سيملكه في ثانٍ فيلزمه ذلك، كما يلزم النَّذر فيما سيملكه، وقد ذكرنا هذا فيما تقدَّم.
•••
[٣٠٣٢] مسألة: قال: ومن حلف لرجلٍ: «بعتق ما يملك أبدَاً إن كَلَّمَه»، فلا شيء عليه.
ومن قال: «كلّ جاريةٍ أشتريها فهي حُرَّةٌ»، ففعل، فلا عِتْقَ عليه (١).
• إِنَّمَا قالَ ذَلِكَ؛ لأنَّ هذا قد حرَّم على نفسه جميع ملك اليمين، فهو عاصٍ بهذا العقد، فلا يلزمه؛ لأنَّ عقد المعصية لا يلزم، وقد قال رسول الله ﷺ : «مَنْ نَذَرَ أَنْ يُطِيعَ الله فَلْيُطِعْهُ، وَمَنْ نَذَرَ أَنْ يَعْصِيهِ فَلَا يَعْصِهِ» (٢).
وكذلك إذا منع نفسه من ملك جاريةٍ أبداً وحلف بحريَّتِها، لم يلزمه ذلك؛ لأنَّه قد منع نفسه الوطء بملك اليمين، فهو مُحَرِّمٌ على نفسه شيئاً قد أباحه الله له، وذلك غير لازمٍ له، وقد قال الله تعالى: ﴿لَا تُحَرِّمُوا طَيِّبَاتِ مَا أَحَلَّ اللَّهُ لَكُمْ﴾ [المائدة:٨٧]، فلم يلزمه ما عقد على نفسه مِمَّا هو متعدٍّ به.
وكذلك إذا قال: «كلُّ امرأةٍ أتزوجها فهي طالقٌ»، لم يلزمه ذلك؛ لأنَّهُ قد
стр. 2522
منع نفسه من الوطء بعقد النّكاح الَّذِي أباحه الله إيّاه، فهو متعدٍّ عاصٍ، ولا يلزمه عقد معصيةٍ، وقد بيَّنَّا هذا فيما مضى (١).
•••
[٣٠٣٣] مسألة: قال: ومن حلف بعتق غلامٍ - لابنه صغيرٍ - إن لم يضربه، فلم يفعل، فَإِنَّهُ يَعْتِقُ عليه إذا كان يليه ويَمُونُهُ، ويَغْرَم قيمته لابنه (٢).
• إنَّما قال: «إنَّ عتقه يلزمه»، لمعنيين:
(أحدهما: الولاية.
(والآخر: أنَّ له شبهةً في مال ابنه.
فلزمه عتقه لهذه العلَّة؛ لأنَّهُ لو باعه عليه جاز بيعه، فكذلك إذا أعتقه مضى عتقه.
وعليه قيمته؛ لأنَّهُ كَأَنَّه اشتراه من ابنه لنفسه، وشراء الأب مال ابنه لنفسه وبيعه منه جائزٌ إذا كان في ذلك نظرٌ لابنه، وكذلك بيعه من غيره جائزٌ.
فأمَّا إذا كان الابن كبيراً يلي نفسه، فلا يجوز ذلك إلَّا بإذن الابن؛ لأنَّهُ لا يجوز أن يتصرَّف في مال ابنه الكبير في بيعٍ أو غيره بغير إذن ابنه.
•••
стр. 2523
[٣٠٣٤] مسألة: قال: وإذا اشترت امرأةٌ غلاماً من مالها، ثمَّ وهبته لابنها وأعتقته عنه وهو صغيرٌ:
• فإن كانت الهبة على شرط: «أنَّهَا تُعْتِقه»، فذلك جائزٌ.
• وإن لم تكن على شرطٍ، وكان لها مالٌ يكون فيه وفاءٌ من ثمن العبد، جاز عِتْقُهُ وأُعْطِيَ الثَّمن.
• وإن لم يكن لها مالٌ، لم يجز ذلك إذا كانت تليه (١).
• إِنَّمَا قالَ ذَلِكَ؛ لأنَّ الهبة إذا كانت على شرط العتق جاز العتق؛ لأنَّها إِنَّمَا مَلَّكَته الولاء، كأنَّها أعتقته عنه، وذلك جائزٌ.
وإن لم يكن كذلك، لم يجز عتقها؛ لأنَّ في ذلك إتلاف مال الصَّغير، إلَّا أن تكون موسرةً فتلزمها القيمة ويجوز عتقها لِمَا ذكرناه: لأنَّ لها شبهةً في مال ابنها؛ ولأنَّها تلي عليه.
وإن لم تَلِ عليه لم يجز عتقها على ما ذكرناه.
•••
[٣٠٣٥] قال: ومن أوصى: «بعِتْقِ غلامٍ لولدٍ له صغارٍ يليهم»:
• فإن كان له مالٌ، جاز عتقه بالقيمة في الثُّلُثِ، وأُعْطِيهَا وَلَدُهُ.
стр. 2524
• وإن لم يكن له مالٌ، لم يجز (١).
• إِنَّمَا قالَ ذَلِكَ؛ لأنَّهُ إذا كان له مالٌ، فكأنَّه أوصى ببيعه على ولده، وذلك جائزٌ؛ لأنَّهُ كأنَّه باعه عليهم.
وكان لولده قيمة العبد من ثلثه؛ لأنَّ عتقه عبْدَ ابنِه الصّغير في حياته جائزٌ، وعليه قيمته في ماله، بمنزلة ما يبيعه له من غيره، فكذلك تجوز وصيَّته له بعتقه، وتكون قيمة العبد لولده في ثلثه.
وإن لم يكن له مالٌ، لم يجز عتقه في حال حياته ولا بعد موته في وصيَّةٍ.
•••
[٣٠٣٦] قال: ومن أعتق جارية ابنٍ له صغيرٍ، ولا مال له:
• فيُرَدُّ العِتق ما لم يطل.
• فإن طال لم يُرَدْ.
• وإن كان له مالٌ، جاز عتقه.
وقد قيل: إنَّه إن لم يكن له مالٌ، لم يُجَزْ ما صَنَعَ (٢).
• إنَّما قال: «إنَّه لا يُرَدُّ عتقه إذا طال»؛ فلأنَّ للأب شبهةٌ في مال ابنه الصِّغير وولاية له عليه، فجاز عتقه لعبد ابنه الصَّغير، وتكون عليه قيمته إذا حدث له مالٌ، كما يجوز أن يبيعه بدَيْنٍ، فهذا وجه قوله: «إنَّه لا يرد إن طال».
стр. 2525
ووجه قوله: «إنَّه يُرَدُّ إذا لم يكن له مالٌ، طال ذلك أو لم يطل»؛ فلأنَّ فعله هذا فيه إتلافُ مالِ ابنه الصَّغير، وذلك لا يجوز له، وإنّما يجوز له فعل ما كان لابنه فيه نظرٌ.
ألا ترى: أنَّه لو أعتق عبد ابنه عن ابنه لم يجز؛ لأنَّ في ذلك إتلاف ماله، وكذلك إذا أعتقه عن نفسه ولا مال له، فهو أولى ألَّا يجوز، وهذا القول أقيس.
•••
[٣٠٣٧] مسألة: قال: ومن فرَّ عبْدُهُ، فقال: «اخرج يا فلان وأنت حرٌّ»، ثمَّ خرج، فقال: «أردت أن أستخرجه»:
• فإن كان أَشْهَدَ: «أنَّه إِنَّمَا يقول ذلك ليستنقذه»، فلا عتق عليه.
• وإن لم يُشْهِدْ بِهِ، فهو حرٌّ (١).
• إِنَّمَا قالَ ذَلِكَ؛ لأنَّهُ إذا أَشْهَدَ: «أنَّه لا يريد بقوله ذلك الحريَّة»، لم يلزمه العتق؛ لأنَّهُ قد عُلِمَ أنَّه لم يقصد بهذا القول حريَّةً.
فأمَّا إذا لم يُشْهِد قَبْلَ قوله، لم يُقْبَل قوله فيما بعد؛ لأنَّ ظاهر هذا القول يوجب الحريَّة، فلا سبيل له إلى رفعها.
•••
стр. 2526
[٣٠٣٨] مسألة: قال: ومن سُئِلَ عن أمِّ وَلَدِهِ، فقال: «ما هذه إلَّا حُرَّة»، فإن لم يكن أراد العتق، فلا شيء عليه (١).
• إِنَّمَا قالَ ذَلِكَ؛ لأنَّ قوله: «ما هي إلَّا حرَّة»، يحتمل أن يكون أراد: أنَّها كالحرَّة في الامتناع من بيعها وإجارتها وما أشبه ذلك.
وكذلك قال مالك، فيمن قال لخادمه: «ما أنت إلَّا حرٌّ»، فلا شيء عليه؛ لأنَّهُ يريد بذلك: أنَّك لا تمتثل أمري (٢)، فهذا منه على وجه التوعّد له، لا على الحريّة.
•••
[٣٠٣٩] مسألة: قال: ومن قال لخادمه: سيعلم (٣) الحرُّ»، ولم يُرِدْ به عِتْقَاً، فلا عتق له (٤).
• إِنَّمَا قالَ ذَلِكَ؛ لِمَا ذكرناه: أَنَّهُ إِنَّمَا أراد بهذا القول وجه التَّهَدُّدِ والوعيد، لا الحريَّة، فلا عتق عليه.
•••
стр. 2527
[٣٠٤٠] مسألة: قال: ومن آجر عبده سنين، ثمَّ أعتقه، فلا يجوز عِتْقُهُ حَتَّى يَمْضِيَ الأجَلُ، إلَّا أن يشاء المستأجر.
وإن مات قبل السِّنين وله ولدٌ أحرارٌ، لم يرثوه، ولو مات السيِّدُ قبل السِّنين، لم يَعْتَقْ حَتَّى يَمْضِي.
ويَعْتَقُ من رأس المال (١).
• إِنَّمَا قالَ ذَلِكَ؛ لأنَّ عقد الإجارة في العبد كعقد الرّهن، فلمَّا لم يجز عتق العبدِ الرَّهْنِ إلَّا أن يُعْطَى المرتهن حقَّه، فكذلك لا يجوز له عتق العبد المؤاجر إلَّا بتوفية المستأجر حقَّه من الإجارة؛ لأنَّ حقَّ المستأجر قد تعلَّق برقبة العبد.
ألا ترى: أنَّ المؤاجر لو أفلس، لكان المستأجِرُ أحقُّ بعين العبد واستخدامه من سائر الغرماء.
فلهذا قال مالكٌ: إنَّ الحريّة لا تتقرَّر إلَّا بمضِيِّ مُدَّةِ الإجارة، وحكمه حكم العبد المُعْتَقِ إلى أجلٍ في أحكامه كلّها؛ لأنَّهُ قد أعتقه إلى أجلٍ آتٍ لا محالة.
ويخرج من رأس المال، كما يخرج المعْتَقُ إلى أجلٍ من رأس المال؛ لجواز أن يأتي الأجل قبل موت سيِّده، فلهذه العلَّة قال: إنَّه يكون من رأس المال.
وقوله: «إنَّه إن مات قبل تَقَضِّي السّنين، لم يرثه ولده الأحرار»؛ فلأنَّه مات
стр. 2528
عبداً؛ لأنَّه إِنَّمَا يعتق بمضيِّ مدَّة الإجارة، كما يعتق المُعْتَقُ إلى أجلٍ بمجيء الأجل.
فإن مات سيِّده قبل مضيِّ مدَّة الإجارة، أُعْتِقَ العبد بعد مضي مدَّة الإجارة من رأس مال سيِّده الَّذِي أعتقه؛ لأنَّ عقد حريَّته قد ثبت في حال صحَّته، وقد كان يجوز أن يأتي الأجل مع بقاء سيِّده، فكان من رأس المال.
•••
[٣٠٤١] مسألة: قال: ومن أَعْمَرَ (١) أُمَّهُ عبدين حياتها: «فإن مات قبلها فهما لها، وإن ماتت قبله فهما عليه رَدٌّ»، فحضرته الوفاة فأعتق أحدهما:
• فإن أجازت ذلك أُمُّه، فذلك جائزٌ.
• وإن لم تُجِز، عَتَقَ إذا ماتت أُمُّهُ (٢).
• إنَّمَا قال: «إنَّ عتقه يجوز بإجازة الأمِّ»؛ لأنَّهُ قد تعلَّق لها حقٌّ في العبد، فلا يجوز له أن يُبْطِلَ ذلك بعتقه وإن كان العبد مُلكَاً له، كما لا يجوز ذلك للمؤاجِرِ لعبده - على ما ذكرناه -؛ لتعلُّقِ حقِّ المستأجِرِ في رقبة العبد.
وكذلك العبد المرهون لا يجوز عتقه؛ لتعلّق حقِّ المرتِهن في رقبته.
فإذا أجازت الأمُّ عتقه، جاز، وإن لم تُجِزه، عَتَقَ بعد موتها من ثلثه؛ لأنَّهُ
стр. 2529
أعتق ذلك في وصيَّته، فكان في ثلثه، ولو كان أعتقه في صحَّته، كان من رأس ماله.
•••
[٣٠٤٢] مسألة: قال: ومن حبس عبدَاً على رجلٍ ما عاش العبْدُ، ثمَّ قال السَّيِّد: «هو حرٌّ»، فلا عِتْقَ عليه، إِنَّمَا هو للَّذي حبسه عليه، إذا حبسه عليه ما عاش العبد فقد أعطاه إيَّاه أبدَاً (١).
• إِنَّمَا قالَ ذَلِكَ؛ لأنَّهُ قد مَلَّكَ المحَبَّس عليه العبدَ لَمَّا حبسه عليه حياة العبد؛ لأنَّهُ إذا جعله كذلك فقد أعطاه إيَّاه، فلا سبيل له إلى الرُّجوع فيه؛ لأنَّهُ لا مرجع للعبد بتَّةً إلى الَّذِي أَعْطَى، فلا يجوز عتقه له؛ لأنَّه أعتق ما لا يملكه.
•••
[٣٠٤٣] مسألة: قال: ومن حلف: «بعتق مماليكه إن فَعَلَ شيئاً»، فباعهم ثمَّ فَعَلَ، وقد كان أبوه أخْدَمَ إنساناً عبدَهُ حيَاتَهُ، ثمَّ مرجعه إلى ابنه، ثمَّ رجع العبد إليه بعد حنثه، فعليه عتقه (٢).
• معنى هذه المسألة: يكون الحالِفُ بِعِتْقِهِم إِنَّمَا حَلَفَ بعد موت الأب، لأنَّهُ قد صار العبد المُخْدَمُ له، فقد عقد فيه الحريَّة، ولولا الخدمة
стр. 2530
لعَتَقَ بالحنث، فإذا رجع إليه بعد تقضِّي الخدمة، عَتَقَ عليه بالحنث المتقدِّم قبل رجوع العبد إليه.
•••
[٣٠٤٤] مسألة: قال: ومن قال لغلامه: «إن أسلمت فأنت حرٌّ»، فَإِنَّهُ يقال له: «أسلم الآن، وإلَّا فلا شيء لك، ولا تُتْرَك حَتَّى تُسلِم أو تموت» (١).
• إِنَّمَا قالَ ذَلِكَ؛ لأنَّ هذا الكلام يقتضي الإسلام في الحال لا ما بعد ذلك، كما يقول لامرأته: «إن شئتِ فأنْتِ طالقٌ، أو أمرك بيدك»، إِنَّمَا هو في الحال والمجلس لا ما بعده.
•••
[٣٠٤٥] مسألة: قال: ومن بلغه أنَّ أباه قادمٌ، فقال: «إذا قَدِمَ أبي فأنت حرٌّ»، فلا يبعه.
وكذلك الَّذِي يقول لامرأته: «إذا وَلَدْتِ غلاماً - وهي حاملٌ -، فغلامي حرٌّ»، فلا يبعه، فإن لم تكن امرأته حاملاً، فليبعه إن شاء (٢).
• إِنَّمَا قالَ ذَلِكَ؛ لأنَّ هذا بمنزلة العتق إلى أجلٍ آتٍ، ولا يجوز بيعه؛ لأنَّ «إِذَا»، إِنَّمَا تلي شيئاً يقع لا محالة، قال الله : ﴿إِذَا الشَّمْسُ كُوِّرَتْ﴾ [التكوير:١]، وقال: ﴿إِذَا السَّمَاءُ انْشَقَّتْ﴾ [الانشقاق:١]، فكأنَّه أراد ما بين قوله: «أنت
стр. 2531
حرٌّ» وبين قدوم أبيه من الوقت، لا أراد القدوم على الحقيقة، فلهذا قال: لا يجوز بيعه، كما لا يجوز بيع المُعْتَقِ إلى أجَلٍ.
وقد قال مالكٌ: «إنَّه يجوز بيعه»؛ لجواز أن لا يقْدُمَ أبوه، كما يقول ذلك في قوله: «إن قدم أبي»، لا فصل بينهما.
وقوله: «لا يبعه - إذا كانت امرأته حاملاً - متى أعتقه بوضع امرأته»؛ فلأنَّ الحمل سبب الوضع، فإذا كان الحمل ظاهرَاً، فوضعه واقعٌ لا محالة، فلم يجز أن يبيع العبد المعتَقَ بوَضْعِ الحمل؛ لأنَّهُ بمنزلة أجلٍ يأتي لا محالة، كما لا يجوز بيع العبد المعتق إلى أجل آتٍ لا محالة.
•••
[٣٠٤٦] قال: ومن قاطَعَ مُكَاتَبَاً له، على: أسفارٍ يسافرها، ودنانير يعطيه، فلا ينبغي؛ لأنَّهُ لا تتمُّ حرمته ولا تجوز شهادته، وذلك عليه، ولكن يعطيه مكان تلك الأسفار شيئاً يُمْضِي له عتقه (١).
• إِنَّمَا قالَ ذَلِكَ؛ لأنَّ شرط هذا عليه في قَطَاعَتِهِ تبقيةٌ لحكم الرقِّ عليه بعد عتقه، وذلك مكروهٌ.
لكن يُحَبّ أن تكون قطاعته على مالٍ يعطيه العبدُ، تَتَنَجَّز حريَّته معه، لا على خدمةٍ يشترطها عليه بعد عتقه.
•••
стр. 2532
[٣٠٤٧] مسألة: قال: ومن قال لغلامه: «ابن لي هذه الدَّار وأنت حرٌّ»، فمرض وأتى بمثله يُتِمُّ ذَلِكَ له، فأبى السيِّد، فذلك على سيِّده (١).
• إِنَّمَا قالَ ذَلِكَ؛ لأنَّهُ جعل صفة عتقه ببناء الدَّار الَّتِي شرطها على عبده، فمن بناها فقد عَتَقَ العبد، كالكتابة، من أدَّاها عن العبد إلى السَّيِّد عَتَقَ.
وليس للسيّد الامتناع من ذلك؛ لأنَّهُ يقصد الإضرار بالمُكَاتَبِ، فكذلك مَنْ بِنَى الدَّار له، كان العبد حرّاً، وليس لسيّده الامتناع من ذلك.
•••
[٣٠٤٨] مسألة: قال: ومن قال لعبده: «أنت حرٌّ وعليك خمسون ديناراً»، فذلك جائزٌ ثابتٌ عليه، ولا يُحَاصُّ به الغرماءَ، إلَّا أن يكون أراد به وجه الكتابة، فيكون مكاتباً.
ولو قال العبد: «لا أقوى على ذلك» - إذا أراد وجه الكتابة -، فذلك له (٢).
• إِنَّمَا قالَ ذَلِكَ؛ لأنَّهُ لَمَّا كان للسيّد أن يُكْرِه عبده على الكتابة، فكذلك له أن يُعْتِقَه على مالٍ يُلْزِمُهُ إيَّاه بعد العتق.
وقال ابن القاسم: «يكون حُرّاً ولا يلزمه المال»، وكأنَّ هذا أقيس؛ لأنَّ المال إِنَّمَا ألزمه بعد الحريَّة.
стр. 2533
ولو قال: «أنت حرٌّ إن أدَّيت إليَّ خمسين ديناراً»، لزمه ذلك على قول مالكٍ وابن القاسم.
وقوله: «لا يحاصُّ الغرماء»؛ لأنَّ العتق ليس مالاً، وسبَبُ الغرماءِ أوكد، فكانوا أولى؛ لأنَّهُ قد أخذ مالهم.
وقوله: «إن أراد وجه الكتابة»، فمعناه: أَنَّهُ لا يَعْتَقُ إلَّا بالأداء.
•••
[٣٠٤٩] مسألة: قال: وإذا مرض الرَّجُلُ، فجعل لله عليه عتقاً إن صَحَّ، فصَحَّ إلَّا أنَّه يجد ضَعْفَاً، فما عَجَّلَ من ذلك فهو أفضل (١).
• إِنَّمَا قالَ ذَلِكَ؛ لأنَّ السّرعة في فعل الخير أفضل، لا سيّما إذا كان قد أوجبه على نفسه ولزمه ذلك بمجيء الصِّفة وهي الصِّحة، وقد قال الله : ﴿أُولَئِكَ يُسَارِعُونَ فِي الْخَيْرَاتِ﴾ [المؤمنون:٦١].
•••
[٣٠٥٠] قال: ومن قال لعبده: «اعمل كذا وكذا وأنت حرٌّ»، فردَّ العبد، ثمَّ قال: «أنا أعمله»، فليس ذلك له (٢).
• إِنَّمَا قالَ ذَلِكَ؛ لأنَّ هذا كما يدعوه إلى الكتابة فَيَكْرَهُهَا، ثمَّ يسأله بعد
стр. 2534
ذلك، فليس ذلك على السيِّد، إلَّا أن يحبَّ ذلك؛ لأنَّهُ قد ترك العبدُ ما بذله له سيِّده.
•••
[٣٠٥١] قال: ومن أعتق جاريةً إلى سنين، فلا يطأْها.
وقد اختُلِفَ في تزويجها: فقيل: لا يُزَوِّجُها إلا برضاها، وقيل: ذلك له (١).
• إِنَّمَا قالَ ذَلِكَ؛ لأنَّهُ يصير مُستمتِعاً بفرجٍ يخرُجُ عن ملكه بعد مُدَّةٍ آتيةٍ لا محالة بغير اختياره للخروج، فيصير بمنزلة الواطئ بنكاح المتعة، وذلك غير جائزٍ.
وكما لا يجوز وطء المُكَاتَبِةَ؛ لأنَّهُ وطءٌ إلى مدَّةٍ، فكذلك لا يجوز وطء المُعْتَقَةِ إلى أجلٍ آتٍ لا محالة.
فإن قيل: إنَّ المكاتَبَةَ لم يجز وطؤها؛ لدخول المعاوضة في ذلك، لا من أَجْلِ الأَجَلِ (٢)؟
قيل له: لو كان كذلك، لكان إذا قال لجاريته: «إن أدَّيتِ إليَّ درهماً أو جئتني بدرهمٍ إلى رأس الشَّهر، فأنت حرَّةٌ»، لم يجز وطؤها؛ لدخول العوض في ذلك، ووطء هذه جائزٌ مع دخول العوض.
стр. 2535
وقوله: «لا يزوِّجُها إلَّا برضاها»؛ فلأنَّه قد ثبت لها عقد حريَّةٍ واقعةٍ لا محالة، فلا يجوز تزويجها إلَّا برضاها، كما لا يجوز ذلك في الحرَّةِ.
ووجه قوله: «يزوِّجُها بغير رضاها»؛ فلأنَّها في أحكام الرقِّ في حدودها وشهادتها، فكذلك هي في تزويجها في حكم الرقِّ، يزوّجها بغير رضاها.
•••
[٣٠٥٢] قال: ومن قال لأمَتِهِ: «أنتِ حرَّةٌ، على أن تخدميني أشْهُرَاً»، فذلك جائزٌ (١).
• إِنَّمَا قالَ ذَلِكَ؛ لأنَّ هذا عِتْقٌ بِصِفَةٍ، وهو خدمتها له أشْهُرَاً، فذلك جائزٌ؛ لأنَّهُ لو أعتقها إلى شهورٍ أو سنين، كان له خِدْمَتُهَا إلى ذلك، فكذلك لو أَعْتَقَهَا وشَرَطَ ذلك عليها، أعني: أنَّه يُعْتِقُهَا بعد شهورٍ من خدمتها.
•••
[٣٠٥٣] مسألة: قال: وإذا قال الرّجل لعبده: «إذا مات فلانٌ، فأنت حرٌّ»، ثمَّ مات السيّد، خَدَمَ الوَرَثَةَ حَتَّى يموت الرَّجُلُ، ثمَّ يَعْتَقَ من رأس المال (٢).
• إِنَّمَا قالَ ذَلِكَ؛ لأنَّ هذا مُعْتَقٌ إلى أجلٍ آتٍ لا محالة، وهو موت فلانٍ، فإنَّما له فيه خدمته تلك المدَّة، فإن مات السّيِّد قبلها كان ذلك لورثته، بمنزلة مَنْ كَانَ ذلك في حياته (٣).
стр. 2536
فإذا مات فلانٌ، خرج العبد حرّاً من رأس مال السيّد؛ لأنَّهُ أعتقه في حال صحّته بصفةٍ قد كان يجوز وقوعها في حال حياة السيّد المُعْتِقِ.
•••
[٣٠٥٤] مسألة: قال: ومن أعتق عبده إلى سنةٍ، فمات السيِّد قبل السَّنة، كان العبد حرّاً من رأس المال عند السَّنَةِ (١).
• إِنَّمَا قالَ ذَلِكَ؛ لأنَّهُ قد أعتقه إلى أجلٍ يأتي لا محالة، وقد يجوز أن يأتي في حال حياة السيِّد، ولا يجوز للسيّد الرّجوع في عتقه، فكان خروجه من رأس المال لهذه العلَّة.
ولم يشبه ذلك المُدَبَّر؛ لأنَّ عتقه يقع بعد موت سيِّدِه، لا في حال حياته.
فأمَّا أمُّ الولد فهي من رأس المال؛ لأنَّ سببها أقوى من سبب المدبَّرِ والمُعْتَقِ إلى أجلٍ؛ لثبوت حرمتها بحرمة الولد وتعلّق ذلك بالسَّبب، فكان أمرها أوكد من أمر المُعْتَقِ إلى أجلٍ والمدبَّرِ.
•••
[٣٠٥٥] مسألة: قال: ومن قال لجاريته: «أنت حُرَّةٌ عند الصَّدْرِ»، فذلك له، يستخدمها، ثمَّ هي حرَّةٌ، ولا تُمَسُّ، ولا تُبَع، ولا يلحقها دَينٌ (٢).
• إِنَّمَا قالَ ذَلِكَ؛ لأنَّ الصَّدر هو شيءٌ واقعٌ لا محالة، وهو صدور النّاس
стр. 2537
من الحجِّ، فقد أعتقها إلى أجلٍ آتٍ لا محالة؛ لأنَّهُ أراد وقت الصَّدر، كما يقول لها: «أنت حرَّةٌ عند الموسم»، فإنَّما أراد الوقت.
وقوله: «لا يبيعها»؛ فلأنَّه قد عقد فيها عقد حريّةٍ لا سبيل إلى رفعه، وهو بصفةٍ آتيةٍ لا محالة.
وقوله: «لا يلحقها دَيْنٌ»؛ فلوجوب عِتْقِهَا بمجيء الصِّفة من رأس المال، كما يجب عِتْقُ أمِّ الولد بموت سيّدها، فلم يلحقها الدَّين، فكذلك المعْتَقَةُ إلى أجلٍ، لا يلحقها الدَّين إذا كان أجلاً آتياً لا محالة.
فأمَّا إذا كان أجلاً قد يأتي ولا يأتي، فلا عِتْقَ لها حَتَّى يأتي، ويجوز بيعها؛ لجواز أن لا يأتي الأجل، فليس أمرها إلى حريّةٍ لا محالة، كأمر المعْتَقَةِ إلى أجلٍ آتٍ لا محالةٍ أنَّ أمرها إلى حريَّةٍ لا محالة إن كانت حيَّةً عند الأجل.
•••
[٣٠٥٦] مسألة: قال: ومن قال لعبده: «إذا مات فلانٌ فأنت حرٌّ»، فله أن يأخذ من ماله ما شاء (١).
• إِنَّمَا قالَ ذَلِكَ؛ لأنَّ حكمه حكم عبدٍ ما لم يأت الأجل، فله أن يأخذ ماله، كما له أخذ مالِ أمِّ ولده ما لم يَمْرَضْ، وكذلك ما لم يُقارِب أجل العتق، فيكون أخْذُهُ حينئذٍ إِنَّمَا هو على وجه الضَّرر، وذلك غير جائزٍ.
•••
стр. 2538
[٣٠٥٧] مسألة: قال: ومن قال لأَمَتِهِ: «اخدمي ابنتي، فإذا ماتت، فأَنْتِ حُرَّةٌ»، فهلك السيّد، ثمَّ ماتت الأَمَةُ وتركت مالاً، فهو لورثة السيِّد (١).
• إِنَّمَا قالَ ذَلِكَ؛ لأنَّها في حكم الإماء حَتَّى يأتِيَ أجل العتقِ، فمالُها لِمَنْ يملكها إذا ماتت قبل الأجل الَّذِي عِتْقُهَا مُتَعَلِّقٌ بمجيئه.
•••
[٣٠٥٨] مسألة: قال: ولو قال رجلٌ لعبده: «اخدم فلاناً سَنَةً وأنت حرٌّ»، ثمَّ مات العبد قبل السَّنةِ، فالميراث للسيِّد (٢).
• إِنَّمَا قالَ ذَلِكَ؛ لأنَّ مُلكه لسيّده، فيرث ماله إذا مات بالرقِّ؛ لأنَّ المُخْدَمَ لا يملك رقبته، وإنّما يملك منفعة رقبته مدَّةً ما، وذلك بمنزلة المستأجِرِ له مدَّةً ما، ثمَّ يموت العبد، أنَّ ماله لسيِّده دون المستأجر.
•••
[٣٠٥٩] مسألة: قال: والعَتَاقَةُ تُبَدَّأُ على ما سواها من الوصايا، إذا كانت عتاقَةَ عبدٍ بعينه أوصى بِعِتْقِهِ، أو أوصى أن يُشْتَرى فيُعْتَقَ عنه.
وأمَّا من أوصى أن تُشْتَري رقَبَةٌ ليست بعينها فتُعْتَقَ عنه، فإنَّ تلك وغيرها من الوصايا سواءٌ، يتحاصُّون في ثلث الميِّت جميعاً (٣).
стр. 2539
• إنَّما قال: «إنَّ العتاقة تُبَدَّأُ على الوصايا إذا كانت في عبدٍ بعينه»؛ لأنَّها حُرْمَةٌ تَثَبَتَ في البدن، فلها مُطَالِبٌ بعينه، فلهذا المعنى وجب تقدِمَتُها.
فأمَّا إذا لم تكن في عبدٍ بعينه، لم تبدَّأْ؛ إذ ليس ثَمَّ مُطَالِبٌ بعينه، فكانت كسائر الوصايا، يُحَاصّ بها مع الوصايا.
•••
[٣٠٦٠] مسألة: قال: ومن أوصى: «بعتق ثُلُثُ رقيقه»، فهلك بعضهم قبل القِيمَةِ، كان ثُلُثُ الباقين حُرّاً، ولم يدخل فيهم من مات.
وما هلك من المال قبل أن تُنْفَذَ الوصايا، لم يُعْتَدَّ به، وكانت الوصايا في ثلث ما بقي، كانت الوصايا تُخْرَجُ يوم هلك الميّت وقبل يهلك المال أو لا تُخْرَج، ذلك كلّه سواءٌ (١).
• إِنَّمَا قالَ ذَلِكَ؛ لأنَّهُ إِنَّمَا يجب أن يُرَاعى ثُلُثُهم حين القيمة؛ لأنَّ ذلك حين تنفذ الوصيَّة، فأمَّا ما تلف قبل ذلك من المال فلا يُرَاعَى أمرُهُ، كما لا يُرَاعى أمر المال الَّذِي قبل الوصيَّة.
ألا ترى: أنَّه لو أفاد مالاً بعد الوصيّة عَلِمَ به، لدخل فيه العتق إذا كان ذلك في ملكه حين تنفذ الوصيَّة، فكذلك ما تلف من ملكه، لا يُرَاعَى في تنفيذ وصيَّته، لكنه يُرَاعى ما يحصل في وقت تنفيذ الوصيَّة، لا ما قبل ذلك من وقت موته أو بعد ذلك.
•••
стр. 2540
[٣٠٦١] مسألة: قال: وإذا أوصى بِعِتْقِ عبده، فكان في الثّلث ما يَخْرُجُ العبدُ منه، عَتَقَ ولم يؤَخَّر بعد اجتماع المال، ولا يُعَجَّلُ قَبْلَه.
وإن مرض العبد، قُوِّمَ مريضاً، ولا تُنْتَظَرُ به الصِّحة (١).
• إِنَّمَا قالَ ذَلِكَ؛ لجواز أن يكون العبد أكثر من ثلث المال، فيكون قد أعتق أكثر من الثّلث، وذلك غير جائزٍ.
ولا يؤخَّرُ عِتْقُه عن جمع المال؛ لأنَّ ذلك وقت عتقه.
وكذلك إن مرض العبد لم يُؤَخَّر عتقه؛ لأنَّ مرضه لا يمنع من عتقه.
•••
[٣٠٦٢] مسألة: قال: وإذا أوصى رجلٌ لعبده بثلثه - وقد مَلَكَ مِنْ نَفْسِهِ - وهو يَعْتَقُ في رقبته إن كان في المال فضلٌ:
• فإن فَضَلَ فضْلٌ عن رقبته، أُعْطِيه.
• وإن قَصُرَ عنه، عَتَقَ منه قَدْرَ مَا وَسِعَ الثُّلُثُ.
وإن لم يترك إلَّا العبد نَفْسه، وفي يد العبد ألف دينارٍ، فلا يعتق من العبد إلَّا ثلثه، ويكون بيده على هيئته (٢).
стр. 2541
• إِنَّمَا قالَ ذَلِكَ؛ لأنَّهُ لَمَّا ملَّك العبد بعض نفسه، فقد عَتَقَ بعضه، فوجب أن يُكَمَّل عتقه في ثلثه؛ لأنَّ العتق مُقَدَّمٌ على سائر الوصايا.
ولَمَّا كان الإنسان إذا ملك أباه أو ابنه عَتَقَ عليه، فكذلك إذا ملك نفسه كلَّها أو شيئاً منها عَتَقَ.
وقوله: «إن فَضَلَ الثّلث عن رقبته أُعْطِيهِ»؛ فلأنَّ السَّيِّد قد أوصى له بذلك؛ لأنَّهُ قد أوصى للعبد بثلث كلّ ما يملكه من رقبته وسائر ماله، فوجب أن يُعْطَى من الثّلث ما فضل عن رقبته.
وقوله: «إنَّ العبد لا يَعْتَقُ من المال الَّذِي في يد العبد»؛ فلأنَّه إِنَّمَا يجب عتقه في ثلث مال السيّد لا مال العبد؛ لأنَّ السيّد لا يملك مال عبده، بل ملكه لعبده حَتَّى ينتزعه سيِّده منه.
وقوله: «يكون مال العبد بيده على هيئتة»؛ فلأنَّ المعْتَقَ بعضه يكون ماله موقوفاً معه، على ما بيَّنَّاه.
•••
[٣٠٦٣] مسألة: قال: وإذا أوصى لعبده بدنانير مسمَّاةٍ، أو دابَّةٍ، أُعْطِيَ ذلك ولم يُجْعَل في رقبته (١).
• إِنَّمَا قالَ ذَلِكَ؛ لأنَّهُ إِنَّمَا أوصى له بشيءٍ من ماله غير رقبته، فلا يجوز أن يُغَيَّر ذلك، ولا يُعطَى غير ما أُوصِيَ له به.
стр. 2542
ولأنه لم يوص بعتقه فيكون ذلك في رقبته، ولا ملَّكه من رَقَبَتِه شيئاً فيُكمل باقيه في الثُّلث.
•••
[٣٠٦٤] مسألة: قال: ومن مات وعليه رقبةٌ من قتلٍ، وأوصى بها، بُدِّئَتْ في ثُلُثِهِ، وإن لم يوص، فليس ذلك على ورثته (١).
• إِنَّمَا قالَ: «إنَّه يُبْدَأُ بها إذا أوصى بها»؛ لأنَّها شيءٌ واجبٌ عليه، فوجب تبدئتُها على غيرها مِمَّا ليس بواجبٍ.
فأمَّا إذا لم يوص بها، فليس على ورثته إخراجها؛ لجواز أن يكون هو قد أخرجها.
ولأنَّه ليس على ورثته فعل ما فرَّط فيه من حقوق الله تعالى، ولو كان ذلك عليهم، لكان عليهم أن يصلُّوا عنه ويصوموا ممَّا كان فَرَّطَ فيه.
•••
[٣٠٦٥] مسألة: قال: ومن أوصى بعتق رقيقه، فورث رقيقاً في اليمن حين أوصى، لم يعلم بهم حَتَّى مات، فلا يَعْتَقُ إلَّا من عَلِمَهُ، ولا يَعْتَقُ عليه من غاب عنه علمه (٢).
стр. 2543
• إِنَّمَا قالَ ذَلِكَ؛ لأنَّهُ لم يقصد عِتْقَ من لم يعلم أنَّه قد مَلَكَهُ ولم يُرِدْه، فليس على الورثة أن يُعْتِقُوا من لم يُرِدِ الموصي عتقه.
•••
[٣٠٦٦] مسألة: قال: ومن أوصى بدنانير في رقبةٍ، فاشْتُرِيَتْ وأُعْتِقَت، وفضل الدِّينار أو نحوه، فيُدْفَعُ ذلك إلى مُكَاتَبٍ في عِتْقِ رقَبَتِهِ.
وإن لم توجد بما أوصى به رَقَبَةٌ، فليُعَنْ به في رَقَبَةٍ.
وآخر الوصايا وأوَّلها سواءٌ (١).
• إِنَّمَا قالَ ذَلِكَ؛ لأنَّهُ إِنَّمَا أوصى به في رقبةٍ، فيجب أن يكون ما فضل من ثمنها في الرَّقبة.
وكذلك إن لم تُوجد - بما أوصى أن يُشْتَرَى به - رقبةٌ، جُعِلَ ذلك في ثمن رقبةٍ؛ لأنَّ الموصِي إِنَّمَا أراد العتق به دون غيره.
وقوله: «وآخر الوصايا وأوَّلها سواءٌ»، يعني: في وجوب إخراجها؛ لأنَّ كلَّها وصيّة، والوصيّة لا يجوز تغييرها، ولا ترك تنفيذها كلّها.
•••
стр. 2544
[٣٠٦٧] مسألة: قال: ومن أوصى أن تُشْتَرَى رَقَبَةٌ منعوتةٌ أو مُعَيَّنَةٌ بعينها، فدخل المالُ العولَ، فليس تدخل الرَّقَبَةَ، وتُبَدَّأُ (١).
• إِنَّمَا قالَ ذَلِكَ؛ لأنَّهُ لَمَّا وَصَفَهَا ونعتها، صارت بمنزلة ما لو كانت بعينها، فوجب تقدِمَتُها على الوصايا.
•••
[٣٠٦٨] مسألة: قال: ومن أوصى بعتق غلام بَتْلَاً، وآخر بعد عشر سنين، فيُبَدَّأُ المعتق بتلاً، ثمَّ الَّذِي بعد عشر سنين بعده (٢).
• إنَّمَا قال: «يُبْدَأُ بالمُبَتَّلِ»؛ لقوّة سببه؛ لأنَّهُ متنجَّز العتق، فوجب تقدمتُه، ثمَّ الَّذِي إلى عشر سنين؛ لأنَّ سببه أضعف من المُبَتَّلِ.
وهذا أصل قول مالكٍ، أَنَّهُ يُبَدَّأُ الأوكد في الوصايا فالأوكد، والأوجب فالأوجب، إلَّا أن يقول الموصي: «بدُّوا شيئاً ما»، فيُبَدَّأُ وإن كان غيره أوجب منه؛ لأنَّهُ لا يجوز تغيير ما أوصى به، وقد قال الله تعالى: ﴿فَمَنْ بَدَّلَهُ بَعْدَ مَا سَمِعَهُ فَإِنَّمَا إِثْمُهُ عَلَى الَّذِينَ يُبَدِّلُونَهُ﴾ [البقرة:١٨١].
وهذا إذا كان ما أوصى به ليس بمعصيةٍ لله ، فَأَمَّا إذا كان معصيةً، رُدَّ ولم ينفذ؛ لأنَّهُ لا طاعة لمخلوقٍ في معصية الله تعالى.
•••
стр. 2545
[٣٠٦٩] مسألة: قال: ومن أوصى أن يُبَاعَ عبْدُهُ رَقَبَةً، بُدِّئَ على الوصايا (١).
• إِنَّمَا قالَ ذَلِكَ؛ لأنَّ هذا عتق عبدٍ بعينه، فوجب تقدمتُه على ما بيَّناه.
ومعنى قوله: «رَقَبَةً»، أي: يباع للعتق، فوجب أن يُبَدَّأَ لقوَّة سببه.
•••
[٣٠٧٠] قال: وإذا أوصى رجلٌ بعتق عبده، فمات العبد، لم يُحْسَب من الثّلث (٢).
• إِنَّمَا قالَ ذَلِكَ؛ لأنَّهُ إذا مات العبد، طُرِحَ من رأس المال، كأنَّه لم يكن، ثمَّ تُخرَجُ الوصايا من ثلث ما بقي من ماله.
•••
[٣٠٧١] مسألة: قال: وإذا هلك الرّجل وترك دُورَاً، وأوصى بِعِتْقٍ، والعبيد يسألون العَتَاقَةَ، فأرى أن يُعْتَقُوا ولا يُؤَخَّرُوا حَتَّى يَبِيعُوا الدُّور (٣).
• إِنَّمَا قالَ ذَلِكَ؛ لأنَّ عتق هؤلاء العبيد واقعٌ في الأغلب إذا كانوا يخرجون من الثّلث وكان مال الميّت مأموناً لا يُخَافُ تلفه، كالعقار والأرضين، فلا وجه لتأخير عتقهم.
стр. 2546
وقد قال مالكٌ: «إنَّهم لا يعتقون حَتَّى يُبَاع العقار ويحصَّل المال»؛ لجواز أن يتلف المال قبل بيعه، وهذا القول أولى.
•••
[٣٠٧٢] مسألة: قال: ومن قال في وصيِّته: «فُلانٌ حُرٌّ، وكاتِبُوا فلاناً»، فإنَّ العتاقة تُبَدَّأُ، فإن فضل شيءٌ، خُيِّرَ الورَثَةُ:
• بين إمضاء المكاتَبَةِ.
• وبين أن يُجْعَل ما حمل الثّلث فيه عتاقَةٌ بتلاً (١).
• إنَّما قال: «يُبْدَأ بالعتاقة إذا كانت بتلاً»؛ لقوَّة سببها؛ لأنَّها واقعةٌ في الحال، ثمَّ الكتابة بعدها.
فإن كاتبوا العبد كما أوصى به الميِّت، وإلَّا جعلوا بقيَّة الثّلث في العبد الَّذِي أوصى بكتابته، يَعْتَقُ منه بقدر ما بقي من الثّلث بتلاً؛ لأنَّ سيِّده إِنَّمَا أراد عِتْقَهُ مِمَّا أوصى بكتابته.
•••
[٣٠٧٣] مسألة: قال: ومن أوصى بعتق مُكَاتَبٍ، وبعتق عبدٍ له لا كتابة فيه، فإنَّهم يتحاصّون (٢).
стр. 2547
• إِنَّمَا قالَ ذَلِكَ؛ لأنَّ قوَّة سببهم واحدٌ؛ لأنَّها حريَّةٌ متنجَّزةٌ، فوجب أن يتحاصّوا في الثّلث جميعاً.
•••
[٣٠٧٤] مسألة: قال: وإذا أوصى رجلٌ: «بعتق ثُلُثِ عَبْدِهِ»، وعليه عشرة دنانير دينٌ، فَإِنَّهُ يُبَاع العبدُ في الدَّينِ، ولا يكون له عِتْقٌ حَتَّى يُقْضَى الدَّينُ؛ لأنَّهُ ربَّما كانت القيمة خمسة عشر، فإذا دخله عتقٌ لم يبلغ الثُّلثان عشرةً، فيُبَاع في الدَّين، فإن بِيعَ كلّه، ثمَّ يُعْتَقُ ثُلُثُ الفَضْلِ (١).
• قد ذكر مالكٌ العلَّة في ذلك، لأنَّ الدَّينَ أولى من العتق، فيجب أن يُبَاع من العبد بقدر الدَّينِ؛ لأنَّه مقدَّمٌ في الوصيّة على العتق وغيره، ثمَّ يُعْتَقُ منه ثلث ما بقي، ويكون ثُلُثَاه للورثة.
•••
[٣٠٧٥] مسألة: قال: ومن أوصى: «بعتق عبده»، وترك ما لا يُشَكُّ فيه من كثرة المال وأمنه، فَإِنَّهُ حُرٌّ حين مات الموصي، وإن مات قبل أن يُقَام، ورثه ورثته من الأحرار، وإن لم يكن مأموناً فلا (٢).
• إِنَّمَا قالَ ذَلِكَ؛ لأنَّ المال إذا كان مأموناً، فقد عُلِمَ أنَّ العبد يَعْتَقُ لا
стр. 2548
محالة، فلا معنى لحبسه عن الحريَّة، وأحكامه أحكام الحرِّ، يرث ويورث؛ لأنَّهُ حرٌّ في الأغلب، إذ هو خارجٌ من الثُّلُثِ.
وقد قال مالكٌ: «إنَّه لا يَعْتَقُ حَتَّى يُقام في الثُّلث»؛ لجواز أن يتلف المال، وليس هو حرّاً لا محالة إذ كان تَلَفُ المال قد يجوز، ولا يجوز إيقاع الحريَّة في الثّلث حَتَّى يأخذ الورثة أيضاً الثّلثين، وكلا القولين له وجهٌ، وهذا أصحّ.
•••
[٣٠٧٦] مسألة: قال: وإذا أوصى الرّجل: «بعتق عبدٍ»، أو: «أوصى به لِرَجُلٍ»، قُوِّمَ قِيمَةً، ولم يُرفع في المُزَايَدَةِ (١).
• إِنَّمَا قالَ ذَلِكَ؛ لأنَّهُ ليس عليه أن يبيعه في المزايدة، فإن فعل ذلك جاز إذا رأى فيه حظّاً وصلاحاً.
•••
[٣٠٧٧] مسألة: قال: ومن أوصى: «بثُلُثِه في رَقَبَةٍ»، فتُشْتَرَى به كلّه، ولا يُبَقَّى منه شيءٌ لكسوة الرَّقبة (٢).
• إِنَّمَا قالَ ذَلِكَ؛ لأنَّهُ إِنَّمَا أوصى به في عتقٍ، وليست الكسوة عتقاً، ولا يجوز تغيير ما أوصى به.
•••
стр. 2549
[٣٠٧٨] مسألة: قال: ومن أعتق عبدَاً في وصيّته، ولعبده مالٌ، فَإِنَّهُ يَعْتَقُ ثلثه ويُتْرَكُ ماله وقفاً بيده، ولا يؤخذ من ذلك المال شيءٌ للورثة ليَتِمَّ عتقه، بمنزلة عبدٍ أُعْتِقَ وفي يده ألف دينارٍ، فيَعْتَقُ ثلثه وتُتْرَك الألف في يده، يأكل ويكتسى بالمعروف (١).
• إِنَّمَا قالَ ذَلِكَ؛ لأنَّ الموصي إِنَّمَا أوصى أن يُعْتَق عبدُهُ من ماله دون مال عبده، فلم يجز أن يُضَافَ مال العبد إلى ماله فيعتق العبد منه، بل وجب أن يعتق عبده في ثلث ماله.
ويترك مال العبد في يده، لا يجوز للورثة انتزاعه، بمنزلة العبد بين الشَّريكين، لا يجوز لأحدهما انتزاع ماله؛ لأنَّهُ لا يملكه مُفْرَدَاً حَتَّى يتَّقفا على شيءٍ ما.
وقد قال مالكٌ: «إنَّه يُضَاف مال العبد إلى مال سيِّده فيعتقه».
ووجه هذا: أنَّ للسَّيِّد في مال عبده حقّاً؛ لأنَّ له أن ينتزعه، فوجب أن يعتق العبد في كلّ مالٍ فيه حقٌّ للسيِّد، من ماله ومال عبده، حَتَّى تتمَّ حريَّته، وفي ذلك حظٌّ للعبد أيضاً.
وأحسب هذا رأي ابن القاسم أيضاً.
•••
[٣٠٧٩] مسألة: قال: ومن ابتاع رَقَبَةً فأعتقها عمَّن أوصى إليه، ثمَّ لَحِقَ الرَّقَبَةَ عولٌ، فيمضي العِتْقُ، ويكون على الَّذِي اشترى وأعتق العَوْلُ (٢).
стр. 2550
• إِنَّمَا قالَ ذَلِكَ؛ لأنَّهُ كان يجب عليه أن يَتَثَبَّتَ ويَنْظُرَ ولا يعتق أكثر مِمَّا يخصّ العتق، فإذا تعمَّد ذلك أو أخطأ، لزمه ما زاد على حصّة العتق؛ لأنَّ في ذلك إتلاف مال الموصَى لهم، فوجب عليه غرم ذلك لهم.
•••
[٣٠٨٠] مسألة: قال: ومن أوصى: «بِعِتْقِ عَبْدٍ بينه وبين رجلٍ»، فأراد العبد أن يُخْرِجَ تَمَامَ ما بقي وَيَعْتَقَ، فليس ذلك له، إلَّا أن يشاء (١).
• إِنَّمَا قالَ ذَلِكَ؛ لأنَّهُ ليس يلزم ذلك سيّده الَّذِي بقي له فيه بعدُ الرِّقّ، إلَّا أن يحبّ ذلك؛ لأنَّهُ لم يُعتِق هو منه شيئاً، وإنّما أعتق غيره.
ولأن المعْتِقَ له أيضاً لم يُعْتِق أكثر مِمَّا أوصى بعتقه.
•••
[٣٠٨١] مسألة: قال: ومن أعتق في وصيَّتِهِ رقيقاً في أيَّامٍ مفتَرِقَةٍ، فكلُّهم سواءٌ، إلَّا أن يكون أعتق أحدَاً منهم في مرضه بَتْلَاً، وآخر بعد الموت، فإنَّه يُبَدَّأُ المبَتَّلُ (٢).
• إِنَّمَا قالَ ذَلِكَ؛ لأنَّهُ إذا أعتقهم في وصيّته فلا فضيلة لأحدهم على
стр. 2551
الآخر ولا سَبَبَ قوَّةٍ، فكلُّهم سواءٌ، فوجب أن يَستووا في العتق، لا يُقَدَّم أحدهم على الآخر.
إذا بَتَّلَ (١) عِتْقَ أحدهم وآخر بعده، بُدئَ بالأوّل؛ لأنَّهُ ليس يجوز أن يَرْفَعَ عتقاً قد أوقعه أو يَنْقُضه.
ولأنَّه قد قدَّم عتقه أيضاً على غيره.
•••
[٣٠٨٢] مسألة: قال: ومن أوصى: «أنَّ غلاماً له حرٌّ، وأنَّ نصف غلامٍ له آخر حُرٌّ ويُكَاتَبُ النِّصف الآخر، فإن عجز عن كتابته، أُعْتِقَتْ فُلَانَةٌ جاريته»، فيُمْضَى ذلك له، وتُؤخَّر الجارية، ويُضْرَبُ للمكاتَبِ أجَلٌ، ويُكَاتَبُ بقيمة عدلٍ (٢).
• إِنَّمَا قالَ ذَلِكَ؛ لأنَّ الموصي كذلك أوصى، فوجب أن ينفذ ذلك على ما أوصى به.
•••
[٣٠٨٣] مسألة: قال: ومن أوصى برقَبَةٍ، لم يُنْظَر إلى ثمنه عند أهله، ولكن يُقَوِّمُهُ أهل الرِّضا قيمة عَدْلٍ على نحو حاله، ولا ينبغي أن يَكْتُمَ مُحْتَرَفُهُ عند قيمته؛ خوفاً من ارتفاع ثمنه (٣).
• إنَّما قال ذلك؛ لأنَّ أصحاب العبد قد يجوز أن يزيدوا في ثمنه؛ لميلهم
стр. 2552
إليه؛ ولأنَّه موافقٌ لهم، فلا يُنْظَرُ إلى ذلك منهم، ولكن يُقَوَّمُ قيمة عدلٍ في ثلثه، ثمَّ يعتق.
وكذلك إن أوصى بأن يُشترى فيُعْتَق، نُظِرَ إلى قيمته، فإن باعوه وإلا زيد على ذلك مثل ثُلُثِهَا، فإن لم يبيعوه، لم يكن على الورثة أكثر من ذلك.
•••
[٣٠٨٤] مسألة: قال: ومن قال في مرضه، وسُئِلَ عن غلامٍ له ليُعْتِقَهُ، فقال: «قد كنت أعتَقْتُهُ»:
(فلا يكون له عتقٌ في رأس ماله؛ لأنَّهُ لا بَيِّنَة له.
(ولا في ثلثه؛ لأنَّهُ لم يُرْدِ أن يجعله فيه، إلَّا أن يقول: «أنفِذُوهُ»، فيكون ذلك في ثلثه.
وقد قيل: إنَّه يَعْتَقُ في الثّلث، والأوَّل أحبّ إلينا (١).
• إِنَّمَا قالَ ذَلِكَ؛ لأنَّ قوله في مرضه: «قد كنت أعتقته في الصّحة»، غير مقبولٍ منه؛ لأنَّهُ يريد إخراجه من كلّ ماله في حال مرضه، فبطل ما قاله.
ولم يكن أيضاً في الثّلث؛ لأنَّهُ لم يوص به، ولا يُخْرَج في الثّلث إلا ما أمر بإخراجه فيه.
ووجه القول الآخر: هو أنَّه قد ألزم نفسه حريّته بإقراره بها، فوجب إخراجه من ثُلُثه؛ لأنَّهُ لو كان صحيحاً لكان ذلك في ماله كلّه، وحكم المريض في ثلثه
стр. 2553
كحكم الصَّحيح في ماله، فلهذه العلَّة وجب عتقه عليه في ثلثه وإن لم يقل: «أنفذوه»، وهذا القول كأنَّه أصحُّ.
•••
[٣٠٨٥] مسألة: قال: ومن أوصى في جاريةٍ له أن تُخَيَّرَ: «فإن شاءت بِيعت، وإن شاءت أُعْتِقَتْ»، فيُعْتِقُهَا بعض من وَرِثَهَا، فليس عِتْقُهُ بشيءٍ، فإن اختارت البيع بِيعَتْ (١).
• إِنَّمَا قالَ ذَلِكَ؛ لأنَّ المُوصِي قد جعل الخيار إلى الجارية في ذلك، وذلك جائزٌ له إذا كانت ثُلُثَ ماله، فلا يجوز لأحدٍ أن يُبْطِلَ لها الخيار؛ لأنَّ في إبطالِ ذلك إبطالُ الوصيَّة، وذلك غير جائزٍ.
فلذلك قال: «إنَّ عِتْقَ وارثها ليس بشيءٍ»؛ لأنَّهُ خلاف ما أوصى به الموصِي.
ولا يجوز أيضاً عتق الوارث لها عن نفسه؛ لأنَّهُ لا يملكها، فكان لها الخيار على ما أوصى سَيِّدُهَا.
•••
[٣٠٨٦] مسألة: قال: ومن أوصى: «في جَارِيَةٍ له أن تُبَاعَ رَقَبَةً»، فأحبَّت البيعَ على العِتْقِ:
• إن كانت رائعةً، بيعت بغير شرطٍ.
стр. 2554
• وإن كانت خادماً بمرِّ السّنين، بيعت رقبةً (١).
• إِنَّمَا قالَ ذَلِكَ؛ لجواز أن يكون قال: «إن أحبَّت ذلك»، فيخيّرها فيه.
ويجوز أن يكون إذا كان عِتْقُهَا ضررَاً عليها، لم تُبَعْ بشرط العتق.
•••
[٣٠٨٧] مسألة: قال: ومن أوصى: «لِرَجُلٍ بِعَبْدٍ في وَصِيَّتِهِ»، فَمَالُهُ لمن أوصى له به، وهو مخالفٌ للصَّدَقَةِ، والهبة، وهو بالعتق أشبه (٢).
• إنَّما قال ذلك؛ لأنَّ الوصيّة يراد بها في الأغلب القربة إلى الله ، فوجب أن يَتْبَعَ العبدَ مالُهُ، كما يتبعه في العتق؛ لأنَّ العتق قربةٌ إلى الله تعالى.
وليس كذلك الهبة والصّدقة في حال حياة الإنسان؛ لأنَّه قد يجوز أن يكون ذلك لسببٍ غير القربة، كاتخاذ يَدٍ عنده، أو مكافأةٍ على يدٍ.
وقد قال مالكٌ فيمن أوصى لرجلٍ بعبدٍ أو وَهَبَهَ له أو تصدَّق به عليه: «فماله للموصِي والواهب والمتصدِّقِ»، بمنزلة البيع، وليس بمنزلة العتق.
وهذا أصحُّ؛ لأنَّ العتق خروجٌ من حال الرّقِّ إلى حال الحريَّة الَّتِي لا تُجَوِّزُ لأحدٍ ماله، فوجب أن يتبعه ماله.
فأمَّا إذا كان خروجه إلى رِقٍّ، فماله للَّذي كان له، وذلك بمنزلة البيع؛ لأنَّهُ خروجٌ من ملكٍ إلى ملكٍ، وقد قال النَّبيُّ ﷺ : «مَنْ بَاعَ عَبْدَاً، فَمَالُهُ لِلْبَائِعِ، إِلَّا
стр. 2555
أَنْ يَشْتَرِطَهُ المُبْتَاعُ» (١)، رواه الزُّهريُّ، عن سالمٍ، عن أبيه، عن النَّبيِّ ﷺ ، وقال: «مَنْ أَعْتَقَ عَبْدَاً، تَبِعَهُ مَالُهُ»، رواه اللّيث بن سعدٍ، عن عبيد الله بن أبي جعفر، عن بكير بن الأشجِّ، عن ابن عمر (٢)، عن النَّبيِّ ﷺ (٣).
•••
[٣٠٨٨] مسألة: قال: ومن أوصى في أَمَةٍ له: «أن تُعْتَقَ إِنْ وسعها ثُلُثِي»، فلم تخرُجْ:
• فإن كان الَّذِي بَقِيَ شيئاً له بالٌ، لم تُعْتَقْ.
• وإن كان يسيرَاً، لم أر أن تُمْنَعَ من العتقِ (٤).
• إِنَّمَا قالَ ذَلِكَ؛ لأنَّ اليسير، مثل: الدِّينار أو نحوه، لا يجِبُ منعُهَا من الحريَّة من أجله، فوجب عتقها، وتُتْبَعُ في ذمَّتِها بما بقي عليها من زيادة الثُّلث؛ لأنَّ في ذلك تنفيذ الوصيَّة، وحصول حريَّتها من غير ضررٍ على الورثة؛ لأنَّهم يتبعونها في ذمَّتِها بما زاد على الثُّلُثِ.
•••
стр. 2556
[٣٠٨٩] مسألة: قال: ومن أوصى: «أن تُشْتَرى رقَبَةٌ (١)»، فقيل له: «جاريةُ فلانٍ لها فضلٌ»، قال: «اشتروها»، فاشتُرِيت بعشرين، ثمَّ مات، قال: هي من الثُّلث (٢).
• إِنَّمَا قالَ ذَلِكَ؛ لأنَّ كلام الموصِي إِنَّمَا خرج على عتقٍ يقع في الثّلث، فوجب أن يكون من الثُّلث.
•••
[٣٠٩٠] مسألة: قال: ومن أوصى: «بعِتْقِ رَقِيقِهِ»، أُعْتِقُوا ولم يُعْتَقْ رقِيقُهُم، وأُقِرُّوا مماليك في أيديهم (٣).
• إِنَّمَا قالَ ذَلِكَ؛ لأنَّ رقيق عبيده ليسوا بملكٍ للسيِّد فيجب عتقهم، وإنّما أوصى بعتق عبيده دون عبيد عبيده، فوجب عِتْقُ عبيده دون غيرهم.
•••
[٣٠٩١] مسألة: قال: ومن أوصى: «بدينٍ لوارثٍ أو غيره»، فأُبْطِلَ (٤) بعض ذلك، عَتَقَ العبد وإن لم يتمَّ إلَّا به (٥).
стр. 2557
• إنَّما قال ذلك؛ لأنَّ ذلك مالٌ له قد عَلِمَهُ، فوقع العتق فيه، - أعني: ما بطل من الوصيّة بالدَّين للوارث أو غيره مِمَّنْ لا تجوز الوصيّة له -.
وقد قال مالكٌ: إنَّ المدَبَّرَ يدخل فيما عَلِمَ من ماله وفيما لم يَعْلَمْ، فيجب أن يكون العتق مثله، لتأكيد حرمته وقوَّة سببه.
•••
[٣٠٩٢] (١) مسألة: قال: وإذا أوصى بوصيَّةٍ لوارثٍ أو غير وارثٍ، عَتَقَ العَبْدُ ولم تضرّه الوصايا (٢).
• إِنَّمَا قالَ ذَلِكَ؛ لقوَّة حرمة الحريَّة ووجوب تقدِمَتِها على غيرها من الوصايا.
وهذا إذا كان عِتْقُ عبدٍ بعينه يملكه، أو أوصى بشراء عبدٍ بعينه، فَأَمَّا إذا لم يكن، فهو وسائر الوصايا سواءٌ.
•••
[٣٠٩٣] مسألة: قال: ومن أوصى لعبده: «بعشرة دنانير من ثمنه»، فليس ذلك عتقاً فيه (٣).
стр. 2558
• إِنَّمَا قالَ ذَلِكَ؛ لأنَّهُ لم يُمَلِّكِ العبدَ من نفسه شيئاً يجب عتقه به، وإنّما مَلَّكَهُ دنانير أوصى له بها، فوجب دفعها إليه.
•••
[٣٠٩٤] مسألة: قال: ومن أوصى من هؤلاء الملوك في جَوَارِ له: «أن يُعْتَقْنَ إلى سبعين سنَةً»، فذلك ضررٌ، ولا تَنْفُذُ وصيَّته، ويَنْظُرُ في ذلك الإمامُ: فإمَّا باعَ، وإمّا أعتق (١).
• قد ذكر مالكٌ العلَّة في ذلك وقال: «لأنه ضررٌ»، وقد قال النَّبيُّ ﷺ : «لَا ضَرَرَ وَلَا إِضِرَارَ».
رواه مالكٌ، عن عمرو بن يحيى المازني، عن أبيه، عن النَّبيِّ ﷺ (٢).
وقد وصله عن أبي سعيدٍ، عن النَّبيِّ ﷺ ، غير مالكٍ (٣).
فوجب رفع الضَّرر عنهنَّ؛ لأنَّ الموصي إذا أوصى بمعصيةٍ لم تَنْفُذْ وصيَّته؛ إذ لا طاعة لأحدٍ في معصية الله تعالى.
•••
[٣٠٩٥] مسألة: قال: ومن أوصى: «بعتق رقبَةٍ»، بدنانير مُسَمَّاةٍ، فوُجِدَ
стр. 2559
رقَبَةٌ، فأبى أهلها أن يبيعوها بذلك، فأعطتهم الجارية دنانير نَقَدَتهم إيَّاهم على أن يبيعوها، فلا بأس بذلك، وإنّما يكره أن تَكْتبها عليها (١).
• إِنَّمَا قالَ ذَلِكَ؛ لأنَّهم إذا أعطتهم الدَّنانير نقداً، فكأنهم انتزعوا مالها وباعوها، وذلك جائزٌ، وإذا كتبوا ديناً عليها، فلا يجوز؛ لأنَّ في ذلك ضرراً على المشتري، ولم يأذن في ذلك.
•••
[٣٠٩٦] مسألة: قال: ومن أوصى: «أنَّ كلَّ عبدٍ لي مسلم حرٌّ»، وله عبيدٌ مسلمون ونصارى يوم أوصى، فأسلم قبل أن يموت بعض رقيقه، فلا يَعْتَقُ منهم إلَّا من كان مسلماً يوم أوصى.
وكذلك لو قال: «إن متُّ في سفري هذا، فكلّ مملوكٍ لي مسلم حرٌّ» (٢).
• إِنَّمَا قالَ ذَلِكَ؛ لأنَّهُ لم يقصد إلَّا عتق من كان مسلماً في وقت الوصيّة عند مرضه أو سفره، فلا يعتق غيره مِمَّنْ أسلم بعد ذلك؛ لأنَّهُ لم يُرِدْ عتقه.
•••
[٣٠٩٧] مسألة: قال: ومن أوصى: «بعِتْقِ رَقَبَةٍ»، ولم يُسَمِّ ثمناً، وأوصى بوصايا، فَإِنَّهُ يُنْظَر إلى مال الميّت:
• فإن كان واسعاً، رُفِعَ في قيمة الرَّقبة.
стр. 2560
• وإن لم يكن واسعاً، جُعِلَت من قدر المال، ثمَّ يحاصُّ بها أهلُ الوصايا (١).
• إِنَّمَا قالَ ذَلِكَ؛ لأنَّ هذا إِنَّمَا هو قدر قلَّةِ المال وكثرته، يجتهد في ذلك الوصيُّ على حسب ما يرى، إذ لا يُقْدَرُ فيه على أكثر من ذلك.
•••
[٣٠٩٨] مسألة: قال: ومن أوصى: «أن يباع غلامه مِمَّنْ أحبّ»، ولم يترك مالاً يكون في ثُلُثِه، فإمَّا باعوا، وإِمّا أعتقوا ثلثه بَتْلَاً (٢).
• إِنَّمَا قالَ ذَلِكَ؛ لأنَّ سيَّد العبد أراد بوصيَّته ببيعه مِمَّنْ أحبَّ إدخال المنفعة على العبد، فإمَّا باعه الورثة مِمَّنْ أحبّ، وإمّا أعتقوا ثلثه، لا بد لهم من أحد الأمرين؛ لأنَّهُ لا بدَّ من تنفيذ الوصيَّة، إمَّا على ما أوصى به المُوصِي، أو جَعْلِ ذلك في الثّلث إن كان فيها تعدٍّ أو حملٌ على الورثة، وقد بيَّنَّا هذا فيما تقدَّم (٣).
•••
[٣٠٩٩] مسألة: قال: ومن قال: «اشتروا هذا الغلامَ بما قام فأعْتِقُوه في ثُلُثِي»، فامتنع القوم إلَّا بالثُّلث، فلا يُزَادُوا على: القيمة وثُلُثِ قيمة العبد، فإن باعوا، وإلَّا لم يكن عليهم غير ذلك.