[٣٠٨٩] مسألة: قال: ومن أوصى: «أن تُشْتَرى رقَبَةٌ (١)»، فقيل له: «جاريةُ فلانٍ لها فضلٌ»، قال: «اشتروها»، فاشتُرِيت بعشرين، ثمَّ مات، قال: هي من الثُّلث (٢).
• إِنَّمَا قالَ ذَلِكَ؛ لأنَّ كلام الموصِي إِنَّمَا خرج على عتقٍ يقع في الثّلث، فوجب أن يكون من الثُّلث.
•••
[٣٠٩٠] مسألة: قال: ومن أوصى: «بعِتْقِ رَقِيقِهِ»، أُعْتِقُوا ولم يُعْتَقْ رقِيقُهُم، وأُقِرُّوا مماليك في أيديهم (٣).
• إِنَّمَا قالَ ذَلِكَ؛ لأنَّ رقيق عبيده ليسوا بملكٍ للسيِّد فيجب عتقهم، وإنّما أوصى بعتق عبيده دون عبيد عبيده، فوجب عِتْقُ عبيده دون غيرهم.
•••
[٣٠٩١] مسألة: قال: ومن أوصى: «بدينٍ لوارثٍ أو غيره»، فأُبْطِلَ (٤) بعض ذلك، عَتَقَ العبد وإن لم يتمَّ إلَّا به (٥).
стр. 2557
• إنَّما قال ذلك؛ لأنَّ ذلك مالٌ له قد عَلِمَهُ، فوقع العتق فيه، - أعني: ما بطل من الوصيّة بالدَّين للوارث أو غيره مِمَّنْ لا تجوز الوصيّة له -.
وقد قال مالكٌ: إنَّ المدَبَّرَ يدخل فيما عَلِمَ من ماله وفيما لم يَعْلَمْ، فيجب أن يكون العتق مثله، لتأكيد حرمته وقوَّة سببه.
•••
[٣٠٩٢] (١) مسألة: قال: وإذا أوصى بوصيَّةٍ لوارثٍ أو غير وارثٍ، عَتَقَ العَبْدُ ولم تضرّه الوصايا (٢).
• إِنَّمَا قالَ ذَلِكَ؛ لقوَّة حرمة الحريَّة ووجوب تقدِمَتِها على غيرها من الوصايا.
وهذا إذا كان عِتْقُ عبدٍ بعينه يملكه، أو أوصى بشراء عبدٍ بعينه، فَأَمَّا إذا لم يكن، فهو وسائر الوصايا سواءٌ.
•••
[٣٠٩٣] مسألة: قال: ومن أوصى لعبده: «بعشرة دنانير من ثمنه»، فليس ذلك عتقاً فيه (٣).
стр. 2558
• إِنَّمَا قالَ ذَلِكَ؛ لأنَّهُ لم يُمَلِّكِ العبدَ من نفسه شيئاً يجب عتقه به، وإنّما مَلَّكَهُ دنانير أوصى له بها، فوجب دفعها إليه.
•••
[٣٠٩٤] مسألة: قال: ومن أوصى من هؤلاء الملوك في جَوَارِ له: «أن يُعْتَقْنَ إلى سبعين سنَةً»، فذلك ضررٌ، ولا تَنْفُذُ وصيَّته، ويَنْظُرُ في ذلك الإمامُ: فإمَّا باعَ، وإمّا أعتق (١).
• قد ذكر مالكٌ العلَّة في ذلك وقال: «لأنه ضررٌ»، وقد قال النَّبيُّ ﷺ : «لَا ضَرَرَ وَلَا إِضِرَارَ».
رواه مالكٌ، عن عمرو بن يحيى المازني، عن أبيه، عن النَّبيِّ ﷺ (٢).
وقد وصله عن أبي سعيدٍ، عن النَّبيِّ ﷺ ، غير مالكٍ (٣).
فوجب رفع الضَّرر عنهنَّ؛ لأنَّ الموصي إذا أوصى بمعصيةٍ لم تَنْفُذْ وصيَّته؛ إذ لا طاعة لأحدٍ في معصية الله تعالى.
•••
[٣٠٩٥] مسألة: قال: ومن أوصى: «بعتق رقبَةٍ»، بدنانير مُسَمَّاةٍ، فوُجِدَ
стр. 2559
رقَبَةٌ، فأبى أهلها أن يبيعوها بذلك، فأعطتهم الجارية دنانير نَقَدَتهم إيَّاهم على أن يبيعوها، فلا بأس بذلك، وإنّما يكره أن تَكْتبها عليها (١).
• إِنَّمَا قالَ ذَلِكَ؛ لأنَّهم إذا أعطتهم الدَّنانير نقداً، فكأنهم انتزعوا مالها وباعوها، وذلك جائزٌ، وإذا كتبوا ديناً عليها، فلا يجوز؛ لأنَّ في ذلك ضرراً على المشتري، ولم يأذن في ذلك.
•••
[٣٠٩٦] مسألة: قال: ومن أوصى: «أنَّ كلَّ عبدٍ لي مسلم حرٌّ»، وله عبيدٌ مسلمون ونصارى يوم أوصى، فأسلم قبل أن يموت بعض رقيقه، فلا يَعْتَقُ منهم إلَّا من كان مسلماً يوم أوصى.
وكذلك لو قال: «إن متُّ في سفري هذا، فكلّ مملوكٍ لي مسلم حرٌّ» (٢).
• إِنَّمَا قالَ ذَلِكَ؛ لأنَّهُ لم يقصد إلَّا عتق من كان مسلماً في وقت الوصيّة عند مرضه أو سفره، فلا يعتق غيره مِمَّنْ أسلم بعد ذلك؛ لأنَّهُ لم يُرِدْ عتقه.
•••
[٣٠٩٧] مسألة: قال: ومن أوصى: «بعِتْقِ رَقَبَةٍ»، ولم يُسَمِّ ثمناً، وأوصى بوصايا، فَإِنَّهُ يُنْظَر إلى مال الميّت:
• فإن كان واسعاً، رُفِعَ في قيمة الرَّقبة.
стр. 2560
• وإن لم يكن واسعاً، جُعِلَت من قدر المال، ثمَّ يحاصُّ بها أهلُ الوصايا (١).
• إِنَّمَا قالَ ذَلِكَ؛ لأنَّ هذا إِنَّمَا هو قدر قلَّةِ المال وكثرته، يجتهد في ذلك الوصيُّ على حسب ما يرى، إذ لا يُقْدَرُ فيه على أكثر من ذلك.
•••
[٣٠٩٨] مسألة: قال: ومن أوصى: «أن يباع غلامه مِمَّنْ أحبّ»، ولم يترك مالاً يكون في ثُلُثِه، فإمَّا باعوا، وإِمّا أعتقوا ثلثه بَتْلَاً (٢).
• إِنَّمَا قالَ ذَلِكَ؛ لأنَّ سيَّد العبد أراد بوصيَّته ببيعه مِمَّنْ أحبَّ إدخال المنفعة على العبد، فإمَّا باعه الورثة مِمَّنْ أحبّ، وإمّا أعتقوا ثلثه، لا بد لهم من أحد الأمرين؛ لأنَّهُ لا بدَّ من تنفيذ الوصيَّة، إمَّا على ما أوصى به المُوصِي، أو جَعْلِ ذلك في الثّلث إن كان فيها تعدٍّ أو حملٌ على الورثة، وقد بيَّنَّا هذا فيما تقدَّم (٣).
•••
[٣٠٩٩] مسألة: قال: ومن قال: «اشتروا هذا الغلامَ بما قام فأعْتِقُوه في ثُلُثِي»، فامتنع القوم إلَّا بالثُّلث، فلا يُزَادُوا على: القيمة وثُلُثِ قيمة العبد، فإن باعوا، وإلَّا لم يكن عليهم غير ذلك.
стр. 2561
ولا يُعْجَلُ في ذلك، فعسى أن تطيب أنفُسُهم، أو يموت فيملك العبْدَ غيرُهُ.
وليُنْظَر على قدر ما يُرى في الاجتهاد، فإذا بلغ ذلك، فليس على الوارث أن يبتاع رقبةً بقضاءٍ من السّلطان، فإن طاب نفساً بذلك فهو أفضل (١).
• إِنَّمَا قالَ ذَلِكَ؛ لأنَّ هذا إِنَّمَا أراد شراءه، والنَّاس لا يشترون الشَّيء إلَّا بمثل ثمنه أو أزيد منه قليلاً، وذلك بزيادة الثّلث من ثمنه، هذا هو الغالب من حال النَّاس.
فإن لم يبيعوا (٢) به، فليس على الورثة غير ذلك؛ لأنَّهُ لم يُرِد عتقه إلَّا بأن يُشْتَرى بثمن مثله وزِيَادَةٍ تشبه الزِّيادة في مثله على المعروف، لا على الشَّطط والحمل على الورثة، فليس على الورثة أكثر من ذلك.
•••
[٣١٠٠] مسألة: قال: ولو قال: «بِيعُوا غلامي مِمَّنْ أحبَّ»، فَأَحَبَّ رجلاً، فقال: «لا آخذه إلَّا بعشرةٍ»، قيل للورثة: «بيعوه، وضعوا له ثلث الثَّمن»، فليس عليهم أكثر من ذلك (٣).
• إِنَّمَا قالَ ذَلِكَ؛ لأنَّهُ إِنَّمَا أراد بيعه بما يباع مثله، وذلك بثمنه، أو أقل
стр. 2562
منه بمقدار ثلث ثَمَنِه (١)، فإذا طلب بأقلَّ من ذلك، فليس ذلك على الوارث؛ لأنَّ الموصي لم يرد ذلك.
•••
[٣١٠١] مسألة: قال: وإذا أوصى: «أن يُشْتَرَى عبدٌ لبعض ورثته فيُعْتَقُ عنه»:
(فقد قيل: إنَّ الوارث والأجنبيَّ سواءٌ.
(وقيل: إذا أبى أن يبيعه بقيمته، لم يُزَدْ كما يُزَاد في الأجنبيّ (٢)، وهذا أحبّ إلينا (٣).
• إنَّما قال: «إنَّ الوارث والأجنبيَّ سواءٌ»؛ لأنَّهُ أراد إيصال المنفعة إلى العبد الموصي بعتقه، ولم يرد بذلك إيصال المنفعة إلى الوارث، فلا فرق في ذلك بين الوارث والأجنبيّ؛ لأنَّهُ لم يكن قصده في هذا الوصيّة للوارث.
ووجه القول الآخر - أنَّه لا يُزَادُ -: لأنَّ في ذلك وصيّةً لوارثٍ، ولا تجوز
стр. 2563
الوصيّة للوارث، إلَّا أن يجيز الورثة، ولم يُرِدْ بهذا العبدَ، وإنّما أراد المنفعة لوارثه مع عتق العبد، وهذا القول كأنَّه أولى، والله أعلم.
•••
[٣١٠٢] مسألة: قال: ومن أوصى: «أن يُباع عَبْدُهُ مِمَّنْ يُعْتِقُهُ»، فَإِنَّهُ يوضَعُ ثُلُثُ ثمنه، فإن لم يوجد من يشتريه إلَّا بالنِّصف، فلا يُوضع إلَّا الثُّلُث.
وقد قيل: يباع بما أُعْطِيَ، ويُجْعَلُ في ثلث الميِّتِ، والأوَّل أعجب إلينا (١).
• إنَّما قال: «إنَّه لا يباع بحطيطةٍ أكثر من ثُلُثِ ثمنه»؛ فلأنَّه إِنَّمَا أوصى ببيعه على ما يتعارفه النّاس من بيوعهم، وليس يَعْرِفُون في بيوعهم حطيطةً أكثر من هذا، ولم يُرِدْ إخراجه عن ملكه على غير وجه البيع.
ووجه القول الآخر: أنَّه إِنَّمَا أراد بالوصيّة أيضاً (٢) المنفعة للعبد بعتقه، فإمَّا باعوه بما جاء من الثَّمَن، وإلا أَعْتَقُوه من ثلثه، بالغاً ما بلغ ثلثه، وكأنَّ وجه القول الأوّل أبيَنُ.
•••
[٣١٠٣] مسألة: قال: ومن قال: «بيعوا عبدي مِمَّنْ أحبَّ»، فقال: «أحِبُّ فلاناً»، فباعوه منه بثمنٍ هو قيمة العبد، ولم يُعْلِمُوه ما أوصى به الميَّت، فطلب ذلك، فلا شيء له (٣).
стр. 2564
• إِنَّمَا قالَ ذَلِكَ؛ لأنَّهُ لم يوصِ للمبتاع للعبد بشيءٍ، وإنّما قصد بالوصيّة العبدَ، فإذا اشتراه بثمنِ مثلِهِ، فقد وصل العبد إلى ما أُرِيدَ به من المنفعة، ولا شيء للمبتاع في الوصيَّة.
•••
[٣١٠٤] مسألة: قال: ومن أوصى في عبدٍ له: «أن يُبَاع مِمَّنْ يُعْتِقُهُ، ولا يُخْرَجُ من ثُلُثِهِ»، قال: فيُخَيَّرُ الورثةُ في ثلثه:
(بوضَعُ ثلث ثمن رقبته.
(وفي أن يَقْطَعُوا بثلث مال الميِّتِ (١).
• إِنَّمَا قالَ ذَلِكَ؛ لأنَّهُ لا بدَّ من تنفيذ وصيّة الميِّتِ، إمَّا بما أَوْصَى بِهِ، أو إخراجِ الثّلث فيما أوصى به إن كان ما أوصى به فيه حيفٌ على الو [رثة]، وقد بيَّنَّا هذا فيما تقدَّم (٢).
•••
[٣١٠٥] مسألة: قال: ومن أخدم عبدَاً رَجُلَاً سنيـ[ـن] ثمَّ هو حرٌّ، ثمَّ مات المُخْدَمُ، فَإِنَّهُ يَخْدِمُ ورثته بقيَّتَها، ثمَّ يَعْتَقُ.
стр. 2565
وإن مات الخادم وترك مالاً، رجع إلى ورثة الموصِي (١).
• إِنَّمَا قالَ ذَلِكَ؛ لأنَّ المُخْدَمَ قد ملك خدمة العبد السِّنين الَّتِي أخدمها، فإذا مات، ورث ذلك ورثته عنه؛ لأنَّهم قد ملكوا عنه ما كان يملكه من منافع المال والخدمة.
ومال العبد المخدَمِ إذا مات قبل تَقَضّي الخدمة لورثة الموصي؛ لأنَّهُ مات عبداً، فيورَثُ بالرقِّ؛ لأنَّ أحكامه أحكام العبد حَتَّى تنقضي سنوات الخدمة، بمنزلة العبد المعتق إلى أجلٍ، إِنَّمَا يَعْتقُ بمجيء الأجل لا ما قبله.
•••
[٣١٠٦] مسألة: قال: وإذا أوصى رجلٌ لرجلٍ: «بخدمَةِ عبدٍ حياتَهُ، فإذا مات، رجع العبد إلى ورثته»، خُيّرَ الورثَةُ إذا لم يكن له مالٌ غيره، فإن أجازُوا، وإلا أعطَوهُ ثلث العبد بَتْلَاً (٢).
• إِنَّمَا قالَ ذَلِكَ؛ لِمَا ذكرنا: أنَّ كلَّ من أوصى بما ليس له، خُيِّرَ ورثته بين إجازة ذلك، أو قطع ثُلُثِهِ وجعل الوصيّة فيه (٣)، وهذا الموصي لم يكن له أن يوصي بخدمة العبد حياته؛ لأنَّه أكثر من حصَّة الثّلث، فوجب ردُّ ذلك إلى الثّلث إن لم يُجِزْهُ الورثَةُ، فكان ثلث العبد مُلْكَاً للموصَى له بالخدمة.
•••
стр. 2566
[٣١٠٧] مسألة: قال: ومن أوصى في عبدٍ - ليس له عبدٌ غَيْره -: «أن يخدم وارثاً من ورثته سنين، ثمَّ هو حرٌّ»، فعليه أن يخدم إلى تلك السنين، ثمَّ يَعْتق، وإن أجاز الورثة للوارث الخدمة، فهو جائزٌ، وإن أبوا، فهي بينهم على كتاب الله (١).
• إنَّمَا قال ذلك؛ لأنَّهُ إِنَّمَا أعتقه بعد مدَّة الخدمة، فلا يَعْتقُ قبلها.
والخدمة فهي بين جميع الورثة إن لم يجيزوها للوارث الَّذِي أوصَى له الميِّتُ؛ لأنَّ الوصيّة للوارث لا تجوز إلَّا بإذن الورثة، ولم يَجُزْ رَدُّ عِتْقِه الَّذِي قد أوصى به الميِّت.
•••
[٣١٠٨] مسألة: قال: وإذا أوصى رجلٌ: «بثلُـ[ـثِ ما] لِهِ لرجلٍ، وبغلامٍ يخدم رجلاً ما عاش، ثمَّ هو حرٌّ»، فكان العبد هو الثُّلث، بُدِئَ بالعبد، ثمَّ نُظِرَ إلى الخدمة فتحاصّ فيها جميعاً، الَّذِي أوصى له بثلثه، والذي أوصى له بهذا، قُوِّمَ له من خدمته أو إجارته إن كانت له إجارة.
فإذا مات الَّذِي له خِدْمَةُ العبد ما عاش، عَتَقَ العبدُ (٢).
стр. 2567
• إِنَّمَا قالَ ذَلِكَ؛ لأنَّ عقد الحريّة قد ثبت لهذا العبد، لا يجوز ردُّها، فيجب أن يعتق بعد تَقَضِّي خدمته للمُخْدَمِ.
فلمَّا أوصى مع عتقه بوصايا، لم تكن له غير هذه الخدمة؛ لأنَّهُ لا سبيل له إلى أخذ أكثر من ثلث ماله بغير إذن الورثة.
فاجتَمع الموصَى له بالخدمة والموصى له بالثُّلثِ في الخدمة، لكلِّ واحدٍ بقدر ما أوصى له، تُقَوَّمُ الخدمة، ثمَّ يُنْظَرُ كم مقدارها من ثُلثه، فيجتمعان في الخدمة بحسب ذلك.
فإذا مات الَّذِي أوصِيَ له بالخدمة، عتق العبد؛ لأنَّ الَّذِي كان يحبسه عن الحريَّة الخدمة.
ولم يكن للموصى له بالثُّلُثِ شيءٌ؛ لأنَّ العتق أولى من سائر الوصايا، - إذا كان عِتْقُ عبدٍ بعينه -، لقوَّة سببه ووكود حرمته.
•••
[٣١٠٩] مسألة: قال: ومن أوصى فقال: «جاريتي تَحْضِنُ فلاناً ابني إلى أجلٍ، ثمَّ هي حرَّةٌ»، فمات الصَّبِيُّ، فإنَّها حرَّةٌ حين مات (١).
• إِنَّمَا قالَ ذَلِكَ؛ لأنَّ الَّذِي كان يحبسها عن الحريَّة حضانة الصَّبيِّ فإذا مات، صارت حرَّةً.
стр. 2568
وهذا إذا لم تكن الجارية من جواري الخدمة، وإنّما هي للحضانة، وقد قال مالكٌ هذا في غير هذا الموضع (١).
فأمَّا إذا كانت من جواري الخدمة، خَدَمَتْ ورثة الميِّت إلى تَقَضِّي مدَّة الحضانة، ثمَّ تكون حُرَّةً؛ لأنَّها كذلك أُعْتِقَتْ.
•••
[٣١١٠] مسألة: قال: ومن أخدم رَجُلاً عبده حياته، ثمَّ هو حرٌّ، فأعتقه الَّذي له الخدمة، فإنَّ عتقه جائزٌ، وإن أعتقه السيِّد لم يَجُزْ (٢).
• إِنَّمَا قالَ ذَلِكَ؛ لأنَّ عِتْقَ مَنْ لَهُ الخدمة ليس فيه إبطال حقّ غيره، وإنّما هو ترك ما كان له من الخدمة الَّتِي كانت تحبسه عن الحريَّة.
وعتق سيّده فيه إبطال حقّ المُخْدَمِ، وذلك غير جائزٍ، إلَّا أن يُجيز ذلك الَّذِي له الخدمة فيجوز؛ لأنَّهُ قد ترك حقَّه من الخدمة.
•••
[٣١١١] مسألة: قال: ومن قال له: «اخدمني سَنَةً وأنت حرٌّ»، فأَبَقَ أو مَرِضَ حَتَّى مضى الأجل، فهو حرٌّ، ولا قضاء عليه في ذلك (٣).
стр. 2569
• إنَّمَا قال: «إنه يَعْتقُ»؛ لأنَّهُ قد علَّق عتقه بمجيء السَّنة، فإذا جاءت السَّنة، عَتَقَ، وسواءٌ كان آبقاً أو مريضاً؛ لأنَّ صفة العتق قد أتت، فوقع العتق لها.
•••
[٣١١٢] مسألة: قال: ومن أوصى: «أنَّ جاريته تخدم ابنه، ثمَّ هي حرَّةٌ، فإن لم تخرج، فثلثي يُحَجُّ به»، فإنَّ الخدمة بين الورثة حَتَّى يبلغ وتَعْتَقَ (١).
• إِنَّمَا قالَ ذَلِكَ؛ لأنَّ هذا قصد الإضرار بالورثة ولم يقصد القربة في وصيَّته بالحجِّ، فوجب أن تكون خدمة الجارية حَتَّى يَبْلُغَ بين جميع الورثة، ثمَّ تَعْتِقُ؛ لأنَّ الوصيّة بعتقها لا يجوز ردُّها، وخدمتها للوارث لا تجوز إلَّا بأمر الورثة، فكانت بينهم على كتاب الله .
•••
[٣١١٣] مسألة: قال: ومن قال لجاريته في حياته أو موته: «أَرْضِعِي هذا الصَّبي سنتين وأنت حُرَّةٌ»، فمات الصَّبي قبل السَّنتين، فذلك يختلف:
(أمَّا الجارية الَّتِي للخدمة والامتهان، فلا تَعْتَقُ حَتَّى تمضي السَّنتان.
(وأمَّا الَّتِي ليست للخدمة، فلا تُسْتَعمل ولا تُمْتَهَن، وتَعْتَقُ مكانها؛ لأنَّهُ لم يُرِدْ منها غير الحضانة.
стр. 2570
وكذلك الَّذِي يوصي في الجارية بحضانة ولده، ثمَّ هي حُرَّةٌ، ثمَّ يموت الولد عن إِثْرِهِ، فإن كانت من جواري المهنة، وَرِثَ ما بقي من خدمتها وَرَثَةُ الموصِي، ولا يرثه وَرَثَةُ الموصى له (١).
• إِنَّمَا قالَ ذَلِكَ؛ لِمَا قلنا: إنَّه إِنَّمَا قصد عتقها بعد الأجل، فلا تعتق قبل ذلك إذا كانت من الجواري الَّتِي فيها الخدمة.
وتكون خدمتها بين ورثته على كتاب الله تعالى على ما بيَّنَّاه، إلَّا أن يُجِيزوا ذلك لابنه.
فأمَّا إذا كانت لغير خدمةٍ، وإنّما هي للحضانة والرَّضاع، فإنَّهَا تعتق بعد موت ابنه؛ لأنَّهُ لم يُرِدْ منها خدمة ولده، فكذلك لا تَخْدِمُ وَرَثَتَهُ.
وقوله: «إنَّ خدمتها، يرثها ورثة الموصِي»؛ فلأنَّهم قد مَلَكُوا ذلك عن الموصِي.
ولا يملكها ورثة الموصى له؛ لأنَّ الموصي إِنَّمَا جعل ذلك له، ولو مات في حال حياة الأب، لرجع ذلك إلى أبيه، فكذلك يرجع إلى ورثته لا إلى ورثة الابن.
•••
[٣١١٤] مسألة: قال: ومن أوصى: «أن تُشتَرى له رقبَةٌ بثلاثين دينارَاً»، فسام الوصِيُّ بغلامٍ، وأبى سيِّده إلَّا أربعين، فقال أخٌ له: «بِعْهُ، ولك عَلَيَّ
стр. 2571
عشرة دنانير»، ولم يعلم بذلك الوصِيُّ، فباعه وأعتقه، ثمَّ عَلِمَ بذلك، فله في ذلك مُتَكَلَّمٌ (١).
• إنَّمَا قال ذلك؛ لأنَّهُ قد شاركه في العتق وفي ثوابه، ولم يدخل المشتري على ذلك، فله في ذلك كلامٌ بأن يقول: «أنا إِنَّمَا أردت أن أنفرد بالثَّواب في العتق للَّذِي أوصاني به».
•••
[٣١١٥] مسألة: قال: وإذا [أَعْطَى] (٢) المملوكُ رجلاً مالاً على أن يشتريه من سيِّده ويُعتِقُهُ، فاشتراه بذلك المال وأعتقه، فالعتق ماضٍ، والمال الَّذِي اشتراه به لسيِّد العبد؛ لأنَّهُ مال عبده، ويتْبَعُهُ بثمنه يأخذه منه إن كان عنده شيءٌ.
وإن لم يكن عنده شيءٌ، لم يكن له عِتْقٌ، ورجع العبد إلى سيِّده.
وإن لم يكن أعتقه، رجع العبد إلى سيِّده إذا كان معسرَاً، إلَّا أن يكون عنده ثمنه (٣).
• إِنَّمَا قالَ ذَلِكَ؛ لأنَّ في مال العبد لسيّده حقّاً، فما دفعه إلى من اشتراه به فهو لسيّده؛ لأنَّهُ ماله، ويكون على المشتري ثمنه ثانيةً بدل عبده الَّذِي اشتراه، وينفذ عتقه -؛ لأنَّهُ أعتق ما قد ملكه بالشراء -، إن كان موسرَاً.
стр. 2572
فإن لم يكن موسرَاً لم يجز عتقه؛ لأنَّ عِتْقَ مَنْ عليه دينٌ غير جائزٍ إلَّا بإذن من له الدَّينُ.
ولأنَّ البائع له إِنَّمَا باعه بالنَّقد، فإذا لم ينقده المشتري الثمن، لم يجز عتقه؛ لأنَّ البائع إِنَّمَا أخرج ما له من العبد على أن يأخذ بدله في الحال - وهو الثَّمن -، فإذا لم يكن ذلك عند المشتري لعُسرِهِ، لم يجز عتقه، ورجع عبداً للبائع، إلَّا أن يرضى البائع بعتقه إيَّاه ويتْبَعُهُ بثمنه في ذمَّته، فيجوز ذلك؛ لأنَّ البائع ترك حقه.
•••
[٣١١٦] مسألة: قال: ومن أَعْطَى بعبدٍ أربعين ليُعتِقه، فأبى سيِّدُه إلَّا خمسين، فقال العبد: «لا تحرمني، وخذ منه أربعين، واكتب عليَّ عشرة دنانير في كلّ شهر»، - يعني: دينارَاً -، وذلك بِعِلْمِ المشتري، فذلك جائزٌ، والعتق ماضٍ، والولاء للمشتري (١).
• إِنَّمَا قالَ ذَلِكَ؛ لأنَّهُ إذا عَلِمَ ذلك المشتري، فقد رضِيَ أن يكون على عبده دينٌ، فيلزمه ذلك، كما يأذن له في التِّجارة فيلزَمُهُ الَّذي يستدينه.
وإن كان بغير علم المشتري، لم يلزم العبد ذلك، كما لو استدان العبد بغير إذن سيّده، أنَّ ذلك لا يلزمه، وللسيِّد أن يُبْطِل ذلك عنه.
•••
[٣١١٧] مسألة: قال: وإِن أَعْطَى بالعبد أربعين، فأبى السيِّد إلَّا خمسين،
стр. 2573
فقال العبد للسيِّد: «أنا أُشْهِدُ لك عليَّ بعشرةٍ»، ولم يعلم المشتري، ففعل فأَشْهَدَ عليه، ثمَّ باعه، فأُعْتِقَ، فليس ذلك بجائزٍ، ولا شيء له على العبد (١).
• إِنَّمَا قالَ ذَلِكَ؛ لأنَّهُ لا يجوز للبائع أن يُلْزِمَ ذِمَّةَ العبد الَّذِي باعه ديناً بغير إذن المشتري، فإذا فعل ذلك، لم يَلْزَمْ ذِمَّةَ العبد ذلك، ولم يكن له أن يتبعه في دينه وإن أُعْتِقَ، كالعبد إذا استدان بغير إذن سيِّده، لم يلزمه ذلك في ذمَّته إذا أُعْتِقَ إذا أبطل السَّيِّد عنه.
وكذلك المحجور عليه إذا استدان بغير إذن وليِّه، لم يلزمه الدَّين إذا صَلُحَتْ حاله وزال الحجر عنه (٢).
•••
стр. 2574
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
كتاب الفرائض (١)
[٣١١٨] قال عبد الله: قال مالكٌ: الأخ للأب والأمِّ، أولى بالميراث من الأخ للأب (٢).
• قال أبو بكرٍ: هذا لأنَّهُ أقوى سبباً منه؛ لأنَّهُ قد جمع رَحِمَاً وتعصيباً، فكان أولى، ولا خلاف فيه بين أهل العلم.
قال أبو بكرٍ: ما كان فيه خلافٌ بين أهل العلم، ذكرت بعض الحِجَاجِ فيه، وما كان وِفَاقَاً، ذكرتُ معنى القول فيه.
•••
[٣١١٩] مسألة: قال: والأخ للأب، أولى من ابن الأخ للأب والأمِّ (٣).
стр. 2575
• هذا؛ لأنَّ أخا الإنسان أقرب إليه من ابن أخيه، وهذا ما لا خلاف فيه.
•••
[٣١٢٠] مسألة: قال: وابن الأخ مِنْ قِبَلِ الأبَ والأمِّ، أولى من ابن الأخ من قبل الأب (١).
• هذا لأنَّهُ أوكد سبباً؛ لأنَّهُ يَنْسِبُ إلى الميِّتِ بمن جمع رَحِمَاً وتعصيبَاً، فصار أولى مِمَّنْ يَنْسِبُ إليه بالتَّعصيب وحده، وهذا ما لا خلاف فيه.
•••
[٣١٢١] مسألة: قال: وابن الأخ مِنْ قِبَلِ الأب، أولى من ابْنِ ابْنِ الأخ مِنْ قِبَلِ الأبِ والأمِّ (٢).
• هذا لأنَّهُ أقرب إلى الميِّت، فهو أولى بالميراث؛ لقربه وقوَّة سببه، وهذا ما لا خلاف فيه.
•••
[٣١٢٢] مسألة: قال: وابْنُ ابْن الأخ للأبِ، أولى من العمِّ - أخي الأب للأب والأمِّ - (٣).
стр. 2576
• هذا لأنَّ ولد أخي الإنسان أقرب إليه من عمّه؛ لأنَّ ولد أخيه هو من ولد أبيه، وعمُّهُ ولد جدِّه دون أبيه، وهذا لا خلاف فيه.
•••
[٣١٢٣] مسألة: قال: والعمَّ - أخو الأب من قِبَلِ الأب والأمِّ -، أولى من العمَّ - أخي الأب من قِبَلِ الأب - (١).
• هذا لأنَّهُ أقوى سبباً؛ لأنَّهُ قد اجتمع له القربى من جهة أبيه وأمِّه، كالأخ للأب والأمِّ، هو أولى بالميراث من الأخ للأب؛ لقوة سببه، وهذا لا خلاف فيه.
•••
[٣١٢٤] مسألة: قال: والعمُّ - أخو الأب من قِبَلِ الأب -، أولى من ابن العمِّ - أخي الأب مِنْ قِبَلِ الأب والأمِّ - (٢).
• هذا لأنَّهُ أقرب إلى الميِّت وأقوى سبباً منه، فصار أولى، كما أنَّ الأخ للأب أولى بالميراث من ابن الأخ للأب والأمِّ؛ لقرب الأخ للأب من أخيه، وبُعدِ ابن الأخ والأمِّ منه.
•••
стр. 2577
[٣١٢٥] مسألة: قال: وابن العمِّ - من قِبَلِ الأب والأمِّ -، أولى من ابن العمِّ من قِبَلِ الأب (١).
• هذا؛ لأنَّهُ أقوى سببَاً؛ لأنَّهُ يتوصَّل إلى الميِّت بمن جمع رَحِمَاً وتعصيباً، ولا خلاف في ذلك.
•••
[٣١٢٦] مسألة: قال: وابن العمِّ - للأب -، أولى من عمِّ الأب - أخي الأب من قِبَلِ الأب والأمِّ - (٢).
• هذا؛ لأنَّهُ أقرب إلى الميّت؛ لأنَّهُ من ولد جدِّه، والآخر من ولد أبي جدِّه، وجدُّ الإنسان أقرب إليه من أبي جدِّه، وكذلك ولده.
ألا ترى: أنَّ أخا الإنسان أقرب إليه من عمِّه، لأنَّ أخاه من ولد أبيه، وعمُّه من ولد جدِّهِ.
قال أبو بكرٍ: وقد ذكر مالكٌ جمله ذلك بأن قال: «أولاهم بالميراث أقعدهم به نسباً، ولو بِأَبٍ واحدٍ، فإذا اجتمعوا جميعاً من النَّسب بالميِّت فلقوه إلى أبٍ واحدٍ، فهم في الميراث سواءٌ، فإن كان بعضهم يَفْضُل بأنه ابن أخٍ للأب الَّذِي التقوا إليه لأبيه وأمِّه، ومن بَقِيَ إِنَّمَا هم بنو أخيه مِنْ قِبَل أبيه فقط، فالميراث للَّذي يفضلهم بولادة الأمِّ دونهم» (٣).
стр. 2578
فهذا جملة ما ذكره، والأصل في هذا، أَنَّهُ يُرَاعى في الأَولى بالميراث قوَّةُ السَّبب:
(فتارةً يكون باجتماع شيئين: رَحِمٍ وتَعْصِيبٍ، وإن بَعُدَتِ الولادة.
(وتارةً بأن يُقارِنَ قربُ الولادة من الميِّت التعصيبَ والرَّحمَ، فيكون أولى مِمَّنْ فيه التعصيب والرَّحم وليس له قرب ولادةٍ، وهذه جملةٌ لا خلاف بين أهل العلم فيها.
•••
[٣١٢٧] مسألة: قال: والجدُّ أبو الأب، أولى من ابن الأخ للأب والأمِّ (١).
• هذا؛ لأنَّ الجدَّ يتوصَّل إلى الميِّت بأبيه، يقول: «أنا أبو أبيه»، وابن الأخ إِنَّمَا يتوصَّل بالأب، فصارت وصلةُ ابن الأخ أبعد من الجدِّ، فضعف سببه عنه، فلذلك كان الجدُّ أولى بالميراث منه، وهذا قول جماعة أهل العلم.
•••
[٣١٢٨] مسألة: قال: وابن الأخ - مِنْ قِبَلِ الأب والأمِّ -، أولى من العمِّ - أخي الأب مِنْ قِبَلِ الأب والأمِّ - (٢).
стр. 2579
• هذا؛ لأنَّ ابن الأخ من ولد الأب، والعمّ من ولد الجدِّ، وولد الأب أولى بالميراث؛ لقربهم من الميِّت، وهذا ما لا خلاف فيه.
•••
[٣١٢٩] مسألة: قال: ولا يرث: ابن الأخ للأمِّ، ولا الجدُّ مِنْ قِبَلِ الأم، ولا عمٌّ - أخو أبٍ للأمِّ -، ولا خالٌ، ولاجَدَّة - أمِّ أبي الأمِّ -، ولا بنت أخٍ، ولا عمَّةٌ، ولا خالةٌ (١).
• إِنَّمَا قالَ ذَلِكَ؛ لأنَّ هؤلاء ليس لهم في كتاب الله فرضٌ، ولا في سنَّة رسول الله صَلَّى الله عَلَيْهِ شيءٌ مُسَمَّىً، ولا وجب إعطاؤهم شيئاً من جهة الاجتهاد؛ لأنَّ الله ورسوله قد بيَّنَا الَّذِينَ يستحقُّون المواريث وَدَلَّا عليهم، فلمَّا لم يكن لهؤلاء ذِكْرُ نصٍّ ولا دلالةٌ، لم يجز إعطاؤهم شيئاً من الميراث.
والدَّليل على أنَّ هؤلاء وغيرهم من ذوي الأرحام لا يستحقُّون شيئاً من الميراث: قول الله : ﴿وَإِنْ كَانَتْ وَاحِدَةً فَلَهَا النِّصْفُ﴾ [النساء:١١]، وقال: ﴿فَإِنْ كُنَّ نِسَاءً فَوْقَ اثْنَتَيْنِ فَلَهُنَّ ثُلُثَا مَا تَرَكَ﴾ [النساء:١١]، فلمَّا قدَّر الله ما لكلِّ واحدةٍ منهنَّ وحَصَرَهُ، لم يجز أن يُزَدْنَ عليه، فتصير البنت في استحقاق كلّ المال كالابن، وهذا يبعد، والله أعلم.
ومما يدلُّ على أنَّه لا شيء لذوي الأرحام في كتاب الله تعالى نصّاً ولا استدلالاً، قول أبي بكرٍ الصّديق ﵁ للجدَّة حين سألته الميراث: «مَا
стр. 2580
أَعْلَمُ لَكِ فِي كِتَابِ الله شَيْئَاً، وَلَا فِي سُنَّةِ رَسُولِ الله صَلَّى الله عَلَيْهِ» (١)، وكذلك قال عمر للجدَّةِ الأخرى (٢)، ولو كان لهما في كتاب الله شيءٌ، لم يذهب ذلك على أبي بكر وعمر.
فإن قيل: إنَّ الله قال: ﴿وَأُولُو الْأَرْحَامِ بَعْضُهُمْ أَوْلَى بِبَعْضٍ فِي كِتَابِ اللَّهِ﴾ [الأنفال:٧٥] (٣)؟
قيل له: هذا إِنَّمَا يَثْبُتُ به ميراث ذوي الأرحام الَّذِينَ ذكرتهم، من: العصبة، والوالد، وغيرهم؛ لأنَّ الميراث كان يُسْتَحَقُّ بالهجرة والإيمان دون القرابة والرَّحِم، فنسخ الله ذلك بقوله : ﴿وَأُولُو الْأَرْحَامِ بَعْضُهُمْ أَوْلَى بِبَعْضٍ فِي كِتَابِ اللَّهِ﴾ [الأنفال:٧٥] (٤).
فإن قيل: فقد قال الله: ﴿لِلرِّجَالِ نَصِيبٌ مِمَّا تَرَكَ الْوَالِدَانِ وَالْأَقْرَبُونَ وَلِلنِّسَاءِ نَصِيبٌ مِمَّا تَرَكَ الْوَالِدَانِ وَالْأَقْرَبُونَ مِمَّا قَلَّ مِنْهُ أَوْ كَثُرَ نَصِيبًا مَفْرُوضًا﴾ (٥)؟ (٦).
стр. 2581
قيل له: هذا لا يدلُّ على إعطائهم بالرَّحِم.
ألا ترى: أَنَّهُ قال: ﴿نَصِيبًا مَفْرُوضًا﴾، وهؤلاء فلا يستحقُّون بالفرض، وإنّما النِّساء هاهنا من جُعِلَ له فرضٌ مسمَّىً.
والدَّليل على أنَّ ذوي الأرحام لا يستحقّون الميراث بِرَحِمِهِمْ: أنَّا رأينا العمَّة لا ترث مع العمِّ شيئاً، فلو كانت مِمَّنْ يستحق الميراث بالرَّحم، لورثت مع أخيها، كالأخت أنَّها ترث مع أخيها؛ لأنَّها لَمَّا كانت ترث مُفْرَدَةً عن أخيها، فكذلك ترث إذا كانت معه، ولَمَّا لم ترث العمَّة مع أخيها، عُلِمَ بهذا أنَّها لا ترث إذا انفردت.
•••
[٣١٣٠] مسألة: قال مالكٌ: وميراث الولد من والدهم ووالدتهم: للذَّكَرِ مِثْلُ حَظِّ الأنثَيَينِ إذا كانوا رجالاً ونساءً، فإنْ كُنَّ نِسَاءً فوق اثنتينِ فلَهُنَّ ثُلُثَا ما تَرَكَ، وإن كانت واحدةً فلها النِّصفُ، فإن كان معهم أحدٌ من أهل الفرائض وكان الولد ذكراً، بُدِئَ بأهل الفرائض فَأُعْطُوا فرائضهم، وكان ما بقي: للذَّكَرِ مثل حظِّ الأنثيين (١).
• إنَّما قال هذا؛ لأنَّ الله قال: ﴿يُوصِيكُمُ اللَّهُ فِي أَوْلَادِكُمْ لِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِّ الْأُنْثَيَيْنِ فَإِنْ كُنَّ نِسَاءً فَوْقَ اثْنَتَيْنِ فَلَهُنَّ ثُلُثَا مَا تَرَكَ وَإِنْ كَانَتْ وَاحِدَةً فَلَهَا النِّصْفُ﴾ [النساء:١١].
стр. 2582
وللأنثَيَينِ الثُّلُثَانِ، بدلالة: أنَّ الواحدة إذا كانت مع الابن فلها الثّلث، وهو أقوى سبباً من البنت، فوجب أن لا تَنْقُصَ عن الثّلث مع من هو مثلها في القوَّة.
وشيءٌ آخر، وهو أنَّ الله لَمَّا جعل للأختين الثلثين لقوله: ﴿فَإِنْ كَانَتَا اثْنَتَيْنِ فَلَهُمَا الثُّلُثَانِ مِمَّا تَرَكَ﴾ [النساء:١٧٦]، وهما أبعد من البنات، فكان البنات أولى ألَّا تنقُصَ البنتان منهنَّ عن الثُّلثين.
•••
[٣١٣١] مسألة: قال: وولد الأبناء الذكور إذا لم يكن دُونهم ولدٌ، بمنزلة الولد سواءٌ، ذَكَرُهُم كَذَكَرِهم، وأُنثاهم كأنثاهم، يَرِثُون كما يَرِثُون، ويَحْجُبُون كما يَحْجُبُون (١).
• هذا، لأنَّ الله قال: ﴿يُوصِيكُمُ اللَّهُ فِي أَوْلَادِكُمْ لِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِّ الْأُنْثَيَيْنِ﴾ [النساء:١١]، وولد الولد يقَعُ عليهم اسم الولد، كما يقع على الولد الدُّنْيَةِ، فهذا ما خِلَافَ فيه (٢)، أنَّهم يرثون كما يرث الولد الدُّنْيَة، إذا لم يكن ولدٌ دُنْيَة.
•••
стр. 2583
[٣١٣٢] مسألة: قال: وإذا اجتمع ولد الصُّلْبِ وولد الابن للصُّلْبِ، فكان في ولد الصُّلْبِ ذَكَرٌ، فلا فريضة لولد الابن معهم (١).
• هذا لأنَّ ولد الصُّلْبِ أقرب، فهم أولى بالميراث، ولا خلاف في ذلك.
•••
[٣١٣٣] قال مالكٌ: وإن لم يكن فيهم ذكرٌ، وكانت ابنتان فأكثر ذلك، فَإِنَّهُ لا ميراث لبنات الابن، إلَّا أن يكون مَعَهُنَّ ذَكَرٌ - هو مِنَ المُتَوَفَّى - في قرابتهنَّ أو أبعد منهنَّ، فَإِنَّهُ يَرُدُّ على من معه في درَجَتِهِ ومن فوقه فَضْلَاً إن كان، فيقتسمونه: للذَّكر مثل حظِّ الأنثيين (٢).
• قال أبو بكرٍ: إذا استحقَّ بنات الصُّلب الثُّلُثَين، لم يكن لمن دونهم من بنات الابن شيءٌ؛ لأنَّهنَّ قد استغرقن فرض البنات.
فإذا كان معهنَّ ذَكَرٌ في درجتهنَّ أو أسفلَّ منهنَّ، كان ما بقي للذَّكَرِ مثلُ حظِّ الأنثيين؛ لأنَّهم كلّهم ولد الميِّت، والذَّكَر يُعَصِّبُهُنَّ، كما يُعَصِّب ذكورُ وَلَدِ الصُّلب للبنات اللَّواتي معهم، حَتَّى يصير ما تأخذ البنات أكثر مِمَّا يأخذه الذكور الَّذين معهنَّ، فكذلك لا يُمْنَع أن يُزَاد بنات الابن على السّدس إذا كان ذلك من جهة القسمة الَّتِي طريقها التَّعصيب لا الرَّحم.
стр. 2584
وهذا على ما قاله عليّ بن أبي طالبٍ، وزيد بن ثابتٍ، وغيرهم من أصحاب رسول الله صَلَّى الله عَلَيْهِ وعليهم (١).
•••
[٣١٣٤] مسألة: قال: وميراث الرّجل من امرأته إذا لم تترك ولدَاً أو وَلَدَ ابنٍ، النِّصْفُ، فإن تَرَكَتْ ولدَاً أو ولد ابنٍ ذكرٍ أو أنثى، فلزوجها الرُّبُعُ (٢).
• هذا؛ لأنَّ الله جلَّ وعلا قال: ﴿وَلَكُمْ نِصْفُ مَا تَرَكَ أَزْوَاجُكُمْ إِنْ لَمْ يَكُنْ لَهُنَّ وَلَدٌ فَإِنْ كَانَ لَهُنَّ وَلَدٌ فَلَكُمُ الرُّبُعُ مِمَّا تَرَكْنَ مِنْ بَعْدِ وَصِيَّةٍ﴾ [النساء:١٢]، وهذا الإجماع.
•••
[٣١٣٥] مسألة: قال: وميراث المرأة من زوجها إذا لم يترك ولَدَاً أو وَلَدَ ابنٍ، الرُّبُعُ، فإن ترك ولدَاً أو ولد ابنٍ ذكرٍ أو أنثى، فلامرأته الثُّمُنُ (٣).
• وهذا، فلأنَّ الله تعالى قال: ﴿وَلَهُنَّ الرُّبُعُ مِمَّا تَرَكْتُمْ إِنْ لَمْ يَكُنْ لَكُمْ وَلَدٌ فَإِنْ كَانَ لَكُمْ وَلَدٌ فَلَهُنَّ الثُّمُنُ مِمَّا تَرَكْتُمْ﴾ [النساء:١٢]، وولد الولد بمنزلة الولد، لا خلاف في ذلك.
•••
стр. 2585
[٣١٣٦] مسألة: قال: وميراث الأب من ابنه أو ابنته إذا مات أحدهما وترك ولداً، أو ولد ابنٍ ذكرٍ أو أنثى، فَإِنَّهُ يُفْرَضُ للأب السُّدس فريْضَةً (١).
• هذا؛ لأنَّ الله قال: ﴿وَلِأَبَوَيْهِ لِكُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا السُّدُسُ مِمَّا تَرَكَ إِنْ كَانَ لَهُ وَلَدٌ﴾ [النساء:١١] (٢)، وهذا لا خلاف فيه.
•••
[٣١٣٧] مسألة: قال: فإن لم يترك ولداً، ولا ولَدَ ابنٍ ذكرٍ أو أُنْثَى، فَإِنَّهُ يُبْدَأُ بأهل الفرائض، فيُعطَونَ فرائِضَهُم، ويكون ما بقي للأب، إلَّا أن يكون أقلَّ من السُّدُسِ، فلا يُنْقَصُ منه شيئاً (٣).
• إنَّمَا قال: «إنَّه يُبْدَأ بأهل الفرائض قبل الأب»؛ فلأنَّهم يستحقّون بالفرض المفرد، فيجب تبدِئَتُهُم به، ثمَّ يُعطَى الأب ما بقيَ؛ لأنَّ فيه رَحِمَاً وتعصيباً، يُعْطَى ما يستحقُّه بالرَّحِمِ، وما فَضَلَ عن أهل الفرض يأخذه بالتَّعصيبِ.
فإن لم يُصِبْه بالتَّعصيب شيءٌ، لم يُنْقَص عن الفرض، وهذا ما لا خلاف فيه بين أهل العلم.
فإن انفرد الأبوان بالمال، كان للأمِّ الثّلث، وما بقي فللأبِ؛ لقوله تعالى: ﴿وَوَرِثَهُ أَبَوَاهُ فَلِأُمِّهِ الثُّلُثُ﴾ [النساء:١١]، والباقي للأب بالظَّاهر والإجماع.
•••
стр. 2586
[٣١٣٨] مسألة: قال: وميراث الأمِّ من ابنها وابنتها إذا مات أحدهما وترك ولداً، أو وَلَدَ ابنٍ ذكرٍ أو أنثى، أو اثنين من الإخوة فصاعداً، ذكوراً أو إناثاً، من أمٍّ وأبٍ، أو من أَبٍ، أو مِنْ أُمٍّ، السُّدُسُ.
فإن لم يترك ولداً، ولا ولد ابنٍ، ولا اثنين من الإخوة فصاعداً، فإنَّ للأمِّ الثّلث كاملاً، إلَّا في فريضتين فقط:
(إحداهما: أن يُتَوَفَّى الرجلُ، ويترك امرأته وأبويه، فيكون لامرأته الرُّبُعُ، ولأمِّه الثّلث مِمَّا بقي، وهو الرُّبُعُ من رأس المال.
(والأخرى: أن تُتَوَفَّى المرأةُ، وتترك زوجها وأبويها، فلزوجها النِّصف، ولأمِّها الثّلث مِمَّا بقي، وهو السُّدُسُ من رأس المال.
والسُّنَّةُ: أنَّ الإخوة في الفرائض، اثنان فصاعِدَاً (١).
• إِنَّمَا قالَ ذَلِكَ؛ لأنَّ الله قال: ﴿وَلِأَبَوَيْهِ لِكُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا السُّدُسُ مِمَّا تَرَكَ إِنْ كَانَ لَهُ وَلَدٌ﴾ [النساء:١١]، فعُلِمَ أنَّ للأمِّ السُّدُسُ مع الولد.
وقال: ﴿فَإِنْ كَانَ لَهُ إِخْوَةٌ فَلِأُمِّهِ السُّدُسُ﴾ [النساء:١١]، فحُجِبَتِ الأمُّ عن الثّلث إلى السُّدُسِ بالأخوين فصاعداً.
وأمَّا إذا خلَّفت زوجاً وأبوين، فللأمِّ ثلث ما تَبَقَّى؛ لأنَّ سبيل الأبوين فيما يبقى من الميراث بعد أهل الفرائض، كسبيلهما ما لو انفردا به.
стр. 2587
وشيءٌ آخر، وهو أنَّ الله إنَّما جعل للأم الثّلث، حيث جعل للأب الثُّلثين، فلا يجوز أن يُزاد عليه.
وكذلك إذا خَلَّفَ زوجةً وأبوين، فإنَّ للأمِّ ثلث ما تبقَّى؛ لِمَا ذكرناه من الدّلالة.
وهذا قول علي وزيد وغيرهما من الصحابة (١)، وهو القياس.
•••
[٣١٣٩] مسألة: قال مالكٌ: والإخوة للأمِّ، لا يرثون مع الأب، ولا مع الجدِّ - أبي الأب -، ولا مع الولد، ولا مع ولد الابن الذَّكر والأنثى شيئاً، ويرثون فيما سوى ذلك سواءٌ، يُفْرَضُ للواحد منهم السُّدُسُ، ذكراً أو أنثى.
فإن كانوا اثنين، فلكلِّ واحدٍ منهما السُّدُسُ، فإن كانوا أكثر من ذلك، فهم شركاء في الثّلث، يقتسمونه بينهم، الذَّكر والأنثى فيه سواءٌ (٢).
• وأمَّا قوله: «لا يرث الإخوة من الأمِّ مع من ذَكَرَ»؛ فلأنَّ الله قال: ﴿وَإِنْ كَانَ رَجُلٌ يُورَثُ كَلَالَةً أَوِ امْرَأَةٌ وَلَهُ أَخٌ أَوْ أُخْتٌ﴾ [النساء:١٢]، فقيل: إنَّ الكلالة هاهنا من لا وَلَدَ له ولا والد، فمتى كان له ولدٌ وإن سَفَلَ، أو والدٌ وإن عَلَا، فلا يرث إخوته لأمِّه شيئاً؛ لأنَّ الله إِنَّمَا أعطاهم بِعَدَمِ هؤلاء، وعلى ذلك أجمع أهل العلم، وثبت بذلك مراد الله ﵎.
стр. 2588
وأمَّا قوله: «يستوي ذكرُهُم وأُنْثَاهم في الأخذ»؛ فذلك لقول الله تعالى: ﴿فَهُمْ شُرَكَاءُ فِي الثُّلُثِ﴾ [النساء:١٢].
ولأنَّهم لَمَّا استوَوا في النَّسَب الَّذِي به [أخذوا] (١)، وهي الأمُّ، وجب أن يستووا في الميراث، وهذا مِمَّا لا خلاف فيه بين أهل العلم أيضاً.
•••
[٣١٤٠] مسألة: قال مالكٌ: والإخوة للأب والأمِّ، لا يرثون مع الولد الذَّكر شيئاً، ولا مع ولد الابن، ولا مع الأب دِنْياً شيئاً، وهم يرثون مع البنات، وبنات الأبناء، إذا لم يترك [المتوفَّى] (٢) جدّاً - أبا أبٍ -.
فما فضل من المال يكونون عَصَبَةً، يُبْدَأُ بأهل الفرائض، فيُعطَون فرائضهم، فإن فَضَلَ بعد ذلك فضلٌ، كان للإخوة للأب والأمِّ، يقتسمونه على كتاب الله ذُكرانَاً وإناثاً، للذَّكر مثل حظِّ الأنثيين (٣).
• هذا؛ لأنَّهم يأخذون بالتَّعصيب كما يأخذ البنون والبنات، فيقسم المال بينهم، للذَّكر مثل حظِّ الأنثيين.
•••
стр. 2589
[٣١٤١] مسألة: قال: ولا يَرِثُ الإخوة للأب والأمِّ مع الولد الذُّكور، ولا مع وَلَدِ الابن الذّكور (١).
• مِنْ قِبَلِ أنَّ [هؤلاء] (٢) أقرب إلى الميِّتِ وأَمَسَّ رحماً به.
وكذلك الأب أقرب إليه [وأوكد] (٣) سبباً، فوجب تبدئة الأب والولد على الإخوة والأخوات، و [هذا] (٤) ما لا خلاف فيه بين أهل العلم.
•••
[٣١٤٢] قال مالكٌ: فإن لم يترك المتَوَ [فَّى] (٥) أبَاً، ولا جدّاً - أبا أبٍ -، ولا ولد (٦) ابنٍ ذَكَرٍ ولا أنثى، فإنَّ للأخت الواحدة [للأب] (٧) والأمِّ النِّصْف.
فإن كانتا اثنتين فما فوق ذلك من الأخوات، فُرِضَ لهنَّ الثُّلثَانِ، وإن كان معهنَّ أخٌ، فلا فريضة لأحدٍ من الأخوات.
стр. 2590
ويُبْدَأ بأهل الفرائض فيُعْطَون فرائضهم، فما فَضَلَ فبَيْنَ الإخوة والأخوات للأب والأمِّ، للذَّكَرِ مثل حظِّ الأنثيين، إلَّا في فريضةٍ واحدةٍ فقط اشتركوا وبنو الأمِّ فيها، حين لم يَفْضُلْ لَهُم شيءٌ (١).
• إِنَّمَا قالَ ذَلِكَ؛ لأنَّ الله ﵎ قال: ﴿إِنِ امْرُؤٌ هَلَكَ لَيْسَ لَهُ وَلَدٌ وَلَهُ أُخْتٌ فَلَهَا نِصْفُ مَا تَرَكَ﴾، إلى قوله: ﴿فَإِنْ كَانَتَا اثْنَتَيْنِ فَلَهُمَا الثُّلُثَانِ مِمَّا تَرَكَ وَإِنْ كَانُوا إِخْوَةً رِجَالًا وَنِسَاءً فَلِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِّ الْأُنْثَيَيْنِ﴾ [النساء:١٧٦]، فوجب أن يُفْرَضَ للأخت الواحدة النِّصف، وللأختين فصاعداً الثُّلثين.
فإن اجتمع إخوةٌ وأخواتٌ للأب والأمِّ، أو لأبٍ، كان المال بينهم، للذَّكَرِ مثل حظ الأنثيين.
فإن كان هناك من له فرضٌ مُسَمَّىً، بُدِئَ به؛ لأنَّ ذا الفرض أقوى مِمَّنْ يأخذ بالتَّعصيب؛ لأنَّ من له الفرض لا يسقط بوجهٍ، ومن يأخذ بالتَّعصيب فَإِنَّهُ يسقط إذا لم يبق شيءٌ من المال، فوجب تبدئة أهل الفرائض لهذه العلَّة، ولا خلاف بين أهل العلم في هذه الجملة.
فأمَّا المُشْتَرَكَةُ: فهي امرأةٌ هلكت وتركت زوجها وأمَّها وإخوتها لأبيها وأمِّها، وإخوتها لأمِّها، فللزَّوج النِّصف، وللأمِّ السُّدس، ولإخوتها لأمِّها الثّلث، ولم يفضل شيءٌ بعد ذلك، فيشترك بنوا الأب والأمِّ مع بني الأمِّ في ثُلُثِهِم؛ من أجل أنَّهم كلّهم إخوة المُتَوَفَّى لأمِّه، فوجب أن يستووا في ميراثهم عن أمِّهم؛ لأنَّ أمَّهم كلّهم واحدةٌ، فإن لم يؤكد الأب حالهم، فليس ينقصهم.
стр. 2591
وهذه المسألة تسمَّى «الحِمَارِيَّةُ»، وذلك أنَّ بَنِي الأب والأمِّ قالوا: هَبكَ أنَّ أَبَانَا حِمَارٌ، أَلَيْسَ أُمُّنَا وَاحِدَةً، فَشَرَّكَ بَيْنَهُمْ عُمَرُ بنِ الخَّطَابِ، وَزَيْدُ بنُ ثَابِتٍ ﵄ (١).
وهذا هو القول الصَّحيح، والله أعلم، وهو مذهب أهل الحجاز.
•••
[٣١٤٣] مسألة: قال مالكٌ: وميراثُ الإخوة للأب، كميراث الإخوَةِ للأب والأمِّ، ذَكَرُهُمْ كَذَكَرِهِمْ، وَأُنْثَاهُمْ كَأُنْثَاهُمْ، إِلاَّ أَنَّهُمْ لا يشاركون بني الأمِّ في المُشْتَرَكَةِ؛ لِأَنَّهُمْ خَرَجُوا مِنْ وِلَادَةِ الأُمِّ الَّتِي جَمَعَتْ أُولَئِكَ (٢).
• هذا؛ لأنَّ الله ﵎ قال: ﴿وَإِنْ كَانُوا إِخْوَةً رِجَالًا وَنِسَاءً فَلِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِّ الْأُنْثَيَيْنِ﴾ بعد أن قال: ﴿إِنِ امْرُؤٌ هَلَكَ لَيْسَ لَهُ وَلَدٌ وَلَهُ أُخْتٌ فَلَهَا نِصْفُ مَا تَرَكَ وَهُوَ يَرِثُهَا إِنْ لَمْ يَكُنْ لَهَا وَلَدٌ فَإِنْ كَانَتَا اثْنَتَيْنِ فَلَهُمَا الثُّلُثَانِ مِمَّا تَرَكَ﴾ [المائدة:١٧٦]، ولا فرق في ذلك بين الإخوة والأخوات للأب والأمِّ، والإخوة والأخوات للأب، إذا لم يكن إخوةٌ للأبِّ وأمٍّ، وهذا ما لا خلاف فيه أيضاً بين أهل العلم.
•••
[٣١٤٤] فإن لم يكن الأخوات للأب والأمِّ إلَّا واحدة، فُرِضَ لها النِّصف، ويُفرَضُ للأخوات للأب السُّدس تكملة الثُّلثين.
стр. 2592
فإن كان مع الأخوات للأب ذَكَرٌ، فلا فريضة لهنَّ (١).
• إنَّمَا قال: «إنَّه يُكَمَّل الثلثان للأخوات للأب»، مِنْ قِبَلِ أنَّ الأخوات للأب والأمِّ لم يستكمِلْنَ فرضهُنَّ، فوجب إكماله لمن هو من جِنْسِهِنَّ إذا وُجِدَ.
فأمَّا إذا استكمَلْنَ الثُّلثين - أعني: الأخوات للأب والأمِّ -، لم يكن للأخوات للأب شيءٌ؛ من قِبَلِ أَنَّهُ ليس يستحق الأخوات أكثر من الثُّلثين، سواءٌ كانوا من قِبَلِ الأب والأمِّ، أو الأبِ، إلَّا أن يكون مع الأخوات للأبِ ذَكَرٌ، فَإِنَّهُ يكون الباقي بينهم: للذَّكَرِ مثل حظِّ الأنثيين؛ لأنَّهم إِنَّمَا يأخذونه بالتَّعصيب لا بالفرض (٢).
وكذلك إذا كانت الأخت للأب والأمِّ واحدةً، وكان إخوةٌ وأخواتٌ لأبٍ، فإنَّ النِّصف الباقي لهم يقتسمونه بينهم: للذَّكَرِ مثل حظِّ الأنثيين.
•••
[٣١٤٥] قال: ويُفْرَضُ لبني الأمِّ مع بني الأب والأمِّ، ومع بني الأب، للواحد السُّدُسُ، وَلِلاثْنَيْنِ فصاعداً الثّلث، للذَّكَرِ مثل حظِّ الأنثى، هم فيه بمنزلةٍ واحدةٍ، سواءٌ الذُّكور والإناث (٣).
• هذا؛ لأنَّ الله قال: ﴿وَإِنْ كَانَ رَجُلٌ يُورَثُ كَلَالَةً أَوِ
стр. 2593
امْرَأَةٌ وَلَهُ أَخٌ أَوْ أُخْتٌ فَلِكُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا السُّدُسُ فَإِنْ كَانُوا أَكْثَرَ مِنْ ذَلِكَ فَهُمْ شُرَكَاءُ فِي الثُّلُثِ﴾ [النساء:١٢]، فقيل: إنَّ الكلالة من لا والد له ولا ولد، فوجب بهذا الظَّاهر إعطاؤهم ما قد جُعِلَ لهم، إلَّا أن يكون هناك ولدٌ أو والدٌ على ما بيَّنَّاه قبل، ولا خلاف في هذا بين أهل العلم.
•••
[٣١٤٦] مسألة: قال: ولا يرث الجَدُّ - أبو الأب - مع الأب شيئاً، وَهُوَ يُفْرَضُ لَهُ مَعَ الوَلَدِ الذَّكَرِ ومع ابن الابن السُّدسُ.
وفيما سوى ذلك: إذا لم يترك الميِّت أخاً أو أختاً لأبيه، بُدِئَ بمن شركـ[ـه] (١) من أهل الفرائض، فيُعْطَون فرائضهم، فَإِنْ فَضَلَ مِنَ المَالِ السُّدُسُ، كَانَ لَهُ، وَإِنْ لَمْ يَفْضُلْ، فُرِضَ لَهُ السُّدُسُ فَرِيضَةً (٢).
• هذا؛ لأنَّ الأب أقرب من الجدِّ؛ مِنْ قِبَلِ أنَّ الجدَّ يُدْلِي بالأب، فإذا كان من يُدْلِي به باقياً، فهو أحقُّ بالميراث.
ويُفْرَضُ له السُّدسُ مع الولد الذكور وَوَلَدِ الابنِ الذُّكور؛ من أجل ولادته لا من أجل التَّعصيب، كما يُفرض للجدَّة مع الولد الذُّكور وولد الابن الذُّكور.
فإذا لم يكن ولدٌ ذكرٌ ولا ولدُ ابنٍ ذكرٌ، وكان أحدٌ من أهل الفرائض، بُدِئَ
стр. 2594
بهم، ثمَّ كان ما بقي له إذا كان أكثر من السُّدس؛ من قِبَلِ تعصيبه، فيستحقُّ به إذا لم يكن من هو أقوى تعصيباً منه.
ولا يُنْقَصُ عن السُّدس؛ لأنَّ السُّدُسَ يأخذه بالولادة، ولا سبيل إلى تغيير فرض الولادة؛ لأنَّها لا تتغيَّر بوجهٍ.
ألا ترى: أنَّ فرض الأمِّ - الَّذِي هو السُّدس - لا يتغيَّر، وكذلك الأخت للأمِّ والأخ للأمِّ؛ من قِبَلِ أنَّ سهمهم لا يتغيَّر، ولا يختلف، وهذا ما لا خلاف فيه (١).
•••
[٣١٤٧] مسألة: قال مالكٌ: والجدُّ والإخوة للأب والأم إذا اجتمعوا، فشَرَكَهُم أحدٌ بفريضةٍ، بُدِئَ بمن شَرَكَهُم فأُعْطُوا ما فُرِضَ لهم، وما بَقِيَ بعد ذلك فللإخْوَةِ والجدِّ، للذَّكَرِ مثل حظِّ الأنثيين، إلَّا في فريضة الغَرَّاءِ وَحْدَهَا.
وهي: امرأةٌ تُوفِّيَت، وتركت زوجها، وأمَّها، وجدَّها، وأختَها لأبيها وأمِّها، فللزَّوج النِّصف، وللأمِّ الثّلث، وللجدِّ السُّدس وللأخت النِّصف، ثمَّ يُجمَع سُدُس الجدِّ ونصف الأخت، فَيُقْسَمُ بينهم، للذَّكر مثل حظِّ الأنثيين، للجدِّ ثُلثاه، وللأخت ثُلُثهُ (٢).
• قال أبو بكرٍ: إِنَّمَا يُبْدَأ بأهل الفرائض قبل الجدِّ والإخوة؛ لأنَّ من يستحقُّ بالفرض فهو آكد سبباً مِمَّنْ يستحقُّ بالتَّعصيب؛ لأنَّ أهل الفرائض لا
стр. 2595
يسقطون بوجهٍ، وأهل التَّعصيب إِنَّمَا يأخذون ما يفضل، فإن لم يَفْضُل شيءٌ لم يأخذوا شيئاً، وهذا ما لا خلاف فيه.
ومذهب مالكٍ في الجدِّ مع الإخوة، مذهب زيدٍ، يُقَاسِمُ به الإخوة متى كانت المُقَاسمة أحظّ له من ثُلثِ كلّ المال، متى انفرد الـ[ـجـ]ـدُّ (١) والإخوة بالمال، أو ما يفضل عن الفرض إن كان معهم من له فرضٌ؛ [لأن] (٢) يكون السُّدس من كلِّ المال أحظّ للجدِّ من المقاسمة ومن ثلث ما تبقَّى بعد أهل الفرائض.
فنعطيه السُّدس من المال كلِّه؛ من قِبَلِ أنَّه يستحقُّ السُّدس بالولادة، فلا يجوز أن يُنْقَص من السُّدس؛ لأنَّهُ لا يخلو منها، فوجب أن لا يُنْقَصَ عمَّا يستحقه بها.
فأمَّا مقاسمة الإخوة إلى الثّلث دون السُّدسِ؛ فلأنَّ الجدَّ لَمَّا كان يأخذ مع الولد الذُّكور السُّدس، وليس يأخذه الإخوة بوجهٍ، عُلِمَ بهذا أنَّ سبب الجدِّ آكد من الإخوة، فوجب أن يزاد عليهم، فأعطِي السُّدس بالولادة، والسُّدس الآخر زيادةً عليهم؛ لِمَا فيه من التَّأكيد.
وليس في الأصول فرضٌ يأخذه أحدٌ بسبب قربى ورَحِمِه أقلّ من السّدس،