← Фикх малики

Фикх малики · id 1326

شرح المختصر الكبير للأبهري

الأبهري

Полный текст (2 801 стр.). Показаны 2591–2630 · переход к 2596.

стр. 2591

وهذه المسألة تسمَّى «الحِمَارِيَّةُ»، وذلك أنَّ بَنِي الأب والأمِّ قالوا: هَبكَ أنَّ أَبَانَا حِمَارٌ، أَلَيْسَ أُمُّنَا وَاحِدَةً، فَشَرَّكَ بَيْنَهُمْ عُمَرُ بنِ الخَّطَابِ، وَزَيْدُ بنُ ثَابِتٍ ﵄ (١). وهذا هو القول الصَّحيح، والله أعلم، وهو مذهب أهل الحجاز. ••• [٣١٤٣] مسألة: قال مالكٌ: وميراثُ الإخوة للأب، كميراث الإخوَةِ للأب والأمِّ، ذَكَرُهُمْ كَذَكَرِهِمْ، وَأُنْثَاهُمْ كَأُنْثَاهُمْ، إِلاَّ أَنَّهُمْ لا يشاركون بني الأمِّ في المُشْتَرَكَةِ؛ لِأَنَّهُمْ خَرَجُوا مِنْ وِلَادَةِ الأُمِّ الَّتِي جَمَعَتْ أُولَئِكَ (٢). • هذا؛ لأنَّ الله ﵎ قال: ﴿وَإِنْ كَانُوا إِخْوَةً رِجَالًا وَنِسَاءً فَلِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِّ الْأُنْثَيَيْنِ﴾ بعد أن قال: ﴿إِنِ امْرُؤٌ هَلَكَ لَيْسَ لَهُ وَلَدٌ وَلَهُ أُخْتٌ فَلَهَا نِصْفُ مَا تَرَكَ وَهُوَ يَرِثُهَا إِنْ لَمْ يَكُنْ لَهَا وَلَدٌ فَإِنْ كَانَتَا اثْنَتَيْنِ فَلَهُمَا الثُّلُثَانِ مِمَّا تَرَكَ﴾ [المائدة:١٧٦]، ولا فرق في ذلك بين الإخوة والأخوات للأب والأمِّ، والإخوة والأخوات للأب، إذا لم يكن إخوةٌ للأبِّ وأمٍّ، وهذا ما لا خلاف فيه أيضاً بين أهل العلم. ••• [٣١٤٤] فإن لم يكن الأخوات للأب والأمِّ إلَّا واحدة، فُرِضَ لها النِّصف، ويُفرَضُ للأخوات للأب السُّدس تكملة الثُّلثين.

стр. 2592

فإن كان مع الأخوات للأب ذَكَرٌ، فلا فريضة لهنَّ (١). • إنَّمَا قال: «إنَّه يُكَمَّل الثلثان للأخوات للأب»، مِنْ قِبَلِ أنَّ الأخوات للأب والأمِّ لم يستكمِلْنَ فرضهُنَّ، فوجب إكماله لمن هو من جِنْسِهِنَّ إذا وُجِدَ. فأمَّا إذا استكمَلْنَ الثُّلثين - أعني: الأخوات للأب والأمِّ -، لم يكن للأخوات للأب شيءٌ؛ من قِبَلِ أَنَّهُ ليس يستحق الأخوات أكثر من الثُّلثين، سواءٌ كانوا من قِبَلِ الأب والأمِّ، أو الأبِ، إلَّا أن يكون مع الأخوات للأبِ ذَكَرٌ، فَإِنَّهُ يكون الباقي بينهم: للذَّكَرِ مثل حظِّ الأنثيين؛ لأنَّهم إِنَّمَا يأخذونه بالتَّعصيب لا بالفرض (٢). وكذلك إذا كانت الأخت للأب والأمِّ واحدةً، وكان إخوةٌ وأخواتٌ لأبٍ، فإنَّ النِّصف الباقي لهم يقتسمونه بينهم: للذَّكَرِ مثل حظِّ الأنثيين. ••• [٣١٤٥] قال: ويُفْرَضُ لبني الأمِّ مع بني الأب والأمِّ، ومع بني الأب، للواحد السُّدُسُ، وَلِلاثْنَيْنِ فصاعداً الثّلث، للذَّكَرِ مثل حظِّ الأنثى، هم فيه بمنزلةٍ واحدةٍ، سواءٌ الذُّكور والإناث (٣). • هذا؛ لأنَّ الله قال: ﴿وَإِنْ كَانَ رَجُلٌ يُورَثُ كَلَالَةً أَوِ

стр. 2593

امْرَأَةٌ وَلَهُ أَخٌ أَوْ أُخْتٌ فَلِكُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا السُّدُسُ فَإِنْ كَانُوا أَكْثَرَ مِنْ ذَلِكَ فَهُمْ شُرَكَاءُ فِي الثُّلُثِ﴾ [النساء:١٢]، فقيل: إنَّ الكلالة من لا والد له ولا ولد، فوجب بهذا الظَّاهر إعطاؤهم ما قد جُعِلَ لهم، إلَّا أن يكون هناك ولدٌ أو والدٌ على ما بيَّنَّاه قبل، ولا خلاف في هذا بين أهل العلم. ••• [٣١٤٦] مسألة: قال: ولا يرث الجَدُّ - أبو الأب - مع الأب شيئاً، وَهُوَ يُفْرَضُ لَهُ مَعَ الوَلَدِ الذَّكَرِ ومع ابن الابن السُّدسُ. وفيما سوى ذلك: إذا لم يترك الميِّت أخاً أو أختاً لأبيه، بُدِئَ بمن شركـ[ـه] (١) من أهل الفرائض، فيُعْطَون فرائضهم، فَإِنْ فَضَلَ مِنَ المَالِ السُّدُسُ، كَانَ لَهُ، وَإِنْ لَمْ يَفْضُلْ، فُرِضَ لَهُ السُّدُسُ فَرِيضَةً (٢). • هذا؛ لأنَّ الأب أقرب من الجدِّ؛ مِنْ قِبَلِ أنَّ الجدَّ يُدْلِي بالأب، فإذا كان من يُدْلِي به باقياً، فهو أحقُّ بالميراث. ويُفْرَضُ له السُّدسُ مع الولد الذكور وَوَلَدِ الابنِ الذُّكور؛ من أجل ولادته لا من أجل التَّعصيب، كما يُفرض للجدَّة مع الولد الذُّكور وولد الابن الذُّكور. فإذا لم يكن ولدٌ ذكرٌ ولا ولدُ ابنٍ ذكرٌ، وكان أحدٌ من أهل الفرائض، بُدِئَ

стр. 2594

بهم، ثمَّ كان ما بقي له إذا كان أكثر من السُّدس؛ من قِبَلِ تعصيبه، فيستحقُّ به إذا لم يكن من هو أقوى تعصيباً منه. ولا يُنْقَصُ عن السُّدس؛ لأنَّ السُّدُسَ يأخذه بالولادة، ولا سبيل إلى تغيير فرض الولادة؛ لأنَّها لا تتغيَّر بوجهٍ. ألا ترى: أنَّ فرض الأمِّ - الَّذِي هو السُّدس - لا يتغيَّر، وكذلك الأخت للأمِّ والأخ للأمِّ؛ من قِبَلِ أنَّ سهمهم لا يتغيَّر، ولا يختلف، وهذا ما لا خلاف فيه (١). ••• [٣١٤٧] مسألة: قال مالكٌ: والجدُّ والإخوة للأب والأم إذا اجتمعوا، فشَرَكَهُم أحدٌ بفريضةٍ، بُدِئَ بمن شَرَكَهُم فأُعْطُوا ما فُرِضَ لهم، وما بَقِيَ بعد ذلك فللإخْوَةِ والجدِّ، للذَّكَرِ مثل حظِّ الأنثيين، إلَّا في فريضة الغَرَّاءِ وَحْدَهَا. وهي: امرأةٌ تُوفِّيَت، وتركت زوجها، وأمَّها، وجدَّها، وأختَها لأبيها وأمِّها، فللزَّوج النِّصف، وللأمِّ الثّلث، وللجدِّ السُّدس وللأخت النِّصف، ثمَّ يُجمَع سُدُس الجدِّ ونصف الأخت، فَيُقْسَمُ بينهم، للذَّكر مثل حظِّ الأنثيين، للجدِّ ثُلثاه، وللأخت ثُلُثهُ (٢). • قال أبو بكرٍ: إِنَّمَا يُبْدَأ بأهل الفرائض قبل الجدِّ والإخوة؛ لأنَّ من يستحقُّ بالفرض فهو آكد سبباً مِمَّنْ يستحقُّ بالتَّعصيب؛ لأنَّ أهل الفرائض لا

стр. 2595

يسقطون بوجهٍ، وأهل التَّعصيب إِنَّمَا يأخذون ما يفضل، فإن لم يَفْضُل شيءٌ لم يأخذوا شيئاً، وهذا ما لا خلاف فيه. ومذهب مالكٍ في الجدِّ مع الإخوة، مذهب زيدٍ، يُقَاسِمُ به الإخوة متى كانت المُقَاسمة أحظّ له من ثُلثِ كلّ المال، متى انفرد الـ[ـجـ]ـدُّ (١) والإخوة بالمال، أو ما يفضل عن الفرض إن كان معهم من له فرضٌ؛ [لأن] (٢) يكون السُّدس من كلِّ المال أحظّ للجدِّ من المقاسمة ومن ثلث ما تبقَّى بعد أهل الفرائض. فنعطيه السُّدس من المال كلِّه؛ من قِبَلِ أنَّه يستحقُّ السُّدس بالولادة، فلا يجوز أن يُنْقَص من السُّدس؛ لأنَّهُ لا يخلو منها، فوجب أن لا يُنْقَصَ عمَّا يستحقه بها. فأمَّا مقاسمة الإخوة إلى الثّلث دون السُّدسِ؛ فلأنَّ الجدَّ لَمَّا كان يأخذ مع الولد الذُّكور السُّدس، وليس يأخذه الإخوة بوجهٍ، عُلِمَ بهذا أنَّ سبب الجدِّ آكد من الإخوة، فوجب أن يزاد عليهم، فأعطِي السُّدس بالولادة، والسُّدس الآخر زيادةً عليهم؛ لِمَا فيه من التَّأكيد. وليس في الأصول فرضٌ يأخذه أحدٌ بسبب قربى ورَحِمِه أقلّ من السّدس،

стр. 2596

فأضيف إلى سدسه الَّتِي (١) يستحقُّه بالرَّحم سُدُسَاً آخر؛ لتأكيد قرباه وسببه، فأُعطِيَ الثّلث. وشيءٌ آخر، وهو أنَّه لَمَّا كان يحْجِبُ الإخوة والأخوات للأمِّ فيمنعهم الثّلث الَّذِي لولاه أخذوه، أُعْطِيَ هو الثّلث، فهذا معنى قول مالكٍ وحجّته، والله أعلم. وفي المسألة أدلةٌ كثيرةٌ، اقتصرنا على ما ذكرناه؛ كراهية التَّطويل. فأمَّا مقاسمة الجدِّ مع الأخوات، وتركه أن يفرض للأخوات مع الجدِّ، فالحُجَّة لذلك، أنَّ الأخَ لَمَّا كان يقاسم الأخت - وهو أضعف حالاً وسبباً من الجدِّ -، وكانت الأخت تأخذ مع أخيها الثّلث، وجب أن تكون كذلك مع الجدِّ في ألَّا تأخذ أكثر من الثّلث، ولم يجُز أن يُنْقَص الجدُّ من الثُّلثين معها إذا كان أقوى سبباً من أخيها. فأمَّا الغَرَّاءُ - وهي الأَكْدَرِيَّةَ -، فَإِنَّهُ لَمَّا لم يبقَ للأختِ شيءٌ تأخذه، ولم يجز إِسقَاطُها، فُرِضَ لها ضرورةً؛ لأنَّهُ لا يجوز أن تدخل في سدس الجدِّ، ولا ثلث الأمِّ، ولا نصف الزَّوج، ولا بد من أن تُعْطَى، إذ ليس في المسألة من يمنعها ويحجبها، فاحتيج حينئذٍ إلى الفرض؛ للضَّرورة إلى ذلك، ثمَّ رجع إلى الأصل

стр. 2597

الَّذِي ذكرناه من وجوب مقاسمة الجدِّ للأخت؛ لقوَّة سببه على سبب أختها الَّتِي تقاسمها، فهذا حُجَّة مسألة الغَرَّاءِ الأَكْدَرِيَّةِ (١). ••• [٣١٤٨] مسألة: قال مالكٌ: وميراث الإخوة للأب مع الجدِّ إذا لم يكن معهم أختٌ (٢) لأبٍ وأمٍّ، كميراث الإخوة للأب والأمِّ سواءٌ، ذكرهم كذكرهم، وأنثاهم كأنثاهم. فإذا اجتمعوا جميعاً مع الجدِّ، فإنَّ الإخوة من الأب والأمِّ يُعَادُّون (٣) الجدَّ بِإِخْوَتِهِمِ لأبيهم، فيمنعوه كثرة الميراث، وَلَا يُعَادُّونَهُ بِالإِخْوَةِ لِلْأُمِّ، فما صار للإخوة من الأب من ذلك ردُّوه على الإخوة للأب والأمِّ. وكذلك لو لم يكن من إِخْوَةِ الأب والأمِّ إلَّا أختٌ واحدةٌ، وما بقي فللأب، فإنَّهَا تُعَادُّ الجَدَّ بِإِخْوَتِهَا لِأَبِيهَا، للذَّكر مثل حظِّ الأنثيين، فما حصل لها ولهم، كان لها حَتَّى تستكمل النِّصف من رأس المال كلّه، ويكون ما فضل عنه لإخوتها لأبيها، للذَّكر مثل حظ الأنثيين، فإن لم يفضل لهم شيءٌ، فلا شيء لهم (٤).

стр. 2598

• إِنَّمَا قالَ ذَلِكَ؛ لأنَّ الإخوة والأخوات للأب يأخذون بالتَّعصيب، كما يأخذ الإخوة والأخوات للأب والأمِّ، فوجب أن يَرِثوا مع الجدِّ، كما يرث الإخوة والأخوات للأب والأمِّ. فأمَّا مُعَادَّة الإخوة والأخوات للأمِّ والأب الجدَّ بالإخوة والأخوات للأبِ ليمنعوه كثرة الميراث، فالحُجَّة لذلك: أنَّ الإخوة للأب والأمِّ يحتَجُّون على الجدِّ فيقولون له: «إذا كان الإخوة والأخوات للأب لو انفردوا معك أيها الجدّ في الميراث، لوَرِثوا ولم تمنعهم من الميراث، فكذلك إذا كنَّا نحن معهم، فليس يمنع ذلك من أن يرثوا معك، ثمَّ نرجع نحن معهم إلى الأصل فنقول لهم: أنتم لا ترثون معنا شيئاً، فنأخذ من أيديهم ما كانوا أخذوه مع الجدِّ. فإن كانت أختاً واحدةً للأب والأمِّ، رجعت عليهم حَتَّى تستكمل نصف المال، وما تبقَّى فللإخوة والأخوات للأب، وإن لم يبق شيءٌ فلا شيء لهم؛ لأن هؤلاء يستحقُّون بالتَّعصيب إذا كانوا إخوةً وأخواتٍ لأبٍ، والأخت للأب والأمِّ فإنَّما تستحقُّ بالفرض، فكانت أولى؛ ولأنَّها أقرب أيضاً. فأمَّا إذا كانت أختاً واحدةً للأب والأمِّ، وإخواتٍ للأب، فإنَّ الأخت ترجع عليهم إلى تمام النِّصف، وما بقي فلهم؛ لأنَّهُ لَمَّا لم يجز أن يُفْرَضَ لهنَّ مع الجدِّ، وكانت القسمة حكمهم، لم يكن بُدٌّ أن يكون على ما وصفناها، ثمَّ يُرْجَعُ إلى الأصل في ميراث الإخوة والأخوات من الأب والأمِّ والإخوة والأخوات من الأب، فيكون الحكم بينهم على ما أوجبه الله جلَّ وعزَّ، ثمَّ على ما فسَّرناه، والله أعلم. •••

стр. 2599

[٣١٤٩] مسألة: قال مالكٌ: والجدَّة - أمُّ الأمِّ - لا ترث مع الأمِّ شيئاً، والجدَّة - أمُّ الأب - لا ترث مع الأب شيئاً، وهي فيما سوى ذلك، يُفْرَضُ لها السُّدُسُ فريضةً (١). • إنَّمَا قال: «إنَّ الجدَّة - أمّ الأمِّ - لا ترث مع الأمِّ شيئاً»؛ لأنَّها إِنَّمَا تُدْلِي بها، فمحالٌ أن تأخذ سهم من تدلي بها مع وجودها، كما كان الجدُّ لا يرث مع الأبِ؛ لأنَّهُ يُدلي بالأب فلا يرث معه. وكذلك الجدَّة - أمُّ الأب - لا ترث مع الأب؛ لأنَّها تُدْلِي به، فلا يجوز أن تأخذ الميراث، ومَنْ تُدْلِي به مُستَحِقٌّ للميراث. وقوله: «يُفْرَضُ للجدَّةِ السُّدس»، فكذلك لأنَّ رسول الله صَلَّى الله عَلَيْهِ أعطاها السُّدس. ولأنَّ لها ولادةً، فوجب أن تستَحِقَّ بها السُّدس، كما كان الجدُّ يستحقُّ السُّدسَ مع الولد الذُّكور لولادته، وهذا لا خلاف فيه بين أهل العلم. ••• [٣١٥٠] مسألة: قال: ولا ترث الجدَّةُ - أمُّ الأب - مع الأمِّ شيئاً (٢).

стр. 2600

• هذا؛ لأنَّ الأمَّ لَمَّا كانت تمنع الجدَّة أمّ الأمِّ الميراث - وهي أقوى الجدَّات سبباً؛ لأنَّها تُدلي بالأمِّ -، وجب أن تَمْنَع الَّتِي من جهة الأب. ••• [٣١٥١] مسألة: قال: وإذا اجتمع الجدَّتان جميعاً، وليس معهما أمٌّ ولا أبٌ: • فإن كانت أمُّ الأمِّ أَقْعَدَاهُمَا (١)، فلها السُّدس دونها. • وإن كانت أمُّ الأب أقْعَدُ، أو كانتا في القُعْدُدِ سواءٌ، فإنَّ السُّدس بينهما نصفان. ولا يرث من الجدَّات إلَّا جدَّتان (٢). • إنَّما قال: «إذا كانت أمُّ الأمِّ أقعد كانت أولى بالسُّدس»؛ من قِبَلِ أنَّها قد جمعت أمرين: قرب المنزلة، وتأكيد القرابة. ألا ترى: أنَّ ابنتها - الَّتِي هي الأمُّ - تمنع الجدَّات الميراث؛ لقوَّة سبب الأمِّ، فكذلك الجدَّة الَّتِي هي أمُّها، يجب أن تمنع غيرها من الجدَّات الميراث إذا

стр. 2601

كانوا في درجتها، إلَّا أن يَبْعُدَ قُربها ومنزلتها ويقرب منزلة الَّتِي من جهة الأب، فيقاوم قربَهَا وتأكيد سَبَبِها قُرْبُ منزلة الَّتِي من قِبَلِ الأب، فيشتركان في السُّدس. ولا يرث غيرهما من الجدات؛ مِنْ قِبَلِ أنَّ أصل ميراث الأجداد والجدَّات الأبوان، فإذا عُدِموا، ورث اللَّذان يدلي بهما، وهم الجدُّ والجدَّات، فالجدُّ - أبو الأب -، والجدَّات - أمُّ الأمِّ وأمُّ الأب - دون من سواهم من الأجداد والجدَّات. وجميع ما ذكرناه قول زيد بن ثابتٍ وغيره مِنْ بعده مِنْ علماء التَّابعين بالمدينة، وهو قول مالكٍ كلّه. •••

стр. 2602

كتاب الفرائض السُّنَّة في المواريث [٣١٥٢] مسألة: قال مالكٌ: ولا يرث المسلمُ الكافرَ، ولا العبدُ الحرَّ، ولا يتوارث أحدٌ من الأعاجم، إلَّا أحدٌ وُلِدَ في الإسلام (١). • قوله: «لا يرث المسلمُ الكافرَ»؛ فلما رواه مالكٌ، عن ابن شهابٍ، عن علي بن حسينٍ، عن عمرو بن عثمان (٢)، عن أسامة بن زيدٍ، أنَّ رسول الله ﷺ قال: «لا يَرِثُ المُسْلِمُ الكَافِرَ، وَلَا الكَافِرُ المُسْلِمَ» (٣). وروى سفيان، عن عمرو بن شعيبٍ (٤)، عن أبيه، عن جدِّه، عن النَّبيِّ ﷺ قال: «لَا يَتَوَارَثُ أَهْلُ مِلَّتَيْنِ شَتَّى».

стр. 2603

وقوله: «لا يرث العبدُ الحرَّ»؛ فلعدم التَّساوي بينهما في الحرم واختلافهما، والمواريث إِنَّمَا تكون باتِّفاق الحرم، فمتى اختلفت بكفرٍ أو رِقٍّ، لم يَكُنِ التَّوارث. وقوله: «لا يتوارث أحدٌ من الأعاجم إلَّا من وُلِدَ في العرب»؛ فلأنَّا لا نعلم صحَّة نَسَبِهم الَّذِي يَدّعونه، فلم يجز أن يَتَوارَثُوا به؛ لأنَّهم قد يَدَّعون أرحاماً وقرابةً ليست بينهم. وقد روى إبراهيم الحربيّ (١)، عن ابن عائشة (٢)، عن حمادٍ (٣)، عن حميدٍ (٤)

стр. 2604

قال: «إِنَّمَا مَنَعَ عُمَرُ بْنُ الخَطَّابِ ﵁ أَنْ يُوَرِّثَهُمْ، أَنَّ أَحَدَهُمْ كَانَ يَقُولُ لِلْمَرْأَةِ: «هَذِهِ عَمَّتِي، هَذِهِ خَالَتِي»، فَلَا يَثْبَت أَنْ يَتَزَوَّجَهَا» (١). وروى حماد بن سلمة، عن علي بن زيدٍ، عن يوسف بن مهران (٢)، عَنِ ابْنَ عَبَّاسٍ ﵁: «كَانَ لَايُوَرِّثُ الحُمَلَاءَ (٣)» (٤). وروى جريرٌ، عن ليثٍ، عن حمادٍ، عن إبراهيم: «لَمْ يَكُنْ أَبُو بَكْرٍ ولا وَلَا عُمَرُ وَلَا عُثْمَانُ يُوَرِّثُونَ الحَمِيلَ» (٥)، يعني: إذ لم تكن له بيِّنَةٌ. ••• [٣١٥٣] مسألة: قال: مالكٌ: ومن قُتِلَ في حربٍ، أو سقط عليهم هدمٌ، أو

стр. 2605

غرقوا في نهرٍ، وهم قرابةٌ يتوارثون، فلم يُدْرَ من مات منهم قبل صاحبه، فلا يرث بعضهم بعضاً، ويرثهم ورثتهم من الأحياء (١). • إِنَّمَا قالَ ذَلِكَ؛ لأنَّ المواريث إِنَّمَا تُسْتَحَقُّ بيقين موت الموروث قبل وارثه، فإذا لم يُتَيَقَّن أيُّهما مات قبل، لم يجز أن يورث بالشكِّ؛ لأنَّ ملك الإنسان ثابتٌ، فلا يجوز نقله إلى غيره على طريق المواريث، وليس يتيقَّن أنَّه وارثه. فلهذا قال: «إنَّ بعضهم لا يرث بعضاً، ويرث كلّ واحدٍ منهم ورثَتُهُ الأحياء»؛ لأنَّه يُتَيَقَّن أنَّ هؤلاء ورثته، وما عداهم فمشكوكٌ فيه. وقد روى أحمد بن حنبل، قال: ثنا يعقوب بن إبراهيم (٢)، قال: حدثنا أبي (٣)، عن ابن إسحاق، قال: حدَّثني [مـ]ـن (٤) لا أتَّهم، عن أبي الزّناد، عن خارجة بن زيدٍ (٥)، عن أبيه زيدٍ، قال: «أَمَرَنِي [أَبُـ]ـو بَكْرٍ (٦) الصِّدِّيقُ، فَقَسَّمْتُ مِيرَاثَ أَهْلِ اليَمَامَةِ مِنَ المُسْلِمِين، [وَوَ] رَّثْتُ (٧) الأَحْيَاءَ مِنَ الأَمْوَاتِ، وَلَمْ أُوَرِّثِ الأَمْوَاتَ

стр. 2606

بَعْضَهُم مِنْ بَعْضِ، وَأَمَرَنِي عُمَرُ ﵁ فِي طَاعُونِ عَمَوَاسَ، فَفَعَلْتُ مِثْلَ ذَلِكَ» (١). وقال خارجة بن زيد: «قَسَّمْتُ مِيرَاثَ أَهْلِ الحَرَّةِ، وَالَّذِينَ أُصِيبُوا بِهَا عَامَ يَزِيدَ بنِ مُعَاوِيَةَ، وَأَصْحَابُ رَسُولِ الله ﷺ مُتَوَافِرُونَ، فَوَرَّثْتُ الأَحْيَاءَ مِنَ الأَمْوَاتِ، وَلَمْ أُوَرِّثِ الأَمْوَاتَ بَعْضَهُمْ مِنْ بَعْضٍ» (٢). وروى عبيد الله بن عمر، عن نافعٍ، قال: «مَاتَ زَيْدُ بْنُ عُمَرَ وَأُمُّهُ - أُمُّ كُلْثُومٍ بِنْتَ عَلِيٍّ ﵁ فِي لَيْلَةٍ وَاحِدَةٍ، وَلَمْ يُدْرَ أَيُّهُمَا مَاتَ أَوَّلَاً، فَصَلَّى عَلَيْهِمَا ابْنُ عُمَرَ، وَجَعَلَ زَيَدْاً مِمَّا يَلِيهِ، وَلَمْ يُوَرِّثْ بَعْضَهُمَا مِنْ بَعْضٍ» (٣). ••• [٣١٥٤] مسألة: قال مالكٌ: وإذا سقط الجنين فاستهَلَّ صارخاً، وَرِثَ (٤). . (٥) فَإِذَا لَمْ يستهِلَّ صارخاً، لم تُتَيَقَّنْ حياتُه، فلا يرث.

стр. 2607

• فإن قيل: فلم لا قلت: «إن الحركة تدلُّ على حياته»؟ قيل له: الحركة قد كانت موجودةً فيه قبل أن يَظْهَرَ وتضعه أمّه، ولم يجز أن يَرِثَ بها، فكذلك إذا ظهرت منه بعد الوضع، إذ ليس تُتَيَقَّنُ حياتُه بها على استهلاله قبل حركته وعطاسه. وقد روى معمر، عن الزُّهريِّ، عن سعيدٍ، عن أبي هريرة، أنَّ رسول الله ﷺ قال: «مَا مِنْ مَوْلُودٍ يُولَدُ إِلَّا نَخَسَهُ الشَّيْطَانُ، فَيَسْتَهِلُّ صَارِخاً مِنْ نَخْسِهِ، إِلَّا ابْنَ مَرْيَمَ وَأُمَّهُ» (١). وروى العلاء، عن أبيه، عن أبي هريرة، قال: قال رسول الله ﷺ : «كُلُّ إِنْسَانٍ تَلِدُهُ أُمُّهُ، يَلْكُزُهُ الشَّيْطَانُ فِي حِضْنِهِ، إِلَّا مَرْيَمَ وَابْنَهَا» (٢). ألا ترى: أنَّ الصَّبي إذا سقط من أمِّه كيف يصيح، فذلك حين يلكزه الشَّيطان. ••• [٣١٥٥] مسألة: قال مالكٌ: وميراث المرتدِّ لجماعة المسلمين (٣). • إِنَّمَا قالَ ذَلِكَ؛ لأنَّ المرتدَّ كافرٌ، فماله لجماعة المسلمين.

стр. 2608

(ولا يجوز أن يرثه ورثته المسلمون؛ لأنَّ رسول الله ﷺ قال: «لا يَرِثُ المُسْلِمُ الكَافِرَ» (١). (ولا أولاده الكفَّار؛ لاختلاف حرمة دينهما؛ لأنَّ المرتد لا يُبَقَّى على دينه، ولا تؤخذ منه الجزية، فكان مخالفاً لمن يُبَقَّى على دينه وتؤخذ منه الجزية. ••• [٣١٥٦] مسألة: قال مالكٌ: وميراث المنبوذ للمسلمين، وعقله عليهم (٢). • إِنَّمَا قالَ ذَلِكَ؛ لأنَّ المنبوذ لَمَّا لم تكن له عصبةٌ من جهة القرابة، كان المسلمون عصبته، فكما يعقل المسلمون عنه، فكذلك يرثونه. وقد روى سليمان بن بلبل (٣)، عن جعفرٍ، عن أبيه، عن عليٍّ قال: «المَنْبُوذُ حُرٌّ». فلا يجوز أن يملكه من التقطه؛ لأنَّهُ: • لا يخلو من أن يكون ابن حرَّةٍ، فهو حرٌّ كأمِّه. • أو ابن أَمَةٍ، فيكون عبداً لسيِّد أُمِّةِ (٤).

стр. 2609

والحديث الَّذِي رواه مالكٌ، عن الزُّهري، عن ابن حنبلٍ (١): «أَنَّهُ التَقَطَ مَنْبًوْذَاً، فَأَتَى بِهِ عُمَرَ، فَقَالَ: مَا جَرَّأَكَ عَلَى أَخْذِ هَذِهِ النَّسَمَةِ؟، قَالَ: وَجَدْتُهَا ضَائِعَةً، قَالَ: اذْهَبْ فَهُوَ حُرٌّ، وَلَكَ وَلَاؤُهُ، وَعَلَيْنَا نَفَقَتُهُ ورَضَاعُهُ» (٢)، فمعنى قول عمر ﵁: «هو حرٌّ»، إخبارٌ عن حريَّتِه، لا أنَّه استأنف حريَّته. وقوله: «ولك ولاؤه»، أي: إن مات وترك شيئاً فهو لك؛ لأنَّ للإمام أن يضع ماله حيث يراه صلاحاً. فكذلك من أسلم من الأعاجم، فحكمه حكم المنبوذ، في أنَّ عصبته المسلمون. ••• [٣١٥٧] مسألة: قال مالكٌ: ولا يرث أحدٌ إلَّا بِنَسَبِ قَرَابَةٍ أو عَتَاقَةٍ (٣). • يعني: أنَّ أحداً لا يرث، إلَّا بِنَسَبٍ، أو سَبَبٍ من صِهْرٍ، أو عتاقةٍ: (فأمَّا الأنساب، فقد ورَّث الله بها بقوله تعالى: ﴿يُوصِيكُمُ اللَّهُ فِي أَوْلَادِكُمْ لِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِّ الْأُنْثَيَيْنِ﴾ [النساء:١١]، وفي توريث الله الوالدين والإخوة وغيرهم من ذوي الأنساب والأقرباء. (ومن وَرِثَ بسببٍ، فالزَّوج والزَّوجة. (وأمّا الولاء، فيجري مجرى الأنساب في الإرث به؛ لأنَّ النَّبيَّ ﷺ قال:

стр. 2610

«الوَلَاءُ لُحْمَةٌ كَلُحْمَةِ النَّسَبِ، لَا يُبَاعُ، وَلَا يُوهَبُ» (١)، وقال النَّبيُّ ﷺ : «مَوْلَى القَوْمِ مِنْهُمْ» (٢). فأمَّا من أسلم على يدي رجلٍ، فلا ولاء له؛ لأنَّهُ لم يُعتقه، ولا بينهم قُرَابَةٌ ونَسَبٌ. وميراثه للمسلمين؛ لأنَّهم عصبته، يرثونه ويعقلون عنه. ••• [٣١٥٨] مسألة: قال مالكٌ: ومن أُلحِقَ بأبيه بعد موته، فقد وجب حقُّه في ميراثه (٣). • إِنَّمَا قالَ ذَلِكَ؛ لأنَّ نسبه قد ثبت من أبيه، فواجبٌ ميراثه منه؛ لثبوت نسبه. ••• [٣١٥٩] مسألة: قال مالكٌ: ويرث ولد المُلَاعَنَةِ وولد الزِّنا أُمَّه، وتَرِثُ حقَّها منه، ويرث ما بَقِيَ مواليها إنْ كَانَتْ مَوْلاةً، وإن كانت عربيةً ورثت حقَّها، وورِثَ ما بقي من ماله المسلمون (٤). • أمَّا توريثه أمَّ ولد الزِّنا والملاعَنَةِ؛ فلأنَّهما من الأمَّهات الَّتِي

стр. 2611

قد فرض الله لهنَّ في كتابه بقوله: ﴿وَوَرِثَهُ أَبَوَاهُ فَلِأُمِّهِ الثُّلُثُ﴾ [النساء:١١]، وهذا ما لا خلاف فيه. فأمَّا سائر ما بَقِيَ من ماله، فلمَوالي أُمِّه؛ لأنَّهم مَواليه؛ لأنَّ النِّعمة وصلت إليه من قِبَلِهِم لِمَا أنعموا على أمِّه، فكان ميراثه لهم. فإن كانت عربيَّةً فلا ولاء عليها لأحدٍ، ولا على ولده (١)، فما فضل من ميراثها (٢) للمسلمين؛ لأنَّهم عصبته؛ لأنَّ أولى عصبات الإنسان أقاربه، فإن لم يكونوا فأهل دينه. فعصبة المسلمون (٣) أقاربه من المسلمين، فإن لم يكن أقاربُ، فالمسلمون كلّهم عصبته، وقد قال الله : ﴿وَالْمُؤْمِنُونَ وَالْمُؤْمِنَاتُ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ﴾ [التوبة:٧١]. فإن كان لولد الملاعَنَةِ أو لولد الزِّنا إخوةٌ لأمٍّ، ورثوا منه حقوقهم، إن كان واحداً السُّدس، وإن كان اثنين فصاعداً الثّلث، على ما ذكره الله في كتابه فقال: ﴿وَإِنْ كَانَ رَجُلٌ يُورَثُ كَلَالَةً﴾، إلى قوله: ﴿فَإِنْ كَانُوا أَكْثَرَ مِنْ ذَلِكَ فَهُمْ شُرَكَاءُ فِي الثُّلُثِ﴾ [النساء:١٢] (٤). •••

стр. 2612

[٣١٦٠] مسألة: قال مالكٌ: ومن هلك وترك وَرَثَتَه ومالاً، وأوصى بثلثه: (فَإِنَّهُ يُبْدَأُ من ماله قبل كلّ شيءٍ بكَفَنِهِ وحَنُوطِهِ. (ثمَّ يُقْضَى بعد ذلك ديُنه. (ثمَّ يُنْظَرُ إلى ما بقي بعد كفنه وحَنُوطِه ودَيْنِهِ، فيُخْرَجُ منه ثُلُثُه لمن أوصى به، ويُقْسَمُ الثُّلثان الباقيان بين ورثته على كتاب الله وفرائضه (١). • وهذا الَّذِي قاله لا اختلاف فيه بين المسلمين، وهو أولى النّاس بما يستره من الكفن (٢)، مُقَدَّمَاً على الدَّين لهذا المعنى. فأمَّا التَّبدئة بالدَّين قبل الوصيّة والميراث؛ فلقول الله : ﴿مِنْ بَعْدِ وَصِيَّةٍ يُوصِي بِهَا أَوْ دَيْنٍ﴾ [النساء:١١]. وقد روى الثَّوريُّ، عن أبي إسحاقٍ، عن الحارث، عن عليّ ﵁ قال: «إِنَّكُمْ لَتَقْرَؤُونَ: ﴿مِنْ بَعْدِ وَصِيَّةٍ يُوصِينَ بِهَا أَوْ دَيْنٍ﴾ [النساء:١٢]، وَإِنَّ رَسُولَ الله ﷺ قَضَى بِالدَّيْنِ قَبْلَ الوَصِيَّةِ» (٣).

стр. 2613

فأمَّا جعله حدّ الوصيّة الثّلث، فلمَا رُوِي عن سعد بن أبي وقاصٍ، أنَّه قال للنَّبيِّ ﷺ : «يَا رَسُولَ اللَّهِ، إِنِّي كَثِيرُ المَالِ، وَلَا يَرِثُنِي إِلَّا ابْنَةٌ لِي، أَفَأُوصِي بِمَالِي كُلِّهِ؟، قَالَ: لَا، قَالَ: فَالشَّطْرُ؟، قَالَ: لَا، قَالَ: فَالثُّلُثُ؟، قَالَ: الثُّلُثُ، وَالثُّلُثُ كَثِيرٌ، إِنَّكَ أَنْ تَدَعَ وَرَثَتَكَ أَغْنِيَاءَ، خَيْرٌ مِنْ أَنْ تَدَعَهُمْ عَالَةً يَتَكَفَّفُونَ النَّاسَ» (١). روى (٢) عمران بن حصينٍ: «أَنَّ رَجُلَاً أَعْتَقَ سِتَّةَ أَعْبُدٍ فِي مَرَضِهِ، لَا مَالَ لَهُ غَيْرُهُمْ، فَأَقْرَعَ النَّبِيُّ ﷺ بَيْنَهُمْ، فَأَعْتَقَ اثْنَيْنِ وَأَرَقَّ أَرْبَعَةً» (٣). فثبت بما ذكرناه، أنَّ الَّذِي يجوز للرَّجل أن يوصي به ويُنْفِذُه فيلزَمُ ورثته أن يُنفِذوه الثّلث من ماله، فَأَمَّا ما زاد على ذلك فلا يلزمهم، إلَّا أن يجيزوهم، وهذا ما لا نعلم فيه خلافاً، والله أعلم (٤). •••

стр. 2614

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ كتاب الجامع قال أبو بكرٍ: لم أعارض به سماعي، فلا يؤخذ عنَّي على وجه السَّماع. باب ما جاء في السمة في وجوه البهائم (١) [٣١٦١] قال عبد الله بن عبد الحكم (٢): قال مالكٌ في السِّمَةِ في وجوه البهائم: لم أزلْ أسمع أنَّه يُكره. ولا بأس (٣) بالوسم في آذان الغنم؛ لأنَّهُ ليس فيها موضعٌ للوَسْمِ غيره، فإنَّ

стр. 2615

سائرها الشَّعر والصُّوف (١) (٢).

стр. 2616

• إِنَّمَا قالَ ذَلِكَ؛ لأنَّ النَّبيَّ ﷺ نهى عن السِّمَةِ في الوجه (١)، وأرخص في السِّمة في الآذان (٢). وكذلك سائر بدن الحيوان تجوز فيه السِّمة؛ لأنَّ السِّمة علامةٌ فيها، وبالنَّاس حاجةٌ إلى ذلك. فأمَّا الوجه، فيكره ذلك فيه من وجهين: (أحدهما: لشدَّة ضرر ذلك بالبهيمة وما يلحقها من الألم منه. (والآخر: أنَّ الوجه مُشَرَّفٌ في جملة الحيوان. ألا ترى: أنَّ النَّبيَّ ﷺ قال: «إِذَا ضَرَبَ أَحَدُكُمْ فَلْيَتَّقِ الوَجْهَ» (٣)، فلهذا المعنى كُرِهَت السِّمة في الوجه.

стр. 2617

قال مالكٌ: وقد بلغني: «أَنَّ رَسُولَ الله ﷺ مَرَّ بِهِ حِمَارٌ قَدْ كُوِيَ فِي وَجْهِهِ، فَعَابَ رَسُولُ الله ﷺ ذَلِكَ» (١)» (٢). وجُوِّزَ في الغنم أن تُوسَم في آذانها؛ لأنَّ سائر أبدانها الصُّوف والشَّعر، فلا يمكن السِّمة فيها. فأمَّا الإبل والبقر والحمير والبغال وأشباه ذلك؛ فإنَّها تُوسم في أجسادها كلّها، إلَّا الوجه والرَّأس؛ لشرفهما، وشدَّة الخوف عليها، وأنَّ فيهما السَّمع والبصر واللّسان والشمّ، وغير ذلك من المنافع الَّتِي بالحيوان ضرورةٌ إليها. •••

стр. 2618

باب ما جاء في إخصاء البهائم (١) [٣١٦٢] قال مالكٌ (٢) في خصاء الأنعام: إِنَّهُ لا بأس به، الخِصَاءُ صلاحٌ للحومها، فلا أرى به بأساً. قال: ولا بأس بِخِصَاءِ البغال، وأكره خِصَاء الخيل. وسُئِلَ مالكٌ (٣) عن خصاء الإبل والبقر والغنم؟ قال: ليس بخصائها بأسٌ، الخصاء يُطَيِّبُ لحوم الغنم (٤) (٥).

стр. 2619

• إِنَّمَا قالَ ذَلِكَ؛ لأنَّ الخصاء فيما يؤكل لحمه مباحٌ؛ لأنَّ ذلك يُطَيِّبُ لحمه، كما قال مالكٌ، وَيُسَمِّنُ الحيوان، وفي ذلك صلاحٌ للنَّاس، فهو على الإطلاق والإباحة، إلَّا ما منعت الدَّلالة منه. فأمَّا خِصَاء الخيل، فمكروهٌ؛ لأنَّهُ رُوِيَ عن النَّبيِّ ﷺ : «أَنَّهُ نَهَى عَنْ خِصَاءِ الخَيْلِ» (١)؛ لأنَّ الخيل يُجَاهَدُ عليها في سبيل الله ، فيُستحَبُّ كثرتها ويكره خصاؤها؛ لأنَّ في ذلك قطعاً لنسل ما قَدْ خُصِيَ منها، وليس كذلك سائر الحيوان. ألا ترى: أنَّ الخيل يُسْهَمُ لها (٢)؛ للحاجة إليها، ولا يُسْهَمُ لغيرها؛ إذ ليست الضَّرورة إليها كالضَّرورة إلى الخيل، وقد قال رسول الله ﷺ : «الخَيْلُ مَعْقُودٌ فِي نَوَاصِيهَا الخَيْرُ إِلَى يَوْمِ القِيَامَةِ، الأَجْرُ وَالغَنِيمَةُ» (٣). ومما يدلُّ على جواز خِصَاء غير الخيل: «أَنَّ النَّبيَّ ﷺ ضَحَّى بِكَبْشَيْنِ أَمْلَحَيْنِ أَقْرَنَيْنِ مَوْجِيَّيْنِ» (٤)، معنى مَوْجِيَّيْنِ: خَصِيَّيْنِ، فلو لم يجز خِصَاؤها؛ لأنكَرَ النَّبيُّ ﷺ ذلك ولنهى عنه، ولامتنع من ذبحها؛ ليمتنع النَّاس من خصائها، فلمَّا لم يفعل ذلك وضحَّى بها، دلَّ على أنَّ خصاءَها مباحٌ إذا قُصِدَ به الإصلاح في ذلك، لا التَّعذيب والإفساد. •••

стр. 2620

باب ما جاء في إلقاء الدوابِّ في النَّار ودفنها في الأرض (١) [٣١٦٣] قال ابن وهبٍ: سألت مالكاً عن إلقاء القملة في النَّار والماء؟ قال (٢): ما زلت أسمع أنَّ ذلك مُثْلَةٌ. فقلت لمالكٍ: أفرأيتَ إن ألقاها في التُّراب؟ فقال: لا بأس بذلك (٣). وقال مالكٌ (٤) في القملة وَالبُرْغُوثِ وإلقائهما في الماء: إن كان ذلك من

стр. 2621

ضرورةٍ، أو كان في الماء، فذلك خفيفٌ (١) (٢). • إِنَّمَا كره إلقاء القملة وغيرها في النَّار؛ لشدَّة عذاب النَّار في الدُّنيا والآخرة، وقد قيل في الخبر: «لَا يُعَذِّبُ بِالنَّارِ إِلَّا رَبُّ النَّارِ» (٣)، وإذا كان كذلك، كُرِهَ أن يقتلها بالنَّار؛ لأنَّ له في قتلها بغير هذا الوجه مندوحةً. •••

стр. 2622

باب ما جاء في غسل اليد من الطعام (١) [٣١٦٤] قال ابن وهبٍ: سمعت مالكاً وسُئِلَ عن الحديث الَّذِي جاء: «مَنْ بَاتَ وَفِي يَدِهِ غَمَرٌ (٢)، فَلَا يَلُومَنَّ إِلَّا نَفْسَهُ» (٣)؟ فقال مالكٌ: لا أعرف هذا الحديث، وقد سمعت أَنَّهُ كان يقال: «مِنْدِيلُ عُمَرَ بَطْنُ قَدَمَيْهِ» (٤)، وما كان هذا الأُشْنَانُ (٥) إلَّا حديثاً (٦).

стр. 2623

• إِنَّمَا قالَ ذَلِكَ؛ لأنَّ ترك غسل اليد بعد الأكل مباحٌ، فإن غَسَل للنَّظافة لم يكن به بأسٌ. وقال المغيرة بن شعبة: «أَكَلْتُ مَعَ النَّبِيِّ ﷺ جَنْبَ شِوَاءٍ، فَآذَنَهُ بِلَالٌ بِالصَّلَاةِ، فَمَسَحَ يَدَهُ بِمَسْحٍ تَحْتَهُ، ثمَّ قَامَ فَصَلَّى» (١). وروى مالكٌ، عن زيد بن أسلمٍ، عن عطاء بن يسارٍ، عن ابن عباسٍ: «أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ أَكَلَ كَتِفَ شَاةٍ، وَصَلَّى وَلَمْ يَتَوَضَّأْ» (٢). وروى أبو الزَّبير، عن جابرٍ: «أَنَّ امْرَأَةً دَعَتْ رَسُولَ الله ﷺ لِطَعَامٍ، فَأَكَلَ خُبْزَاً وَلَحْمَاً، ثمَّ قَامَ فَتَوَضَّأَ وَصَلَّى الظُّهْرَ، ثمَّ دَعَا بِبَقِيَّةِ الطَّعَامِ فَأَكَلَ، ثمَّ صَلَّى العَصْرَ وَلَمْ يَمَسَّ مَاءً» (٣). •••

стр. 2624

باب ما جاء في آنية الفضة وما فُضِّضَ من الخشب وغيره (١) [٣١٦٥] قال ابن وهبٍ: سمعت مالكاً يكره أن يُشْرَبَ فِي القَدَحِ (٢) الَّذِي فيه الحَلْقَةُ الوَرِقُ، والقَدَحِ المضبَّبِ بالوَرِقِ (٣). قال ابن القاسم: سُئِلَ مالكٌ عن مَدَاهِنِ (٤) الفِضَّةِ؟

стр. 2625

فقال: إني لأكْرَهُهَا ولا أُحِبُّهَا (١) (٢). • إِنَّمَا قالَ ذَلِكَ؛ لأنَّ النَّبيَّ ﷺ قال: «الَّذِي يَشْرَبُ فِي آنِيَةِ الذَّهَبِ (٣)، فَكَأَنَّمَا يُجَرْجِرُ فِي بَطْنِهِ نَارَ جَهَنَّمَ» (٤)، ونهى عن استعمال آنية الذَّهب والفضَّة، وقال: «هِيَ لَهُمْ فِي الدُّنْيَا، وَلَنَا فِي الآخِرَةِ» (٥)، هذا معنى الحديث، فكره لهذه العلَّة أن يُشْرَب في إناء الذَّهب والفضَّة، أو يُستَعمل في شيءٍ مِمَّا يُنْتَفَعُ به. وكذلك لا يجوز للرِّجال لبس الذَّهب والحرير، ويجوز ذلك للنِّساء؛ لأنَّ النَّبِيَّ ﷺ قال: «حَرَامٌ لِذُكُورِ أُمَّتِي، حِلٌّ لِإِنَاثِهَا» (٦)، يعني: الذَّهب والحرير. وكذلك لُبْسُ الحليِّ كلّه، جائزٌ للنِّساء، مكروهٌ للرَّجال، إلَّا الخاتم من الفضّة، والسّيف المفَضَّض وعِلَاقَتهِ (٧).

стр. 2626

ويكره لُبْسُ المِنْطَقَةِ (١) المفَضَّضَةِ؛ لأنَّها ليست من لبس العرب، وهي من لبس العجم. وكذلك يكره أن تكون الفضَّة أو الذّهب فِي السُّرُجِ أَوِ اللِّجَامِ أو السِّكين وأشباه ذلك. وتجوز حِلْيَةُ المُصْحَفِ، كما يجوز ذلك في السَّيف. •••

стр. 2627

باب ما جاء في غسل اليد بالطعام (١) [٣١٦٦] (٢) قال ابن وهبٍ: سُئِلَ مالكٌ عن الدَّقيق، تُغْسَلُ به اليَدُ؟ قال مالكٌ: غيره أعجب إليَّ، ولو فُعِلَ، لم أَرَ به بأساً، فقد كان عمر بن الخطَّاب ﵁ يتَمَنْدَلُ ببطون رجليه (٣). قال مالكٌ: إنَّ الرّجل ليَدْهُنُ بعض جسده بالسَّمن أو الزَّيت من الشُّقوق (٤) (٥). • إِنَّمَا قالَ ذَلِكَ؛ لأنَّ هذا مباحٌ؛ لأنَّ فيه صلاحاً ومنفعةً للإنسان إذا لم

стр. 2628

يقصد به السَّرف، فجاز له الانتفاع به واستعماله بكل وجهٍ: من الأكل، والتدهُّن به، وغسل البَدَنِ، وأشباه ذلك. ••• [٣١٦٧] قال ابن وهبٍ: سمعت مالكاً وسُئِلَ عن وُضُوءِ اليدين قبل الأكل؟ فقال: إنِّي لأكره ذلك، وقد دخلت على عبد الملك بن صالحٍ (١)، فقرَّب إلينا وَضُوءَاً لغسل أيدينا قبل الطَّعام، فأبيت أن أفعلَ، فقال لي: «أَوَتُنْكِر ذلك؟»، فقلت: «نعم»، فانتهى عن ذلك. فقيل له: ترى ذلك مِنْ فعل الأعاجم؟ قال: نعم (٢). • وقد ذكر مالكٌ علَّة كراهيته لذلك، وهو أنَّه من فعل الأعاجم، وأنَّ ذلك

стр. 2629

ليس من فعل العرب، ولا حُفِظَ عن رسول الله ﷺ ، ولا عن أصحابه ﵃، وقد روت عائشة ﵂: «أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ كَانَ يَأْكُلُ وَهُوُ جُنُبٌ، مِنْ غَيْرِ أَنْ يَمَسَّ مَاءً» (١). ومالكٌ فيكره الخروج عن زيّ العرب وأفعالهم وآدابهم، حَتَّى إنَّه ليكره الكلام بالفارسية لمن يحسن العربيَّة، وقد رُوِيَ عن عمر: «أَنَّهُ كَانَ يَكْرَهُ الرَّطَانَةَ» (٢)، يعني: الكلام بالعجمية. وقد قيل: «لا يزال العرب بخيرٍ ما انتعلت، ولزمت العمائم، وتقلَّدت السُّيوف» (٣)، معنى هذا: أنَّها إذا فعلت ذلك، كانت الغلبة لها، فظهر زيُّها، وإذا تركت زيَّها، فهي تابعةٌ لغيرها، وفي ذلك ضررٌ عليها وذِلَّةٌ. فلهذا ونحوه كَرِهَ مالكٌ التَّزيي بزيِّ الأعاجم والتخلّق بأخلاقهم،

стр. 2630

ويَسْتَحِبُّ الاقتداء بزيّ العرب والتخلّق بأخلاقها، ما لم تفعل شيئاً قد نهى عنه رسول الله ﷺ ، وقد قال رسول الله ﷺ لسلمان فيما رُوِيَ عنه: «يَا سَلْمَانُ، لَا تبْغضْنِي فَتُفَارِقَ دِينَكَ، قَالَ: فَقُلْتُ: كَيْفَ أبْغضُكَ يَا رَسُولَ اللهِ، وَبِكَ هَدَانِي اللهُ؟، قَالَ: تبْغضُ العَرَبَ فَتبْغضنِي» (١)، وكان يقال: «حُبُّ العَرَبِ إِيمَانٌ وَبُغْضُهَا نِفَاقٌ» (٢) وكذلك قال رسول الله ﷺ : «حُبُّ الأَنْصَارِ إِيمَانٌ، وَبُغْضُهَا نِفاقٌ» (٣)؛ لأنَّها نصرت رسول الله ﷺ . •••
следующие страницы →