← Фикх малики

Фикх малики · id 1326

شرح المختصر الكبير للأبهري

الأبهري

Полный текст (2 801 стр.). Показаны 2416–2455 · переход к 2421.

стр. 2416

[٢٨٧٩] مسألة: قال: ومن أعتق شِرْكَاً له في جاريةٍ، فلم يُقَوَّم ذلك عليه حَتَّى ولدت، فإنَّ ولدها بمنزلتها، يقوَّمون عليه جميعاً، وإنّما تكون القيمة قيمتهم يوم يُقَوَّمون ويَعْتَقُونَ (١). • إِنَّمَا قالَ ذَلِكَ؛ لأنَّ كلّ من ثبت لها عقد حريّةٍ من الإماء لا سبيل إلى رفعه، فذلك ثابتٌ لولدها الَّذِي هي حاملٌ به، أو حدث من بعد العقد. ألا ترى: أَنَّهُ لو أعتق أمَةً حاملاً، لعتق ولدها. وكذلك أمّ الولد، ولدها يعتق بعتقها، وكذلك ما يحدث لها من ولدٍ بعد كونها أمَّ ولدٍ يعتق بعتقها، وكذلك المدبَّرَة. فوجب أن تُقَوَّم هذه الأمة وولدها قيمةً واحدةً؛ لأنَّ حكم ولدها حكمها، ثمَّ يعتقون على السيّد الَّذِي أعتق بعضهم بعد دفع قيمتهم إلى الشَّريك الَّذِي لم يُعتِق. ••• [٢٨٨٠] مسألة: قال: ومن أعتق شِرْكَاً له في عبد بَتْلَاً، وأعتق شريكه إلى سنةٍ، فليس ذلك له، إمَّا أعتَقَ بتلاً، وأمّا قُوِّمَ على شريكه كلّه (٢). • إِنَّمَا قالَ ذَلِكَ؛ لأنَّ العتق البتل أوكد من العتق إلى سنةٍ؛ لأنَّ حرمته قد ثبتت في الحال، والعتق إلى سنةٍ إِنَّمَا تثبت حرمته إلى سَنَةٍ، وقد يموت العبد قبلها، فوجب تكميل حريّة العبد في الحال؛ لأنَّ ذلك حقٌّ قد وجب لله

стр. 2417

وللعبد، إلَّا أن يُعْتِقَ الشَّريك الَّذِي أعتق إلى سنةٍ العبد عتقاً منجزاً فيجوز ذلك؛ لأنه أعتق ما يملكه. ••• [٢٨٨١] مسألة: قال: ومن أوصى بحصَّةٍ من عبدٍ لصبيٍّ يتيمٍ مِمَّنْ يَعْتِقُ عليه إذا ملكه، أُعْتِقَ على الصَّبيِّ تلك الحصَّة وحدها، ولا يلزم استتمام ما بقي، وإن قَبِلَ ذلك له وليُّه (١). • إِنَّمَا قالَ ذَلِكَ؛ لأنَّ الصَّبيَّ لا سبب له في العتق؛ لأنَّهُ لم يقبل ولا يصحّ منه قبولٌ. وكذلك إن قبله وليّه لم يلزم (٢) العتق؛ لأنَّهُ لا يجوز له أن يُتلِف مال اليتيم بأن يفعل فعلاً يلزمه منه عتقٌ. ••• [٢٨٨٢] مسألة: قال: وإذا قاطع الرّجل عبدَاً له فيه شَرِكَةٌ بغير إذن شريكه، فَإِنَّهُ يُرَدُّ العبدُ رقيقاً، ويَرُدُّ السيِّدُ ما قاطع عليه، ولا يُقَوَّمُ عليه فيَعْتَق. وقد قيل: إنَّه يَرُدُّ، ثمَّ يَعْتَقُ على الَّذِي قاطَعَ، إلَّا أن يكون أراد وجه الكتابة، وإذا كان إِنَّمَا أراد العِتْقَ، رَدَّ ذلك، ويُقَوَّمُ العبد عليه (٣). • إِنَّمَا قالَ ذَلِكَ؛ لأنَّهُ لم يقصد بعتقه القربة إلى الله تعالى، وإنّما قصد

стр. 2418

طلب الفضل والمال، فلم يجز أن يُلزَم القيمة لتكميل الحريَّة؛ لأنَّهُ لم يقصدها للقربة. فأمَّا إذا أراد وجه العتق لا الكتابة، فَإِنَّهُ يعتقُ عليه؛ لوجوب تكميل الحريَّة الَّتِي فيها حقٌّ لله ، وحقُّ آدميٍّ. ولأنَّ المُعْتِقَ إِنَّمَا أراد بالعتق وجه القربة إلى الله تعالى، لا طلب الفضل في العتق كما يطلبه المكاتِبُ للعبد. ••• [٢٨٨٣] مسألة: قال: ومن أَعْتَقَ ثُلُثُ عبدٍ لَهُ وهو صحيحٌ، فلم يُقَوَّم عليه حَتَّى مات، فلا يَعْتَق منه إلَّا ثلثه (١). • إِنَّمَا قالَ ذَلِكَ؛ لأنَّ المال قد صار لغيره قبل استكمال (٢) الحريّة، وذلك أنَّهَا تكون بعـ[ـد] دفع قيمة نصيب الشَّريك الَّذِي لم يعتق إليه، وقد فات ذلك. وكذلك إذا كان العبد كلّه للمعتِقِ بعضَه، ثمَّ مات قبل حكم الحاكم عليه بعتقه، لم يعتق منه إلَّا ما أعتقه؛ لأنَّ باقي العبد قد صار لورثته وهم لم يعتقوه، فلم يجب تكميل عتقه عليهم، والله أعلم. •••

стр. 2419

[٢٨٨٤] مسألة: قال: وإذا أعتق الرّجل شَقْصَاً له يسيراً في جاريةٍ مرتفعةٍ، مضى ذلك عتقاً، وإن لم يكن له مالٌ (١). • إِنَّمَا قالَ ذَلِكَ؛ لأنَّ الحريّة إذا وقعت فلا سبيل إلى رفعها، وسواءٌ كانت قليلةً أو كثيرةً. ولو جاز رفع الحريَّة إذا تقرّرت، جاز استرقاق الحرِّ من غير سببٍ أوجب استرقاقه، وهذا فاسدٌ. ••• [٢٨٨٥] مسألة: قال: ومن أراد أن يُدَبِّرَ عبداً له بينه وبين يتيمٍ له، فليأت السّلطان حَتَّى يكون النَّاظر لليتيم، ولا يعامِلُ هو نَفْسه (٢). • إِنَّمَا قالَ ذَلِكَ؛ لأنَّهُ إذا دَبَّر حِصَّته في عبدٍ، احتيج إلى مقاواته (٣)، ولا يجوز أن يُقَوِّمَ هو حصَّة يتيمه على نفسه حَتَّى يُقَوِّمَها الإمام؛ لجواز أن يحابي نفسه في القيمة. ••• [٢٨٨٦] قال: ومن أعتق حصَّةً له في عبدٍ، فلم يُقَوَّم عليه حَتَّى مات، فإن

стр. 2420

كان موته بحداثة العتق - لم يَطُلْ ولم يُؤَخَّر -، قُوِّمَ عليه في رأس ماله، ولا يكون في الثُّلُثِ. وقد قيل: إنَّه لا يَعْتِقُ منه إلَّا النِّصف الَّذِي عَتَقَ، والأوّل أحبّ إلينا (١). • إنَّمَا قال: «إنَّه يَعْتِقُ باقي العبد (٢) في رأس ماله وإن مات»؛ فلأنَّ عتقه من (٣) قد لزمه في حال صحّته؛ لأنَّه حين أعتق كان موسرَاً، فلزمته قيمة حصَّة شريكه، كما يلزمه أرش الجناية وقضاء الدَّيْنِ وغير ذلك، فيُخْرَج من رأس ماله. ووجه قوله الآخر: هو أنَّ العِتْقَ إِنَّمَا يلزمه بالقيمة، فمتى بقي ملكه حَتَّى يُقَوَّمَ عليه، قُوِّمَ عليه، ومتى زال إلى غيره مِمَّنْ لم يعتقه، فلا يلزمه عتق حصَّة شريكه. ••• [٢٨٨٧] مسألة: قال: ومن أَعْتَقَ ثُلُثَ عبدٍ له في صحَّته بَتْلاً، ثمَّ عَلَّمَ به في مرضه، عَتَقَ الباقي منه في ثلثه (٤). • إِنَّمَا قالَ ذَلِكَ؛ لأنَّ العتق قد لزمه في كلّ العبد بِعِتْقِ بعضه، فلزمه أن يَنْفُذَ ذلك في ثلثه؛ لأنَّ سبيل المريض في ثلثه وما يلزمه فيه مِمَّا يتصرف فيه على غير معاوضةٍ - من العتق والهبة وأشباه ذلك -، كسبيل الصَّحيح في ماله كلّه،

стр. 2421

فلمَّا كان يلزم ذلك الصَّحيح في ماله كلّه لو أعتق بعضه، لزم المريض ذلك في ثلثه. ••• [٢٨٨٨] مسألة: قال: وإذا كان العبد بين ثلاثة نفرٍ: لأحدهم نصفه، ولآخر ثلثه، وللآخر سدسه، فأعتق صاحب الثّلث والسُّدس في كلمةٍ واحدةٍ، قُوِّمَ عليهما نصيب صاحبهما بقدر أنصبائِهِما منه، ولا يُقَوَّم شطرين. فإن لم يكن لأحدهما مالٌ، قُوِّمَ ذلك على شريكه كلّه الَّذِي أعتق معه في صفقةٍ واحدةٍ (١). • إِنَّمَا قالَ ذَلِكَ؛ لأنَّ كلَّ واحدٍ منهما قد أدخل الضَّرر على شريكه بسبب عتقه في حالٍ واحدةٍ، فمتى كانت حصَّته أكثر، فالضَّرر الَّذِي أوقعه أكثر، فوجب أن تكون القيمة عليه على حسب ما أدخل من الضَّرر. وذلك بمنزلة الشّفعة، أنَّهَا على حسب الأنْصِباء لا الرُّؤوس؛ لأنَّهُ يُرَاعى فيها دفع الضَّرر. وأحسب أنَّ مالكاً قد قال: «إنَّهما يستويان في القيمة»؛ لأنَّ الضَّرر باليسير من العتق في العبد كهو في كبيره؛ لدخول جزء الحريَّة فيه، وهو قول عبد الملك (٢). ومنزلة ذلك منزلة نفقة الأبوين، أنَّه يستوي فيها من كَثُرَ ملكه ومن قلَّ.

стр. 2422

وقوله: «إنَّه يَعتق على أحدهما إذا لم يكن للآخر مالٌ»؛ فلأنَّه قد أدخل الضَّرر على شريكه بعتقه حصّته من العبد، فوجب عتقه عليه؛ لأنَّهُ ليس أحد الشّريكين بالعتق عليه أولى من الآخر؛ لأنَّه لم يتقدَّم عتق أحدهما الآخر، كما إذا تقدَّم عتق أحدهما ويكون معسرَاً، فلا يقوَّم على المعتِقِ الآخرِ؛ لأنَّ المُعتِقَ الثَّاني لم يبتدئ الضَّرر، وإنّما ابتدأه الأوَّل، وإذا أَعْتَقَا معاً في كلمةٍ واحدةٍ أو حالٍ واحدةٍ، فلم ينفرد أحدهما بإدخال الضَّرر بعتق حصَّته دون الآخر، فاستويا في وجوب القيمة عليهما للشَّريك الَّذِي لم يُعْتِقْ. ••• [٢٨٨٩] مسألة: قال: ومن قال لعبده وهو صحيحٌ: «ثلثك حرٌّ»، أُعْتِقَ كُلّه (١). • إِنَّمَا قالَ ذَلِكَ؛ لوجوب تكميل الحريّة كلّها؛ لأنَّهُ لَمَّا لزمه تكميل حرية العبد كلّه إذا كان بينه وبين شريكه متى أعتق حصَّته، كان ذلك في العبد إذا انفرد بملكه أولى، ولا خلاف في ذلك بين أهل العلم. وقد رُوِيَ: «أَنَّ رَجُلَاً أَعْتَقَ حِصَّتَهُ مِنْ عَبْدٍ، فَأَعْتَقَهُ عَلَيْهِ النَّبِيُّ ﷺ كُلّهُ، وَقَالَ: لَيْسَ لِلهِ شَرِيكٌ» (٢)، هذا معنى الحديث. •••

стр. 2423

[٢٨٩٠] مسألة: قال: ومن أعتق شِرْكَاً له في عبدٍ، فجُهِلَت القيمة، والمعتِقُ مُوسِرٌ، حَتَّى باع الشَّريك، فالبيع مفسوخٌ، ويُرَدُّ حَتَّى يُقَوَّمَ على المعتِقِ (١). • إِنَّمَا قالَ ذَلِكَ؛ لأنَّ تكميل العتق قد لزم المعتِقَ في العبد كلّه متى أعتَقَ حصَّته، فلا يجوز بيعه، كما لا يجوز بيع أمِّ الولد والمكاتب والمدَبَّرِ. ••• [٢٨٩١] مسألة: قال: ومن وهب شركةً في عبدٍ لعبده، قوِّمَ عليه الباقي منه (٢). • إِنَّمَا قالَ ذَلِكَ؛ لأنَّهُ ملَّكه شيئاً من نفسه، وذلك عِتْقُهُ، فوجبت عليه القـ[ـيمة] لشريكه في حصَّته. ••• [٢٨٩٢] مسألة: قال: ومن أعتق ثلث عبدِهِ، وأخدَمَ ثلثه، وباع ثلثه، ثمَّ مات، فليس يَعْتَقُ من العبد إلَّا ما أعتَقَ (٣). • إِنَّمَا قالَ ذَلِكَ؛ لأنَّ العتق إِنَّمَا يلزمه مع بقاء ملكه، فإذا زال ملكه، لم يجز عتق باقي العبد؛ لأنَّهُ قد صار لغيره الَّذِي لم يعتق منه شيئاً.

стр. 2424

وكذلك لو أعتقه وهو موسرٌ، ثمَّ أعسر، لم تلزمه القيمة لشريكه. ••• [٢٨٩٣] مسألة: قال: ومن أعْتَقَ ثلث عبده، ثمَّ رهقه دينٌ، أُعْتِقَ ثلثه، وكان الدَّيْنُ أولى بما بقي (١). • إِنَّمَا قالَ ذَلِكَ؛ لأنَّ تكميل حريَّة ما بقي في العبد، إِنَّمَا يكون بأن ينظر الحاكم في ذلك؛ لئلا يكون على المعتِقِ دينٌ، فلم يلزمه العتق في الباقي من العبد إلَّا بعد نظر الحاكم فيه، فمتى رهقه دينٌ، لم يعتق عليه باقيه؛ لأنَّ أداء الدَّيْنِ أولى من العتق على قول مالكٍ كما ذكرناه. وكذلك المريض يُعْتِقُ عبده ثمَّ يطرأ دينٌ بعد عِتْقِهِ؛ لوجوب تقدمة الدَّيْنِ على العتق. ••• [٢٨٩٤] مسألة: قال: ومن أعتق شِرْكَاً له في عبدٍ، وقد كان تصدَّق بخدمته حياته، أُعْتِقَ عليه؛ لأنَّ من تَصَدَّق عليه لم يقبل صدقته (٢). • إِنَّمَا قالَ ذَلِكَ؛ لجواز أن يكون المتَصَدَّقُ عليه لم يقبل الخدمة، فجاز عتقه؛ لأنَّهُ لم يتعلَّق فيه حقٌّ لأحدٍ.

стр. 2425

ولو كان قَبِلَ الخدمة، لم يجز عتقه حَتَّى تنقضي الخدمة، كما لو أجَّره، ثمَّ أعتقه، لم يجز عتقه؛ لثبوت حقِّ المستأجر والمُخْدَمِ في العبد. ••• [٢٨٩٥] مسألة: قال: ومن أعتق شِرْكَاً له في عبدٍ وهو زرَّاعٌ، قُوِّمَ في موضعه الَّذِي يُعْرَفُ فيه عَمَلُهُ (١). • إِنَّمَا قالَ ذَلِكَ؛ لأنَّ في قيمته هناك توفيراً لحقِّ الَّذِي لم يُعْتِق، فوجب أن يُقَوَّم حيث لا يضرّ به. ••• [٢٨٩٦] مسألة: قال: ومن أعتق شِرْكَاً له في عبدٍ بعد موته، وأوصى بعتق ما لشركائه، أُعْتِقَ في ثلثه، وبُدِّئَ على الوصايا (٢). • إِنَّمَا قالَ ذَلِكَ؛ لأنَّهُ عِتْقُ عبدٍ بعينه، فوجب تقدمته على الوصايا؛ لحرمة العتق؛ لأنَّهُ حقٌّ يثبت في البدن. ووجب عتق ما لشركائه؛ لوصيَّته بذلك؛ لا لعتق حصَّته في وصيَّته، وقد فسَّرنا هذا فيما تقدَّم. •••

стр. 2426

[٢٨٩٧] مسألة: قال: ومن أعتق شِرْكَاً له في عبدٍ، فبلغ صاحِبَهُ فقال: «لا أُعْتِقُ، ولكن أطلب حقِّي»، وكان صاحِبُهُ موسرَاً، ثمَّ بدا له أن يرجع إلى العِتْقِ، فليس ذلك له، ويُعْتَقُ على الأوَّلِ (١). • إِنَّمَا قالَ ذَلِكَ؛ لأنَّهُ قد ثَبَتَ الولاء كلّه للَّذي أعتقه بقوله: «لا أُعْتِقُ»؛ لأنَّهُ قد رضي بالقيمة، فليس له أن يرجع عن ذلك إلى عتقه؛ لأنَّ في ذلك إبطال حقِّ غيره. ••• [٢٨٩٨] مسألة: قال: ومن أعتق عبيدَاً له عند الموت، ليس له مالٌ غيرهم، قُسِّمُوا أثلاثاً، ثمَّ أُسْهِمَ بينهم، فيَعْتَقُون بالسَّهم، ويَرِقُّ ما بقي، فإن كان فيهم فضلٌ، رُدَّ السَّهم عليهم، فأُعْتِقَ الفَضْلُ، ترك مالاً غيرهم أو لم يترك (٢). • إِنَّمَا قالَ ذَلِكَ؛ لأنَّهُ متعدٍّ بعتق كلِّهم؛ لأنَّهُ أخذ ماله ومال الورثة، فوجب ردُّ تعدِّيه وقصره على ما يجوز له أخذه - وهو الثّلث -، وكذلك فعل رسول الله ﷺ . فروى ابن عليَّة، عن أيوب، عن أبي قلابة، عن أبي المهلَّب، عن عمران بن حصين: «أَنَّ رَجُلَاً كَانَ لَهُ سِتَّةُ أَعْبُدٍ، فَأَعْتَقَهُمْ عِنْدَ المَوْتِ، فَأَقْرَعَ بَيْنَهُمُ النَّبِيُّ ﷺ ، فَأَعْتَقَ مِنْهُمُ اثْنَيْنِ وَأَرَقَّ أَرْبَعَةً» (٣).

стр. 2427

وروى عبيد الله بن موسى، قال: أخبرنا إسرائيل، عن عبد الله بن المختار (١)، عن محمد بن زياد، عن أبي هريرة، عن النَّبيِّ ﷺ مثله (٢). ••• [٢٨٩٩] مسألة: قال: ومن أعتق رقيقاً له عند الموت، وعليه دينٌ يحيط بنصفهم، فإن استُطِيعَ أن يُعْتَقَ من كلّ واحدٍ منهم نصفه، فُعِلَ ذلك بهم (٣). • إِنَّمَا قالَ ذَلِكَ؛ لأنَّه قد أعتق من كلّ واحدٍ من العبيد بعضه بتلاً، فوجب أن يُقْضَى دينه، ثمَّ يعتق من كلّ واحدٍ من العبيد بقدر ما بقي من ثلثه؛ لأنَّهُ لم [يُو] قِعِ الحريَّة على جماعتهم، وإنّما أعتق من كلِّ واحـ[ـدٍ حصَّة الثّـ]ـلث (٤)، فوجب تقدمة الدَّين؛ لأنَّ المعتَقَ بعضه إذا بيع نقص ثمنه عن ثمن العبد الَّذِي ليس فيه عتقٌ، فقُدِّم الدَّين، ثمَّ الحريّة بعده لِأَنَّهَا الوصيّة، ثمَّ الميراث بعدها. وهكذا الحكم فيمن أعْتَقَ في مرضه من كلّ عبدٍ يملكه ثُلُثَه، أَنَّهُ يعتق من كلّ واحدٍ من العبيد ما يحمل الثّلث منه، ويكون باقي الثُّلثين لورثته. ••• [٢٩٠٠] مسألة: قال: ومن أعتق رأساً من رقيقه بعد موته، وله عشرةٌ، ولم يسمِّه: قُوِّمُوا جميعاً، ثمَّ قُسِمَت القيمة أعشارَاً، ثمَّ أُقْرِعَ بينهم، فمن طار له السَّهم

стр. 2428

أُعْتِقَ بتلك القيمة، إن خرج كلّه أو خرج بعضه، فإن كانت قيمته أقلَّ من ذلك، أُقْرِعَ بين من بقي، فيُعْتَقُ ذلك الفضل منه. وكذلك من أوصى ببعيرٍ من إبله، أو بنخلةٍ من نخلِهِ (١). • إِنَّمَا قالَ ذَلِكَ؛ لأنَّهُ لَمَّا لم يسمّ الرَّأس الَّذِي أعتقه، وكذلك ما أوصى به من بعيرٍ أو نخلٍ، لم يجز أن نُعتِق أعلى ذلك ولا نُنْفِذَه في الوصيَّة؛ لأنَّ في ذلك ضرراً على الوارث. ولا نُخْرِج أدنى ذلك؛ لجواز أن يكون الموصي أراد أعلاه. فكان العدل في ذلك: أن نَنْظُرَ إلى جزءٍ واحدٍ من أجزاء الرَّقيق الَّذِي أسمى واحداً منهم، فنعتقه بالقيمة، أو ندفع ذلك إلى الموصى له على ما فسَّره مالك؛ لئلا يكون في ذلك حملٌ على الفريقين. وجعلنا قوله: «رأساً من عشرةٍ»، كأنَّه قال: «جزءاً من عشرةٍ». فعلى هذا يجري هذا الباب، في العتق والوصيَّة والصَّدقة والهبة. فإن قيل: إنَّ مال الموصي قد ثبت ملكه عليه، فوجب أن يرثه عنه ورثته، ولا يُنْقَل إلى غيرهم إلا بيقينٍ؟ قيل له: بل الوصيّة مقدَّمةٌ على الميراث، فوجب أن تنفذ الوصيّة، ثمَّ يرث الورثة، وليس يُتَيَقَّن أنَّ الموصي أراد أدنى ما يقع عليه الاسم أو أعلاه، وإذا كان ذلك، لم يُتَيَقَّن بقاء ذلك على ملكه بعد الوصيّة ولا زواله عنه، فكان

стр. 2429

ذلك محتملاً، فوجب أن يُفعل في ذلك ما هو عدلٌ بين الموصَى لهم والورثة؛ لاحتمال ما ذكرناه، وقد قال الله : ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُونُوا قَوَّامِينَ بِالْقِسْطِ شُهَدَاءَ لِلَّهِ﴾ [النساء:١٣٥] (١). ••• [٢٩٠١] مسألة: قال: وإذا أعتق الرّجل عبدَهُ وعليه دينٌ: بيع منه بقدر الدَّينِ، وعُتِقَ ثلث ما بقي، إذا لم يكن له مالٌ غيره (٢). إِنَّمَا قالَ ذَلِكَ؛ لأنَّ الدَّيْنَ أولى من العتق؛ لأنَّ العتق وصيّة وتطوُّعٌ، وقد قال الله تعالى: ﴿مِنْ بَعْدِ وَصِيَّةٍ يُوصِي بِهَا أَوْ دَيْنٍ﴾ [النساء:١١]. ثمَّ أُعْتِقَ منه ثلثه بعد الدَّيْنِ؛ لوجوب إنفاذ وصيته. وكذلك إذا أعتق الصَّحيح عبداً لا يملك غيره وعليه دينٌ، كان للغرماء ردّ ذلك إن شاؤوا؛ لأنَّ أداء الدَّين أولى من العتق؛ لأنَّ أداءه فرضٌ والعتق تطوُّعٌ، فوجب تقدمة الفرض على التَّطوّع. ولأنَّ الدَّين قد أُخِذَ عوضه، فكان أولى مِمَّا لم يؤخذ عوضه وهو العتق. ألا ترى: أنَّ الله تعالى قد أوجب تقدمة الدَّين على الميراث؛ لأنَّ الدَّين قد أُخِذَ عِوَضُهُ ولم يؤخذ عوض الميراث، فكان الدَّين لهذه العلَّة مقدَّمَاً على العتق. •••

стр. 2430

[٢٩٠٢] مسألة: قال: وإذا أعتق الرّجل عبدَهُ عند موته، قُوِّمَ العبد بماله: • فإن لم يكن له مالٌ غيره، عَتَقَ ثلثه، وكان ماله موقوفاً بيده، ولا يُحْدِثُ فيه شيئَاً إلَّا ما أكل واكـ[ـتـ]ـسى. • وإذا كان للسيِّد مالٌ، فإنَّ العبد بماله يُضَمُّ إلى ما ترك الميِّت، ثمَّ يَعْتَقُ من العبد بقدره (١). • إنَّمَا قال: «يُقَوَّم العبد بماله»؛ لأنَّهُ لا يجوز انتزاع ماله منه، فوجبت قيمته على أوفر أحواله وصنائعه، فكذلك بماله. ووُقِفَ بيده؛ لأنَّهُ ملكه، لا يجوز انتزاعه منه، لِمَا قد ثبت له من الحريَّة. ••• [٢٩٠٣] مسألة: قال: ومن أعتق رقيقاً له في وصيّةٍ في أيَّامٍ مفترقةٍ، فَإِنَّهُ لا يُبَدَّأُ بعضهم على بعضٍ. وإن أعتق واحداً بتلاً وآخر في وصيَّته، بُدِئ بالبتل على غيره. وإن بَتَلَ واحداً وأوصى بآخر بعد خدمة عشر سنين، بُدِئَ بالمُبَتَّلِ (٢). • إِنَّمَا قالَ ذَلِكَ؛ لأنَّ حرمتهم واحدةٌ، وسببهم واحدٌ في العتق؛ لأنَّ كلّهم إِنَّمَا يعتق بعد الموت إذا أعتقهم في وصيَّةٍ، فلا وجه لتبدئة أحدهم على الآخر.

стр. 2431

فأمَّا إذا بَتَلَ عتق أحدهم وأعتق الآخر في وصيَّته، بُدِئ بالمبتَّل؛ لقوَّة سببه؛ لأنَّ المبتول لا يجوز الرّجوع فيه، والوصيَّة بالعتق يجوز فيها الرُّجوع. وكذلك المُعْتَقُ بعد خدمة عشر سنين، يُبَدَّأُ المعتق بتلاً عليه؛ لقوَّة سببه؛ لجواز أن يموت المخدمُ إلى سنين قبل تقضِّي السِّنين، فوجب تقدمة من تنتجز حريَّته في حالٍ. وعلى هذا يجري هذا الباب، أَنَّهُ يُبَدَّأ الأوكد فالأوكد؛ لقوَّة سببه، إلَّا أن يقول: «بدُّوا غيره»، فيُبَدَّأُ ما قال وإن كان غيره أوكد منه، ما لم تكن حريّةٌ منجَّزة، فلا يجوز تقدمة غيرها عليها، إلَّا ما كان من الواجبات، مثل: الزكَّاة، والنُّذور، وكفارات الأيمان، وأشباه ذلك، فإنَّهَا أولى بالتَّقدمة من غيرها من الوصايا الَّتِي ليست بواجبةٍ، وإنّما هي تطوُّعٌ، وقد بيَّنَّا هذا فيما تقدَّم. ••• [٢٩٠٤] مسألة: قال: ومن أعتق رأساً من رقيقه ليس بعينه، وله عشرون، ثمَّ مات منهم عشرةٌ، فَإِنَّهُ يَعْتَقُ من الباقين عُشْرُهُم بالقيمة، ولا يُنظَر إلى من مات (١). • إِنَّمَا قالَ ذَلِكَ؛ لأنَّ من مات منهم قبل موته، فقد سقط من ماله، وإنّما تنفذ الوصيّة من الثّلث الَّذِي يخلفه الإنسان، فأمَّا ما تلف قبل موته أو بعد موته قبل اجتماع المال، فلا يعتبر ذلك في الثّلث ولا الثُّلُثَيْنِ. ولو جاز ذلك؛ لكان في ذلك إنفاذ الوصيّة قبل موت الموصي، وإعطاء الورثة الميراث قبل موت الموروث؛ لأنَّا لو أدخلنا من مات قبله في القرعة،

стр. 2432

لكان إذا وقعت القرعة في حيِّز الثّلث، فقد صار حرّاً قبل موت الموصي، وإنّما أوصى أن يكون حرّاً بعد موته، وفي هذا إخراج الوصيّة قبل موت الموصي، أو تكون إذا وقعت في الثُّلُثَيْنِ من الورثة ومات منهم، فقد ورثوا الميِّت قبل موته، وهذا فاسدٌ بإجماعٍ (١). ولهذا المعنى قال مالكٌ: إِنَّهُ لا اعتبار لمن مات من العبيد قبل موت المُعتِقِ، وكذلك من مات بعد موته قبل اجتماع المال؛ لأنَّ المراعاة في ماله والعتق فيه إِنَّمَا هو وقت حصوله واجتماعه، لا ما قبل ذلك، فوجب عتق ما سمَّى من العُشر أو غيره من الجزء فيما بقي من رقيقه بالقيمة على ما بيَّنَّاه، كان ذلك في رأسٍ أو أكثر منه أو أقل، على ما تخرجه القرعة. ••• [٢٩٠٥] قال: ومن قال: «غلامي حرٌّ»، أو قال: «رقيقي أحرارٌ»، فذلك كلّه سواءٌ، يَعْتَقُون كلُّهم (٢). • إِنَّمَا قالَ ذَلِكَ؛ لأنَّ حكم هذا اللفظ واحدٌ في وجوب الحريَّة، فاستوى أمر اللَّفظ في ذلك؛ لاتّفاقه في المعنى. •••

стр. 2433

[٢٩٠٦] مسألة: قال: ومن قال عند الموت: «ثلث رقيقي حرٌّ»، أُسْهِمَ بينهم، وإن أعتقهم كلّهم، أُسْهِم بينهم. وإن قال: «ثلث كلِّ رأس»، أو: «نصفه»، لم يُسْهَم بينهم (١). • إِنَّمَا قالَ ذَلِكَ؛ لأنَّهُ إذا أعتَقَ رقيقه كلّهم، أُعْتِقَ ثلثهم بالقيمة - على ما فسّرناه -؛ لأنَّهُ أَخَذَ ما له أخذه وما ليس له أخذه، فوجب أن يقتصر به على الَّذِي كان له أَخْذُهُ - وهو الثّلث -، كما فعل النَّبيُّ ﷺ ذلك، على ما بيَّنَّاه في حديث عمران بن الحصين. فأمَّا إذا أعتق من كلّ واحدٍ نصفه أو ثلثه، لم يُقرع بينهم، وأُعتِق من كلّ واحد ثلثه؛ لأنَّهُ قد قرَّر الحريَّة في كلّ واحد من العبيدِ، فلا يجوز رفعها عنه. ولأنَّه فعل ما يجوز له فعله بعتقه ثلث ماله دون كلّه. ••• [٢٩٠٧] مسألة: قال: ومن أعتق عبدَاً له، تَبِعَه مالُهُ، ولم يتبعه ولدُهُ (٢). • إنَّمَا قال: «إنَّ ماله يتبعه في العتق»؛ لتتكامل حرمة العتق بتوابعها. ولأنَّ العتق خروجٌ من رقٍّ إلى حريَّةٍ ليس فيها تسليطٌ لأحدٍ عليه. وليس كذلك البيع وغيره؛ لأنَّهُ خروجٌ من رقٍّ إلى رقٍّ، فكان ماله للبائع، إلَّا أن يشترطه المبتاع، كما قال رسول الله ﷺ .

стр. 2434

وقد روى اللَّيث بن سعدٍ، عن عبيد الله بن أبي جعفر، عن بكير بن الأشجِّ، عن نافعٍ، عن ابن عمر، أنَّ رسول الله ﷺ قال: «مَنْ أَعْتَقَ عَبْدَاً تَبِعَهُ مَالُهُ، إِلَّا أَنْ يَسْتَثْنِيَهُ سَيِّدُهُ» (١). وقوله: «لا يتبعه ولده»؛ فلأنَّ ولده ملكٌ لسيّده، وهو خلاف ماله الَّذِ [ي هـ]ـو ملكٌ للعبد، فلم يحب أن يتبعه ولده في العتق؛ لأنَّ سيدهم لم يُعتقهم، وإنّما أعتق العبد وحده. ••• [٢٩٠٨] مسألة: قال: ومن أعتق عبده إلى سنين، فله أن يأخذ ماله، ما لم يُقَارِبْ عِتْقُهُ مثل الشَّهر ونحوه، أو في وصيِّةٍ؛ لأنَّ ذلك قد تَبَيَّنَ أمره. فإن قال: «اخْدِمْ فلاناً عشر سنين»، فلا يأخذ ماله (٢). • إنَّمَا قال في المُعتَقِ إلى أجلٍ: «إنَّه يؤخذ ماله»؛ لأنَّ أحكامه أحكام العبد ما لم يأت الأجل، فكذلك حكم ماله. فأمَّا إذا قَرُبَ الأجل لم يأخذه؛ لقرب عتقه. فأمَّا مال المخْدَمِ فَإِنَّهُ لا يأخذه؛ لأنَّ المخدَمَ له في مال العبد المخْدَمِ حمالٌ وقوَّةٌ على الخدمة، فلا يجوز له أخذه. •••

стр. 2435

[٢٩٠٩] مسألة: قال: وإذا أُعْتِقَ العبد وله أمُّ ولدٍ حامل منه، تبعته، ولا يَعْتَقُ ما في بطنها (١). • إنَّمَا قال: «تتبعه أمُّ ولده»؛ لِأَنَّهَا ماله. فأمَّا الولد فَإِنَّهُ ملكٌ لسيِّده، فلا يعتق؛ لأنَّهُ لم يُعْتِقه، وإنّما أعتَقَ الأب. •• i• [٢٩١٠] مسألة: قال: وإذا أعتَقَ أمَتَهُ، ولم يستثن مالها، ولها على زوجها صداقٌ، فالصَّداق من مالها. ويكون ذلك للمشتري لو اشتَرَطَ مالها (٢). • إِنَّمَا قالَ ذَلِكَ؛ لأنَّ الصَّداق عنده مُلكٌ للأمَةِ، بمنزلة مالها، حَتَّى ينتزعه السيِّد منها، فإذا أعتقها، تَبِعَهَا مالُها من الصَّداق وغيره، إلَّا أن يستثني سيِّدُها المعتِقُ مالهَا، فيكون ذلك له، صداقها كان أو غيره. وكذلك إن اشترط المشتري مالها، فالصَّداق له، بمنزلة مالها، أعني: أنَّ ملكها يتقرَّر عليه، ولا ينتقل إلى البائع، فيكونُ فيه كما كان للبائع قبله. •••

стр. 2436

[٢٩١١] مسألة: قال: ولا يُنْزَعُ مال العبد المعتق نصفه (١)، ويأكل ويكتسي ولا يسرف، ولا يتصدَّق ولا يُعْتِق، فإذا مات، وَرِثَه الَّذِي بقي له فيه الرقُّ. ولا بأس أن يتَّجرَ بماله التّجارة المأمونة، ويعمل في ماله ما شاء (٢). • إِنَّمَا قالَ ذَلِكَ؛ لأنَّ المعتَقَ بعضه قد ثبتت له حريَّةٌ، فلا يجوز أخذ ماله، كما لا يجوز أخذ مال المكَاتَبِ، إلَّا أن يتَّفق هو وسيّده على ذلك فيجوز. وقوله: «إذا مات فماله للّذي له فيه الرقّ، دون الَّذِي أعتق بعضه»؛ فلأنَّ أحكامه أحكام العبد في الحدود والشَّهادة؛ لأنَّ حرمة الحريّة لم تتمَّ فيه بعد، فوجب أن يكون حكمه في الميراث حكم العبد أنَّه يورث بالرقّ. ألا ترى: أنَّه لا يورث بالنَّسب بمقدار الحريَّة فيه، والنَّسب أقوى من الولاء، فكذلك وجب أن لا يورث بالولاء بمقدار الحريَّة؛ لأنَّ النَّسب والولاء إذا اجتمعا، كان الميراث بالنَّسب أقوى، فلمَّا لم يورث هذا ببعض النَّسب، فكذلك لا يورث ببعض الولاء. ••• [٢٩١٢] مسألة: قال: ومن أعتق نصف عبدٍ بينه وبين رجلٍ واستثنى ماله، لم يكن ذلك له، وقُوِّمَ عليه بمالِهِ (٣).

стр. 2437

• إِنَّمَا قالَ ذَلِكَ؛ لأنَّهُ لا يجوز أن ينفرد هو بانتزاع ماله دون شريكه، فإذا أعتقه واستثنى ماله، فقد انفرد بأخذ بعض ماله دون شريكه، وذلك لا يجوز. وقوله: «يُقَوَّم عليه بماله»؛ فلأنَّ بالعتق قد وجب أن يتبعه ماله، فوجب قيمته به. ••• [٢٩١٣] مسألة: قال: ومن أعتق عبدَاً بينه وبين رجلٍ واستثنى ماله، لم يجز، وكذلك من أعتق نِصْفَ عَبْدٍ نِصْفُهُ حرٌّ واستثنى ماله، فليس ذلك له، ويتبعه ماله (١). • إِنَّمَا قالَ ذَلِكَ؛ لأنَّ ماله قد صار له بعتقه، فلا يجوز لسيِّده استثناؤه بعد ذلك. ••• [٢٩١٤] مسألة: قال: ومن أعتق عبدَاً له، وله مالٌ لم يعلم به، فهو للغلام (٢). • إِنَّمَا قالَ ذَلِكَ؛ لأنَّ العتق قد ثبت للعبد، فوجب أن يتبعه ماله، وسواءٌ عَلِمَ به سيّده أو لم يعلم، كالأَمَةِ إذا أعتقها سيّدها وهي حاملٌ، تبعها حمْلُهَا، علم سيّدها أو لم يعلم. •••

стр. 2438

[٢٩١٥] مسألة: قال: ومن أعتق عبدَاً وله جاريةٌ حاملٌ، فأعتق الغلامُ الجاريَةَ، لم يجز ذلك، وكانت في حالها حال أَمَةٍ حَتَّى تَضَعَ ويأخذ السيِّد عبْدَهُ، وتَعْتَق هي بعد الوضع (١). • إِنَّمَا قالَ ذَلِكَ؛ لأنَّ الأمَةَ ملكٌ للعبد، وما في بطنها ملكٌ لسيِّد العبد، ولا يجوز أن تكون حرَّةٌ في بطنها عبدٌ؛ لأن ذلك مخالف الأصول. ألا ترى: أنَّ أمَّ الولد إِنَّمَا ثبت لها عقد حريَّةٍ؛ لأنَّ في بطنها حرّاً. ومعنى آخر، وهو: أنَّ الَّذِي في بطنها بمنزلة عضوٍ منها، فلا يجوز أن يعتق عضوٌ منها دون عضوٍ. ولهذا قال مالكٌ: إِنَّهُ لا يجوز للغلام عتق الجارية، فمتى أعتقها، كان عتقها موقوفاً حَتَّى تضع، ثمَّ تصير حرَّةً. ••• [٢٩١٦] مسألة: قال: ومن قال لعبده: «أنت حرٌّ إذا مات فلانٌ»، فله أن يأخذ من ماله ما شاء (٢). • إِنَّمَا قالَ ذَلِكَ؛ لأنَّ المُعْتَقَ إلى أجَلٍ حُكْمُه حكم العبد في حدوده

стр. 2439

وشهادته ومواريثه، فكذلك حكم ماله حكم مال العبد، فللسيِّد أخذه ما لم يأت الأجل. ••• [٢٩١٧] مسألة: قال: ومن مثَّل بعبده، أعتقه عليه السّلطان، وولاؤه له. والمُثْلَةُ: أن يقْطَعَ يده، أو أذنَه، أو بعض جسده، أو يَسْحَلَ أسنانه، أو يضربه بالنَّار. فأمَّا ما كان على وجه التَّأديب، فأصاب منه ما لم يُرِدْ: مِنْ فقءِ عينٍ، أو طرح سنٍّ، فلا عِتْقَ عليه، وإنّما يَعْتَقُ عليه من تعمَّده بذلك. وإذا أُعْتِقَ بالمُثْلَةِ، تبعه ماله (١). • إنَّمَا قال: «إنَّ الماثِلَ بعبده يعتق عليه»؛ عقوبةً له؛ لأنَّهُ قد فعل به شيئاً محرَّماً عليه، ولا يمكن ردعه بالقصاص؛ لامتناعه بينهما، فوجب أن يُخْرَجَ عن ملكه بالعتق عقوبةً له؛ لئلا يعود فيمَثِّلَ به ثانيةً، والعقوبة جائزةٌ في المال. ألا ترى: أنَّ الكفَّارة إِنَّمَا هي إخراج مالٍ. وهذا إذا قصد التَّعذيب بما فعله به، فأمَّا إذا كان عن غير قصدٍ لتعذيبه، أتى على يده على وجه الأدب له، فلا عتق عليه؛ لأنَّهُ لم يقصد تعذيبه بفعل شيءٍ محظورٍ عليه، فلم يجب عتقه عليه.

стр. 2440

وقد روى ليث ابن أبي سليم، عن سلمة بن كهيل، قال: «أَعْتَقَ ابْنُ عُمَرَ غُلَامَاً لَهُ، فَقِيل لَهُ: آجَرَكَ الله، فَقَالَ: مَالِي مِنْ أَجْرِهِ شَيْءٌ، سَمِعْتُ رَسُولَ الله ﷺ يَقُولُ: مَنْ ضَرَبَ مَمْلُوكَهُ حَدّاً فِي غَيْرِ حَدٍّ، فَكَفَّارَتُهُ عِتْقُهُ، وَإِنِّي ضَرَبْتُهُ حَدّاً فِي غَيْرِ حَدٍّ» (١). حدَّثناه عبد الله بن دينارٍ (٢) بالكوفة، قال: حدّثنا أبو كريبٍ (٣)، قال: حدثنا وكيع، عن سفيان، عن فراسٍ (٤)، عن أبي صالحٍ، عن زاذان (٥): «أَنَّ ابْنَ عُمَرَ أَعْتَقَ عَبْدَاً، فَقَالَ: مَا لِي مِنْ أَجْرِهِ (٦)، وَتَنَاوَلَ شَيْئَاً مِنَ الأَرْضِ مَا يَزِنُ هَذِهِ، سَمِعْتُ النَّبيَّ ﷺ يَقُولُ: مَنْ لَطَمَ عَبْدَهُ أَوْ ضَرَبَهُ، فَكَفَّارَتُهُ عِتْقُهُ» (٧).

стр. 2441

وروى ابن إدريس، عن مُطَرِّفٍ (١)، عن الحارث: «أَنَّ عَبْدَاً أَتَى عَلِيّاً ﵇، قَدْ وَسَمَهُ أَهْلُهُ، فَأَعْتَقَهُ» (٢). فإن قيل: ألا أخرجته عن ملكه بالبيع دون العتق (٣)؟ قيل له: لو بِيعَ عليه، لم يكن في ذلك ردعٌ له؛ لأنَّهُ يأخذ بدله ثمنه، ولا يلحقه في ذلك ضررٌ ولا عقوبةٌ، فلم يجب بيعه لهذه العلَّة، ووجب عتقه لِمَا ذكرناه. ••• [٢٩١٨] مسألة: قال: ومن قطع أُصْبُعَ عبده أو طرفَ أنفِه، أُعْتِقَ عليه. وإن مات العبد قبل يُعْتِقَه السّلطان، مات عبدَاً (٤). • إِنَّمَا قالَ ذَلِكَ؛ لأنَّهُ إِنَّمَا يعتق بالحكم لا بنفس المثلة، فإن مات قبل ذلك، مات عبداً. •••

стр. 2442

[٢٩١٩] مسألة: قال: وإذا نزل الحربيون بأمانٍ، فأخصوا رقيقهم، لم يَعْتَقُوا عليهم (١). • إِنَّمَا قالَ ذَلِكَ؛ لأنَّ العتق في المثلة هو من أجل حقِّ الله ، والحربيون، فلا تقام عليهم حدود الله ولا حقوقه. ألا ترى: أَنَّهُ لا يقام عليهم حدُّ شرب الخمر والزِّنا، ولا يمنعون من أكل الرِّبا والخنزير. ••• [٢٩٢٠] مسألة: قال: ومن مثَّل بعبده أو جاريته بالعضِّ الكثير في جسده، حَتَّى يؤثّر ذلك في جسده، فإنَّها تباع ولا تَعْتَقُ (٢). • إِنَّمَا قالَ ذَلِكَ؛ لأنَّ ذلك ليس بمُثْلَةٍ؛ لأنَّ المثلة إِنَّمَا هي بقطع عضوٍ منه أو ما أشبه ذلك من العقل الفاحش به، فَأَمَّا العضُّ فهو أمرٌ خفيفٌ، يجوز أن يكون ذلك من السَّيِّد على وجه الأدب. ••• [٢٩٢١] مسألة: قال: ويعاقب السُّلطان الماثِلَ بعبده مع عِتْقِهِ عليه (٣). • إِنَّمَا قالَ ذَلِكَ؛ لأنَّ في المثلة حقَّين:

стр. 2443

(حقّاً لله مفرداً، وهو نهيه عنها. (وحقّاً للعبد، وهو المنع من قتله وتعذيبه. فإذا أُعْتِقَ عليه بالمثلة، فإنَّما ذلك من أجل حقّ العبد، وبقي حقُّ الله تعالى، فوجب أن يُضْرَبَ ليرتدع هو وغيره عن فعل مثل ما فعله. ••• [٢٩٢٢] قال: وإذا كُوِيَتِ الجارِيَةُ بالكيَّة للبول لينقطع عنها، ففَشَا حَتَّى بلغ منها مبلغاً شديداً: • فإن كان ذلك إِنَّمَا هو على وجه العلاج للبول أو الأدب عليه، فلا تَعْتَقُ علـ[ـيـ]ـها. • وإن كانت إِنَّمَا عذبتها، أُعْتِقَتْ (١). • إِنَّمَا قالَ ذَلِكَ؛ لأنَّ فعل مثل هذا بالجارية، ليس هو على وجه القصد لتعذيبها، وإنّما هو لضربٍ من العلاج لها والدَّواء، فلا عتق على سيِّدها في ذلك. ••• [٢٩٢٣] مسألة: قال: ولا تجوز عتاقة الرّجل وعليه دينٌ يحيط بماله. ولا عتاقة المُوَلَّى عليه وإن كان كبيراً. ولا عتاقة الغلام حَتَّى يحتلم أو يبلغ ما يبلغ المحتلم (٢).

стр. 2444

• إِنَّمَا قالَ ذَلِكَ؛ لأنَّ أداء الدَّينِ فرضٌ، والعتق تطوّعٌ، فكان الفرض أولى من التَّطوّع. ولأنَّ الدَّينَ قد أخذ بدله، ولم يؤخذ عوض العتق، فكان أداء ما قد أخذ عوضه أولى. ألا ترى: أنَّ الله تعالى أوجب أداء الدَّين قبل الميراث؛ لأنَّ الميراث لم يُؤخذ عوِضُه، والدَّين قد أُخِذَ عِوَضُهُ، فكان ردُّهُ أولى. وقوله: «لا تجوز عتاقة الموَلَّى عليه»؛ فلأنَّ الموَلَّى عليه محجورٌ عليه في ماله، لئلا يُتْلِفَ ماله، وليُحْفَظَ عليه، فلو جاز عتقه، لَمَا نَفَعَ (١) الحجر عليه شيءٌ (٢). وكذلك الغلام لا يجوز عتقه؛ لثبوت الحجر عليه؛ لأنَّ في عتقه إتلاف ماله وخيفة الفقر عليه، وقد قال الله : ﴿وَلَا تُؤْتُوا السُّفَهَاءَ أَمْوَالَكُمُ الَّتِي جَعَلَ اللَّهُ لَكُمْ قِيَامًا﴾، - أراد أموالهم -، بدلالة قوله: ﴿وَارْزُقُوهُمْ فِيهَا وَاكْسُوهُمْ﴾ [النساء:٥]. ••• [٢٩٢٤] مسألة: قال: ويجوز عتق السّفيه إذا كان لا يُولَّى (٣).

стр. 2445

ويجوز على الموَلَّى عليه عِتْقُ أمِّ ولده، ويتبعُهَا مالها (١). • إِنَّمَا قالَ ذَلِكَ؛ لأنَّ السَّفيه في أفعاله ودِينِهِ، عتْقُهُ جائِزٌ إذا كان غير محجورٍ عليه؛ لأنَّهُ مِمَّنْ يجوز له التَّصرف في ماله. فأمَّا إذا كان محجورَاً عليه، فلا يجوز عتقه؛ لأنَّهُ ممنوعٌ من التَّصرف في ماله؛ لئلا يُتْلِفهُ. فأمَّا عِتْقُهُ أمَّ ولدِهِ فجائزٌ عليه؛ لِأَنَّهَا ليست بمالٍ فيتلفه بالعتق. وكذلك الطلاق يجوز عليه؛ لأنه ليس فيه إتلاف مالٍ. وقوله: «يتبعها مالها»؛ فلِمَا ذكرنا: أنَّ العبد يتبعه ماله إذا أعتقه سيِّده؛ لوجوب تكميل الحريَّة وتوابعها، وقد روِّينا عن رسول الله ﷺ أنَّه قال: «مَنْ أَعْتَقَ عَبْدَاً تَبِعَهُ مَالُهُ، إِلَّا أَنْ يَسْتَثْنِيَهُ سَيِّدُهُ» (٢). ••• [٢٩٢٥] مسألة: قال: وإذا أعتق المحْتَلِمُ غلامَهُ ولم يدفع إليه ماله، ولا يُعرَفُ منه إلَّا الخير، فلا يجوز ذلك إلَّا بالسّلطان إذا رأى له وجهاً. وقد قال: إنَّه لا يجوز عتقه.

стр. 2446

وإن رُدَّ على الموَلَّى عليه عِتْقُهُ، ثمَّ وَلِيَ نفسَهُ، فليس عليه عتقه، إلَّا أن يحب أنْ يَتَنَحَّى (١) مِنْ ذَلِكَ. وإذا أرادَ (٢) الغرماء عِتْقَ المِدْيَانِ، فلا عِتْقَ له، إلَّا أن يكون في رقيقه فَضْلٌ عن دَيْنِهِ (٣). • إِنَّمَا قالَ ذَلِكَ؛ لأنَّ الغلام إذا احتلم فهو في الحَجْرِ بَعْدُ حَتَّى يُعْلَمَ أَنَّهُ قد آنَسَ رُشْدَهُ، فيُفَكُّ بعد ذلك حَجْرُهُ، فلا يجوز عتقه قبل ذلك. وإنّما يُعلَمُ هذا بنظر الحاكم فيه، فإن رآه قد آنس رشده، أجاز عتقه، وإلا ردَّهُ. ووجه قوله: «إنَّه لا يجوز عتقه»؛ فلأنَّه أعْتَقَ في حالٍ هو محجورٌ عليه فيها، وعتق المحجور عليه غير جائزٍ. وإذا ردَّ الحاكم عتقه، ثمَّ وَلِيَ نفسه، لم يلزمه العتق؛ لأنَّهُ أعتق وهو مِمَّنْ لا يجوز عتقه لصِغَرٍ أو سَفَهٍ، فكان بمنزلة من طلَّق في حال صغره، فإذا بلغ، لم يلزمه ذلك. وقوله: «لا عتق للمديان، إلَّا أن يكون في رقيقه فضلٌ عن دَيْنِهِ»؛ فَلِمَا

стр. 2447

ذكرناه: أنَّ أداء الدَّينِ واجبٌ والعتق تطوُّعٌ، فكان أداء الواجب أولى من التَّطوع، فكان للغرماء ردُّ عتقه إذا أحاط الدَّينُ بماله. ••• [٢٩٢٦] مسألة: قال: وإذا أَعْتَقَتِ العَاتِقُ (١) - وإن بلغت أربعين سنةً - جاريةً لها، لم يجز عتقُهَا (٢). • إِنَّمَا قالَ ذَلِكَ؛ لِأَنَّهَا في الحَجْرِ حَتَّى تتزوَّج ويدخل بها زوجها؛ لأنَّهُ بذلك يُعلم رُشْدُها وإصلاحها لمالها؛ لِأَنَّهَا تخالط النَّاس وتعرفهم وتعاملهم، فَأَمَّا قبل ذلك فلا يُعرف حالها، فلم يجز عتقها؛ لكونها في حجر أبيها، أو وَصِيِّهَا، أو الحاكم إن لم يكن لها أبٌ أو وصِيٌّ. ••• [٢٩٢٧] مسألة: قال: ولا يجوز عِتْقُ المِدْيَانِ، ولا هِبَتُه، ولا صدقته - وإن كانت الديون آجِلَةً بعيدَةً -، إلَّا بإذن غرمائِهِ. وبيعه وابتياعه ورهنه جائزٌ (٣). • إِنَّمَا قالَ ذَلِكَ؛ لأنَّهُ لا يجوز للمديان أن يُخْرِج ماله على غير عوضٍ

стр. 2448

يأخذه عليه؛ لأنَّ في ذلك إتلاف حقّ الغرماء، ولا يجوز ذلك له؛ لوجوب أداء الدَّين عليه. فأمَّا على عوضٍ فَإِنَّهُ يجوزُ؛ لأنَّهُ ليس فيه إتلاف ماله؛ لأنَّهُ يأخذ للغرماء مثل ما أخرجه من ماله، فجاز بيعه وشراؤه إذا لم يكن فيه محاباةٌ. وكذلك يجوز رهنه؛ لأنَّهُ وثيقةٌ، وهو على ملكه، وليس هو إخراج مالٍ على غير عوضٍ. ••• [٢٩٢٨] مسألة: قال: ولا ينبغي أن يطأ جاريَةً رُدَّ عليه عِتْقُهَا؛ لأنَّ الغرماء إن أجازوا ذلك، مضى، وإن أيْسَرَ قبل أن يُحْدِث فيها بيعاً، أُعْتِقَتْ (١). • قد ذكر مالكٌ علَّة منع الوطء، وهو قوله: «إنَّ الغرماء إن أجازوا عتقه مضى، وإن أيسر قبل أن تباع عليه، جاز عتقه». ولأنَّ عتق المدِينِ لم يُمْنَع من أجل نفسه ونقصها كما مُنِع السَّفيه والصَّغير، وإنّما مُنِعَ من أجل غيره، فأشبه المريض الَّذِي يعتق جاريته بَتْلَاً وهي أكثر من ثُلُثِه، فلا يجوز لها وطؤها. ••• [٢٩٢٩] مسألة: قال: وإن اتَّخَذَ المِدْيَان أمَّ ولدٍ، مضت أمّ ولدٍ ولم تردّ (٢).

стр. 2449

• إِنَّمَا قالَ ذَلِكَ؛ لأنَّ حرمتها قد ثبتت بكونها أمَّ ولدٍ، فلا سبيل إلى رفعها؛ لِأَنَّهَا إِنَّمَا ثبتت حرمتها من جهة الفعل لا القول، وكان ما ثبت من جهة الفعل أقوى منه من جهة القول. ألا ترى: أنَّ المريض إذا وطئ جاريةً لا يملك غيرها فحملت، صارت أمَّ ولدٍ، ولم يرث ورثتُهُ منها شيئاً، ولو أعتقها بتلاً، ثمَّ مات في مرضه، لورثوا ثلثيها وعتق ثلثها. فثبت بما قلنا أنَّ حرمة الفعل أوكد من حرمة القول، فلهذا قال مالكٌ: «إنَّ المديان إذا وطئ جاريةً فحملت، أنَّها تصير أمَّ ولدٍ، وإذا أعتقها بالقول، لم يجز عتقه إذا كان الدَّيْنُ محيطاً بماله، إلَّا بإذن غرمائه». ••• [٢٩٣٠] مسألة: قال: ويجوز عِتْقُ السَّكران المُتَلَطِّخ (١). • إِنَّمَا قالَ ذَلِكَ؛ لأنَّ السَّكران، القلم عنه غير مرفوعٍ؛ لأنَّهُ أدخل عليه ما أزال عقله، فلم يكن معذوراً بزوال عقله كعذر المجنون والصَّبي والنَّائم الَّذِينَ رُفِعَ القلم عنهم، فوجب أن يؤخذ السَّكران بما يرتكبه من حقِّ الله وحقٍّ لآدميِّ، فلهذه العلّة لزمه العتق؛ لأنَّهُ حقٌّ لله تعالى، وكذلك يلزمه الطَّلاق إذا طلَّق، والقَوَدُ إذا قَتَلَ. ولم يجز أن يُجْعَلَ حُكْمُهُ كحكم مَنِ القلم عنه مرفوعٌ؛ لأنَّ من كان القلم عنه مرفوعاً غير عاصٍ فيما فعله، وليس كذلك السَّكران؛ لأنَّهُ عاصٍ فيما يفعله

стр. 2450

ويأتيه من حقوق الله تعالى وحقوق الآدميين، فوجب أن يُلْزَمَ ذلك ويؤخذ بها، سواءٌ كان حقّ حدٍّ أو إتلاف مالٍ. ••• [٢٩٣١] قال: وإذا كان في العبد الَّذِي يُعتقه المِديَانُ فضلٌ، بِيعَ منه بقدر الدَّين، ثمَّ أُعْتِقَ الفضل؛ لأنَّ العبد إذا بيع بعضه كان أقلّ لقيمته. ولا يكون له عتقٌ حَتَّى يُقْضَى الدَّين، ربَّما كانت قيمة العبد عشرين، فإذا دخله العتق، كان نصف قيمته خمسةٌ (١). • إِنَّمَا قالَ ذَلِكَ؛ لأنَّ عِتْقَ المديان إِنَّمَا يُردُّ من أجل الدَّيْنِ، فوجب أن يُرَدَّ بقدره دون ما فَضَلَ عن الدَّينِ. ويجوز فيما فضل، غير أَنَّهُ يباع من العبد بقدر الدَّين، ثمَّ يعتق بعد ذلك مـ[ـا] فضل عنه. ولا يُقَدَّم العتق على البيع في الدَّين؛ لأنَّهُ يدخل في ذلك نقصٌ وضررٌ على الغرماء، كما فسَّره مالكٌ. ••• [٢٩٣٢] مسألة: قال: ومن دَبَّرَ وعليه دَيْنٌ، فَإِنْ كَانَ قَبْلَ الدَّيْنِ، فهو ماضٍ (٢).

стр. 2451

• إِنَّمَا قالَ ذَلِكَ؛ لأنَّهُ في حال ما دَبَّرَهُ ليس عليه حقٌّ لأحدٍ، فجاز تدبيره له. وكذلك لو أعتق عبده قبل أن يكون عليه دينٌ، جاز عتقه. ••• [٢٩٣٣] مسألة: قال: ومن أعتق عبدَاً له، فقام غرماؤُهُ، فردَّهُ السُّلطانُ، ثمَّ أفاد مالاً والعبد في يده، فإنَّ العبد يَعْتَقُ عليه، ويأخذ الغرماء ديونهم. ولو أَمَرَ السُّلطان ببيعه فبيع، ثمَّ أفاد الغريم مالاً بحَدَثَانِ بَيْعِهِ، أخذ الغرماءُ أموالهم وأُمْضِيَ عِتْقُ الغلام إذا لم يفت، ويقتسم الغرماء أموالهم وأُمْضِيَ عتق الغلام، وكان ذلك قريباً. ولو ورثه، لم يكن عليه عتقٌ. ولو أفاد مالاً فاشتراه، لم يَعْتِقْ عليه (١). • إِنَّمَا قالَ ذَلِكَ؛ لأنَّ العتق إِنَّمَا يُرَدُّ من أجل الغرماء، فإذا أفاد مالاً، أخذوا حقوقهم من المال ونفذ العتق؛ لأنَّهُ مِمَّنْ يجوز عتقه، وليس هو بمنزلة السَّفيه والمحجور عليه الَّذِي لا يجوز عتقه. وقوله: «إنَّه إذا بِيعَ العبد، ثمَّ أفاد الغريم مالاً بحدثان بيعه، أَنَّهُ يُرَدُّ ويعتق»، فيشبه أن يكون هذا إذا كان في أيَّام الخيار أو العهدة أو المواضعة، فأمَّا إذا خرج مِمَّا ذكرناه، فَإِنَّهُ لا يُنْقَض البيع؛ لأنَّهُ قد تقرَّر، فلا يجوز رفعه.

стр. 2452

وقوله: «لو ورثه لم يكن عليه عتقه، وكذلك لو اشتراه»؛ فلأنَّ ميراثَه له وشراءَهُ هو استئناف ملكٍ له، لم يوقِع فيه على العبد عتقاً فيلزمه ذلك. فأمَّا الملكُ الَّذِي كان أعتقه فيه، ثمَّ ردَّ عتقه الغرماء، فَإِنَّهُ إذا أفاد في هذا الملك مالاً مضى عتقه، وقضى الغرماءَ دينَهم من المال الَّذِي أفاده؛ لأنَّ حكم الملك الَّذِي أعتق فيه العبد باقٍ، وما استأنفه من الملك له بالميراث أو الشّراء فحكم الأوّل غير باقٍ. وذلك بمنزلة الرّجل يطلِّق امرأته ثلاثاً، ثمَّ ترجع إليه بعد زوجٍ، فإنَّهَا ترجع على نكاحٍ مُستأنفٍ؛ لأنَّ حكم النِّكاح الأوّل قد تقَضَّى كلّه، فإن كان طَلَّقَ واحدةً أو اثنتين، ثمَّ تزوَّجَهَا بعد أن تنقضي العدّة، رجعت إليه على حكم النّكاح الأول، أعني: في عدد طلاقه؛ لبقاء أحكامه، فكذلك العتق مثله. ••• [٢٩٣٤] مسألة: قال: وإذا ابتاع الرّجل الجَارِيَةَ الرَّفيعَةَ بالثّمن الكبيرِ ولا مال عنده، فحملت، كانت أمَّ ولدٍ، ويُتْبَع بالثَّمن. فإن لم تحمل، أو أعتقها ولا مال عنده، لم يكن ذلك له (١). • إنَّما قال: «إنَّ المدين إذا وطئ جاريته صارت أمَّ ولدٍ؛ لقوَّة سبب الوطء»؛ لأنَّهُ فعلٌ لا سبيل إلى رفعه، فثبتت حرمته؛ لأنَّهُ أقوى من القول. ألا ترى: أنَّه لو وطئ في نكاحٍ فاسدٍ، لثبتت حرمة النّكاح، ولو لم يطأ، لم تثبت بالقول.

стр. 2453

وكذلك المريض، إذا وطئ أمته وهي كلّ ماله، فحملت، صارت أمَّ ولدٍ، ولو أعتقها قولاً، لم يصحّ عتقها كلّها، وإنّما يصحّ من ذلك ثلثها إذا مات. ••• [٢٩٣٥] مسألة: قال: وإذا كان الشَّيخ به البُهْرُ (١) والبلغم، لا يستطيع القيام ولا الخروج، أقام كذلك سنين، فعتقه جائزٌ (٢). • إِنَّمَا قالَ ذَلِكَ؛ لأنَّ الكِبَرَ ليس بمرضٍ مخوفٍ، وإنّما يُمْنَع الإنسان من التَّصرف في ماله على غير عوضٍ في المرض المخوفِ، وأمّا في الأمراض الَّتِي ليست بمخوفةٍ فَإِنَّهُ لا يمنع من ذلك، فكان الكبير الَّذِي لا مرض به مخوفٌ، أولى أن لا يمنع من التَّصرف في ماله إذا كان صحيح العقل. ••• [٢٩٣٦] قال: وإذا أعطى العبدُ رجلاً دنانير يشتريه من سيِّدِه فيُعْتِقُه، ففعل، ثمَّ عَلِمَ بذلك سيِّدُهُ، فالثَّمن الَّذِي قَبَضَ له، ويَتْبَعُ المشتري بالثَّمن فيأخذه، وَيَمْضِي العتق. فإن لم يكن له مالٌ، لم يكن للمشتري عتقٌ، ورجع العبد إلى سيّده. فإن كان لم يُعْتِقْه، دفع ثمنه، إلَّا أن يكون معسراً فيرجع العبد إلى سيّده (٣). • إِنَّمَا قالَ ذَلِكَ؛ لأنَّ مال العبد لسيّده فيه حقٌّ، وإذا باعه سيّده، صار ماله

стр. 2454

للبائع، إلَّا أن يشترطه المشتر [ي]، فوجب أن يؤخذ من المشتري ثمن العبد؛ لأنَّ الثمن الأوّل كان مالاً للبائع. ويجوز عتق المشتري للعبد؛ لأنَّه أعتق بشبهة الملك، وكلّ من أعتق [بمـ]ـلكٍ صحيحٍ أو شبهة ملكٍ فعتقه جائزٌ. فإن كان معسراً لم يجز عتقه؛ لأنَّ البائع إِنَّمَا باع ليأخذ ثمنه في الحال، لا أن يأخذه إلى أجلٍ. ولأنَّ عتق من عليه الدَّين أيضاً لا يجوز. ••• [٢٩٣٧] قال: ومن أعتق رقيقاً وعليه دينٌ يحيط بماله، فعلم بذلك الغرماء، فلم يَعْرِضُوا لهم حَتَّى نكحوا الحرائر وكتبوا شهادتهم في الحقوق وقُطِعَ بها، ثمَّ قاموا بعد ذلك يريدون أن يبطلوا عتقه، فليس ذلك لهم، ولو قاموا بحضرة ذلك أو جَهِلُوا، لكان وجهاً (١). • إِنَّمَا قالَ ذَلِكَ؛ لأنَّ سكوتهم طول هذه المدَّة مع علمهم بعتقه وتصرّفهم تصرّف الأحرار، دلالةٌ على إجازتهم العتق والرضا به، فلا سبيل لهم إلى الرّجوع في ذلك، إلَّا أن يقوموا ويُنكِروا ذلك عند العتق وقربه، فيكون ذلك لهم. •••

стр. 2455

[٢٩٣٨] مسألة: قال: ولا يشتري الرَّقبة الواجبة بشرطٍ، ولا بأس بها في التَّطوع (١). • إِنَّمَا قالَ ذَلِكَ؛ لأنَّهُ إذا اشتراها بشرط العتق، فكأنَّ المشتري لم يعتقها عتقاً مُبْتَدَأً؛ لِمَا شرط عليه بائعها من العتق، والعتق في الرِّقاب الواجبة يجب أن يكون مبتَدَأً من غير عقد حريَّةٍ تقدَّمت في العبد، ولا شرطٍ ثبت له للحريَّة. ألا ترى: أنَّه لا يجوز أن يُعتِقَ أمَّ ولده، ولا مُكَاتَبَاً، ولا من يَعْتِقُ عليه إذا ملكه؛ لوجوب عتق هؤلاء بما قد ثبت لهم من حرمة الحريَّة وعقدها. فأمَّا في التَّطوّع فذلك جائزٌ، لجواز الاشتراط في العتق التَّطوّع، وامتناعه في العتق الواجب. ••• [٢٩٣٩] مسألةٌ: قال: ولا يجوز في الرّقاب الواجبة نصرانيٌّ، ولا يهوديٌّ، ولا مُكَاتَبٌ، ولا مُدَبَّرٌ، ولا مُعْتَقٌ إلى سنين، ولا أمّ ولدٍ، ولا أعمى، ولا بأس بذلك في التَّطوع. ولا بأس بِعِتْقِ ولد الزِّنا فيها. ولا يُعتِقُ فيها أحدَاً من أقاربه: مَنْ إذا مَلَكَهُ عَتَقَ عليه، ويجوز غيرهم مِمَّنْ يجوز له ملكه.
следующие страницы →