فقد صار مالكاً له، وليس كذلك حكم السّباءِ، لأنَّ ملكه يزول إلينا كما تزول حريَّته، ويصير رقّاً لنا، والله أعلم.
•••
[٧٧٧] مَسْأَلَةٌ: قَالَ: وَلَا يَحِلُّ نِكَاحُ أَمَةٍ يَهُودِيَّةٍ وَلَا نَصْرَانِيَّةٍ لِعَبْدٍ وَلَا لِحُرٍّ مُسْلِمٍ (١).
• إنَّمَا قال ذلك؛ لأنَّ الله قال: ﴿وَمَنْ لَمْ يَسْتَطِعْ مِنْكُمْ طَوْلًا أَنْ يَنْكِحَ الْمُحْصَنَاتِ الْمُؤْمِنَاتِ فَمِنْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ مِنْ فَتَيَاتِكُمُ الْمُؤْمِنَاتِ﴾، إلى قوله: ﴿ذَلِكَ لِمَنْ خَشِيَ الْعَنَتَ مِنْكُمْ﴾ [النساء:٢٥]، فأباح الله سبحانه للمؤمنين تزويج الإماء المحصنات المؤمنات دون غيرهن من الكافرات، وأباح المؤمنة أيضاً بشرطين:
(أحدهما عدم الطَّوْلِ للتزويج بالحرَّة.
(وخيفة العَنَتِ، وهو الزنا.
فمتى لم يكن بهذا الوصف، لم يجز له تزويج أمةٍ مسلمةٍ؛ لأنَّ الله سبحانه إنَّما أباحه تزويج الأمة بهذا الشرط، فكذلك لا يجوز له أن يتزوج بالأمة الكافرة؛ لأنَّ الله إنَّما أباحه تزويج الأمة المسلمة.
ولو جاز تعدي الإماء المسلمات في جواز التزويج إلى الإماء الكتابيات، لجاز أن يتجاوز إلى حرائر غير أهل الكتاب، من المجوسية والكافرة، فلما لم
стр. 562
يجز ذلك؛ - لإباحة الله تعالى ذلك من أهل الكتاب -، فكذلك لا يجوز في الإماء، والله أعلم.
فهذا من جهة الظاهر، فأمَّا من جهة المعنى، فإنَّ الحر المسلم، والعبد المسلم إذا تزوج بأمةٍ فحدث له ولدٌ، كان ولده عبداً لسيد الأمة، فإن كانت لكافرٍ صار ولده ملكاً لكافرٍ، وذلك غير جائزٍ، وإن كانت لمسلمٍ جاز له أن يبيعها من كافرٍ ويبيع ولدها إذا كانوا صغاراً، وذلك غير جائزٍ، وقد قال الله سبحانه في الإماء المؤمنات اللاتي أباحهنَّ: ﴿وَأَنْ تَصْبِرُوا خَيْرٌ لَكُمْ﴾، يعني: عن تزويج الإماء المؤمنات، فما قولك في الإماء الكافرات (١).
وقد قال عمر بن الخطاب فيما روي عنه: «أَيُّمَا حُرٍّ تَزَوَّجَ بِأَمَةٍ فَقَدْ رَقَّ نِصْفَهُ» (٢).
وقال ابن عباس: «ما ازْلَحَفَّ تَزْوِيجُ (٣) الأَمَةِ عَنِ الزِّنَا إِلَّا قَلِيلاً، يَقَوْلُ اللهُ تَعَالَى: ﴿وَأَنْ تَصْبِرُوا خَيْرٌ لَكُمْ﴾» (٤).
•••
[٧٧٨] مَسْأَلَةٌ: قَالَ: وَلَا بَأْسَ أَنْ يَكُونَ لِلرَّجُلِ العَبْدُ النَّصْرَانِيُّ وَاليَهُودِيُّ
стр. 563
وَالمَجُوسِيُّ، وَيَكُونُ لَهُ مِثْلُ ذَلِكَ مِنَ النِّسَاءِ، فيُنْكِحُ بَعْضَهَمْ بَعْضاً، النَّصْرَانِيُّ اِلنَّصْرَانِيَّةَ وَالمَجُوسِيَّةَ (١).
• إنَّمَا قال: إنَّهُ يجوز ذلك، كما يجوز تزويج المسلمين بعضهم من بعض، كذلك يجوز تزويج الكافرين بعضهم من بعض، اليهودي اليهودية، والنصراني النصرانية.
وكذلك تجوز للنصراني اليهودية، واليهودي النصرانية أو المجوسية، وكذلك النصراني، لا يعترض عليهم في ذلك، كذلك يجوز أن يزَوِّجَ عبده الكافر بأي صنفٍ من النّساء الكافرات، والله أعلم (٢).
•••
[٧٧٩] مَسْأَلَةٌ: قَالَ: وَنَكْرَهُ تَزْوِيجَ النَّصْرَانِيَّةِ وَاليَهُودِيَّةِ وَلَا نُحَرِّمُهُ؛ لِأَنَّهُ يَضَعُ وَلَدَهُ عِنْدَ مَنْ يِشْرَبُ الخَمْرَ وَيَأْكُلُ الخِنْزِيرَ وَتُرْضِعُهُ (٣).
• إنما كره ذلك؛ لما قد ذكره؛ ولأنَّ في تزويجه لهنَّ معونةٌ على فعل ما لا يجوز، وهو ما ذكره مالكٌ.
وقد روي عن ابن عمر أنَّهُ قَالَ: «يُكْرَهُ تَزْوِيجُ نِسَاءِ أَهْلِ الكِتَابِ» (٤).
ولمّا قال الله تعالى في نكاح الإماء المؤمنات اللاتي أباحهن عند الضرورة:
стр. 564
﴿وَأَنْ تَصْبِرُوا خَيْرٌ لَكُمْ﴾؛ لنقصان حرمتهن عن حرمة الحرائر المسلمات، فكذلك يستحبُّ أن لا يتزوج الرجل المسلم الحرائر من أهل الكتاب؛ لنقصان حرمتهن عن حرمة الحرائر المسلمات، والله أعلم (١).
•••
[٧٨٠] مَسْأَلَةٌ: قَالَ: وَإِذَا كَانَ فِي أَمَةٍ شِقْصٌ (٢) حرٌّ، فَلَا تُوطَأُ (٣).
• إنَّمَا قال ذلك؛ لأنَّ الوطء إنَّما يكون بأحد أصلين:
(إما بنكاحٍ تامٍّ كاملٍ، وهو أن يتزوج بالمرأة كلها، لا ببعضها (٤).
(أو أن يملك أمَةً كلَّها لا بعضها.
فمتى لم يملك كلّها - لأنَّ بعضها حرٌّ أو فيها ملكٌ لغيره -، لم يجز له وطؤها؛ لأنَّ الوطء يجوز بما ذكرناه دون غيره، ولا خلاف في ذلك بين أهل العلم.
•••
стр. 565
[٧٨١] مَسْأَلَةٌ: قَالَ: وَإِذَا نَكَحَ النَّصْرَانِيُّ بِالخَمْرِ، ثُمَّ أَسْلَمَ عَلَى امْرَأَتِهِ، فَإِنَّهُ يُتْرَكُ (١) عَلَى نِكَاحِهِ (٢).
• يعني: إذا كان قد سَلَّم إليها الخمر وقبضته ودخل بها ثم أسلم، فهما على نكاحهما، وليس عليه صداقٌ آخر؛ من قِبَلِ أنَّ الذي كان أصدقها من الخمر جائزٌ لهم تملّكه، وهو مالٌ من مالهم، وكذلك لو أصدقها خنزيراً وأشباه ذلك، ثم أسلما بعد الدخول، لم يكن عليه مهرٌ آخر، وإن كان ذلك المهر فاسداً عندنا؛ لأنَّ إسلامهم يصحح لهم من النّكاح ما كان فاسداً.
ألا ترى: أنهم يتزوجون بغير وليٍّ وغير شهودٍ وفي العدة، ثم إذا أسلموا كان نكاحهم صحيحاً متى أسلموا بعد تقضي العدة، ولو فعل ذلك مسلمٌ، كان نكاحه فاسداً، ولم يجز له القرار عليه.
فأمّا إن كان سَلَّم إليها مهرها من الخمر أو الخنزير، ثم أسلما قبل الدخول:
(فإنَّ ابن القاسم قال: «عليه أن يدفع إليها مهرها ويدخل بها، أو يفارقها» (٣)؛ لأنَّهُ لا يجوز له أن يستبيح فرجاً في الإسلام بخمرٍ وخنزيرٍ وإن كان قبَضَته في الكفر، كما لا يجوز أن يبتدئه مهراً في الإسلام.
(وقال عبد الملك: «إنَّ له أن يدخل بها ولا مهر لها؛ لأنها قد قبضت
стр. 566
مهرها في حال ما يجوز لها أن تملك، وجاز له أن يدفعه إليها، فإذا أسلما بعد ذلك، صحح لهما الإسلام ما كان قبله» (١).
وقول ابن القاسم أقيس والله أعلم؛ من قِبَلِ أنَّهُ يُراعَى في صحة نكاحهما وما يتعلق به بعد إسلامهما ما يراعى للمسلم في جواز عقده وفعله بعد الإسلام.
ألا ترى: أنَّهُ لو أسلم وتحته ذو رحمٍ منه أو أختان، أو المرأة وابنتها، لَمَا جاز له الثبات على ذلك، ولم يصحح الإسلام عقده هذا؛ من قِبَلِ أنَّهُ لا يجوز له أن يبتدئ بعد الإسلام عقداً على من ذكرنا، وكذلك لا يجوز له أن يستبيح الفرج في الإسلام بغير مهرٍ، فعليه لهذه العلَّة أن يدفع إليها مهراً يجوز في الإسلام؛ لأنَّ ما كان دفعه لم يستحل به الفرج عند الدفع حتى حدث ما يمنع استحلال الفرج به وهو الإسلام، من قِبَلِ أنَّهُ لا يجوز لمسلمٍ أن يستحل فرجاً بخمرٍ أو خنزيرٍ، والله أعلم.
•••
[٧٨٢] مَسْأَلَةٌ: قَالَ: وَإِذَا تَزَوَّجَ الرَّجُلُ المَرْأَةَ فَنَقَدَهُمْ وَسَأَلَهُم الدُّخُولَ مِنْ سَاعَتِهِ، فَقَالُوا: نُؤَخِّرُهَا حَتَّى تُصْلِحَ آلَتَهَا، فَلَيْسَ ذَلِكَ لَهُ.
وَلَا لَهُمْ أَنْ يُؤَخِّرُوهَا إِلَّا بِقَدْرِ مَا يُهَيِّئُونَ أَمْرَهَا وَجِهَازَهَا (٢).
• إنَّمَا قال ذلك؛ لأنَّهُ ليس للزوج أن يخرج عن العرف الجاري بين
стр. 567
المسلمين في التزويج، من إصلاح حال المرأة وشأنها من الجهاز وغيره، وقد قال الله : ﴿خُذِ الْعَفْوَ وَأْمُرْ بِالْعُرْفِ﴾ [الأعراف:١٩٩]، وقال تعالى: ﴿وَعَاشِرُوهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ﴾ [النساء:١٩]، وقال جلَّ من قائلٍ: ﴿وَلَهُنَّ مِثْلُ الَّذِي عَلَيْهِنَّ بِالْمَعْرُوفِ﴾ [البقرة:٢٢٨]، فليس يجوز أن يخرج عن العِشْرَةِ المعروفة بين المسلمين في الزوجية.
وكذلك ليس لأهل الزّوجة أن يضروا بالزوج في حبس امرأته عنه مع حاجته إليها، إذا لم يبق عليها من إصلاح شأنها على ما جرت العادة في مثلها.
وقد روى مالك، عن عمرو بن يحيى المازني، عن أبيه، ومنهم من يقول عن أبي سعيدٍ الخدري، عن النبي صَلَّى الله عَلَيْهِ قال: «لَا ضَرَرَ وَلَا إِضْرَارَ» (١).
•••
[٧٨٣] مَسْأَلَةٌ: قَالَ: وَإِذَا تَزَوَّجَ العَبْدُ أَوِ الحُرُّ الأَمَةَ وَطَلَبُوا مِنْهُ النَّفَقَةَ، وَكَانُوا يَحْبِسُونَهَا نَهَاراً وَيُرْسِلُونَهَا لَيْلاً، فَقَدِ اخْتُلِفَ فِيهِ:
(فَقِيلَ: عَلَيْهِ النَّفَقَةُ.
(وَقِيلَ: إِذَا انْقَطَعَتْ إِلَيْهِ، فَذَلِكَ عَلَيْهِ، وَإِذَا كَانَتْ عِنْدَ أَهْلِهَا، فَلَا نَفَقَةَ وَلَا كِسْوَةَ.
(وَقِيلِ: لَا نَفَقَةَ لَهَا إِلَّا أَنْ يَشْتَرِطُوا عَلَيْهِ.
стр. 568
وَالأَوَّلُ أَحَبُّ إِلَيْنَا، أَنْ تَلْزَمَهُ النَّفَقَةُ (١) لَهَا؛ لِأَنَّهَا مِنَ الأَزْوَاجِ.
وَالَّذِي نَسْتَحِبُّ مِنْ ذَلِكَ أَنْ يَشْتَرِطُوا عَلَيْهِ النَّفَقَةَ بِإِذْنِ أَرْبَابِهِ إِذَا تَزَوَّجَ، يَعْنِي: فِي العَبْدِ (٢).
• ووجه (٣) قوله: «إنَّ لها النّفقة إذا كانوا يرسلونها إليه ليلاً»: فلأنَّ النّفقة تجب بالزوجية ووجود الاستمتاع من الزّوج بالزوجة، وهذان فموجودٌ فيها، فعليه النّفقة، فأمَّا النهار فإنهم يحتاجون إليها لخدمتها لهم؛ لأنَّهُ لم يتزوَّجها على أن يمنعها من خدمتهم.
ووجه قوله: «إنَّ لها النّفقة إذا انقطعت إليه»: فلأنَّ النّفقة تتبع الخدمة، فمتى كانت عند أهلها وفي خدمتهم، فعليهم النّفقة عليها على الأصل، وليس تنتقل إلى الزّوج؛ لأنهم على ذلك دخلوا، إلَّا بزوال خدمتها عنهم وانتقالها إلى الزّوج، فمتى كان كذلك، وجب على الزّوج النّفقة عليها كما تلزمه النّفقة على زوجته الحرة التي لا خدمة عليها لأحدٍ، فكذلك الأمة إذا زال خدمة أهلها عنها فالنفقة على زوجها، فكذلك كسوتها وما تحتاج إليه، وما لا بدَّ لها منه.
ووجه قوله: «لا نفقة لها إلَّا أن يشترطوا»: فلأنَّ النّفقة في الأصل على السيد لأمته؛ من أجل ملكه لها، لا من أجل الخدمة.
стр. 569
ألا ترى: أنَّهُ عليه أن ينفق على من لا تقدر على خدمته.
وإذا كان كذلك ثم زَوَّجَهَا، لم تنتقل النّفقة عنه وهي على الأصل؛ لأنَّ ملكه لا ينتقل بالزوجية، وسواءٌ كان زوجها حراً أو عبداً، إلَّا أن يشترط السيد النّفقة على الزّوج الحر أو سيد العبد، فيكون ذلك عليهم بالشرط لا بعقد النّكاح؛ لأنَّ السيد إنَّما عاوض في عقد النّكاح وإباحة السيد الوطء به بالمهر الذي أخذه، فليس تلزمه النّفقة من أجل استمتاعه بها؛ لأنَّ ذلك يجب للزوج بالمهر الذي أخذه السيد.
وكل الأقوال محتملة، والأولى منها: أنَّ تجب النّفقة على الزّوج متى انتقلت إليه وانقطعت عن خدمة سيدها؛ لأنَّهُ قد زال عن السيد ما كان ينتفع به منها من وطءٍ وخدمةٍ، والله أعلم.
•••
[٧٨٤] مَسْأَلَةٌ: قَالَ: وَإِذَا تَزَوَّجَ العَبْدُ الحُرَّةَ، فَإِمَّا أَنْفَقَ عَلَيْهَا وَإِمَّا فَارَقَ، وَلَا يَجُوزُ (١) لَهُ (٢) أَنْ يَشْتَرِطَ عَلَى سَيِّدِهِ النَّفَقَةَ (٣).
• إنَّمَا قال ذلك؛ لأنَّ على الزّوج أن ينفق على زوجته إذا مكنَّته من الاستمتاع بها، ولا فرق بين الحر والعبد في ذلك، قال الله : ﴿وَعَلَى الْمَوْلُودِ لَهُ رِزْقُهُنَّ وَكِسْوَتُهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ﴾ [البقرة:٢٣٣]، فإما أنفق وإمَّا فارق؛ لأنَّ عدم النّفقة
стр. 570
أضر على الزّوجة من عدم الوطء، فلما فُرِّقَ بينهما في عدم الوطء، أعني: في العنين والمولّى إذا لم يطأ إذا طالبت المرأة بذلك، فكذلك يجب أن يفرق بينهما مع عدم النّفقة إذا طالبت المرأة بذلك، وقد قال النبي صَلَّى الله عَلَيْهِ: «تَقُولُ زَوْجَتُكَ: أَنْفِقْ عَلَيَّ أَوْ طَلِّقْنِي، وَيَقُولُ خَادِمُكَ: أَنْفِقْ عَلَيَّ أَوْ بِعْنِي» (١)، فلما كان عليه أن ينفق على العبد أو يبيعه، كذلك كان عليه أن ينفق على امرأته أو يطلقها؛ لأنَّ النّفقة هي بإزاء الوطء، فإذا منعته الوطء، سقطت نفقتها، كذلك يجب إن مَنَعَهَا النّفقة أن يزول وطؤه لها، وإذا زال الوطء، كان بقاؤها معه ضرراً عليها، وليس يجوز بقاؤهما مع الضرر.
فإن قيل: إنَّ عدم النّفقة ليس كعدم الوطء؛ لأنها قد تصل إلى النّفقة من غير جهته، ولا تصل إلى الوطء من غير جهته، فافترقا لهذه العلَّة (٢).
قيل له: كذلك لا تصل إلى نفقة الزوجية من غير جهته، وعليه أن ينفق عليها كما عليها أن لا تمنعه من الوطء بالزوجية، فلمَّا تعذرت نفقته عليها بالزوجية، وجب أن يفرق بينهما إذا طالبت بذلك، كما يتعذر عليه الوطء بالزوجية فيفرق بينهما إذا طالبت بذلك.
وقوله: «لا يجوز له أن يَشتَرِطَ نفقة المرأة على سيِّد العبد»؛ فلأنَّ النَّفقة
стр. 571
تجب على الأزواج للزَّوجات؛ لإيجاب الله تعالى ذلك عليهم، فمتى شُرِطت على غيرهم، كان ذلك خلافاً لشرط الله ، وذلك غير جائزٍ.
•••
[٧٨٥] مَسْأَلَةٌ: قَالَ: وَإِذَا بَنَى الرَّجُلُ بِالمَرْأَةِ، ثُمَّ فَارَقَهَا فَطَلَبَتْ مَهْرَهَا المُعَجَّلَ، فَالدُّخُولُ بَرَاءَةٌ مِنْهُ، وَعَلَيْهِ اليَمِينُ.
فَإِنْ كَانَ إِنَّمَا يَخْتَلِفُ إِلَيْهَا وَلَمْ يَهْتَدِهَا - يَعْنِي: لَمْ يَبْنِ بِهَا - فَاليَمِينُ عَلَيْهَا، وَيَغْرَمُ الصَّدَاقَ (١).
• قوله: «إنَّ دخول الزّوج بامرأته براءةٌ من الصداق إذا ذكر أنَّهُ قد دفعه إليها مع يمينه»، فإنَّما يريد بذلك أهل المدينة؛ لأنَّ عرفهم قد جرى بتقدمة المهر قبل الدّخول بالمرأة، والعرف الجاري من النَّاس في بلدهم في معاملاتهم أصلٌ يُرجع اليه، فمن خرج عنه لم يقبل منه ورُدَّ إليه.
ألا ترى: أنَّ أحد المتداعيين إذا ادَّعى نقداً في ثمن سلعةٍ قد باعها لا يعرفه أهل ذلك البلد، أنَّهُ يرجع إلى عرف النَّاس في البلد، وكذلك إذا ادَّعى خدمةً في غلامٍ قد اكتراه لا يعرفها النَّاس في بلدهم، لم يقبل منه، وكذلك سيره على دابّةٍ يكتريها أو حمولته أو المحمل أو ما أشبه ذلك، متى خرج أحدٌ عن عرف بلده لم يقبل منه إذا ادّعى غيره أو أراد غيره، فكذلك الزّوج إذا ذكر تقدمة الصداق وكان
стр. 572
ذلك عرف أهل البلد، فالقول قوله مع يمينه؛ لأنَّ المرأة تخرج بما تذكره عن عرف النَّاس في بلدها، فليس يقبل منها ذلك.
فإن كان بلداً لم يجر عرفهم بتقدمة المهر قبل الدخول، كان القول قولها، وعليه البينة على الدفع؛ لأنَّهُ ليس هاهنا شيءٌ يؤيد قوله ويؤكده، فكان قول المرأة أولى؛ لأنها في الأصل لها عليه صداقٌ، ولا يعلم زواله إلَّا ببينةٍ تقوم للزوج، أو شيءٍ يؤيد قوله.
فهذا معنى قول مالك: «إنَّ الدخول براءةٌ»، أراد بالمدينة، إذا كان عرفهم قد جرى بذلك، وكان حكم كل بلدٍ عرفهم كذلك.
فأمَّا إذا كان بلداً ليس عرفهم كذلك، كان القول قول المرأة على ما ذكرناه.
كذلك قال القاضي إسماعيل بن إسحاق (١) وغيره من شيوخ أصحابنا، إنَّ ذلك معنى قول مالكٍ، وهو قول السبعة الفقهاء (٢)، وجماعةٍ من فقهاء أهل المدينة، قالوا: «الدخول براءةٌ من الصداق، إلَّا أن يكون للمرأة كتابٌ بصداقها بعد الدخول بها»، فإذا كان لها كتابٌ، فكتابها أولى؛ لأنَّ من عُرْفِ النَّاس أخذ الكتاب الذي عليهم بالدَّيْنِ متى قضوه، فمتى كان الكتاب موجوداً مع صاحب
стр. 573
الدَّيْنِ، كان الدَّيْنُ ميقاتٌ في الأغلب، فكان قولها أولى في أنها لم تأخذ الصداق قبل الدخول، وأنها قد رضيت بذمته ديناً عليه.
قال القاضي إسماعيل بن إسحاق (١): «ولم يذهب على مالكٍ ولا على أصحابه، ولا على من دونهم في العلم، أن يقولوا: إنَّ المهر قد وجب للمرأة بإقرار الزَّوج، أو البينة عليه وهو مدعٍ للدفع، فعليه أن يبين، هذا لا يذهب على أحدٍ من أهل العلم، ولكنهم لعلمهم ومعرفتهم نزَّلوا الأمور منازلها، ورجعوا إلى الأصول وما يجري عليه عرف النَّاس وعاداتهم في معاملاتهم وأمورهم، كما رجعوا ومن يخالفهم من العلماء في الزوجين إذا اختلفا بعد الطلاق في متاع البيت، أنَّ القول في ذلك قول مُدَّعِي الأشبه منهما، وكذلك يرجع في شدِّ القِمْطِ في الخُصِّ، وقد روي عن النّبيّ ﷺ : أنَّهُ حكم به لصاحب القِمْط (٢)؛ لأنَّهُ الأغلب أن يكون إليه، وإن كان قد يجوز أن يجعل ذلك مما يلي جاره، غير أنَّهُ ليس هو العرف.
فأمَّا إذا كان دخول زيارةٍ، ولم يكن [ ....... ] (٣) فالقول قولها في أنها لم تقبض الصداق؛ لأنها لم [تسلم نفسها ولم ينل] (٤) منها الزّوج ما هو عوضٌ للصداق وهو الوطء، فكان قولها أولى لهذه العلَّة من قوله؛ لأنها تقول:
стр. 574
لا أمكِّنُهُ من الوطء إلَّا بعوضٍ وهو المهر، فيكون لها ذلك، ويكون هو قد ضيَّع وفرَّط إن كان قد دفع إليها بغير بينةٍ قبل الدخول بها.
•••
[٧٨٦] مَسْأَلَةٌ: قَالَ: وَإِذَا دَخَلَ بِهَا وَعَلَيْهِ صَدَاقٌ فَحَلَّ، فَعَلَيْهِ البَيِّنَةُ (١).
• إنَّمَا قال ذلك؛ لأنَّ المهر إذا كان إلى أجلٍ معلومٍ ثم دخل الزّوج قبل حلوله، فقد علم أنها لم تستحقَّ الصداق بالدخول ولا وجب لها به، فإذا ادَّعى زوجها أنَّهُ دفع إليها، لم يقبل منه؛ لأنَّهُ يذكر أنَّهُ قد تطوع بفعل ما لم يجب عليه، وهي تقول: إنَّهُ لم يفعل، وإنه مُبَقّىً عليه في ذمَّته، فكان قولها أولى مع يمينها، وعليه البينة على الدفع إليها.
•••
[٧٨٧] مَسْأَلَةٌ: قَالَ: وَإِذَا حَلَّ قَبْلَ دُخُولِهِ، ثُمَّ دَخَلَ، فَعَلَيْهِ اليَمِينُ وَيَبْرَأُ (٢).
• هذا لِمَا ذكرناه: أنَّ الدخول براءةٌ إذا كان الصداق حالّاً، وهذا صداقٌ حالٌّ، فالقول قوله مع يمينه على ما شرحناه.
•••
стр. 575
[٧٨٨] مَسْأَلَةٌ: قَالَ: وَإِذَا نَكَحَ الرَّجُلُ الأَمَةَ، فَالصَّدَاقُ لَهَا، إِلَّا أَنْ يَنْتَزِعَهُ السَّيِّدُ (١).
• إنَّمَا قال ذلك؛ لأنَّ المهر ملكٌ للزوجة، سواءٌ كانت حرَّةً أو أمَةً؛ لأنَّ الله سبحانه قال في الإماء: ﴿فَانْكِحُوهُنَّ بِإِذْنِ أَهْلِهِنَّ وَآتُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ﴾ [النساء:٢٥]، ومحالٌ أن يأمر الله الزّوج بدفع الصداق إلى من لا يبرأ بالدفع إليه، فثبت بهذا أنَّ المهر ملكُ المرأة، سواءٌ كانت أمةً أو حرَّةً؛ لأنَّ العبد يملك عند مالك، ومهرها ملكٌ لها، وسنذكر مسألة ملك العبد إذا مرَّت في موضعها إن شاء الله.
•••
[٧٨٩] مَسْأَلَةٌ: قَالَ: وَلَيْسَ لِلْمَرْأَةِ إِذَا تَزَوَّجَتْ أَنْ تَقْضِي (٢) بِصَدَاقِهَا (٣) [ ........ ] (٤) فِيهِ مَصْلَحَتُهُ - يَعْنِي: الزَّوْج -،
стр. 576
إِلَّا أَنْ يَكُونَ الشَّيْءُ التَّافِهُ [ ...... ] (١) فَيَجُوزُ ذَلِكَ (٢).
• إنَّمَا قال ذلك؛ لأنَّ على المرأة أن تتجهز من الصداق الذي تأخذه من الزّوج، فتشتري ما يصلحها وتنتفع هي والزوج به، مثل الطيب والخادم وآلة البيت، على ما قد جرى عرف المسلمين به في البلد الذي هما به، فليس لها أن تخرج عن ذلك، وقد ذكرنا هذه المسألة قبل هذا.
•••
[٧٩٠] مَسْأَلَةٌ: قَالَ: وَإِذَا تَزَوَّجَتْ أَمَةٌ نِصْفُهَا حُرٌّ، فَلَيْسَ لِلسَّيِّدِ مِنْ صَدَاقِهَا شَيْءٌ (٣).
• إنَّمَا قال ذلك؛ لأنَّهُ إذا كان نصفها حرّاً، فليس للسيّد أن ينتزع من مالها شيئاً إلَّا برضاها.
وكذلك الأمة أو العبد إذا كان بين شريكين، فليس لأحدهما أن ينتزع من ماله شيئاً إلَّا بإذن شريكه.
•••
стр. 577
[٧٩١] مَسْأَلَةٌ: قَالَ: وَلَا بَأْسَ بِالنِّكَاحِ عَلَى الوُصَفَاءِ، وَيُؤْخَذُ بِأَوْسَطِ ذَلِكَ فِي القِيمَةِ، لَا عَالٍ وَلَا دُون (١).
•••
[٧٩٢] مَسْأَلَةٌ (٢): قَالَ: وَمَنْ نَكَحَ امْرَأَةً بِشَوْرَةٍ (٣) وَبِحُلِيٍّ، ثُمَّ مَاتَ وَلَمْ يُسَمِّ ذَلِكَ، فَعَلَيْهِ مِنْ ذَلِكَ مَا يَكُونُ (٤) لِمِثْلِهَا فِي حَالِهَا وَنِكَاحِهَا، إِنَّمَا يُنْظَرُ إِلَى المَرْأَةِ وَحَالِهَا، فَإِنْ كَانَ بَدَوِيّاً، فَعَلَيْهِ شَوْرَةُ أَهْلِ البَادِيَةِ.
وَإِنْ تَزَوَّجَ بِرَقِيقٍ وَلَمْ يُسَمِّ حُمْرَاناً وَلَا سُوداً (٥)، فَإِنَّهُ يُنْظَرُ إِلَى الوَسَطِ مِنْ ذَلِكَ، وَذَلِكَ جَائِزٌ (٦).
• إنما أجاز النّكاح على الوصفاء وعلى شورة بيتٍ وإن لم يسمّ ذلك، فلأنَّ النّكاح لَمَّا كان موضوعاً على غير المكايسة والمتاجرة، جُوِّزَ فيه ما لم يُجَوَّز في البيع والإجارة.
ألا ترى: أنَّ الله سبحانه أجاز عقد النّكاح على غير صداقٍ مسمىً في حال
стр. 578
العقد، وهو نكاح التفويض، فقال : ﴿لَا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ إِنْ طَلَّقْتُمُ النِّسَاءَ مَا لَمْ تَمَسُّوهُنَّ أَوْ تَفْرِضُوا لَهُنَّ فَرِيضَةً﴾ [البقرة:٢٣٦]، فلما جاز النّكاح كذلك على غير عوضٍ مسمى في حال العقد، ولم يَجُزْ ذلك في البيع، جاز أن يسمى في النّكاح شيءٌ وإن لم يُعَيَّن؛ لأنَّهُ موضوعٌ على المكارمة والمواصلة، دون المتاجرة والمكايسة.
ألا ترى: أنَّ من عرف النَّاس وغالبهم المكايسة في البيوع دون المسامحة، ومن عرفهم وعادتهم في الأكثر المسامحة في الصداق، إما من جهة التزويج (١) بزيادةٍ في الصداق، أو من جهة المرأة بالنقصان من صداق مثلها.
فجاز لهذه العلَّة النّكاح على الوصفاء من العبيد والإماء، ثم يُرجع في ذلك إلى ما يتعارفه النَّاس في البلد من رقيقهم، وكذلك يجوز على شَورة البيت وهي جهاز البيت، ثم يرجع إلى ما يتعارفه النَّاس، وعلى حسب حال الزّوج والزوجة.
وقد أجاز النَّاس الكتابة على الوصفاء، والكتابة فهي معاوضةٌ، ثم يجوز فيها أن تكون على وصيفةٍ غير معينةٍ؛ لأنَّ الكتابة أيضاً لا تجري مجرى المكايسة؛ لأنَّهُ يدخلها حريةٌ وهي قربةٌ إلى الله تعالى، وكذلك النّكاح هو فعل خيرٍ يُتَقرب به إلى الله تعالى، وليس يجري مجرى المعاوضة على الأموال، والله أعلم (٢).
•••
стр. 579
[٧٩٣] مَسْأَلَةٌ: قَالَ: وَإِذَا أَسَرَّ مَهْراً وَأَعْلَنَ غَيْرَهُ، فَالمَهْرُ مَا أَسَرَّ، إِلَّا أَنْ تَكُونَ بِكْراً فَلَا يَجُوزُ ذَلِكَ إِلَّا بِأَمْرِ وَلِيِّهَا (١).
• إنَّمَا قال ذلك؛ لأنَّ المهر الذي أسرَّ لا يخلو أن يكون متقدِّماً لما أَعْلَنَ، أو متأخِّراً عنه:
فإن كان متقدِّماً فهو المهر؛ لأنَّهُ قد رضي به، وما أعلن فهو سمعةٌ وتجملٌّ.
أو ما أعلن فهو متقدِّم وما أسرَّ فهو المتأخِّر، فهو كذلك أيضاً، ما أعلن فهو سمعةٌ وتجملٌ، وما أسر فهو المهر.
أو يكون حطيطةً (٢)، لأنهم إذا رضوا بما أسروه إذا كان متأخِّراً، فقد حطوا شيئاً من المتقدِّم، وكيف كان الأمر (٣) ......