• إِنَّمَا قالَ ذَلِكَ؛ لأنَّهُ في حال ما دَبَّرَهُ ليس عليه حقٌّ لأحدٍ، فجاز تدبيره له.
وكذلك لو أعتق عبده قبل أن يكون عليه دينٌ، جاز عتقه.
•••
[٢٩٣٣] مسألة: قال: ومن أعتق عبدَاً له، فقام غرماؤُهُ، فردَّهُ السُّلطانُ، ثمَّ أفاد مالاً والعبد في يده، فإنَّ العبد يَعْتَقُ عليه، ويأخذ الغرماء ديونهم.
ولو أَمَرَ السُّلطان ببيعه فبيع، ثمَّ أفاد الغريم مالاً بحَدَثَانِ بَيْعِهِ، أخذ الغرماءُ أموالهم وأُمْضِيَ عِتْقُ الغلام إذا لم يفت، ويقتسم الغرماء أموالهم وأُمْضِيَ عتق الغلام، وكان ذلك قريباً.
ولو ورثه، لم يكن عليه عتقٌ.
ولو أفاد مالاً فاشتراه، لم يَعْتِقْ عليه (١).
• إِنَّمَا قالَ ذَلِكَ؛ لأنَّ العتق إِنَّمَا يُرَدُّ من أجل الغرماء، فإذا أفاد مالاً، أخذوا حقوقهم من المال ونفذ العتق؛ لأنَّهُ مِمَّنْ يجوز عتقه، وليس هو بمنزلة السَّفيه والمحجور عليه الَّذِي لا يجوز عتقه.
وقوله: «إنَّه إذا بِيعَ العبد، ثمَّ أفاد الغريم مالاً بحدثان بيعه، أَنَّهُ يُرَدُّ ويعتق»، فيشبه أن يكون هذا إذا كان في أيَّام الخيار أو العهدة أو المواضعة، فأمَّا إذا خرج مِمَّا ذكرناه، فَإِنَّهُ لا يُنْقَض البيع؛ لأنَّهُ قد تقرَّر، فلا يجوز رفعه.
стр. 2452
وقوله: «لو ورثه لم يكن عليه عتقه، وكذلك لو اشتراه»؛ فلأنَّ ميراثَه له وشراءَهُ هو استئناف ملكٍ له، لم يوقِع فيه على العبد عتقاً فيلزمه ذلك.
فأمَّا الملكُ الَّذِي كان أعتقه فيه، ثمَّ ردَّ عتقه الغرماء، فَإِنَّهُ إذا أفاد في هذا الملك مالاً مضى عتقه، وقضى الغرماءَ دينَهم من المال الَّذِي أفاده؛ لأنَّ حكم الملك الَّذِي أعتق فيه العبد باقٍ، وما استأنفه من الملك له بالميراث أو الشّراء فحكم الأوّل غير باقٍ.
وذلك بمنزلة الرّجل يطلِّق امرأته ثلاثاً، ثمَّ ترجع إليه بعد زوجٍ، فإنَّهَا ترجع على نكاحٍ مُستأنفٍ؛ لأنَّ حكم النِّكاح الأوّل قد تقَضَّى كلّه، فإن كان طَلَّقَ واحدةً أو اثنتين، ثمَّ تزوَّجَهَا بعد أن تنقضي العدّة، رجعت إليه على حكم النّكاح الأول، أعني: في عدد طلاقه؛ لبقاء أحكامه، فكذلك العتق مثله.
•••
[٢٩٣٤] مسألة: قال: وإذا ابتاع الرّجل الجَارِيَةَ الرَّفيعَةَ بالثّمن الكبيرِ ولا مال عنده، فحملت، كانت أمَّ ولدٍ، ويُتْبَع بالثَّمن.
فإن لم تحمل، أو أعتقها ولا مال عنده، لم يكن ذلك له (١).
• إنَّما قال: «إنَّ المدين إذا وطئ جاريته صارت أمَّ ولدٍ؛ لقوَّة سبب الوطء»؛ لأنَّهُ فعلٌ لا سبيل إلى رفعه، فثبتت حرمته؛ لأنَّهُ أقوى من القول.
ألا ترى: أنَّه لو وطئ في نكاحٍ فاسدٍ، لثبتت حرمة النّكاح، ولو لم يطأ، لم تثبت بالقول.
стр. 2453
وكذلك المريض، إذا وطئ أمته وهي كلّ ماله، فحملت، صارت أمَّ ولدٍ، ولو أعتقها قولاً، لم يصحّ عتقها كلّها، وإنّما يصحّ من ذلك ثلثها إذا مات.
•••
[٢٩٣٥] مسألة: قال: وإذا كان الشَّيخ به البُهْرُ (١) والبلغم، لا يستطيع القيام ولا الخروج، أقام كذلك سنين، فعتقه جائزٌ (٢).
• إِنَّمَا قالَ ذَلِكَ؛ لأنَّ الكِبَرَ ليس بمرضٍ مخوفٍ، وإنّما يُمْنَع الإنسان من التَّصرف في ماله على غير عوضٍ في المرض المخوفِ، وأمّا في الأمراض الَّتِي ليست بمخوفةٍ فَإِنَّهُ لا يمنع من ذلك، فكان الكبير الَّذِي لا مرض به مخوفٌ، أولى أن لا يمنع من التَّصرف في ماله إذا كان صحيح العقل.
•••
[٢٩٣٦] قال: وإذا أعطى العبدُ رجلاً دنانير يشتريه من سيِّدِه فيُعْتِقُه، ففعل، ثمَّ عَلِمَ بذلك سيِّدُهُ، فالثَّمن الَّذِي قَبَضَ له، ويَتْبَعُ المشتري بالثَّمن فيأخذه، وَيَمْضِي العتق.
فإن لم يكن له مالٌ، لم يكن للمشتري عتقٌ، ورجع العبد إلى سيّده.
فإن كان لم يُعْتِقْه، دفع ثمنه، إلَّا أن يكون معسراً فيرجع العبد إلى سيّده (٣).
• إِنَّمَا قالَ ذَلِكَ؛ لأنَّ مال العبد لسيّده فيه حقٌّ، وإذا باعه سيّده، صار ماله
стр. 2454
للبائع، إلَّا أن يشترطه المشتر [ي]، فوجب أن يؤخذ من المشتري ثمن العبد؛ لأنَّ الثمن الأوّل كان مالاً للبائع.
ويجوز عتق المشتري للعبد؛ لأنَّه أعتق بشبهة الملك، وكلّ من أعتق [بمـ]ـلكٍ صحيحٍ أو شبهة ملكٍ فعتقه جائزٌ.
فإن كان معسراً لم يجز عتقه؛ لأنَّ البائع إِنَّمَا باع ليأخذ ثمنه في الحال، لا أن يأخذه إلى أجلٍ.
ولأنَّ عتق من عليه الدَّين أيضاً لا يجوز.
•••
[٢٩٣٧] قال: ومن أعتق رقيقاً وعليه دينٌ يحيط بماله، فعلم بذلك الغرماء، فلم يَعْرِضُوا لهم حَتَّى نكحوا الحرائر وكتبوا شهادتهم في الحقوق وقُطِعَ بها، ثمَّ قاموا بعد ذلك يريدون أن يبطلوا عتقه، فليس ذلك لهم، ولو قاموا بحضرة ذلك أو جَهِلُوا، لكان وجهاً (١).
• إِنَّمَا قالَ ذَلِكَ؛ لأنَّ سكوتهم طول هذه المدَّة مع علمهم بعتقه وتصرّفهم تصرّف الأحرار، دلالةٌ على إجازتهم العتق والرضا به، فلا سبيل لهم إلى الرّجوع في ذلك، إلَّا أن يقوموا ويُنكِروا ذلك عند العتق وقربه، فيكون ذلك لهم.
•••
стр. 2455
[٢٩٣٨] مسألة: قال: ولا يشتري الرَّقبة الواجبة بشرطٍ، ولا بأس بها في التَّطوع (١).
• إِنَّمَا قالَ ذَلِكَ؛ لأنَّهُ إذا اشتراها بشرط العتق، فكأنَّ المشتري لم يعتقها عتقاً مُبْتَدَأً؛ لِمَا شرط عليه بائعها من العتق، والعتق في الرِّقاب الواجبة يجب أن يكون مبتَدَأً من غير عقد حريَّةٍ تقدَّمت في العبد، ولا شرطٍ ثبت له للحريَّة.
ألا ترى: أنَّه لا يجوز أن يُعتِقَ أمَّ ولده، ولا مُكَاتَبَاً، ولا من يَعْتِقُ عليه إذا ملكه؛ لوجوب عتق هؤلاء بما قد ثبت لهم من حرمة الحريَّة وعقدها.
فأمَّا في التَّطوّع فذلك جائزٌ، لجواز الاشتراط في العتق التَّطوّع، وامتناعه في العتق الواجب.
•••
[٢٩٣٩] مسألةٌ: قال: ولا يجوز في الرّقاب الواجبة نصرانيٌّ، ولا يهوديٌّ، ولا مُكَاتَبٌ، ولا مُدَبَّرٌ، ولا مُعْتَقٌ إلى سنين، ولا أمّ ولدٍ، ولا أعمى، ولا بأس بذلك في التَّطوع.
ولا بأس بِعِتْقِ ولد الزِّنا فيها.
ولا يُعتِقُ فيها أحدَاً من أقاربه: مَنْ إذا مَلَكَهُ عَتَقَ عليه، ويجوز غيرهم مِمَّنْ يجوز له ملكه.
стр. 2456
ولا نحبُّ أن يُعْتِقَ المُرْضَعَ في كفَّارةِ القتل وما أشبهه، نَسَمَة تامَّة مُصَلِّيَة أحبّ إلينا (١).
• إِنَّمَا قالَ ذَلِكَ؛ لأنَّ الله لَمَّا شَرَطَ في كفّارة القتل أن تكون الرقبة مؤمنةً فيها، وجب أن تكون كلُّ كفَّارةٍ واجبةٍ لا يجوز فيها إلَّا مؤمنة.
كما أنَّه لَمَّا اشترط العدالة في الشَّهادة في الرَّجعة، كان كلُّ شهادةٍ مثلها في البيع والإجارة والنِّكاح وأشباه ذلك؛ لأنَّ الشّهادة هي للوثيقة، ولا يُتَوَثَّق بقول غير العدول.
ولَمَّا لم يجز عتق الأعمى والزَّمن - للنَّقص الَّذِي فيهما - في الرِّقاب الواجبة، لم يجز أيضاً عتق الكافر؛ للنَّقص الَّذِي فيه.
ولأنَّ عتق الكافر غير متقرّرٍ على التأبيد؛ لجواز أن يلحق بدار الحرب، ثمَّ يسبيه المسلِمُ فيكون عبداً له، ويبطل عتق الأوّل إيَّاه.
وقوله: «لا يُعْتَقُ مُكَاتَبٌ ولا مُدَبَّرٌ ولا مُعْتَقٌ إلى سنين ولا أمَّ ولدٍ»؛ فلأنَّ هؤلاء قد ثبت لهم عقد حريَّةٍ لا سبيل إلى رفعها، والله سبحانه، فإنَّمَا ألزم مَنْ عليه عتق رقبةٍ واجبةٍ أن يبتدئ عتقها من غير عقد حريَّةٍ تقدَّمت فيها قبل عِتْقِهِ، فقال جلَّ وعزَّ: ﴿فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ﴾ [المجادلة:٣]، هذا في الظّهار، وقال في القتل: ﴿فَدِيَةٌ مُسَلَّمَةٌ إِلَى أَهْلِهِ وَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُؤْمِنَةٍ﴾ [النساء:٩٢]، فأوجب عليه أن
стр. 2457
يبتدئ بعتق رقبةٍ يستأنف عتقها، وكذلك قال تعالى في كفّارة اليمين: ﴿أَوْ تَحْرِيرُ رَقَبَةٍ﴾ [المائدة:٨٩].
وقوله: «لا يجوز فيها أعمى»؛ فلأنَّ العَمَى نَقْصٌ لا يمكنه معه التَّصرُّف في معاشه، وليس يجوز له أن يعتق من لا يقدر على التَّصرّف في معاشه لزَمَانَةٍ به، مثل: العمى، وقطع اليد، أو الرّجل، وما أشبه ذلك.
وقوله: «يعتق ولد الزنا»؛ فلأنَّه رقبةٌ كاملةٌ.
وقوله: «لا يُعْتِقُ فيها أحداً من أقاربه مِمَّنْ يلزمه عتقه إذا ملكه»؛ فلأنَّه يلزمه عتقه بنفس مُلْكِهِ، سواءٌ أراد عتقه أو لم يُرِدْ، والعتق في الكفَّارات فإنَّما يقع بإيقاع المعْتِقِ لا بِمُلكِهِ الرَّقبة.
وإذا كان كذلك، لم يجز عتق من يَعْتَقْ عليه بملكه إيَّاه؛ لتقدم عتقه عليه بالملك على العتق في الكفَّارة، فيكون كأنَّه أعتق من لا يجوز له عتقه.
وقوله: «لا نحب أن يُعْتِقَ المرْضَعَ»؛ فلأنَّ الله لَمَّا قال: ﴿فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُؤْمِنَةٍ﴾ [النساء:٩٢]، وجب أن يعتق رقبَةً قد عقلت الإيمان وصلَّت وصامت، فإن أعتق غيرها جاز - أعني: الصَّغيرة -؛ لِأَنَّهَا في حكم المؤمنين، فهي مؤمنةٌ بالحكم.
ألا ترى: أنَّ حكم الصَّغير حكم المؤمن في الغُسْلِ له والصَّلاة عليه وأشباه ذلك.
•••
[٢٩٤٠] قال: ومن وجبت عليه رقبتان في كفَّارتين، فأعتق رقبةً عن واحدةٍ
стр. 2458
بعينها يسمِّيهَا، ثمَّ أعتق عنها أخرى وهو يظنُّ أنَّها الَّتِي بقيت عليه، فلا تجزئ عنه (١).
• إِنَّمَا قالَ ذَلِكَ؛ لأنَّهُ لم يقصد بالعتق الكفَّارة الَّتِي قد بقيت عليه، فلم يجُزْ عِتْقُه عن غيرها عنها، وإن كانت صورة العتق واحدةً.
ألا ترى: أنَّه لو كان عليه صلاة فريضةٍ فصلَّى مثلها في العدد نفلاً، لم يُجْزِه عن فرضه، وإن كانت صورة الصَّلاة واحدةً؛ لأنَّهُ لم ينو بها الصَّلاة الَّتِي عليه.
وكذلك الصَّوم، إذا صام عن نذرٍ أو فرضٍ غير رمضان عدد أيام رمضان، لم يجزه ذلك عن رمضان؛ لأنَّهُ لم ينوه، وإن كانت صورة الصَّوم واحدةً؛ لاختلاف النيَّة في ذلك، فكذلك لا يجزئ عتقٌ في كفَّارةٍ عن كفَّارةٍ، وإن كانت صورة العتق واحدةً، والله أعلم.
•••
[٢٩٤١] مسألة: قال: ومن كان عليه رقبةُ شكرٍ، فغَيْرُ المرْضعِ أحبّ إلينا (٢).
• إِنَّمَا قالَ ذَلِكَ؛ ليكون قد أعتق رقبةً كاملةً قد صلَّت وصامت؛ لأنَّ الوفاء بالعتق في الشُّكر واجبٌ، وهو النَّذر لله تعالى، فكان ذلك بمنزلة ما ذكرناه في الرَّقبة الواجبة في الكفَّارة.
•••
стр. 2459
[٢٩٤٢] قال: ويجوز في الرِّقَابِ الواجبة: الخَصِيّ، والأعرج، والأعور، ولا يجوز المُقْعَدُ، إِنَّمَا العَرَجُ وجعٌ من الأوجاع.
وغير ولد الزِّنا أعجب إلينا في الرِّقاب الواجبة، وهي نَسَمَةٌ تُجْزِئ (١).
• إِنَّمَا قالَ ذَلِكَ؛ لأنَّ هذه العيوب يسيرةٌ، لا تمنع من التّصرف في المعاش، فجاز عتقه، أعني: الخَصِيّ والأعرج والأعور.
فأمَّا المُقْعَدُ فلا يجوز عتقه؛ لأنَّهُ لا يقدر على التَّصرف في منافعه ومعاشه.
وكَرِهَ عتق ولد الزنا؛ لأنَّ غيره أفضل منه، فإن أعتقه جاز؛ لأنَّهُ رقبةٌ كاملةٌ.
•••
[٢٩٤٣] مسألة: قال: ومن أعتق عبداً في رقبةٍ واجبةٍ، ثمَّ ظُهِرَ على عيبٍ، فأخذ قيمته من البائع، فليُعِنْ به في رقبةٍ.
فإن كان تطوّعاً، صنع به ما شاء (٢).
• إِنَّمَا قالَ ذَلِكَ؛ لأنَّ عتق المعيب في الرّقاب الواجبة غير جائزٍ، فعليه بدل ما أعتق، ويمضي عتق المعيب، لا يُرَدّ، بمنزلة عتق التَّطوّع لا يجوز ردُّه.
ويستعين بما أخذ في أرش العيب في الرَّقبة الَّتِي يشتريها إن أحبّ؛ لأنَّ ذلك كسائر ماله.
стр. 2460
فأمَّا التَّطوّع فيصنع به ما شاء، ولا بدل عليه في العتق؛ لأنَّ عتق المعيب جائزٌ في التَّطوّع، ولا يجوز في العتق الواجب.
•••
[٢٩٤٤] مسألة: قال: ولا نحبَّ عتق الأصمِّ في الرّقاب الواجبة (١).
• إِنَّمَا قالَ ذَلِكَ؛ لأنَّهُ عيبٌ خفيفٌ، فكَرِهَ عتقه.
ولم يمنع منه رأساً؛ لأنَّ الأصم يقدر على التَّصرف في معاشه ومنافعه، كقدرة الأعور عليها، فجاز عتقه في الرَّقبة الواجبة.
•••
[٢٩٤٥] مسألة: قال: ولا يجوز عِتْقُ العبد - يُخْنَقُ في كلّ شهرٍ مرَّةً - في الرّقاب الواجبة (٢).
• إِنَّمَا قالَ ذَلِكَ؛ لأنَّ الجنون عيبٌ يمنع من التَّصرّف في المعاش والمنافع لصاحبه في كلّ أوقاته، فلم يجز عِتْقُهُ في الرَّقَبَةِ الواجبة.
وإنَّما يجوز عتق من يقدر أن يتصرَّف في معاشه ومصالحه في كلِّ أوقاته عمره في حال ما يعتقه، إلَّا أن يحدث بعدما يعتقه ما يمنعه، فلا يكون عليه مراعاة ذلك بإجماعٍ، وإنّما يجب عليه مراعاة ذلك في حال ما يريد عتقه.
стр. 2461
•••
[٢٩٤٦] مسألة: قال: ومن كان عليه رقبةٌ مؤمنةٌ، فغير الأعجمية أفضل، فإن كان من قِصَرِ البِضَاعَةِ (١)، فأرجو أن يجزئ (٢).
• إِنَّمَا قالَ ذَلِكَ؛ لأنَّ الأعجمي غير متكامل الأحوال؛ لأنَّهُ لا يعرف ما عليه من صلاةٍ وصيامٍ.
قال مالكٌ: «من صلَّى وصام أحبّ إليّ» (٣)؛ لِأَنَّهَا أكمل حالاً.
ولأنَّ الله جلَّ وعزَّ شَرَطَ الإيمان في الرَّقبة الواجبة - أعني: في القتل -، فاستحبّ أن يُعْتِقَ من قد عَرَفَ الإيمانَ.
فإن أعتق غيره جاز - إذا كان مؤمناً في الحكم -، وإن قصرت معرفته عنه أو إقامته له؛ لِصِغَرٍ أو عُجْمَةٍ.
•••
[٢٩٤٧] مسألة: قال: ومن أوصى بعتق رقبةٍ، فلا بأس أن يَشْتَرِي أباه أو أخاه (٤)، فإن كانت واجبةً فلا (٥).
стр. 2462
• إِنَّمَا قالَ ذَلِكَ؛ لأنَّهُ إذا كان العتق تطوّعاً، فاشتراء من يعتق عليه أفضل؛ لأنَّهُ يجتمع فيه ثوابٌ من جهة العتق وصلة الرَّحم.
فإن كان العتق واجباً، لم يجز ذلك؛ لِأَنَّهَا تعتِقُ على المالك لها بنفس المُلْكِ قَبْلَ عِتْقِهِ عمَّا عليه من الواجب، فلا يجوز ذلك.
•••
[٢٩٤٨] قال: ومن اشترى عبدَاً رَقَبَةً، فلا بأس أن يبدله بخيرٍ منه، ما لم يشترط عِتقَه (١).
• إِنَّمَا قالَ ذَلِكَ؛ لأنَّ شراءه له لا يوجب الحريَّة حَتَّى يُعْتِقَهُ، فإن نوى فيه العتق، جاز أن يبدله بخيرٍ منه.
فإن شَرَطَ عِتْقَهُ، لم يجز له أن يبدله؛ لأنَّهُ قد ألزم نفسه عتقه بالقول، وسواءٌ اشترط هو على نفسه، أو اشترط ذلك عليه البائع له.
•••
[٢٩٤٩] مسألة: قال: ومن أوصى بخمسمئة درهمٍ في رقبةٍ، فَوُجِدَ بخمسمئةٍ بشرطٍ ثَمَنَ سبعمئةٍ، فإن اشترى بخمسمئةٍ بغير شرطٍ لم يشتر (٢) مثلها، فيشتري بغير شرطٍ - وإن كان دونها - أحبّ إلينا (٣).
стр. 2463
• إِنَّمَا قالَ ذَلِكَ؛ لأنَّهُ إذا اشتراها بشرط العتق، فكأنَّ الموصِي بالعتق لم ينفرد بالعتقِ، وقد شاركه فيه البائع، وإنّما أوصى بعتق رقبةٍ مفردةٍ، فكان الانفراد بالعتق أولى من المشاركة فيه.
•••
[٢٩٥٠] مسألة: قال: ولا يَعْتَقُ على الرّجل من القرابة إذا ملكهم، إلَّا: الولد، والوالدين، والإخوة للأب والأم، والإخوة للأم، والإخوة للأب، وولد الولد، والجدَّات والأجداد، بعُدُوا أوقَرُبُوا.
ولا يَعْتَقُ عمٌّ، ولا عمَّةٌ، ولا خالٌ، ولا خالةٌ، ولا ابن أخٍ، ولا نسبٍ، ولا رضاعةٍ، قَرُبَ أو بَعُدَ (١).
• إِنَّمَا قالَ ذَلِكَ؛ لأنَّ عتق الولد وإن سفل، والوالدين وإن عَلَوَا، واجبٌ على الإنسان إذا ملكهم بإجماع العلماء، لا خلاف في ذلك، وقد ذكرنا الحُجَّة فيه فيما تقدَّم (٢).
فأمَّا الإخوة والأخوات كلّهم، فَإِنَّهُ يجب أيضاً عتقهم عند مالكٍ؛ لأنَّهُم يجرون مجرى الولد في حجب الأمِّ من الثّلث إلى السُّدس، وليس يحجبها ولد الأخ، فوجب عتق الإخوة والأخوات كلّهم إذا ملكهم، كما وجب عتق الولد إذا ملكهم.
стр. 2464
ولأنَّ الإخوة والأخوات قد شاركوا أيضاً في الولادة، وكان قرباهم سواءٌ، وليس كذلك بنو الإخوة.
ألا ترى: أنَّ الإخوة، يرث ذكورهم وإناثهم كما يرث ذكور الولد وإناثهم، وليس كذلك ولد الأخ؛ لبعد ولادتهم، وإنّما يرث بنو الأخ دون البنات، يرث بنو الأخ بالتَّعصيب كما يرث العمُّ بالتَّعصيب دون العمَّةِ، فلهذا قال مالكٌ: إنَّ الإخوة والأخوات يعتقون كما يعتق الولد والوالد.
وقوله: «لا يعتق عمٌّ ولاعمَّةٌ، ولا خالٌ ولا خالةٌ»؛ فلأنَّ سبب هؤلاء أضعف من سبب الولد والوالد والإخوة، فلم يجب عتقهم؛ لقصور حرمتهم عن حرمة الأب والابن والإخوة.
فإن قيل: قد رُوِيَ عن النَّبيِّ ﷺ أَنَّهُ قال: «مَنْ مَلَكَ ذَا رَحِمٍ مَحْرَمٍ فَهُوَ حُرٌّ» (١)؟
قيل: هذا حديثٌ رواه الحسن عن سمرةَ، وهو مرسلٌ؛ لأنَّ الحسن لم يسمع من سمرة شيئاً فيما قاله أصحاب الحديث.
ولَمَّا لم يجب عتق من يملكه من الرَّضاعة مثل أمّه وأخته وإن كان له حرمةٌ، فكذلك لا يجب عتق العمَّة والخالة وأشباههما وإن كانت لهم حرمةٌ.
•••
[٢٩٥١] مسألة: قال: ومن اشترى ممن يَعْتِقُ عليه - مِمَّنْ سمَّيتُ لك -، فهو حرٌّ حين يملكه، بغير سلطانٍ يُنْفِذُهُ، ولا عتقٍ يَبْتَدِئ فيه، إلَّا أن يكون عليه دينٌ يحيط بماله فلا يَعْتَق، ويكون الدَّين أولى به (٢).
стр. 2465
• إِنَّمَا قالَ ذَلِكَ؛ لأنَّ سبب عِتْقِه عليه هو المُلْكُ، فإذا استقرَّ ملكه عليه، عَتَقَ من غير سلطانٍ يحكُمُ عليه بعتقه؛ لأنَّ الحاكم إِنَّمَا يُحْتَاجُ إلى حكمه فيما قد يجوز أن يكون وأن لا يكون، والعتق هاهنا فواجبٌ لا بُدَّ منه، فلا معنى لنظر الحاكم فيه وإيقاعه له.
•••
[٢٩٥٢] مسألة: قال: ومن اشترى العَبْدُ مِمَّنْ يعتَقُ على السَّيِّد إذا مَلَكَه، فَإِنَّهُ يَعْتَقُ حين اشتراه (١).
• إِنَّمَا قالَ ذَلِكَ؛ لأنَّ ملك العبد لسيِّدِه فيه حقٌّ وشُبْهَةُ ملكٍ مستقرٍّ، فإذا اشترى العَبْدُ من يعتق على سيِّده إذا مَلَكَه، كأبيه وأخيه وابنه، أُعْتِقَ على السيِّد؛ لأنَّ العتق يلزم الإنسان بملكٍ مستقرٍّ وشبهة مُلْكٍ مُسْتَقِرٍّ.
•••
[٢٩٥٣] مسألة: قال: وإذا اشترى العَبْدُ ابْنَ نَفْسِهِ بإذن سيِّده، فلا نرى له أن يبيعه (٢).
• إِنَّمَا قالَ ذَلِكَ؛ لأنَّ حكم الإنسان أن لا يبيع ابنه، سواءٌ كان عبداً أو حُرّاً.
فإن أراد سيِّده أن يبيعه باعه؛ لأنَّهُ يكون ببيعه مُنْتَزَعَاً من عبده، فيجوز ذلك، كما يجوز له أن ينتزع ماله؛ للحقِّ الَّذِي له فيه.
•••
стр. 2466
[٢٩٥٤] مسألة: قال: وإذا اشترت البنت أبَاهَا، فعَتَقَ، ثمَّ مات ولا وارث له غيرها، ورِثَتْهُ النِّصف بالرَّحِم، والنِّصْفَ بالولاء، وكذلك كلّ من اشترى ذا رحمٍ يرثه، ثمَّ مَاتَ (١).
• إِنَّمَا قالَ ذَلِكَ؛ لِأَنَّهَا ورِثَت النّصف بالنّسب الَّذِي لها منه، والنِّصف الباقي بالولاء الَّذِي لها عليه، وقد قال رسول الله ﷺ : «الوَلَاءُ لِمَنْ أَعْتَقَ».
رواه مالكٌ، عن نافعٍ، عن ابن عمر، عن النَّبيِّ ﷺ (٢).
وكذلك كلّ من أعتق ذا رحمٍ منه، وَرِثَ حقَّهُ منه بالرَّحم، والباقي يرثه بالولاء؛ لأنَّ الولاء بمنزلة التَّعصيب، وقد رُوِيَ عن النَّبيِّ ﷺ أَنَّهُ قال: «الوَلَاءُ لُحْمَةٌ كَلُحْمَةِ النَّسَبِ، لَا يُبَاعُ وَلَا يُوهَبُ» (٣).
•••
[٢٩٥٥] مسألة: قال: ومن وَرِثَ عَبْدَاً ذَا قَرَابَةٍ - مِمَّنْ يَعْتَقُ عليه -، أُعْتِقَ عليه، ومن ورِثَ منه شَقْصَاً، عَتَقَ ذلك الشَّقْصُ بعينِه، ولا يَسْتَتِمُّ الباقي عليه (٤).
стр. 2467
• إِنَّمَا قالَ ذَلِكَ؛ لأنَّهُ إذا ملك من يلزمه عتْقُهُ، وجب عليه عتقه، سواءٌ كان ذلك بميراثٍ أو هبةٍ أو شريٍ.
فأمَّا إذا ورث بعضه، عَتَقَ عليه ما ورثه، ولم يكمل عليه عِتْقُ كلِّه؛ لأنَّهُ لا صنع له في دخول الميراث في ملكه.
فأمَّا إذا وُهِبَ له فَقَبِلَهُ، عَتَقَ عليه باقيه مع ما قَبِلَهُ؛ لأنَّ العتق وقع بسبب قبوله، فوجب استكمال الحريَّة عليه، كما لو اشترى بعض من يعتق عليه، لزمه عتق باقيه، وكما لو أعتق بعض عبده، لزمه عتق كلّه.
•••
[٢٩٥٦] مسألة: قال: ومن أوصى لرجلٍ بأن يُعْطَى ثمن أُمِّهِ (١) - والثّلث يحملها -، فلا تَعْتَقُ عليه، وتُبَاع ويُعْطَى ثمَنهَا (٢).
• إِنَّمَا قالَ ذَلِكَ؛ لأنَّ الموصى له لم يستقرَّ له مُلْكٌ على أُمِّهِ، وإنّما أُوصِيَ له بثَمَنِها، فلم يلزمه عتقها؛ لأنَّ العتق إِنَّمَا يجب فيمَنْ يملكه متى مَلَكَهُ، لا قبل ذلك.
•••
стр. 2468
كتاب الولاء
[٢٩٥٧] قال: ولا يحلُّ بيع الولاء ولا هبته (١).
• إِنَّمَا قالَ ذَلِكَ؛ لأنَّ الولاء تثبت حرمته كما تثبت حرمة النَّسب، فلا يجوز بيعه ولا هبته، كما لا يجوز ذلك في النَّسب.
وقد روى مالكٌ، وشعبة، عن عبد الله بن دينارٍ، عن ابن عمر: «أَنَّ رَسُولَ الله ﷺ نَهَى عَنْ بَيْعِ الوَلَاءِ، وَعَنْ هِبَتِهِ» (٢)، وهذا ما لا خلاف فيه بين العلماء.
•••
[٢٩٥٨] مسألة: قال: ومن ابتاع نفسه من سيِّده على أن يُوَالِيَ من شاء، لم يكن ذلك له، والولاء لمن أعْتَقَ (٣).
• إِنَّمَا قالَ ذَلِكَ؛ لأنَّ هذا شرطٌ خلاف شرط الله ، فلا يجوز
стр. 2469
شرطه؛ لأنَّ مِنْ شَرْطِ الله تعالى أن يكون الولاء للمُعْتِقِ، وقد قال رسول الله ﷺ : «كُلُّ شَرْطٍ لَيْسَ فِي كِتَابِ اللهِ ، فَهُوَ بَاطِلٌ» (١).
وروى مالكٌ، عن نافعٍ، عن ابن عمر، أنَّ النَّبيَّ ﷺ قال: «الوَلَاءُ لِمَنْ أَعْتَقَ» (٢).
ورواه مالكٌ، عن هشام بن عروة، عن أبيه، عن عائشة ﵂، عن النَّبيِّ ﷺ نحوه (٣).
•••
[٢٩٥٩] مسألة: قال: وليس للرَّجُلِ أن يأذن لمولاه أن يوالِيَ مَنْ شاءَ (٤).
• إِنَّمَا قالَ ذَلِكَ؛ لأنَّ هذه هبة الولاء ونقْلِهِ إلى غير المعتِقِ، وذلك غير جائزٍ؛ لنهي رسول الله ﷺ عن بيع الولاء وهبته.
•••
[٢٩٦٠] مسألة: قال: ولو وَهَبَ رَجُلٌ عبدَاً وشَرَطَ أن يُعْتَقَ، كان ذلك جائزَاً (٥).
стр. 2470
• إِنَّمَا قالَ ذَلِكَ؛ لأنَّ هذا قد وهب رقبة العبد للموهوب له، وشرط عليه عِتْقَهُ، فكان ذلك جائزاً.
ويكون الولاء للموهوب له؛ لأنَّهُ قد مَلَكَهُ، ثمَّ أعتقه، كما لو باعه منه وشَرَطَ عليه عِتْقَهُ، كان على المشتري عِتْقُهُ بالشَّرط والولاء له، فكذلك الهبة.
•••
[٢٩٦١] مسألة: قال: والولد الذُّكُورُ أَحَقُّ بموالي أبيهم من جدِّهم، والجَدُّ أولى من بني العمِّ (١).
• إِنَّمَا قالَ ذَلِكَ؛ لأنَّ الوَلَدَ أَقْرَبُ إلى الإنسانِ من جَدِّهِ، فكان الولاء لولده دون جدِّه؛ لقربه منهم؛ ولقوَّة تعصيبهم.
وكذلك الجدُّ أولى من بني العمّ؛ لأنَّ جدَّ الإنسان أقرب إليه من بني عمِّه؛ لأنَّ بني العمِّ إِنَّمَا ينتسبون بالعمِّ، والعَمُّ بالجدِّ، فكان الجدُّ أولى منهم؛ لأنَّهُ أقرب إلى الميِّت، والولاء يُستَحَقُّ بالقرب، وكذلك قال أصحاب رسول الله ﷺ (٢).
•••
[٢٩٦٢] مسألة: قال: والأخ، وبنو الأخِ، أولى من الجدِّ (٣).
стр. 2471
• إِنَّمَا قالَ ذَلِكَ؛ لأنَّ فيهم قرباً وقوَّةَ تعصيبٍ، فكانوا أولى من الجدّ؛ لأنَّ الولاء إِنَّمَا يُستَحقُّ بالقرب مع قوَّة التَّعصيب، فمن قوي تعصيبه فهو أولى.
فأوَّل ذلك: الابنُ، ثمَّ ابنُ الابنِ، ثمَّ الأبُ، ثمَّ الأخُ، ثمَّ ابن الأخِ؛ لأنَّ الأخ وابنه أقوى تعصيباً من الجدِّ؛ من قِبَلِ أنَّ الأخ فيه تعصيبٌ محضٌ، وكذلك ابنه، وليس فيهم ولادةٌ، فلذلك كان الأخ وابنه أولى من الجدِّ بالولاء.
وليس كذلك ميراث المال؛ لأنَّ المال يورَثُ بِقُرْبِ الرَّحِمِ وتأكُّدِه وبالأسباب دون قوَّة التَّعصيب، فطريقهما مختلفٌ.
وكذلك من جَمَعَ القرب والتَّعصيب، هو أولى بالولاء وبالمال أيضاً، وذلك كالابن والأب، والابن أولى بالولاء، وكذلك الأب؛ لأنَّهما قد جمعا قرباً وتعصيباً.
فأمَّا من جمع تعصيباً دون القرب، فإنَّ من جمع قُرْبَاً مع التَّعصيب أولى، وذلك بمنزلة الجدِّ والعمِّ، أنَّ الجد أولى بالميراث والولاء من العمِّ وابنه؛ لأنَّ الجدَّ قد جمع تعصيباً وقرباً؛ ولأنَّ تعصيبه أقوى من تعصيب العمِّ.
ومما يدلُّ على أنَّ الأخ وابن الأخ أولى بالولاء من الجدِّ، أنَّ الولاء لا مدخل للرَّحِم على التَّجريد في أخذه وإرْثِهِ، وللتَّعصيب على التَّجريد مدخلٌ في الإرث به، فلمَّا كان الأخ وابن الأخ قُوَّةُ سببهما هو بالتَّعصيب، كانا أولى بالولاء من الجدِّ الَّذِي ليس سببه بالتَّعصيب دون الرَّحِمِ.
فإن قيل: لَمَّا كان الأب أولى بالولاء من الأخ - وإن كان فيه ولادةٌ وتعصيبٌ -، وجب أن يكون كذلك الجدّ؟
стр. 2472
قيل له: الأب هو أقرب إلى المُعْتِقِ من الأخ وابن الأخ، لأنَّ الأخ وابنه ينتسبان بالأبِ، فكان الأب أولى لقربه وقوةَّ تعصيبه بالقرب، وليس كذلك الجدُّ.
ألا ترى: أنَّ ولد الأب، يستوي حكم الذَّكر والأنثى في أنَّهم يرثون كما يرث الولد من أبيهم، وليس يستوي حكم ولد الأخ الذُّكور والإناث منهم، ولا حكم العمّ والعمَّةِ في الميراث؛ وذلك لقرب سببهم من الميِّت، فوجب أن لا يكون حكم الجدِّ كحكم الأب في الولاء؛ لبعده من الميِّت وقرب الأخ وابنه منه.
فإن قيل: لَمَّا كان الأخ للأب والأمّ أولى بالولاء من الأخ للأبِ؛ لأنَّ الأخ للأب والأمِّ يجمع تعصيباً ورَحِمَاً، فكذلك يجب أن يكون الجدُّ أولى بالولاء؛ لأنَّهُ يجمع تعصيباً ورَحِمَاً من الأخ وابنه؟
قيل: الأخ للأب والأمّ سببه أقوى؛ لأنَّ أُخُوَّتَهُ أوكد؛ لأنَّ فيه الأُخُوَّة من وجهين، فأكَّد بعضها بعضاً، فكان أوكد أُخُوَّةً من الأخ للأب، وليس كذلك الجدّ؛ لأنَّ الولادة ليست من جنس التَّعصيب فتُقَوِّيه.
ألا ترى: أنَّ الولادة تكون مِمَّنْ لا تعصيب فيه، كالأمِّ والجدَّة، فلم يقوِّ ذلك تعصيب الجدِّ.
•••
[٢٩٦٣] قال: والأبُ أولى من بني الأخ.
وإنّما كان بنو الأخ أولى بالولاء من الجدِّ، والجدُّ أولى بالميراث؛ مِنْ قِبَلِ أنَّ رَجُلَاً لو هلَكَ وترك ولداً ذَكَرَاً، وترك أبويه، كان لكلِّ واحدٍ منهما السُّدس وما بقي فللولد، فلو هلك بعض موالي الميِّت، كان ميراثه لولده دون أبويه.
стр. 2473
وكذلك الجدُّ أولى بالمال من ابن الأخ، وابن الأخ أولى بالموالي منه (١).
• إِنَّمَا قالَ ذَلِكَ؛ لِمَا ذكرناه: أنَّ طريق ميراث الولاء مُخَالِفٌ لطريق ميراث المال؛ لأنَّ الميراث يكون بالرَّحِمِ وإن لم يكن معها تعصيبٌ، ويكون بالسَّبَبِ من غير رَحِمٍ ولا تعصيبٍ، وهي الزَّوجية، وليس كذلك ميراث الولاء؛ لأنَّهُ إِنَّمَا يُسْتَحُّقُّ بالتَّعصيب دون الرَّحِم، وقد بيَّن مالكٌ ذلك بما ذكره.
•••
[٢٩٦٤] مسألة: قال: وإذا تزوَّج العبدُ الحرَّةَ فولدت، ثمَّ أُعْتِقَ العبْدُ، جرَّ ولاء وَلَدِهِ.
وكذلك ابن الملاعَنَةِ، يكونُ موالي أُمِّهِ مَوَاليه، فإنِ اعترف به أبوه، جرَّه إلى مواليه.
وكذلك ابن المُلاعَنَةِ العَرَبِيَّةِ، إذا أقرَّ به أبوه رجع إليه، وإن مات كان ميراث عصبته منه للمسلمين (٢).
• إنَّما قال: «إنَّ العبد يجُرُّ ولاءَ ولده إذا أُعْتِقَ»، وكذلك الجدُّ؛ لأنَّ الله قال: ﴿ادْعُوهُمْ لِآبَائِهِمْ هُوَ أَقْسَطُ عِنْدَ اللَّهِ﴾ [الأحزاب:٥]، فأمر بدعوة الولد للأبِ؛ لأنَّ نسبه يرجِعُ إليه، فكذلك يجب أن يرجع الولاء إليه؛ لأنَّ الولاء
стр. 2474
كالنَّسب، وإنّما كان لموالي الأمِّ حين كانت نعمة الحريَّة عليه من جهة الأمِّ دون الأب، فلمَّا أُعْتِقَ الأبُ، صار ذلك إليه.
وجَرُّ الولاء إِنَّمَا يكون في ولد المولاة الحرَّةِ دون ولد الأَمَةِ؛ لأنَّ ولد الأمَةِ إذا أُعْتِقُوا معها أو منفردين، فقد مسَّهم الرِّقُّ، ولا ينتقل الولاء الحادث عن الرقِّ.
وقد روى أحمد بن حنبل، عن عبد الرزَّاق، عن معمرٍ قال: سمعت الحجَّاج يحدث عن عامرٍ، عن الحارث، عن علي ﵁ أَنَّهُ قال: «يَرْجِعُ الوَلَاءُ إِلَى مَوَالِي الأَبِ إِذَا أُعْتِقَ»، وَقَضَى بِهِ عُمَرُ وَعُثْمَانُ ﵄ (١).
وروى الثَّوريّ، عن جابرٍ، عن الشَّعبيّ، عن الأسود، عن عبد الله قال: «إِذَا أُعْتِقَ الأَبُ، جَرَّ الوَلَاءَ» (٢)، وهذا قول جماعةٍ من التَّابعين ومن بعدهم.
وقوله في ولد المُلاعَنَةِ: «إنَّ ولاءه لموالي أمِّه»؛ فلأنَّ نسبه من أبيه لَمَّا انقطع منه، صار ولاؤه إلى موالي أمِّه، فإن استلحقه الأب عاد نسبه إليه كما كان، وإن مات قبل ذلك كان ما زاد على حقِّ أُمِّهِ لموالي أمه.
وكذلك ابن المُلاعَنَةِ العَرَبِيَّةِ مثله، إلَّا فيما فَضَلَ عن حقِّ أمِّه، فَإِنَّهُ يكون للمسلمين؛ لأنَّهُ لا ولاء لأحدٍ عليه ولا على أمِّه، وهي عربيَّةٌ وليست بمولاةٍ.
وقد روى أحمد بن حنبل، قال: حدّثنا عبد الرزاق، عن معمرٍ، عن قتادة:
стр. 2475
«أَنَّ زَيْدَ بْنَ ثَابِتٍ وَابْنَ عَبَّاسٍ قَالَا فِي مِيرَاثِ ابْنِ المُلَاعَنَةِ: لِأُمِّهِ الثُّلُثُ، وَمَا بَقِيَ فَلِبَيْتِ المَالِ» (١).
وروى سعيدٌ، عن قتادة، عن خلاسٍ: «أنَّ عَلِيّاً وَزَيْدَاً قَالَا ذَلِكَ» (٢).
وقال مالكٌ: «ذلك الأمر المجتمع عليه عندنا» (٣).
•••
[٢٩٦٥] مسألة: قال: ومن أعتق عبَدَه - وله ولدٌ من حُرَّةٍ - عند موت العبد، جرَّ المُعْتَقُ ولاء ولده (٤).
• إِنَّمَا قالَ ذَلِكَ؛ لِمَا ذكرناه: من رجوع نسبه إلى أبيه ودعوته به، فكذلك يجب رجوع الولاء إليه؛ لأنَّ الولاء لحمةٌ كلحمة النَّسب، كما قال رسول الله ﷺ (٥).
•••
[٢٩٦٦] مسألة: قال: ومن كان لعبده ولدٌ من امرأةٍ حُرَّةٍ، وللعبد أبٌ حرٌّ،
стр. 2476
أنَّه يجرُّ ولاء ولد ابنه ما دام أبوهم عبدَاً، فإذا أُعْتِقَ، رجع إليه الولاء، وإن مات وهو عبدٌ، كان ذلك للجدِّ.
ولو كان للعبد ابنان حرَّانِ، فهلك أحدهما، جرَّ الجدُّ الولاء والميراث (١).
• إنَّما قال: «إنَّ الجدَّ يجرُّ الولاءَ كما يجرُّ الأب - إذا كان الأب عبداً والجدُّ حرّاً -»؛ فلأنَّ الجدَّ لَمَّا كان يرجع إليه النَّسبُ كما يرجع ذلك إلى الأب، وجبَّ أن يجرَّ الجدُّ الولاء إلى مواليه كما يجرّ ذلك الأب إلى مواليه؛ لأنَّ السَّبب في رجوع الولاء هو النَّسب، فمن كان نسب المعتق يرجع إليه جرَّ الولاء، سواءٌ كان ذلك الأب أو الجد.
والجدَّ يرث المال ويجرَّ الولاء، كما يرث ذلك الأب ويجرَّ الولاء.
•••
[٢٩٦٧] مسألة: قال: ولا يجرُّ الأخ ولا العمُّ ولا أحدٌ من القرابات ولاءً، إلَّا الجدّ (٢).
• إِنَّمَا قالَ ذَلِكَ؛ لأنَّ الأخ والعمَّ لا يرجع النَّسَبُ إليهم ولا إلى أحدٍ من القرابات، كما يرجع ذلك إلى الأب والجدِّ، فلم يكن حكمهم في جرِّ الولاء حكم الأب والجدّ؛ لأنَّ الولاء إِنَّمَا يرجع برجوع النَّسب إليه على ما ذكرناه، دون غيره من الرَّحِمِ والتَّعصيب.
•••
стр. 2477
[٢٩٦٨] مسألة: قال: وإذا أُعتِقَت الأمةُ وهي حاملٌ وزوجها مملوكٌ، ثمَّ أُعتِقَ زوجها قبل الولادة أو بعدها، فولاء ما في بطنها لمن أعتق أُمَّهُ (١).
• إِنَّمَا قالَ ذَلِكَ؛ لأنَّ الولد قد مسَّه الرقُّ ووقع العتق عليه بالمباشرة في نفسه، فلا يجرُّ الأبُ ولاءه؛ لأنَّ جرَّ الولاء إِنَّمَا يكون فيمن لم يمسه الرقُّ ولم يباشر بالعتق، وهو أن يَتَزوَّج عبدٌ بمولاة قومٍ حُرَّةٍ بعتقهم لها، لا فيمن قد مسَّه رقٌّ؛ لأنَّ ولاء من قد مسَّه الرقُّ لا يجوز نقله ببيعٍ ولا هبةٍ ولا غير ذلك.
•••
[٢٩٦٩] مسألة: قال: ومن قال لعبده: «أنت حرٌّ وعليك خمسون دينارَاً»، فذلك جائزٌ (٢).
• إِنَّمَا قالَ ذَلِكَ؛ لأنَّهُ لَمَّا كان له أن يكاتب جبرَاً على مالٍ يلزمه من أجل حرمة الحريَّة، فكذلك له أن يعتقه على مالٍ يلزمه إيَّاه جبرَاً.
وقال ابن القاسم في هذه المسألة: العتقُ يقع ولا يلزمه المال؛ إلَّا أن يقول: «أعتقتك على مالٍ» (٣).
وكأنَّ هذا القول أقيس؛ لأنَّهُ لا يجوز أن يُلْزِمَهُ مالاً بعد عتقه إيَّاه؛ لأنَّهُ قد
стр. 2478
ملك نفسه وصار حرّاً، فلا يلزمه شيءٌ من المال ولا الخدمة، إلَّا أن يُلْزِمَ ذلك نفسه على وجه الاختيار له.
•••
[٢٩٧٠] مسألة: قال: وولاء ما أُعْتِقَ في الظِّهار والكفَّارات لمن أعْتَقَ (١).
• إِنَّمَا قالَ ذَلِكَ؛ لأنَّهُ أعْتَقَ في الظِّهار والكفَّارات ما يمْلِكُهُ؛ فكان الولاء له؛ لعموم قول رسول الله ﷺ : «الوَلَاءُ لِمَنْ أَعْتَقَ» (٢).
وليس كذلك المعْتِقُ من الزَّكاة؛ لأنَّهُ غير مالكٍ للزَّكاة، وإنّما أعتقه عن المسلمين، فكان الولاء لهم.
•••
[٢٩٧١] مسألة: قال: ومن أسلم على يدي رجلٍ، فولاؤه للمسلمين (٣).
• إِنَّمَا قالَ ذَلِكَ؛ لأنَّ الَّذِي أسلم على يديه لم يُعْتِقْه، والولاء إِنَّمَا يثبت بالعتق، لقول النَّبيِّ ﷺ : «إِنَّمَا الوَلَاءُ لِمَنْ أَعْتَقَ».
وقد روى عبد الله بن مَوْهِبٍ (٤)، عن تميم الداريِّ قال: «سَأَلْتُ
стр. 2479
رَسُولَ الله ﷺ : مَا السُّنَّةُ فِي الرَّجُلِ مِنْ أَهْلِ الكُفْرِ يُسْلِمُ عَلَى يَدَي الرَّجُلِ مِنَ المُسْلِمِينَ؟، قَالَ: هُوَ أَوْلَى النَّاسِ بِمَـ[ـحْيَاهُ] وَمَمَاتِهِ» (١)، وعبد الله بن موهبٍ مجهولٌ لا يحتجُّ به.
وليس في الحديث دليلٌ أنَّ له الولاءَ، ولو ثبت له الولاء، لَمَا جاز أن ينقله عنه.
ومخالفنا (٢) يقول: «له أن ينقله عنه قبل أن يعقل عنه» (٣).
ولو جاز ذلك مع ثبوت الولاء، لجاز ذلك في العتق مع ثبوت الولاء، وقد قال رسول الله ﷺ : «الوَلَاءُ لُحْمَةٌ كَلُحْمَةِ النَّسَبِ، لَا يُبَاعُ، وَلَا يُوهَبُ» (٤).
•••
[٢٩٧٢] مسألة: قال: وإذا أعتق رجلان رجلاً، فلينْتَسِبْ إليهما (٥).
стр. 2480
• إِنَّمَا قالَ ذَلِكَ؛ لأنَّ الولاء لهما، والولاء كالنَّسب، فيجب أن يَنْتَسِبَ إليهما؛ لئلا ينقطع ولاء أحدهما ويُجْهَل متى لم ينتسب إليه.
•••
[٢٩٧٣] مسألة: قال: وتجرُّ المرأة ولاء مَوَالِيها الَّذِينَ أعتقت (١).
• إِنَّمَا قالَ ذَلِكَ؛ لقول رسول الله ﷺ : «الوَلَاءُ لِمَنْ أَعْتَقَ» (٢)، فللمرأة ولاء ما أعتقت، وولاء موالي من أعتقت، وولاء أولاد من أعتقت؛ لأنَّ هذا كلّه يرجع إلى أصل ولاءٍ هو عن مباشرتها العتق.
ولا ترث ولاء من أعتق غيرها، مثل: أبيها وابنها وأخيها؛ لضعف سببها عن سبب الرِّجال؛ لأنَّ المرأة لا تعصيب فيها، وإنّما يعصّبها غيرها، والرِّجال ففيهم تعصيبٌ، وهم القوَّامون على النِّساء، كما قال الله : ﴿الرِّجَالُ قَوَّامُونَ عَلَى النِّسَاءِ بِمَا فَضَّلَ اللَّهُ بَعْضَهُمْ عَلَى بَعْضٍ﴾ [النساء:٣٤].
•••
[٢٩٧٤] قال: وإذا أسلم النَّصرانيُّ، فتسمَّى فقال: «أنا فلان بن عبد الله»، وأبوه نصرانيٌّ، فلا نحبُّ ذلك له (٣).
стр. 2481
• إنَّما كره ذلك؛ لأن في ذلك إيهاماً أنَّه ابن فلانٍ وليس بابنه، فكأنه قد انتفى من أبيه.
•••
[٢٩٧٥] مسألة: قال: ومن أُعْتِقَ من الزَّكاة، فولاؤه للمسلمين، ولا ينبغي أن يَشْتَرِطَ الولاءَ للَّذي يشتَرِي منه (١).
• إِنَّمَا قالَ ذَلِكَ؛ لأنَّ المُعْتِقَ من الزكَّاة غير مالكٍ للزَّكاة، فلا يجب أن يكون له ولاء ما أعتق منها.
ولايجوز أن يَشْتَرِطَ ذلك للبائعِ ولا لأحدٍ بعينه؛ لأنَّهُ للمسلمين جملةً؛ لأنَّ المعْتِقَ من الزَّكاة إِنَّمَا أَعْتَقَ بمالٍ كأنَّه يملكه المسلمون، وكذلك ولاء ما أَعْتَقَ بذلك المال هو لهم، لا يختصُّ به أحدٌ.
•••
[٢٩٧٦] مسألة: قال: ومن كان له عبدٌ تحتَهُ حُرَّةٌ، فولدت غلاماً، فاشترى الغلام أباه فأُعْتِقَ عليه، فولاؤه لموالي أمِّ ابنه، ينتقل ذلك إليهم.
وإنّما جرَّ الابن من ذلك، ما كان يجرُّه غيره لو اشتراه (٢).
• إِنَّمَا قالَ ذَلِكَ؛ لأنَّ ولاء الأب قد صار لموالي أمِّ ابنه؛ لأنَّهُ لَمَّا اشترى
стр. 2482
أباه فعَتَقَ عليه، صار ولاؤه لمواليه، وهم موالي أمِّه، كما لو اشتراه غير ابنه فأعتقه، كان ولاؤه لموالي مشتريه.
•••
[٢٩٧٧] مسألة: قال: ولا ترث المرأة إلَّا ما أعْتَقَتْ، أو أَعْتَقَ مَنْ أَعْتَقَتْ (١).
• إِنَّمَا قالَ ذَلِكَ؛ لِمَا ذكرنا: أنَّ المرأة لا ترث ولاء من أعتق غيرها؛ لأنَّهَا لا تعصيب فيها؛ لأنَّ الولاء يورث بالتَّعصيب.
وترث ولاء من باشرت عتقه وولاء ولده وولاء مواليه؛ لأنَّ ذلك يرجع إلى أصلٍ هو المباشِرَة، وهي أقوى من إرث الولاء، فورثت به.
•••
[٢٩٧٨] مسألة: قال: وإذا كاتب نَفَرٌ مُكَاتَبَاً، فعَتَقَ، ثمَّ مات، وقد مات اثنان من مواليه وتركا وارثاً، وبقي واحدٌ، فإنَّه يرثه البَاقِي وَوَلَدُ الَلَّذَيْنِ أعتقاه.
فإن كان الَّذِي كاتب العبد أبا الثَّلاثة، وَرِثَهُ الباقي من الثَّلاثة (٢).
стр. 2483
• إِنَّمَا قالَ ذَلِكَ؛ لأنَّ هؤلاء ليست قرابتهم واحدةٌ فيرُاعَى قربهم من المعْتِقِ، فوجب أن يرث ولد كلّ واحدٍ من الولاء ما كان يرثه أبوه، إذ لا قرابة بينهم.
فإن كان أبو أحدهم هو المعْتِقُ، كان الولاء للباقي؛ لأنَّهُ أقرب إلى المعتِقِ من ولد أخيه، والولاء يُسْتَحقّ بالقرب على ما بيَّنَّاه.
•••
[٢٩٧٩] مسألة: قال: ومن أعتق عبدَاً عن أبيه وهو حيٌّ، فالولاء للأب، ولو وهبه للأب حَتَّى يكون هو الَّذِي يعتقه، كان أفضل.
وما أُعْتِقَ عن الميّت فولاؤه له (١).
• إِنَّمَا قالَ ذَلِكَ؛ لأنَّهُ إذا أعْتَقَ عن أبيه، فقد مَلَّكَ العبدَ أباه، ثمَّ أعتق عنه، فكان الولاء للأب، كما إذا أعتق الوَكِيلُ، فالولاء للموكِّلِ.
وكذلك إذا أُعْتِقَ عن الميِّت، فالولاء للميِّتِ.
وكذلك إذا أُعْتِقَ سائبةً، فولاؤه للمسلمين؛ لأنَّ الولاء يثبت للإنسان وإن لم يختره.
ألا ترى: أنَّ الرّجل يُعْتِقُ العبدَ فيثبت ولاؤُهُ لبني عمّه وعصبته وإن لم يختاروا ذلك، ولو جنى العبدُ المعتَقُ جنايةً، كانت على المعتِقِ له وعلى عصبته،
стр. 2484
بمنزلة النَّسب، فكذلك يجوز أن يُعْتِقَ الإنسانُ عن غيره بغير أمره فيثبت له الولاء، وقد قال سعدٌ لرسول الله ﷺ : «إِنَّ أُمِّي أَرَادَتْ أَنْ تُعْتِقَ، أَفَيَنْفَعُهَا أَنْ أُعْتِقَ عَنْهَا، فَقَالَ: نَعَمْ» (١)، فلمَّا كان لها ثواب العتق وإن لم تأمر هي بالعتق، فكذلك لها ولاء المُعْتَقِ، وإن لم تأمر به.
•••
[٢٩٨٠] مسألة: قال: وإذا كانت الأمَةُ تحت الحرِّ فأُعْتِقَتْ، فلا يكفّ عن وطئها (٢) حَتَّى يتبيَّن حملها؛ لمكان الولاء (٣).
• إِنَّمَا قالَ ذَلِكَ؛ لِأَنَّهَا في الظَّاهر غير حاملٍ، فالوطء جائزٌ له على الأصل، فلا يمنع منه للإمكان.
•••
[٢٩٨١] مسألة: قال: وإذا أعْتَقَ الرَّجُلُ عَبْدَاً، وأَعْتَقَ أبا العبد آخَرُ،
стр. 2485
فيَكْتُبُ إذا كَتَبَ: فلان بن فلانٍ، ويجعل نفسه في ذلك: «مولى فلانٍ»، يجمعهما جميعاً (١).
• إِنَّمَا قالَ ذَلِكَ؛ لكيلا ينقطع ولاء أحدهما ويُنْسَى بترك ذكره، فيكتب: «فلانٌ مولى فلان، بن فلانٍ مولى فلانٍ».
•••
[٢٩٨٢] مسألة: قال: ومن أَعْطَى بغلامٍ للعتق خمسين ديناراً، وأبى سيِّده إلَّا ستِّين، فقال العبد لسيّده: «بِعْنِي بخمسينَ واكتب علي عشرة دنانيرٍ، ديناراً في كلِّ شهرٍ» - بعلمٍ من المشتري -، فاشتراه فأعتقه، فالولاء للَّذي اشتراه كلُّه، وليس للبائع فيه شيءٌ (٢).
• إِنَّمَا قالَ ذَلِكَ؛ لأنَّ البائع ليس بشريكٍ في العتق للمشتري، فلا ولاءَ له، وإنّما له في ذمَّةِ العبد دينٌ يلزمه ذلك؛ لأنَّهُ برضا المشتري له.
•••
[٢٩٨٣] مسألة: قال: ومن أعتق عبدَاً، فرَحِمُهُ أولى بميراثه، فإن لم يكن له رَحِمٌ، فمولاه يرثه (٣).
• إِنَّمَا قالَ ذَلِكَ؛ لأنَّ الرَّحِمَ أقوى من الولاء وأوكد سبباً، فوجب أن يُقَدَّمَ عليه.
стр. 2486
وكذلك التَّعصيب مُقَدَّمٌ على الرَّحم، - وهذا ما لا خلاف فيه -، لأنَّ الولاء مُشَبَّهٌ بالنَّسب، والنَّسب هو الأصل والولاء فرعه، فكان الأصل أولى بالميراث إذا وُجِدَ من الفرع الَّذِي هو الولاء.
•••
[٢٩٨٤] قال: وإذا وهب الرّجل لابنته جاريةً، والبنت قد بلغت وحاضت، فولدت الجارية ولدين، فوهبت لأمِّها واحداً فأعتقته، ووهبت لأبيها آخر، فقال: «هو حرٌّ»، وقالت البنت: «هو حرٌّ»، فلا قول لها، هو حرٌّ من أبيها والولاء له (١).
• إِنَّمَا قالَ ذَلِكَ؛ لأنَّ الأب يجوز له عتق عبيد ولده الَّذِينَ هم في حِجْرِهِ، فلمَّا أعتَقَ ولد جارِيَةِ ابنته، كان عتقه جائزاً، وعليه قيمته للبنت إن كان مُوسِرَاً، وإن كان معسرَاً فعتقه غير جائزٍ.
وكذلك يجوز عتق الأمِّ لجارية ابنتها على هذا الوجه.
•••
[٢٩٨٥] مسألة: قال: وميراث السَّائبة (٢) للمسلمين، وعقله عليهم؛ لأنَّهُ بمنزلة من أُعْتِقَ عن جماعة المسلمين (٣).
стр. 2487
• إِنَّمَا قالَ ذَلِكَ؛ لأنَّهُ لَمَّا أعتقه سائبةً - وهو قوله: «أنت حرٌّ سائبةً» - كان قد أعتقه عن المسلمين، فكان ولاؤه لهم، بمنزلة الوكيل إذا أَعْتَقَ عن موكِّلِه، فالولاء للمُوَكِّلِ دون الوكيل، وقد بيَّنَّا أنَّ الولاء يثبت للإنسان من غير اختياره (١).
•••
[٢٩٨٦] قال: وولاء المنبوذِ (٢) للمسلمين (٣).
• إِنَّمَا قالَ ذَلِكَ؛ لأنَّهُ لا عصبة له تُعْرَف، فوجب أن يكون بمنزلة رجلٍ من المسلمين مات ولا عصبة له، فماله للمسلمين؛ لأنَّهم عصبته، يرثونه ويعقلون عنه.
ولا يكون ولاء المنبوذ لمن التقطه؛ لأنَّهُ:
(إنْ كان ابن أَمَةٍ، فهو عبدٌ لسيِّد الأمةِ.
(وإن كان ابن حرَّةٍ مولاةٍ، فولاؤه لمواليها.
(وإن كان ابن حرَّةٍ لا ولاء عليه (٤)، فولاؤه للمسلمين.
فوجب أن يكون ولاؤه للمسلمين لهذه العلَّة.
стр. 2488
وقول عمر ﵁ لسُنَيْن (١) حين التقط لقيطاً: «اذْهَبْ فَهُوَ حُرٌّ، وَلَكَ وَلَاؤُهُ، وَعَلَيْنَا نَفَقَتُهُ ورَضَاعُهُ» (٢)، معناه: أي: هو حـ[ـرُّ الأ] صل، «ولك ولاؤه»: أي: القيام به، «وعلينا رضاعه ونفقته»: أي: مؤونة ما يحتاج إليه.
وروى شعبة، عن يونس، عن الحسن، عن عليٍّ: «أَنَّهُ قَضَى فِي اللَّقِيطِ أَنَّهُ حُرٌّ، وَقَرَأَ: ﴿وَشَرَوْهُ بِثَمَنٍ بَخْسٍ دَرَاهِمَ﴾» (٣)، وهذا قول عامَّة العلماء (٤).
•••
[٢٩٨٧] مسألة: قال: وإذا أَذنَ السّيِّد لعبده بأن يُعْتِقَ عَبْدَهُ، ففعل، فولاؤه للسيِّد، لا يرجِعُ للعبدِ وإن أُعْتِقَ، وكذلك ما أعتق المُدَبَّرُ وأمُّ الوَلَدِ (٥).
• إِنَّمَا قالَ ذَلِكَ؛ لأنَّهُ إذا أَذِنَ لعبده في العتق، فالسيّد هو المُعْتِقُ؛ لأنَّ بأمره وقع العتق، فهو كالمُوَكِّلِ.
стр. 2489
وكذلك ما أعتقه المُدَبَّرُ وأمُّ الولَدِ بإذن سيّدهم، فالولاء للسيِّد؛ لأنَّهم غير مالكين لأموالهم، وليس لهم فيها عقودٌ يمتنع السيِّد معها من نزع مالهم.
•••
[٢٩٨٨] مسألة: قال: وإذا أعتَقَ المكَاتَبُ بإذن سيِّدِه، كان الولاءُ للسيِّد حَتَّى يَعْتَقَ المكاتَبُ، فإن مات قبل أن يَعْتَقَ، كان الولاء للسيِّد، وإن مات العبد المعتَقُ، ورثه سيِّدُ المكاتَبِ (١).
• إِنَّمَا قالَ ذَلِكَ؛ لأنَّ المكاتَبَ إذا أعْتَقَ بإذن سيِّده، فالولاء له متى عَتَقَ المكَاتَبُ؛ لأنَّهُ مِمَّنْ قد ثبت له عقد ملكٍ، لا يجوز لسيِّده انتزاع ملكه بعقد الحريّة له، فثبت له من أجل ذلك عقد الولاء، فإذا صار له الولاء، وَرِثَ به.
فأمَّا ما دام لم يؤدّ الكتابة، فالولاء لسيِّده؛ لأنَّ المكاتَبَ لم يستكمل حريّته في هذه الحال.
وكذلك إن مات المكاتَبُ قبل أن يؤدِّي الكتابة، كان ولاء ما أعتقه المكاتَبُ لسيِّد المكاتَبِ دون ولد المكاتَبِ.
•••
[٢٩٨٩] مسألة: قال: وإذا أَعْتَقَ المُكَاتَبُ رَقَبَةً، ولم يعلم به السَّيد حَتَّى عَتَقَ المكَاتَبُ، مضى حُرّاً، وكذلك ما تصدَّق به المكاتَبُ.
стр. 2490
فإن علم السَّيِّد فردَّه، ثمَّ عَتَقَ المكاتَبُ، لم يكن عليه أن يُعْتِقَه (١).
• إنَّما قال: «إنَّ للسيِّد أن يردَّ عتق ما أعتقه المكاتَبُ»؛ فلأنَّ للسيّد في مال المكاتَبِ حقّاً، فلا يجوز للمكاتَبِ أن يُبْطِلَ ذلك؛ لأنَّ السيِّد إِنَّمَا كاتبه ليطلب الفضل فيه، فيؤدِّي منه الكتابة إليه، وعلى ذلك أَذِ [نَ له فـ]ـي التّصرف وعَقَدَ له الكتابة، فأمَّا أن يُخْرِجَه بغير عوضٍ، فلا يجوز ذلك له، كما لا يجوز للمأذون له في التِّجارة أن يتصدَّق ويُعتِق من ماله؛ لأنَّ سيِّده لم يأذن له في ذلك، وإنّما أذن له في طلب الفضل، فكذلك المكاتب مثله.
فأمَّا إذا لم يَعْلَم سيّده بذلك حَتَّى عَتَقَ المكاتَبُ، مضى العتق والصدقة والهبة؛ لزوال حقّ السيّد في مال المكاتَبِ بأداء الكتابة.
وكذلك إذا أعتَقَ العبد عبدَهُ بغير إذن سيِّده فلم يعلم به سيِّده حَتَّى أُعْتِقَ العَبْدُ، مضى عتقه؛ لأنَّ السَّيِّد قد زال حقَّه عن العبد وماله بعد عتقه، والله أعلم.
•••
[٢٩٩٠] مسألة: قال: وإذا حلف المدَبَّرُ بعد موت سيِّده بعتق غلامٍ له فحَنَثَ، نُظِرَ:
• فإن كان خرج المدَبَّرُ حُرّاً، عَتَقَ العبد.
• وإن لم يخرج، لم يَعْتِقْ.
• وإن خرج بعضه حرّاً، فكذلك.