Полный текст (2 801 стр.). Показаны 701–740 · переход к 706.
стр. 701
وقوله: «إنَّ الطلاق يلزمه من يوم يشهد الآخر»؛ فلأنه إنَّما يلزمه وقت يثبت أنَّهُ طلّق، وذلك في وقت ما شهد به الثاني عليه؛ إذ الطلاق قد ثبت عليه حينئذٍ بشهادة شاهدين.
•••
[٨٦٧] مَسْأَلَةٌ: قَالَ: وَإِذَا شَهِدَا، فَقَالَ أَحَدُهُمَا: «طَلَّقَ إِنْ رَكِبَ دَابَّةً، ثُمَّ رَكِبَهَا»، وَشَهِدَ الآخَرُ: «إِنَّهُ طَلَّقَ إِنْ دَخَلَ بِيتاً سَمَّاهُ، ثُمَّ دَخَلَ»، فَلَا طَلَاقَ عَلَيْهِ، إِلَّا أَنْ يَشْهَدَ شَاهِدَانِ عَلَى يَمِينٍ وَاحِدَةٍ (١) (٢) .
• إنَّمَا قال ذلك؛ لأنَّ الشهادة هاهنا وقعت على الفعل الذي علَّق الطلاق به، وهو ركوب الدابة ودخول البيت، ولم يَتَّفِق على كل واحدٍ من الفعلين شاهدان، فلم يلزمه الطلاق لهذه العلَّة؛ لأنَّ الفعل الذي ثبت به الطلاق لم يثبت بشهادة شاهدين، فلم يلزمه الطلاق لهذه العلَّة (٣) .
•••
[٨٦٨] مَسْأَلَةٌ: قَالَ: وَإِنِ اخْتَلَفُوا فِي الشَّهَادَةِ فِي الأَيَّامِ وَاتَّفَقُوا فِي غَيْرِ ذَلِكَ، فَإِنَّ شَهَادَتَهُمْ غَيْرُ جَائِزَةٍ (٤) . الحواشي
(١) قوله: «مِينٍ وَاحِدَةٍ»، كذا في شب، وفي المطبوع: «شيءٍ واحدٍ».(٢) المختصر الكبير، ص(٢٠٤) ، المدونة [٢/ ٩١]، النوادر والزيادات [٩/ ٩٣]، التفريع [٢/ ١٠٥].(٣) نقل التلمساني في شرح التفريع [٧/ ٣٠٨]، هذا الشرح عن الأبهري.(٤) المختصر الكبير، ص(٢٠٤) .стр. 702
• يعني: إذا كانت الشهادة على الأفعال، ثم اختلفوا في وقت الشهادة من الأيام أو الشهور، لم تقبل الشهادة وإن اتفقوا على وصف الفعل، كأنه شهد كل واحدٍ من الشهود على أنَّهُ قال: «أنتِ طالقٌ إن دخلتُ البيت»، ثم دخل في يوم جمعةٍ، وقال الآخر: «دخل يوم السبت»، فشهادتهما غير جائزةٍ لاختلاف وقت الفعل وإن كان واحداً.
وكذلك إن اختلف الفعل ووقته، لم تُقبل على ما بينّاه.
•••
[٨٦٩] مَسْأَلَةٌ: قَالَ: وَاخْتِلَافُ البُلْدَانِ وَاتِّفَاقُ الشَّهَادَةِ لَا يَضُرُّ شَيْئاً، وَيَلْزَمُ الطَّلَاقُ وَالعَتَاقُ (١) .
• إنَّمَا قال ذلك؛ لما قلنا: إنَّ الشهادة إذا كانت على القول واختلفوا في وقت القول من مدةٍ أو بلدٍ، أنَّ الشهادة مقبولةٌ إذا شهد شاهدان على القول، سواءٌ كان طلاقاً أو عتاقاً أو قذفاً؛ بدلالة ما ذكرناه من قبول الشهادة على إقرار المقر وإن كان في وقتين، فكذلك كل ما طريقه طريق القول.
والشهادة مقبولةٌ مع اختلاف الوقت إذا اتفقوا في معناها، وعلى الأفعال غير مقبولةٍ حتى يتفقوا في الوقت والفعل.
••• الحواشي
(١) المختصر الكبير، ص(٢٠٤) ، المدونة [٢/ ٩١]، النوادر والزيادات [٩/ ٩٥].стр. 703
[٨٧٠] مَسْأَلَةٌ: قَالَ: وَإِنْ شَهِدَا فَقَالَ أَحَدُهُمَا: «أَشْهَدَنِي عَلَى طَلَاقِ امْرَأَتِهِ (١) وَاحِدَةً»، وَقَالَ الآخَرُ مِثْلَ ذَلِكَ، وَبَيْنَ ذَلِكَ أَيَّامٌ، وَهُوَ يَقُولُ: «وَاحِدَةٌ»، فَهُوَ يَدِينُ وَيَحْلِفُ (٢) .
• إنَّمَا قال ذلك؛ لأنَّهُ يحتمل أن يكون أراد واحدة، وإنَّما أكّدها في إعادة الشهادة عليها، أو أراد ثبوت تطليقةٍ واحدةٍ بشاهدين، فالقول قوله مع يمينه؛ لأنَّ قوله هذا لا ينافي ظاهر الشهادة، وكل قولٍ لا ينافي ظاهر الشهادة أو اللفظ الحاصل منه في الطلاق فمقبولٌ منه، ويُرجَع إلى ما قال من البيِّنة؛ لاحتمال أن يكون كما قال.
•••
[٨٧١] مَسْأَلَةٌ: قَالَ: فَإِنْ شَهِدَ عَلَيْهِ رَجُلَانِ، فَقَالَ أَحَدُهُمَا: «طَلَّقَهَا وَاحِدَةً»، وَقَالَ الآخَرُ: «اثْنَتَيْنِ»، فَهِيَ وَاحِدَةٌ (٣) .
• إنَّمَا قال ذلك؛ لأنَّ تطليقةً واحدةً قد ثبتت بشهادة شاهدين فلزمته، والثانية فإنما شهد عليها واحدٌ، وشهادة الواحد في الطلاق غير مقبولةٍ، فلم تلزمه الثانية (٤) .
••• الحواشي
(١) قوله: «امرأته»، كذا في شب، وفي المطبوع: «امرأة».(٢) المختصر الكبير، ص(٢٠٤) .(٣) المختصر الكبير، ص(٢٠٤) ، التفريع [٢/ ١٠٥]، النوادر والزيادات [٩/ ٨٤].(٤) نقل التلمساني في شرح التفريع [٧/ ٣٠٦]، هذا الشرح عن الأبهري.стр. 704
[٨٧٢] مَسْأَلَةٌ: قَالَ: وَإِذَا قَالَ أَحَدُهُمَا: «البَتَّةَ»، وَقَالَ الآخَرُ: «وَاحِدَةٌ»، وَقَالَ: «لَا أَحْلِفُ، قَدْ كُنْتُ مُغْضَباً»، فَإِنْ لَمْ يَحْلِفْ عَلَى وَاحِدَةٍ، كَانَتْ ثَلَاثاً.
ثُمَّ رَجَعَ فَقَالَ: إِنْ لَمْ يَحْلِفْ حُبِسَ فِي السِّجْنِ حَتَّى يَحْلِفَ (١) ، وَهَذَا أَحَبُّ إِلَيْنَا (٢) .
• إنَّمَا قال ذلك؛ لأنَّ واحدةً من الشهادة لم يثبت لها حكمٌ، لا واحدة ولا البتة؛ لأنَّ الشاهد الواحد لا يقبل على الانفراد حتى يقارنه غيره من شهادة امرأتين أو يمين الطالب، وليس يجوز ذلك في الطلاق، فلهذه العلَّة لم يقرر حكم إحدى اللفظتين.
وقوله: «إنَّ ذلك ثلاثٌ متى لم يحلف على البتَّة»؛ فلأنَّ من قوله: إنَّ المرأة إذا أتت بشاهدٍ على طلاق زوجها لها، فإنَّ الزّوج يحلف أنَّهُ لم يطلق، فإن امتنع عن اليمين لزمه الطلاق؛ لثبوته بالشاهد ونكوله عن اليمين؛ لأنهما شيئان يحكم بهما كما يحكم بشاهدين.
ووجه هذا القول: أنَّهُ لا يفرق بينهما، ولكنه يحبس حتى يحلف؛ فلأنَّ النكول والشاهد لَمَّا كانا أضعف من شهادة رجلٍ وامرأتين، ثم لم يجز أن يُحْكَم بذلك في الطلاق، فكذلك لا يجوز أن يحكم بشاهدٍ ونكول الزّوج، ولكنه يحبس حتى يحلف. الحواشي
(١) قوله: «حَتَّى يَحْلِفَ»، مثبت في شب، وساقط من المطبوع.(٢) المختصر الكبير، ص(٢٠٤) ، المدونة [٢/ ٩١]، النوادر والزيادات [٥/ ١٧٤]، التفريع [٢/ ١٠٥].стр. 705
قال ابن القاسم عن مالك: «فإن طال حبسه خُلِّيَ» (١) ، وهذا القول أقيس، والأول أحوط.
•••
[٨٧٣] مَسْأَلَةٌ: قَالَ: وَلَوْ قَالَ أَحَدُهُمَا: «حَلَفَ بِالطَّلَاقِ: إِنَّ فَرَّقَ بَيْنَهُ وَبَيْنَهُ إِلَّا ابْنُ أَبِي سَلَمَةَ»، وَشَهِدَ الآخَرُ أَنَّهُ قَالَ: «اسْتَعْدَيْتُ عَلَيْكَ ابْنَ أَبِي سَلَمَةَ»، فَأَنْكَرَ وَقَالَ هُوَ: «إِنَّمَا قُلْتُ: إِنْ فَارَقَنِي»، قَالَ: يَحْلِفُ أَنَّ الَّذِي قَالَا لَيْسَ بِحَقٍّ، وَلَا أَعْرِفهُ، وَلَا أَرَدْتُ إِلَّا أَنْ يُفَارِقَنِي، وَلَا يَكُونُ عَلَيْهِ شَيْءٌ (٢) .
• إنَّمَا قال ذلك؛ لأنَّ هؤلاء قد اختلفوا في الشهادة ولم يتَّفقوا فيها، فلا يجوز الحكم بشهادةٍ مختلفة المعنى إذا كانت على القول.
فأمَّا إذا كانت على الفعل، فإنها لا تقبل إذا اختلفوا في الوقت الذي شهدوا عليه وإن اتفقوا في الفعل، وفي هذه المسألة فقد اختلفوا في القول والفعل جميعاً، فشهادتهم غير جائزةٍ، وعليه أن يحلف أنَّ ما شهدوا به غير حقٍّ.
•••
[٨٧٤] مَسْأَلَةٌ: قَالَ: وَمَنْ طَلَّقَ امْرَأَتَهُ فِي سَفَرٍ مَعَهُ فِيهِ نَفَرٌ، ثُمَّ قَدِمَ فَدَخَلَ عَلَيْهَا فَأَصَابَهَا، ثُمَّ قَدِمُوا مِنَ السَّفَرِ فُأُخْبِرُوا فَرَفَعُوهُ إِلَى السُّلْطَانِ وَهُوَ مُقِرٌّ بِالوَطْءِ، فَيُفَرَّقُ بَيْنَهُمَا، وَلَا شَيْءَ عَلَيْهِ (٣) . الحواشي
(١) ينظر: النوادر والزيادات [٥/ ١٧٤].(٢) المختصر الكبير، ص(٢٠٤) ، النوادر والزيادات [٩/ ٩٣].(٣) المختصر الكبير، ص(٢٠٥) ، النوادر والزيادات [٥/ ٩٧]، الجامع لابن يونس [١٠/ ٧٩٣].стр. 706
• إنَّمَا قال: «إنَّهُ يفرق بينهما»؛ لثبوت الطّلاق عليه بشهادة الشّهود عليه أنَّهُ طلّق.
ولا شيء عليه في الوطء؛ لأنَّهُ كان قبل ثبوت الشهادة عليه، فهو على أصل الزوجية ولا يعلم زوالها إلَّا في وقت الشهادة عليه عند الحاكم وحكمه بثبوت الطلاق عليه، لا ما قبل ذلك.
•••
[٨٧٥] مَسْأَلَةٌ: قَالَ: وَمَنْ شُهِدَ عَلَيْهِ بِطَلَاقِ امْرَأَتِهِ البَتَّةَ وَقَدْ مَاتَتْ، فَإِنَّهُ لَا يَرِثُهَا، وَإِنْ مَاتَ هُوَ فَإِنَّ لَهَا أَنْ (١) تَرِثَهُ (٢) .
• إنَّمَا قال ذلك؛ لأنَّهُ قد ثبت أنها غير زوجته في حال موتها، فلا ميراث له منها.
وإن مات هو فلها الميراث إذا لم يكن ثبت أنه طلَّقَها؛ لأنها على أصل الزوجية، وهو مقرٌّ بأنها ترثه.
ويحتمل أن يكون معنى المسألة: إذا طلّقها وهو مريضٌ ثلاثاً، بل المسألة الحواشي
(١) قوله: «فَإِنَّ لَهَا أَنْ»، كذا في شب، وفي المطبوع: «قبلها».(٢) المختصر الكبير، ص(٢٠٥) ، النوادر والزيادات [٥/ ١٧٢]، البيان والتحصيل [٥/ ٣٤٢].стр. 707
كذلك، أن يطلقها ثلاثاً في حال مرضه، فإن مات ورثته، وإن ماتت هي لم يرثها؛ لأنها ليست محجوراً عليها من أجله، وهو محجورٌ عليه من أجلها.
•••
[٨٧٦] مَسْأَلَةٌ: قَالَ: وَإِذَا ادَّعَتِ المَرْأَةُ: «أَنَّ زَوْجَهَا طَلَّقَهَا»، فَأَنْكَرَ، فَلَا يَحْلِفُ بِدَعْوَاهَا، إِلَّا أَنْ تَأْتِيَ بِشُبْهَةٍ مِنْ بَيِّنَةٍ لَيْسَتْ بِقَاطِعَةٍ، فَيَحْلِفُ، ثُمَّ يُخَلَّى بَيْنَهُمَا، وَلَا يَنْبَغِي لَهَا أَنْ تَتَهَيَّأَ لَهُ، وَلَا تُبْدِي شَعْرَهَا وَلَا عُرْيَتَهَا وَهِيَ تَقْدِرُ عَلَى ذَلِكَ، وَلَا يُصِيبُهَا إِلَّا مُكْرَهَةً.
وَيَحْلِفُ عَلَى الدَّعْوَى فِي الطَّلَاقِ عَلَى المِنْبَرِ، لَا يُجْزِي غَيْرُهُ (١) .
• إنَّمَا قال: «إنَّهُ لا يستحلف بدعواها الطلاق دون أن تأتي بشبهةٍ من بينةٍ؛» فلأنَّ المرأة لو مُكِّنَت من ذلك واستُحْلِفَ زوجها بدعواها، لما شاءت أن تدَّعِي ذلك عليه فتؤذيه وتمتهنه بذلك إلَّا فعلت، ولدخل في ذلك ضررٌ على الأزواج.
ولم يجز أن يُحكَم بنكوله أيضاً لو نكل عن اليمين؛ لأنَّ النكول أضعف من الشاهد واليمين والشاهد والمرأتين، فلما لم يجز الحكم بذلك، لم يجز الحكم بنكول الزّوج ولا بنكوله مع يمين المرأة، فلا معنى لاستحلافه.
فأمَّا إذا أتت بشبهةٍ من بينةٍ مع قولها وإن كانت غير قاطعةٍ، استُحلف لقوّة الحواشي
(١) المختصر الكبير، ص(٢٠٥) ، المدونة [٢/ ٩٥]، التفريع [٢/ ١٠٦].стр. 708
سببها فيما تدعي، فإن حلف وإلا فُرِّقَ بينهما، أو يحبس حتى يحلف، على ما ذكرناه من قول مالكٍ (١) .
وإذا لم يفرق بينهما لعدم الشهادة، لم يجز لها أن تمكنه من وطئها والالتذاذ بها أو أن يرى منها عورةً؛ لأنها تعلم أن ذلك محرمٌ عليه، ولا يجوز لها فعل ما لا يجوز، ولا معونتها عليه، إلَّا أن يكرهها على ذلك، فتكون غير [مريدةٍ لفعله ولا مختارةٍ] (٢) ..... الحواشي
(١) نقل التلمساني في شرح التفريع [٧/ ٣١٢]، هذا الشرح عن الأبهري.(٢) ما بين [ .. ] مفقود من شب، والمثبت هو مما نقله التلمساني في شرح التفريع [٧/ ٣١٤]، عن الأبهري، وإلى هنا تنتهي هذه القطعة، وما بعد هذا الموضع مفقود، وقد نقل التلمساني في شرح التفريع من شرح الأبهري ما يلي:٧
وجوب الشّهادة على من سمع رجلاً يطلّق امرأته
[١٢٦]- (وإذا سمع شاهدان رجلاً يطلّق امرأته أو يعتق عبده أو أمته، لزمهما أن يشهدا بذلك عند الحاكم وإن لم يُشهِدهما المطلِّق أو المُعتِق على نفسه، وسواءٌ ادّعت ذلك الزوجة أو العبد أو لم يدّعياه؛ لأنّه من حقوق الله .
ولو سمعاه يقرُّ لرجلٍ بحقٍّ من الحقوق كلّها، جاز لهما أن يشهدا عليه بذلك لخصمه إذا سألهما إقامة الشهادة عليه عند إنكاره، وإن لم يكن المقرّ أشهدهما على نفسه بذلك).
قال في شرح التفريع [٧/ ٣١٠]: «قال الأبهري: وإنّما جاز لهما أن يشهدا على المقرّ وإن لم يُشهِدهما على نفسه إذا أقرّ بمالٍ لغيره أو طلاقٍ أو قذفٍ أو ما أشبه ذلك؛ مِن قِبَلِ أنّ هذه حقوقٌ لزمت المقرّ، وليس يجوز أن يرجع عنها ولا يسقطها، فلمّا كان كذلك، جاز لهما أن يشهدا إذا سمعاه يقرّ بها، وإن لم يُشهِدهما.стр. 709
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
الحواشي
(١) فإن قيل: لو جاز للإنسان أن يشهد على غيره وإن لم يُشهده عليه، [لجازت الشّهادة على الشّهادة]، وذلك غير جائزٍ بإجماعٍ؟
قيل له: لا تشبه الشّهادة على الإقرار الشّهادة على الشّهادة؛ من قِبَل أنّ المقرّ لو رجع عن إقراره لم يقبل منه؛ لأنّ الإقرار قد استقلّ فلا يزول حكمه إلّا بأداء الحقّ أو بإقرار صاحب الحقّ، وليس كذلك الشّهادة على الشّهادة؛ لأنّ شاهد الأصل لو رجع عن شهادته قبل الحكم لجاز ذلك، فلمّا كان له أن يسقط شهادته ولا يثبت عليها، لم يجز لأحدٍ أن يشهد عليه ولا يتحمّلها عنه، إلّا أن يُشهِده عليها أو ينقلها إليه، والله أعلم.
ولو لم يجز أن يشهد على إقرار المقرّ حتى يشهده عليه، لما جا ذلك في الطّلاق، والفرية.
قال الأبهري: وقد قال من يخالفنا في هذه المسألة - وهو الشافعي -: إنّه يشهد على إقراره بالطّلاق والفرية وإن لم يشهده».
عدّة من طلقها زوجها في سفر ومات وتأخَّر علمها بموته
[١٢٧]- (ومن طلّق امرأته في سفرٍ أو مات عنها، فتأخّر علمها بموته أو طلاقه حتى مضى لها مقدار العدّة، ثم قامت البيّنة بعد ذلك على موته أو طلاقه، لم تلزمها عدّةٌ مؤتنفةٌ، ولو قامت البيّنة بذلك وقد مضى لها بعض العدّة، بنت على ما مضى بعد موته أو طلاقه حتى تتمَّ العدّة، ولا تبتدئها من يوم قامت البيّنة).
قال في شرح التفريع [٧/ ٣١٥]: «قال الأبهري: لأنّ العدّة إنّما هو مرور وقتٍ يُعلّم به براءة الرّحم، وقد وُجِد ذلك.
قال: وممّا يدلّ على أنّ العدّة تصحّ وإن لم تعلم المرأة بذلك: أنّ الصغيرة تصحّ عدّتها، وهي لا تعلم أنّها في عدّةٍ تتربّص أربعة أشهرٍ وعشراً، وكذلك المجنونة.
وقد روي عن عبد الله بن عمر أنّه قال: «العِدَّةُ مِنْ يَوْمِ يَمُوتُ أَوْ يُطَلِّقُ»، وروي عن ابن عبّاسٍ أنّه قال: «العِدَّةُ مِنْ يَوْمِ يَمُوْتُ»، وهو قول جماعةٍ من أهل العلم: سليمان بن يسار، ومسروقٍ، والزّهري، والشّعبي، وعطاءٍ، ومكحولٍ، وابن المسيّب.стр. 710
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
الحواشي
(١) وقال أيضاً: «فإن لم يُعلم ذلك إلّا بقول الزّوج، وهو أنّه لمّا قدم من سفره قال: «قد كنت طلّقتها»، وانقضت عدّتها، فإنّه لا يقبل قوله، وتستأنف العدّة من يوم أقرّ ......
قال الأبهري: فإن كانت له بيّنةٌ، فالعدّة من يوم طلّق، وإن كان له شاهدٌ، فالعدّة من يوم أقرّ، لا من يوم شهد عليه الشّاهد؛ لأنّ شهادة الواحد في الطّلاق غير مقبولةٍ، وكذلك في غير الطّلاق على الانفراد، إلّا أن يقارنها بشيءٍ غيرها من يمينٍ أو شهادة امرأتين، أعني: في الأموال».
امرأة المفقود
[١٢٨]- (وإذا فُقِدَ الرّجل عن امرأته، فانقطع خبره ولم يعرف مكانه، واختارت المرأة فراقه، ضرب لها الحاكم أجلاً أربع سنين بعد أن يفحص عن أخباره ويسأل عن آثاره .......
فإن كان فقدها لزوجها قبل الدّخول بها، أعطيت نصف صداقها ..........
فإن جاء بعد ذلك زوجها حيّاً، رجع عليها بنصفه، وقد قيل: لا يرجع عليها بشيءٍ).
قال في شرح التفريع [٧/ ٣١٨]: «قال الأبهري: ولأنّها يلحقها الضّرر ببقائها تحته؛ لأنّها لا تصل منه إلى الوطء ولا العشرة منه لها، ولعلّ نفقتها تنقطع عنها، وإذا كان كذلك، كان ضررها في ذلك أكثر من ضرر المُولِي والعنّين، فلمّا فرِّق بين المولي وامرأته إذا لم يفئْ إلى الوطء، وكذلك العنّين إذا لم يقدر على الوطء، وكان ضررهما أيسر؛ لأنّهما مع زوجتيهما حاضران، ثمّ فُرِّق بينهما، كان المفقود بأن يفرّق بينهما أولى؛ لعدم وطئه وعشرته».
وقال أيضاً: « .... واختارت المرأة فراقه، ضرب لها الحاكم أجل أربع سنين؛ وذلك لما روي عن عمر وعلي ﵄، ولم يحفظ خلاف ذلك عن أحدٍ من الصّدر الأوّل.
قال الأبهري: ولجواز أن تكون حاملاً؛ [تربّص: فتربّص] أكثر مدّة الحمل في الأغلب، وذلك أربع سنين».стр. 711
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
الحواشي
(١) وقال أيضاً: «وأمّا قوله: بعد أن يُفحص عن أخباره ويُسأل عن آثاره ......
قال الأبهري: وإنّما يُعلم أنّه مفقودٌ، متى بُحِث عن خبره ولم يُدر أين هو؛ لأنّه إذا عُلِم أين هو فليس بمفقودٍ لكنّه غائبٌ، فكُتِب إليه: «إمّا قدِمَ، وإمّا حُمِلَت إليه امرأته، وإمّا فارق»، فأمّا المفقود الذي لا يُعرف خبره، فإنّه يزال ضرره عن امرأته بإباحتها التّزويج بعد الأجل والعدّة؛ لأنّ عليها ضرراً في بقائها تحته».
وقال أيضاً في [٧/ ٣٢٠]: «وأمّا قوله: فإن جاء زوجها رجع عليها .....
قال الأبهري: لأنّ الفرقة هاهنا طلاقٌ إذا تكشّف أنّها ليست فرقةً لموت زوجها، ولا تستحقّ من الصّداق إذا طلّقت قبل الدّخول أكثر من نصفه».
وقال أيضاً: «ووجه القول أنّه لا يرجع عليها بشيءٍ؛ فلأنّه حكمٌ نفذ فلا ينقض.
قال الأبهري: ولأنّه لمّا أُنزِلَ أمرُهُ على الوفاة، وقد كان سمّى لها صداقاً، استحقّت ذلك كلّه بالتّسمية؛ للحكم بالوفاة، فلم يجب نقض ما حكم به الحاكم.
ولأنّه من قِبَلِه [أولى: أُتِيَ]؛ إذ قصّر بترك علمها أنّه حيٌّ، ولمّا لم يردّ حكم الحاكم في تزويج امرأته وقضاء ذلك للزّوج الثّاني، فكذلك لا يردُّ حكمه فيما حكم لها به من المهر».
نفقة امرأة المفقود
[١٢٩]- (ولامرأة المفقود النّفقة من مال زوجها في الأربع سنين، ولا نفقة لها في العدّة التي تعتدّ بها).
قال في شرح التفريع [٧/ ٣٢١]: «قال الأبهري: لأنّها في هذه الحال ليس حكمها حكم زوجةٍ؛ لأنّ الزّوجة لا تعتدّ تحت الزّوج وإنّما تعتدّ بعد موته أو فراقه، وإنزال أمر هذه في عدّتها على زوجها أنّه قد مات، ولا نفقة لمعتدّةٍ من مال زوجها الميّت».
في المفقود يقدُم بعد انقضاء عدّة امرأته
[١٣٠]- (وإذا تزوّجت امرأة المفقود بعد عدّتها، ثمّ قدم زوجها الأوّل قبل دخول الثّاني بها، ففيها روايتان:стр. 712
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
الحواشي
(١) إحداهما: أنّ الأوّل أحقّ بها، والأخرى: أنّ الثّاني أحقّ بها.
فإن دخل بها الثّاني، فهو أحقُّ بها، ولا سبيل للأوّل عليها).
قال في شرح التّفريع [٧/ ٣٢١]: «قال الأبهري: لأنّها لمّا تزوّجت بعد العدّة، فقد فعلت ما لها أن تفعله وصار الثّاني زوجها، فلا يجوز إبطال زوجيّتها، منزلة ذلك منزلة الحاكم إذا حكم بما يجوز له أن يحكم فيه باجتهاده، أنّ حكمه ماضٍ ولا يجوز له ردّه؛ لأنّه فعل ما يجوز له فعله، وكذلك هذه المرأة».
وقال أيضاً في [٧/ ٣٢٢]: «ثم رجع مالكٌ فقال: الأوّل أحقّ بها ما لم يدخل الثّاني، وبه أخذ ابن القاسم وأشهب.
قال الأبهري: لأنّ الأوّل أقوى سبباً، إمّا لتقدّم عقده، أو مقارنة الوطء إلى عقده إن كان دخل بها، فكان أقوى سبباً من الثّاني، فصار أولى بهذه العلّة».
وقال أيضاً: «ولم يختلف قول مالكٍ أنّ دخول الثّاني بها فوتٌ.
قال الأبهري: لأنّها لمّا نكحت الثّاني بعد خروجها من العدّة، فقد فعلت ما يجوز لها فعله؛ لأنّ الله قد أباحها التّزويج، فاستوى تزويج الثّاني في أنّه كالأوّل زوجٌ وله زيادة قوّةٍ على الأوّل وهو دخوله بها، فكان أولى لهذه العلّة؛ لأنّه بلغ في النّكاح أقصى ما يراد منه، وقد تكاملت حرمته وثبتت حقوقه، من وجوب المهر، ووقوع الحصانة، وثبوت التحريم بالنّسب والصّهر».
حكم زوجة الأسير
[١٣١]- (ومن أسره المشركون، لم يجز لامرأته أن تتزوّج حتى يثبت موته أو طلاقه).
قال في شرح التفريع [٧/ ٣٢٤]: «قال الأبهري: ولأنّ الأسير معذورٌ بتأخيره عن زوجته؛ لأنّه ممنوعٌ من ذلك، لا اختيار له في ترك مجيئه إليها، وعذره في ذلك بيّنٌ، فأشبه المريض إذا لم يقدر على وطء زوجته، أنّه لا يفرّق بينه وبينها.
وهو بخلاف المفقود؛ لأنّه لا يُعلَم أنّه معذورٌ بترك مجيئه إليها، وليس عذره ظاهراًстр. 713
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
الحواشي
(١) كعذر الأسير، فلهذا قال مالكٌ: إنّه لا يفرّق بينه وبين امرأته، ولا خلاف في ذلك أيضاً بين أهل العلم».
وقال أيضاً: «ويوقف ماله، فإن مات مسلماً، كان لورثته، وكذلك إن تنصّر مكرهاً، تكون زوجته في عصمته ويُنفَقُ عليها من ماله.
قال الأبهري: لأنّه لا يكون بالإكراه على الكفر كافراً، وقد قال تعالى: ﴿مَنْ كَفَرَ بِاللَّهِ مِنْ بَعْدِ إِيمَانِهِ إِلَّا مَنْ أُكْرِهَ وَقَلْبُهُ مُطْمَئِنٌّ بِالْإِيمَانِ﴾ [النحل:١٠٦]، وقد أجاب المعذّبون من أصحاب رسول الله ﷺ إلى كلمة الكفر واللّفظ بها، ولم يكونوا كفّاراً.
قال الأبهري: لأنّ ملكه باقٍ على حاله، ليس يزول ذلك بالأسر، فوجب أن ينفق على أهله وكلّ من تلزمه نفقته؛ لأنّ ذلك لازمٌ له».
وقال في [٧/ ٣٢٥] أيضاً: «وإن تنصّر طائعاً، أو لا يعلم طائعاً أم مكرهاً، فإنّه يفرّق بينه وبين زوجته ويوقف ماله.
قال الأبهري: لأنّ ظاهر حاله في الارتداد أنّه طائعٌ حتّى يُعلم أنّه مكرهٌ.
ولأنّ ارتداده ينافي زوجيّته بمسلمةٍ، فوجب أن يفرّق بينهما».
وقال أيضاً: «ويوقف ماله.
قال الأبهري: لأنّ ظاهر ماله يجوز أن يكون قد صار لغيره وهم المسلمون، فوُقِف عليه حتّى يموت على هذه الحالة فيأخذه المسلمون، أو يثبت أنّه مكرهٌ، فيجوز تصرّفه فيه حينئذٍ، أو يتخلّص من الأسر، فيكون أحقّ به، فإن مات مرتدّاً، كان للمسلمين».
حكم امرأة المفقود الذي يغلب على ظنّ الحاكم أنّه هلك
[١٣٢]- (ومن فُقِد في معركة كان فيها قَتْلٌ، فلم يُعلم خبره، اجتهد الحاكم في أمره، فإن غلب على ظنّه فيما يبلغ إليه من الأخبار عنه أنّه هلك، أذَنِ لامرأته في النّكاح بعد العدّة).
قال في شرح التفريع [٧/ ٣٢٧]: «قال الأبهري: لأنّ الأغلب فيمن حضر هذه المواضع التي فيها القتل ثمّ فُقِد، أنّه قُتِلَ، هذا هو الغالب من الحال، فوجب أن يجريстр. 714
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
الحواشي
(١) حكمه على الأغلب من حاله، فلهذه العلّة تتزوّج امرأته إذا اعتدّت بعد أن يستبرأ أمره فلا يعرف له خبر.
وليس كذلك المفقود؛ لأنّا لا نعلم أنّه قد مات في الأغلب، حتّى يأتي عليه من الزّمان ما لا يعيش لمثله، وإنّما أبحنا لزوجته التّزويج إن شاءت؛ ليزول عنها الضّرر».
تمليك الرّجل امرأته طلاقها
[١٣٣]- (وإذا ملَّك الرّجل امرأته طلاقاً، فقال لها: أمرك بيدك، فلم تجبه حتى افترقا من مجلسهما، ففيها روايتان:
إحداهما: أنَّ التّمليك ساقطٌ.
والرّواية الأخرى: أنَّ التَّمليك ثابتٌ.
فإن أجابته فقالت: «قد قبلت، أو رضيت، أو اخترت» ثم افترقا قبل أن توقع طلاقاً، فالتّمليك صحيحٌ ثابتٌ.
فإن قالت: «قد قبلت نفسي أو اخترت نفسي»، لزمه الطلاق بهذا القول.
وإن قالت: «قد قبلت أمري»، فإن أرادت الطّلاق، فذلك لها، وإن لم ترد الطّلاق، فلا يكون طلاقاً.
وإن قالت: «قد قبلت نفسي ولم أرد طلاقاً»، فقد طلقت، ولا يقبل قولها).
قال في شرح التفريع [٧/ ٨٣]: «وقد بسط الأبهري في توجيه هذين القولين، فقال: قوله: إنّهما إذا افترقا من المجلس فلا خيار لها بعد ذلك؛ فلأنّ التّمليك كلامٌ يقتضي الجواب في الحال، فإن أجابته باختيار نفسها، فلها ذلك، وإن فارقته قبل أن تختار نفسها، كما لو قال رجلٌ لرجلٍ: قد بعتك سلعتي، ولم يقل: المشتري قد اشتريتها، وافترقا، لم يكن للمشتري أن يختار البيع بعد ذلك؛ لأنّ قوله: قد بعتك، اقتضى جواباً في الحال لا ما بعده، فإذ لم يجب فقد ترك البيع وعدل عنه، فكذلك المرأة إذا لم تختر نفسها في الحال حتى تفرّقا، فلا شيء لها بعد ذلك.
وهذا قول مالكٍ الأوّل، وعليه أكثر أهل العلم.стр. 715
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
الحواشي
(١) قال: ووجه قوله: إنّ ذلك لها وإن تفرقا؛ فلأنّ ذلك حقٌّ قد وجب لها وصار بيدها، فلا يسقط إلّا بتركها، أو بما يُعلَم به أنّها قد تركته، بأن تمكّن زوجها من وطئها.
وذلك مثل الأمة إذا عتقت تحت عبدٍ، فإنّ لها الخيار، كان ذلك في مجلسهما أو تفرّقا، ما لم يطأها زوجُها برضاها، وعلمها بحريّتها، أو يوقفها السّلطان فتختار نفسها أو زوجها، وكذلك المُمَلَّكة.
فهذا وجه قول مالكٍ الأخير.
ونقل عنه في [٧/ ٨٤] أيضاً: «قال الأبهري: والفرق بين القول الأوّل والأمة إذا عتقت، هو أنّ الأمة لم يصر الخيار بيدها بتمليك زوجها، فلم يقتض ذلك الجواب في الحال كما يقتضيه البيع، والتّمليك هو كلام الزوج لامرأته، فهو يقتضي الجواز في الحال، فإن لم تجبه، فقد تركت ما لها من الاختيار، فافترقا لهذه العلّة، وإن أجابته فقالت: قد قبلت أو رضيت، أو اخترت، ثم افترقا قبل أن توقع طلاقاً فالتّمليك صحيحٌ ثابتٌ، يريد: ولها أن توقع بعد ذلك طلاقاً».
في المُمَلّكة تطلّقُ نفسها ثلاثاً، فيناكر زوجها
[١٣٤]- (وإذا طلّقت المملّكة نفسها ثلاثًا، فناكرها الزوج، وذكر أنّه قصد بالتّمليك طلقةً واحدةً، فالقول قوله مع يمينه، فإن لم تكن له نيّة، فلها أن توقع ما شاءت من عدد الطّلاق، ولا مناكرة له عليها).
قال في شرح التفريع [٧/ ٨٦]: «قال الأبهري: لأنّه أجمل ذلك ولم يبيّنه، فاحتمل أن يكون كما قال.
والأصل أن يملك ذلك، فلا يخرج عن يده إلّا بشيءٍ يثبت، وأقلّ ذلك واحدةٌ، فيحلف على أنّه لم يرد أكثر منها.
وقد روى مالكٌ، عن نافعٍ، عن ابن عمر أنّه قال: «إِذَا مَلَّكَ الرَّجُلُ امْرَأَتَهُ أَمْرَهَا، فَالقَضَاءُ مَا قَضَتْ، إِلَّا أَنْ يُنْكِرَ عَلَيْهَا وَيَقُولُ: لَمْ أُرِدْ إِلّا وَاحِدَةً، فَيَحْلِفُ عَلَى ذَلِكَ وَيَكُونُ أَمْلَكَ بِهَا فِي عِدَّتِهَا».стр. 716
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
الحواشي
(١) وإن لم تكن له نيّةٌ، فلها أن توقع ما شاءت من عدد الطّلاق ولا مناكرة له؛ لأنّ ظاهره يقتضي أنّه ملّكها جميع ما بيده، فلم يكن له مناكرتها».
فيمن قال لامرأته: أمرك بيدك إن تزوّجتُ عليك
[١٣٥]- (ولو قال لها عند عقد النّكاح: أمرك بيدك إن تزوّجت عليك، فتزوّج عليها فطلّقت نفسها ثلاثاً، لم يكن له مناكرتها).
قال في شرح التفريع [٧/ ٨٩]: «قال الأبهري: ولأنّ المرأة أرادت رفع عقده عنها، وخروجها من عصمته متى تزوّج عليها، وذلك لا يكون إلّا بالثّلاث».
سقوط تمليك المرأة
[١٣٦]- (ولو ملّكها أمرها وأسرع في القيام عنها قبل أن تقبل التّمليك منه، لم يسقط تمليكها، وإن جلس بعد ذلك قدر ما يمكنها أن تجيب فيه، فلم تفعل حتى قامت أو قام زوجها، سقط تمليكها على اختلاف قوله فيها).
قال في شرح التفريع [٧/ ٩٦]: «قال الأبهري: لأنّ سرعة قيامه قبل أن تختار نفسها، رجوعٌ عمّا جعل إليها، فليس له ذلك.
وإن جلس إليها قدر ما يرى أنّها تختار في مثله ولم يقم فراراً، فلا خيار لها بعد ذلك، على اختلاف قول مالكٍ في طول المجلس».
المُمَلَّكة تختار زوجها
[١٣٧]- (وإذا اختارت الممَلَّكَةُ زوجَهَا، لم يلزمه الطّلاق فيها، وثبتت عنده على نكاحها).
قال في شرح التفريع [٧/ ٩٨] «قال الأبهري: ولأنّها لم تختر إيقاع الطّلاق، فكانت زوجةً على الأصل».
باب الإيلاء
[١٣٨]- (ولكلّ زوجةٍ حقٌّ في الإيلاء، حرَّة كانت أو أمة، مسلمة كانت أو كتابيّة، حرّاً كان زوجها أو عبداً).стр. 717
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
الحواشي
(٢٢٦) وَإِنْ عَزَمُوا الطَّلَاقَ فَإِنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ عَلِيمٌ﴾ [البقرة:٢٢٦ ـ ٢٢٧]، وتقدير الآية: للّذين يؤلون من اعتزال نسائهم تربّص أربعة أشهر.
قال الأبهري: «فعمّ النّساء كلهنّ إذا كنّ زوجاتٍ، ولم يخصِّص زوجةً من زوجةٍ، ولا خلاف بين الأمَّةِ في ثبوت حكم الإيلاء في الجملة، وإنّما اختلفوا في تفصيل مسائله».
وقال أيضاً: «إذا ثبت هذا، فلا فرق في ذلك بين الحرّة والأَمَةِ، والمسلمة والكتابية.
قال الأبهري: لأنّ كل زوجةٍ لها حقٌّ في الوطء، فمتى امتنع من وطئها بيمين، كان مولياً».
[١٣٩]- (والإيلاء، أن يحلف الرجل بالله تعالى: ألّا يطأ امرته أكثر من أربعة أشهرٍ).
قال في شرح التفريع [٧/ ١٠٤]: «ولا خلاف أنّ اليمين بالله وصفة ذاته، أنّه يتعلق به الإيلاء، وأمّا الحلف بغير ذلك، فيلزمه ذلك عندنا، وقال الشافعي: «لا يلزم».
ودليلنا قوله : ﴿لِلَّذِينَ يُؤْلُونَ مِنْ نِسَائِهِمْ﴾، فعمّ. ولأنّها يمينٌ يلزم بالحنث فيها حكمٌ، كاليمين بالله .
قال الأبهري: وقد روي عن ابن عباسٍ أنّه قال: «كُلُّ يمِينٍ مَنَعَتْ جِمَاعاً، فَهُوَ إِيلَاءٌ»، وهو قول جماعةٍ من التابعين.
ولأنّه علم ضرره بزوجته في امتناعه من وطئها بيمينٍ، فكان مولياً؛ لأنّ الإيلاء في لسان العرب: هو الامتناع من الفعل، يقال: تألّى فلانٌ عن فعل كذا، إذا امتنع منه».
أجل الإيلاء من يوم الحلف
[١٤٠]- (وأجل المولي من يوم حلف، لا من يوم تخاصمه زوجته).
قال في شرح التفريع [٧/ ١٠٦]: «قال الأبهري: ولأنّه قد أظهر بامتناعه عن الوطء باليمين، فكان أجله من ذلك الوقت، وهذا صريحٌ في الإيلاء».
خصام المرأة لزوجها إن حلف بالإيلاء أكثر من أربعة أشهرٍстр. 718
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
الحواشي
(١) [١٤١]- (وإذا آلى الرّجل من امرأته أكثر من أربعة أشهرٍ، فهي بالخيار، إن شاءت خاصمته، وإن شاءت تركته.
فإن رفعته إلى الحاكم أجّله أربعة أشهرٍ، ثم يأمره بالفيئة، فإن فاء حنث في يمينه وسقطت الخصومة عنه، وإن أبى أن يفيء أَمَرَهُ بالطّلاق، فإن أبى أن يطلِّقَ، طلَّق عليه الحاكم تطليقةً واحدةً، وكانت له الرّجعة إن فاء في العدّة، فإن ارتجعها ولم يفء من الإيلاء حتّى انقضت عدّتها، سقطت رجعته، إلا أن يكون له عذرٌ في فيئه، فيكفر عن يمينه إن كانت يميناً تُكفّر، وتصحّ رجعته وإن انقضت عدّتها قبل وطئه إيّاها.
واليمين بالله تعالى أو باسمٍ من أسمائه، وبالطّلاق، والعتاق، والصّيام، وغير ذلك من الأيمان في الإيلاء، بمنزلةٍ واحدةٍ).
قال في شرح التفريع [٧/ ١٠٨]: «واختلف: هل يُطالب بالفيئة قبل مضيّ الأربعة أشهرٍ أو بعدها، فظاهر كلام ابن الجلاب أنّه لا يطالب بذلك إلا بعد مضيّها.
قال الأبهري: لأنّ الأربعة أشهرٍ قد جُعِلت للمولي، فلا يطالب فيها بالوطء».
وقال أيضاً في [٧/ ١٠٩]: «واختلف إذا قال: «لا أفيء»، هل تطلق عليه وهي حائضٌ أم لا:
فقيل: لا تطلق عليه وهي حائضٌ؛ للنّهي عن الطّلاق في الحيض؛ لما فيه من تطويل العدّة.
قال الأبهري: «ولأنّ تركه الوطء هاهنا هو لعذرٍ منعه منه، وهو الحيض؛ لأنّه لا يقدر على وطئها من أجله، فهو كالمريض الذي لا يقدر على الوطء وهو معذورٌ بذلك، ولا يفرّق بينهما حتى يزول العذر، ثم يطأ».
وقال أيضاً: «وقيل: تطلق عليه؛ إذ لا يزاد فيما أجّل الله .
قال الأبهري: ولأنّ الحيض ليس هو عذراً موجوداً فيه كالمرض الذي هو عذرٌ موجودٌ في المريض، فوجب أن تطلّق عليه.стр. 719
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
الحواشي
(١) قال الأبهري: والقول الأوّل أحسن وأولى؛ لأنّه لو عدم النّفقة وطالبته بذلك وهي حائضٌ، لم تطلق عليه، وعدم النّفقة أضرُّ من عدم الوطء، والله أعلم».
فيمن حلف بعتق عبدٍ مطلقٍ
[١٤٢]- (وإن حلف بعتق عبدٍ مطلقٍ، فاشترى عبداً فأعتقه، لم يسقط الإيلاء عنه في رواية ابن الحكم.
وقال ابن القاسم: يسقط الإيلاء عنه، واعتبره بكفّارة اليمين بالله وجواز إيقاعها قبل الحنث فيها).
قال في شرح التفريع [٧/ ١١٣]: «وقال مالكٌ في مختصر ابن عبد الحكم: لا يسقط الإيلاء عن مولٍ إلّا بالإصابة، ولم يراع بأيّ شيءٍ كانت اليمين، لأنّ اليمين إنّما كانت على ترك حقّها وهو الوطء، فجعل الله سبحانه للزوجة في ذلك مقالاً وقياماً، وجعل له أن يتربّص عليه مدّةً وسمّاها ليفيء، والفيئة الرّجوع إلى الوطء، ومعلومٌ أنّ العتق ليس بفيئةٍ، وإنّما هو إسقاط يمينٍ، وحقّ الزّوج في الإصابة لا في العتق».
وقال أيضاً في [٧/ ١١٤]: «ومتى وطِئ كان عليه عتق رقبةٍ.
قال الأبهري: لأنّه ألزم نفسه عتقاً بصفةٍ، فلا يجزيه أن يقدِّمَ ذلك قبل الصّفة، فمتى قدّمه كان تطوّعاً، فالواجب عليه من الرّقبة بعد أن يطأ، فإذا وطئ لزمه ذلك، ولا ينوب التّطوع عن الواجب».
في المولي يمضي أجله قبل وقف الحاكم له
[١٤٣]- (ولا يلزم المولي طلاقٌ بمضيّ أجله قبل وقف الحاكم له، فإذا أوقفه الحاكم بعد أجله فأجاب إلى الفيئة ولم يفعلها وتكرّر ذلك منه مرّةً بعد أخرى، فإذا تبيّن ضرره، فرّق الحاكم بينه وبين امرأته.
وقد قيل: يؤجّل في الابتداء بمقدار أجل العدّة، فإن فاء في أضعاف ذلك، سقط عنه الإيلاء، وان لم يفئ حتى مضى ذلك الأجل، لزمه الطّلاق البائن بمضيّه ولم ينتظر فيئته بعده).стр. 720
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
الحواشي
(١) قال في شرح التفريع [٧/ ١١٦]: «قال الأبهري: ولأنّ الأربعة الأشهر قد جعلت للمولي، فلا يطالب فيها بالوطء، والطّلاق إنّما يلزم بترك الفيئة التي عليه، وهي بعد الأربعة الأشهر، وليس مرور الأربعة الأشهر طلاقاً، بدلالة قوله تعالى: ﴿وَإِنْ عَزَمُوا الطَّلَاقَ فَإِنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ عَلِيمٌ﴾ [البقرة:٢٢٧]، و ﴿سَمِيعٌ﴾ يقتضي مسموعاً، ولمّا كانت الفاء للتّعقيب في لسان العرب، ثبت أنّ قوله تعالى: ﴿فَإِنْ فَاءُوا﴾ إنّما هو بعد الأربعة الأشهر.
وقال أيضاً في [٧/ ١١٧]: «قال ابن القاسم: وإذا وقف، فقال لها: «أفيء»، لم يعجّل عليه بالطّلاق، واختبر مرّةً بعد أخرى، فإذا تبيّن ضرره، فرّق الحاكم بينه وبينها.
قال الأبهري: لأنّه لم يطأ، فقد قصد الإضرار بها، فإذا اختبره مرّةً بعد مرّةٍ فلم يطأ، طلّق عليه؛ لأنّه مضرٌّ بها غير مريدٍ للوطء».
وقال أيضاً: «قال الأبهري: ووجه قوله: إنّه إذا لم يفئ حتّى انقضت عدّتها طلّقت عليه تطليقةً بائنةً؛ فلأنّه لمّا أراد الإضرار بها بقوله: «أنا أفيء» فلم يفعل، أزيل ضرره عنها برفع العصمة بينهما بتطليقةٍ بائنةٍ؛ حتّى لا يقدر على الرّجعة.
قال الأبهري: ووجه هذا القول أحسن».
كتاب الظهار
[١٤٤]- (وإن قال لها: أنت عليّ كأمّي، أو: مثل أمّي، وأراد بذلك الظّهار، كان مظاهراً، وإن لم تكن له نيّةٌ في ظهارٍ ولا طلاقٍ، كان مظاهراً .... ).
قال في شرح التفريع [٧/ ١٢٧]: «وأمّا كناية الظّهار فتنصرف عند مالكٍ بالنيّة إلى الطّلاق؛ لأنّه لمّا عمل في الطّلاق من الكنايات ما هو أضعف من هذا القول، كان عمل القول فيه أولى؛ إذ قد جعل امرأته محرّمةً عليه كتحريم الأمّ.
وتطلق عليه ثلاثاً؛ لأنّ المدخول بها لا تحرم عليه إلّا بالثّلاث.
ولا تكون واحدةً وإن نواه، كما لو نوى بالطّلاق الثّلاث واحدة لم تنفعه، كذلك ذكر الشّيخ أبو بكر الأبهري».стр. 721
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
الحواشي
(١) وقال أيضاً في [٧/ ١٢٨]: «فإن أراد بقوله: أنتِ عليّ كأمّي، الظهار، كان ظهاراً.
قال الأبهري: لأنّ ذلك كنايةٌ عن الظّهار.
وإن أطلقه من غير نيّةٍ كان ظهاراً؛ لأنّه كنايةٌ عن الأصل».
فيمن ظاهر من جميع نسائه
[١٤٥]- (ولو قال لأربعة نسوةٍ له: أنتنّ عليّ كظهر أمّي، لزمه في جماعتهنّ كفّارةٌ واحدةٌ.
ولا يجوز له وطء واحدةٍ منهنّ حتّى يكفّر، فإذا كفّر، جاز له أن يطأهنّ أو من شاء منهنّ).
قال في شرح التفريع [٧/ ١٣٠]: «قال الأبهري: وروى هشام بن عروة، عن أبيه: أنّه سُئِلَ عن رجلٍ يظاهر من أربع نسوةٍ بكلمةٍ واحدةٍ، فقال: ليس عليه إلّا كفّارة واحدة.
ولأنّ الظهار لمّا كانت يميناً تكفّر، كان جمعه لأربعة نسوةٍ أو أقلّ في كلمةٍ واحدةٍ كجمعه لهنّ في يمينٍ واحدةٍ أنّه لا يطأهنّ، فعليه كفّارةٌ واحدةٌ.
قال الأبهري: والمعنى الجامع بينهما: أنّ الظّهار يمين تكفّر، واليمين بالله تعالى تكفّر.
ولم يجز ردّ ذلك إلى الطّلاق؛ لأنّ الطّلاق شيءٌ يحلُّ العقد، ولا يزول ذلك الحلّ بكفّارة.
فإن قيل: فقد يزول الطّلاق بالرّجعة؟
قيل له: الرّجعة ليست تزيل الثلم الذي وقع في العقد فتصيّره كأنّه لم يكن؛ لأنّها ترجع على ما بقي من عدد الطّلاق، والكفّارة تزيل التّحريم حتى لا يبقى له حكمٌ ولا أثرٌ، فاختلفا من هذه الجهة».
فيمن ظاهر من إحدى نسائه، ثمّ ألحق بها أخرى
[١٤٦]- (ومن قال لإحدى نسائه: أنت عليّ كظهر أمّي، ثم قال: وفلانةً أيضاً - لامرأةٍ غيرها من نسائه -: أنت عليّ كذلك، وجبت عليه كفّارتان).стр. 722
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
الحواشي
(١) قال في شرح التفريع [٧/ ١٣٢]: «قال الأبهري: لأنّه قد ظاهر منهما بكلمتين مفترقتين، بمنزلة من حلف على أشياء مختلفةً بأيمانٍ متعدّدةٍ، فقال: «والله لا لبست هذا الثوب، ووالله لا أكلت هذا الطّعام، ووالله لا شربت هذا الماء، فإنّ عليه لكلّ واحدٍ من ذلك كفّارةٌ إذا حنث».
فيمن قال: كلّ امرأةٍ أتزوّجها فهي عليّ كظهر أمّي
[١٤٧]- (ومن قال: «كلّما تزوّجت، فالمرأة التي أتزوجها عَلَيّ كظهر أمِّي»، لزمه كلّما تزوج كفّارةٌ بعد كفّارةٍ، بخلاف قوله: «كلّ امرأةٍ أتزوَّجها هي عَلَيَّ كظهر أمِّي).
قال في شرح التفريع [٧/ ١٣٢]: «قال الأبهري: لأنّه أفرد ذكر كلّ امرأةٍ وألزم نفسه الظّهار منها متى تزوّجها، ولم يجمعهنّ في كلمةٍ واحدةٍ فلزمته كفّارةٌ عن كل واحدةٍ إذا تزوّجها».
وقال أيضاً: «بخلاف قوله: «كلّ امرأةٍ أتزوّجها فهي عليّ كظهر أمّي»، فإنّه لم يقصد تخصيص الظّهار بكلّ امرأةٍ ولا تعدّده؛ لأنّه لم يأت بحروفٍ تقتضي التّكرار.
قال الأبهري: لأنّه قد جمعهنّ في كلمةٍ واحدةٍ، فتجزيه كفّارةٌ واحدةٌ، كما لو قال: والله لا تزوّجت امرأةً أبداً، فتجزيه واحدةٌ متى تزوّج».
لزوم كفّارة الظّهار
[١٤٨]- (وكفّارة الظهار لا تلزم بمجرّد القول حتى ينضاف إليه العود.
وقد اختلف قوله في العود ما هو، فعنه في ذلك روايتان:
إحداهما: أنّه العزم على إمساكها بعد المظاهرة منها.
والرواية الأخرى: أنّه العزم على وطئها.
ومن أصحابنا من قال: العود في إحدى الروايتين عن مالكٍ هو الوطء نفسه، والصّحيح عندي ما قدّمته، والله أعلم).
قال في شرح التفريع [٧/ ١٣٥]: «والرّواية الثالثة: أنّ العودَ هو نفس الوطءُ، وهي روايةٌ ضعيفةٌ.стр. 723
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
الحواشي
(١) وقد وجّهها الأبهري فقال: والدّليل على أنّ العود إنّما هو الوطءُ واستباحته بعد أن حرّمه، هو أنّ الظهار ليس يخلو تحريمه من أحد وجهين: إمّا أن يكون محرِّماً لعقد النّكاح، أو محرّماً للوطء.
فلو كان محرّماً لعقد النّكاح، لما جاز أن يستقرّ عليه بالكفّارة؛ لأنّ ما طعن في العقد وحلّه لم يرتفع بالكفارة، كالطّلاق، وإذا كان كذلك، علم أنّ تحريم الظّهار إنّما هو للوطء، فمتى عاد للوطء فقد وجبت عليه الكفّارة؛ لأنّ التحريم يلزمه بقول الظّهار، والكفّارة العود».
وقال أيضاً: «فهذا وجه قول مالكٍ: إنّ العود هو الوطء نفسه، حكاه ابن القاسم وابن عبد الحكم.
قال الأبهري: وقد قال مالكٌ: إنّ العود هو العزم على الوطء، فمتى عزم على الوطء فقد لزمته الكفّارة، مات أو طلّق، أو ماتت هي، حكاه أشهب عنه.
ووجه هذا القول: قوله تعالى: ﴿ثُمَّ يَعُودُونَ لِمَا قَالُوا فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مِنْ قَبْلِ أَنْ يَتَمَاسَّا﴾ [المجادلة:٣]، فأوجب الله تعالى الكفّارة قبل المسيس، وهي تجب بالعود، فدلّ على أنّ الذي أوجب الكفّارة غير الوطء، وهو العزم عليه؛ لأنّه لو كان العود هو الوطء، لجاز له أن يطأ ثم تلزمه الكفّارة، فلمّا لم يجز له أن يطأ لمنعه تعالى من ذلك، عُلِم أنّ العود هو غير الوطء، وهو العزم عليه».
وقال أيضاً في [٧/ ١٣٧]: «وليس العود أيضاً تكرار القول كما يقول المخالف، وذلك أنّ الله تعالى يقول: ﴿وَإِنَّهُمْ لَيَقُولُونَ مُنْكَرًا مِنَ الْقَوْلِ وَزُورًا﴾ [المجادلة:٢]، فكيف يؤمر من قال الزّور والمنكر بأن يعود إليه.
قال الأبهري: ولأنّ القول الأوّل لا يخلو من أحد أمرين:
إمّا أن يكون قد أوجب التّحريم، فالكفّارة تجب بإزالة التّحريم وهو العزم على الوطءِ أو الوطءُ.
أو يكون القول الأوّل لم يوجب تحريماً، فالقول الثّاني مثله، وهذا لا يقوله عالمٌ.стр. 724
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
الحواشي
(١) فإذا بطل أن يكون العود نفس الوطء، وبطل أن يكون تكرار القول لما ذكرناه، لم يبق إلّا أنّه الرّجوع إلى العزم على الوطء الذي قصدوا تحظيره على أنفسهم فرجعوا إلى استباحته، فأمروا بالكفّارة عند أدائهم استباحة ما منعوا أنفسهم منه».
الظّهار يصحّ من الزّوجات وملك اليمين
[١٤٩]- (والظّهار من الأمة المملوكة كالظّهار من الزوجة، وتلزم الكفّارة فيها كلزومها في الزوجة، وكذلك الظّهار من أمّ الولد والمدبّرة، ولا يلزم الظّهار في المعتقة إلى أجلٍ ولا في المُكَاتَبَةِ).
قال في شرح التفريع [٧/ ١٣٩]: «قال الأبهري: وروي عن علي بن أبي طالبٍ ﵁ أنّه قال: «الظِّهَارُ مِنَ الأَمَةِ مِثْلُ الظِّهَارِ مِنَ الحُرَّةِ»، وهو قول السّبعة الفقهاء».
فيمن عجز عن الصّيام في كفّارة الظّهار
[١٥٠]- (وإن لم يكن يقوى على الصيام من كبر مفندٍ أو مرضٍ متطاولٍ لا يرجى برؤه، جاز له أن يطعم ستّين مسيكناً، مدّاً مدّاً بمدّ هشام، وقدره مدٌّ وثلثان بمدّ النّبي ﷺ .
وقد قيل: يطعم مدّين مدّين بمدّ النّبيّ ﷺ ، وهو أحبّ إلينا).
قال في شرح التفريع [٧/ ١٤٥]: «قال الأبهري: ولأنّ الظهار أغلظ في باب التحريم، فكفارته أثقل، فوجب أن يكون إطعامه أكثر».
حكم من وطئ في كفّارة الظّهار قبل أن يتمّها
[١٥١]- (ولايجوز أن يطأ في أضعاف إطعامه، فإن وطئ في أضعافه إطعامه، بطل ما مضى من إطعامه، ولزمه ابتداؤه).
قال في شرح التفريع [٧/ ١٤٦]: «قال الأبهري: فمتى وطئ في خلالها أفسدها، وكان عليه أن يبتدئ؛ لأنّه لم يأت بالكفّارة على وصف ما أمر الله تعالى به، فعليه أن يبتدئ لهذه العلّة.стр. 725
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
الحواشي
(١) قال الأبهري: فإن قيل: [لم: لمّا] كان إذا وطئ قبلها كلّها لم تكن عليه كفّارة أخرى، فكذلك إذا وطئ قبل بعضها فليس عليه أن يبتدئ؟
قيل له: إذا وطئ قبلها، فليس يقدر أن يأتي بكفّارةٍ لا وطء قبلها، لأنّ ذلك يستحيل، فعليه أن يأتي بكفّارةٍ وقد أتى بالوطء قبلها، وإذا وطئ في حال الكفّارة، فهو يقدر على أن يأتي بكفّارةٍ لا وطء فيها، فيلزمه أن يبتدئ الكفّارة لهذه العلّة».
ظهار العبد
[١٥٢]- (وظهار العبد كظهار الحرّ، وكفّارته مثل كفّارته، غير أنه لا يصحُّ منه التّكفير بالعتق، أذن في ذلك سيّده أو لم يأذن، وليكفّر بالصّيام، فإن عجز عنه كفّر بالإطعام إن أذن له سيّده فيه، فإن منعه منه، انتظر القدرة على الصّيام).
قال في شرح التفريع [٧/ ١٤٩]: «وأمّا قوله وليكفّر بالصيام؛ فلأنّه لمّا منع من التّكفير بالعتق، صار غير واجدٍ للرّقبة، فانتقل إلى الصّيام.
وهذا إذا كان قادراً على الصّيام ولا يضرّ به ولا بسيّده، واختلف إذا كان مضرّاً به:
فقال ابن القاسم: للسيّد أن يمنعه.
قال الأبهري: لأنّه ليس للعبد أن يفعل ما يدخل به الضّرر على سيّده إذا كان قادراً ألّا يفعله، كما ليس له أن يتزوّج ويصوم التّطوع ويحجّ بغير إذن سيده، وليس كذلك صوم الفرض، لأنه ليس هو سبب إلزامه نفسه، وهو سبب إلزامه نفسه صوم التّظاهر وكان قادراً على دفعه».
وقال في [٧/ ١٥٠] أيضاً: «وأمّا قوله: فإن عجز عنه كفّر بالإطعام إن أذن له فيه سيّده؛ فلأنّه مملوكٌ لا يجوز له التّصرف في ماله إلّا بإذن سيّده، فإذا أذن له السيّد، جاز ذلك.
قال الأبهري: لأنّه ممّن يملك الطّعام ويتصرّف فيه بالأكل والانتفاع».
كتاب اللعانстр. 726
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
الحواشي
(١) [١٥٣]- (واللّعان بين كلّ زوجين، عدلين كانا أو فاسقين، حرّين كانا أو عبدين، ويلاعن الحرُّ الأمَةَ، والعبدُ الحرّةَ، والمسلمُ النّصرانيةَ واليهوديةَ).
قال في شرح التفريع [٧/ ١٥٣]: «قال عبد الوهاب: وفيه ضربٌ من المعنى، وهو أنّ النّسب لاحقٌ بالفراش، ولا يمكن الزّوج إقامة البيّنة على أنّه ليس منه، وللنّاس حاجةٌ إلى نفي نسبٍ ليس منهم، فجُعِلَ لهم طريقٌ إلى نفيه وهو اللّعان.
قال الأبهري: ألا ترى: أن ليس بين الأجنبيين لعانٌ؛ لأنّه لا نسب بينهما، فلو قذف أجنبيٌّ أجنبيةً بأيّ وجهٍ كان، برؤيةٍ يدّعيها أو غير رؤيةٍ، لكان عليه الحدّ ولم يكن بينهما لعانٌ، إذ لا ضرورة به فيما ذكره من ذلك، والزّوج به ضرورةٌ إلى ذكر ذلك ليدفع به نسباً ليس منه؛ إذ واجبٌ عليه أن يفعل ذلك.
قال الأبهري: فإن قيل: لو كان لدفع النّسب كما قلت، لكان إذا قال لزوجته: «رأيتك تزنين»، لم يكن ثمَّ لعانٌ؛ إذ ليس ثَمَّ نسبٌ يلحق به؟
قيل له: قد يحدث من هذا الوطء ولدٌ يلحق به إن لم ينفه، وقد يجوز أن يموت الزّوج قبل ظهور الولد، فجُعِل له أن يلاعن قبل ظهور الحمل لهذه العلّة».
وقال أيضاً في [٧/ ١٥٤]: «قال الأبهري: فإن قيل: إنّ اللّعان يجري مجرى الشّهادة، فلمّا لم يكن العبد من أهل الشّهادة، لم يكن له أن يلاعن؟
قيل له: هذا غلطٌ؛ من قِبَلِ أنّه لو كان كالشّهادة، لما جاز للفاسق أن يلاعن؛ لأنّه ليس من أهل الشّهادة، فعُلِمَ بهذا أنّ اللّعان ليس كالشّهادة».
وقال أيضاً: «قال الأبهري: فإن قيل: إنّ الحرّ لو قذف زوجته الأمة لم يكن عليه حدٌّ، فكذلك لا يلاعنها؟
قيل له: لو كان لهذه العلّة، لوجب أن لا يلاعن زوجته النّصرانية؛ لأنّه لو قذفها لم يكن عليه حدٌّ، فعلم بهذا فساد ما ذكروه، وأنّ الأصل في اللّعان إنما هو لدفع النّسب الذي بين الزّوجين، والله أعلم».стр. 727
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
الحواشي
(١) [١٥٤]- (قال مالكٌ: وإنّما يلاعن الحرُّ الأمة، ولا يلاعن في الرؤية إلّا أن ينفي ولدها).
قال في شرح التفريع [٧/ ١٥٤]: «قال الأبهري: لأنّ الأمة لو قذفها قاذفٌ بزنا، فلا حدّ عليه، ويعزّر بما آذاها.
فأمّا إذا ادّعى رؤيةً، فله أن يلاعن لنفي الولد عنه، وكذلك إذا نفى حملها بعد أن اشتراها، فله أن يلاعن لنفي الولد في هذين الوجهين، وكذلك إذا كانت نصرانيةً أو يهوديّةً فهذا حكمها.
فإن لاعن وزوجته أمةٌ، وجب عليها أن تلاعن، ووقعت الفرقة بلعانها، وإن نكلت، حُدّت حدّ الزنا خمسين، وسواءٌ كانت مدخولاً بها أو غير مدخولٍ بها.
وإن نكل هو ولم يلاعن، لحق به الولد ولم يُحدّ.
وإن لاعن وزوجته نصرانيةٌ أو يهوديةٌ، لم يجب عليها أن تلاعن معه، وبقيت زوجته».
لعان العاجز عن الجماع
[١٥٥]- (ولا لعان على خصيٍّ أو مجبوبٍ ولا صبيٍّ، ولا يلحق الولد بواحدٍ منهم).
قال في شرح التفريع [٧/ ١٥٦]: «اعلم أنّ الخصيّ أو المجبوب لا يخلو من وجهين: إمّا أن ينزل عند الجماع، أو لا ينزل.
فإن كان لا ينزل، فلا لعان بينه وبين زوجته إذا أتت بولدٍ.
قال الأبهري: لأنّ الولد يلزم بالفراش مع إمكان الوطء، وأن يولد لمثله.
ألا ترى: أنّ الصبيّ إذا زوّجه أبوه بكبيرةٍ فأتت بولدٍ، أنّه لا يلحق به مع ثبوت الفراش؛ لأنّه لا يمكن من قبله الوطءُ ولا يولد له.
وكذلك المجبوب والخصيّ، ليس الولد منهما، وهو من غيرهما، فسقط عنهما بغير لعانٍ كما يسقط عن الصبيّ، والله أعلم».
في قذف الرّجل لامرأته وادّعائه عليها بالزّناстр. 728
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
الحواشي
(١) [١٥٦]- (وإذا قذف الرّجل امرأته فادّعى أنّه رآها تزني، ووصف ذلك وصف الشّهود لرؤية الزّنا، كان له أن يلاعنها.
وإن اقتصر على مجرد قذفها من غير وصفٍ لرؤية الزّنا منها، فعنه في ذلك روايتان: إحداهما: أنّه يلاعنها، والرواية الأخرى: أنّه يحدّ ولا يلاعنها).
قال في شرح التفريع [٧/ ١٥٨]: «قال مالكٌ في مختصر ابن عبد الحكم: لا يُرْضَى من الملاعن أن يقول: رأيتها تزني، حتّى يقول كما تقول الشّهود على الزّنا.
قال الأبهري: لأنّ اللّعان يقوم مقام الشّهادة في إسقاط الحدّ عن الزّوج، فوجب أن يَذْكُرَ في اللّعان مِنَ الرُّؤيَةِ ما يذكره الشّهود في الشّهادة، ولا بدّ له من ذلك، كما لا بد للشّهود منه».
وقال في [٧/ ١٥٩] أيضاً: «واختلف إذا ادّعى عليها الزّنا ولم يدّع رؤيةً ولا نفى حملاً: فقيل: يلاعن، وقيل: يحدُّ ولا يلاعن …
ووجه القول: أنّه يحدّ ولا يلاعن؛ لأنّ اللّعان إنّما يتخلّص به عن حدّ القذف، فوجب أن يحتاج إلى رؤيةٍ، أصله الشّهادة، واعتباراً بالشّهود.
قال الأبهري: وقد قال تعالى: ﴿وَالَّذِينَ يَرْمُونَ الْمُحْصَنَاتِ ثُمَّ لَمْ يَأْتُوا بِأَرْبَعَةِ شُهَدَاءَ فَاجْلِدُوهُمْ ثَمَانِينَ جَلْدَةً﴾ [النور:٤]، وهذا عامٌّ فيمن قذف محصنةً، سواءٌ كانت أجنبيّةً أو زوجته.
قال الأبهري: فإن قيل: لم لا جعلت له أن يلاعن؛ لعموم قوله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ يَرْمُونَ أَزْوَاجَهُمْ﴾؟
قيل له: معنى هذه الآية - والله أعلم - إذا كان ثمَّ نسبٌ يرتفع باللّعان، فإذا لم يتعلّق به نسبٌ يرفع، لم يكن له أن يلاعن.
ألا ترى: أنّه إذا قال لزوجته: «زنيتُ قبل أن أتزوّج بك»، لكان عليه الحدّ ولم يكن بينهما لعانٌ، ولم يجز إجراء الآية على عمومها، وكذلك ما ذكرناه.
فإن قيل: إنّ اللّعان إنّما جعل بين الزّوجين لإسقاط الحدّ عن الزّوج في الرّمي، سواءٌ كان ثمّ نسبٌ يرفعه أم لا؟стр. 729
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
الحواشي
(١) قيل له: هذا غلطٌ؛ لأنّه لو كان كذلك، لكان بين الأجنبيين، ولكان من تحته نصرانيّة فقذفها برؤيةٍ أو بغير رؤيةٍ أن لا يلاعن؛ لأنّه لا حدّ عليه في قذفها».
في الرّجل ينفي حمل امراته بعد إقراره به
[١٥٧]- (وإذا ظهر بها حملٌ فأقرَّ به، ثم ادَّعى أنَّه رآها تزني، فقد اختلف قوله في ذلك، فعنه فيه ثلاث روايات:
إحداهنَّ: أنَّه يُحد ويلحق به الولد ولا يلاعن.
والرّواية الأخرى الثّانية: أنّه يلاعن وينتفي عنه الولد الّذي أقرّ به.
والرّواية الثّالثة: أنه يلحق به الولد، ويلاعن لنفي الحدّ عنه، وهذا هو الصّحيح، والله أعلم).
قال في شرح التّفريع [٧/ ١٦٣]: «قال الأبهري: ولأنّ اللّعان إذا لم يُسقط الولد الموجود في حال اللّعان، فلا معنى له».
وقال أيضاً: «ووجه القول أنّه يلاعن وينتفي عنه الولد الذي أقرّ به .....
قال الأبهري: ولأنّ اللّعان جعل بين الزّوجين لإسقاط الولد الذي يذكر الزّوج أنّه ليس منه، فليس يجوز أن يلاعن وهناك ولدٌ لا يسقط باللّعان؛ لأنّ ذلك خلاف الأصل الذي جعل له اللّعان».
وقال أيضاً في [٧/ ١٦٤]: «ووجه القول بأنّه يلحق به الولد ويلاعن لنفي الحدّ عنه ....
ألا ترى: أنّه يجوز أن يلتعن لنفي النّسب من غير قذفٍ، مثل أن يقول: «غُصِبت أو أكرهت»، أو ينفي حملاً يدّعى قبله استبراء، فيلتعن لنفي الحدّ وليس بقاذفٍ، وكذلك يلعتن لسقوط حدّ القذف ويلحق به.
قال الأبهري: ألا ترى: أنه لو ادّعى رؤية من لا يحمل مثلها، لكان عليه أن يلاعن، أو الحدّ إن امتنع.
قال الأبهري: وهذا هو الصّحيح من قوله».стр. 730
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
الحواشي
(١) في الرّجل يدّعي على امرأته الزّنا، وتقرّ بذلك وتأتي بولدٍ
[١٥٨]- (وإذا ادَّعى رجلٌ على امرأته الزّنا، فأقرّت به وقد أتت بولدٍ، فقد اختلف قوله في ذلك، فعنه في ذلك روايتان:
إحداهما: أنّه يسقط عنه الولد عنه بغير لعانٍ.
والرّواية الأخرى: أنه لايسقط عنه الولد إلّا باللّعان).
قال في شرح التّفريع [٧/ ١٦٥]: «فقال مرّةً لا ينتفي عنه ذلك الولد إلّا باللّعان …
قال الأبهري: ووجه هذا القول: هو أنّ النّسب حقٌّ للولد يتعلّق به حقٌّ الله تعالى، فليس يقبل قول المرأة على إسقاط ذلك بغير لعانٍ للزّوج.
ولأنّ في قولها: «زنيت» إلزام حقٍّ هو عليها وهو الحدّ، وإسقاط حقٍّ لغيرها وهو النّسب، فليس يقبل قولها على غيرها ويقبل على نفسها.
ومثال ذلك العبد إذا أقرّ أنه سرق شيئاً - وهو في يده - من زيدٍ، أنّ عليه القطع، ولا يصدّق فيما يذكر أنّه سرقه من زيد؛ من أجل أنّه يسقط حقّ السيّد، فليس يقبل ذلك منه».
وقال أيضاً: «وقال مالكٌ مرّةً: ينفيه بغير لعانٍ، وبه أخذ ابن القاسم وأشهب.
قال الأبهري: لأنّ أحداً لا يتّهم على قتل نفسه أو جلدها لأن يسقط حقّ غيره أو يضرّ بغيره.
ألا ترى: أنّ العبد لو أقرّ بزنا أو قذفٍ أو سرقةٍ، لزمه الحدّ في ذلك كلّه - وإن كان يضرّ سيّده - ولم يتّهم أنّه إنّما اعترف بذلك ليضرّ سيّده، ولو اعترف بأخذ مالٍ، لم يقبل قوله؛ لأنّ ضرر ذلك يدخل على سيّده دونه.
كذلك المرأة إذا أقرّت بالزّنا، فعليها الحدّ، ولا تتّهم أن تقتل نفسها أو تجلد بإدخال الضّرر على ولدها بإسقاط نسبه، فكذلك إذا ثبتت على قولها حتّى تحدّ، ثم لا يقبل منها إن رجعت، ولو رجعت قبل أن تحدّ، عاد اللّعان بينهما، فإن نكل الزّوج، لحق به ولا يحدّ».стр. 731
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
الحواشي
(١) صفة اللّعان
[١٥٩]- (ويبدأ الرّجل باللّعان فيحلف أربعة أيمانٍ في المسجد الأعظم … )
قال في شرح التّفريع [٧/ ١٨٦]: «وروى ابن وهبٍ: «أَنّ النّبيّ ﷺ أَمَرَ الزّوجَيْنِ فَتَلَاعَنَا بَعْدَ العَصْرِ عِنْدَ المِنْبَرِ»، وقاله ابن شهاب.
قال الأبهري: وإنّما حلف عند المنبر؛ لعظم حرمة المنبر وغِلَظِ اليمين عنده على الكذب، وقد قال النّبيّ ﷺ : «مَنْ حَلَفَ عَلَى مِنْبَرِي هَذَا عَلَى يَمِينٍ آثِمَةٍ، تَبَوَّأَ مَقْعَدَهُ مِنَ النَّارِ، قِيلَ يَا رَسُولَ الله: وَإِنْ كَانَ يَسِيراً، قَالَ: وَإِنْ كَانَ قَضِيباً مِنْ أَرَاكٍ».
وأمّا سائر المنابر فلا يحلف عندها؛ لأنّه لا حرمة لها كحرمة منبر رسول الله ﷺ ».
[١٦٠]- (قال مالكٌ: وأيّ ساعةٍ شاء الإمام لاعن بين الزّوجين، وبعد العصر أحبّ إليّ، فإن مرض أحد الزّوجين ولم يقدر على الوصول إلى المسجد، لاعن في موضعه).
قال في شرح التفريع [٧/ ١٦٩]: «قال الأبهري: لأنّ اللّعان بين الزّوجين حكمٌ من الأحكام، فله أن يحكم أيّ وقتٍ شاء.
وأمّا قوله: وبعد العصر أحبّ إليّ، فإنّما قال ذلك؛ لأنّه وقتٌ شريفٌ، فلعلّ الكاذب منهما يرتدع عن قول الكذب، فلا يقْدِمُ على ما لا يجوز له.
فإن مرض أحد الزّوجين ولم يقدر على الوصول إلى المسجد، لاعن في موضعه.
وإن كانت المرأة حائضاً أو نفساء، أخّرت حتّى تطهر؛ لأنّ الحائض تمنع من دخول المسجد، ولأنّ اللّعان في أحد القولين طلاقٌ، والطّلاق في الحيض ممنوعٌ.
وإن أحبّ الزّوج أن يلتعن هو وتؤخّر هي حتى تطهر، جاز.
وإن قال الزّوج بعد التعانه: «أنا أرضى أن تلتعن وهي في غير المسجد»، لم يكن له ذلك؛ لأنّ التعانها إنّما يتعلّق به حقٌّ لله وهو الحدّ إن نكلت، فليس للزّوج أن يسقط ما يتعلّق بذلك من التّرهيب بالجامع.стр. 732
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
الحواشي
(١) ولو رضيت هي بالتعانه في غير الجامع، لم يكن لها ذلك إذا كان التعانه لنفي الولد؛ لأنّه حقٌّ للولد، فقد ينكل عن اللّعان في الجامع ولا ينكل في غيره».
[١٦١]- (واللّفظ في إحدى الرّوايتين: «أشهد بالله لقد زنت»، وفي الرّواية الأخرى: «أشهد بالله لقد رأيتها تزني، يلج فرج الرّجل في فرجها كما يلج المرود في المكحلة»).
قال في شرح التفريع [٧/ ١٧٠]: «ووجه الرّواية الثّانية .......
قال الأبهري: ولأنّ الله تعالى قد سوّى بين لفظ اللّعان والشّهادة، فقال: ﴿فَشَهَادَةُ أَحَدِهِمْ أَرْبَعُ شَهَادَاتٍ بِاللَّهِ﴾ [النور:٦]، فعلى الملاعن أن يأتي بلفظ الشّهادة، كما أنّ على الشّاهد أن يأتي بلفظ الشّهادة هذا متى لاعن على الرّؤية، ذكر منها ما يذكره الشّاهد، هذا من جهة الظّاهر.
وأمّا من جهة المعنى، فلمّا كان اللّعان يقوم مقام الشّهادة في إسقاط الحدّ عن الزّوج، وجب أن يأتي في اللّعان بلفظ الشّهادة، كما يأتي به الشاهد.
ألا ترى: أن الزّوج لو أتى بأربعة شهداء على ما يذكر من الزّنا، لم يكن عليه حدٌّ، وكذلك إذا لاعن».
[١٦٢]- (وإن مات هو بعد لعانه وقبل لعانها: فإن التعنت بعده لم ترثه، وإن لم تلعن حُدَّتْ وَوَرِثَتْ).
قال في شرح التفريع [٧/ ١٧٤]: «قال الأبهري: لأنّها إذا التعنت فقد ارتفعت الزّوجية بينهما، فكأنها كانت غير زوجةٍ حين مات الزّوج».
وقال أيضاً: «وأمّا قوله: فإن لم تلتعن بعده، حُدّت وورثته؛ فلأنّه مات قبل وقوع الفرقة بينهما.
قال الأبهري: إذ الزوجية إنّما ترتفع بالتعانهما جميعاً».
[١٦٣]- (قال مالكٌ: وإذا التعن الرّجل ثمّ هلكت المرأة، فإنّه يرثها؛ إذ لعلّها كانت تصدّقه).стр. 733
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
الحواشي
(١) قال في شرح التّفريع [٧/ ١٧٥]: قال الأبهري: فذكر مالكٌ العلّة؛ ولأنّ الزّوجية باقيةٌ بينهما، وإنّما ترتفع بالتعانهما، وما لم ترتفع فبينهما الميراث إذا مات أحدهما.
وإن التعنت المرأة قبله، ثمّ مات، فإنّه يقال للزّوج: «التعن ثمّ لا ميراث لك ولا حدّ عليك»، فإن نكل، ورثها وعليه الحدّ».
في الرّجل يغيب عن امرأته، فتأتي بولدٍ ثمّ تموت
[١٦٤]- (وإذا غاب الرّجل عن امرأته، فأتت بولدٍ ثم ماتت، وقَدِمَ الزّوج من غيبته فأنكر الولد، كان له أن يلتعن وينفي الولد عنه، وله الميراث منها؛ لأنّها ماتت قبل وقوع الفرقة بينهما).
قال في شرح التّفريع [٧/ ١٧٦]: «وإنّما قال ذلك؛ لأنّ الزّوج به حاجةٌ إلى نفي نسبٍ ليس منه، فسواءٌ كانت المرأة باقيةً أو ميّتةً أو مطلّقةً منه.
قال الأبهري: ولأنّه لا يُحتَاج في نفي الولد إلى لعان المرأة، وإنّما ينتفي بلعان الرّجل؛ من قبَلِ أنّ الزّوج ينفي الولد بلعانه والمرأة تثبته، فلا معنى في نفي الولد ممّن يثبته؛ لأنّ النّفي ضدّ الإثبات، وإذا كان كذلك، لم يحتج في نفيه إلى لعان المرأة، وكما كان في إثباته إلى أبيه دون أمّه، فكذلك نفيه إلى أبيه دون أمّه.
ألا ترى: أنّه لو استلحق ولداً بعد نفيه، للحق به وإن لم تصدّقه المرأة على ذلك.
وكذلك إذا نفاه بلعانه وإن لم تصدّقه المرأة على ذلك، فإذا لاعن، انتفى عنه الولد، وسقط عنه الحد.
وكان له الميراث منها؛ لأنّها ماتت قبل وقوع الفرقة بينهما، فإنّ الفرقة إنّما تقع بتمام لعان المرأة لا بتمام لعان الرّجل، خلافاً للشافعيّ، وقد تقدّم الكلام على ذلك فأغنى عن إعادته.
قال الأبهري: ولأنّها لو كانت باقيةً، لأمكن أن تعترف بالزّنا وتصدّقه على ما قال، فله الميراث لهذه العلّة».
في الرّجل يكذّب نفسه بعد اللّعانстр. 734
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
الحواشي
(١) [١٦٥]- (وإذا وقعت الفرقة بين المتلاعنين، ثمّ أكذب الرّجل نفسه، لحق به الولد، ووجب عليه الحدّ، ولم يحل له نكاح المرأة أبداً).
قال في شرح التفريع [٧/ ١٧٧]: «قال الأبهري: وروى ابن وهبٍ: «أَنَّ عُمَرَ بْنَ الخَطّابِ ﵁ قَالَ فِي المُتَلَاعِنَيْنِ: لَا يَجْتَمِعَانِ أَبَداً».
قال ابن وهبٍ: وأخبرني رجالٌ من أهل العلم، عن ابن شهابٍ، وابن قسيطٍ، وربيعة، وأبي الزّناد: أنّ المتلاعنين لا يتناكحان أبداً».
[١٦٦]- (وإذا وطئ الرّجل أمته ثمّ باعها في الطّهر الذي وطئها فيه، فوطِئَها المشتري أيضاً قبل أن يستبرئها، فأتت بولدٍ لما يشبه أن يكون من كلّ واحدٍ منهما، دُعِي له القافة، فبأيّهما ألحقوه الحق به، فإن ألحقوه بالمشتري، كانت له أمّ ولدٍ وتمّ بيعها، وإن ألحقوه بالبائع، كانت له أمّ ولدٍ ويفسخ بيعها).
قال في شرح التفريع [٧/ ١٨٤]: «وقد اختلف النّاس في القول بالقافة، فنفاه أبو حنيفة، والشافعيّ أثبته.
ونفاه مالكٌ في المشهور عنه في الحرائر وأثبته في الإماء.
وقد روى الأبهري، عن الرّازي، عن ابن وهبٍ، عن مالكٍ: أنّه أثبته في الحرائر والإماء جميعاً».
باب إسلام أحد الزّوجين
[١٦٧]- (وإذا أسلم الرّجل المشرك قبل زوجته وهي كتابيّةٌ، ثبت بإسلامه على نكاحها.
وإن كانت غير كتابيّةِ، فإن أسلمت عقيب إسلامه، ثبت على نكاحها، وإن لم تسلم عقيبه، وقعت الفرقة بنيهما، وكان الفراق فسخاً بغير طلاقٍ، فإن كانت مدخولاً بها، فلها المهر، وإن كانت غير مدخولٍ بها، سقط مهرها بانفساخ نكاحها).
قال في شرح التفريع [٧/ ١٨٩]: «فإذا فسخ نكاحها قبل الدّخول، سقط مهرها بانفساخ نكاحها؛ لأنّ كلّ نكاحٍ فسخ قبل الدّخول فلا صداق فيه.стр. 735
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
الحواشي
(١) قال الأبهري: لأنّ الفسخ جاء من قِبَلِهَا، وقد منعت الزّوج من الوطء والاستمتاع، والصّداق إنّما تستحقّه المرأة على الزّوج بالوطء، فإذا منعته منه بفعلٍ يكون منها، فلا صداق لها، وإن كانت قبضت شيئاً، ردّته إن كان قائماً، وإن فات غرمته؛ لأنّ إسلامها يوجب ردّ الصّداق، إلّا أن يكون فواته بأمرٍ من الله تعالى، فلا شيء عليها».
في إسلام المرأة ذات الزّوج الكافر، مدخولاً بها أو غير مدخولٍ بها
[١٦٨]- (وإذا أسلمت المرأة وزوجها كافرٌ، كتابيٌّ أو غير كتابيٍّ:
فإن كانت مدخولاً بها فأسلم زوجها في عدّتها، فهو أحقّ بها بمجرد إسلامه، من غير رجعةٍ يحدثها، وإسلامه في عدّتها كرجعة المطلّق امرأته في عدّتها.
وإن كانت غير مدخولٍ بها، وقعت الفرقة بينه وبينها، وكانت فسخاً، ولا صداق لها).
قال في شرح التفريع [٧/ ١٩١]: « .... فإن كان ذلك قبل الدّخول، وقعت الفرقة بينهما، ولا سبيل له إليها ....
قال الأبهري: لأنّها لو أرادت البقاء معه بعد إسلامها، لم يجز.
قال الأبهري: ومعنى آخر تعتبر فيه الفرقة، هل في فسخٌ أو طلاقٌ، وهو أنّ كلّ فرقةٍ تكون من أجل معنىً حدث في النّكاح أو من أجل معنىً يمنع من ابتداء العقد، ثم عقد، فالفرقة فسخٌ بغير طلاقٍ.
وذلك مثل ملك أحد الزّوجين لصاحبه، والتّزويج في العدّة، والردّة، وفسخ نكاح المحرم.
وذلك أنّ الردّة إذا حدثت انفسخ النّكاح، ثمّ لم يقدر على ابتداء العقد قبل تغيّر حال الردّة التي من أجلها وقع الفسخ.
وكذلك ملك أحد الزوجين لصاحبه، هو فسخٌ، إذ ليس يقرّان على التّزويج قبل تغير حال الرقّ.
وكذلك المتزوّج في العدّة، متى فسخ عقده، لم يقدر على ابتداء العقد.
وكذلك المحرم مع بقاء الإحرام.стр. 736
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
الحواشي
(١) فهذا تعتبر الفرقة فيه هل هي فسخٌ أو طلاقٌ».
في ادّعاء الزّوج أنّه أسلم في عدّة امرأته
[١٦٩]- (وإذا أسلمت المرأة فانقضت عدّتها، ثم أتى زوجها فادّعى أنّه أسلم في عدّتها، لم يقبل قوله في ذلك إلا ببيّنة، فإن أقام بيّنةً على إسلامه في عدّتها قبل أن تنكح، ثبت على نكاحها.
وإن كانت قد نكحت غيره ولم يدخل بها، ففيها روايتان: إحداهما: أنّ الأوّل أحقّ بها، والأخرى: أنّ الثّاني أحقّ بها.
فإن دخل بها الثّاني فهو أحقّ بها، ولا سبيل للأوّل عليها).
قال في شرح التفريع [٧/ ١٩٥]: «قال الأبهري: ولأنّها قد فعلت ما لها أن تفعل من النّكاح؛ لأنّ الله أباح لها ذلك، وليس يجوز ردّ نكاحٍ أذن الله تعالى فيه وأباحه.
فإن قيل: إنّ الزّوج لمّا أسلم وهي في العدّة، فقد ثبتت له زوجه، علمت بإسلامه أو لم تعلم؟
قيل له: قد كان يجب على الزّوج أن يعلمها ذلك، فمتى لم يعلمها حتّى تزوّجت، فقد فرّط وقصّر، فلزمه تفريطه، ولم يلزمها ذلك؛ لأنّها فعلت ما لها أن تفعل».
في الرّجل يسلم وتحته أكثر من أربع نسوةٍ، أو أختان
[١٧٠]- (وإذا أسلم المشرك وعنده أكثر من أربع نسوةٍ كتابياتٍ، فله أن يمسك أربعاً منهنّ ويفارق البواقي، أوائل كنّ أو أواخر، عقد عليهنّ عقداً واحداً أو عقوداً مفترقة).
قال في شرح التفريع [٧/ ١٩٦]: «إذا ثبت هذا، فقال مالكٌ: وإذا أسلم الحربيّ وعنده عشر نسوةٍ، فله أن يمسك أربعاً منهنّ ويفارق البواقي، عقد عليهنّ عقداً واحداً أو عقوداً متفرّقةً.стр. 737
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
الحواشي
(١) قال الأبهري: لأنّه لا يجوز له بعد الإسلام أكثر من أربع زوجاتٍ، فلا يجوز أن يبقي تحته أكثر من أربعٍ».
وقال أيضاً: «وكذلك إن أسلم وعنده أختان، أمسك أيّتهما شاء وفارق الأخرى، عقد عليهما عقداً واحداً أو عقدين.
قال الأبهري: ولو وجب أن يختار الأوائل؛ لأنَّ نكاح الأواخر فاسدٌ، لوجب أن يفارقهنَّ كلّهنّ؛ لأنَّ عقد نكاحهنَّ فاسدٌ، بدلالة أنَّهم يتزوَّجون في العدَّة وبالخمر والخنزير وبغير شهودٍ.
وقد أمر النَّبيّ ﷺ غيلان حين أسلم عن عشر نسوةٍ أن يختار أربعاً منهنَّ حين أسلمن معه، والاختيار قد يقع على الأواخر.
وكذلك أمر النّبيّ ﷺ الحارث بن قيسٍ لمّا أسلم عن ثماني نسوةٍ أن يختار أربعاً منهنَّ، ومعلومٌ أنّ الاختيار قد يقع على الأواخر والأوائل، ولو كانت على التّرتيب لزال الاختيار».
تخيير الأمة المعتقة تحت عبدٍ
[١٧١]- (وإذا عَتَقَت الأمة تحت العبد، فهي بالخيار، إن شاءت فارقته، وإن شاءت أقامت تحته، والفراق في ذلك طلاقٌ)
قال في شرح التّفريع [٧/ ٢٠٠]: «والفراق في ذلك طلاقٌ.
قال الأبهري: لأنّه صار بيدها ما كان بيد الزّوج من الفراق، وذلك هو الطّلاق، جعله إليها النّبيّ ﷺ ، كما لو جعل الزّوج ذلك إليها بالتّمليك أو الخيار، ثمّ اختارت نفسها، كان ذلك طلاقاً، فكذلك ما جعل لها رسول الله ﷺ من الخيار يكون طلاقاً.
ولأنّ الفسخ هو ما كان عن غلبةٍ لا عن اختيارٍ، إذ لها المقام مع زوجها، بخلاف ملك أحد الزّوجين لصاحبه».
في الأمة تعتق وهي تحت حرٍّ أو عبدٍстр. 738
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
الحواشي
(١) [١٧٢]- (ولا خيار لها إذا عتقت تحت الحرّ، وإذا أعتقت تحت العبد، ثمّ عَتَقَ زوجها قبل اختيارها لنفسها، سقط خيارها).
قال في شرح التفريع [٧/ ٢٠٤]: «قال الأبهري: وإنّما قال: لا خيار لها إذا عتقت تحت الحرّ؛ فلأنّ الحرّ مساوٍ لها في الحرمة والكمال، لا فضيلة لها عليه، ولا نقص عليها أن تكون تحته، كما عليها نقصٌ أن تكون تحت عبدٍ، فلهذه العلةّ لم يكن لها خيار.
قال الأبهري: ولا فصل أن يكون حرّاً أو يصير حرّاً بعد عتقها وقبل اختيارها في أنّه لا اختيار لها؛ لأنّه قد صار مساوٍ لها في الحريّة والحرمة والكمال وأحكام الزّوجية».
اختيار الأمة نفسها قبل الدّخول يُسقِط الصّداق
[١٧٣]- (فإن كان اختيارها لنفسها قبل الدّخول بها، فليس لها شيءٌ من صداقها).
قال في شرح التفريع [٧/ ٢٠٥]: «قال الأبهري: ولأنّها هي السّبب في منع زوجها من وطئها والاستمتاع بها، فلم يكن لها مهرٌ، بدلالة أنّ المرأة إذا ارتدّت قبل الدّخول بها، فلا شيء لها من المهر، ولا خلاف في ذلك نعلمه.
وقال أيضاً في [٧/ ٢٠٦]: «قال الأبهري: وإنّما كان لها أن تختار إذا كانت في العدّة؛ فلأنّ أحكامها أحكام الزّوجات إذا كانت في عدّةٍ من طلاقٍ رجعيّ، فإن اختارت نفسها فقد بانت منه، ولا تحل له حتّى تنكح زوجاً غيره».
باب العدّة للمطلّقات
[١٧٤]- (وعدّة المطلّقة التي تحيض وتطهر ثلاثة قروءٍ، والأقراء هي الأطهار.
فإذا دخلت المطلّقة في الدّم من الحيضة الثالثة، فقد انتقضت عدّتها، وحلّ نكاحها).
قال في شرح التفريع [٧/ ٣٥٧]: «قال الأبهري: وممّا يدلّ على أنّ الأقراء هي الأطهار، قوله تعالى: ﴿فَطَلِّقُوهُنَّ لِعِدَّتِهِنَّ﴾ [الطلاق:١]، وكانت العدّة التي تعتدّ بها المرأة على ما أمر الله به حال الطهر لا حال الحيض؛ لأنّها لا تعتدّ بالحيض إذا طُلِّقَت فيه، وقد بيّن النّبِيّ ﷺ مراده في ذلك بقوله ﵊: «مُرْهُстр. 739
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
الحواشي
(١) فَلْيُرَاجِعْهَا حَتَّى تَطْهُرَ، ثُمَّ تَحَيْضَ، ثُمَّ تَطْهُرَ، ثُمَّ إِنْ شَاءَ أَمْسَكَ وَإِنْ شَاءَ طَلَّقَ، فَتِلْكَ العِدَّةُ الّتِي أَمَرَ الله أَنْ تُطَلَّقَ لَهَا النِّسَاءُ»، فبيّن النّبِيّ ﷺ مراد الله جلّ ذكره في الأقراء التي تعتد بها المرأة، وأنّ ذلك الطهر لا الحيض.
قال الأبهري: فإن قيل: فقد روي عن النّبِيِّ ﵇ أنّه قال لزينب بنت جحشٍ ﵂: «دَعِي الصَّلَاةَ أَيَّامَ أَقْرَائِكِ»، ومحالٌ أن يأمرها بترك الصلاة أيام الطُّهر، فعُلِم بهذا أنَّ الأقراء الحيض؟
قيل له: لسنا ننكر أن اسم القُرء للحيض والطّهر؛ لكنّا نقول: إنّ الذي أريد أن تعتد به المرأة المطلّقة هو الطُّهر، بالدّليل الذي ذكرناه، والقرء الذي تدع الصّلاة فيه هو الحيض؛ لأنّ العرب قد تسمّي الشيئين باسمٍ واحدٍ، والشّيء الواحد بأسماء.
قال الأبهري: وقد قال جماعةٌ من أصحاب رسول الله ﷺ أنّ الأقراء هي الأطهار، منهم: عائشة، وابن عمر، وزيد بن ثابتٍ، وسليمان بن يسار، والقاسم بن محمد، وسالم بن عبد الله، وأبان بن عثمان، وابن شهابٍ، وعروة ابن الزّبير، وعمر بن عبد العزيز، وابن قسيطٍ، وربيعة، وغيرهم».
وقال في [٧/ ٣٥٨] أيضاً: «واختلف، هل تحلّ بنفس الدُّخول في الحيضة الثالثة:
فقال ابن القاسم: وإذا دخلت المطلّقة في الدّم من الحيضة الثّالثة، فقد انقضت عدّتها، وحلّ نكاحها.
وقال أشهب: أحبّ إليّ أن لا تنكح؛ لأنّها ....
قال الأبهري: وروى مالكٌ، عن نافعٍ، عن ابن عمر أنّه قال: «إِذَا طَلَّقَ الرَّجُلُ امْرَأَتَهُ وَدَخَلَتْ فِي دَمِ الحَيْضَةِ الثَّالِثَةِ، فَقَدْ بَرِئَتْ مِنْهُ وَبَرِئَ مِنْهَا، وَلَا تَرِثُهُ وَلَا يَرِثُهُا».
وروى مالكٌ، عن ابن شهابٍ، عن عروةٍ عن عائشة: «أَنَّهَا نَقَلَتْ حَفْصَةَ بِنْتَ عَبْدالرَّحْمَنِ بنِ أَبِي بَكْرٍ حِينَ دَخَلَتْ فِي الدَّمِ مِنَ الحَيْضَةِ الثَّالِثَةِ، فَذَكَرَتْ ذَلِكَ [لعمر، فقال: لِعَمْرَةَ، فَقَالَتْ]: صَدَقَ عُرْوَةُ، وَقَدْ جَادَلَهَا فِي ذَلِكَ نَاسٌ فَقَالُوا: إِنَّ الله يَقُولُ: ﴿ثَلَاثَةَ قُرُوءٍ﴾، قَالَتْ عَائِشَةُ: وَتَدْرُونَ مَا الأَقْرَاءُ؟، إِنَّمَا الأَقْرَاءُ الأَطْهَارُ».стр. 740
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
الحواشي
(١) وروى مالكُ، عن نافعٍ وزيد بن أسلم، عن سليمان بن يسارٍ: «أَنَّ مُعَاوِيَةَ كَتَبَ إِلَى زَيْد يَسْأَلُهُ عَنْ ذَلِكَ، فَكَتَبَ إِلَيْهِ زَيْدُ: إِنَّهَا إِذَا دَخَلَتْ فِي الدَّمِ مِنَ الحَيْضَةِ الثَّالِثَةِ فَقَدْ بَرِئَتْ مِنْهُ وَبِرِئَ مِنْهَا، وَلَا تَرِثُهُ وَلَا يَرِثُهَا».
عدّة اليائسة والصّغيرة
[١٧٥]- (فإن كانت ممّن لا تحيض ليأسٍ أو صغرٍ، فثلاثة أ شهرٍ عدّتها).
قال في شرح التفريع [٧/ ٣٦٠]: «قال الأبهري: وإنّما قال ذلك لأنّ الله : ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا نَكَحْتُمُ الْمُؤْمِنَاتِ ثُمَّ طَلَّقْتُمُوهُنَّ مِنْ قَبْلِ أَنْ تَمَسُّوهُنَّ فَمَا لَكُمْ عَلَيْهِنَّ مِنْ عِدَّةٍ تَعْتَدُّونَهَا﴾ [الأحزاب:٤٩] الآية، فلم يجعل الله تعالى العدّة على من طُلِّقت قبل المسيس.
والمسيس هو الوطء في الفرج على ما يعرفه النّاس ممن يجوز وطؤها.
فأمّا من لا يجوز وطؤها، فكان فعله جنايةً وتعدّياً، فليس هو الذي أباحه الله وأراده، وإذا كان كذلك، لم تكن عليها العدّة.
ولأنّ العدة أيضاً هي استبراء الرّحم، لجواز أن تكون قد علقت من الوطء.
وأمّا من تيقّن أن مثلها لا تحمل، فلا عدّة عليها.
وأمّا المؤيّسة والتي لم تبلغ المحيض، فعليهما العدّة لهذه العلّة، وبنت خمس سنين أو أقلّ مُتَيَقَّنٌ أنّها لا تحمل وأنّها لا تطيق الوطء، فلا عدّة عليها.
وكذلك الأمة إذا اشتُرِيت فوُطِئت وهي صغيرةٌ، فلا استبراء عليها؛ للعلم بأنّ زوجها غير مشتغلٍ بحملٍ، وأن الوطء لمثلها جنايةٌ وحرجٌ، لا وطء في الحقيقة».
عدّة الحائض
[١٧٦]- (وإن طلّقها وهي من ذوات الحيض فارتفعت حيضتها، لا تدري ماذا رفعها، انتظرت سنةً من يوم طلّقها زوجها، تسعة أشهر منها استبراءٌ، وثلاثة عدّةٌ.
وإن طلقها فحاضت حيضةً أو حيضتين، ثم ارتفعت حيضتها لغير إياسٍ منها، استأنفت سنةً من يوم طهرت من حيضتها)следующие страницы →