكذلك لا يجوز أن تكون دية اليّهوديّ والنَّصرانيّ والمجوسيّ مثل دية الحرِّ المسلم؛ لنقصان حرمتهم عنه.
•••
[٢٣١٨] مسألة: قال: وإذا قتل نصرانيٌّ مسلماً خطأً:
(فإن كان من أهل الصُّلح، فالعقل على أهل دينه.
(وإن كان أهل عُنوةٍ وُضِعت عليهم الجزية، فالعقل على من جمعه وإيَّاهُم ما وُضِعَ عليهم من الجزية.
стр. 2004
(وإذا لم يكن في قريته غيره، ضُمَّ بعض ذلك إلى بعضٍ، كما لو جَرَحَ نصرانيٌّ، حَمَلُوا ذلك عنه (١).
• إِنَّمَا قالَ ذَلِكَ؛ لأنَّ أهل دينه أولياؤه، قال الله : ﴿وَالَّذِينَ كَفَرُوا بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ﴾ [الأنفال:٧٣]، والدِّية على الأولياء الَّذِينَ هم العصبة.
ولَمَّا كان مال النَّصراني إذا مات ولا وارث له لأهل دينه، فكذلك يعقلون عنه إذا جنى؛ لِأَنَّهُم أولياؤه وعصبته.
•••
[٢٣١٩] مسألة: قال: وإذا فقأ نصرانيٌّ عين مسلمٍ عمداً، اجْتَهَدَ في ذلك السُّلطان، وليس هو بمنزلة العبد؛ لأنَّ العبد يوخذ أحياناً رقيقاً في ذلك.
وقد قال: له الدّية ولا قَوَدَ بينهم، إلَّا أن يقتل الذميُّ مسلماً فيُقتل به، وكذلك العبد (٢).
• يمكن أن يكون قوله: «اجتَهَدَ في ذلك السُّلطان»، يعني: يجتهد في القَوَدِ، فإن رأى القَوَدَ أقاد منه.
وهذا هو الصَّحيح، لأنَّ حرمة عينه ويده أخفض من حرمة عين المسلم ويده، فله القَوَدُ كما يقاد من نفسه.
وليس ذلك بمنزلة الأشلِّ؛ لأنَّ الأشلَّ منفعة يده معدومةٌ، وكذلك الذاهب البصر.
стр. 2005
وكذلك أيضاً تُقْطَع يد العبد بيد الحرِّ، وتُفْقَأ عينه بعينه كما يقتل به.
ووجه قوله الآخر: «أن لا قَوَدَ في أعضائه»، قياساً على أعضاء الأشلِّ أنَّهَا لا تُؤْخَذُ بأعضاء الصَّحيح إذا طلب ذلك الصَّحيحُ؛ لعدم التكافؤ بينهما؛ لذهاب منفعة أعضاء الأشلِّ، وقد ذكرنا هذا (١).
•••
[٢٣٢٠] مسألة: قال: وإذا جَرَحَ العبدُ حُرّاً، وأراد الحرُّ أن يقتصَّ، وقال: «لا حاجة لي بالدِّية»، فليس ذلك له (٢).
• إِنَّمَا قالَ ذَلِكَ؛ لِمَا فسَّرناه، أَنَّهُ لا قَوَدَ بين الحرِّ والعبد في الأعضاء؛ لنقصان حرمة أعضاء العبد عن أعضاء الحرِّ، فكان بمنزلة أعضاء الأشلِّ أنَّهَا لا تقاد بأعضاء الصَّحيح، بل في ذلك الدِّيةُ.
•••
[٢٣٢١] مسألة: قال: وإن جرحه العبد جرحاً عمداً لا دية فيه، فبرأ، فلا شيء فيه، إلَّا أن يُضْرَبَ العبدُ بالسَّوطِ، إلَّا أن يَشِينَ جرحه فتكون فيه رقبة العبد، إلَّا أن يفتكّه سيِّده بقدر شَيْنِهِ (٣).
стр. 2006
• إِنَّمَا قالَ ذَلِكَ؛ لأنَّ الجرح إذا برئ وعاد لهيئته، فلا شيء فيه، عمداً كان أو خطأً، إلَّا أن يكون ما فيه توقيتٌ.
فأمَّا إذا أبقى الجرح شيئاً، ففيه بقدر ما نقص منه، يُجْتَهَدُ في ذلك، وقد بَيَّنَّا حكم الاجتهاد فيما تقدَّم.
وقوله: «يُضْرَبُ العبد»؛ فلأنَّه فعل ما لا يجوز له فعله من الجرح - وهذا إذا تعمَّده -، فوجب زجره عن ذلك.
وقوله: «إنَّ شَيْنَ الجرح يكون في رقبة العبد»؛ فلأنَّ جناية العبد في رقبته، فإن شاء سيِّده افتكَّه بها، وإن شاء أسلمه، وليست في مال سيِّده ولا في ذمَّته، بدلالة: أنَّ العبد إذا مات، بَطَلَ أرش الجناية، وليس يؤخذ ذلك من مال سيِّده، ولا يُتْبَع في ذمَّتِهِ.
•••
[٢٣٢٢] مسألة: قال: وإذا ضرب عبدٌ أنفَ رجلٍ حرٍّ بالسَّوط، استُؤْنِيَ به:
(فإن برئ، فلا شيء له.
(وإن دخله نقصٌ، كان يأخذه بذلك (١).
• إِنَّمَا قالَ ذَلِكَ؛ لأنَّ الجرح إذا برئ، فلا شيء فيه إذا لم يكن فيه شيءٌ مُسَمَّىً، كالموضحة والجائفة، وإن بقي نقصٌ، كان فيه اجتهادٌ بقدر النَّقص.
•••
стр. 2007
[٢٣٢٣] مسألة: قال أشهب في النَّصرانيِّ يقتله المسلمُ، فيشهد له شاهدٌ على قتله: أن لا قسامة لأهله فيه، ويحلف المشهود عليه خمسين يميناً ويبرأ من الدّية، ويُضْرَب مئةً ويُحْبَس سنةً؛ حلف أو لم يحلف.
وقال ابن القاسم: بل يكون الشَّاهد لورثته بمنزلة الشَّاهد على المال، ويحلف ورثته يميناً واحدةً، كلّ واحدٍ منهم، ويستحقُّون ديته، ويُضْرَب القاتل مئةً ويُحبس سنةً (١).
• وجه قول أشهب: هو أَنَّهُ لم يجعل البراءة من دعوى الدّم بأقل من خمسين يميناً، قياساً على دعوى دم المسلم؛ لأنَّ البراءة عنده في ذلك الحريَّة لا الإسلام، فوجب أن تكون الأيمان فيه كالأيمان في دم المسلم.
والضرب والحبس فإنَّمَا هو لزوال القَوَدِ عنه؛ لأنَّهُ فعل ما لم يجز له فعله من القتل.
فأمَّا ابن القاسم: فَإِنَّهُ أجراه مجرى المال؛ لنقصان حرمته عن حرمة المسلم، فجعل عليه يميناً واحدةً مع شاهده، ويأخذ ديته ويستحقها بيمينه مع شاهده، كما يستحقّ المال بشاهدٍ ويمينٍ.
ويُضْرب القاتل ويُحبس؛ لأنَّهُ قد ثبت عليه القتل بالشَّاهد واليمين، غير أَنَّهُ لا قَوَدَ فيه؛ لنقصان حرمته عن حرمة المسلم.
стр. 2008
وقول ابن القاسم هو الصَّحيح؛ لأنَّ النصرانيَّ لا حرمة له كحرمة المسلم، فلا حاجة في البراءة من دمه إلى خمسين يميناً كهي في براءة دم المسلم.
وكان يجب على قوله أن لا يُضرب المُدَّعَى عليه القتل؛ لأنَّهُ قد برى من القتل بيمينه، ولأنَّ القتل لم يثبت عليه، إنَّما دفعه عن نفسه بخمسين يميناً.
•••
[٢٣٢٤] مسألة: قال: وإذا جرح عبدٌ رجُلَاً حُرّاً جَرْحَاً، فقال سيِّده: «ادفعه إليَّ أَبِيعُهُ وأَدْفَعُ إليك دية جرحك»، فليس ذلك له، إلَّا أن يُسْلِم إليه دية جرحه.
وإن كان السيِّد موسراً، فضمن ذلك في ماله، فذلك له، ويُؤَخَّرُ اليوم واليومين (١).
• إِنَّمَا قالَ ذَلِكَ؛ لأنَّ جناية العبد متعلِّقةٌ برقبته، وإنّما جُعِل للسيِّد أن يفتديه بأرشها، فإن فعل ذلك وإلَّا فقد صار العبد للمجني عليه؛ لتعلّق حقِّه برقبته.
ألا ترى: أَنَّهُ لو تلف العبد بطل أرش الجناية، ولم يُتْبَع السيِّد في ماله ولا ذمَّته، فلهذا قال مالكٌ: «ليس لسيِّده بيعه».
فأمَّا إذا ضمن أرش الجناية، فقد صارت في ماله، فله بيعه؛ لأنَّهُ لو مات العبد بعد ضمانه لها، لكان أرشها في مال السيِّد بضمانه إيَّاها.
стр. 2009
وليس رقبة العبد كالرَّهن؛ لأنَّ الرَّهن لو تلف لم يتلف الدَّيْن؛ لأنَّهُ في ذمَّة الرَّاهن، ولو تلفت رقبة العبد، لتلف أرش الجناية.
•••
[٢٣٢٥] مسألة: قال: وإقادة العبيد بعضهم من بعضٍ، حَسَنٌ مَعْمُولٌ به (١).
• إِنَّمَا قالَ ذَلِكَ؛ لأنَّ الله ﷻ قال: ﴿وَالْعَبْدُ بِالْعَبْدِ﴾ [البقرة:١٧٨]، وقال: ﴿النَّفْسَ بِالنَّفْسِ﴾ [المائدة:٤٥]، فوجب بهذا العموم القَوَدُ بين العبيد والإماء بعضهم من بعضٍ؛ لاستواء حرمتهم ووجوب التكافؤ بينهم، ولا نعلم في ذلك خلافاً بين العلماء.
•••
[٢٣٢٦] مسألة: قال: وإذا كُسِرَت يد العبد ورجلاه، فليس على من أصابه شيءٌ إذا صَحَّ كَسْرُهُ ذلك.
وإن أصابه نقصٌ أو عيبٌ، كان على من أصابه بقدر ما نقص (٢).
• إِنَّمَا قالَ ذَلِكَ؛ لأنَّهُ إذا صَحَّ الكسر وبرئ، لم يكن هناك اعتبار نقصٍ يُرجَع إليه فيما وجب من الأرش، فلم يكن فيه شيءٌ.
فأمَّا إذا كان نقصاً أو عيباً، اعتُبِرَ ذلك؛ لأنَّهُ يتهيَّأ اعتباره بالرُّجوع إلى ما
стр. 2010
أبقت الجناية من النَّقص، فكان فيه أرشه، بأن يُنظَر: كم قيمته صحيحاً لا نقص فيه، وكم قيمته وبه هذا النَّقص، ثمَّ يكون على الجاني ما بين القيمتين.
وكذلك يُعْتَبَرُهَا في الحرِّ أن لو كان عبداً، ثمَّ يكون على الجاني بمقدار ما نقص منه من الدِّية.
•••
[٢٣٢٧] مسألة: قال: وإذا جرح العبد رجلاً، ثمَّ جرح آخر، فهو بينهما، إلَّا أن يفتديه سيِّده بدية جراحهما (١).
• إنَّما قال ذلك؛ لأنَّ أرش جناية العبد في رقبته، فإذا جرح واحداً بعد واحدٍ قبل أن يُسْلَم إلى الأوَّل، فقد تعلَّقت جنايته في رقبته ووجبت للمجني عليه، واحداً كان أو جماعةً، إلَّا أن يفتديه سيِّده بأرش الجناية على ما بيَّنَّاه.
فإن أسلمه إلى المجني عليه الأوّل، ثمَّ جرح، كان الحكم بينه وبين المجروح الثاني؛ لأنَّ العبد قد صار للمجني عليه الأوَّل؛ لإسلام سيِّده إليه.
•••
[٢٣٢٨] مسألة: قال: وإذا كَسَرَ مملوكٌ عضد حرٍّ فبَرَأَ وعاد لهيئته، فلا شيء فيه، وإن نقص ففي رقبته (٢).
• إِنَّمَا قالَ ذَلِكَ؛ لِمَا قلنا: إنَّ جناية العبد في رقبته، فإن أبقت جنايته
стр. 2011
نقصاً، كان أرشها في رقبته، إلَّا أن يفتكَّه السيِّد، وإن لم تُبْقِ أرشاً، لم يكن في رقبته شيءٌ؛ لأنَّهُ لم يجب فيها شيءٌ - أعني: الجناية-.
•••
[٢٣٢٩] مسألة: قال: وإذا جرح عبدٌ حرّاً فأعتقه سيِّده (١)، فيحلف بالله: «ما أعتقه تَحَمُّلَاً للجناية»، فإن حلف رُدَّ رقيقاً.
وإن كان عنده مالٌ أدَّاه فأُعْتِقَ، وإن أعانه أحدٌ من ذوي قرابته أو غيرهم - كما يُعان المكاتب - فأدَّى وأُعْتِق، فلا يؤخَّر في المال إلَّا قدر ما يتلوَّم له الطالب، وإلا رُدَّ رقيقاً.
فإن كان في ثمنه أكثر من دية الجرح، بيع منه بقدر الجرح، فأُدِّيَ عقل الجرح، وأُعْتِقَ ما بقي منه.
وقد قال: إِنَّهُ يحلف: «إِنَّهُ ما أعتقه تحمُّلاً للجناية»، فإن حلف أُسْلِمَ إلى من جَرَحَ (٢).
• إِنَّمَا قالَ ذَلِكَ؛ لأنَّهُ إذا أعتقه بعد علمه بالجناية:
(احتمل أن يكون إِنَّمَا أعتقه تحمّلاً لجنايته.
стр. 2012
(واحتمل أن يكون لم يُرِدْ حمل جنايته.
فكان القول قوله مع يمينه: «أنَّه لم يرد حمل جنايته»، ثمَّ كانت جنايته في رقبته على ما هي عليه في الأصل.
وكانت الجناية أولى من العتق؛ لِأَنَّهَا قد وجبت قبله، وصارت رقبة العبد للمجني عليه، وجُعِلَ لسيِّده أن يفتكَّه بأرش الجناية دون عتقه أو إخراجه من ملكه ببيعٍ أو غيره، إلَّا أن يضمن أرش الجناية للمجني عليه، فيكون له ذلك، فلهذا كانت الجناية أولى من العتق.
وإن كان للعبد مالٌ، أُخِذَ وأُعْطِيَ منه أرش الجناية وصار حرّاً؛ لأنَّهُ لَمَّا أعتقه سيده ثبت له شبهة العتق وتبعه ماله، فصار أولى به، وافتدى به.
وكذلك إن أدَّى عنه أحدٌ أرش الجناية، صار حرّاً؛ من قِبَلِ أنَّ الجناية إِنَّمَا تحبسه عن الحريَّة؛ لأنَّ السيِّد قد ترك ما له فيه من الملك، فإذا زال حكم الجناية بدفع أرشها، ثبت حكم الحرية.
فإن لم يكن له مالٌ ولم يؤدّ عنه أحدٌ، بِيعَ منه بقدر الجناية، وكان باقيه حُرّاً؛ من قِبَلِ أنَّ المانع من حريَّة كلّ العبد أرش الجناية، فما فضل عن أرش الجناية فهو حرٌّ؛ لأنَّ حكم الجناية لو زال عنه لكان حرّاً كلّه، وكذلك بعضه.
ووجه قوله الآخر: «إنَّ الجناية تمنع من الحريَّة»؛ لأنَّهُ لَمَّا لم يفتده السيّد بأرش الجناية، صار ملكاً للمجني عليه وإن لم يسلمه إليه سيِّده؛ بدلالة: أنَّ السيد إِنَّمَا له افتكاكه بأرش الجناية، فإذ لم يفعل، فليس له عتقه ولا بيعه، وقد صار عبداً
стр. 2013
للمجني عليه، بدلالة: أَنَّهُ لو تلف، لتلف أرش الجناية، فلهذا أوجب أن تكون له كلّ الرقبة، وهذا القول أظهر وأصحّ، والأوّل أحوط لحرمة العتق.
•••
[٢٣٣٠] مسألة: قال: ومن عدا على عبده فأخصاه، فزاد في ثمنه أو نقص منه:
(فإن كان نَقَصَ مِنْهُ: أعْطَى ما بين القيمتين.
وإن كان زاد فيه: نُظِرَ إلى ما يُنْقِصُ ذلك من أَوْسَطِ صِنْفِه، فيَحْمِلُهُ عليه (١).
• إِنَّمَا قالَ ذَلِكَ؛ لأنَّ العبد مالٌ من الأموال، فعلى الجاني ما نقص من قيمته إذا كانت جنايته قد أبقت نقصاً.
وليس يُرْجَعُ في نقصان ذلك من قيمته - أعني: في الأعضاء - كما يُرْجَعُ إلى دية الحرِّ؛ لأنَّهُ كما لم يجز أن يُرْجَع في كلّ قيمته إلى دية الحرِّ، فوجب أن يكون على الجاني ما نقص من قيمته بجنايته، سواءٌ أخصاه أو قطع منه عضواً غيره.
فإن كان الإخصاء لم ينقص قيمته، بل زاد فيها، قيل: أن لو نَقَصَهُ الإخصاء كم كان يكون قدره؟، فيكون ذلك على الجاني.
ويجوز أن يُعْتَبر نقصان قوَّتِه في العمل الَّذِي كان يعمله - أَنْ لو كان للعمل - كم نقص قيمته؟، فيكون عليه بقدر ما نقص من قوَّتِه، أو لو أُرِيد
стр. 2014
للنَّسل، كم نقص ذلك من قيمته؟؛ لنقصان ذلك فيه، على حسب اجتهاد الحاكم في ذلك؛ لأنَّهُ لا يُقْدَر فيه أكثر منه؛ لأنَّهُ لا يجوز أن يُجْعَلَ في ذَكَرِهِ كلّ قيمته كما يجعل ذلك في ذكر الحرِّ - أعني: كلّ ديته -؛ لأنَّ طريق العبيد الأموال، على الجاني بقدر ما نقص منها بجنايته، وليس الأحرار كذلك؛ لأنَّ ديتهم لم تجب لِأَنَّهُم مالٌ، وإنّما وجبت من أجل حرمتهم، فاختلف حكمهم وحكم العبيد.
وأشبه العبيد غيرهم من الحيوان؛ لاجتماعهم في أنَّهم أموالٌ، وليسوا كالأحرار الَّذِينَ هم ليسوا بأموالٍ، والله أعلم.
•••
[٢٣٣١] مسألة: قال: وفي مُوضِحَةِ العبد: نِصْفُ عُشْرِ ثَمَنِه، وفي مُنَقِّلَتِهِ: عُشْرٌ ونصف العُشْرِ من ثمنه، وَفِي مَأْمُومَتِهِ وجائِفَتِهِ: في كلِّ واحدٍ منهما ثُلُثُ ثمنه.
وفيما سوى هذه الخصال الأربع مِمَّا يصاب به ما يُنْقِص من ثمنه، يُنْظَر في ذلك بعد ما يصحُّ العبد: كم قيمته اليوم بعد أن أصابه هذا، وقيمته صحيحاً قبل أن يصيبه هذا، ثمَّ يَغْرَمُ الَّذِي أصابه ما بين القيمتين.
وإنَّمَا العبيد مالٌ من الأموال، فإذا أصيب العبد عمداً أو خطأً، وجاء سيّده بالشَّاهد الواحد، فلا قسامة فيه، ويحلف مع شاهده، ثمَّ له قيمة عبده.
ولا يُسْتَحَقُّ دمه إلَّا بشاهدين، أو شاهدٍ ويمينٍ (١).
стр. 2015
• إِنَّمَا قالَ ذَلِكَ في هذه الخصال الأربعة: «إنَّ ديتها تعتبر من قيمته كما يعتبر ذلك من دية الحرِّ، ولا يراعى فيها ما وقع من النَّقص»؛ لأنَّ هذه الأربعة الأشياء مخوفةٌ شديدة الخوف على النَّفس، فلو لم يُجْعَل فيها شيء إذا برأت؛ لَزَالَ حكم التَّسمية ومعنى الخوف الَّذِي جُعِلَ من أجله التَّسمية؛ لأنَّهُ قد يبرأ على غير نقصٍ أو عيبٍ.
فأمَّا سائر ذلك من أعضائه، فَإِنَّهُ يُعتبر فيه ما نقص من قيمته؛ لأنَّ نقصها لا يزول، فرُجِعَ في ذلك إلى ما أَخَذَ به الجرح من النَّقص.
ولأنَّ العبد مالٌ، فحكمه حكم الأموال.
ألا ترى: أَنَّهُ لا تُرَاعَى في قيمته دية الحرِّ، فكذلك لا يُرَاعى في أعضائه من قيمته ما يراعى من أعضاء الحرّ من ديته.
ولأنَّ العبد يُرَاد لعمله، فإذا قُطِعَت يده الَّتِي كان يعمل بها، ذهب غرض سيِّده منه الَّذِي كان يريده، ودخل عليه في ذلك ضررٌ، فوجب أن يكون على الجاني من قيمته بحسب ما نقص من منفعته.
وقوله: «إذا أصيب العبد عمداً أو خطأً وجاء سيِّده بشاهدٍ واحدٍ، فلا قسامة فيه، ويحلف مع شاهده، ثمَّ له قيمة عبده»؛ فلأنَّ العبد مالٌ من الأموال، ولا قسامة في الأموال، وإنّما تُسْتَحَقُّ الأموال بشاهدين، أو شاهدٍ وامرأتين، أو شاهدٍ ويمين الطالب على ما قد بيَّنَّاه.
وقوله: «لا يُسْتَحَقُّ دمه إلابشاهدين»، يعني: أَنَّهُ لا يُقْتَلُ إلَّا بشاهدين
стр. 2016
يشهدان على أَنَّهُ قَتَلَ حرّاً أو عبداً، ولا تُقبل شهادة رجلٍ وامرأتين، ولا شاهدٍ ويمينٍ.
•••
[٢٣٣٢] مسألة: قال: والقصاص بين العبيد في النُّفوس والجراح (١).
• إِنَّمَا قالَ ذَلِكَ؛ لقول الله جَلَّ وَعَزَّ: ﴿وَالْعَبْدُ بِالْعَبْدِ﴾ [البقرة:١٧٨]، وقال: ﴿وَالْجُرُوحَ قِصَاصٌ﴾ [المائدة:٤٥]، وهذا على عمومه، إلَّا ما قامت الدّلالة على خصوصه.
ولأنَّ حرم العبيد والإماء فيما بينهم متساويةٌ، فأشبهوا الأحرار في أنَّ بينهم القصاص.
•••
[٢٣٣٣] مسألة: قال: وإذا قتل عبدٌ عبداً أو حرّاً، خُيِّر سيِّد العبد المقتول أو ولي المقتول الحرِّ:
• فإن شاء قَتَلَ قاتل عبده.
• وإن شاء استحياه.
فإن استحياه كان له، إلَّا أن يَدْفَعَ إليه أرباب القاتل قيمة العبد المقتول أو دية الحرِّ، فليس له غير ذلك.
وإن أخذوا القاتل ورضوا به، فليس له غير ذلك.
стр. 2017
وإن أخذوا القاتل ورضوا به، فليس لهم أن يقتلوه (١).
• إنَّما قال ذلك؛ لأنَّ الخيار في هذا إلى وليِّ المقتول، سواءٌ كان المقتول حرّاً أو عبداً؛ من قِبَلِ أنَّ العبد مالٌ، فحكمه حكم الأموال، فلذلك صار لوليِّ الحرِّ الخيار في أخذه واستحيائه، إلَّا أن يُعْطَى الدّية (٢).
وكذلك لسيِّد العبد المقتول؛ لأنَّ له أن يأخذ بدل عبده الَّذِي قُتِلَ، وهو مالٌ مالاً (٣) مثله، وله أن يقتل مَنْ قتلَ عبده إن شاء، وكذلك ذلك لوليِّ الحرِّ.
وقوله: «وإن أخذوا القاتل ورضوا به فليس لهم أن يقتلوه»؛ فلأنَّهم إذا استحيوه، فقد تركوا قتله، فلا يجوز لهم قتله بعد، كما لا يجوز لوليِّ المقتول أن يقتل القاتل بعد عفوه عنه.
•••
[٢٣٣٤] مسألة: قال: والقصاص بين العبيد الذُّكور والإناث، نَفْسُ الأمة بِنَفْسِ العبد، وجرحها بجرحه (٤).
• إِنَّمَا قالَ ذَلِكَ؛ لقول الله جَلَّ وَعَزَّ: ﴿النَّفْسَ بِالنَّفْسِ﴾ [المائدة:٤٥]، وقال:
стр. 2018
﴿وَالْجُرُوحَ قِصَاصٌ﴾ [المائدة:٤٥]، وهذا على عمومه في العبيد والإماء وغيرهم، إلَّا ما قامت الدّلالة على خصوصه.
ولأنَّ العبيد والإماء متكافئو الجرح، فكان بينهم القَوَدُ.
وكما كان بين الحرِّ والحرَّة القَوَدُ، فكذلك بين العبد والأمة في النَّفس والجراح.
•••
[٢٣٣٥] مسألة: قال: وإذا جرَّ العبد جريرةً، لم يَعْقِلْ عنه أحدٌ إلَّا سيِّده، يُخَيَّرُ سيِّدُه، إن شاء افتكَّه بدية الجرح، وإن شاء أسلمه، ليس عليه غير ذلك.
فإن كان للعبد مالٌ، فماله مع رقبته للَّذي جرحه، إلَّا أن يفتكَّه سيِّده (١).
• إِنَّمَا قالَ ذَلِكَ؛ لأنَّ جناية العبد تجب في رقبته، وللسيِّد أن يفتكَّهَا إن شاء بأرشها، وإن شاء أسلمها، ليس عليه غير ذلك.
ألا ترى: أنَّ رقبة العبد إذا تلفت بطلت الجناية.
وليس تحمل العاقلة جناية العبد؛ لأنَّ العبد لا عصبة له.
وكذلك لا تحمل العاقلة قيمة العبد إذا قُتِلَ؛ لِأَنَّهَا لا تحمل الجناية على الأموال.
وقوله: «إنَّ مال العبد للمجني عليه مع رقبته إذا أسلمه السيِّد»؛ فلأنَّ
стр. 2019
إسلامه بمنزلة الوصيّة به، ومال العبد الموصى به للموصى له به دون ورثة الموصي؛ لأنَّهُ أخرجه عن ملكه على غير عوضٍ، فأشبه ذلك العتق، أنَّ المال يتبعه.
وليس هو بمنزلة البيع الَّذِي يخرجه على عوضٍ فلا يتبعه ماله إلَّا أن يشترطه المشتري، وقد بَيَّنَّا هذا فيما تقدَّم.
وفي هذه المسألة خلافٌ بين أصحاب مالك، منهم من يقول: «إنَّ ماله لسيِّده إذا أسلمه، ولا يكون للمجني عليه، بمنزلة البيع إذا باعه».
•••
[٢٣٣٦] مسألة: قال: وإذا جرح عبدٌ يهودياً أو نصرانياً جرحاً، خُيِّرَ سيِّده:
• فإن شاء افتكَّه بدية الجرح.
• وإن شاء أسلمه، فبيع وأُعْطِيَ النَّصرانيُّ أو اليهوديُّ من ثمنه دِيَتَهُ، أو ثَمَنَهُ كُلّه إن أحاط به، ولا يُسلم إليه عبدٌ مسلمٌ.
وقال ابن القاسم وأشهب: يكون له الثَّمَنُ كُلّه، كان أكثر من ديته أو أقل (١).
• إِنَّمَا قالَ ذَلِكَ؛ لأنَّهُ لا يجوز للكافر أن يملك عبداً مسلماً يقوى ملكه عليه، فلا يجوز إسلام العبد إليه لهذه العلّة.
стр. 2020
ووجب بيعه وإسلام دية الجرح من ثمنه إليه، وكان ما زاد عليه لسيِّده؛ من قِبَلِ أنَّ المجني عليه لم يملك رقبته؛ لأنَّهُ لا يجوز أن يقع له ملكٌ عليها مبتدأٌ، وكان الَّذِي مَلَكَهُ إِنَّمَا هو أرش الجرح، فوجب أن يكون له من ثمن العبد أرش الجرح لا ما زاد عليه.
ووجه ما قاله ابن القاسم وأشهب: فلأنَّ الكافر المجني عليه مستحِقٌّ لرقبة العبد؛ لتعلُّقِ الجناية بها، وإنّما لم يجز ملك العبد المسلم لنقصه، فوجب بيعه عليه ودفع ثمنه كلّه إليه، كما وجب أن يباع على الكافر عبده إذا أسلم، ثمَّ يدفع إليه ثمنه كلّه.
•••
[٢٣٣٧] مسألة: قال: وإذا جَرَحَ العبد فافتداه سيّده، فَإِنَّهُ إِنَّمَا يفتديه بدية الجرح (١).
• إِنَّمَا قالَ ذَلِكَ؛ لأنَّ رقبته قد تعلَّقَ بها أرش الجرح، فوجب أن يفديه سيّده بها دون قيمته، كما وجب أن يفتكّ المرتهن الرّهن بقضاء الدَّين الَّذِي رهن به، لا بقيمة الرَّهن.
•••
[٢٣٣٨] مسألة: قال: وإذا جُرِحَ العبد وجاء سيِّده بشاهدٍ واحدٍ، حلف سيِّده مع شاهده ولم يحلف العبد، ولكن يحلف العبد في حقٍّ إن كان له (٢).
стр. 2021
• إِنَّمَا قالَ ذَلِكَ؛ لأنَّ أرش جرح العبد إِنَّمَا هو لسيِّد العبد لا للعبد؛ لأنَّهُ مالٌ للسَّيِّد، فوجب أن يحلف السَّيِّد مع شاهده، كما يحلف في تلف ماله.
فأمَّا حقوق العبد، فإنَّ العبد يحلف مع شاهده؛ لأنَّه المستحقُّ لها دون سيّده.
•••
[٢٣٣٩] مسألة: قال: وجناية العبيد، وكلّ ما أصابوا من جرحٍ، أو خِلْسَةٍ، أو حَرِيسَةٍ (١) احتَرَسُوهَا، أو سرقَةٍ لا قطع فيها، فإنَّمَا ذلك في رقابهم، إن شاء ساداتهم افتكُّوهم بقيمة ذلك، أو أسلموهم، ليس عليهم غير ذلك، فَأَمَّا ما دُفِعَ إليهم يعملونه، فإنَّ ذلك يكـ[ـو] ن (٢) في ذممهم (٣).
• إِنَّمَا قالَ ذَلِكَ؛ لأنَّ جناية العبد على المجني عليه في بدنه أو ماله، لم تقع باختيار المجني عليه ولا برضاه، فوجب أن يكون ذلك في رقبته، وللسيِّد أن يفتكَّه بأرشها.
فأمَّا ما كان أمانةً من دَينٍ أو وديعةٍ، أو ما دفع إليه ليعمله فتعدَّى فيه أو أتلفه، فذلك في ذمَّته؛ من قِبَلِ أنَّ ذلك ليست بجنايةٍ وقعت عن غير مراضاةٍ من المجني عليه، وإنّما كان بتسليم صاحبه إليه ومراضاته به وائتمانه عليه، فوجب أن يكون
стр. 2022
ذلك في ذمَّته دون رقبته؛ لأنَّ من دفع ذلك إليه قد رضي بذمَّته وأمانته، ولا يجوز أن يتعلَّق دين العبد في رقبته؛ لأنَّ قيمة رقبته مجهولةٌ، فلا يجوز أن يداين الإنسان على عوضٍ مجهولٍ.
•••
[٢٣٤٠] مسألة: قال: وإذا جُرِحَ العبدُ، ثمَّ أعتقه سيِّده أو وهبه، فدية الجرح لسيِّدِه (١).
• إِنَّمَا قالَ ذَلِكَ؛ لأنَّ أرش الجرح وجب لسيِّد العبد المجني عليه، فإذا وهبه بعد ذلك، فإنَّمَا وهب رقبة العبد، لا الأرش الَّذِي وجب لسيِّده.
•••
[٢٣٤١] مسألة: قال: وسُئِلَ مَالِكٌ عن الرّجل يجرح العبدَ فيُعَالَجُ، أترى عليه أجرة الطَّبيب؟
فضعَّفَه، وكأنَّه لم يره، قال: وناس يقولون: «طعامه طعامه»، من نحو أجر الطَّبِيبِ (٢).
• إِنَّمَا قالَ ذَلِكَ؛ لأنْ لو أُلْزِمَ أَجْرَ الطَّبيب، لكان ذلك قد يتعدَّى بعض ما سُمِّيَ فيه من الأعضاء، وهذا غير جائزٍ.
ولأنَّ إلزام أجر الطبيب لا أصل فيه يُرْجع إليه، وإنّما عليه ما نقص الجرح
стр. 2023
إن كان فيه نقصٌ، وإن لم يكن فيه نقصٌ، لم يكن على الجاني شيءٌ؛ لأنَّ جرحه لم يؤثِّر نقصاً.
•••
[٢٣٤٢] مسألة: قال: وإذا جَرَحَ عبدٌ عبداً أو قَتَلَهُ، فأراد سيِّد العبد المجروح الدّية، وأبى سيِّد الجارح إلَّا القصاص، فالقول قول سيِّد المجروح، فإن شاء سيِّد الجارح افتكَّه بدية الجرح، وإن شاء أسلمه (١).
• إِنَّمَا قالَ ذَلِكَ؛ لأنَّ العبد مالٌ من الأموال، وليس يجري مجرى الأحرار، فالخيار في ذلك إلى سيِّد العبد المقتول، فإن شاء قتل العبد القاتل، وإن شاء أخذه بدلاً من عبده، إلَّا أن يفتكَّه سيِّده بأرش الجناية؛ لأنَّهُ يقول: «أريد بدل عبدي المقتول وعوض مالي الَّذِي أتَلْفَ عليَّ، ولا أريد القَوَدَ»، فذلك له؛ لحاجته إلى المال.
وليس كذلك الحرّ المقتول؛ لأنَّهُ ليس بمالٍ، فلا خيار للوليِّ في أن يقتل أو يأخذ الدِّيَة؛ إلَّا أن يرضى بذلك القاتل، وقد بيَّنَّاه (٢).
•••
[٢٣٤٣] قال: وإذا كان فِي جَائِفَةٍ العبد وَمَأْمُومَتِهِ وَمُوضِحَتِهِ عيبٌ أو عَثَمٌ (٣)، لم يُزَدْ لذلك شيءٌ سوى عقل الجرح.
стр. 2024
وقال ابن القاسم وأشهب: بل يُزاد بقدر الشَّيْنِ (١).
• إِنَّمَا قالَ ذَلِكَ؛ لأنَّ حرمة العبد أخفض من حرمة الحرِّ، فاقتصر منه على التَّسمية في هذه الجراح دون الزِّيادة، ويزاد الحرُّ لكمال حرمته (٢).
ووجه ما قال ابن القاسم وأشهب: أنَّ هذه الجراح جُعِلَ فيها شيءٌ مؤقتٌ؛ لشدَّةِ الخوف فيها على النَّفس، وما زاد من الشَّين يُنْقِصُ (٣) وفيه حكومةٌ، ولا فرق في ذلك بين الحرِّ والعبد.
•••
[٢٣٤٤] مسألة: قال: ومن تُوفِّي وترك ورثةً: أمّاً أو غيرها، وأوصى بجاريةٍ له لقريبةٍ له، فأخذ الجارية لها رجلٌ من أهلها، فأقامت عنده ما شاء الله، ثمَّ عَنَتَ عليها في بعض ما رآه عليها فضربها فماتت، فإنَّمَا عليه قيمتها يوم قتلها (٤).
• إِنَّمَا قالَ ذَلِكَ؛ لأنَّهُ إِنَّمَا يضمن قيمتها بالتَّلف وهو القتل، وليس بمنزلة الغاصب؛ لأنَّهُ لم يأخذها على وجه الغصب، إِنَّمَا أخذها على سبيل الأمانة.
•••
[٢٣٤٥] مسألة: قال: وإذا كان عبدٌ لأيتامٍ، فشجَّ رجلاً ثلاث مَوَاضِحَ
стр. 2025
وَمِلْطَاوَيْنِ، فصار عليه في ذلك خمسون ومئة دينارٍ، فدفعها وليُّ الأيتام وأخذه لنفسه، فبئس الرّجل هو، ويُرفَع (١) ذلك إلى السلطان حَتَّى ينظر فيه (٢).
• إِنَّمَا قالَ ذَلِكَ؛ لجواز أن تكون قيمة العبد أكثر من أرش الجناية، فيُتَّهَم في أخذه لنفسه، فينظر الحاكم فيما فعله:
• وإن كان في أخذه حظّاً لليتيم، أجازه له.
• وإن كان ضرراً عليه - لأنَّ في قيمته فضلاً -، ردَّه وافتكّه بأرش الجناية؛ ليكون ما يفضل عن قيمته لليتيم.
•••
[٢٣٤٦] مسألة: قال: وإذا جَرَحَ العبد وله مالٌ وعليه دينٌ، فدَيْنُهُ أولى بماله من جَرْحِهِ (٣).
• إنَّما قال ذلك؛ لأنَّهُ قد أخذ عوضاً منه، فكان أولى مِمَّا لم يؤخذ له عوضٌ.
ألا ترى: أنَّ الدَّين مُقَدَّمٌ على الميراث.
وقد يجوز أن يكون أصل مال العبد من دين الغرماء، فكانوا أولى به.
стр. 2026
فأمَّا رقبته: فالمجروح أولى بها من الغرماء؛ لأنَّ جرح العبد يتعلَّق برقبته، ودينه يتعلَّق بذمَّته دون رقبته.
•••
[٢٣٤٧] مسألة: قال: وإذا شُجَّ عبدٌ مُوضِحَةً، فأقرَّ حرٌّ أو عبدٌ أَنَّهُ الَّذِي شَجَّه، فأقام أياماً، ثمَّ مات:
• فإذا كان حرّاً: فعليه قيمته، ولا يمين على سيِّده: «لَمِنْ ضَرْبِهِ مَاتَ»؛ لأنَّهُ أقرَّ بضربه.
• وأما اعتراف العبد بأنه ضربه: فَإِنَّهُ يُكشف عن ذلك ويُنظر فيه، ولا يكون لسيِّده أن يحلف إلَّا أن يأتي بشبهةٍ، فإن جاء بشاهدٍ حلف وكان ذلك له، وإن أبى أن يحلف وردَّ اليمين على سيِّد العبد المعترف، فلا أظن ذلك له (١).
• إنّما قال: «إنَّ الحرَّ تلزمه قيمته»؛ لأنَّهُ قد أقرَّ بسببٍ هو تلفه، وهو إقراره بأنَّه شجَّه، فكان عليه قيمته لسيِّده.
فأمَّا إذا كان المقرُّ عبداً، فإنَّ إقراره غير مقبولٍ؛ لأنَّ ذلك يُلْزِمُ سيِّده.
فإن كان مع إقراره شيءٌ يَشُدُّ قوله، كان للسَّيد قيمته، وذلك مثل أن يشهد عليه شاهدٌ فيحلف معه.
وهذا يجوز أن يكون إذا أقرَّ أَنَّهُ شجَّه خطأً، فَأَمَّا إذا أقرَّ أنَّه شجَّه وأوضحه عمداً، قُبِلَ إقراره؛ لأنَّهُ مقرٌّ على نفسه بما فيه القَوَدُ.
стр. 2027
وقد قال مالك: «إنَّ ما اعترف به السَّيِّد (١) مِمَّا يلزمه القَوَدُ فيه أو الحدّ، فإقراره مقبولٌ، وإن كان خطأً، لم يُقْبَل ذلك منه؛ لأنَّهُ يُتَّهَمُ أن يُلْزِمَ سيِّده مالاً بإقراره.
•••
[٢٣٤٨] مسألة: قال مالكٌ: وإذا قتل عَبْدَانِ رجُلاً، فأراد أربابهم أنْ يفتكُّوهم، افْتُكَّ كلُّ واحدٍ منهم بنصف الدّية، ولم يُنْظَر في ذلك إلى أثمانهم، ومن أراد أن يفتكَّ عبده بنصف الدّية، كان ذلك له (٢).
• إِنَّمَا قالَ ذَلِكَ؛ لأنَّ رقبة كلّ واحدٍ من العبدين قد تعلَّق بها نصف دية الحرِّ، فكان على سيِّده أن يفتكَّه بها أو يسلمه؛ لِأَنَّهَا أرشٌ الجناية.
ولا يُنْظَر إلى قيمة العبد في ذلك، كما أنَّ المُرْتهنَ عليه أن يفتكَّ الرَّهن بالدَّين الَّذِي الرَّهَن به، لا بقيمة الرَّهْنِ.
•••
[٢٣٤٩] مسألة: قال: وإذا قَتَلَتْ أَمَةٌ نفسَاً، ثمَّ بيعت فاشتراها رجلٌ فولدت منه، ثمَّ ظُهِرَ على ذلك، فأرادوا قتلها، دُفِعَتْ إليهم فقتلوها إذا قامت البيِّنة.
وإن استحيوها، كان لهم قيمتها من مشتريها، وأُتْبِعَ صاحِبُهَا بالثَّمن.
ويُنْظَر إلى قيمة الولد، فيُنْقَصُ عن البائع من ثمن الجارية، ويتبعه المشتري بما بقي.
стр. 2028
وقاله ابن القاسم (١).
• إِنَّمَا قالَ ذَلِكَ؛ لأنَّ القتل لازمٌ لها، فلا يزول ذلك عنها إلَّا بترك أولياء المقتول ذلك.
فإن استوجبوها، فلهم القيمة؛ لِأَنَّهَا قد صارت أمّ ولدٍ.
وتؤخذ القيمة من المشتري؛ لأنَّهُ هو سبب المنع من تسليمها إلى وليِّ المقتول؛ لِمَا قد ولدت منه.
ويرجع المشتري على البائع بالثَّمن؛ لأنَّ الجارية قد استُحِقَّت من يده، فوجب أن يرجع بثمنها على من باعه.
ويُنْقَصُ منه ثمن الولد؛ لأنَّ المشتري قد أخذ بدله بالولد الَّذِي حدث له.
•••
[٢٣٥٠] مسألة: قال: وإذا جرح عبدٌ رجلاً وقتل آخر، فالقتل يأتي على ذلك كلّه، ولا يقاد منه (٢).
• إِنَّمَا قالَ ذَلِكَ؛ لأنَّ الجرح يدخل في القتل.
ألا ترى: أنَّ المحارب إذا قَتَلَ قُتِلَ، وإن أخذ المال ولم يَقْتُلْ قُطِعت يده
стр. 2029
ورجله ولم يجز قتله عند مخالفنا (١)، فلو قتل وأخذ المال لقُتِلَ ولم تقطع يده ورجله، ولو انفرد كلّ واحدٍ منهما، لأقيم عليه (٢).
وكذلك ما ذكرناه من القطع والجرح إذا اجتمع مع القتل، اقتُصِرَ على القتل، إذ لا معنى لقطع اليد، ثمُّ القتل، لأنَّ القطع إِنَّمَا يراد للتَّنكيل أو العقوبة، وذلك إذا بقي حيّاً، فَأَمَّا إذا قُتِلَ فلا معنى في ذلك.
فإن قيل (٣): إنَّ حدَّ المحارب هو لله ، فدخل القطع في القتل، وليس كذلك حقوق الآدميين الَّتِي هي القَوَدُ؟
قيل له: لو كان كما قلت، لوجب إذا سرق وزنا وهو محصنٌ، أن يدخل القطع في القتل؛ لأنَّ ذلك حقٌّ لله ، وليس ذلك قول مخالفنا، بل يقول: «إنَّ يده تُقطع للسّرق، ثمَّ يرجم»، فدلَّ هذا على فساد ما ذكر أَنَّهُ حقٌّ لله تعالى، بل الصَّحيح ما قاله مالكٌ، أنَّ كلّ حدٍّ وجرحٍ إذا اجتمع مع القتل دخل معه؛ لأنَّ القتل يأتي على ذلك كلّه.
وقد قال مالكٌ: «إلّا حدَّ الفرية، فَإِنَّهُ يُحَدُّ، ثمَّ يقتل؛ لتزول المعرَّةُ عن المقذوف»، وليس كذلك سائر الحقوق؛ لأنَّهُ لا معرَّة على الإنسان بترك القصاص من الجرح بدل ما يجرحه، وعليه مَعَرَّةٌ بتركه تكذيب من قذفه.
•••
стр. 2030
[٢٣٥١] مسألة: قال: وإذا قتل عبدٌ رجلاً خطأً، وقتل آخر عمداً، فأرادوا أن يقتلوه، قتلوه ولم يكن لصاحب الخطأ شيءٌ على سيِّده ولا على المستقيدِ، وإن استحيوه كان بينهم على قدر جراحهم (١).
• إِنَّمَا قالَ ذَلِكَ؛ لأنَّ جناية العبد متعلِّقةٌ برقبته دون مال السَّيِّد وذمَّته، فكان للوليّ قتله إن شاء.
وهذا إذا رضي وليّ المقتول خطأً، فَأَمَّا إذا لم يرض فذلك له؛ لأنَّهُ يقول: «هو مالٌ، فأنا آخذه»، فذلك له، فيكون بينهم على حسب دية الجرح أو القتل.
وإذا رضي وليّ المقتول خطأً بقتله، لم يكن له دية وليّه المقتول على سيّد العبد؛ لأنَّ الَّذِي وجب له إِنَّمَا هو في رقبة العبد، فإذا رضي بالقتل، لم يكن له شيءٌ.
ألا ترى: أنَّهَا لو تلفت لم يكن له شيءٌ على سيِّده، ولبطل أرش الجناية.
وإذا استحيوه، كان العبد بينهم نصفين؛ لأنَّ دية كلّ واحدٍ من المقتولين متساويةٌ إذا كانا حُرَّين مسلمين، وإن اختلفت كانت على حسب قدرها، وذلك أَنْ يقتل رجلاً وامرأةً.
•••
[٢٣٥٢] مسألة: قال: وإذا جرح العبدُ رجلاً وعليه دينٌ للنَّاس، فالمجروح أولى برقبته، والغرماء أولى بماله، ويحاصّهم المجروح بما فضل له بعد رقبة العبد إن فضل له شيءٌ.
стр. 2031
وقال ابن القاسم وأشهب: ليس للمجروح في ماله حقٌّ، الغرماء أولى به (١).
• إِنَّمَا قالَ ذَلِكَ؛ لأنَّ الدَّيْنَ لا يتعلّق برقبة العبد، وإنّما هو في ذمَّته، فماله أولى بالدَّين؛ لأنَّ النّاس يُدَاينون على المال لا الرقبة.
والجرح متعلّقٌ برقبته، فالمجروح أولى بها؛ لِأَنَّهَا لو تلفت تلف أرش الجرح.
ويحاصّهم المجروح في المال إن فَضَلَ بأرش جرحه عن الرَّقبة؛ لأنَّهُ لَمَّا تَعَلَّقَ أرشه بالرَّقبة، كان تعلُّقه بالمال أولى، وأن يكون كأحدهم أجزى.
ووجه قول ابن القاسم وأشهب: هو أنَّ أصحاب الدَّين لَمَّا لم يدخلوا على أصحاب الجناية في الرَّقبة، ولا يكون لهم منها شيءٌ في دَيْنِهِم، فكذلك لا يدخل أصحاب الجناية على أصحاب الدَّين؛ لأنَّ كلّ واحدٍ منهم ينفرد بالّذي هو أولى به.
•••
[٢٣٥٣] مسألة: قال: وإذا جَرَحَ العبد، لم يُقَوَّمْ بماله (٢).
• إِنَّمَا قالَ ذَلِكَ؛ لأنَّ المال تبعٌ للعبد، ليس له أصلٌ في القيمة، كما أَنَّهُ يَتْبَعُ العبْدَ في البيع إذا باعه سيِّده واشترط المبتاع، وليس له حصَّةٌ من الثَّمن.
•••
стр. 2032
[٢٣٥٤] مسألة: قال: وإذا جرح عبدٌ رجلاً، فأسلمه إليه السَّيِّد ولا مال للعبد، ثمَّ ظَهَرَ له مالٌ وأراد المجروح أخذه، فأبى ذلك السيِّد، فالسَّيِّد بالخيار:
• إن شاء أخذ العبد وأسلم إليه دية جرحه.
• وإن شاء أسلم إليه المال الَّذِي ظهر له.
وإن أراد السَّيِّد أن يأخذه ويُسْلِمَ إليه دية جرحه، ورضي المجروح أن يُسْلِمَ العَبْدَ إِلَيهِ بلا مالٍ، فذلك إلى المجروح.
وقال ابن القاسم: ليس ذلك له، وما ظَهَرَ له، فهو للَّذي أُسْلِمَ إليه (١).
• إِنَّمَا قالَ ذَلِكَ؛ لأنَّ السَّيِّد يقول: «أنا إنَّما رضيت بتسليمه على أَنَّهُ لا مال له، فَأَمَّا إذا كان له مالٌ لم أعلم به، لم أسلمه، وأنا أفديه بأرش الجناية»، فذلك له؛ لأنَّ عليه إسلام الأرش إلى المجني عليه.
فأمَّا إذا رضي المجني عليه بالعبد دون المال، فذلك للمجني عليه؛ لأنَّ السَّيِّد قد رضي به، فليس له الرُّجوع عنه.
فأمَّا ابن القاسم، فَإِنَّهُ جعل إسلامه إلى المجني عليه بمنزلة عتقه، أنَّ المال للَّذِي يظهر له، كما يكون له إذا ظهر بعد عتقه.
•••
[٢٣٥٥] مسألة: قال: وإذا أقرَّ العبد بأنه قَتَلَ عبداً عمداً:
• فإن أتى بيقينٍ أَنَّهُ رُئِيَ هناك، أو رُئِيَ يتبعه، حلف وليُّ المقتول.
стр. 2033
• وإن لم يُتَيَقَّن، فليس هذا بشيءٍ.
ولو أتى سيِّد المقتول بشاهدٍ واحدٍ، حلف وكان له؛ لأنَّ هذا مالٌ (١).
• وجه هذا القول: هو أَنَّهُ يجوز أن يقصد العبدُ بذلك الإضرارَ بسيِّده، فيعترف بما يضرّ بسيّده اعترافه، وإن كان في ذلك ضررٌ على العبد أيضاً.
وقد قال مالكٌ في الموطأ وغيره من الكتب: «إنَّ ما أقرَّ به العبد (٢) مِمَّا يلزم رقابهم، مثل الحدود، والقتل العمد، والجراح، وأشباهه، إنَّ ذلك يلزمهم، وما أقرُّوا به مِمَّا لا يلزمهم القَوَدُ فيه ولا العقوبة، فإقرارهم غير مقبولٍ؛ لِأَنَّهُم إِنَّمَا يُقِرُّونَ على ساداتهم دونهم» (٣).
وهذا هو القول الصَّحيح؛ لأنَّ الإنسان في الأغلب لا يُتَّهَمُ أن يقتل نفسه أو يقطع يده أو يجلد ظهره ليضرَّ بغيره؛ لأنَّ الضَّرر الَّذِي يلحق المُقِرَّ في ذلك أكثر من الضَّرر الَّذِي يلحق غيره.
ولأنَّ في الأصل أنَّ إقرار كلّ إنسانٍ على نفسه مقبولٌ، إلَّا ما قامت الدّلالة على أَنَّهُ لا يُقبل، وقد قال الله : ﴿كُونُوا قَوَّامِينَ بِالْقِسْطِ شُهَدَاءَ لِلَّهِ وَلَوْ عَلَى أَنْفُسِكُمْ أَوِ الْوَالِدَيْنِ وَالْأَقْرَبِينَ﴾ [النساء:١٣٥]، فلا فرق في ذلك بين الحرِّ والعبد، أنَّ إقراره مقبولٌ على نفسه دون غيره.
•••
стр. 2034
[٢٣٥٦] مسألة: قال: وإذا قال عبدٌ: «قتلني فلانٌ عمداً»، لرجلٍ حرٍّ، قيل له: «احلف خمسين يميناً ما قتلته، ولا قيمة عليك»، ويُضرب مئةً ويُحْبَس سنةً.
وقال أشهب مثل ذلك، قال: فإن لم يحلف الحُرُّ، غَرِمَ قيمة العبد.
وقال ابن القاسم: يقال للحرِّ: «احلف يميناً واحدةً وابْرَأْ من القيمة والضَّرب والحبس، وإلَّا فاغرم القيمة وتُضرب مئةً وتُحبس سنة» (١).
• إنّما قال: «يحلف خمسين يميناً»؛ تغليظاً لأمر الدَّم؛ لأنَّهُ قد غُلِّظَ أمرُهُ ما لم يُغَلَّظْ به أمر المال.
وأمَّا قوله: «يُضْرب ويُحْبس»، فلمَّا زال القتل عنه، وجب أن يُضْرَب ويُحْبس؛ لِمَا قد ارتكبه مِمَّا هو منهيٌّ عنه، كما لو عُفِيَ عنه إذا قتل، وقد ذكرنا هذا.
وقول أشهب: «إنَّه يغرم قيمة العبد إذا لم يحلف»؛ فلأنَّ قوله: «قتلني فلانٌ» لوثٌ، وقد قوَّاه نكول المدّعى عليه، فوجب بذلك قيمة العبد؛ لأنَّهما سببان، كشاهدين، أو الشَّاهد واليمين، أو نكول المدّعى عليه ويمين المدعي.
وقول ابن القاسم: «إنَّه يحلف يميناً واحدةً»، وهو الصَّحيح؛ من قِبَلِ أنَّ العبد مالٌ، والدَّعوى في الأموال: يحلف المدّعى عليه يميناً واحداً، ويستحقّها المدّعي بيمينه مع الشاهد، أو يمينه مع نكول المدَّعَى عليه.
فإذا حلف المدّعى عليه يميناً واحدةً، برئ من قيمة العبد والضَّرب والحبس؛ لأنَّهُ لم يثبت عليه شيءٌ إذا حلف، وإن لم يحلف غرم قيمة العبد
стр. 2035
ويُحبس ويُضرب؛ لأنَّهُ قد ثَبَّتَ على نفسه القتل بامتناعه عن اليمين مع اللّوث المتقدِّم، وهو قول العبد المقتول: «قتلني فلانٌ».
•••
[٢٣٥٧] مسألة: قال: وإذا أصاب الحُرُّ العَبْدَ، فجاء سيِّده بشاهدٍ واحدٍ، حلف سيِّده مع شاهده يميناً واحدةً، ثمَّ كان له ثمن العبد.
وإن كان أصابه مملوكٌ، خُيِّرَ سيِّد العبد القاتل:
• فإن شاء أن يُسْلِم عبده أسلمه.
• وإن شاء أن يُخْرِجَ ثمن العبد المقتول ويمسك عبده، فذلك له.
فإن أسلمه: فليس على العبد قتلٌ؛ لأنَّهُ لا يُقتلُ بشاهدٍ واحدٍ، ولا قسامة فيه (١).
• إِنَّمَا قالَ ذَلِكَ؛ لِمَا ذكرناه: أنَّ العبد مالٌ تُسْتَحَقُّ قيمته بشاهدٍ ويمينٍ، كما تُستحقُّ الأموال بشاهدٍ ويمينٍ.
فإن كان الَّذِي قتله عبداً، كان لسيِّده أن يفتكَّه بأرش الجناية - وهي قيمة العبد المقتول - أو يسلمه إلى سيِّد العبد المقتول؛ لأنَّ الجناية متعلِّقةٌ برقبته على ما بيَّنَّاه.