← Фикх малики

Фикх малики · id 1326

شرح المختصر الكبير للأبهري

الأبهري

Полный текст (2 801 стр.). Показаны 2661–2700 · переход к 2666.

стр. 2661

الخوف على النَّفْسِ من التَّلف، فأمَّا التَّداوي به من المرض فغير جائزٍ؛ لمنع رسول الله ﷺ من ذلك. ولأنَّا لا نعلم أنَّ ذلك ينفع من المرض لا محالة، كما نعلم أنَّ الأكل ينفع الجوع ويزيله لا محالة، فافترقا لهذه العلَّة أيضاً. ••• [٣١٨٦] سُئِلَ مالكٌ (١) عن شرب أبوال الإبل في الدَّواء؟ فقال: لا بأس بذلك، ولا بأس بشرب أبوال الأنعام: البقر والغنم. قيل له: فأبوال الخيل (٢)؟ قال: لا خير فيه. قيل: فأبوال النّاس؟ قال: لا خير فيه. قيل له: الإبل (٣) تُحْلَبُ فتبول في اللَّبن؟ قال: أرجو أن لا يكون به بأسٌ (٤).

стр. 2662

• إِنَّمَا قالَ ذَلِكَ؛ لأنَّ النَّبيَّ ﷺ قال في قصّة العرنيين: «اشْرَبُوا مِنْ أَبْوَالِهَا وَأَلْبَانِهَا» (١)، يعني: الإبل، فأباحهم النَّبيُّ ﷺ شرب بولها، كإباحته شرب لبنها. وكذلك البقر والغنم، يجوز شرب بولها؛ لأنَّ ذلك طاهرٌ عند مالكٍ للأكل وغيره كلحومها، وقد ذكرنا هذه المسألة فيما تقدَّم. فإن قيل: إنَّ إباحة النَّبيِّ ﷺ للعرنيِّين شرب بول الإبل، إِنَّمَا هو من أجل المرض، لا أنَّهُ طاهرٌ حلالٌ شُرْبُهُ في غير المرض (٢)؟ قيل له: المرض لا يبيح شرب المحرَّمِ. ألا ترى: أنَّه لا يجوز شرب الخمر في المرض، ولا أكل لحم الخنزير، وإذا كان كذلك، عُلِمَ أنَّ النَّبيَّ ﷺ لم يُبِحْهُم شرب بول الإبل إن كان نجساً من أجل المرض. ••• [٣١٨٧] قال: وسُئِلَ مالكٌ (٣) عن الحقنة؟ قال: ليس بها بأسٌ (٤).

стр. 2663

• إِنَّمَا قالَ ذَلِكَ؛ لأنَّها ضربٌ من الدَّواء، وفيها منفعةٌ للنَّاس، وقد أباح النَّبيُّ ﷺ التَّداوي وأذِنَ فيه، فقال: «مَا أَنْزَلَ الله دَاءً، إِلَّا أَنْزَلَ لَهُ دَوَاءً، عَلِمَهُ مَنْ عَلِمَهُ، وَجَهِلَهُ مَنْ جَهِلَهُ، فَتَدَاوَوْا عِبَادَ اللهِ» (١). •••

стр. 2664

باب ما جاء في قتل الحيات (١) [٣١٨٨] قال ابن وهبٍ: سمعت مالكاً يقول في الحيَّة توجد في الصَّحراء: إنَّها تُقْتَل، ولا يُتَقَدَّمُ إليها إلَّا في البيوت (٢). • إِنَّمَا قالَ ذَلِكَ؛ لأنَّ قتل الحيَّة مأمورٌ به، قال النَّبيُّ ﷺ : «اقْتُلُوا الحَيَّةَ وَإِنْ كُنْتُمْ فِي الصَّلَاةِ» (٣)، وقال في المحرِمِ: «إِنَّهُ يَقْتُلُ الحَيَّةَ وَالعَقْرَبَ» (٤). فأمَّا ما كان في البيوت، فإنَّها تؤذن ثلاثاً، فإن بدت بعد ذلك قُتِلَتْ. رواه مالكٌ، عن صَيْفِيٍّ مولى أفلح (٥)، عن أبي السَّائب مولى هشام بن

стр. 2665

زهرة (١)، عن أبي سعيدٍ الخدريِّ، أنَّ رسول الله ﷺ قال: «إِنَّ بِالمَدِينَةِ جِنّاً قَدْ أَسْلَمُوا، فَإِذَا بَدَا لِأَحَدِكُمْ مِنْهُمْ شَيْءٌ، فَلْيُؤْذِنْهُ ثَلَاثَاً، فَإِنْ بَدَا لَهُ بَعْدَ ذَلِكَ قَتَلَهُ» (٢). •••

стр. 2666

باب ما جاء في الوليمة بغير دعوة (١) [٣١٨٩] قال ابن وهبٍ: سمعت مالكاً يقول: لا يدخلِ الرّجُلُ إلى الوليمة، وإن كان صاحب الوليمة بابه مفتوحٌ، إلَّا بإذنٍ (٢). • إِنَّمَا قالَ ذَلِكَ؛ لأنَّهُ قد يدخل إليه من يكره صاحب المنزل دخوله إليه وأكل طعامه، فلا يحَبُّ أن يدخل إلَّا بإذنه. وقد رُوِيَ عن النَّبيِّ ﷺ : «مَنْ مَشَى إِلَى طَعَامٍ غير دَاعٍ (٣)، مَشَى فَاسِقَاً، وَأَكَلَ حَرَامَاً» (٤). •••

стр. 2667

باب ما جاء في الضيافة، وأكل طعام المسلم والذمي بغير إذنه (١) [٣١٩٠] قال ابن وهبٍ: وسمعت مالكاً يقول في حديث النَّبيِّ ﷺ في الضِّيافة: «جَائِزَتُهُ يَوْمٌ وَلَيْلَةٌ» (٢)، قال: يحسن ضيافته ويكرمه. وقال أشهب عن مالكٍ في ذلك: يُكْرِمُهُ وَيُتْحِفُهُ، وَيَخُصُّهُ يَوْماً وَلَيْلَةً، وَثَلَاثَةَ أَيَّامٍ ضِيَافَةً، وَمَا بَعْدَ الثَّلَاثِ صَدَقَةٌ (٣). قال ابن وهبٍ: سمعت مالكاً يقول في المسافر ينزل بالذمِّي: إنَّه لا يأخذ منه شيئاً إلَّا بطيب نفسه. فقيل لمالكٍ: الضِّيافة (٤) الَّتِي جُعِلت عليهم ثلاثة أيَّاٍم؟ قال: كانوا يومئذٍ يُخَفَّفُ عنهم بذلك (٥). • إِنَّمَا قالَ ذَلِكَ؛ لأنَّه لا يجوز لأحدٍ أن يأخذ مال غيره - من غير حقٍّ

стр. 2668

يوجب عليه - بغير إذنه، وقد قال النَّبيُّ ﷺ : «لَا يَحِلُّ مَالُ امْرِئٍ عَنْ غَيْرِ طِيبِ نَفْسِهِ» (١). ••• [٣١٩١] قال ابن وهبٍ وابن القاسم: سُئِلَ مالكٌ عن الرّجل يكون لابنه المال قد ورثه من أُمِّهِ: الضَّيعة تكون لها، فيأتيها أبوه ويأكل منها (٢)؟ قال: لا بأس بذلك (٣). • إِنَّمَا قالَ ذَلِكَ؛ لِمَا للأب في مال ابنه من الشّبهة، فجاز له أكل ثماره من حائطه عن غير إذنه. ولأنَّ أمر الثَّمَرِ خفيفٌ أيضاً، قد أبيح للأجنبيِّ أن يأكله - إذا احتاج إليه للحاجة - بغير إذن صاحبه (٤). •••

стр. 2669

[٣١٩٢] قال أشهب: وسُئِلَ مالكٌ عن الثِّمار (١)، تُجَذُّ ثمَّ يُخَلَّى عنها، فيكون فيها الشَّيء المعلَّق؟ قال: إن كان يعلم أنَّ أنفسهم طيِّبةً بأخذه إيَّاه، فليأخذه. قال أشهب: وسُئِلَ مالكٌ عن الزَّرع يُحْصَد، فيبقى منه السُّنبل والشَّيء يُخَلِّي عنه أهله، أيأكله؟ فقال: لا يأكل إلَّا ما يعلم أنَّه حلالٌ، وقد كان يقال: «دَعْ مَا يَرِيبُكَ إِلَى مَا لَا يَرِيبُكَ» (٢) (٣). • إِنَّمَا قالَ ذَلِكَ؛ لِمَا ذكرنا: أنَّه لا يجوز لأحدٍ أكل مال غيره، ولا أخذه بغير إذنه، إلَّا عند الضَّرورة، ثمَّ يكون عليه بدل ذلك. فأمَّا ما يُعْلَم أنَّه قد تركوه - من الثَّمر والزَّرع - للنَّاس، فأخْذُهُ جائزٌ؛ لأنَّ أهله قد أباحوا النَّاس ذلك، فهو بمنزلة ما يأذنون لهم في أخذه. ••• [٣١٩٣] قال: وسُئِلَ مالكٌ: أيجوز للمسافر أن يُصيب من الثِّمار؟

стр. 2670

فقال: إن كان من ضرورةٍ، وإلَّا فلا، قال رسول الله ﷺ : «لَا يَحْتَلِبَنَّ أَحَدُكُمْ مَاشِيَةَ أَحَدٍ إِلَّا بِإِذْنِهِ» (١)، ففي هذا بيانٌ، وليس شيءٌ من الأشياء أيسر من اللَّبن، يُحْلَبُ بُكْرَةً ويَرْجِعُ عَشِيَّةً، والثَّمر لا يَرْجِعُ حَتَّى عامٍ قابلٍ (٢). • إِنَّمَا قالَ ذَلِكَ؛ لِمَا ذكرنا: أنَّ أخذ مال الإنسان من الثَّمر والزَّرع وغيره غيرُ جائزٍ، وكذلك أكله بغير إذنه، فلا يجوز لمسافرٍ ولا غيره أن يأخذ ثمر غيره وزرعه ولا يأكله إلَّا من ضرورةٍ. وممَّا يدلُّ على ذلك ما قاله مالكٌ، أنَّ النَّبيَّ ﷺ منع من أن يحلِبَ الإنسان ماشية غيره بغير إذنه، واللبن طعامٌ مع سرعة عَوْدِ مِثلِه، كان الثَّمر أولى ألَّا يؤخذ إذا كان لغيره بغير إذنه، مع طول مدَّة عود مثله. ••• [٣١٩٤] سُئِلَ مالكٌ (٣) عمَّن مرَّ على جِنَانِ أبيه أو أمِّه أو أخته، أيأخذ منه ما يأكل؟ فقال: لا يأكلها إلَّا ما أذنوا له (٤).

стр. 2671

قال: ولا يأكُلُ ما يُطْعِمُه حارس الجنان أو يبيعه منه، إلَّا أن يكون كهيئة القَيِّمِ (١) في الغنم والحائط فيجوز ذلك (٢)، فأمَّا العبد الأسود الَّذِي يُسْتَحقَرُ، فلا خير فيه (٣) (٤). • إِنَّمَا قالَ ذَلِكَ؛ لِمَا ذكرنا: أنَّه لا يجوز لأحدٍ أكل مال غيره إلَّا بإذنه،

стр. 2672

سواءٌ كان ثمراً أو غيره، إلَّا أن يُضْطَرَّ إليه فيأكله ويكون عليه البدل، وسواءٌ كان ذلك مال ذي رَحِمِهِ، أو أجنبيٍّ منه. وكذلك لا يجوز أن يأكله وإن أَذِنَ له في أكله غير مَالِكِهِ، وكذلك إن باعه غير مالِكِهِ. فأمَّا إذا كان القيِّم بذلك، فإنَّ ذلك جائزٌ؛ لأنَّ بيعه وإطعامه عن إذن صاحبه، إذا كان مثله من يقوم بالحائط أو الغنم، وإذا كان مثله لا يقوم فيما يُعْلَم في العرف والعادة، لم يجز الشِّراء منه، ولا أكل ما يُطْعِمُ من الثَّمر. ••• [٣١٩٥] قال مالكٌ: ولا يَرْعَى في الأقْرَاطِ، إلَّا أن يَعْلَم أنَّ صاحبه أذن فيه. قيل له: إنَّ صاحبه يراه؟ قال: ما أحبُّ ذلك إلَّا بإذنه، فلعلَّه يراه فيستحيي وهو لذلك كارهٌ، أو يخاف من ناحيته، فلا أحبُّ ذلك إلَّا بإذنه، أو يعلَمُ أنَّه أذِنَ فيه (١). • إنَّما قال ذلك؛ لِمَا ذكرنا: أنَّه لا يجوز لأحدٍ الانتفاع بمال غيره بغير إذنه على ما بيَّنَّاه، ولا فصل في ذلك بين القُرْطِ - وهو العلف -، وبين الثَّمر وغيره من الأموال، إلَّا أن يأذن في ذلك صاحبه، أو يُعلَمَ بالعادة والعرف أنَّ ذلك مِمَّا يُبِيحُهُ النَّاسَ، فيجوز له الانتفاع به بغير إذن صاحبه؛ لأنَّ إذنه قد تقدَّم، وهو إباحته ذلك للنَّاس وتركه لهم. •••

стр. 2673

باب ما جاء في اللهو وسماعه (١) [٣١٩٦] قال ابن وهبٍ: سألت مالكاً عَنْ ضَرْبِ الكَبَرِ (٢)، وَالمِزْمَارِ، وَغَيْرِ ذَلِكَ مِنَ اللَّهْوِ، يَنَالُكَ سَمَاعَهُ وَتَجِدُ لَذَّتَهُ وَأَنْتَ فِي طَرِيقٍ أَوْ مَجْلِسٍ غَيْرهُ، أيُؤمر من ابتُلِي بذلك أن يرجع من الطَّريق أو يقوم من المجلس؟، وما الأمر الَّذِي تستحبُّ من ذلك؟ قال مالكٌ: أرى أن يقوم من ذلك المجلس، إلَّا أن يكون جالساً لحاجةٍ، أو يكون على حالٍ لا يستطيع القيام، وإن كان جالساً لغير حاجةٍ، فأرى أن يقوم إذا بلغ ذلك منه، أو يجد لسماعه لذَّةً. فأمَّا صاحب الطَّريق، فأرى أن يرجع، أو يقف، أو يتقدَّم أو يتأخَّر. قال ابن وهبٍ: وسمعت مالكاً وسُئِلَ عن الرّجل يحضر الصَّنيع فيه اللَّهو: البَرَابِط (٣) أو نحوها؟

стр. 2674

قال مالكٌ: ما يعجبني للرّجل ذي الهيئة أن يحضر اللَّعب (١). • إِنَّمَا قالَ ذَلِكَ؛ لأنَّ اللّعب واللّهو، حضورهما وسماعهما مكروهٌ، قد ذمَّ الله ورسوله ذلك، قال الله : ﴿وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَشْتَرِي لَهْوَ الْحَدِيثِ لِيُضِلَّ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ﴾ [لقمان:٦]، قيل في تفسير ذلك: بيع المغنِّيات وشرائهنَّ (٢). وقد روى محمد بن جُحَادَةَ (٣)، عن أنسٍ: «أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ نَهَى عَنْ كَسْبِ الزَّمَّارَةِ» (٤). وقال نافعٌ: «كُنْتُ مَعَ ابْنِ عُمَرَ، فَسَمِعَ زَمَّارَةِ رَاعٍ، فَجَعَلَ إِصْبَعَيْهِ فِي أُذُنَيْهِ وَمَشَى، ثُمَّ جَعَلَ يَقُولُ لِي: أَتَسْمَعُ يَا نَافِعُ، فَقُلْتُ: لَا، فَنَحَّى يَدَيْهِ، ثُمَّ قَالَ: كُنْتُ مَعَ رَسُولَ الله ﷺ ، فسمع زَمَّارَةِ رَاعٍ، فَفَعَلَ مِثْل مَا فَعَلْتُ» (٥). وقد روى عبد الله بن عمروٍ، عن النَّبيِّ ﷺ : «أَنَّهُ نَهَى عَنِ الكَبَرِ، وَهُوَ الطَّبْلُ» (٦). فكُلُّ سماعٍ: كان لهواً أو غناءً، ففعله مكروهٌ منهيٌّ عنه؛ لأنَّ ذلك

стр. 2675

يُشغِل ويصدُّ عن ذكر الله تعالى، فوجب المنع منه، كما مُنِعَ من شُربِ الخمر؛ لأنَّها تصدُّ عن ذكر الله. وقد سُئِلَ مالكٌ عن سماع الغناء؟ فقال: لا يجوز، قال الله : ﴿فَمَاذَا بَعْدَ الْحَقِّ إِلَّا الضَّلَالُ﴾ [يونس:٣٢]، وليس هو من الحقِّ. فقيل له: إنَّه يقال: «إنَّ أهل المدينة يسمعونه»؟ فقال: إِنَّمَا يسمع ذلك عندنا الفُسَّاقُ (١). •••

стр. 2676

باب ما جاء في موقف من أراد السلام على النَّبيِّ ﵇ (١) [٣١٩٧] قال ابن وهبٍ: سُئِلَ مالكٌ: أين يقف من أراد التَّسليم على رسول الله ﷺ من القبر؟ فقال: عند الزَّاوية الَّتِي تَلِي القبلة ممَّا يلي المنبر، مستقبل القبلة. ولا أحبُّ أن يمسَّ القبر بيده (٢). • إِنَّمَا قالَ ذَلِكَ؛ لأنَّهُ كذلك شاهد النَّاس يُسَلِّمون على النَّبيِّ ﷺ ، فاستحبَّ الاقتداء بهم. ولا يمسُّ قبره ولا حائطه؛ تعظيماً له. ولأنَّ ذلك لم يكن عليه فِعْلُ من مضى. ••• [٣١٩٨] قال ابن وهب: وسُئِلَ مالكٌ عن قبر رسول الله ﷺ ، يأتيه الغريبُ كلّ يومٍ؟ فقال: ما سمعت.

стр. 2677

فقيل: يأتيه الرّجل عند دخوله وخروجه (١)؟ فقال: ذلك الَّذِي كنت أسمع. قال ابن وهبٍ: وسُئِلَ مالكٌ عن السَّلام على النَّبيِّ ﷺ ؟ قال: لا يَلْصَقُ بجدار القبر (٢). قال: فأسَلِّمُ على أبي بكرٍ وعمر؟ قال: نعم إن شئت (٣). • إِنَّمَا قالَ ذَلِكَ؛ لأنَّ النَّاس كذلك كانوا يُسَلِّمُون على النَّبيِّ ﷺ ، ثمَّ على أبي بكرٍ وعمر، وكذلك رُوِّينَا عن ابن عمر أنَّه كان يفعل (٤)، فاستحبّ الاقتداء بهم. •••

стр. 2678

باب ما جاء في كتاب الرسائل وتقدمة الرجل بنفسه (١) [٣١٩٩] قال ابن وهبٍ وابن القاسم: سُئِلَ مالكٌ عن الرّجل يكتب إلى الرَّجُلِ: «بسم الله الرَّحمن الرَّحيم، لفلان بن فلانٍ»؟ قال: لا بأس بذلك. فقيل له: إنَّ ناساً يقولون: اجعل فيما بين ذلك شيئاً: «أمَّا بعد، لفلانٍ»؟ قال: لا بأس بذلك، ولم يره شيئاً (٢) (٣). • إِنَّمَا قالَ ذَلِكَ؛ لأنَّهُ ليس هاهنا شيءٌ يمنع منه، فإن وصل كلامه جاز، وإن فصل بـ «أمَّا بعد» جاز، وكلّ ذلك واسعٌ. •••

стр. 2679

[٣٢٠٠] قال أشهب: سُئِلَ مالكٌ عن الَّذِي يبدأ في الكتاب بأصغر منه، ولعلَّه ليس بأفضل منه، أتَرَى بذلك بأساً؟ قال: لا والله، ما أرى بذلك بأساً، أرأيت لو أوسع له إذا جاء يجلس؛ إعظاماً له. وقال: إنَّ أهل العراق يقولون: «لا تبدأ بأحدٍ قبلك، وإن كان أباك أو أكبر منك»، يَعِيبُ ذلك من قولهم عيباً شديداً (١) (٢). • إِنَّمَا قالَ ذَلِكَ؛ لأن فِعْلَ ذلك كلّه مباحٌ، إذ ليس شيءٌ يمنع منه، وقد يجوز أن يفعل ذلك الإنسانُ بغيره على وجه الإكرام له؛ لدينه وفضله، وذلك مُستَحَبٌّ، قال الله تعالى: ﴿وَمَنْ يُعَظِّمْ حُرُمَاتِ اللَّهِ فَهُوَ خَيْرٌ لَهُ عِنْدَ رَبِّهِ﴾ [الحج:٣٠]. •••

стр. 2680

باب ما جاء في فرق الشَّعْرِ والإحسان إليه (١) [٣٢٠١] قال ابن وهبٍ وابن القاسم: سُئِلَ مالكٌ عن الشَّعْرِ، هل فيه من حدٍّ إذا انتهى إليه الشَّعْرُ فَرَقَهُ صاحبه؟ قال مالكٌ: ما أعلم في ذلك حدّاً، وقد كان النّاس قبل اليوم لهم شَعْرٌ يُطِيلُه الرَّجُلُ، وما أعلم فيه حدّاً (٢). • إِنَّمَا قالَ ذَلِكَ؛ لأنَّ ذلك كلّه مباحٌ، إطالته وقصره. ألا ترى: أنَّ حَلْقَ الرَّأس مُباحٌ وقصره مباحٌ، وإن كان الاختيار ترك الشَّعر وفَرْقِهِ، كما فعل رسول الله ﷺ (٣). ••• [٣٢٠٢] (٤) قال ابن وهبٍ وابن القاسم: سُئِلَ مالكٌ عمَّا ذُكِر عن النَّبيِّ ﷺ :

стр. 2681

«حَدِّثُوا عَنْ بَنِي إِسْرَائِيلَ وَلَا حَرَجَ» (١)؟ فقال: لم أسمع به من ثَبْتٍ، فَأَمَّا ما كان مِنْ كَلَامٍ حَسَنٍ، فلا بأس به (٢). • إِنَّمَا قالَ ذَلِكَ؛ لأنَّ ما كان يُعْلَمُ في الأغلب أنَّه ليس بكذبٍ، جاز الحديث به، وما يُعْلَمُ في الأغلب أنَّه كذبٌ، لم يجز الحديث به، وقد قال رسول الله ﷺ : «مَنْ حَدَّثَ بِحَدِيثٍ وَهُوَ يَرَى أَنَّهُ كَذِبٌ، فَهُوَ أَحَدُ الكَاذِبِينَ» (٣)، وهذا معنى قوله: «حَدِّثُوا عَنْ بَنِي إِسْرَائِيلَ وَلَا حَرَجَ»، أي: لا تتحدثوا بما يحرج الإنسان. وقد قيل، معناه: أي: لا ضيق عليكم في الحديث عنهم، والأوَّلُ أصحُّ. •••

стр. 2682

ما جاء في صعود منبر رسول الله ﵇ (١) [٣٢٠٣] قال ابن وهبٍ: سمعت مالكاً يقول: استشارني بعض ولاة المدينة أن يرقى منبر رسول الله ﷺ بخفَّين أو نعلين، فنهيته عن ذلك، ولم أر له أن يرقى عليه بخفَّين ولا نعلين. فقيل له: فالكعبة تُدْخَلُ بنعلين؟ فقال: لا. فقيل له: فيجعل نعليه في حِجْرَتِهِ (٢)؟ فقال: لا بأس بذلك (٣). • إِنَّمَا قالَ ذَلِكَ؛ تعظيماً لأمر الله ، وأمر رسوله ﷺ ؛ لأنَّ في ذلك تعظيم حرمات الله وشعائره، وقد قال الله سبحانه: ﴿وَمَنْ يُعَظِّمْ شَعَائِرَ اللَّهِ فَإِنَّهَا مِنْ تَقْوَى الْقُلُوبِ﴾ [الحج:٣٢]، وقال: ﴿ذَلِكَ وَمَنْ يُعَظِّمْ حُرُمَاتِ اللَّهِ فَهُوَ خَيْرٌ لَهُ

стр. 2683

عِنْدَ رَبِّهِ﴾ [الحج:٣٠]، ولهذا المعنى، نهى النَّبيُّ ﷺ عن استقبال القبلة بالغائط والبول، فيجب أن يُعَظِّم الإنسان أمر الله تعالى وأمر رسوله ﷺ . فمن ذلك: أن لا يرقى منبر رسول الله ﷺ ، ولا يدخل الكعبة بنعلٍ ولا خُفٍّ؛ لأنَّ ذلك من التَّواضع، وقد يجوز أن يكون في نعله وخفِّه شيءٌ من قَذَرٍ لا يعلم به. •••

стр. 2684

باب ما جاء في الرطانة في المسجد (١) [٣٢٠٤] قال ابن وهبٍ: وسمعت مالكاً وسُئِلَ (٢) عن لـ[ـسـ]ـان الأعاجم، يُتَكَلَّم بها في المساجد؟ فقال: ما يعجبني (٣). • إِنَّمَا كره ذلك؛ لأنَّ لسان العرب وكلامها هو أولى كلامٍ يَتَكَلَّم به وأفضله إذا قَدِرَ عليه، فيكره أن يعدل منه إلى غيره مع القدرة عليه؛ لأنَّها لغة رسول الله ﷺ ، وبها نزل القرآن، وهي أفضل لغةٍ، وقد قال الله : ﴿بِلِسَانٍ عَرَبِيٍّ مُبِينٍ﴾ [الشعراء:١٩٥]، فيكره الكلام بغيرها مع القدرة عليها، وبخاصَّةٍ في المواضع الشَّريفة، مثل: المساجد وغيرها. وقد كره عمر بن الخطاب وقال: «مَا تَعَلَّمَ أَحَدٌ مِنَ الكَلَامِ بِالعَجَمِيَّةِ، إِلَّا صَارَ فِيهِ خَبٌّ (٤)» (٥). •••

стр. 2685

باب ما جاء في التقنيع (١) [٣٢٠٥] قال ابن وهبٍ: سألت مالكاً عن التَّقَنُّعِ (٢) بالثَّوب؟ فقال: أمَّا الَّذِي يجد الحرَّ أو البرد، أو الأمر الَّذِي له فيه عذرٌ، فلا بأس به، ولقد كان أبو النَّضر (٣) يلزم ذلك للبرد يجده، وما بذلك بأسٌ، وأمّا مثل ما يجعله بعض النّاس، فلا أرى ذلك (٤). • إِنَّمَا قالَ ذَلِكَ؛ لأنَّهُ إذا فَعَلَ ذلك من حرٍّ أو بردٍ، فإنَّما يفعله لدفع مضرّةٍ عنه، وذلك مباحٌ. فأمَّا إذا كان لغير ذلك، فَإِنَّهُ يُكره؛ لأنَّهُ مِنْ فِعْلِ أهل الرَّيْبِ، ويُكْرَه أن يفعل شيئاً يظنُّ به الرِّيبة (٥). ولأنَّ ذلك، ليس فعل من مضى أيضاً. •••

стр. 2686

باب ما جاء في السرعة على الدوابِّ وتنخيسها (١) [٣٢٠٦] وسُئِلَ مالكٌ (٢) عن سُرْعَةِ السَّير على الدَّابَّة في الحجِّ؟ فقال: لا بأس بذلك، ذُكِر ذلك عن (٣) رجالٍ أنَّهم كانوا يُسرِعون السَّير (٤). • إِنَّمَا قالَ ذَلِكَ؛ لأنَّ سُرعة السَّير مباحٌ على الدّوابِّ إذا لم يُعَنِّف عليها؛ لأَنْ يَبْلُغ حاجته ولا تفوته. فَأَمَّا أن يضربها ويقدحها، فذلك مكروهٌ. ••• [٣٢٠٧] وسُئِلَ مالكٌ (٥) عن المَهَامِيزِ (٦) الَّتِي تُهْمَزُ بها الدَّوابّ؟

стр. 2687

فكره ذلك، وقال: لا يُصْلِحُ الفسادُ، قال: وإن كان أكثر (١) من ذلك خَرَقَهَا، ولقد بلغني أنَّ رسول الله ﷺ مرَّ به حمارٌ قد كُوي وجهه، فعاب ذلك (٢). ثم سُئِلَ مالكٌ بعد ذلك، فقيل له: يَنْخُسُهَا الرّجل حَتَّى يُدْمِيَهَا؟ قال: أرجو أن يكون ذلك خفيفاً (٣). • إِنَّمَا كره المهاميز للدَّواب؛ لأنَّ ذلك يضرُّ بها ويؤذيها، ولا ضرورة به إلى فعله، فيكره ذلك له؛ لجواز أن يخرق ذلك بعض جسدها، وذلك مكروهٌ. ولم يكن لرسول الله ﷺ ولا لأصحابه مهاميز يحرِّكون بها دوابَّهم، وإنّما ذلك من فعل الأعاجم، ويُكره الاقتداء بفعل الأعاجم في كلّ شيءٍ، ويستحبُّ الاقتداء بالنَّبيِّ ﷺ وأصحابه في كلّ شيءٍ. •••

стр. 2688

باب ما جاء في التجارات في أرض العدو وفي الولايات (١) [٣٢٠٨] قال ابن القاسم وابن وهبٍ: سُئِلَ مالكٌ عن الخروج إلى أرض العدوّ؟ فقال: كنت أرى أن يُمْنَعُوا من ذلك - يريد (٢) التُّجَّارَ (٣) - (٤). • إِنَّمَا قالَ ذَلِكَ؛ لأنَّهُ لا يأمن على نفسه الفتنة، ويتعجَّل الذلَّ بالدُّخول إلى أرضهم وحيث يجري حكمهم عليه، ويأخذون منه العشر أو الجزية من غير ضرورةٍ به إلى ذلك؛ لأنَّ الله تعالى قد وسَّع عليه بالتِّجارة في أرض المسلمين وطلب المعاش بينهم، فيكره له أن يطلب ذلك في أرض الشِّرك، ومن أهل الشِّرك. •••

стр. 2689

[٣٢٠٩] قال: وسمعت (١) مالكاً وقيل له: «إنَّ فُلَاناً لَا يَعْمَل (٢)، وَهُوَ يُشِيرُ بِرَجُلٍ يَعْمَلُ؟ فقال: إن كان يُشير برجلٍ مأمونٍ، فلا بأس بذلك. فقيل: أفَيَطْلُبُ الرَّجُلُ للرَّجُلِ حَتَّى يُوَلَّى؟ فقال: إن عَلِمَ أنَّ فيه خيراً للمسلمين، أشار به (٣). • إِنَّمَا قالَ ذَلِكَ؛ لأنَّ في مشورته واختياره لأهل الصَّلاح والفضل - لتولِّي أمور المسلمين - فِعْلَ خيرٍ وصلاحاً، فلا بأس بذلك منه، بل يُستحبُّ له ذلك، قال الله : ﴿وَتَعَاوَنُوا عَلَى الْبِرِّ وَالتَّقْوَى﴾ [المائدة:٢]، وقال: ﴿لَا خَيْرَ فِي كَثِيرٍ مِنْ نَجْوَاهُمْ إِلَّا مَنْ أَمَرَ بِصَدَقَةٍ أَوْ مَعْرُوفٍ أَوْ إِصْلَاحٍ بَيْنَ النَّاسِ﴾ [النساء:١١٤]. ودِلَالته على أهل الخير ليُستعان بهم في أعمال المسلمين معروفٌ وفِعْلُ

стр. 2690

خَيرٍ، وقد يجوز أن لا يقدر المشير على العمل بنفسه؛ لأنَّه يضعف عنه، فيُحَبُّ أن يشير بغيره إذا عرفه، وقد قال رسول الله ﷺ : «الدَّالُّ عَلَى الخَيْرِ كَفَاعِلِهِ» (١). ••• [٣٢١٠] قال ابن وهبٍ: وسُئِلَ مالكٌ عن الرّجل يُدعى إلى العمل، فيَكْرَه أن يجيب إليه، ويخاف على دمه، أو جَلْدِ ظهره، أو هدم داره، كيف ترى في ذلك؟ قال مالكٌ: أمَّا هدم داره وجَلْدُ ظهره أو سجنه، فإنْ يصبر على ذلك ويترك العمل خيرٌ له وإِنْ ضُرِبَ، وَأَمَّا أن يبلغ به دمه، فلا أدري ما حدّ ذلك، ولعلَّ له في ذلك سعةً إن عمل (٢). • إِنَّمَا قالَ ذَلِكَ؛ لأنَّ الَّذِي يريده على العمل له: (إن كان غير عدلٍ: فلا يجوز لأحدٍ إعانته على أموره؛ لأنَّه متعدٍّ فيما يفعله، فيجب أن يصبر على المكروه ويدع العمل معه، إلَّا أن يُكْرَه على ذلك بالضَّرب والحبس وأشباه ذلك من القتل وغيره، فيجوز له أن يعمل معه بعد أن يتحرَّى العدل والإنصاف إن أمكنه، وإن لم يمكنه، لم يجز له أن يعدل الحقَّ عن أهله. ويجب عليه أن يصبر على ما يلحقه من المكروه؛ لأنَّ حفظ حرمته في نفسه وماله وحريمه ليست بأولى من حرمة المسلمين، فلا يجوز له أن يهتك حرمة غيره ويُبْطِلَ حقَّه من مالٍ أو دمٍ أو عرضٍ، لحفظ حرمته في ذلك.

стр. 2691

(فأمَّا إذا كان من دعاه إلى العمل له عدلاً: فَإِنَّهُ يُسْتَحبّ له أن يعينه إذا أمكنه ذلك واتَّسع صدره له؛ لأنَّ في إعانته له فعلَ خيرٍ وقربةً إلى الله تعالى، وقد قال الله : ﴿وَتَعَاوَنُوا عَلَى الْبِرِّ وَالتَّقْوَى﴾ [المائدة:٢]، وقال النَّبيُّ ﷺ : «المُؤْمِنُونَ كَالبُنْيَانِ، يَشُدُّ بَعْضُهُمْ بَعْضاً» (١). وروى الأعمش، عن يحيى بن وثَّابٍ (٢)، عن ابن عمر، عن النَّبيِّ ﷺ قال: «المُؤْمِنُ الَّذِي يُخَالِطُ النَّاسَ وَيَصْبِرُ عَلَى أَذَاهُمْ، خَيْرٌ مِنَ المُؤْمِنِ الَّذِي لَا يُخَالِطُ النَّاسَ وَلَا يَصْبِرُ عَلَى أَذَاهُمْ» (٣). •••

стр. 2692

باب ما جاء في نظر العبد إلى شعر مولاته (١) [٣٢١١] قال ابن وهبٍ: سُئِلَ مالكٌ عن المرأة، لها العبد نصفُهُ حُرٌّ، أيرى شعرها؟ قال: لا. فقيل له: لو كان لها كلّه، أيرى شعرها؟ قال: أمَّا العبد الوغد من العبيد، فلا أرى بذلك بأساً، وإن كان عبداً فارِهَاً، فلا أرى ذلك لها. قال مالكٌ: والسِّتر أحبُّ إليَّ (٢). • إِنَّمَا قالَ ذَلِكَ؛ لأنَّهُ إذا كان بعضه حرّاً، ففيه من حُرْمَةِ الحريَّة شيءٌ، ويكره لها أن يرى شعرها مَنْ فيه حريَّةٌ وليس بمحرمٍ لها. فأمَّا إذا كان عبداً لها، فلا بأس أن يرى شعرها؛ لأنَّه لا يحلُّ له أن يتزوَّج بها وهو عبدٌ لها، فصار بمنزلة المحرّم لها في هذه الحال. فأمَّا إذا كان عبداً له حُسْنٌ وجمالٌ، كُرِهَ ذلك لها من غير تحريمٍ؛ خوف الفتنة عليها وعليه بِنَظَرِهِ إلى محاسنها. •••

стр. 2693

باب ما جاء في النوم بعد صلاة الصبح (١) [٣٢١٢] وسُئِلَ مالكٌ عن النّوم بعد صلاة الصُّبح؟ فقال: غيره أحسنُ منه، وليس بحرامٍ (٢). • إِنَّمَا قالَ ذَلِكَ؛ لأنَّ فعل هذا يجري مجرى السَّرف؛ لأنَّهُ يُقرِّبُ نومة اللّيل، إلَّا أن يكون مِمَّنْ يصلِّي اللَّيل، فيجوز له أن ينام إذا أصبح. وقد رُوِيَ عن بعض من تقدَّم أَنَّهُ قال: «النَوْمُ أَوَّل النَّهَارِ خَرَقٌ، وَوَسَطَهُ خُلُقٌ، وَآخِرَهُ حُمْقٌ» (٣). ••• [٣٢١٣] قال ابن وهبٍ وابن القاسم: سُئِلَ مالكٌ عن الرّجل يلبس الخَاتَمَ، يكون نقش فُصِّه تمثالاً؟ فقال: لا خير (٤) (٥). • إِنَّمَا قالَ ذَلِكَ؛ لأنَّ اتخاذ التِّمثال ولُبس ما هو فيه مكروهٌ.

стр. 2694

ولأنَّ ذلك من فعل الأعاجم، ويكره الاقتداء بهم، ويستحبُّ الاقتداء بفعل رسول الله ﷺ وأصحابه، ولم يكن ذلك من زِيِّهِم. ••• [٣٢١٤] قال ابن القاسم: سألت مالكاً عن الرّجل يلبس الخَاتَمَ فيه ذكر الله ، أيلبسه في الشِّمال وهو يستنجي به؟ فقال: أرجو أن يكون خفيفاً (١). • إِنَّمَا قالَ ذَلِكَ؛ لأنَّ نزعه خاتمه كلَّما أراد أن يبول أو يستنجي يشقّ عليه، فجاز له أن يستنجي بيده وإن كان فيها خاتمٌ فيه ذكر الله؛ للحاجة إلى ذلك. ألا ترى: أنَّ النَّبيَّ ﷺ : «نَهَى أَنْ يُسَافَرَ بِالقُرْآنِ إِلَى أَرْضِ العَدُوِّ» (٢)، وقد كتب إليهم كُتُبَاً فيها يسيرٌ من القرآن، فجاز ذلك للضَّرورة إليه، فكذلك هذا (٣). ••• [٣٢١٥] سُئِلَ مالكٌ (٤) عن لُبْسِ الخَاتَمِ، يُجْعَلُ فيه المسمار من الذَّهب في فصِّهِ؟ فكره ذلك أن يُجعَلَ فيه.

стр. 2695

قيل له: الرّجل يجعل في فصِّ خاتمه الحبَّة أو الحبَّتين من الذَّهب، يُخْلَط بالفضَّة لئلا تصدأ الفضَّة؟ فكره ذلك، وقال: «إنَّ رَسُولَ الله ﷺ لَبِسَ خَاتَمَاً مِنْ ذَهَبٍ، ثمَّ نَبَذَهُ فَرَمَى بِهِ، فَرَمَى النَّاسُ بِخَوَاتِيمِهِمْ حِينَ رَأَوا النَّبِيَّ ﷺ رَمَى بِخَاتَمِهِ» (١) (٢). • إنَّما قال ذلك؛ لأنَّه لا ضرورة به إلى لُبْس الذَّهب أو شيءٍ فيه ذهبٌ، وذلك مكروهٌ له؛ لأنَّ رسول الله ﷺ نهى الرِّجال عن لبس الذَّهب والحرير، ونَبَذَ خاتم الذَّهب. ••• [٣٢١٦] قال ابن وهبٍ: قال مالكٌ في التَّخَتُّمِ بالحديد والنُّحاس: لم أزل أسمع أنَّ الحديد مكروهٌ، فأمَّا غيره فلا (٣). • إِنَّمَا كره لُبْسَ خَاتَمِ الحديد؛ لأنَّ ذلك من فِعْلِ الأعاجم، فيكره الاقتداء بهم، وأحسب أنَّه قد رُوِيَ فيه نهيٌ (٤). •••

стр. 2696

باب ما جاء في شرب الحامل الدواء (١) [٣٢١٧] قال ابن وهبٍ وابن القاسم: سُئِل مالكٌ عن الحامل، يُوصف لها الشَّراب من ألمٍ (٢) تجده في جوفها؟ قال: أمَّا كلُّ شرابٍ يُخاف منه، فلا خير فيه، وأمّا كلُّ شرابٍ لا يُخَاف منه، فلا بأس به. قال مالكٌ: مِنَ الأشربة أشرِبَةٌ معروفةٌ، لا بأس بها، وإنَّ أهل هذا الزَّمان فيه اجترؤوا فيه على الطبِّ (٣) (٤). • إِنَّمَا قالَ ذَلِكَ؛ لأنَّ شرب الدَّواء الَّذِي هو سليمٌ في الغالب مباحٌ، وقد قال النَّبيُّ ﷺ : «تَدَاوَوْا عِبَادَ اللهِ» (٥)، وقال: «مَا أَنْزَلَ الله دَاءً، إِلَّا أَنْزَلَ لَهُ دَوَاءً،

стр. 2697

عَلِمَهُ مَنْ عَلِمَهُ، وَجَهِلَهُ مَنْ جَهِلَهُ» (١)، فجائزٌ للحامل وغيرها شرب الدَّواء السَّليم في الأغلب. فأمَّا ما لم يكن سليماً في الأغلب، لم يجز للحامل ولا غيرها شربه، وبخاصَّةٍ الحامل؛ لخوفها على حملها. •••

стр. 2698

باب ما ينبغي للوالي أن يتعاهده من أمور الناس (١) [٣٢١٨] قال ابن وهبٍ وابن القاسم: سألنا مالكاً عن عمر بن الخطاب ﵁ حين كان يَخْرُجُ إلى الحوائط، فيُخَفِّفُ عمَّن أُثْقِلَ من الرَّقيق في عمله، ويزيد في رزق من قلَّ رزقه (٢)، أكان ذلك في رقيق النَّاس؟ قال مالكٌ: نعم، وغيرُهم من الأحرار إذا كُلِّفُوا من العمل ما لا يطيقون. فقيل لمالكٍ: فإنَّ الولاة عندنا يوكِّلُون الشُّرَطَ بمن مرَّ بهم ببعيرٍ مُثْقَلٍ، أو بغلٍ، أن يخفِّفُوا عنه، أفترى ذلك؟ قال: نعم، أرى أنْ قد أصابوا (٣). • إِنَّمَا قالَ ذَلِكَ؛ لأنَّ تكليف الرَّقيق والأحرار من العمل ما لا يطيقون ظلمٌ، وكذلك الحمل على الدَّواب ما لا تطيقه ظلمٌ، فيجب على إمام المسلمين ومن ينظر في أمورهم من قِبَلِهِ، أن يزيل الظُّلم عن النَّاس كلّهم وعن الدوابّ؛ لأنَّ ذلك أمرٌ بمعروفٍ ونهيٌ عن منكرٍ، وقد قال الله : ﴿وَافْعَلُوا الْخَيْرَ﴾ [الحج:٧٧]، وقال: ﴿تَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ﴾ [آل عمران:١١٠] فوجب ذلك على أئمَّة المسلمين، وعلى كلّ من يطيق تغيير ذلك من المسلمين. •••

стр. 2699

باب ما جاء في تقبيل يد الرجل ومعانقته، ومصافحته غير المسلم (١) [٣٢١٩] قال ابن القاسم: وسُئِلَ مالكٌ عن الرَّجُلِ، يأتيه المولى وما أشبهه فيقَبِّلُ يده؟ فأنكر ذلك وقال: ما أحبُّه، وليس من عمل من مضى (٢). • إنَّما قال ذلك؛ لأنَّ فعل هذا فيه كِبْرٌ وتعظيمٌ لمن فُعِلَ به ذلك، وذلك مكروهٌ؛ لأنَّهُ يُسْتَحَبُّ للإنسان أن يتواضع لله ولا يتكبَّر، وقد قال رسول الله ﷺ : «يَقُولُ الله ﵎: الكِبْرِيَاءُ رِدَائِي، وَالعَظَمَةُ إِزَارِي، فَمَنْ نَازَعَنِي كَبَبْتُهُ لِوَجْهِهِ» (٣)، وقال النَّبيُّ ﷺ : «لَا يَنْظُرُ الله إِلَى مَنْ جَرَّ إِزَارَهُ بَطَرَاً» (٤). فأمَّا إذا قبَّل إنسانٌ يد إنسانٍ، أو وَجْهَهُ، أو شيئاً من بَدَنِه - ما لم يكن عورةً - على وجه القربة إلى الله ؛ لدينه، أو لعلمه، أو لشرفه، فإنَّ ذلك جائزٌ. وقد قبَّل أصحاب رسول الله ﷺ يَدَهُ، قال ابن عمر في قصَّة السَّريَّةِ،

стр. 2700

حيث فرُّوا ورجعوا إلى المدينة: «فَأَتَوا رَسُولَ الله ﷺ وَقَالُوا: نَحْنُ الفَرَّارُونَ يَا رَسُولَ الله، قَالَ: بَلْ أَنْتُمُ العَكَّارُونَ، قَالَ: فِئَةُ المُؤْمِنِينَ، قَالَ: فَقَبَّلْنَا يَدَهُ» (١). وقَبَّلَ أبو لبابةٍ وكعب بن مالكٍ وصاحبهما يد رسول الله ﷺ حين تاب الله عليهم (٢). وكان أصحاب رسول الله يُقَبِّلُونَ رسول الله ﷺ ؛ تَقَرُّبَاً إلى الله (٣). وقبَّلَ أبو عبيدة بن الجراح يَدَ عمر بن الخطاب (٤). (فكلُّ ما كان على وجه القربة إلى الله ، جاز.
следующие страницы →