← Фикх малики

Фикх малики · id 1326

شرح المختصر الكبير للأبهري

الأبهري

Полный текст (2 801 стр.). Показаны 2031–2070 · переход к 2036.

стр. 2031

وقال ابن القاسم وأشهب: ليس للمجروح في ماله حقٌّ، الغرماء أولى به (١). • إِنَّمَا قالَ ذَلِكَ؛ لأنَّ الدَّيْنَ لا يتعلّق برقبة العبد، وإنّما هو في ذمَّته، فماله أولى بالدَّين؛ لأنَّ النّاس يُدَاينون على المال لا الرقبة. والجرح متعلّقٌ برقبته، فالمجروح أولى بها؛ لِأَنَّهَا لو تلفت تلف أرش الجرح. ويحاصّهم المجروح في المال إن فَضَلَ بأرش جرحه عن الرَّقبة؛ لأنَّهُ لَمَّا تَعَلَّقَ أرشه بالرَّقبة، كان تعلُّقه بالمال أولى، وأن يكون كأحدهم أجزى. ووجه قول ابن القاسم وأشهب: هو أنَّ أصحاب الدَّين لَمَّا لم يدخلوا على أصحاب الجناية في الرَّقبة، ولا يكون لهم منها شيءٌ في دَيْنِهِم، فكذلك لا يدخل أصحاب الجناية على أصحاب الدَّين؛ لأنَّ كلّ واحدٍ منهم ينفرد بالّذي هو أولى به. ••• [٢٣٥٣] مسألة: قال: وإذا جَرَحَ العبد، لم يُقَوَّمْ بماله (٢). • إِنَّمَا قالَ ذَلِكَ؛ لأنَّ المال تبعٌ للعبد، ليس له أصلٌ في القيمة، كما أَنَّهُ يَتْبَعُ العبْدَ في البيع إذا باعه سيِّده واشترط المبتاع، وليس له حصَّةٌ من الثَّمن. •••

стр. 2032

[٢٣٥٤] مسألة: قال: وإذا جرح عبدٌ رجلاً، فأسلمه إليه السَّيِّد ولا مال للعبد، ثمَّ ظَهَرَ له مالٌ وأراد المجروح أخذه، فأبى ذلك السيِّد، فالسَّيِّد بالخيار: • إن شاء أخذ العبد وأسلم إليه دية جرحه. • وإن شاء أسلم إليه المال الَّذِي ظهر له. وإن أراد السَّيِّد أن يأخذه ويُسْلِمَ إليه دية جرحه، ورضي المجروح أن يُسْلِمَ العَبْدَ إِلَيهِ بلا مالٍ، فذلك إلى المجروح. وقال ابن القاسم: ليس ذلك له، وما ظَهَرَ له، فهو للَّذي أُسْلِمَ إليه (١). • إِنَّمَا قالَ ذَلِكَ؛ لأنَّ السَّيِّد يقول: «أنا إنَّما رضيت بتسليمه على أَنَّهُ لا مال له، فَأَمَّا إذا كان له مالٌ لم أعلم به، لم أسلمه، وأنا أفديه بأرش الجناية»، فذلك له؛ لأنَّ عليه إسلام الأرش إلى المجني عليه. فأمَّا إذا رضي المجني عليه بالعبد دون المال، فذلك للمجني عليه؛ لأنَّ السَّيِّد قد رضي به، فليس له الرُّجوع عنه. فأمَّا ابن القاسم، فَإِنَّهُ جعل إسلامه إلى المجني عليه بمنزلة عتقه، أنَّ المال للَّذِي يظهر له، كما يكون له إذا ظهر بعد عتقه. ••• [٢٣٥٥] مسألة: قال: وإذا أقرَّ العبد بأنه قَتَلَ عبداً عمداً: • فإن أتى بيقينٍ أَنَّهُ رُئِيَ هناك، أو رُئِيَ يتبعه، حلف وليُّ المقتول.

стр. 2033

• وإن لم يُتَيَقَّن، فليس هذا بشيءٍ. ولو أتى سيِّد المقتول بشاهدٍ واحدٍ، حلف وكان له؛ لأنَّ هذا مالٌ (١). • وجه هذا القول: هو أَنَّهُ يجوز أن يقصد العبدُ بذلك الإضرارَ بسيِّده، فيعترف بما يضرّ بسيّده اعترافه، وإن كان في ذلك ضررٌ على العبد أيضاً. وقد قال مالكٌ في الموطأ وغيره من الكتب: «إنَّ ما أقرَّ به العبد (٢) مِمَّا يلزم رقابهم، مثل الحدود، والقتل العمد، والجراح، وأشباهه، إنَّ ذلك يلزمهم، وما أقرُّوا به مِمَّا لا يلزمهم القَوَدُ فيه ولا العقوبة، فإقرارهم غير مقبولٍ؛ لِأَنَّهُم إِنَّمَا يُقِرُّونَ على ساداتهم دونهم» (٣). وهذا هو القول الصَّحيح؛ لأنَّ الإنسان في الأغلب لا يُتَّهَمُ أن يقتل نفسه أو يقطع يده أو يجلد ظهره ليضرَّ بغيره؛ لأنَّ الضَّرر الَّذِي يلحق المُقِرَّ في ذلك أكثر من الضَّرر الَّذِي يلحق غيره. ولأنَّ في الأصل أنَّ إقرار كلّ إنسانٍ على نفسه مقبولٌ، إلَّا ما قامت الدّلالة على أَنَّهُ لا يُقبل، وقد قال الله : ﴿كُونُوا قَوَّامِينَ بِالْقِسْطِ شُهَدَاءَ لِلَّهِ وَلَوْ عَلَى أَنْفُسِكُمْ أَوِ الْوَالِدَيْنِ وَالْأَقْرَبِينَ﴾ [النساء:١٣٥]، فلا فرق في ذلك بين الحرِّ والعبد، أنَّ إقراره مقبولٌ على نفسه دون غيره. •••

стр. 2034

[٢٣٥٦] مسألة: قال: وإذا قال عبدٌ: «قتلني فلانٌ عمداً»، لرجلٍ حرٍّ، قيل له: «احلف خمسين يميناً ما قتلته، ولا قيمة عليك»، ويُضرب مئةً ويُحْبَس سنةً. وقال أشهب مثل ذلك، قال: فإن لم يحلف الحُرُّ، غَرِمَ قيمة العبد. وقال ابن القاسم: يقال للحرِّ: «احلف يميناً واحدةً وابْرَأْ من القيمة والضَّرب والحبس، وإلَّا فاغرم القيمة وتُضرب مئةً وتُحبس سنة» (١). • إنّما قال: «يحلف خمسين يميناً»؛ تغليظاً لأمر الدَّم؛ لأنَّهُ قد غُلِّظَ أمرُهُ ما لم يُغَلَّظْ به أمر المال. وأمَّا قوله: «يُضْرب ويُحْبس»، فلمَّا زال القتل عنه، وجب أن يُضْرَب ويُحْبس؛ لِمَا قد ارتكبه مِمَّا هو منهيٌّ عنه، كما لو عُفِيَ عنه إذا قتل، وقد ذكرنا هذا. وقول أشهب: «إنَّه يغرم قيمة العبد إذا لم يحلف»؛ فلأنَّ قوله: «قتلني فلانٌ» لوثٌ، وقد قوَّاه نكول المدّعى عليه، فوجب بذلك قيمة العبد؛ لأنَّهما سببان، كشاهدين، أو الشَّاهد واليمين، أو نكول المدّعى عليه ويمين المدعي. وقول ابن القاسم: «إنَّه يحلف يميناً واحدةً»، وهو الصَّحيح؛ من قِبَلِ أنَّ العبد مالٌ، والدَّعوى في الأموال: يحلف المدّعى عليه يميناً واحداً، ويستحقّها المدّعي بيمينه مع الشاهد، أو يمينه مع نكول المدَّعَى عليه. فإذا حلف المدّعى عليه يميناً واحدةً، برئ من قيمة العبد والضَّرب والحبس؛ لأنَّهُ لم يثبت عليه شيءٌ إذا حلف، وإن لم يحلف غرم قيمة العبد

стр. 2035

ويُحبس ويُضرب؛ لأنَّهُ قد ثَبَّتَ على نفسه القتل بامتناعه عن اليمين مع اللّوث المتقدِّم، وهو قول العبد المقتول: «قتلني فلانٌ». ••• [٢٣٥٧] مسألة: قال: وإذا أصاب الحُرُّ العَبْدَ، فجاء سيِّده بشاهدٍ واحدٍ، حلف سيِّده مع شاهده يميناً واحدةً، ثمَّ كان له ثمن العبد. وإن كان أصابه مملوكٌ، خُيِّرَ سيِّد العبد القاتل: • فإن شاء أن يُسْلِم عبده أسلمه. • وإن شاء أن يُخْرِجَ ثمن العبد المقتول ويمسك عبده، فذلك له. فإن أسلمه: فليس على العبد قتلٌ؛ لأنَّهُ لا يُقتلُ بشاهدٍ واحدٍ، ولا قسامة فيه (١). • إِنَّمَا قالَ ذَلِكَ؛ لِمَا ذكرناه: أنَّ العبد مالٌ تُسْتَحَقُّ قيمته بشاهدٍ ويمينٍ، كما تُستحقُّ الأموال بشاهدٍ ويمينٍ. فإن كان الَّذِي قتله عبداً، كان لسيِّده أن يفتكَّه بأرش الجناية - وهي قيمة العبد المقتول - أو يسلمه إلى سيِّد العبد المقتول؛ لأنَّ الجناية متعلِّقةٌ برقبته على ما بيَّنَّاه.

стр. 2036

ولا يجوز قتله بشاهدٍ ويمينٍ، حَتَّى يُعْلَم أَنَّهُ قد قَتَلَ: بأن يُقِرَّ، أو يشهد على ذلك شاهدان عدلان. وقوله: «لا قسامة»، يعني: في العبد المقتول؛ لأنَّ العبد مالٌ، ولا قسامة في الأموال، وإنّما تكون القسامة في الأحرار المسلمين، دون العبيد والكُّفار؛ لنقصان حرمتهم عن حرمة الأحرار المسلمين، والقسامة إِنَّمَا هي في الأحرار المسلمين. ••• [٢٣٥٨] مسألة: قال: وإذا قتل العبد رَجُلَاً حُرّاً، فأقام وُلاتُهُ شاهداً واحداً، فإن شاؤوا حلفوا خمسين يميناً واستحقُّوا دم صاحبهم. فإذا حلفوا، أُسْلِمَ إليهم، فإن شاؤوا قَتَلُوا وإن شاؤوا استحيوا. ولا يجب لهم إلَّا أن يحلفوا خمسين يميناً، ولا يجب لهم وإن حلفوا يميناً واحداً وقالوا: «نستحييه» (١). • إِنَّمَا قالَ ذَلِكَ؛ لأنَّ الحرَّ المقتول لا يثبت دمه بغير: - إقرار القاتل. - أو البيِّنة العادلة.

стр. 2037

- أو قسامة الأولياء مع اللّوث، وذلك شاهدٌ واحدٌ، أو غيره من اللَّوث على ما قد بيَّنَّاه (١). فإذا ثبت قتله، كان سيِّد العبد مخيَّراً بين إسلامه، أو أن يفتكَّه بأرش الجناية، إلَّا أن يريد أولياء المقتول قتل العبد، فيكون ذلك لهم متى ثبت قتل الحرِّ بما ذكرنا. وليس يجوز لهم قتله بالشَّاهد واليمين؛ لأنَّ القتل لا يجوز بشاهدٍ ويمينٍ. ولا يجب لهم أخذ العبد - وإن لم يقتلوه - إذا حلفوا يميناً واحدةً، حَتَّى يحلفوا خمسين يميناً؛ لأنَّ دم الحرِّ المسلم لا يثبت بيمينٍ هي أقلُّ من خمسين يميناً مع اللَّوث وإذا ثبت الأموال بيمينٍ واحدةٍ مع الشاهد أو نُكول المدّعى عليه. ••• [٢٣٥٩] مسألة: قال: وإذا جَرَحَ العبدُ المُعْتَقُ نِصْفُهُ جَرْحَاً، كان نصفه على السَّيِّد ونصفه عليه، إن كان نصفه رقيقاً ونصفه حرّاً، أو بقدر ما هو عتيقٌ منه عليه. ويُخَيَّر السَّيِّد في افتداء نصيبه مِمَّا يصيبه من دية الجرح، أو يسلمه به. فإن جُرِحَ فالعقل كلّه للسيِّد، وقاله أشهب. وقد قال مالك: إنَّه بينهما، ما كان للسيِّد أخذه، وما كان للعبد وُقِفَ في يديه، بمنزلة ماله، وقاله ابن القاسم (٢).

стр. 2038

• إِنَّمَا قالَ ذَلِكَ؛ لأنَّ جراح العبد المعتق بعضه بمنزلة خراجه، فلمَّا كان خراجه بينه وبين سيِّده على قدر ما فيه من الحريَّة والرقِّ، فكذلك أرش جرحه هو عليهما. كذلك فِعْلُ العبد: في ذمَّته بقدر الحريَّة، وفي رقبته بقدر رقِّهِ، وللسيِّد أن يفتكَّه إن شاء أو يسلمه على ما بيَّنَّاه. فأمَّا إذا جُرِحَ فالعقل كلَّه للسيِّد؛ من قِبَلِ أنَّ حكمه حكم العبد في حدوده وشهادته، ولو مات، لكان ماله كلّه لسيِّده؛ لغلبة حكم الرقّ عليه، فكذلك إذا جُرِحَ فأرش الجرح كلُّه للسيِّد، وكذلك إذا قُتِلَ فقيمته كلّها للسيِّد. ووجه قوله: «إنَّ ذلك بينهما»؛ فلأنَّ المُعْتَقَ بعضُه لَمَّا كان يملك من كسبه بقدر حريَّته، ولا يكون ذلك لسيِّده كلّه، بل له بقدر ملكه فيه من الرقِّ، فكذلك ليس له أخذ أرش الجرح كلّه، وإنّما له منه بقدر ما له فيه من الرقِّ، وهذا هو القول الصَّحيح، وكذلك رواه ابن وهبٍ عن مالكٍ. ••• [٢٣٦٠] مسألة: قال: وإذا قُتِلَ المُكَاتَبُ، غَرِمَ قاتله قيمته مُكَاتباً: بألف درهمٍ، أو بمئة درهمٍ - ما عليه من الكتابة - (١). • إِنَّمَا قالَ ذَلِكَ؛ لأنَّ العبد لَمَّا كان يُقَوَّمُ إذا قُتِلَ على أَنَّهُ عبدٌ، وجب أن

стр. 2039

يُقَوَّمَ كذلك المكاتَبُ إذا قُتِلَ على أَنَّهُ مكاتبٌ، لا على أَنَّهُ حرٌّ أو عبدٌ لا كتابة فيه، لكنَّه يُقَوَّمُ على حسب حاله ومقدار كتابته. ••• [٢٣٦١] مسألة: قال: وإذا ضُرِبَ الرَّجُلُ، وادَّعَى: «أنَّ فلاناً وفلاناً ضرباه، وفلاناً جرحه، ولم يجرحه فلانٌ»، وكان له أمٌّ وأولياء، فصالح أَوْلِيَاءُ الضَّارب - الَّذِي ادُّعِيَ عليه القتل - أَوْلِيَاءَ المقتول على ثلثي الدّية، وقالوا لهم: «برئتم من أمِّهِ»، ثمَّ أبت الأمُّ إلَّا أن تقوم على الدَّم، فذلك لها، ولا ينفعهم الصُّلح، وإن ماتت قام قومها بالَّذي كانت تقوم به من ذلك (١). • إِنَّمَا قالَ ذَلِكَ؛ لأنَّ من طَلَبَ بالقَوَدِ أولى - من النِّساء والأولياء -. وكذلك قال مالكٌ في البنت والعصبة: إذا عفا العصبة وطالبت البنت بالدَّم، أنَّها أولى (٢)؛ لأنَّ العصبة يُتَّهَمُون أن يكون تركهم القَوَدَ على غير وجه النَّظر، وإنّما هو لمالٍ يأخذونه أو غيره، فصارت الأمُّ والبنت أولى، إلَّا أن تكون العصبة في درجة النِّساء، كالبنين والبنات، والإخوة والأخوات، فيجوز حينئذٍ عفو الرِّجال على النِّساء؛ لمساواتهم النِّساء في القرب، وانفرادهم هم بالنَّظر والمصلحة في القَوَدِ أو العفو.

стр. 2040

وقوله: «فإن ماتت الأمُّ فقومها بمنزلتها»؛ لِأَنَّهُم قد ورثوا عنها من الحقوق ما كان لها. ••• [٢٣٦٢] مسألة: قال: ومن قَتَلَ رجلاً، فأدّى الدّية، ثمَّ قُتِل، فيُقْتَل به من قتله (١). • إِنَّمَا قالَ ذَلِكَ؛ لأنَّهُ متعدٍّ بقتله بعد أخذ الدِّية؛ لزوال القَوَدِ عنه بعد أخذ الدِّية. ••• [٢٣٦٣] مسألة: قال: ومن أصيب بِمُوضِحَةٍ خطأً، فصُولِحَ على ثلاثين ديناراً، ثمَّ برئ منها، فمات، فقام عصبته يطلبون ديته، فذلك لهم، يُقْسِمُون: «لماتَ منها»، ولهم الدّية، وتسقط الثلاثون، لا تجتمع الدّية والثلاثون جميعاً (٢). • إِنَّمَا قالَ ذَلِكَ؛ لِأَنَّهُم لم يصالحوا على القتل، وإنّما صالحوا على الجرح، فإذا أدَّى الجرحُ إلى النَّفس، كانت لهم دية النَّفس. ولا قَوَدَ في الجرح في العمد مع النَّفس ولا دية له في الخطأ مع النَّفس، لأنَّ الجرح يدخل في النَّفس في الخطأ والعمد على ما بيَّنَّاه، ولا يجتمعان جميعاً. •••

стр. 2041

[٢٣٦٤] مسألة: قال: ومن قتل أُخْتَاً له متعمِّدَاً؛ لحدثٍ أحدثته، ثمَّ عُفِيَ عن قتله، فأرى أن يصوم شهرين متتابعين، ويُعْتِق رقبةً، ويتقرب إلى الله بما استطاع من خيرٍ، ويكثر من الاستغفار. وإن كان بالمدينة والصِّيام بها شديدٌ، فلا بأس أن يؤخِّر الصِّيام حَتَّى يقدم بلده. وإن كان له في بلده عبدٌ، فأراد أن يعتقه بالمدينة، فهو يجزئه إن كان حيّاً، وإن كان مَيِّتَاً فعليه البدل (١). • إنَّما قال: «إنَّه يصوم ويعتق رقبةً، ويتقرب إلى الله بما استطاع من خيرٍ»؛ لعظيم ما ارتكبه من قتل العمد، فيُستَحَبُّ له فعل هذه الأشياء، لا أنَّ الكفارة عليه واجبةٌ في قتل العمد؛ لأنَّ قتل العمد أعظم من أن يُكَفَّرَ. ألا ترى: أنَّ الكبائر لا كفّارة فيها، وذلك مثل: أكل الربا، وارتكاب الزِّنا، وعقوق الوالدين، وأشباه ذلك، وإنّما جُعِلت الكفَّارة في غير الكبائر من الذُّنوب. وإِنَّمَا ذَكَرَ الله الكفَّارة في قتل المؤمن خطأً دون قتله عمداً، ولم يجب أن يكون قتل العمد كقتل الخطأ؛ لغلظ أمر العمد. ومما يدل على أنَّ قتل العمد لا كفّارة فيه، أنَّ الله جلَّ وعزَّ قال في الصِّيد: ﴿وَمَنْ قَتَلَهُ مِنْكُمْ مُتَعَمِّدًا فَجَزَاءٌ مِثْلُ مَا قَتَلَ مِنَ النَّعَمِ﴾ [المائدة:٩٥]، فذِكْرُه العمد لئلا يُظَنَّ أَنَّهُ كقتل المؤمن عمداً أَنَّهُ لا كفّارة فيه، بل في قتل الصَّيد المحرَّم كفارةٌ، وهو الجزاء الَّذِي عليه.

стр. 2042

فلهذا قال مالكٌ: «إنَّه لا كفّارة على قاتل المسلم الحرّ عمداً»؛ لأنَّ الله تعالى ذكرها في قتل الخطأ، ولا على قاتل العبد أيضاً - كان قَتْلُهُ عمداً أو خطأً -؛ لأنَّ حرمته منقوصةٌ عن حرمة الحرِّ المسلم، فلم تجب فيه الكفَّارة، ولأنه أيضاً قال: «ولا كفّارة في إتلاف الأموال». ولا تجب أيضاً على من قتل كافراً؛ لنقصان حرمته عن حرمة الحرِّ المسلم، فلم يبلغ أمر قتله في وجوب الكفَّارة فيه كهو في قتل الحرِّ المسلم، كما لم يكن حكم القَوَدِ في نفسه وجراحه فيما بينه وبين المسلمين كحكم ذلك بين المسلمين؛ لنقصان حرمتهم (١) عن حرمة المسلمين. وكذلك العبيد لا يَقْتَصُّون من الأحرار في النَّفس والجرح، كما يَقتَصُّ الأحرار بعضهم من بعضٍ؛ لنقصان حرمتهم عن الأحرار. فلم يكن الكفَّار والعبيد في وجوب الكفارة في قتله، كوجوبها في قتل الحرِّ المسلم، وإنّما ذكر الله جلَّ وعزَّ ذلك في قتل الحرِّ المسلم بقوله عزَّ من قائلٍ: ﴿وَمَنْ قَتَلَ مُؤْمِنًا خَطَأً فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُؤْمِنَةٍ وَدِيَةٌ مُسَلَّمَةٌ إِلَى أَهْلِهِ﴾ [النساء:٩٢]، ولم يذكر ذلك في قتل الكافر ولا العبد نصّاً، ولا دلَّت الدَّلالة على وجوب التَّسوية بينهم؛ لاختلاف حرمتها، والله أعلم. ••• [٢٣٦٥] مسألة: قال: وإذا اجتمع قومٌ على قتل رجلٍ خطأً، فالدِّية عليهم

стр. 2043

جميعاً، وعلى كلّ واحدٍ منهم الكفَّارة: عتق رقبةٍ، أو صيام شهرين متتابعين إذا لم يجد (١). • إِنَّمَا قالَ ذَلِكَ؛ لأنَّ كلّ واحدٍ منهم قاتلٌ؛ لأنَّ اسم القِتْلَةِ يقع عليهم كلّهم، فالدِّية على عواقلهم جميعاً. وعلى كلّ واحدٍ منهم الكفَّارة في ماله؛ لأنَّ الله تبارك اسمه قال: ﴿وَمَنْ قَتَلَ مُؤْمِنًا خَطَأً فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُؤْمِنَةٍ وَدِيَةٌ مُسَلَّمَةٌ إِلَى أَهْلِهِ﴾ [النساء:٩٢]، ولا فرق بين أن يكون القاتل واحداً أو جماعةً في أنَّ عليهم الدّية والكفَّارة. والدِّية على عواقلهم؛ ببيان رسول الله صَلَّى الله عَلَيْهِ ذلك، ولا خلاف في هذا بين أهل العلم. ••• [٢٣٦٦] مسألة: قال: وإذا قتل مسلمٌ ذمِيّاً، فيُكَفِّرُ أحبّ إلي (٢). • إِنَّمَا قالَ ذَلِكَ؛ لِمَا ذكرنا: أنَّ الله ﷻ أوجب الكفَّارة في قتل المؤمن خطأً دون الكافر ودون العبد. ويستحبُّ له أن يكفِّر؛ لجواز أن يكون قد دخل العبد المسلم (٣) تحت المراد. •••

стр. 2044

[٢٣٦٧] مسألة: قال: ومن قتل عبداً متعمِّداً، ضُرِبَ مئةً وحُبِسَ سَنَةً وأَعْتَقَ رقبةً (١). • وقد قال مالك: «ذلك خيرٌ له»، واستحبَّ ذلك له. فأمَّا الَّذِي جاء في القرآن ففي الحرِّ؛ لأنَّ الله جلَّ وعزَّ قال: ﴿وَدِيَةٌ مُسَلَّمَةٌ إِلَى أَهْلِهِ﴾ [النساء:٩٢]، وقد ذكرنا وجه هذا. ••• [٢٣٦٨] مسألة: قال: وإذا سقت المرأة ابنها دواءً من قُرْحٍ يلحقه فمات، أو طبيبٌ سقى رجلاً دواءً فمات، فلا كفّارة عليهما واجبة، وإن كانا موسرين فكفَّرا فحسنٌ (٢). • إِنَّمَا قالَ ذَلِكَ؛ لأنَّهما فعلا ما لهما فعله، ولا كفّارة عليهما، كالحاكم إذا حدَّ إنساناً فمات في حدِّه، فلا كفّارة عليه، وكذلك المُقتَصُّ منه إذا مات من القِصَاص، فلا شيء على الَّذِي اقتصَّ؛ لأنَّهُ فعل ما له فعله. ••• [٢٣٦٩] مسألة: قال: ومن كان له أجيرٌ نصرانيٌّ، فعنث عليه، فضربه ضرباتٍ فمات، أو قاتله فقتله، فَإِنَّهُ يُكَفِّرُ أحبَّ ما فيه إليه (٣).

стр. 2045

• إِنَّمَا قالَ ذَلِكَ؛ لأنَّ الكفارة فعل خيرٍ، وهي تكفِّر عن القاتل ما فعله وتُخَفِّفُ عنه، فاستحَبَّ له فعلها. ولأنه قد يجوز أن يكون ذلك مراداً في الآية أيضاً. ••• [٢٣٧٠] مسألة: قال: ومن ضرب امرأةً حاملاً فأسقطت، فلا كفّارة عليه، فإن فعل فهو حسنٌ (١). • إِنَّمَا قالَ ذَلِكَ؛ لأنَّ الكفارة إِنَّمَا تجب في قتل حيٍّ ما، والجنين فلا تُتيقَّن له حياةٌ، فلا كفّارة فيه واجبةٌ. ••• [٢٣٧١] مسألة: قال: ومن نزع سِنّاً لصبيِّ ولم يُثْغِرْ، وهي تتحرَّك، فأقام أيَّاماً، ثمَّ مات، فيُعتِقُ رقبةً، أو يصوم شهرين متتابعين، وما أدري أذلك عليه أم لا (٢). • إِنَّمَا قالَ ذَلِكَ؛ لأنَّهُ لا يُدْرَى أموته كان عن نزع السنِّ أم لا، فلا كفّارة عليه واجبة لهذا الشكِّ. والاختيار أن تكون عليه؛ لجواز أن يكون موته حدث عن نزع سنِّه. •••

стр. 2046

[٢٣٧٢] مسألة: قال: ومن أرسل إلى جارٍ له يضرب غلاماً له، أو استعان عليه من يَضْرِبُهُ، فضربه فمات، فليس على واحدٍ منهما ضمانٌ، وعليهما أن يُكَفِّرَا بما أُمِرَا به من الكفَّارة (١). • إِنَّمَا قالَ ذَلِكَ؛ لأنَّ ضربه بأمر صاحبه، فلا شيء عليه في تلفه؛ لأنَّ ذلك بمنزلة ما يبرئه منه إذا وجب عليه. فأمَّا الكفَّارة فاستحبابٌ إن كان المقتول عبداً؛ لأنَّ الواجب هي في قتل الحرِّ المسلم. وإن كان حرّاً مسلماً، ففي كلّ واحدٍ منهما كفَّارةٌ؛ لإيجاب الله ذلك في قتل الخطأ. ••• [٢٣٧٣] مسألة: قال: ومن وجد عبداً له على زناً، فجلده ثمانين، فمات بعد أيَّامٍ، فيُعتِق رقبةً، فإن لم يجد صام شهرين متتابعين (٢). • إِنَّمَا قالَ ذَلِكَ؛ لأنَّهُ قد تعدَّى في ضربه زيادةً على خمسين، لأنَّ حدَّ العبد في الزِّنا خمسون، وهو قاتل خطأٍ، فيُستحبُّ له عتق رقبةٍ، فإن لم يجد صام. •••

стр. 2047

[٢٣٧٤] مسألة: قال: ومن طَرَحَ جنيناً فاستهلَّ صارخاً، ثمَّ مات، فعليه الكفَّارة في رأيي (١). • إِنَّمَا قالَ ذَلِكَ؛ لأنَّ هذا قد تيقَّنَ أنَّه قد قتل، فعليه الكفَّارة؛ لأنَّ الكفَّارة تجب في قتل حيٍّ حرٍّ مسلمٍ. ••• [٢٣٧٥] مسألة: قال: وإذا نامت امرأةٌ مع ولدها فتمرَّغَتْ عليه من اللَّيل فأصبح ميِّتاً ولم تَرَ به أثراً، فخافت أن تكون قتلته، فتُكَفِّرُ بعتق رقبةٍ (٢). • إِنَّمَا قالَ ذَلِكَ؛ لجواز أن تكون قتلته، فعليها الكفَّارة. ••• [٢٣٧٦] مسألة: قال: ومن سبَّ رسول الله صَلَّى الله عَلَيْهِ من مسلمٍ أو كافرٍ، قُتِلَ ولم يُسْتَتَبْ. وقد قال في اليهوديِّ أو النَّصرانيِّ إن قال: «أنا أُسْلِمُ»، لم يُقْتَلْ (٣). • إِنَّمَا قالَ ذَلِكَ؛ لأنَّ حدَّ من سبَّ رسول الله صَلَّى الله عَلَيْهِ أو غيره من الأنبياء صَلَّى الله عَلَيْهِم القتل؛ لأنَّهُ لَمَّا حُدَّ قاذف الحرِّ المسلم لفضيلته، وجب أن يُقتل من سبَّ الأنبياء ﵈؛ لفضلهم على سائر النَّاس؛ لأنَّ الحدود

стр. 2048

هي عقوباتٌ، وتَلْزَمُ على حسب مراتب من فعل الشيء الَّذِي وجب من أجله الحدّ، وذلك كحدّ الزنا، هو على قدر حرمة الزّاني، وكذلك حدّ القاذف، هو على حسب حرمة المقذوف: (فإن كان حرّاً مسلماً عفيفاً، كان على قاذفه الحدّ. (وإن كان عبداً مسلماً، عوقب قاذفه ولم يُحَد. (وإن كان المقذوف حرّاً كافراً، عُزِّرَ قاذفه ولم يحدّ. فلمَّا كانت الحدود على هذه المراتب، قُتِلَ من سبَّ الأنبياء ﵈؛ لفضلهم على سائر النَّاس. وقد: «سَبَّ رَجُلٌ أَبَا بَكْرٍ الصِّدِيقَ رِضْوَانُ الله عَلَيْهِ وَرَحْمَتُهُ، فَأَرَادَ أَبُو بَرْزَةَ قَتْلَهُ، فَمَنَعَهُ مِنْ ذَلِكَ أَبُو بَكْرٍ، وَقَالَ لَهُ: «أَكُنْتَ تَفْعَلُ»، قَالَ: «نَعَمْ»، قَالَ: فَقَالَ أَبُو بَكْرٍ: «إِنَّهُ لَيْسَ ذَلِكَ لِأَحَدٍ بَعْدَ رَسُولِ الله صَلَّى الله عَلَيْهِ» (١)، فدلَّ هذا على أنَّ من سبَّ الأنبياء ﵈ قُتِل؛ لأنَّ سبه لهم أعظم جرماً من الزِّنا والقتل وأشباه ذلك، إذ هم أعظم حرمةً من انتهاك حرم هذه الأشياء. ولا فرق بين أن يكون من سبَّ الأنبياء ﵈ مسلماً أو كافراً في أَنَّهُ يقتل؛ لأنَّ ذلك حدّه، كما لا فرق في ذلك في وجوب القَوَدِ عليه إذا كان المقتول مسلماً. ووجه قوله: «إنَّ الكافر إذا أسلم سقط عنه القتل»؛ فلأنَّ سبَّ الأنبياء ليس

стр. 2049

أعظم من الكفر، إذ ليس في المعاصي أعظم من الكفر بالله جلَّ وعزَّ وجحدِ إحسانه، فإذا أسلم الكافر، غُفِر ذنبه الَّذِي ارتكبه من الكفر وسقط عنه حكمه، فكذلك يزول عنه حكم سبِّه الأنبياء، وقد قال الله : ﴿قُلْ لِلَّذِينَ كَفَرُوا إِنْ يَنْتَهُوا يُغْفَرْ لَهُمْ مَا قَدْ سَلَفَ﴾ [الأنفال:٣٨]. ••• [٢٣٧٧] مسألة: قال: وإذا قال نصرانيٌّ مشركٌ: «مسكينٌ محمدٌ، هو الآن في الجنَّة، فما له لا ينفع الآن نفسه، إذا كانت الكلاب تأكل رجليه، لو أُحْرِقَ بالنَّار فاستراح كان خيراً له»، فأرى أن تُضْرَبَ رقبته (١). • إِنَّمَا قالَ ذَلِكَ؛ لأنَّهُ قد سبَّ النَّبيَّ صَلَّى الله عَلَيْهِ ونسبه إلى الكذب، فيقتل، إلَّا أن يُسلم على أحد قوليه، على ما بيَّنَّاه (٢). ••• [٢٣٧٨] مسألة: قال: وإذا عمل الرّجل نفسه السِّحرَ، لم يعمله له غيره، السِّحْر الَّذِي ذكره الله تعالى في كتابه: ﴿وَلَقَدْ عَلِمُوا لَمَنِ اشْتَرَاهُ مَا لَهُ فِي الْآخِرَةِ مِنْ خَلَاقٍ﴾ [البقرة:١٠٢]، قُتِلَ، وكان بمنزلة الزِّنديق الَّذِي يُظْهِر الإسلام ويُسِرُّ الكفر، فلا يُستتاب (٣).

стр. 2050

• إِنَّمَا قالَ ذَلِكَ؛ لأنَّ السَّاحر لا يَتَوَصَّلُ إلى عمل السِّحر دون الكفر بالله ، قال الله تعالى: ﴿وَمَا يُعَلِّمَانِ مِنْ أَحَدٍ حَتَّى يَقُولَا إِنَّمَا نَحْنُ فِتْنَةٌ فَلَا تَكْفُرْ﴾ [البقرة:١٠٢]، أي: بتَعَلُّمِ السِّحر. فوجب قتله؛ لأنَّهُ كفرٌ مُسْتَسِرٌّ به، كـ: الزِّنديق والزَّاني والسَّارق وما أشبهه والمحارب إذا قُدِر عليه، ثمَّ تاب، أنَّ عليهم الحدود، فكذلك السَّاحر حدُّه القتل؛ لأنَّ فعله مُسْتَسِرٌّ به. فأمَّا كلُّ فعلٍ ظاهرٍ يجب فيه الحدّ، إذا تاب فاعله قُبِلَ منه، ولم يكن عليه الحدّ، وذلك بمنزلة المسلم إذا ارتدَّ، ثمَّ رجع إلى الإسلام، والمحارِبِ إذا تاب قبل القدرة عليه، أنَّ الحدَّ يسقط عنه، وكذلك القتل عن المرتدِّ يسقط إذا تاب. وقد روى إسماعيل بن مسلمٍ (١)، عن الحسن، عن جندب الخير، أنَّ رسول الله ﷺ قال: «حَدُّ السَّاحِرِ ضَرْبَةٌ بِالسَّيْفِ» (٢). وروى عبد الله، عن نافعٍ، عن ابن عمر: «أَنَّ حَفْصَةَ رَحِمَهَا لله سَحَرَتْهَا جَارِيَتُهَا، فَاعْتَرَفَتْ بِسِحْرِهَا، فَأَمَرَتْ عَبْدَ الرَّحْمَنِ بْنَ زَيْدٍ بْنَ الخَطَّابِ يَقْتُلهَا» (٣). وهذا قول سعيد بن المسيّب، وعمر بن عبد العزيز، وجماعةٌ كثيرة من أهل العلم.

стр. 2051

وروى عوف بن عمارة العنبري (١)، عن بَجَالة (٢) قال: كتب إلينا عمر ﵁: «اقْتُلُوا كُلَّ كَاهِنٍ وسَاحِرٍ» (٣). وهذا قول السَّبعة الفقهاء، وقول الحسن والزّهري. ••• [٢٣٧٩] مسألة: قال: ولا يقتلْ سُحَّارُ أهل الكتاب، إلَّا أن يُدْخِلوا على المسلمين بسحرهم ضرراً لم يُقَادوا عليه (٤). • إِنَّمَا قالَ ذَلِكَ؛ لأنَّ كفرهم ثابتٌ بغير وجه السِّحر، فلا وجه لقتلهم من أجل كفرهم بالسِّحر. فإذا أضرُّوا بالمسلمين، فقد نقضوا العهد؛ لِأَنَّهُم لم يعاهدوا على الإضرار بالمسلمين، فجاز قتلهم لهذه العلَّة. •••

стр. 2052

[٢٣٨٠] مسألة: قال: وإذا أطعمت المرأة إنسانَاً شيئاً في ملحٍ أذهبت به عقله، فمرَّةً يفيق ومرَّةً يَذْهَبُ عقله: فينبح ويرعد، وزعمت: «أَنَّهَا لا تقدر على حَلِّ ذلك؛ لأنَّهُ قد دخل جوفه»، فأراها محفوفَةً بكل شرٍّ. فأمَّا القتل فلا أدري (١). • إِنَّمَا قالَ ذَلِكَ؛ لِأَنَّهَا لم تقتله بهذا الفعل فيجب قتلها، ولا يُعْلَم أنَّهَا تعمَّدت قتله لو مات من هذا الفعل، ولم يصحّ أنَّهَا سحرته بما أطعمته، فوجب أن تُعاقب بفعلها ما لا يجوز لها فعله ولا تقتل. ••• [٢٣٨١] مسألة: قال: ومن غلا في النُّجوم فقال: «فلانٌ يقدم غَدَاً»، أو: «القمر يُكْسَفُ به غداً»، فأرى أن يُزْجَر عن ذلك، وإن عاد أُدِّبَ أَدَباً شديداً. والذي يدَّعِي من علم الغيب شيئاً، يُؤَدَّب أدباً شديداً (٢). • إِنَّمَا قالَ ذَلِكَ؛ لأَنَّ النَّبيَّ صَلَّى الله عَلَيْهِ قد نهى عن النَّظر في النُّجوم، ولا يجوز أن يدَّعِي أحدٌ علم ما يكون في غدٍ؛ لأنَّ الغيب لا يعلمه إلَّا الله، فمن ادَّعى ذلك وجب أن يُؤدَّب ويُزجر عنه؛ لأنَّهُ فعل ما لا يجوز له فعله. •••

стр. 2053

[٢٣٨٢] مسألة: قال: وإذا أسلم الكافر وحَسُنَ إسلامه، ثمَّ كفر، قُتِلَ إن لم يتب، والحرُّ والعبد في ذلك سواءٌ. ومن كان كافراً فأسلم، ثمَّ ارتدَّ، أو كان مسلماً، ثمَّ ارتدَّ، فهو في ذلك سواءٌ (١). • إِنَّمَا قالَ ذَلِكَ؛ لأنَّ الله قال: ﴿قُلْ لِلَّذِينَ كَفَرُوا إِنْ يَنْتَهُوا يُغْفَرْ لَهُمْ مَا قَدْ سَلَفَ﴾ [الأنفال:٣٨]، فإذا أسلم الكافر، غُفِرَ له ما كان قبله، سواءٌ كان مرتدّاً أو كافراً في الأصل. فإن لم يتب المرتدّ قُتِلَ؛ لأنَّ النَّبيَّ صَلَّى الله عَلَيْهِ قال: «مَنْ بَدَّلَ دِينَهُ فَاقْتُلُوهُ» (٢)، وقال: «لَا يَحِلُّ دَمُ امْرِئٍ مُسْلِمٍ يَشْهَدُ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللهُ وَأَنِّي رَسُولُ اللهِ، إِلَّا بِإِحْدَى ثَلَاثٍ: كُفْرٌ بَعْدَ إِيمَانٍ، أَوْ زِناً بَعْدَ إِحْصَانٍ، أَوْ قَتْلُ نَفْسٍ بِغَيْرِ نَفْسٍ» (٣). ولا يجوز بقاء من ارتدَّ عن الإسلام على دينه، كما لا يجوز أخذ الجزية منه، وإنّما يجوز بقاء الكافر على دينه في دار الإسلام، إذا كان مِمَّنْ يجوز أخذ الجزية منه واسترقاقه، فلمَّا لم يجز استرقاق المرأة إذا ارتدَّت، فكذلك لا يجوز بقاؤها وهي مرتدَّةٌ، إمَّا أن تُسلم أو تُقتل، وقد قال رسول الله صَلَّى الله عَلَيْهِ: «مَنْ بَدَّلَ دِينَهُ فَاقْتُلُوهُ»، وهذا عامٌّ. فإن قيل (٤): قد نهى رسول الله صَلَّى الله عَلَيْهِ عن قتل النِّساء والولدان، وهذا عامٌّ؟

стр. 2054

قيل: معنى هذا إذا كانوا أهل حربٍ وكفرٍ؛ لأنَّهُ يجوز استرقاقهم، فَأَمَّا من لا يجوز استرقاقه فلا معنى لتبقيته على ردَّتِه (١). ••• [٢٣٨٣] مسألة: قال: وإذا ارتدَّت المرأة، فإن لم تتب قُتِلت (٢). • إِنَّمَا قالَ ذَلِكَ؛ لعموم قول رسول الله صَلَّى الله عَلَيْهِ: «مَنْ بَدَّلَ دِينَهُ فَاقْتُلُوهُ». ••• [٢٣٨٤] قال: ومعنى حديث النَّبيِّ صَلَّى الله عَلَيْهِ: «مَنْ غَيَّرَ دِينَهُ، فَاضْرِبُوا عُنُقَهُ»: من خرج عن الإسلام إلى غيره، مثل الزَّنادقة وما أشبههم مِمَّنْ يظهر الإسلام ويُسِرُّ الكفر، فإذا قُدِرَ على هؤلاء، قُتِلُوا ولم يستتابوا. ومن خرج من الإسلام إلى غيره فأظهره، استتيب، فإن تاب وإلَّا قُتِلَ.

стр. 2055

ولو كانوا على هذا أَهْل قريةٍ، رأيت أن يُدْعَوا إلى الإسلام، فإن تابوا وإلا قُتِلوا. ولم نَعْنِ بالحديث، مَن انتقل من اليهود والنصارى والمجوس إلى دينٍ غيره (١). • إنَّما قال: «إنَّ الزنديق وما أشبهه مِمَّنْ يُسِرُّ الكفر يقتل»؛ فلأنَّ هذا منافقٌ، وقد قال الله : ﴿يَاأَيُّهَا النَّبِيُّ جَاهِدِ الْكُفَّارَ وَالْمُنَافِقِينَ﴾ [التوبة:٧٣]، وقال: ﴿مَلْعُونِينَ أَيْنَمَا ثُقِفُوا أُخِذُوا وَقُتِّلُوا تَقْتِيلًا﴾ [الأحزاب:٦١]، يعني: المنافقين والمرجفين في المدينة، فوجب قتلهم لهذا العموم. ولأنَّه إعلامةٌ (٢) لنا على صدق ما يذكرونه من إسلامهم؛ لأنَّ ما في القلب لا يعلمه إلَّا الله ، وإنّما يعلم النّاس ظاهر الإنسان دون ما في قلبه، والزِّنديق فلم يكن باطنه كظاهره، ولا يُعْلَم ما في قلبه، وقد قال رسول الله صَلَّى الله عَلَيْهِ: «مَنْ بَدَّلَ دِينَهُ فَاقْتُلُوهُ»، وهذا عامٌّ في كلّ من بدَّل دين الإسلام إلى غيره. فإن قيل (٣): إنَّ النَّبيَّ صَلَّى الله عَلَيْهِ، قال للمقداد: «أَلَا شَقَقْتَ عَنْ قَلْبِهِ»، حين قتل الكافر بعد أن قال الشَّهادة (٤)؟ قيل له: الكافر الَّذِي قتله المقداد كان كفره ظاهراً، فرجع من ظاهرٍ إلى

стр. 2056

ظاهرٍ، ولم نُكَلَّف علم ما في القلب؛ لأنَّا لا نقدر عليه، فإذا رجع من دينٍ ظاهرٍ إلى دينٍ ظاهرٍ، قُبِلَت توبته. فأمَّا إذا أظهر شيئاً وأسرَّ غيره من الكفر، وجب قتله؛ إذ لا دلالة لنا على صِحّة دينه. فإن قيل (١): قد امتنع النَّبيُّ صَلَّى الله عَلَيْهِ من قتل المنافقين مع علمه بأنَّ باطنهم بخلاف ظاهرهم، وقَبِلَ ظَاهرهم، فكذلك يجب أن يُفْعَل ذلك في الزِّنديق وغيره؛ لظاهر قوله: «إنَّه مسلمٌ»، وإن لم نعرف حقيقة قوله؟ قيل له: النَّبيُّ صَلَّى الله عَلَيْهِ قد ترك قتل المنافقين مع علمه باعتقادهم الكفر، ولو علمنا نحن حقيقة اعتقاد الإنسان للكفر وإظهار غيره - أعني: الإسلام -، لَمَا جاز لنا تركه، بل وجب علينا قتله، فقد صار حكم الزِّنديق مخالفاً لحكم المنافقين الَّذِينَ تركهم النَّبيُّ صَلَّى الله عَلَيْهِ. وإَّنما ترك النَّبيُّ صَلَّى الله عَلَيْهِ قتلهم لِمَا قال: «لِئَلَّا يَتَحَدَّثُ النَّاسُ أَنَّ مُحَمَّدَاً يَقْتُلُ أَصْحَابَهُ» (٢)، معناه: فيمتنعون من الدّخول في الإسلام إذا سمعوا أنَّ محمَّداً يقتل أصحابه مع ظاهر إسلامهم، فلهذه العلّة لم يقتلهم النَّبيُّ صَلَّى الله عَلَيْهِ. ولأنَّه لم يَعْلَمْ نفاقهم غيره، ولا يجوز للحاكم أن يحكم بعلمه أيضاً.

стр. 2057

وروى سفيان بن عيينه، حدثنا أيوبٌ، عن عكرمة، عن ابن عباسٍ، قال: «مَنْ بَدَّلَ دِينَهُ فَاقْتُلُوهُ» (١). وروى الثوري، عن عكرمة (٢)، عن ابن عباس: «لَمَّا بَلَغَهُ أَنَّ عَلِيّاً رِضْوَانُ الله عَلَيْهِ أَخَذَ زَنَادِقَةً فَأَحْرَقَهُمْ، قَالَ: أَمَا لَوْ كُنْتُ، لَمْ أُعَذِبْهُمْ بِعَذَابِ الله ، وَلَوْ كُنْتُ أَنَا لَقَتَلْتُهُمْ؛ لِقَوْلِ رَسُولِ الله صَلَّى الله عَلَيْهِ: مَنْ بَدَّلَ دِينَهُ فَاقْتُلُوهُ» (٣). وروى أحمد بن حنبل، حدّثنا هشيم، أخبرنا إسماعيل بن سالم (٤)، عن أبي إدريسٍ، قال: «أُتِيَ عَلِيٌّ ﵁ بِأُنَاسٍ مِنَ الزَّنَادِقَةِ قَدِ ارْتَدُّوا عَنِ الإِسْلَامِ وَجَحَدُوا، فَقَامَتْ عَلَيْهِمُ البَيِّنَةُ، فَقَتَلَهُمْ وَلَمْ يَسْتَتِبْهُمْ، وَأُتِيَ بِرَجُلٍ نَصْرَانِيٍّ فَأَسْلَمَ، ثمَّ رَجَعَ، فَاسْتَتَابَهُ فَتَابَ فَتَرَكَهُ» (٥).

стр. 2058

وروى اللّيث بن سعدٍ، عن عبد ربه بن شعبة (١) عن الزّهري قال: «الزنديق يقتل ولا يستتاب» (٢). ومما يدلّ على أنَّ الزنديق يقتل ولا يستتاب، أنَّ الزنديق مستسرٌّ بكفره، ووجدنا كلّ مستسِرٍّ بفعله إذا تاب لم يسقط عنه الحدّ الَّذِي أوجبه فعله، وذلك مثل الزّاني والسّارق، فكذلك الزِّنديق مثله. فأمَّا من كان فعله ظاهراً، ثمَّ تاب، قُبِلَ ذلك منه وسقط عنه حدّ ذلك الفعل، وذلك مثل المرتدّ عن الإسلام إلى دينٍ يُظهره، والمحارب القاطع للطَّريق إذا تاب قبل القدرة، أنَّ الحدّ يسقط عنه. ••• [٢٣٨٥] مسألة: قال: ومن تنَبَّأَ قُتِلَ (٣). • إِنَّمَا قالَ ذَلِكَ؛ لأنَّ المتَنَبِّئ كاذبٌ على الله ، مغيِّرٌ لشريعته، فكان فعله أعظم وضرره أكثر من ضرر القاتل والزّاني الَّذِي يجب قتلهما، وكذلك القاتل للنَّفس الَّذِي يجب قتله، فوجب أن يُقتَلَ المتنبِّئ لهذه العلِّة. وقد أحلَّ الله تعالى القتل بالفساد في الأرض، بقوله جَلَّ وَعَزَّ: ﴿مِنْ أَجْلِ

стр. 2059

ذَلِكَ كَتَبْنَا عَلَى بَنِي إِسْرَائِيلَ أَنَّهُ مَنْ قَتَلَ نَفْسًا بِغَيْرِ نَفْسٍ أَوْ فَسَادٍ فِي الْأَرْضِ فَكَأَنَّمَا قَتَلَ النَّاسَ جَمِيعًا وَمَنْ أَحْيَاهَا فَكَأَنَّمَا أَحْيَا النَّاسَ جَمِيعًا﴾ [المائدة:٣٢]، وقد قال رسول الله ﷺ : «لَا تَقُومُ السَّاعَةُ حَتَّى يخْرُجَ ثَلَاثُونَ دَجَّالَاً، كلّهم يَزْعُمُ أَنَّهُ نَبِيٌّ» (١)، وفي خبرٍ: «فَاضْرِبُوا عُنُقَهُ» (٢). وقال النَّبيُّ صَلَّى الله عَلَيْهِ: «مَنْ خَرَجَ عَلَى أُمَّتِي يُفَرِّقُ جَمِيعَهُمْ، وَيُشَتِّتُ كَلِمَتَهُمْ، فَاضْرِبُوا عُنُقَهُ، كَائِنَاً مَنْ كَانَ» (٣)، فلمَّا أمر النَّبيُّ صَلَّى الله عَلَيْهِ بقتل هذا من أجل إفساده أَمْرَ أمَّتِه، كان قَتْلُ من ادَّعَى النُّبُوَّةَ أولى؛ لعظم فساده وضرره. ••• [٢٣٨٦] مسألة: قال: وإذا ارتدَّ العبد، فعلى سيِّده أن يرفعه إلى السُّلطان (٤). • إِنَّمَا قالَ ذَلِكَ؛ لأنَّهُ لا يجوز له قتله دون الإمام؛ لأنَّ الإمام هو الَّذِي يقيم الحدود على النَّاس، ويأخذ حقوق بعضهم من بعضٍ. ••• [٢٣٨٧] مَسْأَلَةٌ: قَالَ: وَيُسْتَتَابُ القَدَرِيُّ: بِأَنْ يُؤْمَرَ بِتَرْكِ مَا هُوَ عَلَيْهِ، فَإِنْ تَابَ وَإِلَّا قُتِلَ (٥).

стр. 2060

إِنَّمَا قالَ ذَلِكَ؛ لأنَّهُ قد أَبْدَعَ شيئاً يؤدِّي إلى فساد الدِّين، فوجب قتله إن لم يتب؛ لأنَّ مراعاة أمر الدِّين بإزالة الفساد فيه، أولى من مراعاة أمر الدُّنيا. وقد أباح الله جل ثناؤه القتل في إفساد المال، وهو قتل المحارب اللّص بِأَخْذِهِ المالَ وإفساد الطَّريق؛ لأنَّ في فعله ضرراً على النّاس، فكذلك كلُّ ذي بدعةٍ فيه ضررٌ على النّاس في دينهم؛ لِأَنَّهُم يقتدون به ويأخذون عنه (١). وكذلك يقول مالكٌ في كلّ ذي بدعةٍ: «إَنَّهُ يُستتاب، فإن تاب وإلا قُتِل». وقال ابن القاسم وابن وهبٍ وابن عبد الحكم عن مالكٍ: «يستتاب الإباضية، فإن تابوا وإلا قُتِلُوا». قيل لابن القاسم: هذا رأي مالكٍ في الإباضية وفي سائر أهل البدع؟ قال: هذا رأي مالكٍ في الإباضية وفي سائر أهل البدع. وقال مالكٌ، عن عمِّه أبي سهيل، قال: سألني عمر بن عبد العزيز، ما ترى في القدرية؟ فقلت: أرى أن تستتيبهم، فإن تابوا وإلّا عرضتهم على السّيف. فقال عمر: ذلك رأيي. قال مالك: وذلك رأيي (٢).

стр. 2061

وقال عبد الرزاق: سألت مالكاً عن القدريّ، من هو؟ فقال: الَّذِي يقول: «إنَّ الله لا يعلم الشّيء حَتَّى يكون»، وقد قال رسول الله صَلَّى الله عَلَيْهِ: «القَدَرِيَّةُ مَجُوسُ هَذِهِ الأُمَّةِ» (١). ••• [٢٣٨٨] مسألة: قال: وإذا أسلم النَّصرانيُّ، فلم يمكث إلَّا يسيراً حَتَّى ارتدَّ، وزعم أنَّ ذلك من ضيقٍ، فإن عُلِمَ أَنَّهُ من ضيقٍ عليه أو ضَرْبٍ أو عَذَابٍ، فعسى أن يُعْذَرَ (٢). • إِنَّمَا قالَ ذَلِكَ؛ لأنَّ هذا كأنَّه بمنزلة المكره إذا ارتدَّ من ضيقٍ أو عذابٍ، فلا يقتل إذا رجع إلى الإسلام. ••• [٢٣٨٩] مسألة: قال: وإذا أسلم الغلام وهو ابن عشر سنين أو اثنتي عشرة سنةً، ثمَّ ارتدَّ عن الإسلام، أُجْبِرَ على الإسلام، ويُضرب ويُهدَّد على ما أحبّ أو كره (٣). • إِنَّمَا قالَ ذَلِكَ؛ لأنَّ رجوعه عن الإسلام بعد أن أسلم فعلٌ غير جائزٍ، فوجب أن يُضرب، كما يجوز ضربه على فعل ما لا يجوز، وقد قال رسول الله

стр. 2062

صَلَّى الله عَلَيْهِ في الصبيان: «مُرُوهُمْ بِالصَّلَاةِ لِسَبْعٍ، وَاضْرِبُوهُمْ عَلَيْهَا لِعَشْرٍ» (١)، فجاز ضربهم لتركهم ما قد أُمِروا بفعله، فكذلك يُضرب إذا ترك الإسلام الَّذِي دخل فيه، حَتَّى يرجع إليه. فأمَّا قتله فغير جائزٍ؛ لأنَّ فعل الصَّبيِّ، عَنْ غَيْرِ قَصْدٍ صَحِيحٍ، حَتَّى يبلغ ويميِّزَ. ألا ترى: أَنَّهُ لا يُقْتَلُ إذا قَتَلَ، ولا يُحَدُّ إذا زنا. ••• [٢٣٩٠] مسألة: قال: وإذا أسلم النَّصرانيَّ وله ولدٌ صغارٌ، فأقرَّهم على النَّصرانية حَتَّى بلغوا، فلا يجبرهم الإمام على الإسلام. وقاله ابن القاسم. وقال أشهب: يُجْبَرون على الإسلام (٢). • معنى هذا إذا كانوا يُمَيِّزون، مثل بني سبعٍ وثماني سنين، فأمَّا إذا كانوا غير مميِّزين، فهم مسلمون بإسلام الأب؛ لأنَّ حكمهم حكم أبيهم، كذلك قال مالكٌ. ووجه قول أشهب: هو أنَّ حكم الإسلام قد لزمهم بإسلام أبيهم إذا كانوا صغاراً، فوجب جبرهم على الإسلام إذا امتنعوا.

стр. 2063

ويحتمل أن يقال: إنّهم يُقتلون إذا بلغوا. وكذلك من أسلم وهو غلامٌ دون أبيه، ثمَّ ارتدَّ، يُحتمل أن يقال: يُقْتَلُ إذا بلغ إذا لم يرجع إلى الإسلام، وهذا هو القياس، أَنَّهُ يقتل إذا بلغ متى لم يرجع إلى الإسلام؛ لأنَّ حكم الإسلام قد لزمه. ••• [٢٣٩١] مسألة: قال: وإذا أُعْتِقَتِ الأمة النَّصرانيَّة، فرجعت إلى بلادها، وقد كانت أسلمت واشتراها المسلمون فقَدِمُوا بها، فإن كانت ارتدَّت، استتيبت، فإنْ رجعت إلى الإسلام وإلَّا قُتِلت (١). • إِنَّمَا قالَ ذَلِكَ؛ لأنَّ أحكام الإسلام وحرمته قد ثبت لها، فإن رجعت وإلا قُتِلت، وقال رسول الله صَلَّى الله عَلَيْهِ: «مَنْ تَرَكَ دِينَهُ فَاقْتُلُوهُ» (٢). ••• [٢٣٩٢] مسألة: قال: وإذا رجع المرتدُّ إلى الإسلام، فلا ضرب عليه. وحَسَنٌ أن يُتْرَك المرتدُّ ثلاثة أيَّامٍ، وإنَّ ذلك ليعجبني (٣). إِنَّمَا قالَ ذَلِكَ؛ لأنَّ الله قال: ﴿قُلْ لِلَّذِينَ كَفَرُوا إِنْ يَنْتَهُوا يُغْفَرْ لَهُمْ مَا قَدْ سَلَفَ﴾ [الأنفال:٣٨]، وهذا على عمومه في كلّ كافرٍ.

стр. 2064

فأمَّا استتابته ثلاثة أيامٍ؛ فلجواز أن يرجع فيها إلى الإسلام. وقد أنظر الله من استحقَّ العذاب ثلاثة أيامٍ بقوله: ﴿تَمَتَّعُوا فِي دَارِكُمْ ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ ذَلِكَ وَعْدٌ غَيْرُ مَكْذُوبٍ﴾ [هود:٦٥]. وروى ابن عيينة، عن محمد بن عبد الرحمن (١)، عن أبيه (٢)، قال: «لَمَّا قَدِمَ عَلَى عُمَرَ ﵀ فَتْحُ تُسْتَرَ، قَالُوا: رَجُلٌ مِنَ المُسْلِمِينَ لَحِقَ بِالمُشْرِكِينَ فَقَتَلْنَاهُ، فَقَالَ: أَلَا أَدْخَلْتُمُوهُ بَيْتَاً وَأَغْلَقْتُمْ عَلَيْهِ بَابَاً وَأَطْعَمْتُمُوهُ كُلَّ يَوْمٍ رَغِيفَاً، ثمَّ اسْتَتَبْتُمُوهُ ثَلَاثَاً، فَإِنْ تَابَ وَإِلَّا قَتَلْتُمُوهُ، اللَّهُمَّ لَمْ آمُرْ وَلَمْ أَرْضَ؛ إِذْ بَلَغَنِي» (٣). ••• [٢٣٩٣] مسألة: قال: وإذا قطع المحارب الطَّرِيقَ، ونَفَرَ بالنَّاس في كلّ مكانٍ، وأخاف السَّبيل، وذهب بالأموال، ثمَّ ظُهِرَ عليه قبل أن يأتي تائباً، رأى السُّلطان رأيه: إن شاء قَتَلَ، وإن شاء صَلَبَ، وإن شاء نَفَى، ويستشير في ذلك (٤). •••

стр. 2065

[٢٣٩٤] مسألة: قال: وإذا قتَلَ اللُّصوصَ القتيلَ، ثمَّ أُخِذوا، لَمْ يُدْرَ مَنْ قَتَلَ، فالإمام فيهم مخيَّرٌ: إن شاء قتلهم، وإن شاء صلبهم. وليس المحاربون كلّهم سواءً: منهم من يجرح بالسِّلاح والنَّبل والسُّيوف، ومنهم من لا يجرح إلَّا بحديدةٍ. ومنهم من يطول زمانه، ومنهم حديث العهد لم يفعل ذلك إلَّا مرّةً أو نحو ذلك. ومنهم من قتل وسلب، ومنهم من سلب ولم يقتل. فينبغي أن يَجْتَهِدَ في مثل هذا ولا يجعلُهم سواءً، لكلٍّ من العقوبة بقدر ما جنى، ويستشير في ذلك أهل الرأي والفقه، فما أجمعوا عليه فعله. والمعلن بمحاربته والمستخفي [بهـ]ـا (١) سواءٌ (٢). • إِنَّمَا قالَ ذَلِكَ؛ لأنَّ الله جل ثناؤه، قال: ﴿إِنَّمَا جَزَاءُ الَّذِينَ يُحَارِبُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَيَسْعَوْنَ فِي الْأَرْضِ فَسَادًا أَنْ يُقَتَّلُوا أَوْ يُصَلَّبُوا أَوْ تُقَطَّعَ أَيْدِيهِمْ وَأَرْجُلُهُمْ مِنْ خِلَافٍ أَوْ يُنْفَوْا مِنَ الْأَرْضِ﴾ [المائدة:٣٣] فجعل الله الإمام الَّذِي يقيم عليهم الحدَّ مُخَيَّراً أن يقيم الحدّ الَّذِي يراه صلاحاً للمسلمين في إقامته.

стр. 2066

• فإن كان المحارب مِمَّنْ له الرَّأي والتَّدبير، ويجتمع جماعة اللُّصوص إليه وهو فيهم، فهذا يجب (١)؛ لأنَّ في قتله صلاحاً للمسلمين. • وإن كان مِمَّنْ في يديه فضلٌ وقوّةٌ، ولا رأي له ولا اجتماع إليه، فهذا في قطعه صلاحٌ للنَّاس؛ ليكفَّ عنهم شره. • وإن كان مِمَّنْ لا رأي له ولا قوة، نفاه. ويفعل الإمام في ذلك ما هو صلاحٌ للمسلمين ونظرٌ لهم، ويشاور في ذلك أهل الرَّأي والعلم كما قاله مالكٌ. والدَّليل على صِحّة هذا القول بتخيير الإمام في ذلك، قوله : ﴿أَنْ يُقَتَّلُوا أَوْ يُصَلَّبُوا﴾ [المائدة:٣٣]، و «أو» في ظاهر لسان العرب للتَّخيير، هذا أصلها وظاهرها، لا يُنتقل إلى غيرها إلَّا بدلالةٍ. فأمَّا وجهه من جهة المعنى، فإنَّ الله جلَّ وعزَّ إِنَّمَا أراد بإقامة الحدود عليهم ردعاً لهم، فأيُّ شيءٍ كان أردع لهم أقيم عليهم. ولم يجز أن يُرَدَّ ذلك إلى السّرق في القطع، كما لم يجز أن يرد حكم القطع إلى السَّرق. ألا ترى: أنَّ السَّارق تُقطع يده دون رجله، وليس كذلك المحارب، بل تقطع يده ورجله من خلافٍ، وإذا لم يجز أن يُرَدَّ القطع إلى القطع، كذلك لا يجوز ردُّ الحال إلى الحال.

стр. 2067

فإن قيل (١): فأنت تقتله إذا قتل، ولا تقول: إنَّ الإمام مخيَّرٌ فيه متى قتل؟ قيل له: التَّخيير في الآية إِنَّمَا هو إذا لم يكن القتل، فَأَمَّا إذا وقع القتل فلا تخيير؛ لأنَّ فقهاء المسلمين قد اتَّفقوا على أنَّ المراد بالآية ليس إذا وقع القتل، وليس إذا قامت الدّلالة على خروج شيءٍ من ظاهر آيةٍ وعمومها، وجب أن يخرج غيره بغير دلالةٍ. والتخيير للإمام عند مالكٍ إِنَّمَا هو على (٢)

стр. 2068

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .

стр. 2069

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .

стр. 2070

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
следующие страницы →