[٨٧٧]
....... (١) بن شماسة (٢)، عن أبي الخير (٣)، عن عقبة بن عامر، عن النبيِّ ﷺ قال: «كَفَّارَةُ النَّذْرِ، كَفَّارَةُ اليَمِينِ» (٤)، ومعنى هذا إذا لم يسمِّ النذر، فأمّا إذا سمَّاه فعليه ما سمَّى دون كفّارة اليمين.
ورَوَى سفيان، عن معمر، عن زيد بن رفيع (٥)، عن أبي عبيدة (٦)، عن
стр. 754
عبد الله: «النَّذْرُ يَمِينٌ» (١).
ورَوَى سفيان، عن أبي خالد (٢)، عن أبي سفيان (٣)، عن جابر: «النَّذْرُ يَمِينٌ» (٤).
ورَوَى منصور، عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس: «إِذَا قَالَ: عَلَيَّ نَذْرٌ، فَعَلَيْهِ الكَفَّارَةُ، عِتْقُ رَقَبَةٍ» (٥).
ورَوَى سعيد (٦)، عن قتادة (٧)، عن سعيد بن جبير، عن ابن عمر قال: «إِذَا قَالَ: عَلَيَّ نَذْرٌ وَلَمْ يُسَمِّهِ، فَعَلَيْهِ كَفَّارَةُ» (٨).
стр. 755
فأمّا إذا سمَّى لنذره مخرجاً، فإنّه لا بد له من الوفاء به إذا كان طاعةً لله ؛ لقوله سبحانه: ﴿أَوْفُوا بِالْعُقُودِ﴾ [المائدة:١]، والنذر عقدٌ من العقود؛ لقوله ﵎: ﴿وَمِنْهُمْ مَنْ عَاهَدَ اللَّهَ لَئِنْ آتَانَا مِنْ فَضْلِهِ لَنَصَّدَّقَنَّ وَلَنَكُونَنَّ مِنَ الصَّالِحِينَ (٧٥) فَلَمَّا آتَاهُمْ مِنْ فَضْلِهِ بَخِلُوا بِهِ وَتَوَلَّوْا وَهُمْ مُعْرِضُونَ (٧٦) فَأَعْقَبَهُمْ نِفَاقًا فِي قُلُوبِهِمْ إِلَى يَوْمِ يَلْقَوْنَهُ بِمَا أَخْلَفُوا اللَّهَ مَا وَعَدُوهُ﴾ [التوبة:٧٥ - ٧٧]، فذمَّ الله سبحانه من لم يوفِ بما أوجبه على نفسه، وقال الله سبحانه: ﴿وَأَوْفُوا بِالْعَهْدِ إِنَّ الْعَهْدَ كَانَ مَسْئُولًا﴾ [الإسراء:٣٤].
فرَوَى مالكٌ، عن طلحة بن يحيى (١) الأيلي (٢)، عن القاسم بن محمد، عن عائشة ﵂، زوج النبي (٣) ﷺ قال: «مَنْ نَذَرَ أَنْ يُطِيعَ اللهَ تَعَالَى فَلْيُطِعْهُ، وَمَنْ نَذَرَ أَنْ يَعْصِيَ اللهَ تَعَالَى فَلَا يَعْصِهِ» (٤).
فلذلك قال مالك أيضاً: «إنه يفي بما كان طاعةً لله من النذر، من: صيامٍ أو صدقةٍ أو صلاةٍ أو غير ذلك من الطاعات، وينتهي عما
стр. 756
كان معصية لله فلا يفي به»، وذلك مثل أنْ يقول: لله عليَّ نذرٌ أنْ أشرب خمراً، أو أقتل رجلاً، وما أشبه ذلك.
•••
[٨٧٨] مَسْأَلَةٌ: قَالَ: وَمَنْ قَالَ: «لِلهِ عَليَّ نَذْرٌ إِنْ لَمْ أَشْرَبْ خَمْرَاً أَوْ أَقْتُل رَجُلَاً»، فَإِنَّهُ لَا يَنْبَغِي لَهُ أَنْ يَفْعَلَ شَيْئَاً مِمَّا حَلَفَ عَلَيْهِ مِنْ مَعْصِيَةِ اللَّهِ ، وَلِيُكَفِّرْ عَنْ يَمينِهِ.
فَإِنِ ابْتُلِيَ بِشَيْءٍ مِمَّا حَلَفَ عَلَيْهِ، فَلَا كَفّارَةَ عَلَيْهِ (١).
• إنّما قال ذلك؛ لأنّه إذا قال: «لله علي نذرٌ إن لم أشرب الخمر أو أقتل رجلاً»، فمعنى هذا القول من قائله: «لله عليَّ نذرٌ متى تمسّكت بطاعته ولم أفعل معصيته»، فمتى عقد هذا النّذر، وجب عليه الوفاء بما عقده على نفسه إن كان قد سمّاه، فإن لم يسمّه فعليه كفّارة يمينٍ كما ذكرناه.
فإن فعل المعصية وترك الطاعة، لم يلزمه النذر؛ لأنّه إنّما جعله على نفسه متى تمسك بالطاعة وامتنع من المعصية شكراً لله على ذلك، فمتى لم يمتنع من المعصية، لم يلزمه النذر، وعليه وزر ما ركب من المعصية.
•••
[٨٧٩] مَسْأَلَةٌ: قَالَ: وَمَن قَالَ: «لِلهِ تَعَالَى عَليَّ نَذْرٌ إِنْ تَصَدَّقْتُ اليَوْمَ بِصَدَقَةٍ وَلَا تَنَفَّلْتُ بِرَكْعَةٍ»، فَإِنَّهُ بِالْخِيَارِ:
стр. 757
(إِنْ شَاءَ أَنْ يَفْعَلَ ذَلِكَ، وَعَلَيْهِ كَفّارَةُ اليَمينِ إِذَا فَعَلَ.
(وَإِنْ شَاءَ أَنْ لَا يَفْعَل وَلَا كَفّارَةَ عَلَيْهِ، فَذَلِكَ إِلَيْهِ (١).
• إنّما قال ذلك؛ لأنَّه جعل عليه النذر متى فعل ما ذكر من الصدقة والصلاة، فلزمه ذلك؛ لحصول الصفة التي أوجب بها النذر على نفسه، وهو كفّارة يمينٍ إذا لم يسمه.
فإن لم يفعل ما ذكر من صدقةٍ وصلاةٍ، فلا شيء عليه؛ لأنّه لم يفعل ما يجب النذر عليه بفعله.
•••
[٨٨٠] مَسْأَلَةٌ: قَالَ: وَمَن قَالَ: «لِلهِ عَلَيَّ نَذَرٌ أَنْ أَقْتُلَ رَجُلَاً، أَوْ أَشْرَبَ خَمْرَاً، أَوْ أَرْكَبَ مَعْصِيَةً»، فَإِنَّهُ لَا نَذْرَ فِي مَعْصيَةِ اللَّهِ تَعَالَى، وَلَا يَفْعَلُ مِنْ ذَلِكَ شَيْئَاً، وَلَا كَفّارَةَ عَلَيْهِ (٢).
• إنّما قال ذلك؛ لأنَّ قوله: «لله عليَّ أنْ أفعل كذا وكذا من المعصية»، لا يخلو من أحد أمرين:
(إمّا أنْ يلزم نفسه ذلك بهذا القول، وعقد النذر في المعصية غير لازمٍ.
(أو يكون مُخبراً أنَّ الله ألزمه ذلك من غير إيجابٍ يوجبه هو
стр. 758
على نفسه، وهذا فهو فيه غير صادقٍ، فلا يلزمه بهذا القول ما ألزم نفسه من فعل المعصية على أي وجهٍ أراده.
وقد رَوَى مالكٌ، عن طلحة بن يحيى، عن القاسم، عن عائشة ﵂، أنَّ النبيَّ ﷺ قال: «مَنْ نَذَرَ أَنْ يُطِيعَ اللهَ فَلْيُطِعْهُ، وَمَنْ نَذَرَ أَنْ يَعْصِيَ اللهَ سُبْحَانَهُ فَلَا يَعْصِهِ» (١).
ورَوَى عبد الله بن المبارك (٢)، عن يونس، عن الزهري، عن أبي سلمة، عن عائشة ﵂ قالت: قال رسول الله ﷺ : «لَا نَذْرَ فِي مَعْصِيَةٍ» (٣).
•••
[٨٨١] مَسْأَلَةٌ: قَالَ: وَمَن قَالَ: «لِلهِ عَلَيّ نَذَرٌ أَنْ لَا أَتَصَدَّقَ بِصَدَقَةٍ وَلَا أَتَنَفَّلَ بِرَكْعَةٍ»، فَإِنَّهُ يَفْعَلُ مِنْ ذَلِكَ مَا أَحَبَّ وَلَا كَفّارَةَ عَلَيْهِ.
وَإِنَّمَا يُوَفَّى مِنْ ذَلِكَ بِمَا كَانَتْ لِلهِ تَعَالَى فِيهِ طاعَةٌ (٤).
• إنّما قال ذلك؛ لأنَّ تركه فعل هذه الأشياء وإلزامه نفسه ترك فعلها بالنذر
стр. 759
معصيةٌ لله سبحانه، فلا يلزمه ذلك ولا يصح نذره فيه؛ لقول رسول الله ﷺ : «مَنْ نَذَرَ أَنْ يَعْصِيَ اللهَ تَعَالَى فَلَا يَعْصِهِ».
•••
[٨٨٢] مَسْأَلَةٌ: قَالَ: وَمَن نَذَرَ نَذْرَاً: «أَنْ أَفْعَلَ شَيْئَاً لَا يُكَفِّرُهُ صِيَامٌ وَلَا صَدَقَةٌ»، ثُمَّ حَنِثَ، فَلِيَسْتَغْفِرِ اللَّه ، وَيُجْزِيهِ مِنْ ذَلِكَ كَفّارَةُ اليَمينِ (١).
• إنّما قال ذلك؛ لأنَّ هذا إنّما أراد التغليظ بهذا القول، فيحل به كفّارة يمينٍ؛ لأنّه لم يسم لنذره مخرجاً فيلزمه ما سمى، وهذا بمنزلة ما يؤكد اليمين ويكررها، فتلزمه كفارةٌ واحدةٌ لذلك.
•••
[٨٨٣] مَسْأَلَةٌ: قَالَ: وَمَن قَالَ: «لِلهِ تَعَالَى عَلَيَّ عَشْرُ نُّذورٍ» ثُمَّ حَنِثَ، فَعَلَيْهِ عَشَرَةُ أَيْمانٍ (٢).
• إنّما قال ذلك؛ لأنَّ كلّ نذرٍ يمينٌ وكفارته كفّارة يمينٍ إذا لم يسمه، وذلك بمنزلة ما يحلف عشرة أيمانٍ مستأنفةٍ على شيءٍ أو في أشياء مختلفةٍ، فعليه عشر كفاراتٍ، لكل يمينٍ كفارةٌ.
•••
[٨٨٤] مَسْأَلَةٌ: قَالَ: وَمَن قَالَ: «لِلهِ ﵎ عَلَيَّ نَذْرٌ: صِيَامُ يَوْمٍ، أَوْ
стр. 760
ليعْتقنَّ رَقَبَةً، أَوْ صِيَامُ شَهْرَيْنِ مُتَتَابِعَيْنِ، إِنْ لَمْ يَحُجّ العَامَ»، فَهُوَ فِي ذَلِكَ بِالْخِيَارِ، أَيُّ ذَلِكَ شَاءَ أَنْ يَفْعَلَ فَعَلَ (١).
• إنّما قال ذلك؛ لأنَّ هذا إنّما ألزم نفسه أحدهما لعدم الآخر:
(فإن حجَّ في عامه، لم يكن عليه ما سمَّى من النذر.
(وإن لم يحج، كان عليه واحدٌ من الأشياء التي ألزم نفسه.
الخيار إليه في أحدهما؛ لأنّه ألزم نفسه على وجه اختياره، كما يكون له الخيار في كفّارة اليمين أن يكفر بواحدٍ من الأشياء التي خيَّرَهُ الله تعالى فيها، من: عتقٍ، أو كسوة عشرة مساكين، أو إطعامهم.
•••
[٨٨٥] مَسْأَلَةٌ: قَالَ: وَالنُّذُورُ فِي الغَضَبِ وَالرِّضَا سَواءٌ (٢).
• إنّما قال ذلك؛ لأنَّ النذر شيءٌ يُلْزِمُه الإنسان نفسه، فيلزمه ذلك، سواءٌ كان ذلك في غضبٍ أو رضاً، كما يحلف بالله تعالى فيلزمه ذلك في الغضب والرضا، ويحلف بالطلاق والعتق، أو يطلق ويعتق في الغضب والرضا، فيلزمه ذلك.
•••
стр. 761
[٨٨٦] مَسْأَلَةٌ: قَالَ: وَمَن قَالَ: «عَلَيّ عَهْدُ اللَّهِ وَميثاقُهُ وَكَفَالَتُهُ»، فَعَلَيْهِ ثَلاثَةُ أَيْمانٍ، لِكُلِّ واحِدَةٍ كَفّارَةٌ (١).
• إنّما قال ذلك؛ لأنَّ العهد يمينٌ، والكفالة يمينٌ، والميثاق يمينٌ، فعليه ثلاث كفاراتٍ إذا أراد بها استئناف اليمين، كما يريد ذلك بقوله: «والله، والله، والله»، فعليه لكل يمينٍ كفارةٌ، إلّا أن يكون أراد بالتكرير التوكيد، فعليه كفارةٌ واحدةٌ (٢).
والكفارة تجب عند مالكٍ إذا حلف الإنسان بصفةٍ من صفات الله ، ثمّ حنث، كما تجب عليه إذا حلف بأسمائه تعالى؛ لأنَّ صفات الله وأسمائه بمعنى واحدٍ في هذا، فإذا حلف بواحدٍ منها، ثمّ حنث كانت عليه الكفّارة.
وصفاته: مثل عهد الله، وميثاقه، وعزته، وقدرته، وأشباه ذلك.
وأسماؤه: مثل والله، والرحمن، والرحيم، وأشباه ذلك.
وكل هذه يمينٌ إذا حلف بها الحالف، فعليه الكفّارة إذا حنث.
•••
стр. 762
[٨٨٧] مَسْأَلَةٌ: قَالَ: وَمَن قَالَ: «عَلَيَّ عَهْدُ اللَّهِ إِنْ فَعَلْت كَذَا وَكَذَا» ثُمَّ حَنِثَ، فَعَلَيْهِ كَفّارَةُ يَمِينٍ (١).
• إنّما قال ذلك؛ لأنَّ العهد يمينٌ، إذ هو من صفة الله ، فعليه الكفّارة إذا حنث فيما حلف عليه.
•••
[٨٨٨] مَسْأَلَةٌ: قَالَ: وَمَن قَالَ: «عَلَيَّ عَهْدُ اللَّهِ وَمَواثِيقُهُ إِنْ فَعَلَ كَذَا وَكَذَا»، ثُمَّ حَنِثَ، فَعَلَيْهِ أَرْبَعُ كَفّارَاتٍ (٢).
• إنّما قال ذلك؛ لأنَّ عهد الله ﵎ يمين، ومواثيقه أيمانٌ ثلاثةٌ فعليه أربع كفاراتٍ إذا حنث؛ لأنّها أربعة أيمانٍ.
•••
[٨٨٩] مَسْأَلَةٌ: قَالَ: وَمَن كَانَ حَالِفَاً، فَلَا يَحْلِفُ إِلَّا بِاللَّهِ ، وَلَا يَحْلِفُ أَحَدٌ بِغَيْرِ اللَّهِ جَلَّ اسْمُهُ (٣).
• إنّما قال ذلك؛ لأنَّ النبيَّ ﷺ قال فيما رواه مالكٌ وعبيد الله، عن نافع،
стр. 763
عن ابن عمر، عن النبيِّ ﷺ أنَّه قال: «لَا تَحْلِفُوا بِآبَائِكُمْ، فَمَنْ كَانَ حَالِفَاً فَلْيَحْلِفْ بِاللهِ أَوْ لِيَصْمُتْ» (١).
ولأنَّ النبيَّ ﷺ كانت أيمانه بالله تعالى، وكذلك أصحابه ﵃، من قِبَلِ أنَّه لا ينبغي للإنسان أن يعظِّمَ شيئاً يقسم به إلّا الله ﵎.
•••
[٨٩٠] مَسْأَلَةٌ: قَالَ: وَمَن أَقْسَمَ عَلَى رَجُلٍ لَيَفْعَلَنَّ فِعْلَاً، فَلَمْ يَفْعَلْ، فَلَيْسَ بِيَمينٍ، إِلَّا أَنْ يَكُونَ أَرَادَ بِهِ اليَمِينَ فَتَلْزَمُهُ اليَمِينُ (٢).
• إنّما قال ذلك؛ لأنَّ اليمين إنّما تكون بالله إذا لفظ باسمه أو صفته، أو أراد ذلك وإن لم يلفظ به.
فأمّا إذا لم يلفظ بذلك ولم يرده فلم يكن حالفاً؛ لأنّه لم يحلف بالله سبحانه لفظاً، ولا عقد ذلك على نفسه عقداً، وقد قال الله : ﴿وَأَقْسَمُوا بِاللَّهِ جَهْدَ أَيْمَانِهِمْ﴾ [الأنعام:١٠٩].
стр. 764
فإذا أقسم بالله كانت يميناً، أو أراد ذلك فهي يمينٌ، وإن لم يرد ذلك ولم يلفظ به، فليست بيمينٍ.
•••
[٨٩١] مَسْأَلَةٌ: قَالَ: وَمَن قَالَ: «أَشْرَكْتُ وَكَفَرْتُ بِهِ»، ثُمَّ حَنِثَ، فَلْيَسْتَغْفِرِ اللَّه تَعَالَى، وَلَيْسَ عَلَيْهِ فِي ذَلِكَ كَفّارَةُ يَمِينٍ (١).
• إنّما قال: «إنَّه لا كفّارة عليه في هذا القول»؛ لأنَّ هذا القول ليس بيمينٍ فيلزمه به عقد اليمين، وليس يخلو قوله: «أشركت بالله »:
(أن يكون كما قال، فعليه أن يتوب إلى الله ، ويستغفره مما قال.
(أو ليس كما قال، فلا شيء عليه لقول الزور.
ولو وجب عليه لذلك كفارةٌ، لكان يجب عليه الكفّارة في قول كلّ زورٍ، وهذا فاسدٌ، ولكان عليه الكفّارة إذا تكلم بكذبٍ أو فُحشٍ أو قذفٍ، أو ما أشبهه مما لا يجوز أن يتكلم به، وهذا لا يقوله أحدٌ.
•••
[٨٩٢] مَسْأَلَةٌ: قَالَ: وَعَقْدُ اليَمِينِ: أَنْ يَحْلِفَ الرَّجُلُ عَلَى الشَّيْءِ أَنْ لَا يَفْعَلهُ ثُمَّ يَفْعَلهُ، فَعَلَيْهِ كَفّارَةُ يَمِينٍ (٢).
стр. 765
• إنّما قال ذلك؛ لأنَّ الله تعالى قال: ﴿لَا يُؤَاخِذُكُمُ اللَّهُ بِاللَّغْوِ فِي أَيْمَانِكُمْ وَلَكِنْ يُؤَاخِذُكُمْ بِمَا عَقَّدْتُمُ الْأَيْمَانَ﴾ [المائدة:٨٩] الآية، وكذلك رُوِيَ عن النبيِّ ﷺ أنّه قال لعبد الرحمن بن سمرة: «إِذَا حَلَفْتَ عَلَى يَمِينٍ فَرَأَيْتَ غَيْرَهَا خَيْرَاً مِنْهَا، فَائْتِ الَّذِي هُوَ خَيْرٌ وَكَفِّرْ عَنْ يَمِينِكَ»، رواه يونس، عن الحسن، عن عبد الرحمن بن سمرة، عن النبيِّ ﷺ (١).
ورَوَى مالكٌ، عن سهيل بن أبي صالحٍ، عن أبيه، عن أبي هريرة، عن النبيِّ ﷺ (٢).
•••
[٨٩٣] مَسْأَلَةٌ: قَالَ: وَلَغْوُ اليَمِينِ: أَنْ يَحْلِفَ الرَّجُلُ عَلَى الرَّجُلِ يَرَاهُ مُقْبِلَاً أَنَّهُ فُلانٌ، وَذَلِكَ يَقِينُهُ حِينَ يَحْلِفُ، ثُمَّ يَبِيْنُ لَهُ أَنَّهُ لَيْسَ بِاَلَّذي حَلَفَ عَلَيْهِ، فَلَيْسَ عَلَيْهِ فِي هَذَا وَمَا أَشْبَهَهُ كَفّارَةُ يَمينٍ (٣).
• إنّما قال: إنَّ هذا لغوٌ؛ لأنَّ اللغو هو ما لم يقصد إليه الحالف باليمين، والحالف على هذا الوصف لم يعقد يمينه على ما انكشف له، فأشبه ذلك من قال: «لا والله، وبلى والله»، غير قاصدٍ لذلك، فلم تجب عليه الكفّارة.
стр. 766
ولأن اللغو مخالف للعقد أيضاً؛ لأنّ العقد ما تهيأ حله في الاستئناف، وليس كذلك اللغو؛ لأنّها وقعت محلولةً لم تنعقد (١).
وقد رَوَى الزهري، عن عروة، عن عائشة ﵂ قالت: «لَغْوُ اليَمِينِ: مَا كَانَ فِي المِرَاءِ، وَالهَزْلِ وَالمُزَاحَةِ، وَالحَدِيثِ الَّذِي لَا يُعْقَدُ عَلَيْهِ القَلْبُ، وَأَيْمَانُ الكَفَّارَةِ: كُلُّ يَمِينٍ حَلَفْتَ عَلَيْهَا عَلَى جِدٍّ مِنَ الأَمْرِ، فِي غَضَبٍ أَوْ غَيْرِه، ِ لَتَفْعَلَنَّ أَوْ لَتَتْرُكَنَّ، فَذَلِكَ عَقْدُ اليَمِينِ فِيهَا الكَفَّارَةَ، قَالَ اللهُ : ﴿لَا يُؤَاخِذُكُمُ اللَّهُ بِاللَّغْوِ فِي أَيْمَانِكُمْ وَلَكِنْ يُؤَاخِذُكُمْ بِمَا عَقَّدْتُمُ الْأَيْمَانَ﴾» (٢).
ورَوَى محمد بن السائب (٣)، عن أبي صالح (٤)، عن ابن عباس قال: «اللَّغْوُ فِي اليَمِينِ: قَوْلُ الرَّجُلِ: هَذَا وَاللهِ فُلَانٌ، وَلَيْسَ بِفُلَانٍ» (٥) وهذا قول الحسن، وقتادة، ومجاهد، والسدي، وأبي مالكٍ.
•••
стр. 767
[٨٩٤] مَسْأَلَةٌ: قَالَ: والْكَذِبُ فِي اليَمِينِ: أَنْ يَحْلِفَ الرَّجُلُ عَلَى أَمْرٍ أَنَّهُ لَمْ يَفْعَلْهُ وَقَدْ فَعَلَهُ، عَامِدَاً لِلْيَمِينِ.
وَهُوَ أَعْظَمُ مِنْ أَنْ تَكُونَ فِيهِ كَفّارَةُ يَمِينٍ، وَيَتُوبُ إِلَى اللَّهِ سُبْحَانَهُ وَيَسْتَغْفِرهُ، وَيَتَقَرَّبُ إِلَى اللَّهِ تَعَالَى بِمَا اسْتَطَاعَ مِنْ خَيْرٍ (١).
• إنّما قال: «إنّه لا كفّارة في يمين الكذب»؛ لأنّها لم تنعقد، بل وقعت محلولةً، والكفارة إنّما تجب في عقد اليمين الذي يمكن حلُّه في الاستئناف، مثل أن يقول: «والله لأفعلنَّ كذا»، أو «والله لا فعلت كذا»، فهذا عقدٌ يمكن حلُّه، وهو الذي أوجب الله تعالى فيه الكفّارة إذا حلَّه، بدلالة قوله : ﴿لَا يُؤَاخِذُكُمُ اللَّهُ بِاللَّغْوِ فِي أَيْمَانِكُمْ وَلَكِنْ يُؤَاخِذُكُمْ بِمَا عَقَّدْتُمُ الْأَيْمَانَ فَكَفَّارَتُهُ﴾ [المائدة:٨٩] الآية، معناه: إذا حنثتم؛ لأنَّ الكفّارة لا تجب بعقد اليمين بإجماع العلماء دون حلِّها بالحنث، وإذا كان كذلك، ثبت أنّ اليمين تُعْقَد، ثمّ تُحَلُّ في ثانٍ.
فأمّا اليمين الكاذبة واللغو فهي محلولةٌ لم تنعقد على شيءٍ، فلم تجب فيهما الكفّارة التي تجب في حل العقد، وبهذا ورد الخبر عن رسول الله ﷺ .
فرَوَى يونس بن عبيد، عن الحسن، عن عبد الرحمن بن سمرة، أنَّ النبيَّ ﷺ قال: «وَإِذَا حَلَفْتَ عَلَى يَمِينٍ، فَرَأَيْتَ غَيْرَهَا خَيْرَاً مِنْهَا، فَائْتِ الَّذِي هُوَ خَيْرٌ، وَكَفِّرْ عَنْ يَمِينِكَ» (٢)، فأوجب النبيُّ ﷺ الكفّارة عليه؛ لحلِّه عقد اليمين ومخالفته إلى غيره.
стр. 768
فأمّا الكفّارة في يمينٍ لم تنعقد، مثل الكذب واللغو؛ فإنّه لم يدل عليها كتابٌ ولا سنةٌ، ولا وجه لها من القياس أيضاً؛ لِمَا ذكرناه.
ولأنَّ اليمين الكاذبة أعظم من أن تكفِّرَها كفارةٌ، وقد قال الله : ﴿وَيَحْلِفُونَ عَلَى الْكَذِبِ وَهُمْ يَعْلَمُونَ (١٤) أَعَدَّ اللَّهُ لَهُمْ عَذَابًا شَدِيدًا﴾ [المجادلة:١٤ - ١٥]، وقال النبيُّ ﷺ : «مَنْ حَلَفَ عَلَى يَمِينٍ كَاذِبَةٍ لِيَقْتَطِعَ بِهَا حَقَّ امْرِئٍ مُسْلِمٍ، لَقِيَ اللهَ تَعَالَى وَهُوَ عَلَيْهِ غَضْبَانُ» (١).
فإن قيل: إنَّ قاتل العمد قد جُعِلت عليه الكفّارة، وهو أعظم من الحالف بالله جَلَّ وَعَزَّ كاذباً (٢)؟
قيل: لا كفّارة عند مالكٍ واجبة على قاتل العمد (٣)، وهو مثل الحالف بالله تعالى كاذباً سواءٌ؛ لأنَّ الله أوجبها على قاتل الخطأ.
وقد يجوز أن يكون الحالف بالله كاذباً مثل قاتل المؤمن عامداً في العقوبة؛ لأنّه قد أتى أمراً عظيماً، بل قد يجوز أن يكون أعظم جرماً منه، هذا ما لا يعلم من طريق العقل؛ لأنَّ كلّ واحدٍ منهما مرتكبٌ كبيرةً، وقد قال رسول الله ﷺ : «قُرِنَتْ شَهَادَةُ الزُّورِ بِالكُفْرِ بِاللهِ » (٤)، واليمين الكاذبة
стр. 769
الزور يشبه أن تكون مثلها؛ لأنّه مختَرِمٌ حقاً لله تعالى، وحقوق الله سبحانه أوكد من حقوق الآدميين.
ألا ترى: أنّه ليس شيءٌ من الذنوب أعظم من جَحْدِ حق المنعم وترك الاعتراف به وهو الله سبحانه، وليس كذلك جَحْدُ حق آدمي ولا الكفر به.
فإن قيل: إنَّ قاتل الصيد عامداً إذا كان محرماً عليه الجزاء، كهو على الخاطئ، وقد نصّ الله تعالى على ذلك في العمد (١)؟
قيل له: ليس قتل الصيد ووجوب حرمته كتحريم قتل المسلم وتحريم الحلف بالله تعالى كاذباً؛ لأنَّ المسلم مُحَرَّمٌ قتله بحرمته في نفسه، فكذلك الحلف بالله تعالى كاذباً ممنوعٌ منه من أجل حق الله ، لا لحالٍ ولا لعلةٍ، والصيد فقد يجوز قتله لغير مُحْرِمٍ، ويقتله المحرم إذا حل، وإذا كان كذلك، لم تكن حرمته كحرمة ما ذكرناه من قتل المؤمن والحلف بالله كاذباً، فجاز أن يكفر قتل الصيد وجُعِلَت فيه الكفّارة، ولم يجز ذلك في قتل المؤمن عامداً، واليمين بالله تعالى كاذباً.
•••
[٨٩٥] مَسْأَلَةٌ: قَالَ: وَتَوْكِيدُ اليَمينِ: أَنْ يَحْلِفَ الرَّجُلُ عَلَى الشَّيْءِ الوَاحِدِ أَنْ لَا يَفْعَلهُ مِرَارَاً، يُرَدِّدُ فِي ذَلِكَ اليَمينَ ثُمَّ يَفْعَلهُ، وَكَذَلِكَ التَّوْكِيدُ.
стр. 770
وَلَيْسَ عَلَيْهِ فِي ذَلِكَ كُلّهِ إِلَّا كَفّارَةٌ وَاحِدَةٌ (١).
• إنّما قال ذلك؛ لأنَّ توكيد اليمين هو تكرارها، فمتى كرر اليمين مؤكِّدَاً لها، كانت يميناً واحدةً، فوجب عليه كفارةٌ واحدةٌ، كما يكون اللفظ بالطلاق فيكون واحدةً، وهذا لا خلاف فيه نعلمه، وقد رَوَى مالكٌ، عن نافعٍ، عن ابن عمر: «أَنَّهُ كَانَ إِذَا كَرَّرَ اليَمِينَ مِرَارَاً أَعْتَقَ» (٢).
•••
[٨٩٦] مَسْأَلَةٌ: قَالَ: وَاللَّغْوُ فِي اليَمينِ، لَا نُحِبُّ لِأَحَدٍ أَنْ يَفْعَلَ ذَلِكَ.
فَإِنْ فَعَلَ فَاعِلٌ بِأَحَدٍ عَلَى مَكْرٍ أَوْ خَدِيعَةٍ، يَغُرُّهُ بِذَلِكَ مِنْ حَقٍّ لَهُ عَلَيْهِ، فَقَدْ أَثِمَ، فَلَا كَفّارَةَ عَلَيْهِ (٣).
• إنّما قال ذلك؛ لأنَّ اللّاغي لم يقصد اليمين، وإنما أراد التّورية والمعاريض، فلا كفّارة عليه، وهو آثمٌ بدفعه صاحب الحق عن حقِّه.
فإن كان ذلك على غير حقٍّ يدفعه عن نفسه بهذه اليمين لم تكن عليه كفارةٌ ولا إثمٌ، كذلك قال مالك.
•••
[٨٩٧] مَسْأَلَةٌ: قَالَ: وَمَن حَلَفَ بِيَمينٍ واحِدَةٍ عَلَى أَشْياءَ مُخْتَلِفَةٍ: «أَنْ
стр. 771
لَا يَلْبَسَ ثَوْبَاً، وَلَا يَرْكَبَ دَابَّةً، وَلَا يُكَلِّمَ أَحَدًا»، فَإِنَّمَا عَلَيْهِ فِي ذَلِكَ كُلّه كَفّارَةٌ وَاحِدَةٌ.
وَإِنْ حَنِثَ فِي واحِدٍ مِنْ ذَلِكَ، فَلَا شَيْءَ عَلَيْهِ فِيمَا فَعَلَهُ بَعْدَ ذَلِكَ مِمَّا حَلَفَ عَلَيْهِ مَعَهُ (١).
• إنّما قال ذلك؛ لأنَّ هذا إنّما حلف بيمينٍ واحدةٍ على أشياءٍ، فمتى فعل واحداً منها، فعليه كفارةٌ واحدةٌ لا أكثر من ذلك.
وإنَّما وجبت عليه الكفّارة بفعلٍ واحدٍ دون أن يفعل كلّ ما حلف عليه؛ لأنّه قد فعل خلاف ما حلف عليه، والكفارة تجب بوقوع الخلاف، كان في كلِّه أو بعضه، بدلالة قول النبيِّ ﷺ : «وَإِذَا حَلَفْتَ عَلَى يَمِينٍ، فَرَأَيْتَ غَيْرَهَا خَيْرَاً مِنْهَا، فَأْتِ الَّذِي هُوَ خَيْرٌ وَكَفِّرْ عَنْ يَمِينِكَ» (٢)، فأوجب النبيُّ ﷺ بإتيانه خلاف ما حلف عليه الكفّارة، ولم يفصل بين إتيانه كُلَّما حلف عليه أو بعضه، فوجبت عليه الكفّارة بهذا الظاهر.
ولأنه قد عدل إلى خلاف ما حلف عليه، فوجبت عليه الكفّارة.
فإن قيل: لو وجبت عليه الكفّارة لفعله بعض ما حلف عليه، لسقطت عنه الكفّارة لفعله بعض ما حلف عليه أن يفعله، وليس هذا قول مالك (٣)(٤)؟
стр. 772
قيل له: إنّما قال مالك: «إنه لا يبرُّ بفعل ما حلف عليه حتى يفعله كلَّه، ويحنث بفعل بعض ما حلف عليه»؛ لأنَّ البرَّ يشبه التحليل، والحنث يشبه التحريم، وفي الأصول أنَّ التحريم يقع بما لا يقع التحليل به، أعني: أنَّ التحريم مغلظٌ يقع بيسيره، وليس كذلك التحليل.
ألا ترى: أنَّ المرأة تحرم على أبي الإنسان وابنه بالعقد عليها إذا كان صحيحاً؛ لأنّه تحريم، ولا تَحِل المطلقة ثلاثاً لزوجها الأول حتى يتزوَّجها الثاني ويدخل بها؛ لأنَّ هذا تحليل، فاقتضى له من الكمال ما لم يقتضِ للتحريم.
وكذلك المطلق زوجته بعض تطليقةٍ، يلزمه كلها.
وكذلك لو طلَّق بعض زوجته لزمه طلاق كلِّها؛ لأنَّ ذلك كله تحريمٌ، ولو تزوَّج بعضها، لم يكن تحليلاً.
وكذلك إذا اختلط التحريم والتحليل غُلِّبَ التحريم، وذلك كاختلاط لحم الميتة بالمذكَّى، وكاختلاط المرأة المحَرَّمَةِ على الإنسان بعددٍ معلومٍ من النساء، أنّه لا يجوز أن يأكل اللحم المختلط به الميتة، ولا يعقد على الجماعة من النّساء اللاتي فيهن محرمٌ منه.
وكذلك لو طلّق واحدةً من نسائه الأربع، ثمّ نسيها، لم يجز له أن يطأ واحدةً منهنَّ.
فلمّا كان المنع والتحريم مغلَّباً في الأصول يقع كله بوقوع بعضه، كان
стр. 773
كذلك التحليل في اليمين الذي هو البرُّ، لا يقع إلّا بفعل كله، والمنع الذي هو التحريم يقع ببعضه، فوجبت عليه الكفّارة بفعل بعضه.
•••
[٨٩٨] مَسْأَلَةٌ: قَالَ: والثُّنْيَا فِي اليَمينِ لِصَاحِبِهَا مَا لَمْ يَقْطَعْ كَلامَهُ، وَإِنْ سَكَتَ فَلَا ثُّنْيا لَهُ.
وَإِنَّ حَلَفَ وَهُوَ لَا يُرِيدُ الِاسْتِثْناءَ ثُمَّ عَرَضَ ذَلِكَ لَهُ فِي قَلْبِهِ فَأَتْبَعَهُ يَمينَهُ نَسَقًا قَبْلَ أَنْ يَقْطَعَ كَلامَهُ، فَذَلِكَ لَهُ (١).
• إنّما قال ذلك؛ لأنَّ الاستثناء على وجهين:
(إمّا أن يكون لرفع شيءٍ من الجملة المذكورة في اللفظ، مثل قوله: جاءني القوم إلّا زيد (٢).
(أو لرفع حكم الجملة كلِّها، حتى يصير كأنه غير حالفٍ البتة، أعني: في أنّه لا كفّارة عليه متى فعل الشّيء الذي حلف عليه إذا استثنى متصلاً بكلامه.
стр. 774
فمتى لم يكن ذلك متصلاً بكلامه، لم يكن رافعاً لبعض الجملة في اللفظ، ولا لكلِّها في الحكم، واحتمل أن يكون مبتدئاً لقوله: «إن شاء الله».
وقد رَوَى حماد بن زيد، عن أيوب، عن نافع، عن ابن عمر، عن النبيِّ ﷺ أنّه قال: «مَنْ حَلَفَ فَاسْتَثْنَى، رَجَعَ غَيْرَ حَانِثٍ، وَإِنْ شَاءَ فَعَلَ، وَإِنْ شَاءَ تَرَكَ» (١).
ورواه مالك، عن نافع، عن ابن عمر موقوفاً (٢).
والحديث الذي رُوِيَ أنَّ النبيَّ ﷺ قال: «وَاللهِ لَأَغْزُوَنَّ قُرَيْشاً، ثُمَّ سَكَتَ سَاعَةً، ثُمَّ قَالَ: إِنْ شَاءَ اللهُ» (٣)، فهو مرسلٌ غير صحيح المخرج أيضاً، ويحتمل أن يكون استثناؤه هاهنا هو الذي أُمِر به من قوله : ﴿وَلَا تَقُولَنَّ لِشَيْءٍ إِنِّي فَاعِلٌ ذَلِكَ غَدًا (٢٣) إِلَّا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ﴾ [الكهف:٢٣ - ٢٤] وليس هو استثناء التحليل.
وما رُوِيَ عن ابن عباسٍ أنّه يستثنى بعد سنةٍ فغير صحيحٍ، رواه الأعمش، عن ليث ابن أبي سليم، عن مجاهد، عن ابن عباس (٤)، وليثٌ ليِّن الحديث.
ولو جاز أن يستثني بعد سنةٍ، لجاز أن يستثني بعد سنتين وأكثر، إذ لا شيء
стр. 775
يمنع من أن يقول ذلك قائلٌ، فلمّا لم يكن من السَّنَةِ وأكثر منها فرقٌ، ثمَّ لم يجز أكثر من سنةٍ، فكذلك السَّنة.
ولو جاز الاستثناء بعد اليمين بمدةٍ، لبيَّن النبيُّ ﷺ ذلك لأمته، ولعرَّفهم ذلك، لأنّه أخف عليهم من الكفّارة التي هي غرم مالٍ وفعل بدنٍ وهو الصّوم الذي يشق عليهم.
•••
[٨٩٩] مَسْأَلَةٌ: قَالَ: وَمَن حَلَفَ بِيَمينٍ فَقَالَ: «إِنْ شَاءَ اللَّهُ»:
(فَهُوَ ثُنْيَا: إِنْ كَانَ أَرَادَ بِهَا الثُّنْيَا.
(وَإِنْ كَانَ لَمْ يُرِدْ بِهَا الثُّنْيَا: فَلَيْسَتْ ثُّنْيَا.
وَمِن اسْتَثْنَى فِي يَمينِهِ فَقَالَ: «إِنْ شَاءَ اللَّهُ»، فَهُوَ بِالْخِيَارِ: إِنْ شَاءَ أَنْ يَفْعَلَ فَعَلَ، وَإِنْ شَاءَ أَنْ لَا يَفْعَلَ فَلَا يَفْعَل، وَلَيْسَ عَلَيْهِ فِي ذَلِكَ كُلّهِ كَفّارَةٌ (١).
• إنّما قال: «إنَّ الثنيا إنّما تكون استثناءً في اليمين متى أراد بها حل اليمين، ومتى لم يرد بها حل ذلك، لم تكن حلاً لها»؛ لأنَّ الاستثناء عملٌ من أعمال البدن الذي يحتاج فيه إلى نيَّةٍ، كاليمين الذي يحتاج فيها إلى عقدٍ ونيةٍ، فوجب أن يكون بنيةٍ، لقول رسول الله ﷺ : «إِنَّمَا الأَعْمَالُ بِالنِّيَّاتِ، ولِكُلِّ امْرِئٍ مَا نَوَى» (٢).