← Фикх малики

Фикх малики · id 1326

شرح المختصر الكبير للأبهري

الأبهري

Полный текст (2 801 стр.). Показаны 491–530 · переход к 496.

стр. 491

• إنَّمَا قال ذلك؛ لأنَّهُ إذا رمى جمرة العقبة فقد انحل من حرمة الإحرام شيءٌ، فلا بأس أن يفعل هذه الأشياء، مثل اللبس وإلقاء التفث. ألا ترى: أنَّهُ يجوز له أن يحلق رأسه إذا رمى جمرة العقبة. وإنَّما الذي لا يجوز له بعد رمي جمرة العقبة: الوطء والصيد، ويكره له أن يتطيب، فإن تطيَّب لم تكن عليه فديةٌ. وقد روي عن النّبيّ ﷺ أنَّهُ قال: «إِذَا رَمَيْتُمُ الجَمْرَةَ فَقَدْ حَلَّ لَكُمْ كُلُّ شَيْءٍ، إِلَّا النِّسَاءَ وَالصَّيدَ» (١). وعن عمر بن الخطاب ﵁ أنَّهُ قال: «إِذَا رَمَيْتُمُ الجَمْرَةَ، فَقَدْ حَلَّ لَكُمْ كُلُّ شَيْءٍ، إِلَّا النِّسَاءَ وَالصَّيدَ والطِّيبَ» (٢). وقد روى علي بن مسهر (٣)، عن عبيد الله (٤)، عن نافع، عن ابن عمر: «أَنَّهُ كَانَ لَا يَرَى بَأْساً إِذَا رَمَى الجَمْرَةَ أَنْ يَغْسِلَ رَأْسَهُ بِالخِطْمِيِّ قَبْلَ أَنْ يَحْلِقَهُ» (٥).

стр. 492

وروى ليث، عن طاوس، وعطاء ومجاهد، سألتهم: (أَغْسِلُ رَأْسِي قَبْلَ أَنْ أَحْلِقَ إِنْ شَقَّ عَلَيَّ الحَلْقُ؟، قَالُوا: نَعَمْ، وَإِنْ شِئْتَ بِالخِطْمِيِّ) (١) (٢). ••• [٧٠٤] مَسْأَلَةٌ: قَالَ: وَلَا نَرَى لِأَحَدٍ أَنْ يَدْخُلَ الكَعْبَةَ حَتَّى يَحْلِقَ رَأْسَهُ، فَإِنْ فَعَلَ، كَانَ ذَلِكَ وَاسِعاً (٣) (٤). • إنما كره ذلك؛ لئلا يتناثر منه القمل وشيءٌ من الدنس الذي عليه في الكعبة، فإن فعل لم يكن عليه شيءٌ (٥). ••• [٧٠٥] مَسْأَلَةٌ: قَالَ: وَمَنْ لَمْ يَطُفْ بِالبَيْتِ وَلَا بَيْنَ الصَّفَا وَالمَرْوَةِ حَتَى رَمَى الجَمْرَةَ، فَقَدْ حَلَّ لَهُ مِنْ لُبْسِ الثِّيَابِ وَغَيْرِهَا مِثْلُ مَا حَلَّ لِلَّذِي طَافَ وَسَعَى (٦).

стр. 493

• يعني: المراهق (١) والمهل من مكة، إذا لم يطوفا ولم يسعيا ورميا جمرة العقبة، فقد حل لهما ما قد حل لمن طاف وسعى؛ لأنَّ الذي يُحِلُّ ذلك إنَّما هو الرمي، وقد رميا جميعاً. ••• [٧٠٦] مَسْأَلَةٌ: قَالَ: وَالحِلَاقُ فِي العُمْرَةِ أَحَبُّ (٢) إِلَيْنَا، إِلَّا أَنْ يَقْرُبَ الحَجُّ جِدّاً، فَيُقَصِّرُ وَلَا يَحْلِقُ (٣). • إنما اختار الحلاق في العمرة والحج؛ لذكر الله الحلق قبل التقصير (٤). ولأنَّ النّبيّ ﷺ حلق وكرر التَّرَحُّمَ على المحلقين (٥).

стр. 494

فإذا قرب وقت إحرام الذي حل من العمرة بالحج، ترك الحلق؛ ليبقى له من الشعر ما يحلقه في الحج (١). ••• [٧٠٧] مَسْأَلَةٌ: قَالَ: وَلَا بَأْسَ أَنْ يُؤَخِّرَ المُعْتَمِرُ الحِلَاقَ إِلَى الغَدِ، وَلَا يَلْبَسُ ثَوْباً حَتَّى يُحِلَّ مِنْهَا (٢)، وَلَا يَتَنَفَّلُ بِطَوَافٍ، وَلَا يَدْخُلُ البَيْتَ حَتَّى يَحْلِقَ (٣). • إنَّمَا قال ذلك؛ لأنَّهُ قد بقي عليه من عمل العمرة الحلق، فلا يلبس ثوباً حتى يحل منها. ولا يدخل البيت حتى يحلق؛ لما قد ذكرناه قبل هذا (٤). ••• [٧٠٨] مَسْأَلَةٌ: قَالَ: وَمَنْ نَسِيَ الحِلَاقَ فِي الحَجِّ فَلْيَحْلِقْ بِمِنَىً أَعْجَبُ إِلَيْنَا، وَالحِلَاقُ لَهُ بِمَكَّةَ وَاسِعٌ (٥).

стр. 495

• إنَّمَا قال ذلك؛ لأنَّ النبي صَلَّى الله عَلَيْهِ حلق في الحجّ بمنى، فاستحب الاقتداء به في ذلك، وإن حلق بمكة أجزأه؛ لأنَّ ذلك مباحٌ. ••• [٧٠٩] مَسْأَلَةٌ: قَالَ: وَمَنْ نَسِيَ الحِلَاقَ وَالتَّقْصِيرَ، فَلْيُهْدِ هَدْياً (١). • إنَّمَا قال ذلك؛ لأنَّهُ قد ترك شعيرةً من الحجّ أو العمرة دخل عليه فيهما نقصٌ، فعليه أن يجبر ذلك بالهدي. وقد روينا عن ابن عباس أنَّهُ قال: «مَنْ تَرَكَ مِنْ نُسُكِهِ شَيْئاً أَوْ نَسِيَهُ فَلْيُهْرِقْ دَماً» (٢). ••• [٧١٠] مَسْأَلَةٌ: قَالَ: وَمَنْ أَصَابَهُ العُذْرُ، فَتَخَلَّفَ بِمُزْدَلِفَةَ حَتَّى غَابَتِ الشَّمْسُ يَومَ النَّحْرِ (٣)، فَلْيُهْدِ هَدْياً (٤). • إنَّمَا قال ذلك؛ لأنَّهُ قد أخر فعل ما كان يجب عليه فعله في يوم النحر،

стр. 496

من الرمي [١/ ١١٨ ب] والحلق والطواف؛ فوجب عليه الهدي؛ لتأخير هذه الأشياء عن وقتها. ••• [٧١١] مَسْأَلَةٌ: قَالَ: وَلِلْحَاجِّ أَنْ يَتَعَجَّلُوا فِي اليَومِ الثَّانِي مِنْ أَيَّامِ التَّشْرِيقِ بَعْدَ الزَّوَالِ، يَرْمِي وَيَنْفِرُ. فَإِنْ أَتَى مَكَّةَ، ثُمَّ بَدَا لَهُ (١) أَنْ يَنْفِرَ، فَذَلِكَ لَهُ مَا لَمْ تَغْرُبْ عَلَيْهِ الشَّمْسُ بِمَكَّةَ (٢) (٣). • إنَّمَا قال ذلك؛ لأنَّ الله جل ثناؤه قال: ﴿فَمَنْ تَعَجَّلَ فِي يَوْمَيْنِ فَلَا إِثْمَ عَلَيْهِ﴾ [البقرة:٢٠٣]، فله أن ينفر يوم النفر الأول وهو ثالث النحر، ما لم يدخل الليل، لأنَّ النفر لا يجوز بالليل وهو بالنهار، فمتى كان بمنى أو بمكة فلم ينفر حتى الليل، لم يجز له النفر، وكان عليه أن يقيم حتى يرمي الجمرة في يوم النفر الثاني، وهو اليوم الرابع من النحر، يرمي بعد الزوال ثم ينفر. •••

стр. 497

باب ما جاء في الإفاضة (١) [٧١٢] مَسْأَلَةٌ: قَالَ: وَمَنْ تَعَجَّلَ فَأَتَى البَيْتَ فَأَفَاضَ ثُمَّ انْصَرفَ، فَكَانَ مَمَرُّهُ عَلَى مِنَىً إِلَى مَنْزِلِهِ، فَغَابَتِ الشَّمْسُ عَلَيْهِ بِمِنَىً، فَلْيَنْفُذْ. وَلَوْ نَسِيَ شَيْئاً فَرَجَعَ لِيَأْخُذَهُ فَغَابَتْ عَلَيْهِ الشَّمْسُ بِمِنَىً، فَلْيَنْفُذْ (٢). • إنَّمَا قال ذلك؛ لأنَّ هذا لم يختر الإقامة بمنى حتى غابت الشمس، وإنَّما هو مارٌ في طريقه أو راجعٌ لأخذ ما نسيه، فله أن ينفذ على ما قد نفر؛ لأنَّهُ نفر في وقتٍ يجوز له أن ينفر، وهو النهار. ••• [٧١٣] مَسْأَلَةٌ: قَالَ: وَلَا نُحِبُّ لِإِمَامِ الحَاجِّ أَنْ يَتَعَجَّلَ فِي يَوْمَيْنِ، وَلَا لِأَهْلِ مَكَّةَ، إِلَّا مِنْ عُذْرِ مَرَضٍ أَوْ تِجَارَةٍ، فَإِذَا كَانَتْ لَهُ المَرْأَةُ الوَاحِدَةُ فَيُرِيدُ التَّعَجُّلَ إِلَيْهَا، فَلَا أَرَى ذَلِكَ إِلَّا مِنْ مَرَضٍ أَوْ مَا أَشْبَهَهُ. وَقَدْ قِيلَ: إِنَّ أَهْلَ مَكَّةَ وَغَيْرَهُمْ فِي ذَلِكَ سَوَاءٌ، وَهَذَا أَعْجَبُ إِلَيْنَا (٣). • أما كراهيته لإمام الحاج أن يعجل النفر؛ فلأنَّ الإمام يقتدي به النَّاس، فليس ينبغي أن يدع الأفضل من العمل، وهي إقامته حتى يرمي الجمار

стр. 498

يوم الرابع، ثم ينفر ليقتدي النَّاس بفعله، ومتى نفر قبل ذلك، نفر النَّاس لنفرته، وذلك غير مستحبٍ. وكذلك أهل مكة، لا يستحبُّ لهم أن يُعَجِّلوا النفر؛ لأنَّ بقاءهم في الإحرام قليلٌ، ومشقتهم في الحجّ يسيرةٌ، ليس كأهل الآفاق، فيكره لهم تعجيل الرجوع إلَّا من ضرورةٍ وما لا بد منه. وأهل الآفاق فمشقتهم شديدةٌ، وطريقهم بعيدٌ، فجاز لهم أن يعجِّلوا الرجوع. ووجه قوله: «إنَّ أهل مكة كغيرهم»؛ فلأنَّ الله جل ثناؤه عمَّ النَّاس كلهم بجواز التعجيل، فلا فرق بين مكي وغيره. ••• [٧١٤] مَسْأَلَةٌ: قَالَ: وَمَنْ أَفَاضَ مِنْ مِنَىً فِي أَيَّامِ التَّشْرِيقِ وَهُوَ يُرِيدُ بَلَدَهُ، فَيُقِيمُ (١) بِمَكَّةَ حَتَّى يُمْسِيَ، فَلَا بَأْسَ عَلَيْهِ (٢). • إنَّمَا قال ذلك؛ لأنَّ إقامته بمكة حتى يمسي كإقامته في منزلٍ لو نزله، وإنَّما الذي ينبغي إذا أقام بمنى حتى أمسى أن لا ينفر. •••

стр. 499

[٧١٥] مَسْأَلَةٌ: قَالَ: وَمَنْ بَاتَ لَيْلَةً مِنْ لَيَالِي مِنَىً مِنْ وَرَاءِ العَقَبَةِ، فَلْيُهْرِقْ دَماً يُهْدِيهِ (١) (٢). • إنَّمَا قال ذلك؛ لأنَّهُ ترك البيتوتة بمنى ليالي منى، فعليه الهدي لذلك؛ لأنَّهُ ترك شيئاً مسنوناً (٣). ••• [٧١٦] مَسْأَلَةٌ: قَالَ: وَمَنْ أَفَاضَ فَأَقَامَ بِمَكَّةَ مَرِيضاً، لَمْ يَأْتِ مِنَىً وَلَمْ يَرْمِ أَيَّامَ الجِمَارِ، فَلْيُهْدِ بَدَنَةً، فَإِنْ لَمْ يَقْدِرْ فَمَا اسْتَيْسَرَ شَاةً، فَإِنْ لَمْ يَجِدْ صَامَ (٤). • إنَّمَا قال ذلك؛ لأنَّهُ قد ترك رمي الجمار في أيامها والبيتوتة في ليالي منى، فعليه الهدي أعلاه إن وجده، وأدناه إن لم يجد غيره، فإن لم يجد صام ثلاثة أيامٍ في الحجّ وسبعةً إذا رجع، كما قال الله جل ثناؤه. ••• [٧١٧] مَسْأَلَةٌ: قَالَ: فَإِنْ بَاتَ رَجُلٌ بَعْضَ لَيْلَةٍ عَنْ مِنَىً، فَلَا شَيْءَ عَلَيْهِ (٥).

стр. 500

• إنَّمَا قال ذلك؛ لأنَّهُ قد أقام بمنى بعض ليلةٍ، فلا شيء عليه، كما إذا أقام بعرفة بعض الليل فلا شيء عليه، وحجه تامٌ. ••• [٧١٨] مَسْأَلَةٌ: قَالَ: وَإِنْ أَفَاضَ فِي يَوْمِ جُمُعَةٍ، فَلْيَرْجِعْ إِلَى مِنَىً وَيَدَعِ الجُمُعَةَ (١). • إنَّمَا قال ذلك؛ لأنَّ هذا مسافرٌ لا جمعة عليه، وتعجيله الرجوع إلى منى أفضل؛ تأسياً بفعل رسول الله ﷺ . ••• [٧١٩] مَسْأَلَةٌ: قَالَ: وَمَنْ أَرَادَ أَنْ يَطَّلِعَ أَهْلَهُ بِمَكَّةَ في أَيَّامِ مِنَىً فَيُصِيبَ مِنْهُمْ وَيَنْظُرَ فِي ضَيْعَتِهِ، فَلَا بَأْسَ بِذَلِكَ مَا لَمْ يَخْتَلِفْ كُلَّ يَوْمٍ وَيُطِيل الإِقَامَةَ (٢). • إنَّمَا قال ذلك؛ لأنَّ هذا خفيفٌ وبه حاجةٌ إليه وضرورةٌ، فلا يُمنع من ذلك ما لم يتشاغل عما عليه من عمل الحج. •••

стр. 501

[٧٢٠] مَسْأَلَةٌ: قَالَ: وَأَحَبُّ إِلَيْنَا أَنْ يَرْمِيَ الَّذِي يَرْمِي يَوْمَ النَّفْرِ (١) وَيَنْفُذَ مَكَانَهُ، فَإِنْ كَانَ لَا يَسْتَطِيعُ أَنْ يَتَحَمَّلَ تِلْكَ السَّاعَةَ، فَلْيَتَأَخَّرْ مَا لَمْ تَصْفَرّ الشَّمْسُ (٢). • إنَّمَا قال ذلك؛ لأنَّ الإقامة بعد النفر غير مستحبةٍ؛ لأنَّ النفر في اليوم الأول هو ليرتفق بسرعة الرجوع، فأمَّا إذا أقام بعد الرمي فكأنه لم يختر ما جعل له من الرفق، وله أن ينفر بعد ذلك ما لم تصفر الشمس ويقرب دخول الليل، فلا يجوز له حينئذ أن ينفر؛ لأنَّ النفر هو بالنهار دون الليل. ••• [٧٢١] مَسْأَلَةٌ: قَالَ: وَلَا يَتْرُكُ التَّكْبِيرَ فِي أَيَّامِ مِنَىً، حَتَّى إِذَا كَانَ الصَّدْرُ انْقَضَى التَّكْبِيرُ، فَلَمْ يُكَبِّرْ بَعْدَ الصَّدْرِ فِي ذَلِكَ اليَوْمِ (٣). • يعني: التكبير في أيام التشريق، يكبر أهل منى حتى يصلوا الظهر بمنى ويرموا، ويجوز لهم أن يرموا بعد الزوال. وإن لم يصلوا لا يكبرون؛ لأنَّ التكبير بمنى هو ما دام عليهم أن يقيموا بمنى، فإذا سقط عنهم الإقامة بمنى، لم يكبروا. فأمَّا أهل الآفاق، فإنهم يكبرون يوم النحر الظهر ويقطعون يوم

стр. 502

الرابع من النحر، يكبرون عقيب صلاة الصبح ثم يقطعون، وهي خمس عشرة صلاةً عدداً، وقد ذكرناه في موضعه. ••• [٧٢٢] مَسْأَلَةٌ: قَالَ: وَتَعْجِيلُ الإِفَاضَةِ فِي يَوْمِ النَّحْرِ أَعْجَبُ إِلَيْنَا، وَإِنْ أَخَّرَ فَذَلِكَ وَاسِعٌ (١). • إنَّمَا قال ذلك؛ لأنَّ النّبيّ ﷺ طاف طواف الإفاضة في يوم النحر، فاستحب الاقتداء بفعله. فإن أخره إلى بعد يوم النحر أجزأه؛ لأنَّ ذلك كلّه وقتٌ للطواف. روى عبد الرزاق، قال: حدثنا عبيد الله، عن نافع، عن ابن عمر: «أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ أَفَاضَ يَوْمَ النَّحْرِ، ثُمَّ رَجَعَ فَصَلَّى الظُّهْرَ بِمِنَىً» (٢). ••• [٧٢٣] مَسْأَلَةٌ: قَالَ: وَلَا نُحِبُّ لِأَحَدٍ أَنْ يَتَنَفَّلَ بِطَوَافٍ بَعْدَ طَوَافِ الإِفَاضَةِ إِذَا أَفَاضَ فِي أَيَّامِ مِنَىً، فَإِنْ فَعَلَ فَأَرْجُو أَنْ يَكُونَ خَفِيفاً (٣). • يعني: أنَّهُ إذا طاف طواف الإفاضة رجع إلى منى ولم يشتغل بشيءٍ

стр. 503

غيره من طوافٍ أو صلاةٍ أو غير ذلك؛ لأنَّ رجوعه إلى منى أفضل من كل ذلك؛ وكذلك فعل النّبيّ ﷺ ، فاستحب الاقتداء به. فإن طاف لم يكن عليه شيءٌ؛ لأنَّ ذلك مباحٌ، والاختيار غيره (١). ••• [٧٢٤] مَسْأَلَةٌ: قَالَ: وَمَنْ نَسِيَ الإِفَاضَةَ حَتَى رَجَعَ إِلَى بَلَدِهِ، فَلْيَرْجِعْ عَلَى حَرَمِهِ حَتَّى يَقْضِيَ مَا عَلَيْهِ. فَإِنْ كَانَ أَصَابَ النِّسَاءَ، رَجَعَ فَأَفَاضَ، ثُمَّ اعْتَمَرَ وَأَهْدَى (٢). • إنَّمَا قال ذلك؛ لأنَّ طواف الإفاضة فرضٌ لا بد للحاج أن يأتي به، فعليه أن يرجع على بقية إحرامه، وليس يحل له وطء النّساء والصيد، ويكره له الطيب. فإن كان أصاب النّساء، طاف ثم اعتمر ليأتي بطوافه في إحرامٍ لا وطء فيه، وأهدى لتأخيره الطّواف عن وقته ووطئه في إحرامه، وقد روينا ذلك عن ابن عباس، وقد ذكرناه فيما تقدَّم (٣). •••

стр. 504

[٧٢٥] مَسْأَلَةٌ: قَالَ: وَمَنْ أَفَاضَ بَعْدَ الصُّبْحِ، فَلَا يَبْرَحْ حَتَّى يَرْكَعَ، فَإِنْ خَرَجَ فَرَكَعَ، فَلَا إِعَادَةَ عَلَيْهِ إِلَّا أَنْ يَكُونَ انْتَقَضَ وُضُوءُهُ، فَإِنِ انْتَقَضَ وُضُوءُهُ: • فَلْيَرْجِعْ فَلَيَطُفْ وَلْيَرْكَعْ إِنْ كَانَ قَرِيباً. • وَإِنْ كَانَ بَعِيداً أَوْ أَتَى بَلَدَهُ، رَكَعَ وَأَهْدَى (١). • قوله: «لا يبرح حتى يركع»؛ فَلِأَنْ يصل الركعتين بالطواف في الموضع الذي طاف فيه، فإن خرج رجع حتى يركعهما. فإن تباعد أو انتقض وضوءُه، أعاد الطواف؛ ليصل الركعتين بالطواف؛ ولئلا يتفاوت ما بينهما. فإن كان قد تباعد وأتى بلده، ركع وأهدى ولم يرجع؛ لأنهما سنةٌ ينوب عنهما الهدي وليستا بفرضٍ كالطواف والسعي يرجع لهما. ••• [٧٢٦] مَسْأَلَةٌ: قَالَ: وَإِذَا حَاضَتِ المَرْأَةُ أَوْ نَفِسَتْ قَبْلَ الإِفَاضَةِ، فَلَا تَبْرَحُ حَتَّى تَطْهُرَ وَتَطُوفَ بِالبَيْتِ.

стр. 505

ويُحْبَسُ عَلَيْهَا الكَرِيُّ (١)، يُحْبَسُ عَلَى الحَائِضِ خَمْسَ عَشْرَةَ لَيْلَةً، وَيُحْبَسُ عَلَى النُّفَسَاءِ حَتَّى تَطْهُرَ (٢) بِأَقْصَى مَا تُحْبَسُ النُّفَسَاءُ. وَلَا (٣) حُجَّةَ لِلْكَرِيِّ بِأَنْ يَقُولَ: «لَمْ أَعْلَمْ أَنَّهَا حَامِلٌ»، وَلَيْسَ هَذَا عَلَى النَّاسِ، وَلَيْسَ عَلَيْهَا أَنْ تُعِينَهُ فِي العَلَفِ (٤). • قوله: «إذا حاضت المرأة قبل الإفاضة أنَّ عليها أن تقيم حتى تطهر ثم تطوف»؛ فلأنَّ طواف الإفاضة فرضٌ، ولا يجوز لها أن تخرج وتتركه، وليس ينوب عنه الدم؛ لأنَّ الدم إنَّما ينوب عن المسنون في الحجّ دون المفروض (٥)، وقد قال صَلَّى الله عَلَيْهِ في صفية: «أَحَابِسَتُنَا هِيَ، فَقِيلَ: إِنَّهَا قَدْ أَفَاضَتْ، فقال: لَا إِذاً» (٦). وقوله: «يحبس عليها الكَريُّ حتى تطهر»؛ فلأنه دخل على ذلك، إذ معلومٌ

стр. 506

أنَّ النّساء يحضن وينفسن، إذ لا حيلة لهن في دفع ذلك عن أنفسهن كما لا حيلة لهن في دفع المرض عنهن، فلو مرضت لوجب عليه حملها، ونحن نعلم أنَّ حمل المرضى على الدواب أثقل من حمل الأصحاء، وكذلك لو ولدت لكان عليه حمل ولدها معها؛ لأنَّهُ على ذلك كلّه دخل، فكذلك إذا نفست حُبسَ عليها الكَرْيُّ حتى تطهر فتطوف. وليس عليها إعانته في العلف للإقامة، كما ليس عليها أن تعينه في ذلك إذا مرضت أو ولدت لثقل ذلك على المركوب، وفي المسألة نظرٌ، والله أعلم بالصواب. ••• [٧٢٧] مَسْأَلَةٌ: قَالَ: فَإِنْ حَاضَتْ بَعْدَ الإِفَاضَةِ، فَلْتَنْفِرْ. فَإِنْ شَرَطَتْ عَلَيْهِ عُمْرَةَ المُحَرَّمِ فَحَاضَتْ قَبْلَ أَنْ تَعْتَمِرَ، فَلَا يُحْبَسُ عَلَيْهَا كَرِيُّهَا وَلَا يُوضَعُ عَنْهُ (١) مِنَ الكِرَاءِ شَيْءٌ (٢). • إنَّمَا قال ذلك؛ لأنَّ طواف الصدر وهو الوداع ليس بفرضٍ فيُحبَسُ عليها كريها كما يحبس إذا لم تطف طواف الإفاضة الذي هو فرضٌ؛ لأنَّها تقدر

стр. 507

على ترك طواف الوداع، ولا يضر حجها ولا ينقصه، ولا تقدر على ترك طواف الإفاضة. وكذلك تقدر على ترك العمرة التي شرطت عليه في المحرم، والذي يلحق الكريّ من الضرر بانقطاعه عن النَّاس أكثر مما يلحقها من ترك العمرة في المحرم (١). ••• [٧٢٨] مَسْأَلَةٌ: قَالَ: وَالنُّزُولُ بِالمُحَصَّبِ حَسَنٌ، يُقِيمُونَ حَتَّى (٢) يُصَلُّوا العِشَاءَ (٣). • إنَّمَا قال ذلك؛ لأنَّ النبي صَلَّى الله عَلَيْهِ نزل به، فاستُحِبَ للإنسان أن يقتدي بفعله ويتأسى به.

стр. 508

فروى ابن إسحاق (١)، عن نافع، عن ابن عمر قال: «حَصَّبَ رَسُولُ اللهِ ﷺ ، وأبو بكرٍ وعمرُ، وَالخُلَفَاءُ» (٢). وروى سفيان (٣)، عن عمرو، عن عطاء، عن ابن عباس قال: «لَيْسَ المُحَصَّبُ بِشَيْءٍ، إنَّما هُوَ مَنْزِلٌ نَزَلَهُ رَسُولُ اللهِ ﷺ » (٤). ••• [٧٢٩] مَسْأَلَةٌ: قَالَ: وَدُخُولُ البَيْتِ كُلَّمَا قَدِرَ عَلَيْهِ حَسَنٌ، وَالصَّلَاةُ فِيهِ، وَلَا يَعْتَنِقُ شَيْئاً مِنْ أَسَاطِينِهِ (٥). • إنَّمَا قال ذلك؛ لأنَّ ذلك فعل خيرٍ وقربةٌ إلى الله جل ثناؤه، فكل ما أكثر منه فهو خيرٌ، وقد دخل النّبيّ ﷺ البيت وصلّى فيه. روى ذلك نافع، عن ابن عمر، عن بلال: «أَنَّ رَسُولَ اللهِ صَلَّى الله عَلَيْهِ دَخَلَ الكَعْبَةَ وَصَلَّى فِيهَا» (٦).

стр. 509

وقوله: «لا يعتنق شيئاً من أساطينه»، أي: ليس عليه فعل ذلك؛ لأنَّ النّبيّ ﷺ لم ينقل عنه أنَّهُ فعله (١). ••• [٧٣٠] مَسْأَلَةٌ: قَالَ: وَلَا يَدْخُلُ الرَّجُلُ الكَعْبَةَ بِنَعْلَيْهِ، وَيَجْعَلُهُمَا فِي إِزَارِهِ أَوْ فِي يَدَيْهِ، وَلَا يَضَعُهُمَا بَيْنَ يَدَيْهِ إِذَا صَلَّى (٢). • إنَّمَا قال ذلك؛ تعظيماً للكعبة وتشريفاً لها أن يدخلها الإنسان بنعلٍ أو خفٍّ؛ لأنَّهُ يجوز أن يكون قد أصابها شيءٌ من الأذى. وليتبرك أيضاً بمباشرة قدمه لها، قال الله جل ثناؤه: ﴿ذَلِكَ وَمَنْ يُعَظِّمْ حُرُمَاتِ اللَّهِ فَهُوَ خَيْرٌ لَهُ عِنْدَ رَبِّهِ﴾ [الحج:٣٠]، وقوله: ﴿وَمَنْ يُعَظِّمْ شَعَائِرَ اللَّهِ فَإِنَّهَا مِنْ تَقْوَى الْقُلُوبِ﴾ [الحج:٣٢]. وقوله: «لا يجعلها بين يديه»؛ فلكراهية أن يباشر الكعبة بهما. •••

стр. 510

باب ما جاء في وداع البيت (١) [٧٣١] مَسْأَلَةٌ: قَالَ: وَمَنْ تَرَكَ وَدَاعَ البَيْتِ حَتَّى يَصْدُرَ، فَلَا شَيْءَ عَلَيْهِ إِذَا كَانَ قَدْ أَفَاضَ، إِلَّا أَنْ يَذْكُرَ ذَلِكَ مِنْ قَرِيبٍ فَيَرْجِعَ (٢). • إنَّمَا قال ذلك؛ لأنَّ طواف الوداع ليس بمفروضٍ ولا مسنونٍ. ألا ترى: أنَّ الحائض تخرج من غير وداعٍ، ثم لا دم عليها، فلو كان مسنوناً لكان عليها الدم لتركه. ••• [٧٣٢] مَسْأَلَةٌ: قَالَ: وَمَنِ اعْتَمَرَ، فَطَافَ وَسَعَى وَحَلَقَ، ثُمَّ أَرَادَ الخُرُوجَ، فَلَيْسَ عَلَيْهِ أَنْ يُوَدِّعَ البَيْتَ، وَمَنْ أَفَاضَ ثُمَّ خَرَجَ، فَذَلِكَ يُجْزِيهِ مِنَ الوَدَاعِ (٣). • إنَّمَا قال ذلك؛ لأنَّ طواف الوداع إنَّما أريد به أن يكون آخر عهد الإنسان الطّواف بالبيت، فمتى خرج عقيب طوافٍ بحجٍّ أو عمرةٍ، فليس

стр. 511

عليه أن يكرر طوافاً آخر؛ لأنَّ طوافه عن الحجّ والعمرة يجزي عن الوداع؛ إذ الغرض هو أن يكون آخر عهده بالبيت الطواف (١). ••• [٧٣٣] مَسْأَلَةٌ: قَالَ: وَمَنْ وَدَّعَ، فَلَا بَأْسَ أَنْ يَشْتَرِيَ بَعْضَ حَاجَتِهِ، ثُمَّ يَخْرُجَ وَلَا وَدَاعَ عَلَيْهِ (٢). • إنَّمَا قال ذلك؛ لأنَّ هذا خفيفٌ، وبه ضرورةٌ إلى شراء ما يحتاج إليه ويصلحه، فلا بأس أن يفعل ذلك بعد الوداع، وليس عليه إعادة الوداع. ••• [٧٣٤] مَسْأَلَةٌ: قَالَ: وَمَنْ تَرَكَ الوَدَاعَ، فَلَا يُهْرِيقُ دَماً (٣) (٤). • إنَّمَا قال ذلك؛ لأنَّ الهدي إنَّما يجب على من ترك مسنوناً في الحجّ، وطواف الوداع ليس بمسنونٍ، وإنَّما هو مستحبٌ (٥).

стр. 512

ألا ترى: أنَّ الحائض تتركه ولا دم عليها، ولو كان مسنوناً، لكان عليها الدم. ••• [٧٣٥] مَسْأَلَةٌ: قَالَ: وَلَيْسَ المُلْتَزَمُ بِوَاجِبٍ عَلَى النَّاسِ (١). • يعني: التزام الكعبة ليس بواجبٍ، هو مباحٌ، إن شاء فعل وإن شاء لم يفعل. ••• [٧٣٦] مَسْأَلَةٌ: قَالَ: وَمَنْ وَدَّعَ البَيْتَ ثُمَّ بَاتَ بِهِ كَرِيُّهُ، فَأَرْجُو أَنْ يُكُونَ فِي سَعَةٍ، وَأَحَبُ إِلَيْنَا أَنْ يَعُودَ فِي وَدَاعِهِ (٢). • إنَّمَا قال ذلك؛ لأنَّ أمر طواف الوداع خفيفٌ، فإذا طاف ثم بات، لم يكن عليه شيءٌ؛ لأنَّهُ قد ودّع مرةً ويثقل الرجوع للوداع عليه، ويستحبُّ له أن يعود في وداعه؛ ليصل ذلك بالخروج. •••

стр. 513

[٧٣٧] مَسْأَلَةٌ: قَالَ: وَمَنْ وَدَّعَ بَعْدَ العَصْرِ، فَلْيَرْكَعْ رَكْعَتَيْنِ حَيْثُ شَاءَ، فِي الحَرَمِ وَغَيْرِهِ (١). • إنَّمَا قال ذلك؛ لأنَّ إقامته حتى تغرب الشمس تثقل عليه، فيجوز له أن يخرج ويركع حيث شاء من الحرم وغيره إذا غابت الشمس، وليس كذلك ركعتا الطّواف الواجب؛ لتأكيد أمر الطّواف الواجب، فكذلك أمر ركعتيه، وتخفيف أمر طواف الوداع، فكذلك ركعتاه. ••• [٧٣٨] مَسْأَلَةٌ: قَالَ: وَمَنْ أَرَادَ أَنْ يَعْتَمِرَ مِنَ الجِعْرَانَةِ أَوْ مِنَ التَّنْعِيمِ، فَلَا وَدَاعَ عَلَيْهِ (٢) (٣). • إنَّمَا قال ذلك؛ لأنَّ خروجه من مكة هو إلى موضعٍ قريبٍ، وليس هو سفراً بعيداً فيودع، فإن خرج إلى الميقات أو الجحفة وَدَّعَ؛ لتباعد سفره عن سفر التنعيم والجعرانة. •••

стр. 514

[٧٣٩] مَسْأَلَةٌ: قَالَ: وَلَا يَتَعَلَّقُ بِأَسْتَارِ الكَعْبَةِ عِنْدَ الوَدَاعِ، وَكَذَلِكَ عِنْدَ قَبْرِ النَّبِيِّ ﷺ (١). • إنَّمَا قال ذلك؛ لأنَّهُ لم ينقل عن النّبيّ ﷺ أنَّهُ فعل ذلك بأستار الكعبة، ولا نقل عن أصحابه أنهم فعلوا بعده، وليس ينبغي لأحدٍ أن يفعل شيئاً لم يفعله رسول الله ﷺ ولا أصحابه (٢). ••• [٧٤٠] مَسْأَلَةٌ: قَالَ: وَمَنْ وَدَّعَ قَبْلَ طُلُوعِ (٣) الشَّمْسِ، فَسَارَ (٤) فَانْتَقَضَ وَضُوءُهُ، فَإِنْ كَانَ قَدْ تَبَاعَدَ، فَلَا يَرْجِعُ وَلَيْسَ عَلَيْهِ شَيْءٌ (٥). فَإِنْ كَانَ الطَّوَافُ الوَاجِبُ، فَلْيَرْكَعْهُمَا وَلْيُهْدِ بَدَنَةً أَوْ بَقَرَةً، أَوْ شَاةً (٦) إِنْ لَمْ يَجِدْ غَيْرَهَا (٧).

стр. 515

• إنَّمَا قال ذلك؛ لأنَّ طواف الوداع لَمَّا جاز تركه، كذلك جار ترك ركعتيه، أو يركعهما حيث شاء ولا هدي عليه، ولمّا لم يجز ترك طواف الواجب كذلك لا يجوز ترك ركعتيه، وليركعهما إذا تباعد ولا يرجع، وليهد هدياً لتركه الركعتين للطّواف في موضعهما، ولترك اتصالهما أيضاً بالطواف. ••• [٧٤١] مَسْأَلَةٌ: قَالَ: وَمَنْ قَرَنَ وَأَخَّرَ طَوَافَهُ حَتَى صَدَرَ، فَذَلِكَ يُجْزِيهِ لِحَجِّهِ وَعُمْرَتِهِ وَوَدَاعِهِ وَإِفَاضَتِهِ، إِذَا كَانَ ذَلِكَ عِنْدَ خُرُوجِهِ (١). • قد ذكرنا أنَّ الغرض في طواف الوداع أن يكون آخر عهده الطّواف بالبيت، فسواءٌ كان ذلك في طواف فرضٍ في حجٍّ أو عمرةٍ فذلك يجزيه وليس عليه تكرير الطّواف للوداع؛ لأنَّ أحدهما ينوب عن الآخر، كما أنَّ الإحرام بالحج ينوب عن العمرة إذا قرنهما، والغسل من الجنابة ينوب عن الحيض، أو الحيض عن الجنابة إذا اجتمعا (٢). ••• [٧٤٢] مَسْأَلَةٌ: قَالَ: وَيَوْمُ الحَجِّ الأَكْبَرِ يَوْمُ النَّحْرِ (٣).

стр. 516

• إنَّمَا قال ذلك؛ لأنَّ يوم النحر كان فيه اجتماع النَّاس كلهم من قريشٍ وسائر العرب؛ لأنَّ قريشاً كانت لا تخرج إلى عرفة، تقول: «لا نعظم غير الحرم»، وسائر العرب كانت تقف بعرفة، فأمر الله نبيه ﷺ أن يقف بعرفة على ما أمر بها إبراهيم ﵇، فقال جلَّ وعزَّ: ﴿ثُمَّ أَفِيضُوا مِنْ حَيْثُ أَفَاضَ النَّاسُ﴾ [البقرة:١٩٩]، وأراد بالحج الأكبر اجتماع النَّاس ليؤذَنُوا بما أمر الله جل ثناؤه نبيه ﷺ أن يؤذنهم به، وهو الذي كان وجَّه به النّبيّ ﷺ أبا بكر الصديق وأتبعه بعلي ﵄، من أن لا يطوف بالبيت عريان وغير ذلك (١)، وذلك يوم النحر، فيه نادوا. وقد روي من حديث محمد بن إسحاق، عن أبي إسحاق، عن الحارث، عن علي، عن النّبيّ ﷺ ، قال: سَأَلْتُهُ عَنْ يَوْمِ الحَجِّ الأَكْبَرِ؟ «فَقَالَ: هُوَ يَوْمُ النَّحْرِ» (٢)، وهو قول علي (٣)، وابن عباس (٤)، وابن عمر (٥). •••

стр. 517

[٧٤٣] مَسْأَلَةٌ: قَالَ: وَلَا يُجَاوِزُ أَحَدٌ المُعَرَّسَ إِذَا قَفَلَ حَتَّى يُصَلِّيَ فِيهِ، وَإِنْ مَرَّ فِي غَيْرِ وَقْتِ صَلَاةٍ، فَلْيُقِمْ حَتَّى تَحِينَ الصَّلَاةُ، ثُمَّ يُصَلِّي مَا بَدَا لَهُ (١). • إنَّمَا قال ذلك؛ لأنَّ النّبيّ ﷺ عرَّسَ به. روى ذلك مالكٌ، عن نافع، عن ابن عمر: «أن رَسُولَ اللهِ ﷺ أَقَامَ بِالبَطْحَاءِ الَّتِي بِذِي الحُلَيْفَةِ وَصَلَّى بِهَا، وَكَانَ ابنُ عُمَرَ يَفْعَلُ ذَلِكَ» (٢). وروى عبيد الله، عن نافع، عن ابن عمر: «أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ كَانَ يَخْرُجُ مِنْ طَرِيقِ الشَّجَرَةِ، وَيَدْخُلُ مِنْ طَرِيقِ المُعَرَّسِ» (٣). فاستحب مالكٌ فعل ما فعله النّبيّ ﷺ ؛ اقتداءً به وتأسياً. ••• [٧٤٤] مَسْأَلَةٌ: قَالَ: وَمِنْبَرُ رَسُولِ اللهِ ﷺ لَا يُرْقَأُ بِالنِّعَالِ (٤). • إنَّمَا قال ذلك، تعظيماً لرسول الله ﷺ ومنبره، أن يرقى الموضِعُ

стр. 518

الذي كان يرقاه بنعلٍ أو خفٍّ، قال الله جل ثناؤه: ﴿ذَلِكَ وَمَنْ يُعَظِّمْ شَعَائِرَ اللَّهِ فَإِنَّهَا مِنْ تَقْوَى الْقُلُوبِ﴾ [الحج:٣٢]، وقال سبحانه: ﴿ذَلِكَ وَمَنْ يُعَظِّمْ حُرُمَاتِ اللَّهِ فَهُوَ خَيْرٌ لَهُ عِنْدَ رَبِّهِ﴾ [الحج:٣٠]. ويستحبُّ أيضاً أن يكون حافياً؛ من طريق التواضع لله جلَّ وعزَّ في هذا الموضع، وكل موضعٍ شريفٍ مثله، كالكعبة وما أشبهها (١). •••

стр. 519

كتاب النّكاح (١) [٧٤٥] قُلْتُ لِمَالِكٍ: أَرَأَيْتَ الرَّجُلَ يُزَوِّجُ ابْنَتَهُ البِكْرَ قَبْلَ أَنْ يَسْتَأْمِرَهَا؟ قَالَ: ذَلِكَ لَهُ، وَأَحْسَنُ ذَلِكَ أَنْ يُشَاوِرَهَا، وَتَزْوِيجُهُ إِيَّاهَا بِغَيْرِ مَشُورَتِهَا جَائِزٌ عَلَيْهَا، وَلَا يَجُوزُ عَلَيْهَا أَمْرُ غَيْرِهِ إِلَّا بِرِضَاهَا، وَأَمْرُ الأَبِ فِي ابْنَتِهِ البِكْرِ جَائِزٌ عَلَيْهَا وَإِنْ كَانَتْ كَارِهَةً (٢). • إنَّمَا قال ذلك؛ لأنَّ الله جل ثناؤه قال: ﴿وَأَنْكِحُوا الْأَيَامَى مِنْكُمْ وَالصَّالِحِينَ مِنْ عِبَادِكُمْ وَإِمَائِكُمْ﴾ [النور:٣٢]، وقال تعالى: ﴿وَلَا تُنْكِحُوا الْمُشْرِكِينَ حَتَّى يُؤْمِنُوا﴾ [البقرة:٢٢١]، وقال تعالى: ﴿فَلَا تَعْضُلُوهُنَّ أَنْ يَنْكِحْنَ أَزْوَاجَهُنَّ﴾ [البقرة:٢٣٢]، وقال

стр. 520

النّبيّ ﷺ : «لَا نِكَاحَ إِلَّا بِوَلِيّ»، وروى ذلك جماعةٌ، عن أبي إسحاق، عن أبي بردة (١)، عن أبي موسى الأشعري، عن النّبيّ ﷺ (٢). فجعل الله تعالى ورسوله ﷺ إنكاح النِّساء إلى أوليائهن، وأقرب الأولياء هو الأب؛ لأنَّهُ ليس أحدٌ أنظر لنفسه من نفسه، ثم من أبويه. وإذا كان كذلك، كان أمر البكر إلى أبيها؛ لأنها ليست من أهل النظر لنفسها؛ لأنها لم يبرز وجهها، ولم تعلم أحوال الرّجال ولا اختبرتهم فتعرف ما يصلحها وما لا يصلحها منهم، فكان أمرها إلى أبيها واختيار ذلك إليه؛ لمعرفته بذلك وقصور معرفتها عن ذلك، فجاز له أن يزوِّجها بغير رضاها؛ لأنها لا تعرف موضع الاختيار لنفسها، وهو أعرف بذلك منها، فجاز لهذه العلَّة عقده عليها جبراً (٣). فإذا صارت ثيباً فعرفت حال الرّجال وخبرتهم وكانت رشيدةً، لم يعقد عليها أبوها جبراً؛ لأنها تعرف من مصلحة نفسها وخَبِرَتِ الرّجال مثل ما يعرفه أبوها، فلم يكن له أن يعقد عليها جبراً، بل يزوِّجها إذا أرادت، وليس كذلك البكر. وقد روى مالكٌ، عن عبد الله بن الفضل (٤)، عن نافع بن جبيرٍ (٥)، عن

стр. 521

عبد الله بن عباس، عن النّبيّ ﷺ قال: «الأَيِّمُ أَحَقُّ بِنَفْسِهَا مِنْ وَلِيِّهَا» - يعني: لا تجبر - «وَإِذْنُ البِكْرِ صُمَاتُهَا» (١)؛ لأنها تستحي من الكلام. وإذا كان كذلك، كان أمرها في العقد واختيار المعقود عليها إلى أبيها، والأحسن أن يشاورها، وقد روي عن النّبيّ ﷺ أنَّهُ قال: «شَاوِرُوا النِّسَاءَ فِي بَنَاتِهِنَّ (٢)» (٣). فيستحبُّ للإنسان أن يستأذن ابنته البكر؛ لأنَّ ذلك أطيب لنفسها، وكذلك يستحبُّ له أن يستأذن أمها فيها، وليس ذلك كلّه واجباً عليه. فأمَّا غير الأب، فلا يجوز له أن يزوجها حتى يستأذنها وترضى؛ لأنَّهُ لا يقوم مقام الأب أحدٌ في ولده، ولا يكون نظره لهم كنظر الأب. ولا يزوِّجها الجد، أبو أبيها على قول مالكٍ؛ لبعد قربه منها.

стр. 522

ألا ترى: أنَّهُ لَمَّا لم يكن في باب الميراث منها كأبيها، فكذلك لا يكون في باب عقد النّكاح عليها كأبيها (١). ••• [٧٤٦] مَسْأَلَةٌ: قَالَ: وَلَا بَأْسَ أَنْ يُزَوِّجَ الرَّجُلُ ابْنَتَهُ وَهِيَ صَغِيرَةٌ، وَلَا يَكُونُ لَهَا إِذَا بَلَغَتْ نَظْرَةٌ (٢) (٣). • إنَّمَا قال ذلك؛ لِمَا ذكرناه أنَّ أحداً لا يكون نظره لغيره كنظر الإنسان لنفسه مثل الأب؛ لأنَّهُ ينظر لولده كنظره لنفسه، فناب نظر الأب عن ولده واحتياطه له كنظر الولد لنفسه واحتياطه لها إذا بلغ، فجاز له أن يعقد على ابنته الصغيرة قبل أن تبلغ فيستأذنها؛ لهذه العلَّة (٤)، ولا خلاف في ذلك بين فقهاء الأمصار الذين يرجع إليهم في العلم. وقد روى مالكٌ، أنَّهُ بلغه عن القاسم بن محمد، وسالم بن عبد الله، وسليمان بن يسار: (أَنَّهُمْ كَانُوا يَقُولُونَ فِي البِكْرِ: يُزَوِّجُهَا أَبُوهَا بِغَيْرِ إِذْنِهَا، إِنَّ ذَلِكَ لَازِمٌ لَهَا) (٥).

стр. 523

وقد استدل بعض أصحابنا (١) على جواز ذلك من القرآن، بقوله جل ثناؤه: ﴿وَاللَّائِي يَئِسْنَ مِنَ الْمَحِيضِ مِنْ نِسَائِكُمْ إِنِ ارْتَبْتُمْ فَعِدَّتُهُنَّ ثَلَاثَةُ أَشْهُرٍ وَاللَّائِي لَمْ يَحِضْنَ﴾ [الطلاق:٤]، فعُلِمَ بهذا أنَّ عقد نكاحهنَّ قبل بلوغهن، لأنَّ علامة البلوغ الحيض، فإذا زُوِّجَت قبله، فهو تزويجٌ قبل البلوغ، وليس أحدٌ يزوِّج الصغيرة فيلزمها التزويج حتى لا يكون لها فسخه إذا بلغت غير الأب. ومما يدل على جواز تزويج الأب الصّغيرة، أنَّ أبا بكر الصديق ﵁ زَوَّجَ عائشة من النّبيّ ﷺ وهي صغيرةٌ لها سبع سنين، وبنى بها ولها تسع (٢)، فعلم بما ذكرناه جواز تزويج الأب لابنته الصغيرة، والله أعلم. وقوله: «ولا نظرة لها إذا بلغت»؛ فلأنَّ عقد الأب عليها هو كعقد من عَقَدَ عليها برضاها إذا بلغت، فلما لم يكن لها فسخ عقد النّكاح إذا كان برضاها، كذلك ليس لها فسخ ما عقده الأب عليها إذا كانت صغيرةً، وكذلك إذا عقد عليها وهي كبيرة بغير رضاها؛ لأنَّ عقده عليها بغير رضاها يقوم مقام العقد عليها برضاها، والله أعلم. ••• [٧٤٧] مَسْأَلَةٌ: قَالَ: وَمَنْ تَزَوَّجَ بِكْراً فَاعْتَرَضَ عَنْهَا، فَفُرِّقَ بَيْنَهُمَا وَهِيَ بِكْرٌ، فَقَدِ اخْتُلِفَ فِيهِ:

стр. 524

(فَقِيلَ: لَا يُزَوِّجُهَا إِلَّا بِرِضَاهَا. (وَقِيلَ: إِنْ كَانَ فِرَاقُهُ إِيَّاهَا بِحَدَاثَةِ ذَلِكَ وَقُرْبِهِ، فَهِيَ بِحَالِ البِكْرِ يُزَوِّجُهَا بِغَيْرِ رِضَاهَا، فَإِذَا طَالَ زَمَانُهَا وَشَهِدَتِ المَشَاهِدَ وَقَامَتْ فِي أَمْرِهَا، فَلَا يُزَوِّجُهَا إِلَّا بِرِضَاهَا، وَهَذَا أَحَبُّ إِلَيْنَا (١). • يعني بقوله: «اعترض عنها»، أي: لم يقدر أن يطأها من العنَّة. ووجه قوله: «إنَّهُ لا يزوجها إلَّا برضاها»؛ فلأنها قد عرفت أمرها ببروز وجهها وعشرتها للزوج وخبرتها لذلك، فلم يجز أن يعقد عليها أبوها بغير رضاها؛ لأنها قد صارت من أهل الاختيار لنفسها بمعرفتها بأمر الرّجال، فأشبهت الثيب في ذلك. ووجه قوله: «إنَّهُ يعقد عليها إذا كان أمرها لم يطل معه ولم يطأها»؛ فلأنَّ حكمها حكم البكر التي لم يبرز وجهها ولم تعرف الرّجال؛ لأنها إنَّما تخبرهم بالمعاشرة، وطول الأمر معهم، ووقوع وطءٍ، أو إقامة زمانٍ طويلٍ. فأمَّا إذا كان يسيراً، فإنَّ الأب يعقد عليها بغير رضاها؛ لأنها ليست من أهل الخبرة بالأزواج ومن يصلح لها أو لا يصلح. فإذا طالت إقامتها وعشرتها ومعرفتها بهم، أشبهت المرأة البارز التي قعدت عن التزويج وخالطت النَّاس من الرّجال والنساء، ومعلومٌ أن مثل هذه قد عرفت أحوال النَّاس وخَبِرتهم، وإذا كان كذلك، لم يعقد الأب عليها حتى يستأذنها.

стр. 525

وهذه هي التي يقول مالك في المُعَنَّسَةِ (١): إنَّ أباها لا يزوِّجها إلَّا برضاها؛ لأنها قد صارت من أهل الاختيار لنفسها، فنظرها لنفسها أولى من نظر غيرها لها، كالثيب أنَّ نظرها لنفسها أولى من نظر أبيها وغيره لها، والله أعلم. ••• [٧٤٨] مَسْأَلَةٌ: قَالَ: وَإِذَا غَابَ عَنِ البِكْرِ أَبُوهَا بِبَلَدٍ وَطَالَتْ غَيْبَتُهُ، فَلَا يُزَوِّجُهَا أَخُوهَا بِرِضَاهَا حَتَّى يَسْتَأْذِنَ فِي ذَلِكَ أَبَاهَا. وَإِنْ كَانَ أَبُوهَا قَدْ ضُرِبَتْ فِيهِ الآجَالُ، فَلَمْ يُعْلَمْ لَهُ مَكَانٌ وَقَدِ انْقَطَعَ خَبَرُهُ، فَإِذَا رَضِيَتْ، فَلَا بَأْسَ أَنْ يُزَوِّجَهَا (٢). • إنَّمَا قال ذلك؛ لأنَّ الأخ وغيره من الأولياء لا يقومون مقام الأب في ابنته البكر، وليس يجوز لهم أن يزوِّجوها دون أن يأذن لهم الأب في ذلك، إذا كان في موضعٍ يمكن استئذانه ويُوصَلُ إليه، ولم تكن غيبته منقطعةً. ألا ترى: أنَّ الأب يجبر ابنته البكر على عقد نكاحها وتزوّجها بغير رضاها، وليس يجوز للأخ ولا غيره من الأولياء أن يفعلوا ذلك، فعُلِم بهذا أنهم لا يقومون مقام الأب في عقد النّكاح على ابنته البكر، صغيرةً كانت أو كبيرةً.

стр. 526

فأمَّا إذا انقطع خبر الأب ولم يُدْر أين هو، أو كانت غيبته بعيدةً جداً منقطعةً، فإنَّ للأخ وغيره من الأولياء أن يزوِّجوها برضاها؛ لأنَّ في ترك تزويجها ضرراً عليها، إذ لا يتوصل إلى الأب إلَّا بعد وقوع الضرر بها، وقد لا يتوصل إليه أيضاً أصلاً، فجاز لسائر الأولياء أو الحاكم أن يزوجوها برضاها؛ لأنَّ كلهم أولياء، وإن كان بعضهم أقرب ولايةً وأوكد سبباً، والله أعلم. ••• [٧٤٩] مَسْأَلَةٌ: قَالَ: وَلَا بَأْسَ أَنْ يُزَوِّجَ الرَّجُلُ أُخْتَهُ الثَّيِّبَ إِذَا كَانَ أَبُوهَا غَائِباً، إِذَا رَضِيَتْ (١). • إنَّمَا قال ذلك؛ لأنَّ الأخ والأب في المرأة الثيب واحدٌ، ليس يفضل أحدهما الآخر في تزويجها، فأيهما زوجها بأمرها جاز. ألا ترى: أنَّ الأب لا يقدر أن يزوجها بغير إذنها، وكذلك الأخ لا يزوجها إلَّا بإذنها، فاستوى الأخ والأب في هذا الوجه أنهما لا يصلان إلى العقد عليها إلَّا بإذنها، فمن عقد عليها كان جائزاً إذا كان بإذنها، وهي مخالفةٌ للبكر لِمَا ذكرناه قبل هذا. ولو زوَّجها أخوها بإذنها وكان أبوها حاضراً في البلد، لجاز النّكاح، ولم يكن للأب أن يرده؛ لأنَّ الأخ ولي كالأب، وعقد الأخ كعقد الأب؛ إذ كل ذلك برضاها. ألا ترى: أنَّ الأب لو عقد على الثيب بغير رضاها لم يجز، وكذلك لو عقد

стр. 527

عليها الأخ، فكذلك إذا عقدا جميعاً أو أحدهما عليها بإذنها كان العقد جائزاً، والله أعلم. ••• [٧٥٠] مَسْأَلَةٌ: قَالَ: وَلَا بَأْسَ أَنْ يُنْكِحَ اليَتِيمَةَ أَصْغَرُ إِخْوَتِهَا، وَإِنْ (١) كَانَ أَكْبَرُهُمْ غَائِباً، إِذَا كَانَ عَدْلاً، وَلَا يُنْتَظَرُ (٢). • إنَّمَا قال ذلك؛ لِمَا ذكرناه أنَّ صغير الإخوة وكبيرهم في تزويج الأخت بمنزلةٍ واحدةٍ؛ لأنَّ كل واحدٍ منهم لا يقدر أن يزوِّجها بغير رضاها إذا بلغت، فاستوى الصغير والكبير في تزويجها، فجاز لهذه العلَّة أن يزوِّجها أصغر إخوتها إذا بلغت بإذنها. ومعنى قولهم: «اليتيمة»، يعنون: التي هي في الحجر ممن لا أب لها وإن كانت قد بلغت، ولا يجوز أن يزوج أحدٌ صغيرةً غير الأب، على ما ذكرناه. وقد قال مالك: «إنَّ اليتيمة الصغيرة إذا كان بها حاجةٌ وضرورةٌ إلى التزويج لغيرها، جاز أن يزوِّجها غير أبيها» (٣)، وهذا إنَّما أجازه على وجه ضرورتها وفقرها؛ لأنها لا تجد ما تنفق على نفسها؛ ولأنَّ تزويجها نظرٌ لها، فجاز أن تزوج لهذه العلَّة (٤).

стр. 528

وقال محمد بن عبد الله بن عبد الحكم: رجع مالكٌ عن هذا، وقال: «لا تزوَّج اليتيمة حتى تبلغ وترضى» (١). ••• [٧٥١] مَسْأَلَةٌ: قَالَ: وَلَا يَجُوزُ لِلْجَدِّ أَنْ يُنْكِحَ ابْنَةَ ابْنِهِ بِغَيْرِ رِضَاهَا. وَلَا يُزَوِّجُ اليَتِيمَةَ وَليُّهَا حَتَّى تَبْلُغَ الخِيَارَ لِنَفْسِهَا وَتَتَقَدَّمَ إِلَى النَّاسِ فِي ذَلِكَ، فَإِنْ زُوِّجَتْ وَبَلَغَتْ فَلَمْ تَرْضَ، فَأَرَى أَنْ يُفْسَخَ. قَالَ: وَإِنْ زُوِّجَتْ يَتِيمَةٌ وَبِهَا حَاجَةٌ مُلِحَّةٌ فِي صَلَاحٍ وَغِنَىً إِذَا بَلَغَتْ عَشْرَ سِنِينَ وَمَا أَشْبَهَهَا، فَلَا بَأْسَ بِذَلِكَ عَلَى هَذِهِ الجِهَةِ (٢). • قد ذكرنا أنَّ الصغيرة لا يزوجها أحدٌ غير الأب، لا يزوِّجها جدٌّ ولا غيره من الأولياء، ولا حاكمٌ؛ لأنَّ أحداً لا يقوم في ذلك مقام الأب الأدنى، وليس نظر أحدٍ لنفسه مثل نظر الأب له، حتى ربما آثر صلاح ولده على صلاحه، هذا يُعرف بالمشاهدة، وقد قال الله تعالى: ﴿وَأَصْلِحْ لِي فِي ذُرِّيَّتِي﴾ [الأحقاف:١٥]، فجعل صلاح ذريته له، وإذا كان كذلك، لم يقم مقام الأب الأدنى أحدٌ من النَّاس، لا جدٌّ ولا أخٌ ولا عصبةٌ. فأمَّا تزويج الأولياء الصغيرة أو الحاكم إذا كان بها ضرورةٌ إلى ذلك،

стр. 529

فقد ذكرت أنَّ مالكاً أجازه استحساناً، لضرورتها إلى ذلك وحاجتها، والضرورة قد تنقل الحكم عن أصله إلى غيره. وقد حكي عن مالك أنَّهُ رجع عن هذا القول، فقال: «لا يزوج أحد الصغيرة إلَّا أبوها»، وهذا هو القياس، وهو الصحيح لِمَا ذكرناه، والله أعلم. ••• [٧٥٢] مَسْأَلَةٌ: قَالَ: وَلَا بَأْسَ أَنْ يُنْكِحَ اليَتِيمَ وَلِيُّهُ قَبْلَ أَنْ يَبْلُغَ عَلَى وَجْهِ النَّظَرِ لَهُ، وَيُبَارِي عَنْهُ وَلِيُّهُ، وَلَا يُزَوِّجُ وَلِيَّتَهُ حَتَّى تَبْلُغَ (١). • إنَّمَا قال: «إنَّ الصغير يزوجه وليه إذا كان ذلك نظراً له»؛ فلأنَّ الولي أو الوصي يقوم مقام الأب في الصغير، فلما جاز للأب أن يعقد على الصغير إذا كان نظراً له، جاز ذلك للوصي أو الولي، كما يجوز أن يعقد عليه في أمواله، فيبيع ويشتري إذا كان نظراً له. فأمَّا الصغيرة فلا يعقد عليها الولي والوصي حتى تبلغ، ثم يستأمرها بعد البلوغ، فيزوجها إذا رضيت. وقد روى يحيى بن سعيد القطان، عن محمد بن عمرو، عن أبي سلمة، عن أبي هريرة، أنَّ النبي صَلَّى الله عَلَيْهِ قال: «تُسْتَأْمَرُ اليَتِيمَةُ فِي نَفْسِهَا» (٢)، رواه عن يحيى أحمد بن حنبل.

стр. 530

وروى أبو نعيم (١)، قال: حدثنا يونس مولى (٢) أبي اسحاق (٣)، عن أبي بردة، عن أبي موسى، عن النّبيّ ﷺ قال: «تُسْتَأْمَرُ اليَتِيمَةُ فِي نَفْسِهَا، فَإِنْ سَكَتَتْ فَقَدْ أَذِنَتْ، وَإِنْ أَنْكَرَتْ لَمْ تُنْكَحْ» (٤)، ففي الخبر دليلان: أحدهما: أنَّ الأب لا يحتاج إلى استئذانها إلَّا على معنى تطييب نفسها. والآخر: أنها لا تزوَّج إذا كان الولي غير الأب إلَّا بعد أن تستأمر، وذلك بعد البلوغ؛ لأنَّ إذن الصغيرة ليس بإذن. والفرق بين الصغير والصغيرة من جهة القياس: أنَّ الصغير يقدر على رفع العقد متى كرهه إذا بلغ بأنْ يُطَلِّق؛ لأنَّ الطلاق إليه، وليس تقدر الصغيرة على رفع العقد إذا كرهت بعد البلوغ؛ لأنَّ الطلاق ليس إليها، فهذا الفرق بينهما. ••• [٧٥٣] مَسْأَلَةٌ: قَالَ: وَمَنْ زَوَّجَ أُخْتَهُ بِكْراً، فَأَقَامَ زَمَاناً، ثُمَّ طَلَبَ الزَّوج (٥)
следующие страницы →