• إِنَّمَا قالَ ذَلِكَ؛ لِمَا ذكرناه على أحد القولين (١)؛ لأنَّهُ يقول: «أريد أن يعتق بعتقي؛ ليرثني وأرِثُهُ».
•••
[٢٧٧٧] مسألة: قال: فإن مات المكاتَب وكان له مالٌ، أُدِّيَ عن ولده نجماً نجماً حَتَّى يبلغوا السّعي، ثمَّ يسعون إن كانوا أُمناء، ويُدْفع المال إليهم.
وإن لم يكونوا مأمونين، أُدِّيَ عنهم نجماً نجماً حَتَّى ينفد (٢).
• إنَّمَا قال: «يُدْفَع إليهم المال»؛ لأنَّهُ حقٌّ قد وجب لهم، فيُدفع إليهم لينتفعوا به ويتصرَّفوا فيه ويُؤَدُّوا منه الكتابة إن كانوا أمناء.
فإن كانوا غير مأمونين، لم يُدْفَع ذلك إليهم؛ لأنَّ في ذلك إتلاف حقٍّ للسَّيِّد، وفيه ضررٌ عليهم أيضاً.
ولكن يؤدَّى عنهم نجماً نجماً؛ لأنَّ في ذلك صلاحاً لهم وللسيِّد، فوجب فعله، وقد قال الله : ﴿إِنْ أُرِيدُ إِلَّا الْإِصْلَاحَ مَا اسْتَطَعْتُ﴾ [هود:٨٨].
•••
[٢٧٧٨] مسألة: وإذا كاتب الرّجل عبدين، جَعَلَ (٣) على كلِّ واحدٍ منهما من الكتابة بقدر الاجتهاد.
стр. 2347
وكذلك إذا أوصى بكتابة عبدٍ، كوتب على قدر حاله وقوَّتِهِ، وعلى قدر ناحيته (١).
• إِنَّمَا قالَ ذَلِكَ؛ لأنَّ قدر كتابة كلّ واحدٍ منهما هو العدل، وعلى ذلك دخلا، فوجب أن يُلْزِمَ كلّ واحدٍ من الكتابة بقدر ما يحصُّه من ذلك، ويُلْزِمُهُ بالإنصاف والعدل، ولا يحمل لأحدهما على الآخر.
•••
[٢٧٧٩] مسألة: قال: ومن كان له وصيفٌ وله أبٌ حرٌّ، فكاتب أبوه عنه وضَمِنَ ذلك: يؤدّيها على النُّجوم، فلا خير في ذلك؛ لأنَّهُ إن عجز ذهب ماله باطلاً (٢).
• إِنَّمَا قالَ ذَلِكَ؛ لأنَّ الحمالة في الكتابة لا تجوز؛ لِأَنَّهَا ليست بدينٍ ثابتٍ.
ولو أدَّى الحميل عنه ثمَّ عجز المُكَاتَبُ، لم يرجع الحميل على المكاتب بشيءٍ؛ لأنَّ الكتابة تسقط عنه بالعجز.
فهذا معنى قول مالكٍ: «يذهب ماله باطلاً».
•••
[٢٧٨٠] مسألة: قال: ومن كاتب على نفسه وبنيه، ثمَّ مات، سعى بنوه، ولم يوضع عنهم لموت أبيهم شيءٌ.
стр. 2348
وإذا كانوا صغاراً لا سعاية فيهم، لم يُنْتَظَر بهم ورَقُّوا.
وقد قيل: لا يَرِقُّوا حَتَّى يُرفَعُوا إلى السّلطان، وذلك أحبّ إلينا (١).
• إنَّمَا قال: «لا يُوضع عنهم شيءٌ بموت أبيهم»؛ لأنَّ الكتابة عتقٌ بصفةِ الأداء، وعلى ذلك دخلوا، فمتى لم يؤدُّوا كلّ ما دخلوا عليه، لم يكن لهم العتق.
وقوله: «إذا كانوا صغاراً لا سعاية فيهم، أنَّهم قد رقّوا»؛ فلأنَّهم قد عجزوا عن التَّصرف، وعجزهم ظاهرٌ ليس فيه إشكالٌ، فلم يُحتج إلى رفعهم إلى الإمام.
ووجه قوله الآخر: هو أنَّ الكتابة عقد حريَّةٍ، لا يرفعها غير الحاكم، حَتَّى ينظُرَ في ذلك؛ لجواز أن لا يكون هناك عجزٌ منهم.
•••
[٢٧٨١] مسألة: قال: وإذا ترك ولداً وأمَّ ولدٍ ومالاً، فأرادت أن تسعى عنهم وكانت مأمونةً قويَّةً على السَّعي، فذلك لها، وإن لم تكن كذلك، لم تعطَ شيئاً، ورَقَّت هي وولده.
وإن لم يترك مالاً غير أمِّ ولده، رقَّتْ ولم تسع، ولا عتق لها (٢).
• إنَّمَا قال: «إنَّها تسعى»؛ لأنَّ في سعيها عتقاً للولد الَّذِينَ قد ثبت لهم عقد حريَّةٍ، وهي تبعٌ لهم، فجائزٌ سعيها عنهم؛ لبقاء من ثبت له عقد الكتابة.
стр. 2349
فأمَّا إذا لم يكن هناك ولدٌ، رَقَّت؛ لِأَنَّهَا ليست مِمَّنْ عُقِد عليها الكتابة، ولا حكمُهَا حُكْمُ مَنْ عُقِد عليه، وإنّما هي مال المكاتب يتبعه في الكتابة، كما يتبعه سائر ماله.
•••
[٢٧٨٢] قال: وإذا خِيف على ولده العجز، بيعت أمُّ ولد أبيهم - كانت أمُّهم أو غير أمّهم -، وَكَذَلِكَ الأَبُ لَمْ يَكُنْ يَمْنَعُ بَيْعَهَا إذا خاف على نفسه.
وإن لم يكن في ثمنها ما يؤدوا حَتَّى يبلغوا، رَقُّوا جميعاً (١).
• لأنَّ في ذلك منفعةً (٢) لهم ومعونةً على العتق، فجاز بيعها؛ لِأَنَّهَا مالٌ من مال أبيهم، وسواءٌ كانت أمّهم أو غير أمّهم، فجاز لهم بيعها كما كان يجوز لأبيهم إذا خاف العجز.
•••
[٢٧٨٣] مسألة: قال: وإذا عجز المكاتَبُ عن نجمٍ، لم يَرِقَّ حَتَّى يؤجَّلَ أجلاً (٣).
• إِنَّمَا قالَ ذَلِكَ؛ لجواز أن يؤدِّي كتابته بعد يسيرٍ.
стр. 2350
ولأنَّ عجزه لا يجوز إلَّا عند السُّلطان.
•••
[٢٧٨٤] مسألة: قال: والمكاتَبُ إذا خاف العجز عن نجمٍ - وإن لم يكن آخر نجومه -، فله أن يبيع أمَّ ولده، ويبيعها من غير مؤامرة السّلطان.
وليس يُضْرَبُ له أجلٌ في نجمه إذا كانت له أمُّ ولدٍ (١).
• إِنَّمَا قالَ ذَلِكَ؛ لِأَنَّهَا مالٌ من ماله، ولم يثبت لها عقد حريَّة مستقرَّةٍ، فجاز له بيعها في أوَّل نجمٍ وآخره.
ولم يحتج إلى ضرب أجلٍ له؛ لأنَّهُ مِمَّنْ يقدر على الأداء ببيع أمِّ ولده.
•••
[٢٧٨٥] مسألة: قال: ولا يبيع المكاتَبُ ولدَهُ إذا عَجِزَ.
وإن اشترى المكاتَبُ ابْنَهُ، ثمَّ عجز، فليس له أن يبيعه، ويَدْخُلُ معه في كتابته إذا كان شراؤه بإذن سيِّده.
وكذلك أبوه، لا يشتريه إلَّا بإذن سيِّده، فإن اشتراه بإذنه كان مُكاتَبَاً معه (٢).
• إِنَّمَا قالَ ذَلِكَ؛ لأنَّهُ لا يملك ولده، وهم عبيدٌ لسيِّده، سواءٌ كانوا معه في الكتابة أو اشتراهم بعد كتابته.
стр. 2351
فأمَّا قوله: «إنَّهم يدخلون معه في كتابته إذا اشتراهم بإذن سيِّدهم»؛ فلأنَّ كلَّ من مَلَكَ ولده صار حُكْمُهُ حُكْمَهُ؛ بدلالة: أنَّ الحر إذا ملك ولده صار حرّاً مثله، فكذلك يجب أن يكون ولد المكاتب إذا ملكه مثله.
وكذلك أبوه، يصير حُكْمُهُ حُكْمَهُ إذا اشتراه وهو مُكَاتبٌ، كما أنَّه إذا كان حرّاً فاشترى أباه صار حُرّاً مثله.
•••
[٢٧٨٦] قال: وإذا هلك المكاتَبُ وله أولادٌ صغارٌ، فأراد عمُّهم القيام بكتابتهم، فلا تجوز حمالةٌ في مثل هذا.
وإن ترك مالاً يُبَلِّغُهُم الحُلَمَ والقوَّةَ على العمل: حُكِمَ عليه أو تَجَرَ بِهَ، وأدَّى عَنْهُمْ مِنْهُ نجماً نجماً حَتَّى يبلغوا من ذلك، ولا يُدفَع إلى سيِّدهم.
وإن لم يكن فيه ما يُبَلِّغُهُمْ، رَقُّوا (١).
• إنَّمَا قال: «لا تجوز الحمالة في الكتابة»؛ لِأَنَّهَا ليست بدينٍ ثابتٍ على المُكَاتَبِ.
ألا ترى: أَنَّهُ لو عجز سقطت عنه، ولو أدَّاها عنه الحميل، ثمَّ عجز، لَمَا جاز أن يرجع عليه بشيءٍ، وذلك غررٌ.
وقوله: «إنَّه يَعْمَلَ بمال المكاتب ما وَصَفَهُ»؛ فلأنَّ في ذلك نظراً لولده
стр. 2352
الأصاغر؛ لأنَّ في ذلك معونةً لهم على العتق، ونظراً لسيِّده أيضاً؛ لأنَّ في ذلك أخذ حقِّه من الكتابة.
ولا يُدْفَعُ إلى سيِّده مع إمكان تصرّفهم فيه؛ لأنَّ في ذلك عجزهم.
فأمَّا إذا لم يكن مَنْ يَتَصَرَّفُ فيه ويسعى في عتقهم، دُفِعَ إلى سيِّدهم ورَقُّوا؛ لِأَنَّهُم قد عجزوا عن السَّعي.
•••
[٢٧٨٧] مسألة: قال: وليس للسيِّد أن يمنع مكاتبه أن يدَّان فيقضيه نجومه، وله أن يمنعه أن يدَّان في سَفَهٍ أو فَسَادٍ.
وليس لسيِّده أن يأبى أن يقبل الكتابة مِمَّنْ أعطاه إيَّاها مِنَ الخَلْقِ عن عبده (١).
• إِنَّمَا قالَ ذَلِكَ؛ لأنَّ العبد بكتابة سيّده له صار مأذوناً له في التِّجارة والتَّصرف، فله أن يستدين فيما كان صلاحاً له، مِمَّا يؤدّي إلى عتقه والزّيادة في ماله.
فأمَّا في السَّفَه والفساد، فلم يأذن له فيه سيّده، فلا يجوز له أن يستدين في ذلك.
وقوله: «إنَّ على السَّيِّد قبول الكتابة مِمَّنْ أعطاها عن عبده»؛ فلأنَّ الكتابة عقد حريّةٍ بصفة الأداء، فكلُّ من أدَّى إلى السَّيِّد الكتابة عن عبده، فقد جاءت (٢)
стр. 2353
صفة العتق، فلزمه قبولها؛ لأنَّ غرض السيّد في الكتابة أخذ المال، فإذا دُفِع إليه، وجب عليه قبوله، وصار المكاتب حُرّاً.
•••
[٢٧٨٨] مسألة: قال: ولا يدخل مع المُكَاتَبِ أخوه إذا اشتراه، ولا يدخل معه إلّا الولد والوالد (١).
• إِنَّمَا قالَ ذَلِكَ؛ لأنَّ الأخ لَمَّا ضعفت حرمته عن الأب والابن، وضعفت أيضاً حرمة الكتابة عن العتق، لم يجب أن يساويه فيها كما يساويه في الحريَّة إذا ملكه.
وحكى أشهب عن مالكٍ (٢): أنَّ الإخوة يدخلون معه في الكتابة إذا اشتراهم، وهو أقيس (٣).
وذلك أنَّ كلّ من يعتق على الحرِّ إذا ملكه، يدخل مع المكاتَبِ في كتابته إذا
стр. 2354
ملكه واشتراه بإذن سيّده؛ لأنَّهُ لَمَّا وجب أن يساويه في الحريَّة إذا ملَكَه، وجب أن يساويه في عقد الحريّة إذا ملَكَه، وسواءٌ كان ذلك عقد كتابةٍ أو غيرها.
•••
[٢٧٨٩] مسألة: قال: وإذا مات المكاتَبُ وترك ولداً وأمَّ ولدٍ، فسعوا، ثمَّ هلكوا وتركوا أموالاً فيها وفاءٌ، وتركوا أُمَّهم، فهي أَمَةٌ، وما تركوا من المال لسيِّدهم (١).
• إِنَّمَا قالَ ذَلِكَ؛ لأنَّهُ لم يَبْقَ أحدٌ مِمَّنْ ثبت له عقد الكتابة ولا وجب له حكمها؛ لأنَّ أمّ ولد المكاتب تبعٌ له ولم يقع عليها عقد كتابةٍ.
ألا ترى: أنَّهَا تباع إذا احتاج المكاتَبُ أو وَلَدُهُ إلى بيعها.
•••
[٢٧٩٠] مسألة: قال: وإذا ترك المكاتَبُ ولداً ومالاً ليس فيه وفاءٌ من كتابته، دُفِعَ ذلك إليهم إذا كانوا مأمونين.
وإن ترك مالاً فيه وفاءٌ، فَدَعَوا إلى أخذه والقيام بالنُّجُومِ، فليس ذلك لهم (٢).
• إنَّمَا قال: «إنَّ مال المكاتب يُدْفَعُ إلى ولده إذا كانوا أمناء؛ ليسعوا فيه»؛ فلأنَّه قد وجب لهم من عقد الكتابة ما وجب لأبيهم، فكان لهم أن يَسْعَوا في ماله ليؤدُّوا الكتابة، كما كان يسعى أبوهم.
стр. 2355
فإن كان في المال وفاءٌ بالكتابة، أخذه السَّيِّد بكتابته وعَتَقُوا، ولم يُدفع إليهم ليؤدُّوه على نجومه؛ خيفة أن يتلفوه فيبطل حقّ السَّيِّد ولا يحصل لهم عتقٌ.
فإن كانوا غير مأمونين، فليس على السَّيِّد دفع ذلك إليهم، وله أخذ المال؛ لأنَّهم قد عجزوا عن السَّعي ورجعوا عبيداً له.
•••
[٢٧٩١] مسألة: قال: وإذا أعْتَقَ المكاتَبُ عبدَهُ أو تصدَّق بشيءٍ من ماله، ولم يعلم بذلك سيِّده حَتَّى عَتَقَ المُكَاتَبُ، نَفَذَ ذلك عليه.
وإن علم السَّيِّد قبل ذلك فرده، ثمَّ عَتَقَ المكاتَبُ، لم يكن عليه إخراجه، إلَّا أن يفعل ذلك من عند نفسه (١).
• إِنَّمَا قالَ ذَلِكَ؛ لأنَّ المكاتَبَ إِنَّمَا كان ممنوعاً من العتق والصَّدقة من أجل حقِّ سيِّده، فإذا زال ذلك عنه، نفذ عليه، كالمدين إذا أَعْتَقَ، ثمَّ قضى الدَّين بعد العتق، نفَذ عتقه.
وإن ردَّ السيّد بطل ذلك، كما يُرَدُّ عتق الموَلَّى عليه إذا أَعْتَقَ.
ولا يلزم المكاتَبَ عتقُ من أعتق بعد ذلك، كما لا يلزم المحجورَ عتق ما أعتقه في حال الحجر، وكذلك السَّفيه والعبد إذا أعتقا في حال الحجر والعبودية،
стр. 2356
فليس يلزم كلّ واحدٍ منهما تنفيذ ما أعتقه إذا ولِيَ نفسه بالرُّشْدِ أو الحريّة، إذا كان من يلي عليهما قد ردَّه، مِنَ: السيّد والوصيّ.
•••
[٢٧٩٢] مسألة: قال: ولا بأس أن يُكاتِبَ المكاتَبُ عبدَهُ على وجه الرّغبة وطلب المال، فإن كان ذلك لمحاباةٍ، فلا يجوز (١).
• إِنَّمَا قالَ ذَلِكَ؛ لأنَّ كتابة المكاتَبِ عبدَهُ على وجه الرَّغبة وطلب المال، ضربٌ من المتاجرة، وذلك جائزٌ له؛ لأنَّ سيِّده قد أذن له في ذلك.
فأمَّا إذا كان فيها محاباةٌ أو عتقٌ بغير عوضٍ، فلا يجوز ذلك؛ لأنَّهُ إخراج مالٍ بغير عوضٍ، ولم يأذن له سيِّده في ذلك.
•••
[٢٧٩٣] مسألة: قال: ولا يجوز للمكاتَبِ أن يُعْتِقَ عبدَهُ إلَّا بإذن سيِّدِه، فإن أذن له، ثمَّ عَتَقَ المُكَاتَبُ، كان ولاؤه له، وإن مات المكاتَبُ قبل أن يَعْتَقَ، كان ولاؤه لسيِّدِ المكاتَبِ.
وإن مات المُعْتَقُ قبل أن يَعْتَقَ المكاتَبُ، ورثة سيِّد المكاتَبِ.
وكذلك المكاتَبُ يكاتِبُ عبدَهُ فيَعْتَقُ مَكَاتَبُهُ قَبْلَهُ، فولاؤه لسيِّده، فإن عَتَقَ رجع إليه.
стр. 2357
وإن مات قبل أن يؤدِّي وله ولدٌ أحرارٌ، لم يرثوا وَلَاءَ مُكَاتَبِ أبيهِمْ؛ لأنَّهُ لم يثبت لأبيهم ولاءٌ، ولا يثبت ولاءٌ حَتَّى يَعْتَقَ (١).
• إنَّمَا قال: «إنَّ ولاء ما أعتق المكاتَبُ له»؛ لأنَّهُ مِمَّنْ قد ثبت له عقد حريَّةٍ في حال عتقه عبده، فإذا أدَّى الكتابة، ثبت له حكم الولاء.
فإن مات المكاتَبُ قبل أن يؤدّي الكتابة، كان ولاء مُعْتَقِهِ لسيِّدِ المكاتَبِ؛ لأنَّ المكاتَبَ لم يتقرَّر له ولاءُ من أعتَقَهُ؛ لأنَّهُ لم تتمّ له حريّةٌ حين مات مكاتباً.
وكذلك المُكَاتَبُ إذا كاتب عبْدَهُ، فقد ثبت له عقد ولاءٍ على مُكَاتَبِهِ، فإن مات المُكَاتَبُ الأعلى قبل أن يؤدِّي المكاتَبُ الأسفل، كان ولاء الأسفل لسيِّد المُكَاتَبِ الأعلى، ولم يكن لولد المكاتَبِ الأعلى؛ لأنَّ أباهم لم يثبت له ولاءٌ.
وإن أدَّى المكاتَبُ الأسفل الكتابة، ثمَّ أدَّى المكاتَبُ الأعلى الكتابة، كان ولاء المكاتَبِ الأسفل للمكاتَبِ الأعلى، وولاء المكاتَبِ الأعلى لسيِّده، على هذا الترتيب يكون حكم الولاء في هذا.
فأما العبد القنُّ إذا أَعْتَقَ بإذن سيِّده، فالولاء للسيّد دون العبد؛ لأنَّ العبد لم يثبت له عقد حريّةٍ يكون له بها الولاء، كما ثبت ذلك للمكاتَبِ.
•••
стр. 2358
[٢٧٩٤] مسألة: قال: وإذا كاتَبَ النَّصرانيُّ عَبْدَهُ النّصرانيَّ، ثمَّ أسلم المُكَاتَبُ فبيع، فأدَّى كتابته، ثمَّ عَتَقَ، فولاؤه للمسلمين حَتَّى يُسْلِمَ سيِّده، فإذا أسلم، انتقل ولاؤُهُ إليه.
وإن كاتبه بعد أن يسلم العبدُ، لم ينتقل إليه ولاؤُه، وكان بمنزلة العبد المسلم يُعْتِقُه النَّصرانيُّ.
فإن رضي العبد أن يكون مُكَاتَبَاً للنَّصرانيّ وهو مسلمٌ، لم يكن ذلك له، وبِيعَت كتابته (١).
• إِنَّمَا قالَ ذَلِكَ؛ لأنَّهُ لا يجوز أن يبقى لكافرٍ رِقٌّ على مسلمٍ، فوجب أن تباع كتابة العبد المكاتب إذا أسلم، كما وجب أن يباع العبد إذا أسلم متى كان مُلْكَاً لكافرٍ.
فإذا أدَّى المُكَاتَبُ الكتابة إلى من اشتراه وعَتَقَ، كان ولاؤه للَّذي عقد كتابته - وهو النَّصراني -؛ لأنَّهُ قد كان ثبت له عقد الولاء حين كاتبه وهو نصرانيٌّ مثله، إذا كان العبد مِمَّنْ جاز له مُلكُه في حال كتابته.
فأمَّا إذا كاتبه بعد أن أسلم العبد، فَإِنَّهُ تُباع كتابته، فإذا أدَّاها إلى المشتري، كان ولاؤه للمسلمين؛ لأنَّ سيِّده الكافر لم يجز له ملكه في حال ما كاتبه.
وذلك بمنزلة ما لو أعتقه بعد أن أسلم العبد، لم يكن له الولاء؛ من قِبَلِ أنَّ ملك الكافر على المسلم غير مستقرٍّ.
стр. 2359
ألا ترى: أَنَّهُ يجب إزالته عنه؛ لنقصان حرمة ملك الكافر عن ذمَّة (١) المملوك المسلم، فلم يكن له الولاء لهذه العلَّة.
فإن قيل: أليس الحرُّ إذا ملك أباه أو ابنه، وجب عتقه عليه، ثمَّ يكون له الولاء، فكذلك يجب أن يكون في الكافر إذا أعتق عبده المسلم (٢)؟
قيل: لا يجب أن يكون كذلك؛ من قِبَلِ أنَّ عتق الأب على ابنه إذا ملكه والابن على أبيه إذا ملكه، إِنَّمَا هو من أجل حرمة كلّ واحدٍ منهما على الآخر ووجوب حقَّه عليه؛ لا لنقصان حرمته عن حرمة مالكه، والكافر فإنّما أزيل ملكه عن عبده المسلم؛ لنقصان ملكه، لا من أجل حرمته، فافترقا لهذه العلَّة.
[٢٧٩٤ - ٢] مسألة (٣): قال: ولا يجوز أن تبقى كتابة الكافر على المسلم حَتَّى يؤدِّيها، وإن رضي بذلك المكاتَبُ (٤).
لأنَّ في ذلك ملك الكافر للمسلم، كما لا يجوز أن يبقى رِقُّ الكافر على المسلم وإن رضي بذلك العبد، وإذا كان الأمر على ما وصفنا، لم يجز أن يبقى ملك الكافر على المسلم، بل تجب إزالته عنه، ولم يكن له الولاء إذا كان عِتْقُهُ له بعد إسلامه، أو كتابته له بعد إسلامه، على ما بيَّنَّاه.
•••
стр. 2360
[٢٧٩٥] مسألة: قال: وإذا كاتب الرّجل على نفسه وعلى ولده، ثمَّ أدَّى عنهم، لم يرجع عليهم، وكذلك الإخوة، لا يرجع بعضهم على بعضٍ (١).
• إِنَّمَا قالَ ذَلِكَ؛ لأنَّ كلَّ واحدٍ من هؤلاء إذا ملكهم الحرُّ وجب عليه عتقهم، فلمَّا ملكهم المكاتَبُ بالأداء عنهم، لم يرجع عليهم بشيءٍ؛ لأنَّهُ إذا أدَّى عنهم فقد أعتقهم، كما لا يرجع الحرُّ إذا ملك أباه أو ابنه فعتَقَ عليه بالثّمن الَّذِي اشتراهم به أو بقيمتهم، فكذلك المكاتَبُ مثله إذا أدَّى عمن يعتق عليه، إذا ملكه لم يرجع عليه بشيءٍ.
•••
[٢٧٩٦] مسألة: قال: ولا بأس بمُقَاطَعَةِ المكاتَبِ، بأن يعجِّلَه بعض ما كاتب عليه ويضع عنه بعضه (٢).
• إِنَّمَا قالَ ذَلِكَ؛ لأنَّ الكتابة ضربٌ من المعروف وفعل الخير؛ لِأَنَّهَا عتقٌ بصفةٍ، فجاز ذلك فيها، وليست أيضاً ديناً ثابتاً فيدخله وضعٌ وتَعَجُّلٌ، كما يدخُلُ ذلك في الدَّين الثابت.
ألا ترى: أنَّها تسقط بعجز المكاتَبِ عن الأداء، وليس يسقط الدَّين بعجز المدين عن الأداء.
•••
стр. 2361
[٢٧٩٧] مسألة: قال: وإذا كان العبد بين الشَّريكين، فلا تجوز مُقَاطَعَةِ أحدهما إلَّا بإذن شريكه (١)، ولا يجوز له أن يأخذ من ماله شيئاً إلَّا بإذنه (٢).
• إِنَّمَا قالَ ذَلِكَ؛ لأنَّهُ بمقاطعته له دون شريكه، يستبدُّ بأخذ شيءٍ من مال المكاتَبِ دون شريكه، ولا يجوز ذلك إلَّا بإذن شريكه؛ لأنَّ مال المكاتَبِ لشريكه فيه حقٌّ مثل ما هو له، كما أنَّ رقبة المكاتب ملكٌ لهما جميعاً، فليس لأحدهما أن يأخذ من رقبته ولا من ماله شيئاً بغير إذن شريكه.
•••
[٢٧٩٨] مسألة: قال: وإذا قاطع أحد الشّريكين المكاتَبَ بإذن صاحبه، ثمَّ اقتضى الَّذِي لم يقاطع مثل ما قاطع عليه صاحبه أو أكثر، ثمَّ عجز، فهو بينهما نصفين.
وإن اقتضى أقلَّ، ثمَّ عجز المكاتَبُ، فأَحَبَّ الَّذِي قاطع أن يترك (٣) نصف ما يفضله به ويكون العبد بينهما، فذلك له، وإن أبى، فجميع العبد للَّذي لم يقاطعه.
فإن مات المكاتب عن مالٍ؛ استوفى الَّذِي لم يقاطع ما بقي من كتابته، وكان الفضل بينهما شطرين (٤).
• إِنَّمَا قالَ ذَلِكَ؛ لأنَّ أحد الشّريكين - الَّذِي قاطعه بإذن شريكه -، قد
стр. 2362
اختار جعل المكاتب لشريكه الَّذِي لم يقاطعه، بتركه أن يَرُدَّ إليه ما فَضَلَهُ به مِمَّا أخذه من مال المكاتَبِ؛ لأنَّ مال المكاتب فيه حقٌّ للشريكين جميعاً، فليس لأحدهما أن يفضل شريكه بشيءٍ من ماله، فإذا لم يردّ إليه مَا يخص شريكه من الفضل، اختار إسلامه، فصار المكاتب كلّه لشريكه، أو بمقدار ما فضله شريكه الَّذِي قاطع عليه.
وأشبه ذلك سيِّد العبد الجاني إذا اختار إسلامه بتركه أن يفديه.
وقوله: «إن مات المكاتَبُ عن مالٍ، استوفى الَّذِي لم يقاطع ما بقي من كتابته (١)، ثُمَّ يكون الفضل بينهما شطرين»، فلأن يستوفي كلَّ واحدٍ من السيدين حقه من الكتابة (٢)، ولا يفضل أحدهما الآخر، ثمَّ يكون ما فضل بينهما شطرين»؛ لأنَّهُ مات عبداً لهما، فورثاه بالرقِّ، وليس أحدهما أولى بماله من الآخر.
•••
[٢٧٩٩] مسألة: قال: وإذا قاطع أحدهما على نصف حقِّه بإذن صاحبه، ثمَّ اقتضى الَّذِي تمسَّك أقلَّ مِمَّا قاطع عليه صاحبه، ثمَّ عجز، فشاء الَّذِي قاطع أن يردّ نصف ما يفضله به، فعل وكان العبد بينهما على حاله.
стр. 2363
فإن أبى، فللَّذي تمسَّك بالرقِّ حصَّة صاحبه الَّذِي قاطع عليه المكاتَبَ، وهو ربعه، فصار له ثلاثة أرباعِ العبد، وللَّذي قاطع ربعٌ (١).
• إِنَّمَا قالَ ذَلِكَ؛ لِمَا ذكرناه: من وجوب مساواة الشّريكين في مال المكاتب بحسب ما يملكانه منه، كما وجب مساواتهما في رقبته، فمتى قاطع أحد الشّريكين في نصف الكتابة واقتضاها من العبد، ثمَّ عجز المكاتَبُ، كان عليه أن يردَّ على شريكه ما يخصُّه منها مِمَّا فضل عليه.
فإن أبى، كان مقدار ذلك من رقبته لشريكه؛ لأنَّهُ قد اختار إسلامه إليه، كاختيار سيّد العبد الجاني رقبة (٢) العبد إلى المجني عليه، إذا لم يفتده بأرش الجناية.
•••
[٢٨٠٠] مسألة: قال: وإذا قاطع المكاتَبُ سيِّدَهُ فعجَّل له العتق، وكتب عليه ما بقي عليه من قَطَاعَتِهِ، ثمَّ مات المكاتَبُ وعليه دينٌ، فإنَّ السيّد لا يحاصّ بذلك غرماءَهُ، وهم يُبَدَّونَ قبله (٣).
• إِنَّمَا قالَ ذَلِكَ؛ لأنَّ الغرماء قد أُخِذَ منهم مالٌ، فكانوا أحقَّ بمال الغريم؛ لأنَّهم كأنَّهم وَجَدُوا عين أموالهم.
ألا ترى: أنَّ بائع السِّلعة أولى بها إذا وجدها بعينها عند المفلس من سائر
стр. 2364
غرمائه؛ لقوَّة سببه، فكذلك غرماء المكاتب إذا عتق أولى بماله من سيِّده؛ لأنَّ سيّده ليس له عين مالٍ كان دَفَعَهُ إليه؛ لأنَّ العتق ليس هو مالاً، فكان الغرماء أولى بماله لهذه العلَّة.
•••
[٢٨٠١] مسألة: قال: وليس للمكاتَبِ أن يقاطِعَ سيِّده إذا كان عليه دينٌ، فيَعْتَقُ ويصير لا شيء له؛ لأنَّ أهل دَيْنِهِ أحقّ بماله (١).
• إِنَّمَا قالَ ذَلِكَ؛ لأنَّهُ إِنَّمَا يقاطع سيّده على مال الغرماء (٢)، وليس يجوز ذلك إلَّا بإذنهم.
•••
[٢٨٠٢] مسألة: قال: ولو قاطع سيِّدَهُ بأموال النّاس وهي عليه دينٌ ودَفَعَ إليه ذلك، لم يكن ذلك جائزاً (٣).
• إِنَّمَا قالَ ذَلِكَ؛ لأنَّ أموال النّاس هي حقوقٌ لهم، فلا يجوز له أن يخرجها عنهم إلَّا بإذنهم، وكان لهم أخذها من يد سيِّد المكاتَبِ.
•••
[٢٨٠٣] مسألة: قال: ومن قاطع سيِّده على رقيقٍ، فوجد منهم جاريةً حاملاً، ردَّهَا وأخذ قيمتها.
стр. 2365
فإن لم يكن له مالٌ، لم تَتِمَّ عَتَاقَتُهُ إلَّا بذلك.
فإن زعم أنَّ الولد منه، أُخِذَ منه قيمتها، ولا تُؤخَذُ قيمة ولدها (١).
• إنَّمَا قال: «إنَّ السَّيِّد يأخذ قيمة الجارية إذا ردَّها على المكاتب لعيبٍ»؛ لأنَّهُ إِنَّمَا أعتقه بصفةٍ ما، وهي أداء الكتابة، فإذا لم تقع الصفة، لم تقع العتاقة، وكان له أخذ قيمتها إذا وجد عنده القيمة، كما يأخذ المشتري ثمنها إذا ردَّها بعيبٍ: من حَمْلٍ بها أو غيره.
فإن لم يجد المكاتب قيمتها، عجز وصار عبداً؛ لأنَّ سيِّده إِنَّمَا أعتقه بأداء الكتابة إليه على ما ذكرناه.
وكذلك إن زعم المُكَاتَبُ أنَّ الولد منه، لحق به، وكان عليه قيمتها لسيِّده دون قيمة ولدها؛ لأنَّ الولد في حال حمله لم تثبت له قيمةٌ، فلم يدخل السَّيِّد على أنَّ له قيمته، فلم تجب على المكاتب قيمة الولد.
•••
[٢٨٠٤] قال: ومن قاطع مكاتَبَهُ بعبدٍ فاعْتُرِفَ، رَجَعَ على المكاتب بقيمته (٢).
• إِنَّمَا قالَ ذَلِكَ؛ لأنَّ السَّيِّد قد رضي بقيمة العبد الَّذِي قاطعه به دون قيمة
стр. 2366
المكاتب، فوجب أن يرجع بقيمة العبد بدلاً من الكتابة؛ لأنَّهُ رضي بذلك حين قاطع مكاتَبَهُ على العبد، فإذا استُحِقَّ، كانت له قيمته.
•••
[٢٨٠٥] مسألة: قال: وإذا قاطع المكاتَبُ سيِّدَّه بحليٍّ اسْتُرْفِعَهُ، أو ثيابٍ استُودِعَها، ثمَّ اعتُرِفَ ذلك في يدي سيِّده، لم تجز قَطَاعَتُهُ، ولم يؤخذ الحقُّ بالباطل (١).
• إِنَّمَا قالَ ذَلِكَ؛ لأنَّ قَطَاعَة المكاتب سيِّدَه إِنَّمَا كانت بصفةٍ ما، وهي أن يصحَّ له مُلْكُ ما دفعه إليه بدلاً من الحريّة الَّتِي يوقعها على المكاتب، فإذا لم يصحّ ملك السيّد على ما دُفِعَ إليه، لم تثبت الصِّفة، ورجع المكاتب عبداً كما كان؛ لأنَّ الحريّة تجب بأداء الكتابة، أو أداء ما قاطعه السيّد عليه منها.
•••
[٢٨٠٦] قال: وإذا كان العبد بين الرَّجُلَين، فقاطعه أحدهما بغير إذن شريكه، فمات المكاتب وله مالٌ أو عَجِزَ، فليس لمن قاطعه شيءٌ من ماله، ولم يكن له أن يردّ ما قاطعه عليه ويُرْجِعَ حقَّه في رقبته.
وقد قيل: إنَّه إذا قاطع بغير إذن شريكه (٢) ثمَّ مات عن مالٍ، فَإِنَّهُ يأخذ الَّذِي
стр. 2367
لم يقاطع بما بقي له من المال، ثُمَّ يقتسمان الفضل، فإن عجز فأراد أن يردَّ عليه نصف ما يفضله به ويكون على نصيبه في العبد، فذلك له.
والإذن وغير الإذن سواءٌ إذا أراد أن يردَّ ما يفضله به، وإنّما يفترق إذا أراد المُقَاطِعُ أن يحبس ما قاطعه عليه ويُسْلِمَ حصَّته في العبد، ويأبى ذلك الَّذِي لم يُقَاطِعْ، فذلك للَّذي أبى، ولا يكون ذلك للَّذي قاطع، والقول الأوّل أحبّ إلينا (١).
• إِنَّمَا قالَ ذَلِكَ؛ لأنَّهُ لَمَّا قاطَعَ المكاتَبَ بغير إذن شريكه على مالٍ أخذه منه، فقد اختار ترك حصَّته لشريكه بما أخذه منه، فلم يكن له أن يَرُدَّهُ ويُرْجِعَ حقَّه في رقبته؛ لأنَّهُ قد رضي بترك ذلك لشريكه بدلاً مِمَّا أخذه من مال المكاتب، كما يسلم سيّد العبد الجاني عبده بجنايته، فليس له بعد ذلك أن يرجع فيه ويختار دفع أرش الجناية؛ لأنَّهُ اختار ترك ذلك.
ووجه قوله الآخر: «إنَّ له أن يردَّ على شريكه ما فضله به، ويكون حقّه باقياً في العبد»؛ لأنّه وإن قاطَعَ المكاتَبَ بغير إذن شريكه، فَإِنَّهُ لم يأخذ أكثر من حقِّه في الكتابة، فلم يكن متعدّياً بهذا الفعل.
وليس كذلك سيِّد الجاني؛ لأنَّهُ قد اختار بعد جناية العبد أن يسلم العبد إلى المجني عليه، والمقَاطِعُ للمُكَاتَبِ فلم يختر ترك نصيبه من العبد بما قاطعه.
وسواءٌ كان ذلك بإذن شريكه أو بغير إذنه، فهو مخيَّرٌ بين أن يردَّ ما فضله به، وبين أن يكون نصيبه لشريكه، فيكون قد اختار ترك نصيبه بما فضل على شريكه.
стр. 2368
ويشبه سيِّدُ العبدِ الجاني في هذا الوقت (١)، إذا اختار تسليم عبده الجاني بترك أن يفتديه بأرش الجناية.
وهذا القول هو أصحَّ عندي وأولى، والله أعلم، وهو الَّذِي حكاه غير واحدٍ من أصحاب مالكٍ.
•••
[٢٨٠٧] مسألة: قال: وإذا كان المكاتَبُ بين الرَّجلين، فترك أحدهما للمكاتَبِ ما عليه، ثمَّ مات المكاتَبُ عن مالٍ، فليست تلك بِعَتَاقَةٍ، ولكن يقتضي الَّذِي لم يَضَعْ ما بقي له، ويقتسمان الفضل (٢).
• إِنَّمَا قالَ ذَلِكَ؛ لأنَّ هذا إِنَّمَا وَضَعَ عنه دراهم عليه وليست عتاقَةً، ولو كانت عتاقةً، لكان باقي المال للَّذي فيه الرقّ.
ألا ترى: أَنَّهُ لا يجب أن يُقَوَّمَ باقي المكاتب على الشَّريك الَّذِي وضع عنه الكتابة، ولو كان ذلك عتقاً، لوجب أن يقَوَّم عليه.
وكذلك لو مات فأدَّى إلى ورثته، كان ولاؤه لمن عقد كتابته، لا لمن قبضها منه بعد موته.
•••
стр. 2369
[٢٨٠٨] قال: وإذا هلك الرّجل وترك مُكَاتَبَاً وولداً: بنين ونساءً، فأعْتَقَ بعضهم حصَّته، لم تكن تلك عَتَاقَةً، ولا يثبت له من الولاء شيءٌ.
فإن عجز المكاتب، لم يقَوَّم على من أعتقه، والولاء لمن عقد الكتابة.
وليس لمن ورث السيِّدَ من النِّساء شيءٌ، وإن أعتقن نصيبهنَّ.
والمكاتَبُ بمنزلة عبدٍ أعتقه سيّده بعد خدمته (١) سنين، فإذا هلك سيِّدُه قبلها، خَدَمَ ورثَتَه بقيَّتها ثمَّ عَتَقَ، وكان ولاؤه لمن عقد عِتْقَهُ، وللرِّجال من ولده أو عصَبَتِه (٢).
• إِنَّمَا قالَ ذَلِكَ؛ لأنَّ عتق بعض الورثة للمكاتَبِ، إِنَّمَا هو وضْعُ حقِّه (٣)، وهو ترك دراهم عليه، وليست بعتاقَةٍ مُبْتَدأةٍ، فلم يجب أن يقوَّمَ عليه نصيب شريكه في حال كتابته، ولا إذا عجز، ورجع متى عجز عبداً لهما.
والولاء لمن عقَدَ كتابته؛ لأنَّهُ المعْتِقُ له في الحقيقة.
وترث النِّساء الكتابة؛ لِأَنَّهَا مالٌ.
ولا يَرِثْنَ ولاءَه إذا عتق المكاتَبُ؛ لأنَّ النِّساء لا يرثن من الولاء شيئاً؛ لضعف حرمتهنَّ عن حرمة الرِّجال.
وللنِّساء من الولاء ما أعتَقْنَ أو أعتَقَ مَنْ أَعْتَقْنَ أو أولاد من أعْتَقْنَ؛ لأنَّ
стр. 2370
ذلك عن مباشرة العتق، فأمَّا ما يؤخذ بِمِيراثٍ، فلا ترث النِّساء منه شيئاً؛ لأنَّ الولاء إِنَّمَا يُورَثُ بالتَّعصيب لا الرَّحم.
وقوله: «إنَّ المكاتَبَ بمنزلة عبدٍ أعتقه سيِّده بعد خدمة سنين»، يعني بذلك: أنَّ الولاء لمن عقد كتابته - وهو السَّيِّد -، دون ورثته؛ لأنَّهُ هو الَّذِي أعتقه في الحقيقة؛ لأنَّ عتقه يتمّ بعد أداء الكتابة وإن كانت بعد موته، كما يتم عتق المُخْدَمِ (١) بعد سنين بتمام الخدمة، وإن كانت بعد موت سيِّده.
والولاء في ذلك كلّه لمن عقد حريَّته دون ورثته، وإنّما يرث الولاءَ عنه عصبتُه من الرِّجال دون النِّساء.
•••
[٢٨٠٩] مسألة: قال: وإذا ورثت امرأةٌ مكاتباً من أبيها - لم يصر لها من ميراثه غيره (٢) -، ثمَّ أعتقته، فليس لها من ولائه شيءٌ، وولاؤه لمن عَقَدَ كتابته (٣).
• إِنَّمَا قالَ ذَلِكَ؛ لِأَنَّهَا إِنَّمَا وضعت عنه دراهم كانت لها عليه؛ لِأَنَّهَا لا تملك رقبته فتعتقه، والمعتق له هو أبوها الَّذِي عقد كتابته دونها.
•••
стр. 2371
[٢٨١٠] مسألة: قال: ومن قاطع عبدَهُ على دنانير وأسفارٍ يسافرها، فلا ينبغي له؛ لأنَّهُ لا تتمُّ حرمته، وذلك عليه، ولكن يعطيه مكان تلك الأسفار شيئاً ويُمْضِي له عِتْقَهُ (١).
• إِنَّمَا قالَ ذَلِكَ؛ لأنَّهُ إذا أدَّى كتابته وجب عتقه؛ والأسفار ليست بكتابةٍ؛ لِأَنَّهَا ليست بمالٍ، فلا ينبغي أن يشترطها السَّيِّد على مكاتبه؛ لأنَّهُ كأنَّه قد شَرَط عليه بعد عتقه خدمةً، وذلك يُكرَه.
•••
[٢٨١١] مسألة: قال: ومن قاطع مُكَاتَباً له وبَتَّ عِتقه وَنَجَّمَ عَلَيْهِ النُّجومَ، ثمَّ إنَّ الَّذِي أُعْتِقَ مات وأقام نحواً من عشرين سنةً، ثمَّ جاء الَّذِي قاطعه يزعم أَنَّهُ لم يدفعه إليه (٢)، فإن كان يبايع النّاس ويشتري، فلا شيء له (٣).
• إِنَّمَا قالَ ذَلِكَ؛ لأنَّ الغالب من أمر الإنسان أنَّه لا يترك حقَّه هذه المدَّة الطويلة ولا يتقاضاه ولا يذكره، فلا يقبل قوله؛ لخروجه عن عادة النَّاس؛ لأنَّ كلّ من ادَّعى دعوى يخرج بها من عرف النّاس لم تقبل.
•••
стр. 2372
[٢٨١٢] مسألة: قال: ومن وُهِبَت له كتابَةُ مُكَاتَبٍ، فلا بأس أن يقاطعه بذهبٍ أو وَرِقٍ أو عَرَضٍ، مثل ما كان يفعل سيّده (١).
• إِنَّمَا قالَ ذَلِكَ؛ لأنَّهُ إذا وُهِبَ له المكاتَبُ أو اشتراه، فقد قام في ذلك مقام بائعه، فجاز له أن يقاطعه، كما كان ذلك جائزاً لبائعه، وكما جاز لمشتري العريَّةِ (٢) أن يبيعها ويأكلها ويتصرَّف فيها كما كانت تجوز للمُعْرِي، فكذلك يجوز لمن اشترى كتابة مكاتبٍ أو وُهِبت له أن يفعل فيها ما كان يفعل سيّده الأوَّل.
•••
[٢٨١٣] مسألة: قال: ومن كاتب مُكَاتَبَاً بطعامٍ، فلا بأس أن يقاطعه بعرَضٍ أو ذَهَبٍ، إذا كان صاحِبُهُ هو الَّذِي يقاطِعُهُ، ونكرهه من غير صاحبه (٣).
• إِنَّمَا قالَ ذَلِكَ؛ لأنَّ صاحبه الَّذِي كاتبه إذا قاطعه من كتابته على شيءٍ، فـ[ـكـ]ـأنَّه إِنَّمَا كاتبه بما انتقل إليه دون الطَّعام الَّذِي كاتبه عليه أو غيره من المال، فجاز ذلك له.
فأمَّا غير صاحبه: فيدخل في ذلك بيع الطَّعام قبل قبضه؛ لزوال معنى الانتقال منه، وبيع الطَّعام قبل قبضه غير جائزٍ.
стр. 2373
وكذلك بيع الذَّهب بالذَّهب والوَرِقِ بالورق متفاضلاً أو نسيئةً غير جائزٍ.
•••
[٢٨١٤] مسألة: قال: ولا بأس على من اشترى كتابَةَ مُكَاتَبٍ، أن يقاطعه بمثل ما كان يقاطعه به سيّده (١).
• إِنَّمَا قالَ ذَلِكَ؛ لأنَّ المشتري قد قام في المكاتَبِ مقام البائع له، فجاز أن يفعل في كتابته ما كان يفعله من المقاطعة.
•••
[٢٨١٥] مسألة: قال: ومن قاطع عبداً، فإن جاء به إلى الأجل، فذلك له، وإلا أُخِّرَ شهراً ونحوه كما يُؤَخَّرُ الغريمُ، فإن جاء به، وإلَّا فلا قَطَاعَةَ له (٢).
• إنَّمَا قال: «إنَّه يُؤخَّر شهراً ونحوه - حسب ما يراه الإمام -»؛ حَتَّى يحتال فيما عليه من الكتابة أو ما قاطعه عليه منها؛ ليصير إلى الحريّة من غير ضررٍ يلحقه.
فإن وَجَدَ ذلك وإلا فقد عجز؛ لأنَّهُ لا يجوز أن يؤخِّر سيِّدَهُ عن أداء الكتابة، أو المقاطعة إليه، أو عَجْزِ العبدِ؛ لأنَّ في ذلك ضرراً عليه.
•••
стр. 2374
[٢٨١٦] مسألة: قال: ومن قاطع مُكَاتَبَاً على جاريةٍ، فزعمت أنَّها حامِلٌ منه، فاختصما، فعلى من النّفقة إلى أن يُقْضَى بينهما؟
قال: النّفقة على الَّذِي الجارية في يديه، وإن قُضِيَ بها على المكاتَبِ (١).
• إِنَّمَا قالَ ذَلِكَ؛ لأنَّ الَّذِي في يده الجارية هي على ملكه في الظَّاهر، فهي على ما كانت عليه حَتَّى يُعْلَم زوالها عنه بثبوت الحمل، فالنَّفقة عليه لهذه العلَّة.
•••
[٢٨١٧] مسألة: قال: وليس للمكاتَبِ أن يَنْكِحَ، ولا يُسافر، ولا يخرج من أرض سيّده، إلَّا بإذنه، اشْتَرَطَ ذلك عليه أو لم يشترطه.
فإن شرط عليه: «إن هو فعل، فَمَحْوُ كتابته بيده»، فَفَعَلَ، فليس ذلك بيده، وليرفعه إلى السّلطان، ولا يفسخ الكتابة إلَّا السُّلطان (٢).
• إِنَّمَا قالَ ذَلِكَ؛ لأنَّ الكتابة إذنٌ للعبد في التِّجارة، وليست تقتضي إذناً له في النِّكاح، فلا يجوز له أن يتزوَّج بغير إذن سيّده، كما لا يجوز للمأذون له أن يتزوَّج (٣) بغير إذن سيّده.
وكذلك لا تقتضي الكتابَةُ السَّفَرَ، فلا يجوز له أن يسافر إلَّا بإذن سيِّده.
فمتى فعل ذلك، لم يجز فسخ كتابته؛ لأنَّه لا يجوز فسخ الكتابة دون أن
стр. 2375
يصحّ عجز المكاتب عن أدائها، وليس يُعْلَم ذلك إلَّا بأن ينظر السُّلطان فيه، ويثبت عنده، فيجوز حينئذٍ فسخها.
•••
[٢٨١٨] مسألة: قال: وإذا ولدت المُكَاتَبَةُ من زوجٍ أو من غير زوجٍ، وأبت الأمُّ أن تَقْضِيَ الكتابة والابن قَوِيَ عليها، فليس ذلك لها (١).
• إِنَّمَا قالَ ذَلِكَ؛ لأنَّ عليها أن تفي بما عقدت على نفسها من أداء الكتابة إذا قَوِيَت عليه؛ لأنَّ عقد الكتابة عقدٌ ثابت (٢)، لا يزول إلَّا بعجز المكاتَبِ عن الأداء.
•••
[٢٨١٩] مسألة: قال: ومن عَجَّزَ نفسه وله مالٌ وقوةٌ، فلا يُقبل ذلك منه، فإن فعل ذلك، مضى إذا كان طائعاً، إلَّا أن يكون له ولدٌ - يعني: صغيراً -، فلا يكون له ذلك.
وقد قيل: إنَّه ليس له أن يُعَجِّزَ نفسه إذا كان له مالٌ، وذلك أحبُّ إلينا (٣).
• قد اختلف قول مالكٍ في تعجيز المكاتَبِ نفسَه إذا لم يكن معه ولدٌ صغيرٌ:
(فقال: يجوز إذا اختار ذلك السَّيِّد والمكاتب.
стр. 2376
ووجه هذا القول: أنَّهما فسخا عقد الكتابة باختيارهما، فجاز لهما ذلك، كما يفسخان عقد البيع والإجارة فيجوز؛ لأنَّ ذلك عقدٌ على معاوضةٍ، كالبيع والإجارة، فجاز فسخهما له إذا لم يتعلَّق بذلك حقٌّ لغيرهما من الولد، فلا (١) يجوز إذا كان في ذلك حقٌّ لغيرها.
(ووجه القول الآخر: «إنَّ ذلك لا يجوز وإن اتَّفقا على فسخها»؛ لأنَّ الكتابة عقد حريَّةٍ، والحريَّةُ يتعلَّق بها حقٌّ لله ، فلا يجوز لهما رفعه.
وهي مخالفةٌ للبيع والإجارة؛ لأنَّهما قد عريا من حقوق الله تعالى، والكتابة بالعتق أشبه، - الَّذِي لا يجوز رفعه ولا إبطاله، وإن اتَّفق على ذلك العبد والسيِّد -.
وكلا القولين له وجهٌ، وهذا القول أشهر قوليه، وهو أصحُّ، والله أعلم.
•••
[٢٨٢٠] مسألة: قال: ومن كاتَبَ عبدَهُ وشَرَطَ: «أنَّ ما وُلِدَ له من ولدٍ فهم عبيدٌ»، فيُفسَخ ذلك، إلَّا أن يشاء السَّيِّد أن يضع ما شَرَطَ من رِقِّ الولد، فتمضى الكتابَةُ (٢).
• إِنَّمَا قالَ ذَلِكَ؛ لأنَّ ولد المكاتب من أمَتِهِ بمنزلته في الكتابة؛ لأنَّ حكم ولد الرّجل من أَمَتِهِ أن يكون مثله في الحريَّةِ والرقِّ؛ بدلالة: أنَّ ولد الحرِّ من أَمَتِهِ
стр. 2377
حرٌّ، فكذلك ولد المكاتب من أَمَتِهِ مُكَاتَبٌ مثله، وكذلك ولده من زوجته - إذا كانت معه في كتابته - مُكَاتَبٌ مثله.
ومتى شَرَطَ عليه السيِّد: «أنَّ ولده لا يدخلون في هذه الكتابة»، كان شرطه فاسداً؛ لأنَّهُ شرطٌ خلاف كتاب الله .
فإن وَضَعَ الشَّرط صحَّت الكتابة؛ لتغليب أمر الحريَّة، ولم يُرفَع عقدها.
وليس يشبه عقد الكتابةِ عقدَ البيع والإجارة الَّذِي لا يجوز ترك ذلك مع الشَّرط الفاسد؛ لأنَّ عقدهما هو على معاوضَةٍ ومُتَاجَرَةٍ، فلا يجوز أن يقعا إلَّا على صحَّةٍ، وعقد الكتابة يقع على الصِّحة وغيرها؛ لأنَّ العتق يقع في الملك الصَّحيح وشبهة الملك، ويلزم الإنسان عتق ملك غيره إذا كان مشاركاً لمُلْكِهِ، وكلَّ ذلك لتغليب العتق ووجوب إنفاذه.
وكذلك هذا في المكاتب مثله، تنفَذ الكتابة إذا شُرِطَ الشَّرط الفاسد فيها.
•••
[٢٨٢١] مسألة: قال: ومن كاتب عبدَاً على ألف درهمٍ: يُعطِي كلَّ شهر ديناراً، فأقام عنهم، ثمَّ جاءهم بمالهم، فأراد أن يحاسبهم بصرف يومه، فقالوا هم: «بل بصرف ذلك اليوم»، فإنَّ الصَّرْفَ صَرْفُ اليوم الَّذِي يدفعه (١).
• إِنَّمَا قالَ ذَلِكَ؛ لأنَّ الدَّراهم على المكاتب؛ لِأَنَّهَا الَّتِي وجبت عليه
стр. 2378
بالكتابة، فكأنَّهم يبيعونها منه بالدنانير، فوجب مراعاة ذلك وقت الدَّفع، لا وقت الصرف.
•••
[٢٨٢٢] مسألة: قال: وإذا خرج المكاتَبُ إلى بعض الأغراض وهو مُسْتَقِلٌّ بنجومه، فلسادته أن يردُّوه (١).
• إِنَّمَا قالَ ذَلِكَ؛ لأنَّ المكاتَبَ لا يجوز له أن يسافر إلَّا بأمر (٢) سيِّده.
ولأنه قد يجوز أن يعجز في سفره ويعود رقيقاً، فلا يصل السيِّد إلى خدمته.
•••
[٢٨٢٣] مسألة: قال: ومن لم يوجد عنده ما يَحِلُّ من نجومه، فليُرفَع إلى السُّلطان، فليضرب له أجلاً يتمحَّل (٣) فيه (٤).
• إِنَّمَا قالَ ذَلِكَ؛ لأنَّهُ لا يجوز فسخ الكتابة إلَّا بنظر الإمام في ذلك، وبعد أن يتلوَّم له ويؤخِّره قليلاً ليحتال لها، فإن وجدها، وإلَّا فقد عجز وصار عبداً لا كتابة له.
•••
стр. 2379
[٢٨٢٤] مسألة: قال: ومن كاتب على دراهم، فجاء بدراهم عدداً، فأبى أهله أن يأخذوا منه إلَّا كيلاً (١) - ولم يشترطوا كيلاً ولا عدداً -، فإن أعطاهم فرادى وَازِنَةً، فذلك عليهم أن يأخذوها (٢).
• إِنَّمَا قالَ ذَلِكَ؛ لأنَّهُم (٣) قد أعطاهم ما وَقَعَ عقد الكتابة به من عدد الدَّراهم، ووفَّاهم الوزن أيضاً، فلزمهم أخذها منه، ويصير بأدائها حرّاً.
•••
[٢٨٢٥] مسألة: قال: ومن قاطع مكاتَبَهُ على نجومٍ، وشَرَطَ: «إن لم يستقم بها، فلا كتابة له»، فعجز، فلا تفسخ الكتابة إلَّا بعد بلوغ السُّلطان (٤).
• إِنَّمَا قالَ ذَلِكَ؛ لأنَّ في فسخها بغير السُّلطان وَنَظَرِهِ فيها تطرُّقاً إلى رفع عقد الحريَّة من غير سببٍ يوجب رفعه، وليس يجوز أن يَرْفَعَ ذلك غير السُّلطان إذا ثبت عنده عجز المكاتب.
•••
стр. 2380
[٢٨٢٦] مسألة: قال: وإذا كان المكَاتَبُ صانعاً بيده، ثمَّ عَجَّزَ نفسه، فإذا لم يُعْلَم كَذِبُه، جاز ذلك (١).
• إِنَّمَا قالَ ذَلِكَ؛ لأنَّهُ إذا ظهر عجْزُهُ، وجب قبول ذلك منه، وإلَّا لم يقبل منه؛ لأنَّهُ لا يجوز أن يُعَجِّزَ نفسه وهو قويٌّ على أداء الكتابة.
•••
[٢٨٢٧] مسألة: قال: وإذا جَرَحَ المكاتَبُ:
• فإن قَوِيَ على أن يؤدِّي عَقْلَ ذلك الجَرْحِ مع كتابته، أدَّاه ومضى.
• فإن لم يقوَ فقد عَجَزَ.
وعَقْلُ الجرح قبل الكتابَةِ، ويُخَيَّرُ سيِّدُه:
• فإن أحبَّ أن يؤدِّي عقل الجرح ويُمْسِكَ الغلام، فعل.
• وإن أحب أن يُسْلِمَه، أسلَمَهُ (٢).
• إِنَّمَا قالَ ذَلِكَ؛ لأنَّ عقل الجناية قبل الكتابة؛ لأنَّ الجناية متعلِّقةٌ بالرَّقبة، وليست الكتابة كذلك، فكانت الجناية مُبَدَّأةً على الكتابة، فإن أدَّاها وإلَّا فقد عجز، وخُيِّرَ سيِّدُه في افتدائه بأرش الجناية، أو إسلام رقبته، كما يُخَيَّر في العبد القنِّ.
•••
стр. 2381
[٢٨٢٨] مسألة: قال: وإذا كاتَبُوا جميعاً كتابةً واحدةً، فَجَرَحَ واحدٌ، قيل له ولمن معه: «أَدُّوا عَقْلَ ذلك الجَرْحِ واثبتوا على كتابتكم»، فإن لم يفعلوا، فقد عجزوا وصاروا عبيداً، ويُخَيَّر السَّيِّد: في إسلام الجارح وحده، وفي افتكاكه بعقل جرحه.
وكذلك لو جَرَحَ بعض ولده الذين معه في الكتابة أو كاتب عليهم (١).
• إنَّمَا قال: «إنَّه يقال لمن معه في الكتابة: تُؤَدُّون أرش الجناية مع الجاني»؛ لأنَّ الكتابة موضوعةٌ على الحمالة؛ لحرمة العتق وفضيلته، فصار بعضهم حملاء عن بعضٍ، ودخلوا على أن يؤدِّيَ بعضهم عن بعضٍ ما عليه من الكتابة والجناية.
فإن أدَّوا وإلَّا فقد عجزوا؛ لأنَّ الجناية مُقَدَّمَةٌ على الكتابة، فكما يعجزون بترك أداء الكتابة، فكذلك يعجزون بترك أداء الجناية، بل هي أولى بذلك؛ لِأَنَّهَا مُبَدَّأَةٌ على الكتابة.
فإذا لم يؤدوا، فقد عجزوا وبطلت الكتابة، وخُيِّرَ السيِّد في: إسلام الجارح وحده، أو افتدائه بأرش الجناية، على ما يَفعل ذلك في العبد القنِّ؛ لأنَّه بالعجز قد صار عبداً لا كتابة فيه.
وحكم ولده الذين كاتب عليهم أو ولدوا في الكتابة حكم أبيهم؛ لأنَّهُ قد صار هو وولده في الكتابة سواءٌ.
•••
стр. 2382
[٢٨٢٩] مسألة: قال: وإذا أصيب المكاتَبُ بجُرْحٍ يكون له فيه عقلٌ، أو أحدٌ من ولده، فإنَّ عَقْلَهُم عَقْلُ العبيدِ في قيمتهم، ويُدْفَعُ ما وجب لهم إلى سيِّدهم، ويُحْسَبُ لهم في آخر الكتابة:
• فإن كانت هي تمام ما عليهم، عَتَقُوا.
• وإن كان أكثر، ردَّ الفضل إلى المكَاتَبِ (١).
• إنَّمَا قال: «إنَّ عقلَ المكاتب عقل العبد في قيمته»؛ فلأنَّ المكاتب عبدٌ ما بقي عليه من كتابته شيءٌ، فكانت قيمته إذا قُتِلَ قيمة عبدٍ؛ لأنَّ أحكامه في الحدود والمواريث حُكْمُ عبدٍ لا حكم حرٍّ، فكذلك إذا قُتِلَ ففيه قيمة عبدٍ لا دية (٢) حرٍّ.
وقوله: «يُدْفَع ذلك إلى سيّده ويُحْسَب للمكاتب من آخر كتابته»؛ فلأنَّ السَّيِّد له في ذلك حقٌّ؛ إذ هو بدل ما جُنِيَ على عبده، أو بدل عُضْوٍ من أعضاء عبده المكاتب - الَّذِي مُلْكُه للسيِّد -.
ولم يُدْفَع إلى المكاتب؛ لجواز أن يُتْلِفَه ويرجع ناقصاً إلى السيِّد متى عجز، ويكون المكاتَبُ قد أسقط بأداء ذلك بعض ما عليه من الكتابة، فيصل كلُّ واحدٍ إلى غرضه: من الحريَّة للعبد، والأداء للسيِّد، وأن لا يرجع ناقصاً إن عَجِزَ.
стр. 2383
ومتى فضَلَ أرش الجرح (١) عن الكتابة، كان ذلك للمكاتَبِ؛ لأنَّهُ قد صار حرّاً بأداء الكتابة، فكان ما فضل له.
•••
[٢٨٣٠] مسألة: قال: وليس للمكاتب أن يَسْتَقِيدَ مِنْ جُرْحِهِ بغير رضا سيِّده، وإن كان له مالٌ فيه وفاءٌ من كتابته (٢).
• إنَّمَا قال: «إنَّه ليس للمكاتَبِ أن يستقيد من جُرْحِهِ بغير إذن سيّده؛ فلأنَّ في ذلك إتلاف مالٍ للسيِّد فيه حقٌّ.
ألا ترى: أنَّ العبد لا يجوز له أن يستقيد من جُرْحِهِ إلَّا بإذن سيّده، فكذلك لا يجوز للمكاتَبِ؛ لبقية أحكام الرقِّ فيه، حَتَّى يؤدِّي الكتابة.
وكذلك لا يجوز للسيِّد أن يستقيد من جرحِ مُكَاتَبِهِ بغير إذن المُكَاتَبِ؛ لأنَّ المُكَاتَبَ يقول: «أنا آخذ بدله مالاً أستعين به على أداء الكتابة، وفي ترك ذلك عجزٌ لي»، فكان ذلك له.
•••
[٢٨٣١] مسألة: قال: وإذا قُتِلَ المُكَاتَبُ، قُوِّمَ عَبْداً عليه كتابةٌ قد اخْتُبِرَ فيها:
(فَعُرِفَ جَزَاؤُهُ منها، فيزاد في ثمنه.
стр. 2384
(أو عُرِفَ عجزه، فيُنْقَصُ من ثمنه.
ولا يُقَوَّمُ على الرجاء والخوف (١).
• إنَّمَا قال: «إنَّه يُقَوَّم مُكاتباً»؛ لأنَّهُ قُتِلَ في حال الكتابة، فوجب قيمته على الـ[ـحـ]ـال الَّتِي قُتِل فيها، كما كانت دية الحرِّ تَجِبُ لأنَّهُ حرٌّ، وقيمة العبد وهو عَبْدٌ، فكذلك قيمة المكاتَبِ على أنَّه مُكَاتَبٌ؛ لأنَّهُ تُرَاعى الحال الَّتِي أُتْلِفَ فيها، فتُجعل فيه القيمة على تلك الحال.
•••
[٢٨٣٢] قال: وإذا شَجَّ السَّيِّدُ مكاتَبَهُ مُوضِحَةً، كان عليه نصف عُشْر ثَمَنِهِ (٢).
• إِنَّمَا قالَ ذَلِكَ؛ لأنَّ حكم المكاتب حكم العبد فِي شِجَاجِهِ، وفي مُوضِحَةِ العبد نصف عشر قيمته.
ولا فرق بين أن يُوضِحَهُ سيِّده أو أجنبيٌّ؛ لأنَّ المكاتَبَ قد صار له حقٌّ في نفسه وماله بعقد الكتابة.
ألا ترى: أَنَّهُ لا يجوز لسيِّده بيعه، فكذلك يجب له عليه أرش ما جنى عليه.
•••
стр. 2385
[٢٨٣٣] مسألة: قال: وإذا أَعْتَقَ المكاتَبَ سَيِّدُهُ عند الموت، فَإِنَّهُ يقوَّم ما بقي عليه من الكتابة وتقام رقبته:
• فإن كانت قيمة الكتابة أقلُّ من قيمة رقبته، وُضِعَ ذلك في ثلث سيِّده.
• وإن كان قيمة رقبته أقلُّ من قيمة كتابته، وضع ذلك في ثلثه.
إنَّمَا يوضع في الثّلث الأقلُّ منها، ثمَّ يخرج حُرّاً بتلك القيمة (١).
• إِنَّمَا قالَ ذَلِكَ؛ ليتوفَّر حظُّ الثّلث متى وُضِعَ فيه أقلّ من قيمته أو من قيمة الكتابة؛ وليخرج المكاتَبُ حرّاً أيضَاً إذا فعل ذلك.
وليس في ذلك حُجَّةٌ للورثة بأن يقولوا: «اجعلوا في الثّلث الأكثرَ مِنَ القيمة أو الكتابة»؛ لأنَّهُ لو قُتِلَ المكاتَبُ، لَمَا كان على قاتله غير قيمته، وإن كانت أقلَّ من الكتابة، ولو أدَّى الكتابة، لخرج حرّاً وإن كانت أقلَّ من قيمة رقبته.
فلذلك وجب اعتبار الأقلِّ من الكتابة أو القيمة في الثُّلث؛ ليتوفر حظُّ العتق، والوصايا بعده.
•••
[٢٨٣٤] وإن أَوْصَى أن يُكَاتَبَ عَبْدُهُ، وإن أوصى معه بوصايا غيره ليست عَتَاقَةً، خُيِّرَ الورثَةُ: