← Фикх малики

Фикх малики · id 1326

شرح المختصر الكبير للأبهري

الأبهري

Полный текст (2 801 стр.). Показаны 2486–2525 · переход к 2491.

стр. 2486

وكذلك التَّعصيب مُقَدَّمٌ على الرَّحم، - وهذا ما لا خلاف فيه -، لأنَّ الولاء مُشَبَّهٌ بالنَّسب، والنَّسب هو الأصل والولاء فرعه، فكان الأصل أولى بالميراث إذا وُجِدَ من الفرع الَّذِي هو الولاء. ••• [٢٩٨٤] قال: وإذا وهب الرّجل لابنته جاريةً، والبنت قد بلغت وحاضت، فولدت الجارية ولدين، فوهبت لأمِّها واحداً فأعتقته، ووهبت لأبيها آخر، فقال: «هو حرٌّ»، وقالت البنت: «هو حرٌّ»، فلا قول لها، هو حرٌّ من أبيها والولاء له (١). • إِنَّمَا قالَ ذَلِكَ؛ لأنَّ الأب يجوز له عتق عبيد ولده الَّذِينَ هم في حِجْرِهِ، فلمَّا أعتَقَ ولد جارِيَةِ ابنته، كان عتقه جائزاً، وعليه قيمته للبنت إن كان مُوسِرَاً، وإن كان معسرَاً فعتقه غير جائزٍ. وكذلك يجوز عتق الأمِّ لجارية ابنتها على هذا الوجه. ••• [٢٩٨٥] مسألة: قال: وميراث السَّائبة (٢) للمسلمين، وعقله عليهم؛ لأنَّهُ بمنزلة من أُعْتِقَ عن جماعة المسلمين (٣).

стр. 2487

• إِنَّمَا قالَ ذَلِكَ؛ لأنَّهُ لَمَّا أعتقه سائبةً - وهو قوله: «أنت حرٌّ سائبةً» - كان قد أعتقه عن المسلمين، فكان ولاؤه لهم، بمنزلة الوكيل إذا أَعْتَقَ عن موكِّلِه، فالولاء للمُوَكِّلِ دون الوكيل، وقد بيَّنَّا أنَّ الولاء يثبت للإنسان من غير اختياره (١). ••• [٢٩٨٦] قال: وولاء المنبوذِ (٢) للمسلمين (٣). • إِنَّمَا قالَ ذَلِكَ؛ لأنَّهُ لا عصبة له تُعْرَف، فوجب أن يكون بمنزلة رجلٍ من المسلمين مات ولا عصبة له، فماله للمسلمين؛ لأنَّهم عصبته، يرثونه ويعقلون عنه. ولا يكون ولاء المنبوذ لمن التقطه؛ لأنَّهُ: (إنْ كان ابن أَمَةٍ، فهو عبدٌ لسيِّد الأمةِ. (وإن كان ابن حرَّةٍ مولاةٍ، فولاؤه لمواليها. (وإن كان ابن حرَّةٍ لا ولاء عليه (٤)، فولاؤه للمسلمين. فوجب أن يكون ولاؤه للمسلمين لهذه العلَّة.

стр. 2488

وقول عمر ﵁ لسُنَيْن (١) حين التقط لقيطاً: «اذْهَبْ فَهُوَ حُرٌّ، وَلَكَ وَلَاؤُهُ، وَعَلَيْنَا نَفَقَتُهُ ورَضَاعُهُ» (٢)، معناه: أي: هو حـ[ـرُّ الأ] صل، «ولك ولاؤه»: أي: القيام به، «وعلينا رضاعه ونفقته»: أي: مؤونة ما يحتاج إليه. وروى شعبة، عن يونس، عن الحسن، عن عليٍّ: «أَنَّهُ قَضَى فِي اللَّقِيطِ أَنَّهُ حُرٌّ، وَقَرَأَ: ﴿وَشَرَوْهُ بِثَمَنٍ بَخْسٍ دَرَاهِمَ﴾» (٣)، وهذا قول عامَّة العلماء (٤). ••• [٢٩٨٧] مسألة: قال: وإذا أَذنَ السّيِّد لعبده بأن يُعْتِقَ عَبْدَهُ، ففعل، فولاؤه للسيِّد، لا يرجِعُ للعبدِ وإن أُعْتِقَ، وكذلك ما أعتق المُدَبَّرُ وأمُّ الوَلَدِ (٥). • إِنَّمَا قالَ ذَلِكَ؛ لأنَّهُ إذا أَذِنَ لعبده في العتق، فالسيّد هو المُعْتِقُ؛ لأنَّ بأمره وقع العتق، فهو كالمُوَكِّلِ.

стр. 2489

وكذلك ما أعتقه المُدَبَّرُ وأمُّ الولَدِ بإذن سيّدهم، فالولاء للسيِّد؛ لأنَّهم غير مالكين لأموالهم، وليس لهم فيها عقودٌ يمتنع السيِّد معها من نزع مالهم. ••• [٢٩٨٨] مسألة: قال: وإذا أعتَقَ المكَاتَبُ بإذن سيِّدِه، كان الولاءُ للسيِّد حَتَّى يَعْتَقَ المكاتَبُ، فإن مات قبل أن يَعْتَقَ، كان الولاء للسيِّد، وإن مات العبد المعتَقُ، ورثه سيِّدُ المكاتَبِ (١). • إِنَّمَا قالَ ذَلِكَ؛ لأنَّ المكاتَبَ إذا أعْتَقَ بإذن سيِّده، فالولاء له متى عَتَقَ المكَاتَبُ؛ لأنَّهُ مِمَّنْ قد ثبت له عقد ملكٍ، لا يجوز لسيِّده انتزاع ملكه بعقد الحريّة له، فثبت له من أجل ذلك عقد الولاء، فإذا صار له الولاء، وَرِثَ به. فأمَّا ما دام لم يؤدّ الكتابة، فالولاء لسيِّده؛ لأنَّ المكاتَبَ لم يستكمل حريّته في هذه الحال. وكذلك إن مات المكاتَبُ قبل أن يؤدِّي الكتابة، كان ولاء ما أعتقه المكاتَبُ لسيِّد المكاتَبِ دون ولد المكاتَبِ. ••• [٢٩٨٩] مسألة: قال: وإذا أَعْتَقَ المُكَاتَبُ رَقَبَةً، ولم يعلم به السَّيد حَتَّى عَتَقَ المكَاتَبُ، مضى حُرّاً، وكذلك ما تصدَّق به المكاتَبُ.

стр. 2490

فإن علم السَّيِّد فردَّه، ثمَّ عَتَقَ المكاتَبُ، لم يكن عليه أن يُعْتِقَه (١). • إنَّما قال: «إنَّ للسيِّد أن يردَّ عتق ما أعتقه المكاتَبُ»؛ فلأنَّ للسيّد في مال المكاتَبِ حقّاً، فلا يجوز للمكاتَبِ أن يُبْطِلَ ذلك؛ لأنَّ السيِّد إِنَّمَا كاتبه ليطلب الفضل فيه، فيؤدِّي منه الكتابة إليه، وعلى ذلك أَذِ [نَ له فـ]ـي التّصرف وعَقَدَ له الكتابة، فأمَّا أن يُخْرِجَه بغير عوضٍ، فلا يجوز ذلك له، كما لا يجوز للمأذون له في التِّجارة أن يتصدَّق ويُعتِق من ماله؛ لأنَّ سيِّده لم يأذن له في ذلك، وإنّما أذن له في طلب الفضل، فكذلك المكاتب مثله. فأمَّا إذا لم يَعْلَم سيّده بذلك حَتَّى عَتَقَ المكاتَبُ، مضى العتق والصدقة والهبة؛ لزوال حقّ السيّد في مال المكاتَبِ بأداء الكتابة. وكذلك إذا أعتَقَ العبد عبدَهُ بغير إذن سيِّده فلم يعلم به سيِّده حَتَّى أُعْتِقَ العَبْدُ، مضى عتقه؛ لأنَّ السَّيِّد قد زال حقَّه عن العبد وماله بعد عتقه، والله أعلم. ••• [٢٩٩٠] مسألة: قال: وإذا حلف المدَبَّرُ بعد موت سيِّده بعتق غلامٍ له فحَنَثَ، نُظِرَ: • فإن كان خرج المدَبَّرُ حُرّاً، عَتَقَ العبد. • وإن لم يخرج، لم يَعْتِقْ. • وإن خرج بعضه حرّاً، فكذلك.

стр. 2491

وإن عَتَقَ المدبَّر والعبد في يده، لم يَعْتَقْ عليه (١). • إِنَّمَا قالَ ذَلِكَ؛ لأنَّهُ قد عَقَدَ عَقْدَ حريَّةٍ: إن تمَّ مُلْكُه على المعقود فيه، تمَّت الحريَّة فيه، وذلك بعتق المدبَّرِ كلّه دون بعضه، كما لو قال رجلٌ: «إن ملَكْتُ عبداً فهو حرٌّ»، فَمَلَكَهُ كلَّه، فَإِنَّهُ حرٌّ كلُّه، وكذلك إن ملك بعضه فهو حرٌّ. فكذلك عتق المدبَّر بعد موت سيّده موقوفٌ على هذا؛ لأنَّ المدبَّرَ قد ثبتت له حرمة الحريّة بعد موت سيِّده، فصار له بها أن يعقد عقد حريَّةٍ، كما يكون ذلك لغيره مِمَّنْ له الحريّة. ومتى لم يَخْرُج المدَبَّرُ حُرّاً كلّه، لم يعتق من عبده شيءٌ؛ لأنَّ المُعْتَقَ بعضُهُ لا يجوز عِتْقُ عبدِهِ ولا التَّصرف في ماله بغير إذن مولاه، وإنّما يجوز ذلك له إذا لم يبق عليه حقٌّ لسيِّده، وهو أن يصير حرّاً كلّه. وهذا معنى قول مالكٍ: «وإن خرج بعضه حرّاً فكذلك»، أي: لا يكون من العبد الَّذِي كان للمدبَّرِ فحلف بحرِّيَّته، ثمَّ حنث شيءٌ منه حرّاً؛ لأنَّ المدبَّر لو ابتدأ عتقه لم يجز له عتقه، فكذلك إذا حنث بعتقه. ••• [٢٩٩١] مسألة: وإذا أَعْتَقَ العبدُ عبدَهُ بغير إذن سيّده، فلم يعلم به حَتَّى أُعْتِقَ العَبْدُ، نفذ عتقُهُ، وكان ولاؤه للعبد المُعْتِقِ (٢).

стр. 2492

• إِنَّمَا قالَ ذَلِكَ؛ لأنَّ السَّيِّد إِنَّمَا كان له ردُّه ما دام له في مال عبده حقٌّ، فإذا أعتقه، فقد زال حقّه منه، فثبت عتق العبد له، وكان ولاؤه للعبد الَّذِي أَعْتَقَ. ••• [٢٩٩٢] مسألة: قال: وإذا أعتق المسلِمُ النَّصرانِيَّ، ثمَّ يموت وهو نصرانيٌّ، وترك ورثةً من أهل دينه، فقد اخْتُلِفَ فيه: (فقيل: لا يرثه ورثته من أهل دينه، ويُطرح ماله في بيت المال، كما صنع عمر بن عبد العزيز (١). (وقيل: يرثه ولده الَّذِينَ على دينه إذا كانوا أحراراً، ولا يرثه إخوته ولا غيرهم من قرابته، وإنّما وَرِثَهُ وَلَدُهُ؛ لأنَّهم مواليه. (وقيل: يرثه إخوته، وهذا أحبّ إلينا (٢). • إنَّمَا قال: «إنَّه لا يرثه ورثته من أهل دينه»؛ لأنَّ هذا المعتَقَ لا حريَّة عليه، فلا يرثه أهل الحريَّة؛ لأنَّهُ مخالفٌ لهم في الحال؛ لأنَّ المواريث تجب بتساوي الحرم والأحوال، من: الحريَّة والدِّينِ والحرمة على ما بيَّنَّاه، فلمَّا اختلف حرمهم وحالهم في الحريَّة، لم يرثه أهل دينه؛ إذ لا حريَّة عليه كهي عليهم. ولأنه لو جنى هذا المُعْتَقُ، كانت جنايته على المسلمين دون أهل دِينِه، فكذلك ماله فيءٌ للمسلمين.

стр. 2493

ووجه قوله: «إنَّه يرثه ولده دون سائر قرابته»؛ فلأنَّ ولده لَمَّا كان في مثل حاله، وحُكْمُهُ حُكْمُهُ، ورِثُوه. ألا ترى: أنَّ ولد الحرِّ حرٌّ إذا كان من أَمَتِهِ، ومسلمٌ بإسلامه. ووجه قوله: «إنَّه يرثه كلّ قرابته»؛ فلأنَّ الميراث بالقرابة والنَّسب مُقَدَّمٌ على الولاء، فلمَّا كان مواليه يرثونه إذا كانوا على دينٍ واحدٍ، فكذلك يرثه قرابته إذا كانوا على دينٍ واحدٍ؛ لأنَّ النَّسب أوكد من الولاء وهو مقدَّمٌ عليه، وهذا أصحُّ الأقاويل. ••• [٢٩٩٣] قال: وإذا مات النَّصرانيُّ وليس عليه ولاءٌ لأحدٍ، فميراثه لأهل دينه وأهل سُنَّته الَّذِينَ عليهم الجزية معه، ولا يُطرح ماله في بيت مال المسلمين (١). • إِنَّمَا قالَ ذَلِكَ؛ لأنَّ أهل دينه هم عصبته، يعقلون عنه إذا جنى، فكذلك يرثونه إذا مات، كالمسلم إذا مات ولا وارث له من قرابةٍ، فالمسلمون يرثون ماله كما يعقلون عنه جنايته؛ لأنَّ المواريث تكون بالأنساب والقرابة، فإذا عُدِمَتْ، فَبِوُلايَةِ الدِّين؛ لِأَنَّهَا تجب بمساواة الدِّين والحريَّة، فكذلك يجب أن يرث الذميَّ أهلُ دينه إذا مات ولا وارث له من قرابته. •••

стр. 2494

[٢٩٩٤] قال: ولا ينتسب النَّصْرانيُّ، يُسْلِمُ فيقول: «عبد الله بن عبد الرحمن»، وكذلك الَّذِي لا يُعْرَفُ أبوه في الإسلام. ولا بأس أن يغيِّرَ النَّصرانيُّ اسمه بالعربيَّة إذا أسلم (١). • إِنَّمَا قالَ ذَلِكَ؛ لأنَّ في ذلك انتساباً منه إلى غير أبيه، وذلك لا يجوز؛ لأنَّ اسم أبيه ليس هو الاسم الَّذِي قد انتسب إليه. فأمَّا تغيير اسمه فلا بأس به، وقد غيَّر النَّبيُّ ﷺ أسماءَ جماعةٍ من أصحابه (٢)؛ لأنَّهُ ليس في ذلك انتسابٌ إلى غير نسبه. ••• [٢٩٩٥] مسألة: قال: وإذا أعتق المسلِمُ النَّصرانيَّ فمات (٣)، فليُجْعَل ماله في بيت مال المسلمين فيئاً للمسلمين، ولا يكون وقفاً (٤).

стр. 2495

• إِنَّمَا قالَ ذَلِكَ؛ لأنَّ الوقف إِنَّمَا يكون في الأرض المغنومة بالسَّيف، فَأَمَّا غير ذلك من المال فَإِنَّهُ: (إن كان أُخِذَ بغير إيجافٍ: فهو فيءٌ. (وإن كان أُخِذَ بإيجافٍ وقتالٍ: فخمُسُه يُفَرَّق في الوجوه الَّذِي ذكرها الله في آية الخمس وغيرها من وجوه الخير، وأربعة أخماسه للجيش. فكذلك مال هذا النَّصرانيّ الَّذِي أعتقه المسلم، يفرِّقه الإمام في وجوه الخير على ما يراه، كما يفعل ذلك بمال الفيء. ••• [٢٩٩٦] مسألة: قال: وإذا أسلم النَّصرانيُّ على يدي رجلٍ من قريشٍ أو الأنصار، فلا يَكْتُب شهادته: «الأنصاريُّ» أو: «القرشيُّ»، ولا بأس أن يَكْتُبَ: «المعتقُ الأنصاريُّ» و «القرشيُّ» (١). • إِنَّمَا قالَ ذَلِكَ؛ لأنَّ من أَسْلَمَ على يديه لم يُعْتِقْهُ، والولاء إِنَّمَا يثبت بالعتق كما قال النَّبيُّ ﷺ : «إِنَّمَا الوَلَاءُ لِمَنْ أَعْتَقَ» (٢).

стр. 2496

فإذا أعتقه، جاز أن ينتسب إليه؛ لأنَّ النَّبيَّ ﷺ قال: «الوَلَاءُ لُحْمَةٌ كَلُحْمَةِ النَّسَبِ» (١)، وقال: «مَوْلَى القَوْمِ مِنْهُمْ» (٢). ••• [٢٩٩٧] مسألة: قال: ويرث المسلِمُ مولاه النَّصرانيَّ إذا أسلم (٣). • إِنَّمَا قالَ ذَلِكَ؛ لأنَّ الولاء قد ثبت عليه بالعتق كما يثبت النَّسب، فإذا أسلم المعْتَقُ، ثمَّ مات، ورثه سيّده الَّذِي أعتقه، كما يكون ذلك في النَّسب؛ لأنَّ الميراث يكون في النَّسب باستواء الحريّة والدِّينِ مع النَّسب، فكذلك يكون في الولاء باستواء الحريّة والدِّينِ مع الولاء. ••• [٢٩٩٨] مسألة: قال: ويرث المسلِمُ عبْدَهُ النَّصرانِيَّ واليهودِيَّ (٤). • إِنَّمَا قالَ ذَلِكَ؛ لأنَّ المسلم إِنَّمَا يرث عبده الكافر إذا مات بالرقِّ وبالولاء ولا النَّسب، فلا فرق بين كافرٍ ومسلمٍ إذا كان إِنَّمَا يورَث بالرِّقّ.

стр. 2497

وإنَّما يختلف ذلك إذا كان الإرث بالنَّسب أو الولاء، فيجب أن يكون حينئذٍ بمساواة الحريَّة والدِّين مع النَّسب أو الولاء. ••• [٢٩٩٩] مسألة: قال وإذا هلك الرَّجُلُ، فشهد بعض ورثته: «أنَّ أباه أعتق عبدَاً من عبيده»، لم تجز شهادته، فإن مَلَكَهُ، أُعْتِقَ عليه، وإن أَخَذَ حقَّه منه، جَعَلَهُ في رَقَبَةٍ أو في مُكَاتَبٍ مُقَاطَعٍ، يُشَارُ بذلك عليه ولا يُقْضَى به. وسواءٌ كانت شهادته في عبدٍ: تُنْقِصُ شهادَتُه ثَمَنَه أو لا تُنقِص إذا أَعْتَقَ تلك الحصَّة. ولو كان معه وَرَثَةٌ صغارٌ أو كِبَارٌ وهو كان الوصيّ، فإذا لم يَجُزْ ذلك، فإن رَضِيَ الوصيُّ أن يعتقه عن أبيه ويَغْرَم للأصاغر مُصَابَتَهُم، فلا بأس عليه في ذلك إن شاء الله (١). • إنَّما قال: «إنَّ شهادته لا تجوز»؛ لأنَّ في ذلك إدخال الضَّرر على غيره من الورثة، فلا يُقبل إقراره. ولا يلزمه عِتْقُ كلّ العبد؛ لأنَّهُ لم يباشر هو عتقه، وإنّما أَخْبَرَ أنَّ غيره أعتقه، فلو قُبِلَ منه، كان في ذلك ضررٌ على غيره من غير أن تلزمه هو في ذلك قيمةٌ.

стр. 2498

فأمَّا ما يصير إليه من ثمنه: فَإِنَّهُ يُسْتَحبّ له أن يجعله في رقبةٍ إن بلغت، أو قَطَاعَةِ مُكَاتَبٍ تتمُّ له بها حريٌّة، أو يتصدَّق به. ولا يملكه: لأنَّهُ يزعم أنَّه بدلُ حرٍّ لا يجوز له تملّكه. ولا يُقْضَى عليه بذلك: لجواز أن يكون ليس كما قاله، وإنّما أراد إدخال الضَّرر على غيره من الورثة بما قاله. فأمَّا إذا كان وصيّاً: جاز له أن يُعْتِقَ العبد كلَّه ويغرَمَ للأصاغر حصَّتهم؛ لأنَّهُ يجوز له بيع العبد عليهم، فكذلك يجوز أن يعتقه هو على مالٍ يعطيهم؛ لأنَّ ذلك شراء منه، ويجوز له ذلك له إذا لم يحاب نفسه، وكان فيما يفعله نظرٌ للأصاغر. ••• [٣٠٠٠] مسألة: قال: وتجوز شهادة الأبداد - يعني: مفترقين - في العتق، يشهد رجلٌ: «أنَّه أعتق عبده ميموناً في شعبان»، ويشهد آخر: «أنَّه أعتقه في رمضان» (١). • إِنَّمَا قالَ ذَلِكَ؛ لأنَّ العتق بالقول يتهيَّأ تكراره، فالشّهادة فيه جائزةٌ وإن افترق الشُّهود في سماع القول، كما لو شهد شاهدٌ على إقرار رجلٍ لزيدٍ بِمِئةٍ في وقتٍ ما، وشهد آخر على إقراره له بمئتين في وقتٍ آخر، لثبتت الشَّهادة لزيدٍ بمئةٍ، وإن افترق الشُّهود في سماع ذلك من المقرِّ، وكذلك كلُّ شهادةٍ كانت على القول فهي جائزةٌ، وإن افترق الشُّهود في سماعها.

стр. 2499

فأمَّا إذا كانت على فعلٍ: لم تجز حَتَّى يتَّفق الشُّهود على رؤية الفعل في وقتٍ واحدٍ، بدلالة: أنَّ الشّهادة على الزِّنا لا تجوز حَتَّى يتَّفق الشُّهود على رؤية الزِّنا في وقتٍ واحدٍ، وكذلك السَّرقُ مثله، وكذلك كلُّ شهادةٍ كانت على الفعل، فهي بمنزلة الشّهادة على الزِّنا. ••• [٣٠٠١] مسألة: قال: ومن حلف بِعِتْقِ عبده إن لم يضربه في شهر كذا وكذا، فزعم العبد: «أنَّه لم يضربه»، وقال السيِّد: «قد ضربته»، فالسَّيِّد مُصَدَّقٌ، وليس عليه أن يُشْهِدَ. وكذلك الرّجل يحلف في امرأَتِهِ (١). • إِنَّمَا قالَ ذَلِكَ؛ لأنَّ العبد والمرأة يريدان الخروج عن مُلْكٍ ثابتٍ عليهما بما يدَّعيانه، وفي ذلك إسقاط حقِّ غيرهما، فلا يقبل ذلك منهما إلَّا بشيءٍ يثبت. فالعبد يريد الخروج عن مُلْكِ سيِّده وإسقاط مَا لَهُ عليه من الرقِّ، والمرأة تريد الخروج عن عصمة زوجها والحقِّ الَّذِي له فيها، فلا يُقْبَل قولها إلَّا ببيِّنةٍ. ••• [٣٠٠٢] مسألة: قال: وإذا أوصى رجُلٌ أن تُشْتَرى رقبةٌ ليست بعينها، فشهد على ذلك رجلٌ وامرأتان، فلا تجوز شهادة النِّساء في ذلك؛ لأنَّهُ عِتْقٌ (٢).

стр. 2500

• إِنَّمَا قالَ ذَلِكَ؛ لأنَّ شهادة النِّساء غير جائزةٍ في العتق؛ لأنَّ العتق شيءٌ يثبت في البدن، ولا تجوز الشّهادة فيما يثبت في البدن إلَّا شهادة الرِّجال دون النِّساء. ألا ترى: أنَّ شهادة النِّساء لا تجوز في الحدود بإجماع العلماء؛ لِأَنَّهَا تثبت في البدن. وكذلك لا تجوز في التَّعديل؛ لأنه شيء يثبت في البدن، وكذلك العتق والطَّلاق والنِّكاح مثل ذلك، لا تجوز شهادة النِّساء منفرداتٍ فيه، ولا مع الرِّجال، وإنّما يجوز في ذلك شهادة الرِّجال. ••• [٣٠٠٣] مسألة: قال: وإذا أَعْتَقَ رجلٌ في مرضه ولم يُشْهِدْ إلَّا واحدَاً، فَإِنَّهُ يحلِفُ الورثَةُ: «ما علموا» (١). • إنَّمَا قال: «إنَّ الورثة يحلفون»؛ لِمَا قد ثبت للعبد من الشُّبهة فيما يدَّعيه بالشَّاهدِ. ولم يجز أن يُحْكَم للعبد بالحريَّةِ بالشَّاهد مع يمينه؛ لأنَّ الشَّاهد واليمين لا يجوز الحكم به في غير الأموال. ويحلفون على علمهم؛ لأنَّهُ لا يجوز أن يحلف الإنسان على فعل غيره على البتِّ إلَّا فيما كان طريق نقله إليه التَّواتر، فأمَّا إذا كان علمه بغير التَّواتر، فإنَّما يحلف على علمه؛ لأنَّ العلم الظَّاهر قد يقع بغير نقل التَّواتر، وقد يكون علمٌ وإن

стр. 2501

لم يقطع على غيب ما قد علمه ولا على حقيقته، قال الله : ﴿فَإِنْ عَلِمْتُمُوهُنَّ مُؤْمِنَاتٍ فَلَا تَرْجِعُوهُنَّ إِلَى الْكُفَّارِ﴾ [الممتحنة:١٠]، وإنّما هذا علم الظَّاهر لا الحقيقة؛ لأنَّ عِلْمَ أَنَّ الإنسان مؤمنٌ، حقيقةٌ لا يعلمها إلَّا الله سبحانه؛ لأنَّهُ إِنَّمَا يكون كذلك باعتقاد القلب للإيمان، وذلك لا يعلمه أحدٌ إلَّا الله تعالى، فَأَمَّا الظاهر بالقول أو الفعل فيعلمه النَّاس، وهو علمٌ ظاهرٌ ودلالةٌ على الإيمان لا على الحقيقة. ••• [٣٠٠٤] مسألة: قال: ومن حلف: «بعتق جاريٍة»، على أمرٍ إن لم يفعله، فولدت الجارية، ثمَّ حَنَثَ، فإنَّهَا تَعْتَقُ وولدَهَا. وإذا حَلَفَ: «إِنْ كَلَّمَ رَجُلَاً فجاريته حرَّةٌ»، فولدت، ثمَّ حَنَثَ، فإنَّ ولدها يَعْتَقُون مَعَهَا (١). • إِنَّمَا قالَ ذَلِكَ؛ لأنَّ كلَّ من عقد في أَمَتِهَ عقد حريَّةٍ لا سبيل له إلى حلّه، فولدت بعد ذلك العقد ولداً، فولدها بمنزلتها في ذلك العقد، يَعْتَقُون بِعِتْقِهَا، بدلالة: أنَّ ولد أمِّ الولد، والمدَبَّرَةِ، والمكَاتَبَةِ، بمنزلة أمِّهِم، فكذلك ولد المعقود عليها عقد الحريَّة في يمينٍ أو صفةٍ بمنزلتها إذا حنث بعد العقد؛ لأنَّهُ لا سبيل إلى رفع هذا العقد. وكذلك ولد المعْتَقَةِ إلى أجلٍ، وولد المُعْتَقِ بعضُهَا؛ لأنَّهُ لا سبيل إلى رفع ما قد ثبت لها من الحريّة وعقدها، فكذلك يدخل ولدُهَا معها في الحريِّة.

стр. 2502

وكلُّ عقدِ حريِّةٍ يمكن رفعه، فولد المعقود عليها لا يدخل في العقد، بمنزلة الموصَى بعتقها إذا ولدت قبل موت سيِّدها، فإنَّ ولدها لا يَعْتَقُون بِعِتْقِهَا؛ لأنَّ العقد على الأمِّ يمكن الرّجوع فيه. ••• [٣٠٠٥] مسألة: قال: والمعتَقُ إلى سَنَةٍ، إذا وُلِدَ له وَلَدٌ من أمَتِهِ، كان بمنزلته، وكذلك المعتق نِصْفُهُ (١). • إِنَّمَا قالَ ذَلِكَ؛ لأنَّ كلَّ وطءٍ بملك يمينٍ، فولده بمنزلته في الحرمة من الحرِيَّة والرقِّ، بدلالة: أنَّ الحرَّ إذا وطئ أَمَتَهُ، فولده حرٌّ، فكذلك المُعْتَقُ إلى سَنَةٍ، والمعتق بعضُهُ، والمدَبَّرُ، والمكاتَبُ، إذا وطِئوا إماءَهُم فأولادهم بمنزلتهم. وكلُّ من وطئ بعقد النِّكَاح، فولده بمنزلة أمِّه في الحريَّةِ والعبودية، بدلالة: أنَّ الحرَّ إذا تزوَّج بأَمَةٍ، فولده عبدٌ لسيِّد الأمَةِ، وكذلك العبد إذا تزوَّجَ بحرَّةٍ، فولده أحرارٌ. ••• [٣٠٠٦] مسألة: قال: ومن قال في وصيَّته: «إن حدث بي حدثٌ، فجاريتي حرَّةٌ»، فمات، ثمَّ وَلَدَتْ بعده ولداً، ومنهم من كانت به حاملاً، فإنَّها تُقَام هي وهم فيُعْتَقُونَ جميعاً (٢). • إِنَّمَا قالَ ذَلِكَ؛ لِأَنَّهَا إذا ولدت بعد موت سيّدها، فلا سبيل إلى رفع

стр. 2503

عقدها، فثبت ذلك لولدها على ما بيَّناه، كما يثبت ذلك لوَلَدِ أمِّ الولد والمكاتَبَةِ والمدَبَّرَةِ؛ بثبوت العقد على أمِّهم، فوجب أن يكون حكمهم في العتق حكماً واحداً، ويقوَّمون قيمةً واحدةً، فيعتقون في الثّلث إن خرجوا منه، أو بقدر ذلك. ••• [٣٠٠٧] مسألة: قال: ومن أوصى بعِتْقِ جاريته، فولدت في صحَّتِهِ، ثمَّ مات، أُعْتِقَتِ الجارية ولم يُعْتَقْ ولدُها (١). • إِنَّمَا قالَ ذَلِكَ؛ لأنَّ الوصيّة بالعتق، يجوز للموصِي أن يرجع فيها، ولم يكن عقد الحريّة لازماً على الأمِّ لا يمكن الرّجوع فيه؛ كما يكون ذلك في عقد أمِّ الولد والمكاتَبَةِ والمدبَّرَةِ، فلم يدخل ولد الموصَى بِعِتقِهَا في الحريّة مع عقد الأمِّ إذا كان عقدها غير لازمٍ على ما بيَّناه. فأمَّا إذا ولدت بعد موت سيِّدِهَا، أُعْتِقَ الولد مع أمِّه؛ لأنَّ عقد الأمِّ قد ثبت ولا سبيل إلى رفعه. ••• [٣٠٠٨] مسألة: قال: وإذا أوصى رجلٌ في جارِيَةٍ حاملٍ: «أنَّها حُرَّةٌ وما في بطنها رقيقٌ»، فولدت بعد موت السيِّد، فهي حُرَّةٌ وما في بطنها (٢). • إِنَّمَا قالَ ذَلِكَ؛ لأنَّهُ لا يجوز له أن يُعْتِقَ أَمَةً ويستثني ما في بطنها؛ لأنَّ ذلك بمنزلة ما لو أعتقها واستثنى عضواً منها، وذلك غير جائزٍ، وقد قال

стр. 2504

رسول الله ﷺ : «ذَكَاةُ الجَنِينِ ذَكَاةُ أُمِّهِ» (١)، فجعل حكم الجنين حكم أمِّهِ في الذَّكاة، فإذا خرج من أمِّهِ، ثَبَتَ له حكم نفسه. وكذلك جعل في جنين الحرَّة خمساً من الإبل، وهي عُشْرُ دية الأمِّ (٢)، فإذا زايل أُمَّهُ واستهلَّ صارخاً، كان له حكم نفسه ودِيَتِه. ••• [٣٠٠٩] مسألة: قال: وإذا كان في الجارية أو العبد عِتْقُ سَهْمٍ، فلا يُقَاسِمُوهَا يوماً بيومٍ، ولكن من كلِّ شهرٍ عَشْر، أو من كلّ ثلاثة أشهرٍ شهر. ويأكل ويكتسي من ماله، وليس له أن يُحْدِثَ فيه شيئاً. فإن مات، ورِثَهُ الَّذِي له فيه الرقُّ. فإن أَبِقَ فأقام أشهُرَاً، لم يُقَاصَّهُ الَّذِي له فيه الرقُّ بأيامه يَخْتَدِمُهُ مِثْلهُ. ولا ينبغي له أن يَضْرِبَهُ إلَّا بالسّلطان. وإن أراد أن يسافر به ويأبى الغلام: • فإن كان ذلك قريباً، فذلك له.

стр. 2505

• وإن كان بعيدَاً، كتب له القاضي كتاباً يكون معه، وشهودَاً من أهل البلد الَّذِي يخرج إليه، ثمَّ يخرج به إن كان مأموناً، فإن لم يكن مأموناً مُنِعَ منه. وعلى السيّد الكراء والنَّفقة إذا خرج به، حَتَّى يَقَرَّ بموضعٍ يكون له فيه عملٌ ومُكْتَسَبٌ، ثمَّ يكون للسيِّد أيامٌ وللعبد أيَّامٌ، وإذا كان سفرهم في موضعِ ليس فيـ[ـه] عملٌ ولا مُكْتَسَبٌ، فالنَّفقة على السَّيِّد حَتَّى يَقْدُمَ به (١). • إِنَّمَا قالَ ذَلِكَ؛ لأنَّ في مقاسمته يوماً بيوم ضرراً عليهما جميعاً، فيجب أن تكون المقاسمة مدَّةً يتهيَّأ لهما التَّصرف فيها والانتفاع بها بالإجارة أو العمل. وقوله: «يأكل ويكتسي من ماله»؛ فلأنَّ هذا لا بُدَّ له منه، وليس لسيِّده منعه منه. ولا يجوز له أن يُخْرِجَ من ماله شيئاً على غير عوضٍ بغير إذن سيِّده، للحقِّ الَّذِي لسيِّده في ماله. وقوله: «إنَّه يرثه الَّذِي له فيه الرقُّ دون من أعتق بعضه»؛ فلأنَّ أحكامه لَمَّا كانت أحكام العبيد في حدوده وشهادته؛ لنقصان حرمته عن حرمة الحرِّ، وجب أن يكون حكمه في الميراث حكم العبد، يورَثُ بالرقِّ دون الحريَّة. ألا ترى: أَنَّهُ لا يُورَثُ بالنَّسَبِ إذا كان بعضه حُرّاً، فكذلك يجب أن لا يورث بالولاء إذا كان بعضه عبدَاً؛ لأنَّ النَّسب أقوى من الولاء. ألا ترى: أَنَّهُ لا يورثُ بالولاء مع النَّسَبِ.

стр. 2506

وقوله: «إنَّه لا يُقَاصّه بأيامه الَّتي أَبِقَ»؛ فلأنَّ المدَّةَ الَّتِي مضت في أيامه هي بينهما، وما يستأنفه أيضاً من المدَّةِ بينهما، فلم يجز أن يُقَاصَّهُ بشيءٍ قد مضى؛ لأنَّ ذلك بمنزلة شيءٍ قد تلف منهما. وقوله: «لا يضربه إلَّا بالسُّلطان»؛ فلأنَّه لا يملكه كلّه. ولجواز أن يتعدَّى عليه في ضربه، فإذا فعل ما يوجب الأدَبَ، أَدَّبَه السلطان. وقوله: «إنَّ له أن يسافر به إذا كان قريباً»؛ فلأنَّه لا ضرر على العبد في ذلك. ولأنَّ حال العبد وما فيه من الحريَّة يُعْرَفُ عن قربٍ إذا ادَّعى سيِّده رقَّه كلَّه. وإن كان سفراً بعيداً، كَتَبَ له الحاكم كتاباً بما له من الحريَّة؛ حُجَّةً له، وأشهد عليه شهوداً؛ لئلا يدَّعي سيِّده رقَّه كلّه، ثمَّ له أن يسافر به إن كان مأموناً عليه، وإن لم يكن مأموناً عليه مُنِعَ منه؛ لأنَّ في ذلك ضرراً بالعبد الَّذِي فيه الحريَّة، وإتلافاً لحقّه الَّذِي له، وهو جزء الحريَّة. وقوله: «إنَّ على سيِّده الكراء والنَّفقة إذا خرج به في سفره»؛ فلأنَّ العبد لا يمكنه الكسب في حال سفره، وسبب منعه سيّده، فوجب عليه أن يُنْفِقَ على العبد حَتَّى يستقرَّ بموضعٍ يستغني بكسبه عن نفقة سيِّده. وكذلك إذا كان الموضع الَّذِي يسافر إليه لا كسب فيه للعبد، فعلى السيِّد أن ينفق عليه؛ لأنَّه هو السَّبب في فقد كسبه وتصرّفه فيما يستغنى به عن نفقة سيِّده؛ لأنَّ سيِّده أحوجه إلى ذلك. ••• [٣٠١٠] مسألة: قال: وإذا كان العبد بين الشَّريكين، فليس لأحدهما أن

стр. 2507

يضربه إلَّا بإذن صاحبه، فإن فعل ضمن، إلَّا أن يكون ضرباً لا يُعَنَّتُ أحدٌ في مثله، أو في أَدَبٍ أَدَّبَهُ (١). • إِنَّمَا قالَ ذَلِكَ؛ لأنَّهُ ليس العبد كلّه له، فلا يجوز له أن يضربه، كما لا يجوز له أن يتصرَّف فيه كلّه، فإن فعل ضمن؛ لأنَّهُ قد تعدَّى، إلَّا أن يكون مثله لا يُعَدُّ تعدِّياً، فلا يكون عليه شيءٌ. ••• [٣٠١١] مسألة: قال: وإذا كان العبد بين الرَّجلين، فيؤَاجِرُهُ أحدهما في أيَّامه بإجارةٍ عظيمةٍ، ويُؤَاجِرُهُ الآخَرُ في أيَّامه بدون ذلك أو لا يجد له شيئاً، فيريد أن يرجع على صاحبه فيما أخذ، فليس ذلك له. وأمَّا أن يعمَدَ إليه فيؤاجره - وإنَّمَا هُوَ غُلَامُ خَرَاجٍ، وَلَيْسَ بِغُلَامِ خِدْمَةٍ - بإجارةٍ عظيمةٍ، ثمَّ يجيء إلى صاحبه فيقول: «خذه أنت فواجره شهرَاً»، فليس ذلك له، ويقاسم صاحبه تلك الإجارة، وليس هذا بالذي يُبْطِلُ خَرَاجَهُ. وليس لهما أن يقتسما خراج شهرٍ بشهرٍ، فيقول: «لك خراج شهرٍ، وَلِي خراج شهرٍ»، ولكن ما جاء به من شيءٍ اقتسماه. وأمَّا غلام الخدمة الَّذِي يخدم هذا يوماً وهذا يوماً، فيؤاجره أحدهما في يومه، فتلك الإجارة له (٢).

стр. 2508

• إِنَّمَا قالَ ذَلِكَ؛ لأنَّهما إذا اتَّفقا على قسمة الأيام وكان غلام خدمةٍ، فقد صار لكلِّ واحدٍ منهما الأيَّام الَّتِي اقتسماها، فله أن يستخدمه إن شاء، وله أن يؤاجره. وليس لكل واحدٍ منهما الاعتراض على الآخر في ذلك؛ لأنَّهما قد رضيا به واتَّفَقَا عليه، وذلك جائزٌ من فِعْلِهما. فأمَّا إذا كان عبد خراجٍ وغلَّةٍ وكسبٍ، فليس لأحدهما أن يأخذ خراجه مدَّةً ويأخذ الآخر خراجه مدَّةً؛ لأنَّهُ يصير دراهم بدراهم أقلَّ منها، وذلك غير جائزٍ؛ لأنَّ أحدهما قد ترك نصيبه من الكسب في أيام ما ينصب شريكه في العبد في أيَّام ٍأُخر، وذلك غير جائزٍ؛ لأنَّهُ يصير ذهباً بذهبٍ، أو فِضَّةً بفضَّةٍ أكثر منها، وذلك غير جائزٍ. ••• [٣٠١٢] مسألة: قال: وإذا كان العبد بين الرجلين وله مالٌ، فقال أحدهما: «أنا أريد أن آخذ من مال العبد، فخذ مثله»، فقال: «لا أريد ذلك»، فليس للَّذي أراد أن يأخذ منه شيئاً (١). • إِنَّمَا قالَ ذَلِكَ؛ لأنَّ العبد وماله لهما، فليس لأحدهما أن ينفرد بأخذ شيءٍ من ماله دون شريكه؛ لأنَّ في ذلك ضرراً على شريكه، حَتَّى يتَّفقا جميعاً على أمرٍ ما فيجوز. •••

стр. 2509

[٣٠١٣] مسألة: قال: وإذا حلفت المرأة بعِتْقِ جاريةٍ لها، فحنثت، فردَّ ذلك عليها زوجها، فذلك له، ولا عِتْقَ لها (١). • إِنَّمَا قالَ ذَلِكَ؛ لأنَّ المرأة في حجر زوجها، لا يجوز لها التَّصرف في مالها على غير وجه المعاوضة بغير إذن زوجها إلَّا في الثّلث، كما لا يجوز ذلك للمريض إلَّا بإذن ورثته. والدَّليل على أنَّ للزَّوج الحَجْرَ على امرأته، قول الله تعالى: ﴿الرِّجَالُ قَوَّامُونَ عَلَى النِّسَاءِ بِمَا فَضَّلَ اللَّهُ بَعْضَهُمْ عَلَى بَعْضٍ وَبِمَا أَنْفَقُوا مِنْ أَمْوَالِهِمْ﴾ [النساء:٣٤]. وقال النَّبيُّ ﷺ : «تُنْكَحُ المَرْأَةُ لِدِينِهَا وَمَالِهَا وَجَمَالِهَا» (٢)، فدَّل هذا الخبر على أنَّ في مال المرأة للزَّوج المنفعة والقوَّة، كما له ذلك في جمالها ودينها؛ لأنَّهُ ينتفع بجمالها ودينها بما لا خفاء به على النَّاس، فكذلك مالها. وقد روى طاوس، عن ابن عمر وابن عباسٍ، أنَّ النَّبيَّ ﷺ قال: «لَا يَجُوزُ لِامْرَأَةٍ مَلَكَ زَوْجُهَا عِصْمَتَهَا التَّصَرُّف فِي مَالِهَا بِغَيْرِ إِذْنِ زَوْجِهَا» (٣)، هذا معنى الخبر. ••• [٣٠١٤] مسألة: قال: وإذا أعتقَتِ المرأة ذات الزَّوج رقيقها:

стр. 2510

• فإن كانوا ثلث مالها أو أدنى، عَتَقُوا. • وإن كانوا أكثر من ذلك، لم يَعْتَقْ منهم أحدٌ، إلَّا أن يجيز الزَّوج، - لا ثُلُث ولا غيره -. ويجوز لها الثّلث وإن كانت أرادت ضَرَرَهُ (١). وإن كانت سفيهةً تُوَلَّى، فلا عتق لها، لا في ثلثٍ ولا في غيره (٢). • إِنَّمَا قالَ ذَلِكَ؛ لأنَّ المرأة ذات الزَّوج، عليها حقٌّ للزَّوج في مالها كما ذكرناه، بدلالة: أنَّ الصَّداق يكون للمرأة بحسب مالها وجمالها، كما قال رسول الله ﷺ لامرأةٍ: «أَرَضِيتِ مِنْ مَالِكِ وَنَفْسِكِ بِنَعْلَيْنِ؟» (٣)، وإذا كان كذلك، لم يجز لها التَّصرف في مالها بغير عوضٍ في أكثر من ثلثها؛ من أجل الزَّوج، كما لا يجوز ذلك للمريض من أجل ورثته. فإن أَعْتَقَتَ أكثر من ثُلُثِ مالها أو تصدقت به، رُدَّ ذلك كلَّه؛ لأنها قصدت الإضرار بالزَّوج ولم تُرِدِ القُرْبَةَ، فَرُدَّ فِعْلُهَا كلّه. وإذا كان ذلك قدر الثّلث، مضى فعلها؛ لأنَّها لم تقصد الضَّرَرَ، وإنّما أرادت القربة.

стр. 2511

فأمَّا إذا كانت سفيهةً تُوَلَّى، فلا يجوز تصرّفها في مالها في ثلثٍ ولا غيره، كما لا يجوز ذلك للسَّفيه والمحجور عليه؛ لنقصانهم في أنفسهم وقلّة تمييزهم، وقد قال الله تعالى: ﴿وَلَا تُؤْتُوا السُّفَهَاءَ أَمْوَالَكُمُ الَّتِي جَعَلَ اللَّهُ لَكُمْ قِيَامًا﴾ [النساء:٥]، أي: أموالهم؛ لأنَّهُ يجب علينا حفظُهَا عليهم. ••• [٣٠١٥] مسألة: قال: وللمرأة ذات الزَّوج أن تبيع وتشتري بغير إذن زوجها، إذا كان غير فسادٍ ولا سَفَهٍ (١). • إِنَّمَا قالَ ذَلِكَ؛ لأنَّ البيع والشراء هو تصرُّفٌ في المال على وجه المعاوضة، وذلك جائزٌ لها إذا لم تحدث فيه؛ لأنها تأخذ بدل ما تُخْرِجه، كما يجوز ذلك للمريض. فأمَّا العتق والصَّدقة، فلا يجوز إلَّا من الثُّلُثِ؛ لأنَّه إخراج مالٍ بغير عوضٍ. ••• [٣٠١٦] مسألة: قال: وإذا حلفت الجارية البكر بعِتْقِ ما تملك: «إن نَكَحَتْ رَجُلَاً»، فأنكحها أبوها، فالنِّكاحُ ماضٍ ولا عِتْقَ لها؛ لأنَّها في حِجْرِ أبيها (٢). • إِنَّمَا قالَ ذَلِكَ؛ لأنَّ المحجور عليه لا يجوز عِتْقُهُ ولا تلزمه العقود الَّتِي يعقدها على نفسه بالعتق وغيره.

стр. 2512

ولأنَّ الأب أيضاً هو يُجبِرُها على العقد، فهي بمنزلة المكرَهَةِ، ولا يلزم المكرَهَ ما يُكْرَهُ عليه من يمينٍ أو غيرها. ••• [٣٠١٧] مسألة: قال: وليس على المفتي أن يُلَقِّنَ الزَّوج: «أن يَرُدَّ على المرأة عِتْقَ رَقِيقِهَا إذا كانوا أكثر من ثُلُثِهَا»، ولكن إن رَدَّ ذلك وسأل عنه، أُفْتِيَ بِهِ (١). • إِنَّمَا قالَ ذَلِكَ؛ لأنَّ عِتْقَ المرأة مالها كلَّه وتصرفها فيه على وجه المعاوضة (٢)، مِمَّا قد اختَلَفَ فيه العلماء (٣)، وإنّما رَدُّهُ هو بوجه الاجتهاد لا هو بنصٍّ متَّفَقٍ عليه، وإذا كان كذلك، لم يبتدئ المفتي بقول ذلك للزَّوج ليَرُدَّهُ، لكن إن سأل عن شيءٍ، عُرِّفَ ذلك. ••• [٣٠١٨] مسألة: قال: وإذا قال الرَّجُلُ: «ما في بطن جاريتي حُرٌّ»، ثمَّ ماتَ: • أنَّ الأمة تُباع وما في بطنها إن قام غرماؤه أو احتاج ورثته. • وإن تأخَّر بيعها حَتَّى تضع، فهو حرٌّ (٤).

стр. 2513

• إنَّمَا قال: «إنَّها تُبَاع وما في بطنها»؛ لأنَّ عتق ما في بطنها إِنَّمَا يقع بالوضع لا ما قبل ذلك؛ لأنَّهُ لا يُدْرَى أمخلوقٌ هو أم لا؟ وليس ذلك بمنزلة المعتَقِ إلى أجلٍ الَّذِي لا يردُّه الدَّين؛ لأنَّهُ قد ثبت عقد عتقه وتُيُقِّنَ وجودُهُ. ومنزلة عتق الحمل: بمنزلة عتق العبد بصفةٍ غير آتيةٍ لا محالة، كدخول الدَّار وقدوم زيدٍ، فلا يجوز أن يقع العتق حَتَّى تقع الصِّفَة. فأمَّا إذا وضعت الحمل قبل بيعها، وقع العتق؛ لمجيء صفة العتق. ••• [٣٠١٩] مسألة: قال: ومن قال لأمته: «إذا وَضَعْتِ فأنتِ حُرَّةٌ»، فليس الحمل بِأَجَلٍ، وما هذا من عمل النَّاس (١). • يعني: أنَّ وضع الحمل ليس بمنزلة أجلٍ آتٍ لا محالة، كمجيء الشَّهر والسَّنَةِ الَّذِي إذا أعتق إليهما لم يجز له الرّجوع فيه؛ لأنَّ ذلك صفةٌ آتيةٌ لا محالة. ووضع الحمل فليس بصفةٍ آتيةٍ لا محالة؛ لأنَّ الحمل غير مُتَيَّقَنٍ، وإنّما يُعْلَم بالظَّاهر والأغلب، لا بالحقيقة. •••

стр. 2514

[٣٠٢٠] مسألة: قال: ومن قال لأمته: «إن جئتِنِي بغلامٍ، فهو حرٌّ»، فوضعت غلامين، قال: لا يَعْتَقُ إلَّا الأوَّل (١). • إِنَّمَا قالَ ذَلِكَ؛ لأنَّهُ لم يقصد عتق غير الأوَّل، فلا يلزمه العتق في غيره، وذلك بمنزلة رجلٍ قال لعبديه: «من دخل الدَّار منكما أوَّلُ، فهو حرٌّ»، فدخلا جميعاً واحداً بعد آخر، فالأوَّل منهما دخولاً حرٌّ دون الآخر. ••• [٣٠٢١] مسألة: قال: ومن اشترى جاريَةً للعتق ولها زوجٌ، فكتموه، فله قيمة العيب (٢). • إِنَّمَا قالَ ذَلِكَ؛ لأنَّ تزويج الأمة عيبٌ يُنْقِصُ ثَمَنَها، فللمشتري ردّها بالعيب، فإن فاتت بالعتق فله قيمة العيب. ••• [٣٠٢٢] مسألة: قال: ومن ابتاع عبدَاً رقَبَةً واستقال صاحبه: • فإن كان اشتراه ليتخيَّر فيه وينظر ويستشير حَتَّى إن شاء أوجبه، فذلك له. • وإن اشتراه على الاستيجاب (٣)، فلا أرى ذلك له.

стр. 2515

وقد قيل: إنَّه لا يجوز أن يستقيله (١). • إِنَّمَا قالَ ذَلِكَ؛ لأنَّهُ إذا كان شراه له مُعتَقِدَاً لِعِتْقِةِ، فقد أوجب على نفسه عتقه، فلا يجوز له أن يقيل منه؛ لأنَّهُ قد ألزم نفسه العتق، فلا سبيل له إلى الرّجوع فيه. وأمَّا إذا لم يشتره معتقداً لِعِتْقِةِ، فله أن يقيل منه؛ لأنَّهُ لم يرفع عتقاً ألزمه نفسه. ووجه كراهيته للإقالة: فلأنَّهُ رُجوعٌ في شيءٍ قد نواه من فعل الخير، وذلك مكروهٌ له. ••• [٣٠٢٣] مسألة: قال: ومن اشترى عبدَاً بشرط أنَّهُ يُعْتِقُهُ، ثمَّ وجد به عيباً، فيوضَعُ لَهُ مِنْ ثَمَنِهِ. وكذلك لو وجده آبقاً أو سارقاً (٢). • إِنَّمَا قالَ ذَلِكَ؛ لأنَّ كونه آبقاً وسارقاً عيبٌ فيه، فللمشتري أن يرجع بقيمة العيب. وليس له ردَّ العبد؛ لأنَّهُ قد ألزم نفسه عتقه حين اشتراه بشرط عتقه، فلا

стр. 2516

يجوز له ردُّه، ولا مخالفة ما ألزمه نفسه بالشَّرط من عتقه، وقد قال : ﴿أَوْفُوا بِالْعُقُودِ﴾ [المائدة:١]. ••• [٣٠٢٤] مسألة: قال: ومن اشترى عبدَاً بشرطٍ للعتق، فليس له ردُّه، وله قيمة العيب (١). • وهذا لِمَا ذكرناه: لأنَّه قد ألزم نفسه عتقه، فوجب عليه الوفاء بما ألزم نفسه. وله قيمة العيب؛ لأنَّهُ اشتراه على السَّلامة لا العيب. ••• [٣٠٢٥] مسألة: قال: ومن ابتاع عبدَاً على أن يُعْتِقَه، ويشترط عليه: «أن لا يفارقه حَتَّى يموت»، فليس ذلك له، ويذهب العبد إذا أُعْتِقَ حيث شاء (٢). • إِنَّمَا قالَ ذَلِكَ؛ لأنَّهُ إذا أعتقه صار حرّاً، ولا يجوز له أن يستخدم حُرّاً عن غير طيب نفسه؛ لأنَّ في ذلك بقاء أحكام الرقِّ عليه، ولا يجوز أن يشترط مع إيجاب الحريّة له بقاء الرقِّ عليه؛ لأنَّ الحريَّة مباينةٌ للرقِّ.

стр. 2517

وفي شرطه لذلك خلاف شرط الله ، وكلُّ شرطٍ خلاف كتاب الله فهو باطلٌ، كما قال رسول الله ﷺ (١). ••• [٣٠٢٦] مسألة: قال: ومن أَعْطَى بعبدٍ للعتق أربعين، فأبَّى سيِّده إلَّا بخمسين، فقال العبد للسيِّد: «أنا أُشْهِدُ لَكَ عَلَيَّ بعشرة دنانير»، ولم يَعْلَمِ المشتري، فأشهد عليه، ثمَّ باعه فأُعْتِقَ، فليس ذلك بجائزٍ، ولا شيء له على العبد (٢). • إِنَّمَا قالَ ذَلِكَ؛ لأنَّ فيما شرَطَ إلزام ذمَّة العبد دَيْنَاً بغير إذن سيِّده الَّذي اشتراه، فلا يلزمه ذلك، إلَّا أن يرضى به المشتري. ••• [٣٠٢٧] مسألة: قال: وإذا كان للرَّجُلِ عَبْدٌ فأراد عِتْقَهُ، وله قَرابَةٌ مَحَاوِيجَ، فالصَّدقة عليهم أحبّ إِلينا من عتقه (٣). • إِنَّمَا قالَ ذَلِكَ؛ لأنَّ في الصَّدقة عليهم أجرَاً وصِلَةَ رَحِمٍ، وفي العتق أجرٌ دون صلة رحمٍ، فكانت الصّدقة عليهم أولى. •••

стр. 2518

[٣٠٢٨] مسألة: قال: وإذا أعتَقَ الرَّجُلُ العَجَمِيَّ، ثمَّ يقيم عنده يعمل له، فنَرَى أن يُعْلِمَهُ بلسَانِهِ، فإن أحبَّ أن يُقيم عنده بعد المعرفة بذلك، فلا بأس به. وقد قيل: لا يُحبُّ أن يختدمه، فَأَمَّا اليَّوم والأيَّام شَبَهَاً بالمعونة من غيره، فلا بأس، والأوَّل أعجب إلينا (١). • إِنَّمَا قالَ ذَلِكَ؛ لجواز أن يكون لا يَعْرِف حكم العتق -؛ للعجومة الَّتِي فيه -، ولا أنَّ الخدمة قد زالت عنه، فاستحبَّ مالكٌ أن يُعَرِّفَهُ ذلك بعد عتقه. فإن أحبَّ المقام بعد ذلك، جاز لسيِّده أن يستخدمه؛ لأنَّه مُختَارٌ لذلك. فأمَّا وجه كراهته خدمته وإن اختار ذلك المُعْتَقُ؛ فلأنَّه كأنَّه انتفاعٌ بشيءٍ أخرجه لله ، وذلك مكروهٌ. ألا ترى: «أنَّ النَّبيَّ ﷺ مَنَعَ عُمَرَ بَنَ الخَطَابِ ﵁ أَنْ يَشْتَرِيَ الفَرَسَ الّذِي كَانَ حَمَلَ عَلَيْهِ فِي سَبِيلِ الله » (٢)؛ كراهية أن ينتفع بشيءٍ قد أخرجه لله تعالى.

стр. 2519

وهذا إذا اختار هو الانتفاع به ورَدِّهِ إلى ما كان عليه، فَأَمَّا إذا رَدَّهُ الميراث (١) عليه فلا بأس؛ لأنَّهُ لا صنع له في رجوعه إليه. ••• [٣٠٢٩] قال: ومن أخذ آبقاً فباعه من رجلٍ فأعتقه، ثمَّ جاء سيِّدُهُ، فَسَخَ عِتْقُهُ وَأَخَذَهُ (٢). • إِنَّمَا قالَ ذَلِكَ؛ لأنَّ البائع له غير مالكٍ له، فإذا جاء مُسْتَحِقُّهُ، أَخَذَهُ. وليس هذا بمنزلة ما يشتريه من مالكه فيعتقه، ثمَّ يتبيَّن فساد البيع أو يظهر على عيبٍ، فيجوز عتقه؛ لأنَّ البائع هاهنا هو مالكٌ للعبد، والمشتري أعتق بتسليط مالكه له عليه وتمليكه إيَّاه، فجاز عتقه، ولم يجز بتمليك الغاصب له ذلك؛ لأنَّ الغاصب لا ملك له. ••• [٣٠٣٠] مسألة: قال: ومن باع أَمَةً، ثمَّ اختلط عقله فقال: «قد كنت أعتقتها»، ثمَّ مات، فليس على ورثته أن يشتروها ويُعْتِقُوها، ولا يشتروا رأساً (٣). • إِنَّمَا قالَ ذَلِكَ؛ لأنَّ قوله بعد اختلاط عقله ليس مِمَّا يُقْبَلُ منه، ولا يثبت

стр. 2520

له حكمٌ، ولا يجوز العمل على قوله ولا الأخذ به، وقوله بمنزلة قول السَّفيه وفعله الَّذِي لا يؤخذ به ولا يلتفت إليه. ••• [٣٠٣١] مسألة: قال: ومن قال لغلام غيره: «أنت حرٌّ من مالي»، فليس عليه شيءٌ، ولو قال له سيِّدُهُ: «هو لك بالقيمة»، ما كان ذلك لازماً له (١). • إِنَّمَا قالَ ذَلِكَ؛ لأنَّهُ أعتق ما لا يملكه، فعتقه غير جائزٍ ولا لازمٍ له إن مَلَكَهُ بعد ذلك. وذلك بمنزلة طلاقه امرأةً أجنبيَّةً منه، فذلك غير لازمٍ له في حاله ولا بعد تزويجه بها. وقد روى عمرو بن شعيبٍ، عن أبيه، عن جدِّه، عن النَّبيِّ ﷺ قال: «لَا طَلَاقَ قَبْلَ نِكَاحٍ، وَلَا عِتْقَ قَبْلَ مِلْكٍ» (٢)، وقال في قصة الغضباء (٣): «لَا نَذْرَ لِابْنِ آدَمَ فِيمَا لَا يَمْلِكُهُ» (٤)، ولا خلاف في هذا بين أهل العلم: أنَّ عتقه في ملك غيره غير لازمٍ. وكذلك طلاقه فيمن لا يملكه عقد نكاحه، إلَّا أن يعقد الطلاق والعتق فيما

стр. 2521

سيملكه في ثانٍ فيلزمه ذلك، كما يلزم النَّذر فيما سيملكه، وقد ذكرنا هذا فيما تقدَّم. ••• [٣٠٣٢] مسألة: قال: ومن حلف لرجلٍ: «بعتق ما يملك أبدَاً إن كَلَّمَه»، فلا شيء عليه. ومن قال: «كلّ جاريةٍ أشتريها فهي حُرَّةٌ»، ففعل، فلا عِتْقَ عليه (١). • إِنَّمَا قالَ ذَلِكَ؛ لأنَّ هذا قد حرَّم على نفسه جميع ملك اليمين، فهو عاصٍ بهذا العقد، فلا يلزمه؛ لأنَّ عقد المعصية لا يلزم، وقد قال رسول الله ﷺ : «مَنْ نَذَرَ أَنْ يُطِيعَ الله فَلْيُطِعْهُ، وَمَنْ نَذَرَ أَنْ يَعْصِيهِ فَلَا يَعْصِهِ» (٢). وكذلك إذا منع نفسه من ملك جاريةٍ أبداً وحلف بحريَّتِها، لم يلزمه ذلك؛ لأنَّه قد منع نفسه الوطء بملك اليمين، فهو مُحَرِّمٌ على نفسه شيئاً قد أباحه الله له، وذلك غير لازمٍ له، وقد قال الله تعالى: ﴿لَا تُحَرِّمُوا طَيِّبَاتِ مَا أَحَلَّ اللَّهُ لَكُمْ﴾ [المائدة:٨٧]، فلم يلزمه ما عقد على نفسه مِمَّا هو متعدٍّ به. وكذلك إذا قال: «كلُّ امرأةٍ أتزوجها فهي طالقٌ»، لم يلزمه ذلك؛ لأنَّهُ قد

стр. 2522

منع نفسه من الوطء بعقد النّكاح الَّذِي أباحه الله إيّاه، فهو متعدٍّ عاصٍ، ولا يلزمه عقد معصيةٍ، وقد بيَّنَّا هذا فيما مضى (١). ••• [٣٠٣٣] مسألة: قال: ومن حلف بعتق غلامٍ - لابنه صغيرٍ - إن لم يضربه، فلم يفعل، فَإِنَّهُ يَعْتِقُ عليه إذا كان يليه ويَمُونُهُ، ويَغْرَم قيمته لابنه (٢). • إنَّما قال: «إنَّ عتقه يلزمه»، لمعنيين: (أحدهما: الولاية. (والآخر: أنَّ له شبهةً في مال ابنه. فلزمه عتقه لهذه العلَّة؛ لأنَّهُ لو باعه عليه جاز بيعه، فكذلك إذا أعتقه مضى عتقه. وعليه قيمته؛ لأنَّهُ كَأَنَّه اشتراه من ابنه لنفسه، وشراء الأب مال ابنه لنفسه وبيعه منه جائزٌ إذا كان في ذلك نظرٌ لابنه، وكذلك بيعه من غيره جائزٌ. فأمَّا إذا كان الابن كبيراً يلي نفسه، فلا يجوز ذلك إلَّا بإذن الابن؛ لأنَّهُ لا يجوز أن يتصرَّف في مال ابنه الكبير في بيعٍ أو غيره بغير إذن ابنه. •••

стр. 2523

[٣٠٣٤] مسألة: قال: وإذا اشترت امرأةٌ غلاماً من مالها، ثمَّ وهبته لابنها وأعتقته عنه وهو صغيرٌ: • فإن كانت الهبة على شرط: «أنَّهَا تُعْتِقه»، فذلك جائزٌ. • وإن لم تكن على شرطٍ، وكان لها مالٌ يكون فيه وفاءٌ من ثمن العبد، جاز عِتْقُهُ وأُعْطِيَ الثَّمن. • وإن لم يكن لها مالٌ، لم يجز ذلك إذا كانت تليه (١). • إِنَّمَا قالَ ذَلِكَ؛ لأنَّ الهبة إذا كانت على شرط العتق جاز العتق؛ لأنَّها إِنَّمَا مَلَّكَته الولاء، كأنَّها أعتقته عنه، وذلك جائزٌ. وإن لم يكن كذلك، لم يجز عتقها؛ لأنَّ في ذلك إتلاف مال الصَّغير، إلَّا أن تكون موسرةً فتلزمها القيمة ويجوز عتقها لِمَا ذكرناه: لأنَّ لها شبهةً في مال ابنها؛ ولأنَّها تلي عليه. وإن لم تَلِ عليه لم يجز عتقها على ما ذكرناه. ••• [٣٠٣٥] قال: ومن أوصى: «بعِتْقِ غلامٍ لولدٍ له صغارٍ يليهم»: • فإن كان له مالٌ، جاز عتقه بالقيمة في الثُّلُثِ، وأُعْطِيهَا وَلَدُهُ.

стр. 2524

• وإن لم يكن له مالٌ، لم يجز (١). • إِنَّمَا قالَ ذَلِكَ؛ لأنَّهُ إذا كان له مالٌ، فكأنَّه أوصى ببيعه على ولده، وذلك جائزٌ؛ لأنَّهُ كأنَّه باعه عليهم. وكان لولده قيمة العبد من ثلثه؛ لأنَّ عتقه عبْدَ ابنِه الصّغير في حياته جائزٌ، وعليه قيمته في ماله، بمنزلة ما يبيعه له من غيره، فكذلك تجوز وصيَّته له بعتقه، وتكون قيمة العبد لولده في ثلثه. وإن لم يكن له مالٌ، لم يجز عتقه في حال حياته ولا بعد موته في وصيَّةٍ. ••• [٣٠٣٦] قال: ومن أعتق جارية ابنٍ له صغيرٍ، ولا مال له: • فيُرَدُّ العِتق ما لم يطل. • فإن طال لم يُرَدْ. • وإن كان له مالٌ، جاز عتقه. وقد قيل: إنَّه إن لم يكن له مالٌ، لم يُجَزْ ما صَنَعَ (٢). • إنَّما قال: «إنَّه لا يُرَدُّ عتقه إذا طال»؛ فلأنَّ للأب شبهةٌ في مال ابنه الصِّغير وولاية له عليه، فجاز عتقه لعبد ابنه الصَّغير، وتكون عليه قيمته إذا حدث له مالٌ، كما يجوز أن يبيعه بدَيْنٍ، فهذا وجه قوله: «إنَّه لا يرد إن طال».

стр. 2525

ووجه قوله: «إنَّه يُرَدُّ إذا لم يكن له مالٌ، طال ذلك أو لم يطل»؛ فلأنَّ فعله هذا فيه إتلافُ مالِ ابنه الصَّغير، وذلك لا يجوز له، وإنّما يجوز له فعل ما كان لابنه فيه نظرٌ. ألا ترى: أنَّه لو أعتق عبد ابنه عن ابنه لم يجز؛ لأنَّ في ذلك إتلاف ماله، وكذلك إذا أعتقه عن نفسه ولا مال له، فهو أولى ألَّا يجوز، وهذا القول أقيس. ••• [٣٠٣٧] مسألة: قال: ومن فرَّ عبْدُهُ، فقال: «اخرج يا فلان وأنت حرٌّ»، ثمَّ خرج، فقال: «أردت أن أستخرجه»: • فإن كان أَشْهَدَ: «أنَّه إِنَّمَا يقول ذلك ليستنقذه»، فلا عتق عليه. • وإن لم يُشْهِدْ بِهِ، فهو حرٌّ (١). • إِنَّمَا قالَ ذَلِكَ؛ لأنَّهُ إذا أَشْهَدَ: «أنَّه لا يريد بقوله ذلك الحريَّة»، لم يلزمه العتق؛ لأنَّهُ قد عُلِمَ أنَّه لم يقصد بهذا القول حريَّةً. فأمَّا إذا لم يُشْهِد قَبْلَ قوله، لم يُقْبَل قوله فيما بعد؛ لأنَّ ظاهر هذا القول يوجب الحريَّة، فلا سبيل له إلى رفعها. •••
следующие страницы →