← Фикх малики

Фикх малики · id 1326

شرح المختصر الكبير للأبهري

الأبهري

Полный текст (2 801 стр.). Показаны 281–320 · переход к 286.

стр. 281

* [٢٨٩] وَلَا يَخْضِبُ رَأْسَهُ وَلِحْيَتَهُ بِحِنَّاءٍ، وَإِنْ لَمْ يجْعَلْ خِرَقاً (١). ••• * [٢٩٠] وَلَا بَأْسَ بِالخَبِيصِ، والخُشْكَنَانِ (٢)، وَمَا طَبَخَتْهُ النَّارُ مِنَ الزَّعْفَرَانِ (٣). ••• * [٢٩١] وَتُكْرَهُ الدُّقَةُ الصَّفْرَاءُ (٤)، وَالأُشْنَانُ الأَصْفَرُ، وَالشَّرَابُ الَّذِي فِيهِ

стр. 282

الكَافُورُ وَالطِّيبُ (١). ••• * [٢٩٢] وَلَا بَأْسَ بِشُرْبِ الفَلُّونِيَّةِ (٢) وَالتِّرْيَاقِ (٣). ••• * [٢٩٣] وَإِنْ شَرِبَ المُحْرِمُ شَرَاباً فِيهِ طِيبٌ، فَلَا يَعُودُ، وَلَا شَيْءَ عَلَيْهِ (٤).

стр. 283

••• باب في الصبي يحج (١) * [٢٩٤] وَلَا بَأْسَ بِالحَجِّ بِالصَّبِيِّ (٢). ••• * [٢٩٥] وَيَجْتَنِبُ مَا يَجْتَنِبُ الكَبِيرُ (٣). ••• * [٢٩٦] وَيُطَافُ بِهِ، وَيُسْعَى وَيُرْمَى عَنْهُ إِذَا كَانَ لَا يَقْوَى (٤). •••

стр. 284

* [٢٩٧] وَلَا يُجْزِي ذَلِكَ عَنْهُ مِنْ حَجَّةِ الإِسْلَامِ (١). ••• [إنَّما قال ذلك] (٢)؛ [لأنّ عمل الحجّ عملٌ من] (٣) أعمال الأبدان، وليس يلزم أعمال الأبدان غير [البالغيـ]ـن (٤). وقد روى حماد (٥)، عن إبراهيم، عن الأسود، عن عائشة، عن النّبيّ ﷺ قال: «رُفِعَ القَلَمُ عَنِ الصَّبِيِّ حَتَّى يَحْتَلِمَ، وَعَنِ المَجْنُونِ حَتَّى يُفِيقَ، وَعَنِ النَّائِمِ حَتَّى يَنْتَبِهَ» (٦).

стр. 285

وقد روينا عن النّبيّ ﷺ أنَّهُ قال: «أَيُّمَا مَمْلُوكٍ حَجَّ، ثُمَّ أُعْتِقَ فَعَلَيْهِ حَجَّةُ الإِسْلَامِ، وَأَيُّمَا صَبِيٍّ حَجَّ وبلغ فَعَلَيْهِ حَجَّةُ الإِسْلَامِ، وَأَيُّمَا أَعْرَابِيٍّ حَجَّ، ثُمَّ هَاجَرَ فَعَلَيْهِ حَجَّةُ الإِسْلَامِ» (١). ••• [٢٩٨] مَسْأَلَةٌ: قَالَ: وَإِذَا أَصَابَ صَيْداً، وَدَاهُ (٢) (٣). • إنَّمَا قال ذلك؛ لما ذكرنا أنَّ حكم الإحرام قد لزمه، فاستوى هو والكبير فيما يلزمه من ذلك مما يقتله من جزاء الصيد؛ لأنَّ الجزاء يجب على قاتل الصّيد في الإحرام والحرم عمداً أو خطأً، والصبي فقَتْلُه للصّيد يجري مجرى الخطأ (٤). ••• [٢٩٩] مَسْأَلَةٌ: قَالَ: وَإِنِ احْتَاجَ إِلَى شَيْءٍ مِمَّا فِيهِ الفِدْيَةُ، فُدِيَ عَنْهُ (٥).

стр. 286

• إنَّمَا قال ذلك؛ لأنَّ حكمه في ثبوت حرمة الإحرام منه، ومن الكبير واحدٌ، فإذا فعل شيئاً لا يجوز فعله إلَّا بفديةٍ، وجبت عليه الفدية. ••• [٣٠٠] مَسْأَلَةٌ: قَالَ: وَيُؤَخِّرُ إِحْرَامَهُ حَتَى يَدْنُوَ مِنْ مَرِّ الظَّهْرانِ (١) وَمَا أَشْبَهَهُ، وَأَرْجُو أَنْ يَكُونَ تَرْكُ القِلَادَةِ وَالسِّوَارَينِ عَلَيْهِ خَفِيفاً (٢). • إنَّمَا قال: يؤخِّر إحرامه حتى يدنو من مكة؛ فلأنَّ الصبي لا يكاد يمتنع من الشيء إذا أراده، فليس يؤمن معه أن يفعل شيئاً منهياً عنه، فاستحب أن يؤخِّر إحرامه حتى يقرب من مكة. وترك السوارين والقلادة عليه خفيفٌ. ••• [٣٠١] مَسْأَلَةٌ: قَالَ: وَيْرَكَعُ الصَّبِيُّ رَكْعَتَيِ الطَّوَافِ وَلَا تُرْكَعُ عَنْهُ، وَالصَّبِيَّةُ مِثْلُ الصَّبِيِّ (٣). • قوله: «لا تركع عنه»؛ فلأنه لا يجوز أن يصلي أحدٌ عن أحدٍ،

стр. 287

ولا يصوم أحدٌ عن أحدٍ، فإذا كان الصبي ممن يحسن أن يصلي، صلى، وإلَّا لم يُصَلَّ عنه، وليس هو مثل سائر أفعال الحجّ الذي يمكن أن يُفْعَلَ به، مثل الإحرام والوقوف بعرفة، والطواف. ولا فصل بين الصبي والصبية في الحج؛ لاستوائهما في حرمة الإحرام (١). ••• [٣٠٢] مَسْأَلَةٌ: قَالَ: وَلَا بَأْسَ أَنْ يَحْلِقَ أَوْ يُقَصِّرَ، والحِلَاقُ أَحَبُّ إِلَيْنَا (٢). • إنَّمَا قال ذلك؛ لأنَّ الله قال: ﴿مُحَلِّقِينَ رُءُوسَكُمْ وَمُقَصِّرِينَ لَا تَخَافُونَ﴾ [الفتح:٢٧]؛ ولأنَّ أصحاب رسول الله ﷺ منهم مَن حلق ومنهم من قصَّر. واختار مالك الحلق؛ لأنَّ رسول الله ﷺ حلق رأسه في حجته؛ ولأنه قال: «يَرْحَمُ اللهُ المُحَلِّقِينَ، قِيلَ: يَا رَسُولَ اللهِ وَالمُقَصِّرِينَ، قال: يَرْحَمُ اللهُ المُحَلِّقِينَ، قِيلَ: يَا رَسُولَ اللهِ وَالمُقَصِّرِينَ، قَالَ: وَالمُقَصِّرِينَ، فِي الثَّالِثَةِ أَوِ الرَّابِعَةِ» (٣)، فلهذا استحب مالك الحلق، وأيهما فعل جاز (٤). •••

стр. 288

[٣٠٣] مَسْأَلَةٌ: قَالَ: وَإِنِ احْتَلَمَ الصَّبِيُّ أَوْ حَاضَتِ الجَارِيَةُ فِي حَرَمِهِمَا، لَمْ يُجْزِهِمْ ذَلِكَ مِنْ حَجَّةِ الإِسْلَامِ (١). • إنَّمَا قال ذلك؛ لأنَّ حجهما تطوعٌ، وليس يجوز أن يحج الإنسان التّطوع فيجزيه عن فرضه، لكن عليه أن يتمَّ التّطوع، ثم يحج الفريضة؛ لأنَّ النّبيّ ﷺ قال: «الأَعْمَالُ بِالنِّيَّاتِ، ولِكُلِّ امْرِئٍ مَا نَوَى» (٢)، فالحج يجب أن يكون فرضه بنيةٍ وتطوُّعه بنيَّةٍ، لا ينوب التّطوع عن الفرض. ولو جاز ذلك في الحجّ، لجاز في الصلاة والصيام أن يتطوع بهما فيكون عن فرضه، وذلك غير جائزٍ. فإن قيل: إنَّ النبي صَلَّى الله عَلَيْهِ قال لرجلٍ سمعه يقول: «لَبَّيْكَ عَنْ شُبْرُمَةَ، أَحَجَجْتَ (٣) عَنْ نَفْسِكَ؟، قَالَ: لَا، قَالَ: فَحُجَّ عَنْ نَفْسِكَ، ثُمَّ لَبِّ [عَنْ شُبْرُمَةَ» (٤)، فأمر حجّه أن يجعله عن نفسه، وإن كان قد أحرم عن شبرمة، فثبت بهذا أنه يجوز أن يتطوّع بالحج] (٥)، ثم يكون عنه. قيل له: صحَّ هذا الحديث من قول ابن عباس (٦)، فإن صحَّ سند ذلك، فمعنى

стр. 289

قوله صَلَّى الله عَلَيْهِ: «حُجَّ عَنْ نَفْسِكَ»، أي: من سبيلك أن تحج عن نفسك، ثم عن شبرمة، ولم يقل له: اجعلها عن نفسك، ثم حج عن شبرمة، وهذا كما يقول الإنسان لغيره: عظ نفسك، ثم عظ غيرك، وليس مُحَرَّمٌ على الإنسان أن يعظ غيره وإن كان لا يتَّعظ. ويجوز أن يكون الذي يحج عن شبرمة غير مستطيعٍ الحجّ عن نفسه، فيصير حجُّه عن شبرمة، ثم يحج عن نفسه. فإن قيل: «قَدْ أَحْرَمَ عَلِيُّ بن أَبِي طَالِبٍ ﵁ وَأَبُو مُوسَى الأَشْعَرِيُّ مِنَ اليَمَنِ، فَقَدِمَا مَكَّةَ، فَقَالَ لَهُمَا النَّبِيُّ صَلَّى الله عَلَيْهِ: بِمَ أَحْرَمْتُمَا؟، فَقَالَا: بِإِحْرَامٍ كَإِحْرَامِ النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْه» (١)، وهما لم يعلما ذلك. قيل له: إنَّما عرَّفاه أنَّ إحرامهما مثل إحرامه، أي: أنّهما أفردا (٢)، أو يكونا قد سمعا أنَّ النبي صَلَّى الله عَلَيْهِ أفرد فأحرما كإحرامه، لا أنهما أحرما في غير حجٍّ ولا عمرةٍ؛ لأنَّ ذلك لا يجوز. ولو جاز للإنسان أن يصرف إحرامه إلى حجٍّ أو عمرةٍ من غير أن ينويه عن نفسه، لجاز ذلك له في الصلاة والصيام أن يدخل فيهما بغير نيةٍ، ثم يصرف ذلك إلى فرضٍ أو نفلٍ، وكذلك سائر الفرائض، وهذا مخالفةٌ للأصول وفعل ما أمر الله سبحانه ورسوله صلى الله عليه، واتَّفق المسلمون عليه من وجوب

стр. 290

النيّة عند الدخول في أعمال القرب إلى الله ، من الصلاة والصيام وغير ذلك (١). ••• باب ما جاء في قتل الصّيد للمحرم (٢) [٣٠٤] مَسْأَلَةٌ: قَالَ: وَمَنْ قَتَلَ صَيْداً وَهُوَ مُحْرِمٌ، فَسَوَاءٌ كَانَ في يَدِهِ قَبْلَ أَنْ يُحْرِمَ (٣) أَوِ اشْتَرَاهُ بَعْدَ حَرَمِهِ، فَعَلَيْهِ جَزَاءٌ (٤). ...... (٥) كان في ملكه أو غير ملكه.

стр. 291

••• [٣٠٥] مَسْأَلَةٌ: قَالَ: وَمَنْ قَتَلَ صَيْداً فِي الحَرَمِ وَهُوَ حَلَالٌ، فَهُوَ بِمَنْزِلَةِ المُحْرِمِ يَقْتُلُ الصَّيْدَ (١). • يعني في وجوب الجزاء عليه؛ لأنَّ المحرم إنَّما لزمه الجزاء في قتل الصّيد لدخوله في الإحرام الذي تزول حرمته بإتيانه الحرم، أعني أن يأتي الحرم، ثم يحج أو يعتمر، وجب (٢) أن يكون عليه الجزاء متى قتل صيداً في الحرم؛ من قِبَل أنَّ الحرم أعظم حرمةً من الإحرام؛ لأنَّ حرمته مؤبدةٌ ولا تزول، وليس كذلك حرمة المحرم؛ لأنها تزول بالإحلال، وقد قال النّبيّ ﷺ في الحرم: «لَا يُنَفَّرُ صَيْدُهُ» (٣)، ولا خلاف في ذلك بين العلماء فيما نعلمه.

стр. 292

وقد جعل جماعةٌ من أصحاب رسول الله ﷺ في حمام مكة شاةً (١). ••• [٣٠٦] مَسْأَلَةٌ: قَالَ: وَمَا قَتَلَ المُحْرِمُ أَوْ ذَبَحَ خَطَأً أَوْ عَمْداً، فَلَا يَحِلُّ لِحَلَالٍ وَلَا حَرَامٍ (٢)، وَلَيْسَ عَلَى حَلَالٍ أَكَلَهُ جَزَاءٌ (٣). • إنَّمَا قال ذلك؛ لأنَّ قتل المحرم وذبحه خطأً أو عمداً ليس بذكاةٍ له، ولا يجوز أكل الصّيد وغيره من بهيمة الأنعام إلَّا بذكاةٍ، والمحرم فليس ممن يجوز له أن يذكي الصّيد، هو ممنوعٌ من ذلك من أجل حرمة الإحرام والتَّديّن، كما كان المجوسي لا يجوز له أن يذبح لنا ما نأكله؛ لأنا ممنوعون من أكل ذلك من أجل دين المجوسي؛ لأنه لا يجوز لنا أن نأكل ما ذبحه، كذلك المحرم لا يجوز لنا أن نأكل ما يذبحه من الصيد؛ لأنَّهُ ليس من أهل التذكية. وقد ردَّ النّبيّ ﷺ على الصعب بن جثامة حيث أهدى إليه رِجْلَ حمارٍ وحشي، وفي بعض الأحاديث: حمار وحش، وأيهما كان عرض [ ...... ] (٤). وقد روى مالك، عن ابن شهاب، عن عبيد الله بن عبد الله بن عتبة بن

стр. 293

مسعود، عن ابن عباس، عن الصعب بن جثامة: «أَنَّهُ أَهْدَى لِرَسُولِ اللهِ ﷺ حِمَارَ وَحْشٍ، وَهُوَ بِالأَبْوَاءِ أَوْ بِوَدَّانَ، فَرَدَّهُ عَلَيْهِ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ، فَلَمَّا رَأَى رَسُولُ اللهِ ﷺ مَا فِي وَجْهِهِ، قَالَ: إِنَا لَمْ نَرُدَّهُ عَلَيْكَ إِلَّا أَنَّا حُرُمٌ» (١). وقوله: «ليس على حلالٍ أكله جزاءٌ»؛ فلأنَّ الجزاء قد وجب على قاتله، فليس يجب على غيره إذا أكله؛ لأنَّهُ بمنزلة من أكل ميتةً، ولا جزاء على من أكل ميتةً، سواء كان حلالاً أو محرماً (٢). ••• [٣٠٧] مَسْأَلَةٌ: قَالَ: وَمَا صِيدَ لِلْمُحْرِمِينَ، فَلَا يُؤْكَلُ، وَمَا لَمْ يُصَد لِلْمُحْرِمِينَ، فَلَا بَأْسَ بِأَكْلِهِ (٣) (٤). • إنَّمَا قال ذلك؛ لأنَّهُ إذا صيد للمحرمين فكأنه قد قُتِلَ من أجلهم، وكأن المحرم قتله، فيكره أن يأكله محرمٌ أو حلالٌ، كما لا يجوز أن يأكل محرمٌ أو حلالٌ مما ذبحه المحرم من الصيد. وقد روى مالك، عن هشام بن عروة، عن أبيه، عن عائشة أنها قالت: «يَا

стр. 294

ابْنَ أُخْتِي، إنَّما هُوَ عَشْرُ لَيَالٍ، فَإِنْ تَخَلَّجَ فِي نَفْسِكَ شَيْءٌ فَدَعْهُ» (١)، وَذَلِكَ في أَكْلِ لَحْمِ الصَّيْدِ. وروى مالكٌ، عن عبد الرحمن بن أبي بكر (٢)، عن عبد الله بن عامر بن ربيعة (٣)، أنَّهُ قال: «رَأَيْتُ عُثْمَانَ بْنَ عَفَّانَ ﵁ بِالعَرْجِ وَهُوَ مُحْرِمٌ فِي يَوْمٍ صَائِفٍ، وَقَدْ غَطَّى وَجْهَهُ بِقَطِيفَةِ أُرْجُوَانٍ، ثُمَّ أُتِيَ بِلَحْمِ صَيْدٍ، فَقَالَ لِأَصْحَابِهِ: كُلُوا، فَقَالُوا: أَوَلَا تَأْكُلُ أَنْتَ؟، قَالَ: إِنِّي لَسْتُ كَهَيْئَتِكُمْ، إنَّما صِيدَ مِنْ أَجْلِي» (٤). ••• [٣٠٨] مَسْأَلَةٌ: قَالَ: وَمَنْ صِيدَ مِنْ أَجْلِهِ صَيْدٌ فَأَكَلَ مِنْهُ، فَعَلَيْهِ جَزَاؤه، وَإِنْ أَكَلَ مِنْهُ مُحْرِمٌ غَيْرُهُ، فَلَا شَيْءَ (٥) عَلَيْهِ، وَلَا نُحِبُّ لِحَلَالٍ أَنْ يَأْكُلَهُ (٦) (٧).

стр. 295

.. [وإنما وجب عليه الجزاء إذا أكل ممَّا صِيدَ من أجله؛ من قِبَلِ أنَّه رضي بفعل الذي قتله، فكأنه الذي أتلفه، فوجب عليه] (١) الجزاء لهذه العلَّة. فإن أكل منه حلالٌ لم يكن عليه شيءٌ؛ لأنَّ الحلال يجوز له قتل الصيد. فإن أكل منه محرمٌ غير الذي ذُبِح من أجله لم يكن عليه شيءٌ؛ لأن تَلَفَهُ لم يقع من أجل الذي أكله فيكون راضياً بفعل من أتلفه (٢). وقد ذكرنا قبل هذه المسألة عن عثمان ﵁، أنَّهُ قال لأصحابه: «كلوا» ولم يأكل هو، فقيل له في ذلك، فقال: «إنَّما صيد من أجلي». وقد روى المطلب بن عبد الله بن حنطب (٣)، عن جابر بن عبد الله، عن النّبيّ ﷺ قال: «لَحْمُ الصَّيْدِ لَكُمْ حَلَالٌ، مَا لَمْ تَصِيدُوهُ أَوْ يُصَدْ لَكُم»، هذا معنى الحديث (٤). •••

стр. 296

[٣٠٩] مَسْأَلَةٌ: قَالَ: وَمَا صِيدَ لِلْمُحْرِمِينَ قَبْلَ إِبَّانِ الإِحْرَامِ أَوْ ذُبِحَ (١) فِي ذَلِكَ الإِبَّانِ، فَلَا بَأْسَ بِهِ، وَإِنَّمَا يُكْرَهُ مِنْ ذَلِكَ مَا ذُبِحَ لِلْمُحْرِمِينَ بَعْدَ الحُرْمِ (٢). • إنَّمَا قال ذلك؛ لأنَّ المحرم لا يجوز له أكل ما ذبحه المحرم أو يذبح له، فأمَّا غير ذلك فلا بأس عليه في أكله، والوجهان المكروهان له أكله فليسا موجودين هاهنا. ••• [٣١٠] مَسْأَلَةٌ: قَالَ: وَمَنْ قَتَلَ صَيْداً وَأَكَلَهَ، فَلَيْسَ عَلَيْهِ إِلَّا كَفَّارَةٌ وَاحِدَةٌ (٣) (٤). • إنَّمَا قال ذلك؛ لأنَّهُ قد أتلفه بالقتل وقد وجب عليه الجزاء، وأَكْلُهُ بعد ذلك منه فكأنه أكل ميتةً، ولا جزاء عليه فيه. ••• [٣١١] مَسْأَلَةٌ: قَالَ: وَفِي الجَرَادَةِ قَبْضَةٌ (٥). • وقد روينا عن عمر ﵁ أنَّهُ قال: «تَمْرَةٌ خَيْرٌ مِنْ جَرَادَةٍ» (٦). •••

стр. 297

[٣١٢] مَسْأَلَةٌ: قَالَ: وَإِذَا دَلَّ حَرَامٌ (١) حَلَالاً عَلَى صَيْدٍ أَوْ نَاوَلَهُ سَوْطاً (٢)، فَأَرَاهُ آثِماً (٣)، فَلَا (٤) جَزَاءَ عَلَيْهِ (٥). • إنَّمَا قال ذلك؛ لأنَّهُ لم يتلف الصّيد بدلالته، لأنَّ دلالته غير مُبَاشَرَةِ فعل القتل الذي يجب الجزاء به، سواءٌ كان منفرداً أو مشاركاً. ألا ترى: أنَّ [ .......... ] (٦) على المدلول ولو باشر قتله أو [ ....... ] (٧)، فكذلك الدلالة على قتل الصيد. فإن قتله أو أمر بقتله [كان عليه الجـ]ـزاء (٨) كما يكون عليه القتل إذا قتله أو أمر بقتله على وصفٍ ما، والله أعلم. •••

стр. 298

[٣١٣] مَسْأَلَةٌ: قَالَ: وَمَا أَوْطَأَ المُحْرِمُ دَابَّتَهُ فِي سِيَاقٍ أَوْ قِيَادٍ مِنَ الصَّيْدِ فَقَتَلَهُ، فَعَلَيْهُ جَزَاؤُهُ، وَمَا نَفَحَتْ (١) بِيَدٍ أَوْ رِجْلٍ، فَلَا شَيْءَ عَلَيْهِ، إِلَّا أَنْ يَكُونَ مِنْ سَبَبِهِ (٢). • إنَّمَا قال في السائق والقائد: «إنَّ عليهما الجزاء»؛ لأنَّ قتل الدابة كان بسببهما؛ لأنهما كانا يقدران على صرفها في القياد والسياق عن قتل الصيد. وما نفحت بيديها أو رجليها فلا شيء عليه؛ لأنَّهُ لا يمكنه منعها من ذلك، فليس منه تفريطٌ بترك حفظها حتى قتلت. ••• [٣١٤] مَسْأَلَةٌ: قَالَ: وَإِذَا كَثُرَ الجَرَادُ عَلَى النَّاسِ فِي حَرَمِهِمْ فَلَمْ يَسْتَطِيعُوا التَّحَفُّظَ مِنْهُ، فَلَيْسَ عَلَيْهِمْ فِي ذَلِكَ شَيْءٌ إِذَا لَمْ يَتَعَمَّدُوا قَتْلَهُ، وَلَوْ أَطْعَمُوا مَسَاكِينَ، لَمْ أَرَ بِذَلِكَ بَأْساً (٣). • إنَّمَا قال: «إنَّهُ لا شيء عليهم في قتلهم»؛ لأنَّهم لا يمكنهم التحرُّزُ منه

стр. 299

ولا التحفظ عن قتله، فلم يكن عليهم شيءٌ، كما لم يكن عليهم شيءٌ فيما يسقط من شعرهم وظفرهم؛ إذ لا يمكنهم التحرُّز منه (١). ••• [٣١٥] مَسْأَلَةٌ: قَالَ: وَمَنْ أَحْرَمَ وَعِنْدَهُ شَيْءٌ مِنَ الصَّيْدِ وَهُوَ حَلَالٌ، فَلْيُخَلِّفْهُ عِنْدَ أَهْلِهِ. وَلَا يَحْمِلُ المُحْرِمُ مَعَهُ صَيْداً: طَيْراً وَلَا غَيْرَهُ (٢) (٣). • إنَّمَا قال ذلك؛ لأنَّ حمله معه الصّيد لا يأمن من إتلافه إياه بأن يتعمد ذلك أو بخطئه، فكره له حمله معه لهذه العلَّة (٤). ••• [٣١٦] مَسْأَلَةٌ: قَالَ: وَلَا يَصِيدُ المُحْرِمُ لِلضَّرُورَةِ، وَيَأْكُلُ المَيْتَةَ (٥). • إنَّمَا قال ذلك؛ لأنَّ المحرم ممنوعٌ من قتل الصّيد، فليس يجوز له قتله

стр. 300

بوجهٍ؛ لأنَّهُ قادرٌ على [تبقية الصّيد وإحيائه من غير] (١) ضرورةٍ به إلى قتله، فلم يجز له أن يقتله؛ لأ [نَّ الله ] (٢) قد منعه من ذلك بقوله: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَقْتُلُوا الصَّيْدَ وَأَنْتُمْ حُرُمٌ﴾ [المائدة:٩٥]. ويأكل من الميتة؛ لأنَّ الله أباحه أكلها عند الضرورة. ولأنه إذا قتل الصّيد وهو محرمٌ فقد صار ميتةً، فلأنْ يأكل ميتةً لم يُمِتها هو وهو يستغني عن قتلها، أولى أن يقتل، ثم يأكل، فلهذا قال مالكٌ: «إنَّهُ يأكل الميتة ولا يقتل الصيد» (٣). ••• [٣١٧] مَسْأَلَةٌ: قَالَ: وَقَتْلُ المُحْرِمِ لِلصَّيْدِ فِي الخَطَأ وَالعَمْدِ (٤) سَوَاءٌ، عَلَيْهِ الجَزَاءُ فِي ذَلِكَ (٥) (٦).

стр. 301

• إنَّمَا قال ذلك؛ لأنَّهُ قد أتلف الصّيد، فسواءٌ قتله عامداً أو مخطئاً فعليه الجزاء؛ لحصول الإتلاف منه. فإن قيل: فقد قال الله : ﴿وَمَنْ قَتَلَهُ مِنْكُمْ مُتَعَمِّدًا فَجَزَاءٌ مِثْلُ مَا قَتَلَ مِنَ النَّعَمِ﴾ [المائدة:٩٥]، فلم يوجب على المخطئ شيئاً، وإنَّما أوجب على العامد (١). قيل: إنَّما خرج الكلام على الأغلب من قتل النَّاس، ولم يمنع أن يكون المخطئ مثله في وجوب الجزاء، كما كان قوله تعالى: ﴿وَرَبَائِبُكُمُ اللَّاتِي فِي حُجُورِكُمْ مِنْ نِسَائِكُمُ﴾ [النساء:٢٣] لم يمنع أن تكون الربيبة التي ليست في الحجر محرمةٌ، وإن كان التحريم إنما هو في اللفظ في التي في الحجر، فكذلك الجزاء يجب في الخطأ، وإن كان النص إنَّما ورد في العمد؛ لاستوائهما فيما ذكرناه من علة الإتلاف (٢). وقد روى ابن جريج، عن عطاء، في الرجل إذا قتل الصّيد خطأً، قال: (يُحْكَمُ عَلَيْهِ، وَالخَطَأُ وَالعَمْدُ سَوَاءٌ) (٣) (٤). وروى محمد بن ثور، عن معمر، عن الزهري، مثله (٥). وروى عبيد الله بن معاذ (٦)، حدثنا أبي (٧)، قال: سمعت أشعث (٨)، عن

стр. 302

الحسن (١) قال: (الخَطَأُ وَالعَمْدُ عَلَيْهِ الجَزَاءُ) (٢). وهو قول عروة، وطاوس، وإبراهيم، والضحاك (٣). ••• * [٣١٨] وَإِذَا قَتَلَ قَوْمٌ جَمِيعاً صَيْداً وَهُمْ مُحْرِمُونَ، فَعَلَى كُلِّ إِنْسَانٍ مِنْهُمُ الكَفَّارَةُ (٤).•••

стр. 303

[٣١٩] وَإِذَا (١) أَصَابَ المُعْتَمِرُ الصَّيْدَ بَعْدَ الطَوَافِ وَقَبْلَ السَّعْيِ، فَعَلَيْهِ الجَزَاءُ (٢).

стр. 304

• إنَّمَا قال ذلك؛ لأنَّ حكم الإحرام باقٍ عليه، لم ينحل منه شيءٌ حتى يفرغ من السعي، فإذا اصطاد قبله، وجب عليه الجزاء؛ لأنَّ الله تعالى إنَّما أباحه الصّيد إذا حلَّ بقوله: ﴿وَإِذَا حَلَلْتُمْ فَاصْطَادُوا﴾ [المائدة:٢]، وإحلال المعتمر هو بالطواف والسعي. ••• [٣٢٠] مَسْأَلَةٌ: قَالَ: وَلَا يَضْمَنُ السَّيِّدُ جَزَاءَ مَا قَتَلَ عَبْدُهُ المُحْرِمُ (١). • يعني: أنَّ ذلك على العبد في ماله إن كان له مالٌ، وإن لم يكن له مالٌ فهو في ذمته، وهو مخيرٌ في جزاء الصّيد كما الحر مخيرٌ بين المثل من النعم أو الإطعام أو الصّيام.

стр. 305

وذلك عليه دون سيده، كما أنَّ عليه أن يصوم ويصلي وينفق على زوجته وأشباه ذلك، فكذلك جزاء الصيد (١). ••• [٣٢١] مَسْأَلَةٌ: قَالَ: وَلَيْسَ عَلَى مَنْ أَصَابَ صَيْداً جَزَاءٌ إِذَا كَانَ قَارِناً، إِلَّا جَزَاءً وَاحِداً (٢) (٣). • إنَّمَا قال ذلك؛ لأنَّ الإحرام بالحج والعمرة لَمَّا كان واحداً، وهو الأصل والذي من أجله مُنع المحرم من أخذ الصّيد، وجب أن يكون جزاء ما قتله في هذا الإحرام واحداً، وكذلك لَمَّا كان التحليل واحداً وهو الحلق، كذلك كان الجزاء واحداً. فإن قيل: لَمَّا كان المحرم بالعمرة لو قتل الصّيد وجب عليه الجزاء، وكذلك المحرم بالحج لو قتل صيداً وجب عليه الجزاء، وجب أن يكون كذلك إذا جمعهما في إحرامٍ واحدٍ أن يكون عليه جزاءان كما كان عليه في الأصل (٤).

стр. 306

قيل له: لو وجب لهذه العلَّة أن يكون عليه جزاءان، لوجب أن يكون عليه إحرامان وحلقان. على أنَّ هذا الاعتلال فاسدٌ من قِبَلِ: أنَّ المحرم إذا قتل في الحرم كان عليه جزاءٌ واحدٌ على قولنا وقول مخالفنا (١) في هذه المسألة، ولا نعلم فيه خلافاً، ولو انفرد كل واحدٍ من الإحرام أو الحرم، لوجب عليه الجزاء متى قتل في الإحرام أو الحرم. ولما كان المحدث عليه الوضوء إذا أحدث بوجهٍ ما، ثم لو تكرر الحدث منه لكان عليه وضوءٌ واحدٌ. وكذلك لو سها في الصلاة لكان عليه سجدتا السهو، ولو تكرر السهو منه في الصلاة، لكان عليه سجدتان. وهذا قول عامة أهل الحجاز، وهو قول مالكٍ والشافعي (٢)، وقال الثوري (٣) وأبو حنيفة (٤): إنَّ عليه جزاءين (٥). •••

стр. 307

[٣٢٢] مَسْأَلَةٌ: قَالَ: وَلَا يَقْتُلُ المُحْرِمُ الطَّيْرَ الَّذِي يَكُونُ فِي البَحْرِ (١). • إنَّمَا قال ذلك؛ مِنْ قِبَلِ أَنَّ الطير الذي يكون في الماء يخرج إلى البر، فيكون فيه أيضاً ويعيش فيه، فمنع المحرم من قتله؛ لدخوله في جملة صيد البر الذي منع الله سبحانه المحرم من قتله. فأمَّا إذا كان لا يخرج إلى البر ولا يعيش فيه، فجائز للمحرم صيده وأكله، لعموم قول الله تعالى: ﴿أُحِلَّ لَكُمْ صَيْدُ الْبَحْرِ﴾ [المائدة:٩٦] (٢). ••• [٣٢٣] مَسْأَلَةٌ: قَالَ: وَفِي بَيْضِ النَّعَامَةِ عُشْرُ ثَمَنِ البَدَنَةِ، وَفِي بَيْضِ الطَّيْرِ عُشْرُ ثَمَنِ أُمِّهِ (٣). • إنَّمَا قال ذلك، لأنَّ الله جل ثناؤه قال: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَقْتُلُوا الصَّيْدَ وَأَنْتُمْ حُرُمٌ وَمَنْ قَتَلَهُ مِنْكُمْ مُتَعَمِّدًا فَجَزَاءٌ مِثْلُ مَا قَتَلَ مِنَ النَّعَمِ يَحْكُمُ بِهِ ذَوَا عَدْلٍ مِنْكُمْ هَدْيًا بَالِغَ الْكَعْبَةِ﴾ [المائدة:٩٥]، فأوجب الله سبحانه على قاتل الصّيد إذا كان محرماً جزاءً مثله من النَّعم، وكان المثل هاهنا في الخلقة دون القيمة، لبيان أصحاب رسول الله صَلَّى الله عَلَيْهِ ذلك.

стр. 308

فروى أبو عاصم، عن ابن جريجٍ، عن عطاء (١)، عن ابن عباس (٢): «أَنَّ عُمَرَ قَضَى، وَعُثْمَانَ، وَعَلِيّاً ﵃، وَزَيْداً، وابْنَ عَبَّاسٍ، وَمُعَاوِيَةَ، فِي النَّعَامَةِ بَدَنَةٌ مِنَ الإِبِلِ» (٣). وروى الثوري (٤)، قال: حدثنا سماك، عن عكرمة: «أَنَّ عَلِيَّ بْنَ أَبِي طَالِبٍ ﵇، حَكَمَ فِي الضَّبُعِ بِكَبْشٍ» (٥). فإذا كان في النعامة بدنةٌ، كان في بيض النعامة عشر ثمن البدنة؛ لأنَّ البيض بمنزلة جنين الحرة الذي جعل فيه رسول الله ﷺ غرَّةً: عبداً أو أمةً (٦)، وجعل فيه

стр. 309

جماعةٌ من أهل العلم خمساً من الإبل (١)، وهي عُشر دية الحرة، فكذلك بيض النعام يجب أن يكون فيه عشر جزاء الأم وهي البدنة؛ لأنَّ البيض قد يجوز أن يكون منه نعامةٌ، كالجنين يجوز أن يكون منه حي، فلما أتلفه المتلف وقطعه عن حال الحياة والتنمِّي، جُعِلَ فيه عُشْرُ دية الأم، فكذلك جعل على متلف بيض النّعامة وسائر بيض الصّيد عشر جزاء الأمّ (٢). ••• [٣٢٤] مَسْأَلَةٌ: قَالَ: ولا يَذْبَحُ المُحْرِمُ الحَمَامَ مِنَ البُرْجِ (٣) يَكُونُ لَهُ، وَلَا شَيْءَ عَلَيْهِ فِيمَا ذَبَحَ أَهْلُهُ مِنْهُ (٤). • إنَّمَا قال ذلك؛ لأنَّ أصل الحمام الاستيحاش، فهو صيدٌ، وقد منع المحرم من قتل صيد البر. فأمَّا ما ذبحه أهله فلا شيء عليه إذا كان بغير أمره. •••

стр. 310

[٣٢٥] مَسْأَلَةٌ: قَالَ: وَلَا بَأْسَ بِذَبْحِهِ الوَزَّ وَالدَّجَاجَ وَالنَّعَمَ (١) (٢). • إنَّمَا قال ذلك؛ لأنَّ هذه الأشياء ليست بصيدٍ، ولا شيء على المحرم فيما يذبحه من غير الصّيد من النعم وغيرها. ••• [٣٢٦] مَسْأَلَةٌ: قَالَ: وَلَا يَذْبَحُ الدَّاجِنَ مِنَ الوَحْشِ (٣). • يعني: ما قد استأنس من الوحش؛ لأنَّهُ صيدٌ، وليس يجوز للمحرم قتل صيد البر، سواءٌ كان مستوحشاً أو مستأنساً. ••• [٣٢٧] مَسْأَلَةٌ: قَالَ: وَمَا دَخَلَ مَكَّةَ (٤) مِنَ الصَّيْدِ الذِي يَصِيدُهُ الحَلَالُ فِي الحِلِّ، فَلَا بَأْسَ أَنْ يُذْبَحَ فِي الحَرَمِ (٥). • إنَّمَا قال ذلك؛ لأنَّ الصّيد محرمٌ اصطياده في حالين: أحدهما الإحرام، والآخر الحرم.

стр. 311

ولا بأس أن يصطاد الحلال في الحل، وإن أدخله الحرم، ويجوز له ذبحه؛ لأنَّهُ اصطاده في موضعٍ يجوز له أن يصطاده. ولو مُنِعَ من ذبحه كما يمنع المحرم من ذبحه وإن اصطاده في الحل؛ لشق ذلك على أهل الحرم ودخل عليهم ضررٌ لامتناعهم من ذلك (١). وأشبه هذا الذي يصطادونه في الحل، ثم يذبحونه في الحرم، بمنزلة ما يغرسونه في الحرم من الشجر أو يزرعونه، أنَّهُ لا بأس عليهم في قطعه، ولا يجوز لهم قطع ما لم يغرسوه من شجر الحرم، كذلك لا يجوز لهم أن يصطادوه في الحرم أو يذبحوا ما اصطادوا فيه، فأمَّا ما اصطادوه في الحل فجائزٌ لهم ذبحه في الحرم (٢). ••• [٣٢٨] مَسْأَلَةٌ: قَالَ مَالِكٌ: لَمْ أُدْرِكْ أَحَداً كَرِهَ ذَلِكَ إِلَّا عَطَاءَ بْنَ أَبِي رَبَاحٍ، فَإِنَّهُ كَانَ يَكْرَهُ ذَلِكَ، ثُمَّ نَزَعَ عَنْ ذَلِكَ (٣). •••

стр. 312

[٣٢٩] قَالَ مَالِكٌ: وَلَا بَأْسَ بِصَيْدِ المُحْرِمِ الحِيتَانَ (١). • إنَّمَا قال ذلك؛ لأنَّ الله قال: ﴿أُحِلَّ لَكُمْ صَيْدُ الْبَحْرِ وَطَعَامُهُ مَتَاعًا لَكُمْ وَلِلسَّيَّارَةِ وَحُرِّمَ عَلَيْكُمْ صَيْدُ الْبَرِّ مَا دُمْتُمْ حُرُمًا﴾ [المائدة:٩٦]، فأباح الله سبحانه صيد البحر في كل حالٍ ولم يمنعه في حالٍ، ولما قال تعالى: ﴿وَحُرِّمَ عَلَيْكُمْ صَيْدُ الْبَرِّ مَا دُمْتُمْ حُرُمًا﴾، علم بهذا أيضاً أنَّ صيد البحر ليس بمحرمٍ على المحرم. وإنما لم يحرم صيد البحر على المحرم، والله أعلم؛ لأنَّهُ يجوز له أكل ميته، فليس به حاجةٌ إلى ذبحه كحاجته إلى ذبح صيد البر. ••• [٣٣٠] مَسْأَلَةٌ: قَالَ: وَمَنْ قَتَلَ صَيْداً قَبْلَ الإِفَاضَةِ، فَعَلَيْهِ الجَزَاءُ (٢). • إنَّمَا قال ذلك؛ لأنَّ الله إنَّما أباحه الاصطياد بعد الإحلال بقوله: ﴿وَإِذَا حَلَلْتُمْ فَاصْطَادُوا﴾ [المائدة:٢]، وما لم يطفْ طواف الإفاضة فحكم الإحرام مُبَقَّىً عليه. ألا ترى: أنَّهُ لا يجوز له أن يطأ قبل الطّواف، فكذلك لا يجوز له أن يصطاد قبل طواف الإفاضة. •••

стр. 313

باب ما جاء في قطع شجر الحرم (١) * [٣٣١] وَلَا يَقْطَعُ مِنْ شَجَرِ الحَرَمِ شَيْئاً (٢). ••• [٣٣٢] مَسْأَلَةٌ: قَالَ: وَلَا يَحْتَشُّ المُحْرِمُ إِلَّا لِأَمْرٍ يُصْلِحُهُ مِنْ (٣) عَلَفِ بَعِيرِهِ؛ خَشْيَةَ أَنْ يَقْتُلَ الدَّوَابَّ (٤). • قد ذكر علة كراهيته ذلك؛ وهو خوف قتل الدواب التي في خلال الحشيش، وليس ينبغي للمحرم أن يفعل ذلك إلَّا لما لا بدَّ له من أخذ علوفة دوابه لضرورته إلى ذلك، كما يجوز له أن يشد الهميان على وسطه؛ لضرورته إلى حفظ نفقته وحملها، كذلك به ضرورةٌ إلى رعي دوابِّه والاحتشاش لها (٥). •••

стр. 314

[٣٣٣] مَسْأَلَةٌ: قَالَ: وَلَا بَأْسَ أَنْ يَقْطَعَ المُحْرِمُ (١) الشَّجَرَ فِي غَيْرِ الحَرَمِ لِلْمَنْفَعَةِ (٢). • إنَّمَا قال ذلك؛ لأنَّ قطع الشجر في الحل مباحٌ للمحرم والحلال، إذا لم يكن قطعه على وجه الإفساد. ••• [٣٣٤] مَسْأَلَةٌ: قَالَ: وَلَا يَقْتُلُ الصَّيْدَ فِي حَرَمِ المَدِينَةِ، فَإِنْ قَتَلَ فَلَا جَزَاءَ عَلَيْهِ (٣). • إنَّمَا قال ذلك؛ لأنَّ النّبيّ ﷺ حرَّمَ المدينة فقال: «اللَّهُمَّ إِنَّ إِبْرَاهِيمَ حَرَّمَ مَكَّةَ، وَإنِّي أُحَرِّمُ المَدِينَةَ بِمِثْلِ مَا حَرَّمَ إِبْرَاهِيمُ مَكَّةَ وَمِثْلُهُ مَعَهُ، لَا يُنَفَّرُ صَيْدُهَا، وَلَا يُخْتَلَى خَلَاهَا، وَلَا يُعْضَدُ شَجَرُهَا، وَلَا تُلْتَقَطُ لُقَطَتُهَا إِلَّا لِمُنْشِدٍ» (٤). وروى مالك، عن الزهري، عن سعيد بن المسيب، عن أبي هريرة قال: «لَوْ رَأَيْتُ الظِّبَاءَ تَرْتَعُ بِالمَدِينَةِ مَا ذَعَرْتُهَا، سَمِعْتُ رَسُولُ اللهِ ﷺ يَقُولُ: مَا بَيْنَ لَابَتَيْهَا حَرَامٌ» (٥)، فلهذا قال مالك: «لا يحل صيد المدينة».

стр. 315

وقوله: «لا جزاء عليه إذا قتله»؛ فلأنَّ الله أوجب الجزاء على المحرم إذا قتل الصّيد، وأوجب المسلمون على من قتل الصّيد في حرم مكة، سواء كان حلالاً أو حراماً، فأمَّا في غير هذين الحالين فلا جزاء على من قتله؛ لعدم النص فيه. ولم يجز أن يُجمع بين حرم مكة وحرم المدينة من طريق القياس أيضاً؛ من قِبَلِ أنَّ حرم مكة يحل المحرم من إحرامه بالإتيان إليه، وليس يحل بدون الإتيان إليه، وليس كذلك حرم المدينة، فلم يجز أن يلحق حرم المدينة بحرم مكة في وجوب الجزاء على من قتل الصّيد بها؛ لاختلاف حرمتي الحرم؛ لِمَا ذكرناه. وهذا قول عامة أهل العلم، أعني: أن لا جزاء عليه، وقال ابن أبي ذئب: «عليه الجزاء» (١). ووجه هذا القول: أنَّ النّبيّ ﷺ لَمَّا حرم المدينة كتحريم مكة وأكثر من ذلك، وجب أن يكون على قاتل الصّيد بها الجزاء، كما وجب ذلك بمكة، ولم يمنع اختلاف حُرمتيهما من وجهٍ ما أن يستويا في وجوب الجزاء، كما لم يمنع وجوب الجزاء على من قتل في الحرم وفي الحل إذا كان القاتل محرماً واستوائهما في هذا الموضع أن تختلف حرمة الإحرام والحرم. ألا ترى: أنَّ حرمة الحرم مؤبدة لا تزول بوجهٍ، وليس كذلك حرمة الإحرام؛ لأنها تزول بالإحلال، ثم لم يمنع افتراقهما في هذا الوجه أن يسوى بينهما في

стр. 316

الجزاء، فكذلك حرم المدينة كحرم مكة في وجوب الجزاء، وإن اختلفا في الحرمة (١). والصحيح ما قاله مالكٌ؛ لِمَا ذكرناه. ••• [٣٣٥] مَسْأَلَةٌ: قَالَ: وَمَنْ أَرْسَلَ كَلْباً فِي الحَرَمِ، فَقَتَلَ ذَلِكَ الصَّيْدَ فِي الحِلِّ، فَلَا يُؤْكَلُ، وَعَلَيْهِ الجَزَاءُ (٢). • إنَّمَا قال ذلك؛ لأنَّهُ أرسل الكلب في حالٍ لا يجوز له أن يرسله؛ إذ محرّمٌ عليه الصّيد في الحرم وإرساله الكلب عليه، فمتى أدى فعله الممنوع منه إلى القتل، وجب عليه الجزاء (٣). ••• [٣٣٦] مَسْأَلَةٌ: قَالَ: وَمَنْ أَرْسَلَ كَلْبَهُ عَلَى صَيْدٍ فَي الحِلِّ، فَصَادَهُ فِي الحَرَمِ، فَلَا يُؤْكَلُ، وَلَيْسَ عَلَيْهِ الجَزَاءُ، إِلَّا أَنْ يَكُونَ أَرْسَلَهُ قَرِيباً مِنَ الحَرَمِ فَعَلَيْهِ جَزَاؤُهُ (٤). • هذا لأنَّهُ أرسل وله أن يرسل، ثم قتل كلبه الصّيد في الحرم، فلا جزاء عليه إذا قتله؛ لأنَّهُ فعل ما له أن يفعل، وليس متعدياً بالفعل مثل المسألة الأولى.

стр. 317

[فإن أرسـ]ـل (١) بقرب الحرم فعليه جزاؤه؛ لأنَّهُ متعد بالإرسال، حيث أرسل [وهو ممنو] عٌ (٢) من إرساله، فوجب عليه الجزاء. وإذا أرسل وله أن يرسل، ثم [قتل الصيد] (٣) في الحرم، فلا يؤكل؛ من قِبَلِ أنَّهُ قد قتل في موضعٍ لا يجوز فيه [أن يقتل؛ لأنَّ الكلـ]ـب (٤) لَمَّا اضطره إلى الحرم عن إرسال صاحبه، كان كأنه قد قتله، وليس له أن يقتله، فلم يؤكل لهذه العلَّة. والدليل على أنَّ قرب الحرم في الحرمة كالحرم، أنَّ النّبيّ ﷺ قال فيما رواه الشعبي عن النعمان بن بشير، قال: «حَلَالٌ بَيِّنٌ، وَحَرَامٌ بَيِّنٌ، وَبَيْنَ ذَلِكَ أُمُورٌ مُشْتَبِهَاتٌ، فَمَنْ رَعَى حَوْلَ الحِمَى يُوشِكُ أَنْ يَقَعَ فِيهِ، أَلَا وَإِنَّ لِكُلِّ مَلِكٍ حِمَىً، وَإِنَّ حِمَى اللهِ مَحَارِمُهُ» (٥)، فثبت بهذا الخبر، أنَّ ما أشبه الحرام فحكمه حكم الحرام وعلينا توقِّيهِ. وكذلك قال النّبيّ ﷺ في الفأرة إذا وقعت في السمن: «أَلْقُوهَا وَمَا

стр. 318

حَوْلَهَا» (١)، فجعل حكم ما قارب منها حكمها في منع أكله، فلهذا جعل مالك حكم ما قارب الحرم حكم الحرم. ولأنَّ الصّيد أيضاً يسكن إلى الحرم لقربه منه، وليس يجوز قتله في ذلك الموضع. ومعنى آخر: أنَّ حدود الحرم مأخوذةٌ من طريق الاجتهاد، وإذا كان كذلك، لم يجز قتل ما قرب من الحرم؛ لجواز أن يكون ذلك الموضع من الحرم؛ لأنَّ حده ليس منصوصاً عليه، وإنما هو اجتهادٌ (٢). ••• [٣٣٧] مَسْأَلَةٌ: قَالَ: وَمَنْ رَمَى بسَهْمِهِ فِي الحَرَمِ وَالصَّيْدُ فِي الحِلِّ، فَلَا يُؤْكَلُ (٣) (٤). • هذا لما قلناه، أنَّهُ رمى وليس له أن يرمي، فعليه الجزاء. ولا يؤكل الصيد؛ لأنَّهُ قتل ما هو محرمٌ عليه قتله من أجل الحرم، فكان حكمه حكم من قتل في الحرم في وجوب الجزاء وتحريم الأكل (٥). •••

стр. 319

[٣٣٨] مَسْأَلَةٌ: قَالَ: وَمَنْ أَصَابَ ظَبْياً وَهُوَ مُحْرِمٌ، فَإِنَّهُ يَحْكُمُ عَلَيْهِ بِذَلِكَ ذَوَا عَدْلٍ، كَمَا قَالَ اللهُ جَلَّ ثَنَاؤُهُ: ﴿يَحْكُمُ بِهِ ذَوَا عَدْلٍ مِنْكُمْ هَدْيًا﴾ [المائدة:٩٥]، فَيُخَيِّرُ [الحَكَمَانِ] (١) المَحْكُومَ عَلَيْهِ بِمَا جَعَلَ اللهُ تَعَالَى الخِيَارَ فِيهِ فِي كِتَابِهِ: • فَإِنْ شَـ[ـاءَ أَنْ يَحْكُمَا] (٢) عَلَيْهِ بِالهَدْيِ: حَكَمَا عَلَيْهِ شَاةً بِالسُّنَّةِ المَاضِيَـ[ـةِ فِي ذَلِكَ، لَيْسَ] (٣) لَهُمَا أَنْ يَعْدِلَا عَنْ ذَلِكَ إِلَى غَيْرِهِ. • وَإِنِ اخْتَارَ الحُكْمَ بِالطَّعَامِ: [حَكَمَـ]ـا (٤) عَلَيْهِ بِقِيمَةِ (٥) ذَلِكَ الظَّبْيِ الذَي أَصَابَ طَعَاماً، فَلْيُطْعِمُ كُلَّ مِسْكِينٍ مُدّاً بِمُدِّ النَّبِيِّ ﷺ . • وَإِنِ اخْتَارَ الصِّيَامَ، حَكَمَا عَلَيْهِ بِأَنْ يَصُومَ مَكَانَ كُلِّ مُدِّ يَوْماً. هُوَ فِي ذَلِكَ بِالخِيَارِ، أَيّ ذَلِكَ شَاءَ أَنْ يَحْكُمَا بِهِ عَلَيْهِ حَكَمَا؛ لِأَنَّ اللهَ يَقُولُ فِي كِتَابِهِ (٦): ﴿فَجَزَاءٌ مِثْلُ مَا قَتَلَ مِنَ النَّعَمِ يَحْكُمُ بِهِ ذَوَا عَدْلٍ مِنْكُمْ هَدْيًا

стр. 320

بَالِغَ الْكَعْبَةِ أَوْ كَفَّارَةٌ طَعَامُ مَسَاكِينَ أَوْ عَدْلُ ذَلِكَ صِيَامًا﴾ [المائدة:٩٥]، فَكُلُّ مَا كَانَ فِي كِتَابِ اللهِ (١): «أَوْ» (٢)، فَهُوَ فِي ذَلِكَ مُخَيَّرٌ. وَكُلُّ مَا أَصَابَهُ المُحْرِمُ مِنَ الصَّيْدِ، فَهُوَ عَلَى مَا وَصَفْتُ (٣). • قد ذكر مالكٌ الحجة في وجوب حُكمِ الحكمين وتخييرهما المحكوم عليه، بما ذكر الله في كتابه، فأغنى ذلك عن إعادته. فأمَّا قوله: «إنّهما لا يعدلان في الحكم عن السُّنَّة الماضية»، يعني أن يحكما في مثل الظبي بشاةٍ، وفي مثل النعامة ببدنةٍ، فلأنَّ أصحاب رسول الله ﷺ حكموا بذلك؛ ولأنَّهما لا يجدان شبهاً للمقتول أقرب من ذلك. وقد أمر الله تعالى أن يُحْكَمَ بمثل المقتول من النَّعَمِ في الخلقة، وليس شيءٌ أقرب في المثل مما حكم به أصحاب رسول الله ﷺ . وأما قوله: «إنَّهُ يصوم عن كلِّ مدٍّ يوماً بمدِّ النبي صلى الله عليه»؛ فلأنَّ النّبيّ ﷺ جعل بدل صوم كل يومٍ مدّاً (٤) ..... •••
следующие страницы →