[٢٨٢٨] مسألة: قال: وإذا كاتَبُوا جميعاً كتابةً واحدةً، فَجَرَحَ واحدٌ، قيل له ولمن معه: «أَدُّوا عَقْلَ ذلك الجَرْحِ واثبتوا على كتابتكم»، فإن لم يفعلوا، فقد عجزوا وصاروا عبيداً، ويُخَيَّر السَّيِّد: في إسلام الجارح وحده، وفي افتكاكه بعقل جرحه.
وكذلك لو جَرَحَ بعض ولده الذين معه في الكتابة أو كاتب عليهم (١).
• إنَّمَا قال: «إنَّه يقال لمن معه في الكتابة: تُؤَدُّون أرش الجناية مع الجاني»؛ لأنَّ الكتابة موضوعةٌ على الحمالة؛ لحرمة العتق وفضيلته، فصار بعضهم حملاء عن بعضٍ، ودخلوا على أن يؤدِّيَ بعضهم عن بعضٍ ما عليه من الكتابة والجناية.
فإن أدَّوا وإلَّا فقد عجزوا؛ لأنَّ الجناية مُقَدَّمَةٌ على الكتابة، فكما يعجزون بترك أداء الكتابة، فكذلك يعجزون بترك أداء الجناية، بل هي أولى بذلك؛ لِأَنَّهَا مُبَدَّأَةٌ على الكتابة.
فإذا لم يؤدوا، فقد عجزوا وبطلت الكتابة، وخُيِّرَ السيِّد في: إسلام الجارح وحده، أو افتدائه بأرش الجناية، على ما يَفعل ذلك في العبد القنِّ؛ لأنَّه بالعجز قد صار عبداً لا كتابة فيه.
وحكم ولده الذين كاتب عليهم أو ولدوا في الكتابة حكم أبيهم؛ لأنَّهُ قد صار هو وولده في الكتابة سواءٌ.
•••
стр. 2382
[٢٨٢٩] مسألة: قال: وإذا أصيب المكاتَبُ بجُرْحٍ يكون له فيه عقلٌ، أو أحدٌ من ولده، فإنَّ عَقْلَهُم عَقْلُ العبيدِ في قيمتهم، ويُدْفَعُ ما وجب لهم إلى سيِّدهم، ويُحْسَبُ لهم في آخر الكتابة:
• فإن كانت هي تمام ما عليهم، عَتَقُوا.
• وإن كان أكثر، ردَّ الفضل إلى المكَاتَبِ (١).
• إنَّمَا قال: «إنَّ عقلَ المكاتب عقل العبد في قيمته»؛ فلأنَّ المكاتب عبدٌ ما بقي عليه من كتابته شيءٌ، فكانت قيمته إذا قُتِلَ قيمة عبدٍ؛ لأنَّ أحكامه في الحدود والمواريث حُكْمُ عبدٍ لا حكم حرٍّ، فكذلك إذا قُتِلَ ففيه قيمة عبدٍ لا دية (٢) حرٍّ.
وقوله: «يُدْفَع ذلك إلى سيّده ويُحْسَب للمكاتب من آخر كتابته»؛ فلأنَّ السَّيِّد له في ذلك حقٌّ؛ إذ هو بدل ما جُنِيَ على عبده، أو بدل عُضْوٍ من أعضاء عبده المكاتب - الَّذِي مُلْكُه للسيِّد -.
ولم يُدْفَع إلى المكاتب؛ لجواز أن يُتْلِفَه ويرجع ناقصاً إلى السيِّد متى عجز، ويكون المكاتَبُ قد أسقط بأداء ذلك بعض ما عليه من الكتابة، فيصل كلُّ واحدٍ إلى غرضه: من الحريَّة للعبد، والأداء للسيِّد، وأن لا يرجع ناقصاً إن عَجِزَ.
стр. 2383
ومتى فضَلَ أرش الجرح (١) عن الكتابة، كان ذلك للمكاتَبِ؛ لأنَّهُ قد صار حرّاً بأداء الكتابة، فكان ما فضل له.
•••
[٢٨٣٠] مسألة: قال: وليس للمكاتب أن يَسْتَقِيدَ مِنْ جُرْحِهِ بغير رضا سيِّده، وإن كان له مالٌ فيه وفاءٌ من كتابته (٢).
• إنَّمَا قال: «إنَّه ليس للمكاتَبِ أن يستقيد من جُرْحِهِ بغير إذن سيّده؛ فلأنَّ في ذلك إتلاف مالٍ للسيِّد فيه حقٌّ.
ألا ترى: أنَّ العبد لا يجوز له أن يستقيد من جُرْحِهِ إلَّا بإذن سيّده، فكذلك لا يجوز للمكاتَبِ؛ لبقية أحكام الرقِّ فيه، حَتَّى يؤدِّي الكتابة.
وكذلك لا يجوز للسيِّد أن يستقيد من جرحِ مُكَاتَبِهِ بغير إذن المُكَاتَبِ؛ لأنَّ المُكَاتَبَ يقول: «أنا آخذ بدله مالاً أستعين به على أداء الكتابة، وفي ترك ذلك عجزٌ لي»، فكان ذلك له.
•••
[٢٨٣١] مسألة: قال: وإذا قُتِلَ المُكَاتَبُ، قُوِّمَ عَبْداً عليه كتابةٌ قد اخْتُبِرَ فيها:
(فَعُرِفَ جَزَاؤُهُ منها، فيزاد في ثمنه.
стр. 2384
(أو عُرِفَ عجزه، فيُنْقَصُ من ثمنه.
ولا يُقَوَّمُ على الرجاء والخوف (١).
• إنَّمَا قال: «إنَّه يُقَوَّم مُكاتباً»؛ لأنَّهُ قُتِلَ في حال الكتابة، فوجب قيمته على الـ[ـحـ]ـال الَّتِي قُتِل فيها، كما كانت دية الحرِّ تَجِبُ لأنَّهُ حرٌّ، وقيمة العبد وهو عَبْدٌ، فكذلك قيمة المكاتَبِ على أنَّه مُكَاتَبٌ؛ لأنَّهُ تُرَاعى الحال الَّتِي أُتْلِفَ فيها، فتُجعل فيه القيمة على تلك الحال.
•••
[٢٨٣٢] قال: وإذا شَجَّ السَّيِّدُ مكاتَبَهُ مُوضِحَةً، كان عليه نصف عُشْر ثَمَنِهِ (٢).
• إِنَّمَا قالَ ذَلِكَ؛ لأنَّ حكم المكاتب حكم العبد فِي شِجَاجِهِ، وفي مُوضِحَةِ العبد نصف عشر قيمته.
ولا فرق بين أن يُوضِحَهُ سيِّده أو أجنبيٌّ؛ لأنَّ المكاتَبَ قد صار له حقٌّ في نفسه وماله بعقد الكتابة.
ألا ترى: أَنَّهُ لا يجوز لسيِّده بيعه، فكذلك يجب له عليه أرش ما جنى عليه.
•••
стр. 2385
[٢٨٣٣] مسألة: قال: وإذا أَعْتَقَ المكاتَبَ سَيِّدُهُ عند الموت، فَإِنَّهُ يقوَّم ما بقي عليه من الكتابة وتقام رقبته:
• فإن كانت قيمة الكتابة أقلُّ من قيمة رقبته، وُضِعَ ذلك في ثلث سيِّده.
• وإن كان قيمة رقبته أقلُّ من قيمة كتابته، وضع ذلك في ثلثه.
إنَّمَا يوضع في الثّلث الأقلُّ منها، ثمَّ يخرج حُرّاً بتلك القيمة (١).
• إِنَّمَا قالَ ذَلِكَ؛ ليتوفَّر حظُّ الثّلث متى وُضِعَ فيه أقلّ من قيمته أو من قيمة الكتابة؛ وليخرج المكاتَبُ حرّاً أيضَاً إذا فعل ذلك.
وليس في ذلك حُجَّةٌ للورثة بأن يقولوا: «اجعلوا في الثّلث الأكثرَ مِنَ القيمة أو الكتابة»؛ لأنَّهُ لو قُتِلَ المكاتَبُ، لَمَا كان على قاتله غير قيمته، وإن كانت أقلَّ من الكتابة، ولو أدَّى الكتابة، لخرج حرّاً وإن كانت أقلَّ من قيمة رقبته.
فلذلك وجب اعتبار الأقلِّ من الكتابة أو القيمة في الثُّلث؛ ليتوفر حظُّ العتق، والوصايا بعده.
•••
[٢٨٣٤] وإن أَوْصَى أن يُكَاتَبَ عَبْدُهُ، وإن أوصى معه بوصايا غيره ليست عَتَاقَةً، خُيِّرَ الورثَةُ:
стр. 2386
• بين أن يدفعوا إلى أهل الوصايا وصاياهم، وتكون كتابة المُكَاتَبِ لهم.
• وبين أن يُسْلِمُوا كِتَابَةَ المكَاتَبِ إليهم، يتحاصُّونَ فيها بقدر وصاياهم، فإن أدَّى عَتَقَ، وإن عجز كان عبداً لهم، وإن مات عن مالٍ كثيرٍ أكثر مِمَّا بقي عليه، فهو لأهل الوصايا، وإن عَتَقَ المُكاتَبُ، فولاؤه إلى عَصَبَةِ الَّذِي عقد كتابته (١).
• إنَّمَا قال: «إنَّ ورثة الميِّتِ بالخيار: بين أن يُخرِجُوا وصيّة الميت وتكون كتابة المكاتب لهم إذا كانت قيمة المكاتَبِ مُحيطةً بالثُّلث كلّه، أو يُسْلِموا كتابة المكاتب إلى أهل الوصايا يتحاصّون فيها بقدر وصاياهم»؛ لأنَّ الوصيَّة قد وجبت في كتابة المكاتَبِ، لا يجوز أن تُنْقَل إلى غيره؛ لجواز أن يؤدِّي المكاتَبُ الكتابة فيصير حرّاً، ولا يجوز إبطال هذه الحريَّة، فإمَّا أخرج الورثة الوصايا، وإمّا أسلموا كتابة المكاتَبِ إلى الموصى لهم، لا بدَّ لهم من أحد هذين الأمرين.
وهذا هو خَلْعُ الثّلث: إذا امتنع الورثة من تنفيذ الوصايا، وقالوا: «هي أكثر من الثُّلث»، يقال لهم: «إمَّا أنفذتم الوصايا، وإمّا أسلمتم الثُّلُث؛ لتعلقّ الوصايا فيه»، كما يجب إسلام رقبة العبد الجاني إن لم يفتده السَّيِّد بأرش جنايته؛ لتعلّق الجناية فيه، وقد ذكرنا هذا في غير هذا الكتاب (٢).
فإذا أسلَمُوا المكاتَبَ إلى المُوصَى لهم، تحاصّوا في كتابته بقدر وصاياهم، فإذا أدَّى الكتابة، صار حرّاً، وكان ولاؤه لمن عقد كتابته؛ لأنَّهُ المعتق له في الحقيقة.
стр. 2387
وإن عجز صار عبداً لأهل الوصايا دون الورثة؛ لأنَّ الورثة قد اختاروا تسليمه إلى الموصى لهم.
•••
[٢٨٣٥] قال: ومن كاتب مكاتَبَهُ على عشرة آلاف درهمٍ، فَوَضَعَ عنه ألف درهمٍ (١)، فَإِنَّهُ يُطْرَحُ في ثلث الميِّت، الأقلّ: من عُشْرِ قيمة رقبته، أو من عُشرِ كتابته.
ولو وَضَعَ عنه نصف كتابته أو ثلثها كان كذلك، ثمَّ يوضع عن المكاتَبِ من كلّ نجمٍ عُشْرُهُ، ويعتق منه عُشْرهُ (٢).
• إنَّمَا قال: «إنَّه يطرح في ثلث الميِّت، الأقلُّ من: عُشرِ قيمة رقبته، أو من عشر كتابته»؛ لتتوفَّر حصَّة الحريَّة، ويتوفَّر أيضاً على أهل الوصايا حظُّهم، باعتبار الأقلِّ من هذين في الثّلث، وقد بيَّنَّا حُجَّة ذلك.
ثم يعتق المكاتَبُ بقدر ما يصيبه في القيمة من الثّلث، ثمَّ يوضع عنه من الكتابة بقدر ذلك؛ لأنَّهُ قد صار حرّاً بقدر ما أوصى له سيِّده بعتقه.
•••
[٢٨٣٦] مسألة: قال: وإذا أوصى الرّجل بأن يوضَعَ عن مكاتَبِه ألف درهمٍ من أوَّل كتابته، قُوِّمَ المكاتب قيمة التَّقديم، ثمَّ قُسِمَت تلك القيمة على الآلاف
стр. 2388
الَّتِي عليه، حَتَّى يقع على كلّ ألفٍ بقدرها، ثمَّ يوضع في ثلث الميِّت (١) قدر ما أصاب تلك الألف من القيمة، ثمَّ توضع تلك الألف بعينها، ثمَّ يَعتَقُ منه بقدر ما صار لها من القيمة، إن كانت النِّصف عَتَقَ النِّصف، وإن كان الرُّبُع، عَتَقَ الرُّبع (٢).
• إِنَّمَا قالَ ذَلِكَ؛ لأنَّ أوَّل نجم المكاتب أكثر قيمةً من الأخير إذا بيع؛ لأنَّ ما تنجَّز من المال عند النّاس أكثر قيمةً مِمَّا تأخر، فيعتق منه مقدار قيمة الألف: يُنظَر كم قيمة المكاتب، ثمَّ يُنظَرُ كم قيمة النَّجم الَّذِي وُضِعَ من جملة الكتابة، فيعتق بقدر ذلك بالغاً ما بلغ من الكتابة، كان ذلك نصفها، أو ربعها، أو ما كان من الأجزاء.
•••
[٢٨٣٧] مسألة: قال: ومن أوصى لرجلٍ بِرُبْعِ مُكَاتَبٍ وأعتَقَ رُبْعَهُ، ثمَّ هلك المكاتَبُ، فيُعْطَى ورثَةُ السيِّد والذي أُوصِيَ له ما بقي لهم على المكاتَبِ، ثمَّ يقتسمون ما فضل أثلاثاً، للموصى له بربعه ثُلُثٌ، ولورثة السيِّد الثُّلثان؛ لأنَّهُ وُرِثَ بالرقِّ (٣).
• إنَّما قال: «يقتسمون أثلاثاً»؛ لأنَّهم إِنَّمَا يقتسمون ذلك بالرقِّ؛ لأنَّ حصَّة الحريّة الَّتِي للرّبع لا يؤخذ لها شيءٌ، فرجع ذلك إلى النِّصف والرّبع، فصار
стр. 2389
للنّصف الثلثان، وللرُّبع الثّلث بما رجع إليه من حصّة الحريَّة؛ لأنَّ المعتق بعضه إذا مات، كان مالُه لمن له فيه الرقُّ، وليس لمن أعتقه منه شيءٌ.
•••
[٢٨٣٨] مسألة: قال: ومن أعتق مكاتَبَهُ عند الموت: أنَّه (١) إن لم يحمله الثّلث، وُضِعَ عنه من الكتابة بقدر ذلك (٢).
• إِنَّمَا قالَ ذَلِكَ؛ لأنَّهُ قد أعتق مكاتبه عند موته، فوجب أن يعتق ذلك كلّه إن حمله الثّلث، وإلَّا فمقدار ذلك؛ لأنَّهُ لا يجوز له أن يوصي بأكثر من ثُلُثِهِ في عتقٍ أو غيره بغير إذن الورثة.
•••
[٢٨٣٩] مسألة: قال: ومن قال: «غلامي حرٌّ، وكاتبوا فلاناً»، بُدِئ بالعَتَاقَةِ، فإن فضل شيءٌ: خُيِّرَ الورثةُ:
• بين أن يُمْضُوهُ مُكَاتباً.
• وبين يُعتِقُوا ما حمل الثّلث منه بَتْلَاً (٣).
• إنَّمَا قال: «يُبْدَأُ بالعتَاقَةِ»؛ لقوَّة سببها ووكود حرمتها.
ولأنَّه عتق عبدٍ بعينه، فكانَتْ أولى.
стр. 2390
ثمَّ المكاتب بعده؛ لقوَّة سببه أيضاً؛ لأنَّهُ عقد حريَّةٍ يُقَدَّمُ (١) على غيره من الوصايا.
ويُخَيَّرُ الورثَةُ بين أن يُكَاتِبُوه في باقي الثّلث - على ما أوصى به الميِّت -، أو يُعْتِقُوا ما حمل الثّلث منه بتلاً، لا بدَّ لهم من ذلك؛ لتعلّق الوصيّة فيه كتعلّقها في الثّلث، على ما بيَّنَّاه.
•••
[٢٨٤٠] مسألة: قال: ومن أوصى: «أن يُكَاتَبَ عَبْده بخمسين»، وهو يَخْرُجُ من الثّلث، فيأبى الورثة، فليس لهم في هذا قولٌ، ولا يخيَّروا إذا حمل الثُّلثُ (٢).
• إِنَّمَا قالَ ذَلِكَ؛ لأنَّ الموصي لم يتعدَّ بأخذ ما ليس له أن يأخذ - وهو أكثر من ثلثه -؛ لأنَّهُ إِنَّمَا أخذ ثلثه أو أقلَّ.
وليس للورثة أن يأبوا ذلك، ولا تخيير لهم في هذا الموضع، وإنّما يُخَيَّرُون:
(إذا زادت الوصيّة على الثّلث.
(أو أخذ ناضّاً وترك لهم ديناً أو عرضاً.
ففي مثل هذا يُخَيَّرُ الورَثَةُ؛ لأنَّهم يقولون: «قد تعدَّى في فعله ما ليس له».
فَأَمَّا إذا فعل ما له فِعْلُهُ، فعليهم إنفاذ ما أوصى به جبراً.
•••
стр. 2391
[٢٨٤١] مسألة: قال: ومن أوصى لمكاتَبٍ له بألف درهمٍ: (١) «من أوَّلِ كتابته»، ولم يترك مالاً غيره، فشَحَّ الورثَةُ على المئة الأولى وقالوا: «لا نسلِّمها» - وهي أقلُّ من ثلثه - فليس ذلك لهم، ويُبَدَّأُ عليهم.
وإنَّما يكون ذلك لهم، إذا كان أوصى بأكثر من الثُّلث (٢).
• إِنَّمَا قالَ ذَلِكَ؛ لأنَّهُ لم يتعدَّ (٣) فيما أوصى به؛ لأنَّهُ أخذ أقل مِمَّا له أخْذُهُ والوصية به، وإنّما يكون لهم المقال إذا تعدَّى ما له أخذه.
•••
[٢٨٤٢] مسألة: قال: وإذا أوصى الرجلُ (٤) بنجمٍ من نجوم مُكَاتَبِهِ، ثمَّ عَجَزَ المكَاتَبُ، كان له في رقبته بقدر ذلك (٥).
• إِنَّمَا قالَ ذَلِكَ؛ لأنَّهُ إذا أوصى له بكتابة عبدٍ، ثمَّ عجز، فله رقبته، كما لو اشتراه رجلٌ فعجز، فرقبته له؛ لأنَّه قد قام مقام سيّده الَّذِي كاتبه، فكذلك
стр. 2392
إذا أوصى لرجلٍ بِنَجْمٍ من نجوم مكاتَبِهِ، ثمَّ عجز، كان له من رقبة المكاتَبِ بقدر ذلك النَّجم.
والوصيَّة بنجمٍ من نجوم المكاتَبِ جائِزَةٌ، وليس يجوز بيع نجمٍ من نُجُومه؛ لأنَّ الوصايا يجوز فيها الغرر، وكذلك العتق يجوز فيه ذلك، ولا يجوز في البيع.
•••
[٢٨٤٣] مسألة: قال: وإذا وضع الرّجل عن مُكَاتَبِهِ ما عليه عند موته، وله وَلَدٌ وُلِدُوا في كِتَابَتِه، أُقِيمَ هو وولده معه، ثمَّ وُضِعَ في الثّلث: الأقلُّ من قيمتهم، أو من قيمة الكتابة (١).
• إِنَّمَا قالَ ذَلِكَ؛ لأنَّ حكم ولده حكمه؛ إذ قد ثبت لهم من عقد الحريّة ما ثبت لأبيهم، فوجب أن يعتقوا بعتقه متى كان عتقه من جهة الكتابة.
فأمَّا إن أفرده هو بالعتق دون ولده، وكان فيهم قوَّةٌ على الأداء، كان العتق له دونهم.
•••
[٢٨٤٤] مسألة: قال: وإذا كاتب رجلٌ عبدَه على نجومٍ، من كلِّ سَنَةٍ نجْمٌ، وأوصى: «إن أدَّى منها الأربعة الأنْجُم الأُولَى، وُضِعَ عنه من كتابته خمسون»، فتكامَلَتْ عليه أربَعةٌ سوى الأولى، فقال العبد: «قاضوني بها فيما وَضَعَ عَنِّي
стр. 2393
سيِّدي»، فَإِنَّهُ تُقْسَمُ الخمسون على النُّجوم الَّتِي قد حلَّت والتي لم تحل، فيوضع عنه ما يصيب كلّ نجمٍ من الخمسين (١).
• إِنَّمَا قالَ ذَلِكَ؛ لأنَّ سيّده إِنَّمَا أوصى بأن يوضع عنه من كتابته خمسون، فذلك مقسومٌ على كلِّ نجمٍ من كتابته دون الأنجم الَّتِي قد حلَّت أو غيرها، فليس للمكاتَبِ أن يطالب بأن يُجْعَل ذلك في بعض النُّجوم دون بعضٍ.
•••
[٢٨٤٥] مسألة: قال: ولا بأس أن يكاتِبَ الرّجل عَبْدَ يتيمه على وجه النَّطَر له (٢).
• إِنَّمَا قالَ ذَلِكَ؛ لأنَّ الكتابة فيها ضربٌ من المعاوضة، فجاز له أن يكاتب على وجه النَّطر، كما يجوز له أن يبيعه على وجه النَّطر، على وجه النظر (٣).
•••
[٢٨٤٦] مسألة: قال: وإذا أفلس المكاتَبُ، لم يدخل غرماؤه على سيِّده في شيءٍ من خَرَاجِهِ، ولا في كَسْبِه بيده، وهم أولى بما في يديه من ماله (٤).
стр. 2394
• إِنَّمَا قالَ ذَلِكَ؛ لأنَّ خراجه وكسبه لسيِّده، وليس هو للعبد، فلا شيء لغرماء العبد ولا المكاتب في مال سيِّده، وإنّما لهم الحقُّ في ماله - أعني: مال العبد والمكاتب، دون مال سيِّده وحَقِّهِ -.
•••
[٢٨٤٧] قال: ولا ينبغي للرَّجُلِ أن يَضْرِبَ مُكَاتَبَهُ إذا حَبَسَهُ ببعض نجومه (١).
• إِنَّمَا قالَ ذَلِكَ؛ لأنَّ في ضربه إيَّاه ظلماً له وضرراً به، ولا يجوز له أن يعمل ذلك، إذا كان مَلِيّاً أُخِذَتْ منه الكتابة، وإن كان عاجزاً فقد رجع عبداً.
•••
[٢٨٤٨] قال: ومن اتَّهَمَ مكاتَبَهُ على التَّزويج، فليس له أن يستحلفه بطلاق كلّ امرأةٍ هي له (٢).
• إِنَّمَا قالَ ذَلِكَ؛ لأنَّ سيّده قادرٌ على أن يفرِّق بينه وبين زوجه إن كان تزوَّجها بغير إذنه، فلا حاجة به إلى استحلافه؛ لأنَّ ذلك مكروهٌ.
•••
[٢٨٤٩] مسألة: قال: ولا بأس بالكتابة على الوُصَفَاءِ، وهو من الأمر القديم.
стр. 2395
وإن لم تُسَمَّ قِيمَةٌ، فَليُسْأَل عن ذلك أصحاب الرَّقيق في قيمة الوصفاء: الحُمْرَان والسُّودان (١).
• إِنَّمَا قالَ ذَلِكَ؛ لأنَّ الكتابة لَمَّا كانت موضوعةً على المسامحة؛ - لِأَنَّهَا عتقٌ بصفةٍ -، جاز أن يُتَسَاهَلَ فيها بما لم يُتَسَاهَلْ في البيع والإجارة؛ لأنَّهما معاوضة محضٌ ليس يدخلهما معروفٌ ولا عتقٌ، ويدخل ذلك في الكتابة.
ألا ترى: أنَّ الكتابة هي شراء العبد نفسَهُ من سيِّدِه، فكأنه قد اشترى مال سيِّده بمال سيِّده، ثمَّ جاز ذلك لحرمة العتق، فكذلك يجوز على الوصفاء.
والوصفاء هم الرقيق، يكون للسيِّد من وسط رقيق ذلك البلد، حمراناً كانوا أو سوداناً، لا أعلى ما في البلد من الوصفاء، ولا أدناه.
•••
[٢٨٥٠] قال: مالكٌ: والكتابة على الوصفاء من الأمر القديم، وكذلك يجوز عقد النِّكاح على الوصفاء (٢).
• لأنَّ النِّكاح أيضاً يجري مجرى المكارمة والمسامحة والمواصلة، وليس يجري مجرى المتاجرة والمكايسة، كما يجري ذلك في البيع والإجارة.
ألا ترى: أنَّ البيع لا يصحُّ بغير ثمنٍ مسمَّىً، وكذلك الإجارة لا تصحُّ بغير أجرةٍ معلومةٍ؛ لأنَّ الغرض فيهما المعاوضة، ويجوز عقد النِّكاح بغير مهرٍ مسمَّىً،
стр. 2396
ثمَّ يُسَمَّى بعد ذلك أو يجب بالدُّخول؛ لأنَّ الغرض ليس فيه المال، وإنّما الغرض فيه وقوع المواصلة وثبوت الحرمة والنَّسب، والله أعلم.
•••
[٢٨٥١] مسألة: قال: وإذا أُعِينَ المكاتَبُ في كتابته، فأدَّى وفَضَلَ، دَفَعَ ذلك إلى من أَعَانَهُ، فإن لم يقدر عليه، تصدَّقَ بذلك عنهم، أحبّ إليَّ من أن يدفع ذلك إلى مكاتَبٍ فيأكُله (١).
• إِنَّمَا قالَ ذَلِكَ؛ لأنَّهُ إذا دُفِعَ إليه في وجهٍ ما أو على صفةٍ ما، ثمَّ فضل عنه واستغنى، وجب ردُّه إلى ربِّه إن وجده، وإلَّا تصدَّق به.
قال مالكٌ: «وقد كان يُفْعَلُ ذلك قديماً» (٢).
•••
[٢٨٥٢] مسألة: قال: ولا بأس أن يستأجِرَ المكاتَبَ سَيِّدُهُ، فإن قاصَّه به من كتابته فلا بأس (٣).
• إِنَّمَا قالَ ذَلِكَ؛ لأنَّ استئجاره إيَّاه جائزٌ، كما يجوز لسيِّده أن يشتري منه سلعةً، فكذلك يجوز أن يستأجره بما عليه من الكتابة، ويقاصّه بها.
стр. 2397
ولا يدخُل هذا دينٌ بدينٍ، كما لا يدخل ذلك بيعه الكتابة من المكاتبِ بشيءٍ إلى أجلٍ؛ لأنَّ الكتابة يدخلها ضربٌ من الحريَّة والمسامحة، فجاز فيها ما لا يجوز في غيرها من البياعات والإجارات الَّتِي طريقها المتاجرة لا غير.
•••
[٢٨٥٣] مسألة: قال: وإذا هلك المكاتَبُ عن مالٍ كثيرٍ، فأراد أن يوصي عن ثلث ماله ولم يقض كتابته، فلا يكون ذلك له حَتَّى يَقْضِيَ كتابته (١).
• إِنَّمَا قالَ ذَلِكَ؛ لأنَّ المكاتَبَ عبدٌ قبل أن يؤدِّي كتابته كلّها - الَّتِي هي صفة عتقه -، فلا تجوز وصيّته بماله؛ لأنَّ لسيّده فيه حقّاً، كما لا تجوز وصيّة العبد إلَّا بإذن سيِّده، فكذلك المكاتب مثله.
•••
[٢٨٥٤] قال: وإذا أُعِينَ المكاتَبُ بما لم يكن فيه ما يَعْتَقُ به مِمَّا قاطع عليه، فليردَّه إلى أهله، فإن طابت أنفس الَّذِينَ أعانوه أن يدفعوا ذلك إلى مُكَاتَبٍ آخر، فلا بأس (٢).
• إِنَّمَا قالَ ذَلِكَ؛ لِمَا ذكرنا: أنَّه أُعْطِيَ على صفةٍ ما، فليس له أن يغيِّر ذلك، ولا يصرفه إلى غيرها، وعليه ردُّه إلى من أعانه، إلَّا أن يأذن له في صرف ذلك في وجهٍ آخر فيجوز.
•••
стр. 2398
[٢٨٥٥] مسألة: قال ومن كانت له مكاتَبَةً، فجاءه رجلٌ فقال: «افسخ كتابتها وزوِّجنيها، وأضمنها لك، فيكون ذلك لَكَ عليَّ (١) على أن تزوِّجني»، ففعل، ففسخ الكتابة وزوَّجَها، وولدت، ثمَّ هلك الرَّجل، فليس لها ميراثٌ في ماله، وهي أَمَةٌ، وبَنوْهَا كذلك، وليس ذلك حمالةٌ، وهي أَمَةٌ حين فَسَخَ كتابتها ولم يؤدّ كتابَتَهَا حَتَّى مات (٢).
• إِنَّمَا قالَ ذَلِكَ؛ لأنَّ الحمالة غير جائزةٍ في الكتابة؛ لِأَنَّهَا ليست بدينٍ ثابتٍ.
ولأنَّ في ذلك غرراً ومُخَاطرةً على ما بيَّنَّاه فيما تقدَّم.
فلمَّا لم تصحَّ الحمالة، لم يصحّ العتق، وكانت الكتابة بحالها، وولدها مكاتبون، والنّكاح ثابتٌ بحاله.
فإن مات لم يكن لها ميراثٌ؛ لِأَنَّهَا أَمَةٌ، ولا ترث الأمَةُ من زوجها ولا غيره.
ولم تكن عليه قيمةٌ في ابنتها ولا تكون (٣) حرَّةً؛ لأنَّ التقصير جاء من قبل السيِّد في ترك تعرُّفِ أنَّ هذا لا يجوز، فكان مخالفاً للمغرور الَّذِي يتزوج بأَمَةٍ على أنَّها حُرَّةٌ، أنَّ ولده أحرارٌ وتؤخذ منه قيمتهم؛ لأنَّ سيد الأمة لم يغرَّ ولم يقصِّر في هذا، كما قصَّر في تزويجه المكاتَبَةَ بترك تعرّفه أنَّ ما فعله غير جائزٍ.
•••
стр. 2399
[٢٨٥٦] مسألة: قال: وإذا كان على المكاتَبِ دَيْنٌ، فدفع إلى سيِّده عشرة دنانير، ثمَّ عجز، فطلبها الغرماء، فإن عُلِمَ أنَّها من أموالهم الَّتِي داينوه فيها، أخذوها من سيِّد المكاتَبِ (١).
• إِنَّمَا قالَ ذَلِكَ؛ لِأَنَّهَا إذا كانت من أموال الغرماء، كان لهم أخذها من السيِّد؛ لأنَّهم أحقّ بأموالهم من غيرهم، كما أنَّ المرتهن أحق بالرَّهن من سائر الغرماء؛ لقوَّة سببه، وكذلك من وجد عين ماله عند مُفْلِسٍ فهو أحقُّ به لقوَّة سببه، فكذلك الغرماء هم أولى بأموالهم من سيِّد المكاتب؛ لقوَّةِ سَبَبِهِمْ.
•••
[٢٨٥٧] مسألة: قال: وإذا كاتب رجلٌ عبْدَهُ، ثمَّ كتب عليه ذِكْرَ حَقٍّ - بعد الكتابة - بدينٍ له عليه، ثمَّ عجز المُكَاتَبُ وباعه سيِّده رقَبَةً، فَعَتَقَ وعليه ذكر الحق، ثمَّ ثاب له مالٌ، فإنَّ السَّيِّد يحاصُّهم بدينه مع غرمائه (٢).
• إِنَّمَا قالَ ذَلِكَ؛ لأنَّ المكاتب قد أخذ عوض هذا الدَّين الَّذِي هو للسيِّد من سيِّدِهِ، فكان للسيّد أن يحاصَّ الغرماء بِدَيْنِه؛ لأنَّ منزلته ومنزلتهم سواءٌ.
وليس ذلك بمنزلة ما يكون للسيِّد من الكتابة والعتق؛ لأنَّ ذلك ليس بمالٍ، فلا يحاصّ السيِّد الغرماء بدل العتق والكتابة، ويحاصُّهم بدل الدَّين الَّذِي أخذ المكاتَبُ عوضه منه.
•••
стр. 2400
كتاب العتق
[٢٨٥٨] قال عبد الله بن عبد الحكم: قلت لمالكٍ: أرأيت من أعتق بعض عبده بعد موته، أَيَعْتَقُ عَلَيْهِ فِي ثُلُثِهِ كُلُّهُ؟
قال: لا يَعْتَقُ عليه إلَّا ما أَعْتَقَ منه، ويكون ما بقي رقيقاً لورثته.
وإن أَعْتَقَ فبتَّ عِتْقَهُ في مرضه، أُعْتِقَ عليه بقيَّته في ثلثه (١).
• إِنَّمَا قالَ ذَلِكَ؛ لأنَّهُ إذا أعتقه بعد موته في وصيَّته، لم يعتق منه إلَّا ما أوصى بعتقه؛ لأنَّهُ لم يباشر عِتْقَه في حال حياته، وإنّما تقدَّم في ذلك إلى غيره، فإنما يقع العتق وقد صار سائر ماله لورثته، إلَّا ما أوصى فيه بعتقٍ أو غيره، فلم يجز أن يكمل عتق كلِّه عليه؛ لزوال ملكه إلى غيره في حال عتقه.
ألاترى: أنَّه لو برأ من مرضه، لم يعتق عَلَيْهِ ما أوصى بعتقه.
فأمَّا إذا بتَّ عتقه في مرضه، أعتق عليه كلُّه في مرضه من ثلثه؛ لأنَّهُ قد باشر العتق وأوقعه في حال حياته، وفي وقتٍ هو مالكٌ لماله، فكمل ذلك في ثلثه الَّذِي له التصرُّف فيه، كما لو أعتقه وهو صحيحٌ، لكمل ذلك في ماله كلّه؛ لأنَّ سبيل المريض في ثلث ماله في جواز تصرفه فيه ولزوم الأحكام فيه، كسبيل الصَّحيح في ماله كلّه.
стр. 2401
ألا ترى: أنَّ المريض إذا صحَّ [مـ]ـن مرضه، لزمه عتق العبد كلّه، أعني: الَّذِي كان أعتقه في المرض، ولم يلزمه عتق ما كان أوصى بعتقه بعد موته، فدلَّ ما ذكرناه على افتراق حكمهما.
•••
[٢٨٥٩] مسألة: قال: ومن أعتق عبداً له فبتَّ عِتْقَهُ، فليس له أن يجعل عليه خدمةً بعد عِتْقِهِ، ولا شيئاً من الرقِّ (١).
• إِنَّمَا قالَ ذَلِكَ؛ لأنَّهُ إذا فعل ذلك، فقد بَقَّى عليه شيئاً من أحكام الرقِّ، ولا يجوز أن يفعل ذلك به بعد عتقه.
•••
[٢٨٦٠] مسألة: قال: وإذا كان عبدٌ بين رجلين، فغاب أحدهما فأعتق الحاضر نصيبه، قُوِّمَ عليه، ولم يُنْتَظَرِ الغَائِبُ.
وقد قيل: إلَّا أن يكون قريباً لا يُخَافُ في مثل قُرْبِهِ على العبد تغيُّرُ شيءٍ من حاله، فَإِنَّهُ يُنتَظَر، وذلك أحبُّ إلينا (٢).
• إِنَّمَا قالَ ذَلِكَ؛ لأنَّ ذلك حقٌّ لازمٌ، - أعني: تكميل حريَّة العبد المُعتَقِ بعضه -؛ لأنَّهُ قد تعلَّق به حقٌّ لله ، من وجوب تكامل الحريَّة.
ولأنَّ في القيمة وصول كلّ واحدٍ إلى حقِّه، فوجب عتقه.
стр. 2402
ولا يجوز إسقاطه ولا تأخيره، كان الشَّريك الَّذِي لم يُعْتِق حاضراً أو غائباً؛ لأنَّ في تقويمه تنفيذ حقٍّ قد وجب لله تعالى وحقٍّ لآدميٍّ، فلا يجوز تأخير ذلك عن وقت وجوبه.
فأمَّا إذا كانت غيبته قريبةً، لا يكون في تأخيره مضرَّةٌ على العبد ولا على السيّد الغائب الَّذِي لم يُعْتِق - من تغيير قيمتة ونقصها -، انتُظِرَ به؛ حَتَّى يكون هو الَّذِي يطالب به ويحضر القيمة؛ لجواز أن يعرف من عبده ما يزيد في قيمته، ما لا يعرف ذلك غيره.
•••
[٢٨٦١] مسألة: قال: ومن أعتق شِرْكَاً له في عبدٍ، فَرَفَعَ إلى الإمام، فلم يُقَوَّم عليه؛ لأنَّهُ لم يكن له مالٌ، ثمَّ أيسر بعد ذلك، لم يُقَوَّم عليه.
وإن لم يُنْظَرْ في شأنه حَتَّى أيْسَرَ، قُوِّمَ عليه.
وقد قيل: إنَّه إن كان يوم أعتق، يُعْلَمُ منه: أن لو قام العبد لم يدرك شيئاً لِعُسْرِه، فلا شيء عليه إذا أيسر، إلَّا أن يكون العبد غائباً، فيَعْتَقُ عليه إذا أيسر (١).
• إِنَّمَا قالَ ذَلِكَ؛ لأنَّ المُعْتِقَ إذا لم يكن موسِرَاً في الحالين جميعاً: حال العتق والقيمة عند نظر الحاكم، فلا قيمة عليه على كلا القولين.
وإنّما اختَلَفَ قوله إذا كان معسراً في حال العتق، ثمَّ أيسر قبل القيمة:
فقال: لا يعتق عليه؛ لأنَّ المراعاة في وجوب القيمة يُسْرَه في الحالين
стр. 2403
جميعاً، وأن يدوم اليسر أيضاً من حين العتق إلى حين القيمة، من قِبَلِ أنَّ العتق إِنَّمَا يجب في المال لا الذمَّة، فمتى كان المُعْتِقُ موسِرَاً فـ[ـي] حال العتق إلى حال القيمة، وجب عليه عتق حصّة شريكه في ماله، ومتى زال يَسَاره بين ذلك، لم تجب عليه القيمة؛ لأنَّا لو أوجبنا ذلك عليه، كنَّا قد ألزمنا ذمَّته قيمة ذلك حين كان مُعْسِرَاً، ثمَّ أخذناها من ماله إذا أيسر، وهذا غير جائزٍ؛ لأنَّ النَّبيَّ ﷺ إِنَّمَا ألزم القيمة للمعتِقِ إذا كان موسِرَاً، ولم يُلْزِمه إذا كان مُعْسِرَاً (١).
ووجه قوله الآخر: «إنه يعتق إذا لم يُنْظَر في شأنه حَتَّى أيسر»؛ فلأنَّ المراعاة في اليُسْرِ إِنَّمَا تجب في حال (٢) الحكم؛ لأنَّ العتق به يقع لا ما قبل ذلك، فإذا كان موسراً في حال القيمة، وجب عليه عتق حصَّة شريكه؛ لأنَّ اعتبار عسره ويسره حين الحكم لا حين العتق، والله أعلم.
والقول الأوّل كَأَنَّه أقيس وأصحّ على قول مالكٍ.
•••
[٢٨٦٢] قال: ومن أعتق شِرْكَاً له في عبدٍ وهو معسرٌ، فلم يُقَوَّم عليه، فأعتق شريكٌ آخر بعده، فلا قيمة عليه؛ لأنَّهُ زاده خيرَاً (٣).
• إِنَّمَا قالَ ذَلِكَ؛ لأنَّ المُعْتِق الثاني لم يبتدئ الفساد في إيقاع الحريّة وإدخال الضَّرر على شريكه، فلم تلزمه القيمة، وإنّما الَّذِي فعل ذلك الشَّريك
стр. 2404
الأوَّل؛ لأنَّهُ لا فرق في الحريَّة إذا كانت في العبد بين أن تكون في ثلثه أو نصفه، وإذا كان كذلك، لم تكن على المعتق الثاني القيمة في حصَّة شريكه؛ لأنَّهُ لم يبتدئ بإدخال الضَّرر على شريكه، وإنّما زاد العبد في جزء الحريَّة الَّتِي فيه، فهذا معنى قول مالكٍ: «[لأنه] (١) زاده خيراً».
•••
[٢٨٦٣] مسألة: قال ومن أعتق شِرْكَاً له في عبدٍ ولا مال له، وللعبد مالٌ، أُوقِفَ مال العبد به (٢)، فإن عَتَقَ يوماً ما تبعه ماله (٣).
• إِنَّمَا قالَ ذَلِكَ؛ لأنَّهُ قد ثبت له بِعتق بعضه حرمةٌ له ولماله، فلا يجوز نزعه منه، كما لا يجوز نزع مال المكَاتَبِ؛ لِمَا قد ثبت له من عقد الحرية.
•••
[٢٨٦٤] قال: ومن أعتق شِرْكَاً له في عبدٍ ولا مال له، رَقَّ الباقي منه ولم يَسْعَ، إلَّا أن يتطوَّع بذلك سيِّده (٤).
• إِنَّمَا قالَ ذَلِكَ؛ لأنَّ النَّبيَّ ﷺ قال: «مَنْ أَعْتَقَ شِرْكَاً لَهُ فِي عَبْدٍ، قُوِّمَ عَلَيْهِ
стр. 2405
قِيمَةَ العَدْلِ إِنْ كَانَ مُوسِرَاً، فَأَعْطَى شُرَكَاءَهُ حِصَصَهُمْ، وَإِنْ كَانَ مُعْسِرَاً فَقَدْ عَتَقَ مِنْهُ مَا عَتَقَ».
رواه مالكٌ، وعبيد الله، ويحيى بن سعيدٍ الأنصاري، عن نافعٍ، عن ابن عمر، عن النَّبيِّ ﷺ (١).
فلمَّا قال النَّبيُّ ﷺ : «فَإِنْ كَانَ مُعْسِرَاً، فَقَدْ عَتَقَ مِنْهُ مَا عَتَقَ»، لم يعتق على الَّذِي لم يُعْتِقْ حِصَّته.
ولم تجب سِعَاية العبد؛ لأنَّ في سعايته إخراج ملك السَّيِّد عنه بغير فعلٍ كان منه، ولا جنايةٍ، ولا شيءٍ أوجب ذلك عليه، وإلزاماً لذمَّة العبد شيئاً لم يلزمه، ولا كان منه فِعْلٌ أوجب ذلك.
فإن قيل: قد روى قتادة، عن النَّضر بن أنسٍ، عن بشير بن نهيكٍ، عن أبي هريرة، عن النَّبيِّ ﷺ أنَّه قال: «فَإِنْ لَمْ يَكُنْ لِلْمُعْتِقِ مَالٌ، اسْتُسْعِيَ العَبْدُ غَيْرَ مَشْقُوقٍ عَلَيْهِ» (٢)؟
قيل له: لا يُعَارَضُ بهذا الحديثِ حَدِيثُ مالكٍ وعبيد الله عن نافعٍ، عن ابن عمر؛ لأنَّهُ ليس مثله في الصِّحة، ولا هو صحيحٌ في المعنى.
وقد قيل: إنَّ ذكر السّعاية إِنَّمَا هو من قول قتادة، قال همَّام: وقال قتادة: «ويسعى العبد».
стр. 2406
ومما يدلّ على إبطال السِّعاية، ما رواه مسدَّدٌ، قال: حدثنا حمَّاد بن زيدٍ، عن يحيى بن عتيقٍ (١) وأيوبٍ، عن الحسن وابن سيرين، عن عمران بن حصين: «أَنَّ رَجُلَاً أَعْتَقَ أَعْبُدَاً لَهُ، سِتَّةً عِنْدَ مَوْتِهِ، وَلَمْ يَكُنْ لَهُ مَالٌ غَيْرُهُمْ، فَبَلَغَ ذَلِكَ النَّبِيَّ ﷺ ، فَأَقْرَعَ بَيْنَهُمْ، فَأَعْتَقَ اثْنَيْنِ وَأَرَقَّ أَرْبَعَةً» (٢).
ورواه ابن عليَّة، عن أيوب، عن أبي قلابة، عن أبي المهلَّب (٣)، عن عمران بن حصين، عن النَّبيِّ ﷺ مثله (٤)، قال محمَّدٌ (٥): «لو لم يبلغني ذلك، لكان رأيي».
ففي هذا الحديث: بيان أنَّ السّعاية غير واجبةٍ؛ لأنَّ النَّبيَّ ﷺ أعتق اثنين من العبيد وأرقَّ أربعةً، ولم يُعْتِقْ من كلِّ عبدٍ حصَّةَ الثّلث، ثمَّ استسعاه في الباقي.
стр. 2407
فمن قال: «إنَّ العبد يسعى في بقيَّة ما فيه من الرقّ»، خالف هذا الخبر، وخبر ابن عمرٍ أيضاً، إلى غير خبرٍ صحيحٍ، ولا نظرٍ مستقيمٍ (١).
•••
[٢٨٦٥] قال: ومن أعتق شِرْكَاً له في عبدٍ، فلم يكن عنده من المال ما يخلِّصُه كلَّه، وكان عنده ما يخلّص بعضه، عَتَقَ منه بقدر ماله، وكان الباقي منه لسيّده (٢).
• إِنَّمَا قالَ ذَلِكَ؛ لأنَّ في ذلك إزالة شيءٍ من الضَّرر عن الَّذِي لم يُعْتِقْ وعن العبد أيضاً، فيجب ذلك (٣) بقدر مال المعْتِقِ؛ لأنَّهُ لَمَّا وجب عِتْقُهُ حصَّة شريكه كلّها إذا كان له مالٌ، وجب عتقها بقدر مَالِهِ؛ ليزول الضَّرر بقدر ذلك عن السيّد الَّذِي لم يعتق، وليتوفّر من حريَّة العبد أيضاً.
•••
[٢٨٦٦] مسألة: قال: وإذا كان العبد بين المسلم والنَّصرانيّ، فأعتق المسلم نصيبَهُ، قُوِّمَ عليه بقيَّته (٤).
• إِنَّمَا قالَ ذَلِكَ؛ لأنَّ في ذلك حقّاً للمسلم وعليه، فوجب النَّظر بينهما والحكم فيه؛ لأنَّهُ يجب على الحاكم النّظر في أمر المسلمين.
стр. 2408
فأمَّا إذا كان العبد بين نصرانيّينِ، فأعتق أحدهما (١)، لم يُقَوَّم عليه؛ لأنَّ الحاكم لا يحكم بينهم في حقوق الله وإن تَعَلَّقَ بها أيضاً حقٌّ لآدمِيّ، وإنّما يحكم بينهم في حقوق الآدميين مجرَّدَةً.
ألا ترى: أنَّه لا يحكم بينهم في شرب الخمر والزِّنا.
•••
[٢٨٦٧] قال: وإذا كان العبد بين النَّصْرَانِيَّيْنِ، فأعتق أحدهما نصيبه، فلا يُقوَّمُ عليه (٢).
• إِنَّمَا قالَ ذَلِكَ؛ لِمَا قد ذكرناه: أنَّ العتق هو حقٌّ لله تعالى، ولا يجوز أن نحكم بينهم بإقامة حقوق الله سبحانه، كما لا يجوز أن نحدَّهُم في شرب الخمر والزنا، ونمنعهم من الربا وأكل الخنزير، وقد قال الله : ﴿وَلَا يُحَرِّمُونَ مَا حَرَّمَ اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَلَا يَدِينُونَ دِينَ الْحَقِّ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ حَتَّى يُعْطُوا الْجِزْيَةَ﴾ [التوبة:٢٩]، فوجب إقرارهم، مع أنَّهم لا يقيمون حقوق الله تعالى، ولا يجتنبون انتهاك حرمه.
فإن كان العبد مسلماً، وجب عتقه كلّه على من أعتق بعضه؛ لأنَّهُ قد تعلّق بالعتق حقٌّ لمسلمٍ وهو العبد، فوجب تكميل ذلك له والنَّظر بينه وبين سيّده النَّصرانيّ، كما يجب أن يُنظَر بين المسلم والنَّصرانيِّ في حقوق المال وغيرها.
•••
стр. 2409
[٢٨٦٨] قال ومن وُهِبَ له نصف أبيه (١) فقَبِلَه، كان عليه استتمام ما بقي له من رِقِّهِ (٢).
• إِنَّمَا قالَ ذَلِكَ؛ لأنَّ قبوله سبب عتقه، فلزمه استكمال عتقه، كما لو اشترى بعض أبيه، لزمه عتق كلّه.
•••
[٢٨٦٩] مسألة: قال: ومن أعتق شِرْكَاً له في عبدٍ، وعنده المال الكثير الَّذِي يَسَعُهُ، أنَّه لا عتق له حَتَّى يُقَوَّم، فإن مات قبل ذلك مات عبدَاً (٣).
• إِنَّمَا قالَ ذَلِكَ؛ لأنَّ العتق إِنَّمَا يجب بعد وجوب القيمة - أعني: حصَّة الشَّريك الَّذِي لم يعتق -، والقيمة إِنَّمَا تجب بحكم الحاكم، وقد قال رسول الله صَلَّى الله عَلَيْهِ: «قُوِّمَ عَلَيْهِ قِيمَةَ العَدْلِ» (٤)؛ لأن إعطاءه القيمَةَ بمنزلة شرائه، ثمَّ يُعْتِقه؛ لأنَّهُ ليس يقع العتق على الإنسان فيما لا يملكه.
ولهذا قال مالكٌ: «إنَّه إذا أعتق شريكه النِّصف الباقي، أنَّ ذلك له؛ لأنَّهُ أعتق ما يملكه، فجاز عتقه له».
•••
стр. 2410
[٢٨٧٠] مسألة: قال: ومن أعتق شِرْكَاً له في عبدٍ، فقال العبد: «لا حاجة لي بِعِتْقِ ما بقِي»، فليس ذلك له (١).
• إِنَّمَا قالَ ذَلِكَ؛ لأنَّ في العتق حقَّين: حقّاً لله تعالى، وحقّاً لآدميّ، أعني: في تكميل عتق العبد متى أُعْتِقَ بعضه، وإذا كان كذلك، لم يجز للعبد ترك العتق ولا لسيِّده؛ لأنَّ حقّ الله تعالى قد تعلَّق بذلك، ولا يجوز ترك حقٍّ لله ، وعلى الحاكم تنفيذ ذلك.
•••
[٢٨٧١] مسألة: قال: ومن أعتق حصَّةً له في عبدٍ، فأقام شهرَاً، ثمَّ أعتَقَ شريكُهُ، فذلك له، وإنّما يُقَوَّمُ عليه إذا أبى (٢).
• إِنَّمَا قالَ ذَلِكَ؛ لأنَّ الغرض في عتق العبد كلّه تكميل حريّته، فإذا أعتقه الشَّريك الآخر، ثَبَتَ عتقه ولم يُقَوَّم على الآخر؛ لأنَّهُ أعتق ملكه، وإنّما يعتق على الأوّل بعد دفع القيمة إلى الثَّاني، فإذا أعتقه الثَّاني قبل ذلك، جاز عتقه.
•••
[٢٨٧٢] مسألة: قال: ومن أعتق حصَّةً له في عبدٍ بإذن شريكه، قُوِّمَ عليه (٣).
стр. 2411
• إِنَّمَا قالَ ذَلِكَ؛ لأنَّ في ذلك استكمال الحريّة، وهو حقٌّ لله جلَّ وعزَّ، فوجب إكمالها، سواءٌ كان ذلك بإذن شريكه أو لم يكن، أو أراد العبد ذلك أو أباه.
•••
[٢٨٧٣] مسألة: قال: ومن أعتق شِرْكَاً له في عبدٍ، فقُوِّمَ الباقي، فزعم المُعْتِقَ: «أنَّه سارِقٌ آبِقٌ وشريكه يعْلَم»:
• فإن أقرَّ له بذلك الشريكُ، فذلك له.
• وإن أنكر، لم يكن عليه يمينٌ وقوِّم عليه صحيحاً، إلَّا أن يأتي المعتِقُ ببَيِّنَةٍ (١).
• إنَّمَا قال: «إنَّه لا يُقْبَل ذلك منه»؛ لأنَّهُ يريد أن يُنْقِصَ قيمة العبد بما يدَّعيه فيه من السَّرقِ وغيره.
ولم يحلف شريكه؛ لعدم شيءٍ يقوِّي سبب المدَّعِي لهذه الأشياء، وإنّما يَسْتَحْلِفُ مالكٌ المدَّعَى عليه إذا قَوِيَ سبب المدَّعِي في دعواه، من: خِلْطَةٍ، أو شبهةٍ، أو معنىً من المعاني.
•••
стр. 2412
[٢٨٧٤] مسألة: قال: وإذا كان العبد الذميُّ بين المُسْلِمَيْنِ، فأعتق أحدهما نصيبه، قُوِّمَ عليه ما بقي منه (١).
• إِنَّمَا قالَ ذَلِكَ؛ لأنَّ هذا حكمٌ وجب على المسلِمِينَ، فوجب الحكم عليهما، سواءٌ كان العبد مسلماً أو كافراً، كما لو وجب عليهما حَقٌّ أُخِذَ مِنهُمَا، سواءٌ كان لمسلمٍ أو كافرٍ.
•••
[٢٨٧٥] مسألة: قال: ومن وَرِثَ أحدَاً من قرابته الَّذِينَ يَعْتَقُونَ عَلَيْهِ إذا ملكهم، وَرِثَ ذلك وغيره، فَإِنَّهُ لا يَعْتَقُ عليه إلَّا مصابَتَهُ الَّتي وَرِثَ.
وإن وَهَبَ له بعض من معه مصابَتَهُ فقبلها، أُعْتِقَ عليه ذلك الَّذِي وُهِبَ له مع مُصَابَتِهِ الَّتِي ورِثَ، ولا قيمة عليه فيما بقي (٢).
• إِنَّمَا قالَ ذَلِكَ؛ لأنَّهُ لا سبب له في الميراث وإدخاله في ملكه؛ لأنَّهُ وقع ذلك بغير فعله ولا اختياره، فلم يجب عليه استكمال عتقه.
فأمَّا إذا وُهِبَ له فقبله أو اشتراه، لزمه استكمال عتق الباقي؛ لأنَّ العتق إِنَّمَا وقع بإدخاله ملكه واختياره لذلك.
стр. 2413
فأمَّا إذا ورث شقصاً منه، ثمَّ وُهِبَ له بعد ذلك شقصٌ آخر فقبله أو اشتراه، فأعتق عليه أيضاً، لم يلزمه استكمال عتق الباقي؛ لأنَّهُ لم يبتدئ العتق بفعلٍ اختاره، فلم يجب عليه استكمال عتق باقيه، وإنّما يجب عليه العتق متى كان وقوع العتق عن فعلٍ اختاره - أعني: ابتداء وقوع العتق-.
فَأَمَّا وجوب عتق ما يملكه الإنسان، مثل الوالد وإن علا، والولد وإن سفل، والإخوة والأخوات كلّهم:
(فالدَّليل على عتق الولد: قول الله : ﴿وَقَالُوا اتَّخَذَ الرَّحْمَنُ وَلَدًا سُبْحَانَهُ بَلْ عِبَادٌ مُكْرَمُونَ﴾ [الأنبياء:٢٦]، وقال تعالى: ﴿وَقَالُوا اتَّخَذَ الرَّحْمَنُ وَلَدًا (٨٨) لَقَدْ جِئْتُمْ شَيْئًا إِدًّا (٨٩) تَكَادُ السَّمَاوَاتُ يَتَفَطَّرْنَ مِنْهُ﴾، إلى قوله: ﴿إِنْ كُلُّ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ إِلَّا آتِي الرَّحْمَنِ عَبْدًا﴾ [مريم:٨٨ - ٩٣]، فدلَّ هذا على أنَّ الولد لا ينبغي أن يكون عبداً؛ لأنَّهُ لو كان ولداً لم يكن عبداً، ولا خلاف في عتق الولد عليه إذا ملكه الإنسان بين أهل العلم.
(والـ[ـدَّلـ]ـيل على عتق الوالدين: قول الله : ﴿وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا﴾ [الأنعام:٣٦]، فليس من الإحسان إليهما استرقاقهما؛ لأنَّ في ذلك ذلَّةً لهما، ولا خلاف في هذا أيضاً.
(فأمَّا وجوب عتق الإخوة والأخوات: فلأنَّهم يحجبون الأمَّ، فيجرون مجرى الولد، فيحجبون الأمَّ عن الثّلث إلى السُّدس، فكان سببهم أقوى من غيرهم مِمَّنْ هو أبعد درجةً منهم.
ولأنَّ أنثاهم تأخذ مع الذَّكر كما تأخذ أنثى الولد مع الذَّكر، فجروا مجرى الولد في وجوب عتقهم لهذه العلَّة.
стр. 2414
فإن قيل: قد رُوِيَ عن النَّبيِّ ﷺ أنَّه قال: «مَنْ مَلَكَ ذَا رَحِمٍ مَحْرَمٍ، فَهُوَ حُرٌّ» (١)(٢)؟
قيل له: هذا حديثٌ رواه الحسن، عن سمرة، عن النَّبيِّ ﷺ ، وقد قال أحمد بن حنبل: «إنَّ الحسن لم يسمع من سمرة شيئاً» (٣).
ولو وجب عتقهم للحرمة، لوجب عتق الأمِّ والأخت من الرّضاعة؛ لحرمتهم.
•••
[٢٨٧٦] مسألة: قال: ومن أوصى بعِتْقِ عبده، فلم يحمل ذلك ثُلُثُهُ، فأجاز له بعض من وَرِثَه نصيبه، فلا قيمة عليه (٤)(٥).
• إِنَّمَا قالَ ذَلِكَ؛ لأنَّ الموصي بعتقه هو المُعْتِقُ، والولاء له دون الَّذِي أجازه، فلا قيمة على الَّذِي أجازه فيما بقي لشركائه من الورثة.
ولأنَّ الوارث لو كان مُعْتِقاً لحصَّته، لم تجب عليه القيمة؛ لأنَّهُ لم يبتدئ
стр. 2415
بالعتق فيكون مبتدئاً بإدخال الضَّرر على شريكه، وإنّما كان المبْتدِئُ بعتقه الموصِي.
•••
[٢٨٧٧] مسألة: قال: ومن اشترى شَقْصَاً من بَعْضِ من يَعْتِقُ عليه إذا ملكه، استتَمَّ الباقي عليه (١).
• إِنَّمَا قالَ ذَلِكَ؛ لأنَّ شراءه له سبب عتقه، فوجب تكميله عتقه كلّه.
وكذلك إذا وُهِبَ له فقبِلَه؛ لأنَّ (٢) بقبوله له ما عتق، فلزمه استكمال الحريَّة.
وليس كذلك الميراث؛ لأنَّهُ لا سبب له في دخوله في ملكه.
•••
[٢٨٧٨] مسألة: قال: ومن أوصِيَ له بثلث رقيقٍ، منهم أخوه، فإن قَبِلَ، عَتَقَ عليه كلَّه (٣).
• إِنَّمَا قالَ ذَلِكَ؛ لأنَّ بقبوله الوصيّة ما عتق بعضه، فهو سبب عتقه، فوجب عليه تكميل العتق كلّه، كما يجب ذلك عليه إذا اشترى بعضه.
•••
стр. 2416
[٢٨٧٩] مسألة: قال: ومن أعتق شِرْكَاً له في جاريةٍ، فلم يُقَوَّم ذلك عليه حَتَّى ولدت، فإنَّ ولدها بمنزلتها، يقوَّمون عليه جميعاً، وإنّما تكون القيمة قيمتهم يوم يُقَوَّمون ويَعْتَقُونَ (١).
• إِنَّمَا قالَ ذَلِكَ؛ لأنَّ كلّ من ثبت لها عقد حريّةٍ من الإماء لا سبيل إلى رفعه، فذلك ثابتٌ لولدها الَّذِي هي حاملٌ به، أو حدث من بعد العقد.
ألا ترى: أَنَّهُ لو أعتق أمَةً حاملاً، لعتق ولدها.
وكذلك أمّ الولد، ولدها يعتق بعتقها، وكذلك ما يحدث لها من ولدٍ بعد كونها أمَّ ولدٍ يعتق بعتقها، وكذلك المدبَّرَة.
فوجب أن تُقَوَّم هذه الأمة وولدها قيمةً واحدةً؛ لأنَّ حكم ولدها حكمها، ثمَّ يعتقون على السيّد الَّذِي أعتق بعضهم بعد دفع قيمتهم إلى الشَّريك الَّذِي لم يُعتِق.
•••
[٢٨٨٠] مسألة: قال: ومن أعتق شِرْكَاً له في عبد بَتْلَاً، وأعتق شريكه إلى سنةٍ، فليس ذلك له، إمَّا أعتَقَ بتلاً، وأمّا قُوِّمَ على شريكه كلّه (٢).
• إِنَّمَا قالَ ذَلِكَ؛ لأنَّ العتق البتل أوكد من العتق إلى سنةٍ؛ لأنَّ حرمته قد ثبتت في الحال، والعتق إلى سنةٍ إِنَّمَا تثبت حرمته إلى سَنَةٍ، وقد يموت العبد قبلها، فوجب تكميل حريّة العبد في الحال؛ لأنَّ ذلك حقٌّ قد وجب لله
стр. 2417
وللعبد، إلَّا أن يُعْتِقَ الشَّريك الَّذِي أعتق إلى سنةٍ العبد عتقاً منجزاً فيجوز ذلك؛ لأنه أعتق ما يملكه.
•••
[٢٨٨١] مسألة: قال: ومن أوصى بحصَّةٍ من عبدٍ لصبيٍّ يتيمٍ مِمَّنْ يَعْتِقُ عليه إذا ملكه، أُعْتِقَ على الصَّبيِّ تلك الحصَّة وحدها، ولا يلزم استتمام ما بقي، وإن قَبِلَ ذلك له وليُّه (١).
• إِنَّمَا قالَ ذَلِكَ؛ لأنَّ الصَّبيَّ لا سبب له في العتق؛ لأنَّهُ لم يقبل ولا يصحّ منه قبولٌ.
وكذلك إن قبله وليّه لم يلزم (٢) العتق؛ لأنَّهُ لا يجوز له أن يُتلِف مال اليتيم بأن يفعل فعلاً يلزمه منه عتقٌ.
•••
[٢٨٨٢] مسألة: قال: وإذا قاطع الرّجل عبدَاً له فيه شَرِكَةٌ بغير إذن شريكه، فَإِنَّهُ يُرَدُّ العبدُ رقيقاً، ويَرُدُّ السيِّدُ ما قاطع عليه، ولا يُقَوَّمُ عليه فيَعْتَق.
وقد قيل: إنَّه يَرُدُّ، ثمَّ يَعْتَقُ على الَّذِي قاطَعَ، إلَّا أن يكون أراد وجه الكتابة، وإذا كان إِنَّمَا أراد العِتْقَ، رَدَّ ذلك، ويُقَوَّمُ العبد عليه (٣).
• إِنَّمَا قالَ ذَلِكَ؛ لأنَّهُ لم يقصد بعتقه القربة إلى الله تعالى، وإنّما قصد
стр. 2418
طلب الفضل والمال، فلم يجز أن يُلزَم القيمة لتكميل الحريَّة؛ لأنَّهُ لم يقصدها للقربة.
فأمَّا إذا أراد وجه العتق لا الكتابة، فَإِنَّهُ يعتقُ عليه؛ لوجوب تكميل الحريَّة الَّتِي فيها حقٌّ لله ، وحقُّ آدميٍّ.
ولأنَّ المُعْتِقَ إِنَّمَا أراد بالعتق وجه القربة إلى الله تعالى، لا طلب الفضل في العتق كما يطلبه المكاتِبُ للعبد.
•••
[٢٨٨٣] مسألة: قال: ومن أَعْتَقَ ثُلُثُ عبدٍ لَهُ وهو صحيحٌ، فلم يُقَوَّم عليه حَتَّى مات، فلا يَعْتَق منه إلَّا ثلثه (١).
• إِنَّمَا قالَ ذَلِكَ؛ لأنَّ المال قد صار لغيره قبل استكمال (٢) الحريّة، وذلك أنَّهَا تكون بعـ[ـد] دفع قيمة نصيب الشَّريك الَّذِي لم يعتق إليه، وقد فات ذلك.
وكذلك إذا كان العبد كلّه للمعتِقِ بعضَه، ثمَّ مات قبل حكم الحاكم عليه بعتقه، لم يعتق منه إلَّا ما أعتقه؛ لأنَّ باقي العبد قد صار لورثته وهم لم يعتقوه، فلم يجب تكميل عتقه عليهم، والله أعلم.
•••
стр. 2419
[٢٨٨٤] مسألة: قال: وإذا أعتق الرّجل شَقْصَاً له يسيراً في جاريةٍ مرتفعةٍ، مضى ذلك عتقاً، وإن لم يكن له مالٌ (١).
• إِنَّمَا قالَ ذَلِكَ؛ لأنَّ الحريّة إذا وقعت فلا سبيل إلى رفعها، وسواءٌ كانت قليلةً أو كثيرةً.
ولو جاز رفع الحريَّة إذا تقرّرت، جاز استرقاق الحرِّ من غير سببٍ أوجب استرقاقه، وهذا فاسدٌ.
•••
[٢٨٨٥] مسألة: قال: ومن أراد أن يُدَبِّرَ عبداً له بينه وبين يتيمٍ له، فليأت السّلطان حَتَّى يكون النَّاظر لليتيم، ولا يعامِلُ هو نَفْسه (٢).
• إِنَّمَا قالَ ذَلِكَ؛ لأنَّهُ إذا دَبَّر حِصَّته في عبدٍ، احتيج إلى مقاواته (٣)، ولا يجوز أن يُقَوِّمَ هو حصَّة يتيمه على نفسه حَتَّى يُقَوِّمَها الإمام؛ لجواز أن يحابي نفسه في القيمة.
•••
[٢٨٨٦] قال: ومن أعتق حصَّةً له في عبدٍ، فلم يُقَوَّم عليه حَتَّى مات، فإن
стр. 2420
كان موته بحداثة العتق - لم يَطُلْ ولم يُؤَخَّر -، قُوِّمَ عليه في رأس ماله، ولا يكون في الثُّلُثِ.
وقد قيل: إنَّه لا يَعْتِقُ منه إلَّا النِّصف الَّذِي عَتَقَ، والأوّل أحبّ إلينا (١).
• إنَّمَا قال: «إنَّه يَعْتِقُ باقي العبد (٢) في رأس ماله وإن مات»؛ فلأنَّ عتقه من (٣) قد لزمه في حال صحّته؛ لأنَّه حين أعتق كان موسرَاً، فلزمته قيمة حصَّة شريكه، كما يلزمه أرش الجناية وقضاء الدَّيْنِ وغير ذلك، فيُخْرَج من رأس ماله.
ووجه قوله الآخر: هو أنَّ العِتْقَ إِنَّمَا يلزمه بالقيمة، فمتى بقي ملكه حَتَّى يُقَوَّمَ عليه، قُوِّمَ عليه، ومتى زال إلى غيره مِمَّنْ لم يعتقه، فلا يلزمه عتق حصَّة شريكه.
•••
[٢٨٨٧] مسألة: قال: ومن أَعْتَقَ ثُلُثَ عبدٍ له في صحَّته بَتْلاً، ثمَّ عَلَّمَ به في مرضه، عَتَقَ الباقي منه في ثلثه (٤).
• إِنَّمَا قالَ ذَلِكَ؛ لأنَّ العتق قد لزمه في كلّ العبد بِعِتْقِ بعضه، فلزمه أن يَنْفُذَ ذلك في ثلثه؛ لأنَّ سبيل المريض في ثلثه وما يلزمه فيه مِمَّا يتصرف فيه على غير معاوضةٍ - من العتق والهبة وأشباه ذلك -، كسبيل الصَّحيح في ماله كلّه،