← Фикх малики

Фикх малики · id 1326

شرح المختصر الكبير للأبهري

الأبهري

Полный текст (2 801 стр.). Показаны 526–565 · переход к 531.

стр. 526

فأمَّا إذا انقطع خبر الأب ولم يُدْر أين هو، أو كانت غيبته بعيدةً جداً منقطعةً، فإنَّ للأخ وغيره من الأولياء أن يزوِّجوها برضاها؛ لأنَّ في ترك تزويجها ضرراً عليها، إذ لا يتوصل إلى الأب إلَّا بعد وقوع الضرر بها، وقد لا يتوصل إليه أيضاً أصلاً، فجاز لسائر الأولياء أو الحاكم أن يزوجوها برضاها؛ لأنَّ كلهم أولياء، وإن كان بعضهم أقرب ولايةً وأوكد سبباً، والله أعلم. ••• [٧٤٩] مَسْأَلَةٌ: قَالَ: وَلَا بَأْسَ أَنْ يُزَوِّجَ الرَّجُلُ أُخْتَهُ الثَّيِّبَ إِذَا كَانَ أَبُوهَا غَائِباً، إِذَا رَضِيَتْ (١). • إنَّمَا قال ذلك؛ لأنَّ الأخ والأب في المرأة الثيب واحدٌ، ليس يفضل أحدهما الآخر في تزويجها، فأيهما زوجها بأمرها جاز. ألا ترى: أنَّ الأب لا يقدر أن يزوجها بغير إذنها، وكذلك الأخ لا يزوجها إلَّا بإذنها، فاستوى الأخ والأب في هذا الوجه أنهما لا يصلان إلى العقد عليها إلَّا بإذنها، فمن عقد عليها كان جائزاً إذا كان بإذنها، وهي مخالفةٌ للبكر لِمَا ذكرناه قبل هذا. ولو زوَّجها أخوها بإذنها وكان أبوها حاضراً في البلد، لجاز النّكاح، ولم يكن للأب أن يرده؛ لأنَّ الأخ ولي كالأب، وعقد الأخ كعقد الأب؛ إذ كل ذلك برضاها. ألا ترى: أنَّ الأب لو عقد على الثيب بغير رضاها لم يجز، وكذلك لو عقد

стр. 527

عليها الأخ، فكذلك إذا عقدا جميعاً أو أحدهما عليها بإذنها كان العقد جائزاً، والله أعلم. ••• [٧٥٠] مَسْأَلَةٌ: قَالَ: وَلَا بَأْسَ أَنْ يُنْكِحَ اليَتِيمَةَ أَصْغَرُ إِخْوَتِهَا، وَإِنْ (١) كَانَ أَكْبَرُهُمْ غَائِباً، إِذَا كَانَ عَدْلاً، وَلَا يُنْتَظَرُ (٢). • إنَّمَا قال ذلك؛ لِمَا ذكرناه أنَّ صغير الإخوة وكبيرهم في تزويج الأخت بمنزلةٍ واحدةٍ؛ لأنَّ كل واحدٍ منهم لا يقدر أن يزوِّجها بغير رضاها إذا بلغت، فاستوى الصغير والكبير في تزويجها، فجاز لهذه العلَّة أن يزوِّجها أصغر إخوتها إذا بلغت بإذنها. ومعنى قولهم: «اليتيمة»، يعنون: التي هي في الحجر ممن لا أب لها وإن كانت قد بلغت، ولا يجوز أن يزوج أحدٌ صغيرةً غير الأب، على ما ذكرناه. وقد قال مالك: «إنَّ اليتيمة الصغيرة إذا كان بها حاجةٌ وضرورةٌ إلى التزويج لغيرها، جاز أن يزوِّجها غير أبيها» (٣)، وهذا إنَّما أجازه على وجه ضرورتها وفقرها؛ لأنها لا تجد ما تنفق على نفسها؛ ولأنَّ تزويجها نظرٌ لها، فجاز أن تزوج لهذه العلَّة (٤).

стр. 528

وقال محمد بن عبد الله بن عبد الحكم: رجع مالكٌ عن هذا، وقال: «لا تزوَّج اليتيمة حتى تبلغ وترضى» (١). ••• [٧٥١] مَسْأَلَةٌ: قَالَ: وَلَا يَجُوزُ لِلْجَدِّ أَنْ يُنْكِحَ ابْنَةَ ابْنِهِ بِغَيْرِ رِضَاهَا. وَلَا يُزَوِّجُ اليَتِيمَةَ وَليُّهَا حَتَّى تَبْلُغَ الخِيَارَ لِنَفْسِهَا وَتَتَقَدَّمَ إِلَى النَّاسِ فِي ذَلِكَ، فَإِنْ زُوِّجَتْ وَبَلَغَتْ فَلَمْ تَرْضَ، فَأَرَى أَنْ يُفْسَخَ. قَالَ: وَإِنْ زُوِّجَتْ يَتِيمَةٌ وَبِهَا حَاجَةٌ مُلِحَّةٌ فِي صَلَاحٍ وَغِنَىً إِذَا بَلَغَتْ عَشْرَ سِنِينَ وَمَا أَشْبَهَهَا، فَلَا بَأْسَ بِذَلِكَ عَلَى هَذِهِ الجِهَةِ (٢). • قد ذكرنا أنَّ الصغيرة لا يزوجها أحدٌ غير الأب، لا يزوِّجها جدٌّ ولا غيره من الأولياء، ولا حاكمٌ؛ لأنَّ أحداً لا يقوم في ذلك مقام الأب الأدنى، وليس نظر أحدٍ لنفسه مثل نظر الأب له، حتى ربما آثر صلاح ولده على صلاحه، هذا يُعرف بالمشاهدة، وقد قال الله تعالى: ﴿وَأَصْلِحْ لِي فِي ذُرِّيَّتِي﴾ [الأحقاف:١٥]، فجعل صلاح ذريته له، وإذا كان كذلك، لم يقم مقام الأب الأدنى أحدٌ من النَّاس، لا جدٌّ ولا أخٌ ولا عصبةٌ. فأمَّا تزويج الأولياء الصغيرة أو الحاكم إذا كان بها ضرورةٌ إلى ذلك،

стр. 529

فقد ذكرت أنَّ مالكاً أجازه استحساناً، لضرورتها إلى ذلك وحاجتها، والضرورة قد تنقل الحكم عن أصله إلى غيره. وقد حكي عن مالك أنَّهُ رجع عن هذا القول، فقال: «لا يزوج أحد الصغيرة إلَّا أبوها»، وهذا هو القياس، وهو الصحيح لِمَا ذكرناه، والله أعلم. ••• [٧٥٢] مَسْأَلَةٌ: قَالَ: وَلَا بَأْسَ أَنْ يُنْكِحَ اليَتِيمَ وَلِيُّهُ قَبْلَ أَنْ يَبْلُغَ عَلَى وَجْهِ النَّظَرِ لَهُ، وَيُبَارِي عَنْهُ وَلِيُّهُ، وَلَا يُزَوِّجُ وَلِيَّتَهُ حَتَّى تَبْلُغَ (١). • إنَّمَا قال: «إنَّ الصغير يزوجه وليه إذا كان ذلك نظراً له»؛ فلأنَّ الولي أو الوصي يقوم مقام الأب في الصغير، فلما جاز للأب أن يعقد على الصغير إذا كان نظراً له، جاز ذلك للوصي أو الولي، كما يجوز أن يعقد عليه في أمواله، فيبيع ويشتري إذا كان نظراً له. فأمَّا الصغيرة فلا يعقد عليها الولي والوصي حتى تبلغ، ثم يستأمرها بعد البلوغ، فيزوجها إذا رضيت. وقد روى يحيى بن سعيد القطان، عن محمد بن عمرو، عن أبي سلمة، عن أبي هريرة، أنَّ النبي صَلَّى الله عَلَيْهِ قال: «تُسْتَأْمَرُ اليَتِيمَةُ فِي نَفْسِهَا» (٢)، رواه عن يحيى أحمد بن حنبل.

стр. 530

وروى أبو نعيم (١)، قال: حدثنا يونس مولى (٢) أبي اسحاق (٣)، عن أبي بردة، عن أبي موسى، عن النّبيّ ﷺ قال: «تُسْتَأْمَرُ اليَتِيمَةُ فِي نَفْسِهَا، فَإِنْ سَكَتَتْ فَقَدْ أَذِنَتْ، وَإِنْ أَنْكَرَتْ لَمْ تُنْكَحْ» (٤)، ففي الخبر دليلان: أحدهما: أنَّ الأب لا يحتاج إلى استئذانها إلَّا على معنى تطييب نفسها. والآخر: أنها لا تزوَّج إذا كان الولي غير الأب إلَّا بعد أن تستأمر، وذلك بعد البلوغ؛ لأنَّ إذن الصغيرة ليس بإذن. والفرق بين الصغير والصغيرة من جهة القياس: أنَّ الصغير يقدر على رفع العقد متى كرهه إذا بلغ بأنْ يُطَلِّق؛ لأنَّ الطلاق إليه، وليس تقدر الصغيرة على رفع العقد إذا كرهت بعد البلوغ؛ لأنَّ الطلاق ليس إليها، فهذا الفرق بينهما. ••• [٧٥٣] مَسْأَلَةٌ: قَالَ: وَمَنْ زَوَّجَ أُخْتَهُ بِكْراً، فَأَقَامَ زَمَاناً، ثُمَّ طَلَبَ الزَّوج (٥)

стр. 531

الدُّخُولَ، فَقَالَتِ الجَارِيَةُ: لَمْ أَرْضَ وَلَمْ أَعْلَمْ، فَالقَوْلُ قَوْلُهَا، إِلَّا أَنْ تَقُومَ عَلَيْهَا بَيِّنَةٌ، وَتَحْلِفُ (١). • إنَّمَا قال ذلك؛ لأنَّها على الأصل في أنها لم تُستأذن، فمن ادَّعى عليها الاستئذان والرضا فعليه البينة على ذلك، وإلا حلفت على ذلك بالله أنها لم تُسْتَأذن ولم ترض، ولا يلزمها عقد النّكاح. ••• [٧٥٤] مَسْأَلَةٌ: قَالَ: وَإِذَا أَنْكَحَ الرَّجُلُ أُخْتَهُ، ثُمَّ مَاتَ الزَّوْجُ قَبْلَ أَنْ يَدْخُلَ، فَادَّعَى الوَرَثَةُ أَنَّهَا لَمْ تَرْضَ، قَالَ: تُسْأَلُ، فَإِنْ قَالَتْ: «نَعَمْ»، فَذَلِكَ لَهَا (٢). • إنَّمَا قال ذلك؛ لأنها إذا زُوِّجَت من غير رضاها كان النّكاح فاسداً، ولم يكن لها ميراثٌ، فإذا أقرت بفساد النّكاح، لم يكن لها ميراثٌ، وإن لم تقر فقد وجب لها الميراث بحصول النّكاح، وعلى من ادَّعى فساده البينة على ذلك، وإلا حلفت بالله أنها كانت راضيةً بالعقد. ••• [٧٥٥] مَسْأَلَةٌ: قَالَ: وَمَنْ زَوَّجَ أُخْتاً لَهُ، فَأَنْكَرَتْ أَنْ تَكُونَ عَلِمَتْ، ثُمَّ أَقَرَّتْ

стр. 532

بَعْدَ ذَلِكَ وَقَالَتْ: «كَذَبْتُ، قَدْ كُنْتُ رَضِيتُ»، فَلَا تُقَرُّ عَلَى ذَلِكَ النِّكَاحِ حَتَّى يَأْتَنِفَا غَيْرَهُ (١). • إنَّمَا قال ذلك؛ لأنها إذا قالت: «لم أرض بالنكاح»، فقد أقرت بفساده، فإذا قالت بعد ذلك: «إنها كانت راضيةً بالنكاح»، لم يقبل منها؛ لأنها تريد الثبات على نكاحٍ قد أقرت بفساده، ولكن يستأنفان النّكاح إن أرادا. ••• [٧٥٦] مَسْأَلَةٌ: قَالَ: وَمَنْ فَوَّضَتْ إِلَيْهِ وَلِيَّتُهُ نِكَاحَهَا، فَجَاءَهُ كُفْؤٌ، فَلَا يُزَوِّجُهَا حَتَّى يُعْلِمَهَا وَيُخْبِرَهَا بِالَّذِي بُذِلَ لَهَا، وَيُسَمِّي لَهَا مَنْ خَطَبَهَا (٢). • إنَّمَا قال ذلك؛ لأنَّ في نكاح الولي لوليته شيئين: (أحدهما: عقد النّكاح بإذنها، لا يجوز له أن يعقده بغير إذنها، أعني: غير الأب. (والآخر: اختيار عين الزّوج. فمتى أذنت له في العقد، لم يجز أن يعقد حتى يُعَرِّفَهَا عين المعقود عليه؛ لاخْتِلَافِ أغراض النّساء في أعيان الرّجال، فلهذه العلَّة قال مالك: «إنَّهُ لا يزوجها وإن أذنت له في التزويج حتى يسمي لها من خطبها»، فإن أذنت له في النّكاح وجعلت إليه الاختيار، جاز له أن يزوجها ويختار لها على ما جعلت إليه.

стр. 533

وكذلك يعَرِّفها مقدار ما بُذل لها من الصداق؛ لأنَّ الأمر إليها في ذلك، إن شاءت رضيت أو لم ترض، على حسب ما تراه في ذلك. ••• [٧٥٧] مَسْأَلَةٌ: قَالَ: وَلَا تُزَوَّجُ السَّفِيهَةُ إِلَّا بِرِضَاهَا (١). • إنَّمَا قال ذلك؛ لِمَا ذكرناه أنَّهُ لا يجوز عقد أحدٍ على امرأةٍ حتى ترضى بالعقد، إلَّا الأب في ابنته البكر، صغيرةً كانت أو كبيرةً، فأمَّا غيره من الأولياء فليس يجوز أن يعقد على وليته دون أن يستأذنها وترضى، سفيهةً كانت أو رشيدةً. ••• [٧٥٨] مَسْأَلَةٌ: قَالَ: وَإِذَا أَنْكَحَ الرَّجُلُ ابْنَتَهُ الكَبِيرَةَ وَهِيَ غَائِبَةٌ، فَلَا أَرَى ذَلِكَ نِكَاحاً، وَأَرَى أَنْ يُفْسَخَ، وَإِنْ مَاتَا لَمْ يَتَوَارَثَا (٢). • يعني: إذا كانت ثيباً، فليس يجوز للأب ولا لأحدٍ من الأولياء أن يزوجها بغير رضاها، فمتى فعل ذلك، كان النّكاح فاسداً؛ من قِبَل أنها هي الأصل في جواز العقد وفسخه. ألا ترى: أنَّ أولياءَها لا يعقدون النّكاح عليها إلَّا بإذنها، فمتى لم تأذن لهم،

стр. 534

لم يصح العقد ولا يجوز وإن أجازته؛ لأنَّ أحداً لا يقوم مقامها في العقد عليها [إذا لم تأذن] (١) (٢) .....

стр. 535

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .

стр. 536

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .

стр. 537

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .

стр. 538

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .

стр. 539

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .

стр. 540

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .

стр. 541

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .

стр. 542

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .

стр. 543

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .

стр. 544

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .

стр. 545

.. (١) إنَّمَا قال ذلك؛ لأنَّهُ نكاحٌ قد عُلِّقَ وقوعه شريطة يمكن أن يكون، ويمكن أن لا يكون، وذلك لا يجوز؛ لأنَّ النّكاح لا يجوز أن يكون معلقاً بشرط خيارٍ ولا صفةٍ. ألا ترى: أنَّهُ لا يجوز فيه خيار الثلاث وأقل وأكثر. ••• [٧٥٩] قَالَ: وَلَا بَأْسَ بِالخُطْبَةِ عِنْدَ النِّكَاحِ، وَاليَسِيرُ مِنْهَا يُجْزِي (٢).

стр. 546

• إنَّمَا قال ذلك؛ لأنَّ الخطبة فعل خيرٍ، وفيها إعلانٌ للنكاح، فلا بأس بذلك، وقد خطب جماعة من المسلمين. وقد روى ابن مسعود، أنَّ النبي صَلَّى الله عَلَيْهِ كان يخطب عند الحاجة، يقول: «الحَمْدُ لِلهِ نَسْتَعِينُهُ وَنَسْتَغْفِرُهُ» (١)، فذكر الخطبة. وليس لها حدٌّ محدودٌ، وما تيسر أجزأ، وإن عُقِد النّكاح بغير خطبةٍ أجزأ؛ لأنها ليست بفرضٍ لا يصح النّكاح بغيرها، وإنَّما هي مستحبةٌ، ولا خلاف في ذلك نعلمه. ••• [٧٦٠] مَسْأَلَةٌ: قَالَ: وَمَنْ تَزَوَّجَ امْرَأَةً بِعَبْدٍ غَائِبٍ أَوْ أَرْضٍ غَائِبَةٍ، فَذَلِكَ جَائِزٌ لَا بَأْسَ بِهِ (٢). • إنَّمَا قال ذلك؛ لأنَّ عقد النّكاح هو عقدٌ على معاوضةٍ، فكلما جاز أن يبيعه الإنسان جاز أن يتزوج به، وكذلك قال مالك (٣).

стр. 547

وبيع العبد الغائب والدار الغائبة جائزٌ إذا عرفهما البائع والمشتري مشاهدةً أو صفةً، فكذلك التزويج بهما. ••• [٧٦١] مَسْأَلَةٌ: قَالَ: وَإِذَا تَزَوَّجَتِ المَرْأَةُ عَلَى حُكْمِهَا، فَلَا يُفْسَخُ، وَيُقَالَ لَهَا: «سَمِّي»، فَإِنْ رَضِيَ الزَّوْجُ كَانَ ذَلِكَ صَدَاقاً، وَإِنْ لَمْ يَرْضَ قِيلَ لَهُ: «سَمِّ»، فَإِنْ رَضِيَتْ كَانَ لَهَا صَدَاقُهَا، وَإِنْ لَمْ يَتَرَاضَيَا عَلَى شَيْءٍ فُسِخَ (١). • إنما أجاز ذلك؛ لأنَّهُ عقد نكاحٍ على غير مهرٍ مُسمى، وذلك جائزٌ، ثم يسمى الصداق بعد ذلك، يتفقان عليه، أو يجب صداق المثل بالدخول إن لم تكن تسميةً رُضِيَ بها قبل الدخول. وقد دلَّ القرآن على إجازة ذلك، قال الله : ﴿لَا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ إِنْ طَلَّقْتُمُ النِّسَاءَ مَا لَمْ تَمَسُّوهُنَّ أَوْ تَفْرِضُوا لَهُنَّ فَرِيضَةً﴾ [البقرة:٢٣٦]، (٢)، فأجاز العقد ما لم تكن معه فريضةٌ، وقد ذكرنا هذه المسألة فيما تقدَّم. وقال عبد الملك بن الماجشون: «إنَّ النّكاح غير جائزٍ»، قال: «كان النّكاح يقع بها إذا رضيت بالصداق» (٣). وهذا غلطٌ؛ لأنَّهُ إنَّما يقع إذا رضي الزّوج بما يحكم به، فيكون وقوعه

стр. 548

بحكمه ورضاه لا برضاها وحكمها؛ لأنَّ الزّوج إن لم يرض بما تقول فارق ولا شيء عليه من الصداق؛ لأنَّهُ طلق من قبل أن يسمي صداقاً أو يدخل. ••• [٧٦٢] مَسْأَلَةٌ: قَالَ: وَمَنْ تَزَوَّجَ امْرَأَةً بِثَمَرةٍ قَبْلَ أَنْ يَبْدُوَ صَلَاحُهَا، أَوْ جَنِينٍ فِي بَطْنِ أُمِّهِ، أَوْ عَبْدٍ آبِقٍ، أَوْ بَعِيرٍ شَارِدٍ، فَلَهَا فِي ذَلِكَ كُلِّهِ صَدَاقُ مِثْلِهَا إِنْ كَانَ دَخَلَ بِهَا، وَلَا يُفَرَّقُ بَيْنَهُمَا. وَقَدْ قِيلَ: إِنَّهُ يُفَرَّقُ بَيْنَهُمَا وَإِنْ دَخَلَ بِهَا. وَالأَوَّلُ أَعْجَبُ إِلَيْنَا، وَيُفَرَّقُ بَيْنَهُمَا إِنْ لَمْ يَدْخُلْ بِهَا (١). • إنَّمَا قال: «إنَّهُ يفسخ النّكاح قبل الدخول إذا كان المهر غرراً أو مجهولاً»؛ فلأنهم قد فعلوا ما لا يجوز لهم فعله من جعل الصداق مجهولاً وغرراً، وذلك ممنوعٌ منه، فوجب زجرهم عن فعل مثله، ويفسخ العقد لئلا يعودوا لمثله خوف الفسخ عليهم. فإن دخل لم يفسخ؛ لأنَّهُ قد وجب بالدخول صداقٌ صحيحٌ غير مجهولٍ وغررٍ، وهو صداق مثلها، فلم يجز فسخ النّكاح لوجوب الصداق؛ إذ لا وجه لفسخ النّكاح من أجل صداقٍ فاسدٍ وقد وجب فيه صداقٌ صحيحٌ؛ لأنَّ الفاسد قد بطل ووجب الصحيح.

стр. 549

ووجه قوله: «إنَّهُ يفرق بينهما وإن دخل»؛ فلأنَّ الصداق الفاسد لَمَّا قارن عقد النّكاح أفسده، فلم يجز القرار عليه، كالأجل المجهول إذا قارن عقد البيع أفسده ولم يجز الثبات عليه، ولو تعرَّى عقد البيع من الأجل المجهول، كان صحيحاً، فكذلك عقد النّكاح لو تعرَّى من الصداق المجهول كان صحيحاً وإذا قارنه أفسده. فهذا وجه هذا القول، والأول أصح، وهو ما حكاه عنه ابن القاسم وغيره من أصحابه عنه (١). وكذلك إذا كان الصداق خمراً أو خنزيراً: (فإنه يفسخ قبل الدخول؛ للعلة التي ذكرناها. (ولا يفسخ بعد الدخول؛ لوجوب المهر الصحيح وهو مهر المثل. وقد قال مالك: «إنَّهُ يفسخ أيضاً بعد الدخول في الخمر والخنزير، كما يفسخ بالغرر» (٢). وبهذا القول أعني: في الخمر، أوكد وأصح منه في الغرر، أعني: بعد الدخول؛ لأنَّ الغرر مثل الجمل الشارد والعبد الآبق والثمرة التي لم يبد صلاحها، قد يصح أن يملكه مسلم، ويصح أن يملك غيره بهبةٍ أو صدقةٍ، وليس يصح ملك المسلم للخمر ولا تمليكه لغيره، فوجب أن يكون فسخ النّكاح في الخمر بعد الدخول أولى.

стр. 550

وقد اختلف قول مالكٍ فيه على ما بيناه، والصحيح من قوله والأشهر أنَّ النّكاح يفسخ قبل الدخول في كل ذلك؛ ردعاً لهما عمَّا فعلاه، ولا يفسخ بعد الدخول؛ لاستقرار وجوب الصداق الصحيح وهو مهر المثل، والله أعلم (١). ••• [٧٦٣] مَسْأَلَةٌ: قَالَ: وَإِذَا تَزَوَّجَتِ المَرْأَةُ بِعَبْدٍ آبِقٍ، ثُمَّ قَبَضَتْهُ: • فَإِنْ كَانَ لَمْ يَدْخُلْ بِهَا، فُسِخَ النِّكَاحُ. • وَإِنْ كَانَ قَدْ دَخَلَ بِهَا، فَلَهَا صَدَاقُ مِثْلِهَا، وَتَرُدُّ العَبْدَ إِنْ كَانَ ذَلِكَ بِحَدَاثَةِ قَبْضِهِ وَلَمْ يَتَطَاوَلْ، فَإِنْ تَطَاوَلَ أَوْ تَغَيَّرَ رَدَّتْ قِيمَتَهُ (٢). • قوله: «ترد العبد الآبق إذا كان بعينه»؛ فلأنه لَمَّا لم يجز أن يكون صداقاً وجب رده، كما يرده المشتري إذا اشتراه. فإن تغيَّر أو تلف فعليها قيمته، بمنزلة البيع الفاسد إذا تلفت السلعة أو تغيَّرت، فعلى المشتري قيمتها إذا كان قد قَبَضَها من البائع، فكذلك الصداق مثله؛ لأنَّ النّكاح والبيع في هذا بمنزلةٍ واحدةٍ، إذ هما عقدٌ على معاوضةٍ. •••

стр. 551

[٧٦٤] مَسْأَلَةٌ: قَالَ: وَمَنْ تَزَوَّجَ بِثَمَرَةٍ لَمْ يَبْدُ صَلَاحُهَا، فَدَخَلَ بِهَا أَوْ (١) قَبَضَتِ الثَّمَرَةَ، فَلْتَرُدَّهَا أَوْ شَرْوَاهَا (٢). • يعني: إذا كانت الثمرة بحالها لم تتغيَّر فلتردّها، وإن تغيَّرت ردّت مثلها كيلاً إن أمكن ذلك، وإلّا فقيمتها. ومعنى قوله: «شرواها»، أي: مثلها. ••• [٧٦٥] مَسْأَلَةٌ: قَالَ: وَمَنْ تَزَوَّجَ امْرَأَةً بِعَبْدٍ، ثُمَّ وُجِدَ مَسْرُوقاً وَقَدْ دَخَلَ بِهَا، فَإِنَّهُ يُحَالُ بَيْنَهُ وَبَيْنَهَا حَتَّى يُعْطِيَهَا مَهْرَهَا (٣). • إنَّمَا قال ذلك؛ لأنها لم ترض بتسليم نفسها إليه دون إعطائها الصداق، فمتى لم يصح لها الصداق، كان لها منعه من وطئها حتى يعطيها مهرها؛ لأنها لم ترض بذمَّته وأن يكون دَيناً عليه. وذلك مخالفٌ إذا رضيت بذمَّته، ثم تعذر عليه الصداق، أنها لا تمنعه من الوطء. •••

стр. 552

[٧٦٦] مَسْأَلَةٌ: قَالَ: وَمَنْ كَانَتْ عِنْدَهُ أَمَةٌ وَابْنَتُهَا، فَوَطِئَ إِحْدَاهُمَا، حَرُمَ عَلَيْهِ فَرْجُ الأُخْرَى، كَانَ ذَلِكَ مِنْ رَضَاعٍ أَوْ نَسَبٍ (١). • إنَّمَا قال ذلك؛ لأنَّ الله قال: ﴿وَأُمَّهَاتُ نِسَائِكُمْ﴾ [النساء:٢٣]، وقال تعالى: ﴿وَرَبَائِبُكُمُ اللَّاتِي فِي حُجُورِكُمْ مِنْ نِسَائِكُمُ اللَّاتِي دَخَلْتُمْ بِهِنَّ فَإِنْ لَمْ تَكُونُوا دَخَلْتُمْ بِهِنَّ فَلَا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ﴾ [النساء:٢٣]، فحرَّم الله سبحانه أم المرأة على الرجل بتزويج البنت، وحرَّم ابنتها بشريطة الدخول بها أو ما يقوم مقامه، فكان الوطء بملك اليمين في التحريم كالعقد في النّكاح، فإذا وطئ أمةً، حرم عليه وطء ابنتها وأمها، وكذلك يحرم عليه أن يتزوَّج ابنتها وأمها؛ لأنَّ عقد النّكاح في الزّوجة بمنزلة الوطء في الأمة، فمتى وطئ أمةً، حرم عليه أن يطأ ابنتها أو أمها بملك اليمين، كما يحرم عليه أن يتزوجها؛ لأنَّ حرمة الوطء في الأمة كحرمة العقد في الزّوجة. ألا ترى: أن الله قال: ﴿وَلَا تَنْكِحُوا مَا نَكَحَ آبَاؤُكُمْ مِنَ النِّسَاءِ﴾ [النساء:٢٢]، وقال : ﴿وَحَلَائِلُ أَبْنَائِكُمُ الَّذِينَ مِنْ أَصْلَابِكُمْ﴾ [النساء:٢٣]. فلو عقد رجلٌ على امرأةٍ نكاحاً صحيحاً، حرُمَت على ابنه وأبيه، وكذلك إذا وطئ الرجل أمةً حَرُمتْ على ابنه وأبيه بإجماع المسلمين، فكذلك مثله إذا

стр. 553

وطئ أمةً بملك اليمين حرمت عليه أمها وابنتها؛ لأنَّ الوطء في التحريم يقوم في ملك اليمين مقام عقد النّكاح في الزوجات، والله أعلم (١). وحكم الرضاع حكم النسب في التحريم؛ لأنَّ النبي صَلَّى الله عَلَيْهِ قال فيما رواه مالك، عن عبد الله بن دينار، عن سليمان بن يسار (٢)، عن عروة بن الزبير، عن عائشة، أنَّ النّبيّ ﷺ قال: «يَحْرُمُ مِنَ الرَّضَاعَةِ مَا يَحْرُمُ مِنَ الوِلَادَةِ» (٣). ••• [٧٦٧] مَسْأَلَةٌ: قَالَ: وَمَنْ كَانَ عِنْدَهُ أُخْتَانِ، فَأَصَابَ وَاحِدَةً، فَلَا تَحِلُّ لَهُ إِصَابَةُ الأُخْرَى حَتَّى يَحْرُمَ عَلَيْهِ فَرْجُ أُخْتِهَا بِنِكَاحٍ أَوْ عَتَاقَةٍ أَوْ كِتَابَةٍ أَوْ مَا أَشْبَهَ ذَلِكَ. قَالَ: وَلَا يَجْمَعُ بِينَ المَرْأَةِ وَعَمَّتِهَا مِنْ مِلْكِ اليَمِينِ فِي الوَطْءِ، وَلَا يَجْمَعُ مِنْ مِلْكِ اليَمِينِ بَيْنَ شَيْءٍ نُهِيَ عَنْ مِثْلِهِ فِي النِّكَاحِ (٤). • إنَّمَا قال ذلك؛ لِمَا ذكرناه أنَّ الوطء في ملك اليمين بمنزلة عقد النّكاح على الزّوجة، وكل من لا يجوز للرجل أن يجمع بينهما في عقد النّكاح، فكذلك

стр. 554

لا يجوز له أن يجمع بينهما في الوطء بملك اليمين، فلما لم يجز له الجمع بين الأختين في النّكاح، وكذلك الجمع بين المرأة وعمتها وبين خالتها في النّكاح؛ لنهي الله تعالى ورسوله صَلَّى الله عَلَيْهِ عن ذلك (١)، كذلك لا يجوز أن يجمع بينهما في الوطء بملك اليمين؛ إذ قد دلَّلنا على أنَّ الوطء في ملك اليمين بمنزلة عقد النّكاح في الزوجية، والله أعلم. وقوله: «حتى تحرم الأخرى بعتقٍ أو كتابةٍ أو نكاحٍ أو ما أشبه ذلك»؛ فلأنَّ هذه الأشياء هي وجه تحريم فرجها، فأمَّا أن يمتنع ويُحَرِّمَ بيمينٍ أو غيرها فليس يحرم ذلك عليه؛ لأنَّهُ يمكنه أن يكفِّر، ثم يطأ (٢). ••• [٧٦٨] مَسْأَلَةٌ: قَالَ: وَمَنْ كَانَتْ عِنْدَهُ أُخْتَانِ فَوَطِئَ إِحْدَاهُمَا، ثُمَّ بَاعَهَا فَوَطِئَ الَّتِي كَانَتْ عِنْدَهُ، ثُمَّ اشْتَرَى الَّتِي بَاعَ، فَلْيَقُمْ عَلَى وَطْءِ الَّتِي كَانَ يَطَأُ، وَلَا يَطَأُ الَّتِي كَانَ ابْتَاعَ حَتَّى تَحْرُمَ الأُخْرَى عَلَيْهِ (٣). • إنَّمَا قال ذلك؛ لأنَّهُ ببيع إحداهما حلت له الأخرى، فجاز له وطؤها، وشراؤه للأخرى ليس يحرم عليه فرج الثانية؛ لأنَّهُ قد يشتري ولا يطأ، إنَّ الشراء لا يوجب الوطء لا محالة.

стр. 555

ألا ترى: أنَّهُ قد يجوز للإنسان أن يشتري من لا يجوز له وطؤها، وكما يجوز له إذا كان عنده حرةٌ بتزويجٍ أن يشتري أختها ويملكها من غير وطءٍ، فكذلك يجوز له أن يشتري أخت من قد وطئها، ثم لا يجوز له أن يطأ هذه التي اشتراها دون أن يحرم فرج التي هي عنده بوجهٍ من التحريم الذي يمنع من الوطء. ••• [٧٦٩] مَسْأَلَةٌ: قَالَ: وَإِذَا وَطِئَ الرَّجُلُ الأَمَةَ أَوْ قَعَدَ مِنْهَا (١) أَوْ بَاشَرَهَا أَوْ غَمَزَهَا، فَلَا تَحِلُّ لِابْنِهِ وَلَا لِأَبِيهِ. وَلَا أُحِبُّ إِذَا نَظَرَ إِلَى ذِرَاعَيْهَا أَوْ بَعْضِ عَوْرَتِهَا تَلَذُّذاً أَنْ يَطَأَهَا أَبُوهُ أَوِ ابْنُهُ. فَأَمَّا النَّظَرُ إِلَى ذَلِكَ عِنْدَ الشِّرْاءِ فَلَا يُحَرِّمُهَا، وَكَذَلِكَ لَوْ أَقَامَتْ عَلَيْهِ فِي مَرَضِهِ (٢) وَمَسَّتْ عَوْرَتَهُ وَاطَّلَعَتْ عَلَيْهِ، وَإِنَّمَا يُكْرَهُ مَا كَانَ مِنْ ذَلِكَ عَلَى وَجْهِ اللَّذَةِ (٣). • إنَّمَا قال ذلك؛ لأنَّ الله تعالى قال: ﴿وَلَا تَنْكِحُوا مَا نَكَحَ آبَاؤُكُمْ مِنَ النِّسَاءِ إِلَّا مَا قَدْ سَلَفَ﴾ [النساء:٢٢]، الآية، وقال سبحانه: ﴿وَحَلَائِلُ أَبْنَائِكُمُ الَّذِينَ مِنْ أَصْلَابِكُمْ﴾ [النساء:٢٢]، فحرَّم الله تعالى على الرجل أن يتزوَّج بامرأة أبيه وابنه إذا كان نكاحه صحيحاً، ثم كان الوطء بملك

стр. 556

اليمين كعقد النّكاح في الزوجات لِمَا ذكرناه من الدليل، وجب أن تحرم الأمة على أبي الواطئ وابنه كما تحرم عليه زوجته بالعقد، ولا خلاف في ذلك بين أهل العلم. وكذلك إذا قبَّلها أو لمسها لشهوة، فإن ذلك يُحَرِّمُ على ابنه وأبيه، كما تَحْرُمُ الربيبةُ عليه بِقُبلَةِ الأم مثل ما يحرم بالوطء. فأمَّا إذا كان مساً لغير لذةٍ فلا يحرم ذلك؛ لأنَّ الله إنَّما حرَّم بعقد النّكاح الذي هو سبب للوطء أو الوطء، أو ما يقوم مقامه من اللذة، دون غيره مما ليس من جنسه. ألا ترى: أنَّ رجلاً لو ضرب أمَةً بيده، لما حرمت على أبيه وابنه، فكذلك كل مسٍّ إذا كان لغير لذةٍ (١). ••• [٧٧٠] مَسْأَلَةٌ: قَالَ: وَمَنْ كَانَ لَهُ فِي جَارِيَةٍ شِرْكَةٌ، فَكَانَ أَبُوهُ يَدْعُوهَا لِغَمْزِ رِجْلَيْهِ وَيُمَازِحُهَا، فَأَرَادَ ابْنُهُ أَنْ يَشْتَرِيَ بَقِيَّتَهَا فَيُصِيبَهَا، فَتَرْكُهَا أَحَبُّ إِلَيَّ (٢). • إنَّمَا قال ذلك؛ لأنَّهُ قد مسها للذةٍ على وجه شبهةٍ، لأنَّ للأب شبهةٌ في مال ابنه، فإذا مسها الأب للَذَّة، كُرِهَ لابنه أن يطأها، فأمَّا على وجه التحريم

стр. 557

فلا؛ لأنَّ غمزه ليس على طريق اللذة المجردة، وإنَّما هو على وجه الجواز، فكره ذلك. ••• [٧٧١] مَسْأَلَةٌ: قَالَ: وَإِذَا نَكَحَ الرَّجُلُ المَرْأَةَ فِي عِدَّتِهَا نِكَاحاً حَلَالاً، حَرُمَتْ عَلَى ابْنِهِ أَنْ يَتَزَوَّجَهَا، وَتَحْرُمُ عَلَى الأَبِ ابْنَتُهَا إِذَا هُوَ أَصَابَهَا (١). • إنَّمَا قال ذلك؛ لأنَّ النّكاح الفاسد إذا قارنه الوطء ثبت به الحرمة من طرفها على أب المتزوج وابنه، وتحريم أمها وابنتها عليه؛ لأنَّهُ نكاحٌ عُقِدَ على غير وجه حلالٍ قد وُطِئ فيه وإن كان فاسداً. ألا ترى: أنَّهُ يجب فيه الصداق ويثبت النسب فيه، وحرمة ثبوت النسب أوكد من وقوع الحرمة، فلمَّا ثبت به النسب، وقعت به الحرمة، ولا خلاف في ذلك نعلمه بين أهل العلم. ••• [٧٧٢] مَسْأَلَةٌ: قَالَ: وَمَنْ زَوَّجَ ابْنَهُ - وَقَدْ بَلَغَ - امْرَأَةً، ثُمَّ عَلِمَ فَلَمْ يَرْضَ، فَلَا نُحِبُّ لِأَبِيهِ (٢) أَنْ يَتَزَوَّجَهَا (٣).

стр. 558

• إنما كره للأب أن يتزوَّجها؛ لأنَّهُ نكاح شبهةٍ؛ لأنَّ الابن لو قبل النّكاح جاز عند قومٍ من العلماء، فلهذه العلَّة كره للأب أن يتزوَّجها. ••• [٧٧٣] مَسْأَلَةٌ: قَالَ: وَمَنْ زَوَّجَ رَجُلاً امْرَأَةً بِغَيْرِ عِلْمِهِ، فَلْمِ يَرْضَ بِذَلِكَ، فَلَا أُحِبُّ أَنْ يَتَزَوَّجَهَا ابْنُهُ وَلَا أَبُوهُ (١). • إنَّمَا قال ذلك؛ لِمَا ذكرناه أنَّهُ شبهة نكاحٍ؛ لأنَّ الرجل لو قبل النّكاح لجاز عند قومٍ من أهل العلم، فيكره لأبيه وابنه أن يتزوَّجاها، إذ قد صار للمُزَوَّجِ فيها شبهةٌ، والله أعلم. ••• [٧٧٤] مَسْأَلَةٌ: قَالَ: وَإِذَا نَكَحَ رَجُلٌ امْرَأَةً فِي عِدَّتِهَا وَلَمْ يَبْنِ بِهَا (٢)، فُرِّقَ بَيْنَهُمَا، ثُمَّ نَكَحَهَا أَبُوهُ إِنْ شَاءَ (٣). • إنَّمَا قال ذلك؛ لأنَّ هذا نكاحٌ فاسدٌ بإجماع المسلمين؛ لأنَّ الله حرم النّكاح في العدة، وأجمع على ذلك المسلمون، فلم تكن للعقد حرمةٌ إذ لم يقارنه الوطء؛ لأنَّهُ عقدٌ فاسدٌ بإجماعٍ، فجاز لأبيه وابنه أن يتزوَّجها؛ إذ هي أجنبيةٌ منه ومن أبيه وابنه. •••

стр. 559

[٧٧٥] مَسْأَلَةٌ: قَالَ: وَالأَمَةُ إِذَا كَانَتْ مِنْ أَهْلِ الكِتَابِ، تَحِلُّ لِسَيِّدِهَا بِمِلْكِ اليَمِينِ، وَلَا تَحِلُّ لَهُ إِنْ كَانَتْ مَجُوسِيَّةً (١). • إنَّمَا قال ذلك؛ لأنَّ الله قال: ﴿وَالْمُحْصَنَاتُ مِنَ الْمُؤْمِنَاتِ وَالْمُحْصَنَاتُ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ مِنْ قَبْلِكُمْ إِذَا آتَيْتُمُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ﴾ [المائدة:٥]، فأباح الله تزويج الحرائر من أهل الكتاب، فكان إماؤهم محللاتٍ لنا بملك اليمين؛ مِنْ قِبَلِ أنَّ كل امرأةٍ يجوز لنا عقد النّكاح عليها فجائزٌ وطؤها بملك اليمين، وكل امرأةٍ ليس يجوز لنا عقد النّكاح عليها، فليس لنا وطؤها بملك اليمين. ألا ترى: أنَّهُ لا يجوز للإنسان أن يعقد على ذوي محارمه النّكاح ويظاهر به، فكذلك لا يجوز له أن يظاهر بملك اليمين، وكذلك المجوسية لا يجوز وطؤها بعقد النّكاح، فكذلك لا يجوز وطؤها بملك اليمين (٢). وقد حكي عن بعض المتأخِّرين من أهل العلم أنَّهُ قال: «يجوز تزويج المجوسية، وروى عن حذيفة: «أَنَّهُ تَزَوَّجَ مَجُوسِيَّةً» (٣)» (٤)، والرواية الصحيحة عنه أنَّهُ تزوج يهوديَّةً أو نصرانيّةً (٥).

стр. 560

ولو جاز تزويج النّساء المجوسيات كما يجوز ذلك في أهل الكتاب، لجاز أكل ذبائح المجوس كما يجوز ذلك في أهل الكتاب، فلما لم يجز ذلك، دلَّ على أنّهم مخالفون لأهل الكتاب في ذلك، وإنَّما سُوِّيَ بينهم في أخذ الجزية لا غير (١). ••• [٧٧٦] مَسْأَلَةٌ: قَالَ: وَإِذَا اشْتَرَى الرَّجُلُ مِنْ تُجَّارِ العَدُوِّ جَارِيَةً وَزَوْجَهَا، فَزَعَمَ الَّذِينَ يَبِيعُونَهَا وَغَيْرُهُمْ أَنَّهَا امْرَأَتُهُ، فَلَا يُفَرَّقُ بَيْنَهُمَا. وَإِذَا لَمْ يُعْلَمْ بِذَلِكَ إِلَّا بِقَوْلِ الجَارِيَةِ وَالعِلْجِ، فَلَا بَأْسَ أَنْ يُفَرَّقَ بَيْنَهُمَا (٢). • إنَّمَا قال ذلك؛ لأنَّ زوجتيهما إذا عُلِمَت بقول غيرهما لم تجز الفرقة بينهما؛ لأنا إذا استبقيناهم ولم نقتلهم فقد صاروا ذمَّةً لنا، وليس تجوز الفرقة بينهم وبين زوجاتهم، بل واجبٌ علينا إقرارهم كما يلزمنا ذلك في أهل الذمَّة. فإن قيل: فلم لا قلت: إنَّ حكم الزوجية يزول عنه كما يزول ملكه إذا سُبِيَ؟ قيل له: لأنَّ كونهما زوجين ليس يمنع أن يكونا جميعاً ملكاً لنا. ألا ترى: أنَّهُ يجوز أن يتزوَّج عبدنا بأمَتِنا، والمال إذا لم ينتقل ملكُ عبدٍ إلينا

стр. 561

فقد صار مالكاً له، وليس كذلك حكم السّباءِ، لأنَّ ملكه يزول إلينا كما تزول حريَّته، ويصير رقّاً لنا، والله أعلم. ••• [٧٧٧] مَسْأَلَةٌ: قَالَ: وَلَا يَحِلُّ نِكَاحُ أَمَةٍ يَهُودِيَّةٍ وَلَا نَصْرَانِيَّةٍ لِعَبْدٍ وَلَا لِحُرٍّ مُسْلِمٍ (١). • إنَّمَا قال ذلك؛ لأنَّ الله قال: ﴿وَمَنْ لَمْ يَسْتَطِعْ مِنْكُمْ طَوْلًا أَنْ يَنْكِحَ الْمُحْصَنَاتِ الْمُؤْمِنَاتِ فَمِنْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ مِنْ فَتَيَاتِكُمُ الْمُؤْمِنَاتِ﴾، إلى قوله: ﴿ذَلِكَ لِمَنْ خَشِيَ الْعَنَتَ مِنْكُمْ﴾ [النساء:٢٥]، فأباح الله سبحانه للمؤمنين تزويج الإماء المحصنات المؤمنات دون غيرهن من الكافرات، وأباح المؤمنة أيضاً بشرطين: (أحدهما عدم الطَّوْلِ للتزويج بالحرَّة. (وخيفة العَنَتِ، وهو الزنا. فمتى لم يكن بهذا الوصف، لم يجز له تزويج أمةٍ مسلمةٍ؛ لأنَّ الله سبحانه إنَّما أباحه تزويج الأمة بهذا الشرط، فكذلك لا يجوز له أن يتزوج بالأمة الكافرة؛ لأنَّ الله إنَّما أباحه تزويج الأمة المسلمة. ولو جاز تعدي الإماء المسلمات في جواز التزويج إلى الإماء الكتابيات، لجاز أن يتجاوز إلى حرائر غير أهل الكتاب، من المجوسية والكافرة، فلما لم

стр. 562

يجز ذلك؛ - لإباحة الله تعالى ذلك من أهل الكتاب -، فكذلك لا يجوز في الإماء، والله أعلم. فهذا من جهة الظاهر، فأمَّا من جهة المعنى، فإنَّ الحر المسلم، والعبد المسلم إذا تزوج بأمةٍ فحدث له ولدٌ، كان ولده عبداً لسيد الأمة، فإن كانت لكافرٍ صار ولده ملكاً لكافرٍ، وذلك غير جائزٍ، وإن كانت لمسلمٍ جاز له أن يبيعها من كافرٍ ويبيع ولدها إذا كانوا صغاراً، وذلك غير جائزٍ، وقد قال الله سبحانه في الإماء المؤمنات اللاتي أباحهنَّ: ﴿وَأَنْ تَصْبِرُوا خَيْرٌ لَكُمْ﴾، يعني: عن تزويج الإماء المؤمنات، فما قولك في الإماء الكافرات (١). وقد قال عمر بن الخطاب فيما روي عنه: «أَيُّمَا حُرٍّ تَزَوَّجَ بِأَمَةٍ فَقَدْ رَقَّ نِصْفَهُ» (٢). وقال ابن عباس: «ما ازْلَحَفَّ تَزْوِيجُ (٣) الأَمَةِ عَنِ الزِّنَا إِلَّا قَلِيلاً، يَقَوْلُ اللهُ تَعَالَى: ﴿وَأَنْ تَصْبِرُوا خَيْرٌ لَكُمْ﴾» (٤). ••• [٧٧٨] مَسْأَلَةٌ: قَالَ: وَلَا بَأْسَ أَنْ يَكُونَ لِلرَّجُلِ العَبْدُ النَّصْرَانِيُّ وَاليَهُودِيُّ

стр. 563

وَالمَجُوسِيُّ، وَيَكُونُ لَهُ مِثْلُ ذَلِكَ مِنَ النِّسَاءِ، فيُنْكِحُ بَعْضَهَمْ بَعْضاً، النَّصْرَانِيُّ اِلنَّصْرَانِيَّةَ وَالمَجُوسِيَّةَ (١). • إنَّمَا قال: إنَّهُ يجوز ذلك، كما يجوز تزويج المسلمين بعضهم من بعض، كذلك يجوز تزويج الكافرين بعضهم من بعض، اليهودي اليهودية، والنصراني النصرانية. وكذلك تجوز للنصراني اليهودية، واليهودي النصرانية أو المجوسية، وكذلك النصراني، لا يعترض عليهم في ذلك، كذلك يجوز أن يزَوِّجَ عبده الكافر بأي صنفٍ من النّساء الكافرات، والله أعلم (٢). ••• [٧٧٩] مَسْأَلَةٌ: قَالَ: وَنَكْرَهُ تَزْوِيجَ النَّصْرَانِيَّةِ وَاليَهُودِيَّةِ وَلَا نُحَرِّمُهُ؛ لِأَنَّهُ يَضَعُ وَلَدَهُ عِنْدَ مَنْ يِشْرَبُ الخَمْرَ وَيَأْكُلُ الخِنْزِيرَ وَتُرْضِعُهُ (٣). • إنما كره ذلك؛ لما قد ذكره؛ ولأنَّ في تزويجه لهنَّ معونةٌ على فعل ما لا يجوز، وهو ما ذكره مالكٌ. وقد روي عن ابن عمر أنَّهُ قَالَ: «يُكْرَهُ تَزْوِيجُ نِسَاءِ أَهْلِ الكِتَابِ» (٤). ولمّا قال الله تعالى في نكاح الإماء المؤمنات اللاتي أباحهن عند الضرورة:

стр. 564

﴿وَأَنْ تَصْبِرُوا خَيْرٌ لَكُمْ﴾؛ لنقصان حرمتهن عن حرمة الحرائر المسلمات، فكذلك يستحبُّ أن لا يتزوج الرجل المسلم الحرائر من أهل الكتاب؛ لنقصان حرمتهن عن حرمة الحرائر المسلمات، والله أعلم (١). ••• [٧٨٠] مَسْأَلَةٌ: قَالَ: وَإِذَا كَانَ فِي أَمَةٍ شِقْصٌ (٢) حرٌّ، فَلَا تُوطَأُ (٣). • إنَّمَا قال ذلك؛ لأنَّ الوطء إنَّما يكون بأحد أصلين: (إما بنكاحٍ تامٍّ كاملٍ، وهو أن يتزوج بالمرأة كلها، لا ببعضها (٤). (أو أن يملك أمَةً كلَّها لا بعضها. فمتى لم يملك كلّها - لأنَّ بعضها حرٌّ أو فيها ملكٌ لغيره -، لم يجز له وطؤها؛ لأنَّ الوطء يجوز بما ذكرناه دون غيره، ولا خلاف في ذلك بين أهل العلم. •••

стр. 565

[٧٨١] مَسْأَلَةٌ: قَالَ: وَإِذَا نَكَحَ النَّصْرَانِيُّ بِالخَمْرِ، ثُمَّ أَسْلَمَ عَلَى امْرَأَتِهِ، فَإِنَّهُ يُتْرَكُ (١) عَلَى نِكَاحِهِ (٢). • يعني: إذا كان قد سَلَّم إليها الخمر وقبضته ودخل بها ثم أسلم، فهما على نكاحهما، وليس عليه صداقٌ آخر؛ من قِبَلِ أنَّ الذي كان أصدقها من الخمر جائزٌ لهم تملّكه، وهو مالٌ من مالهم، وكذلك لو أصدقها خنزيراً وأشباه ذلك، ثم أسلما بعد الدخول، لم يكن عليه مهرٌ آخر، وإن كان ذلك المهر فاسداً عندنا؛ لأنَّ إسلامهم يصحح لهم من النّكاح ما كان فاسداً. ألا ترى: أنهم يتزوجون بغير وليٍّ وغير شهودٍ وفي العدة، ثم إذا أسلموا كان نكاحهم صحيحاً متى أسلموا بعد تقضي العدة، ولو فعل ذلك مسلمٌ، كان نكاحه فاسداً، ولم يجز له القرار عليه. فأمّا إن كان سَلَّم إليها مهرها من الخمر أو الخنزير، ثم أسلما قبل الدخول: (فإنَّ ابن القاسم قال: «عليه أن يدفع إليها مهرها ويدخل بها، أو يفارقها» (٣)؛ لأنَّهُ لا يجوز له أن يستبيح فرجاً في الإسلام بخمرٍ وخنزيرٍ وإن كان قبَضَته في الكفر، كما لا يجوز أن يبتدئه مهراً في الإسلام. (وقال عبد الملك: «إنَّ له أن يدخل بها ولا مهر لها؛ لأنها قد قبضت
следующие страницы →