← Фикх малики

Фикх малики · id 1326

شرح المختصر الكبير للأبهري

الأبهري

Полный текст (2 801 стр.). Показаны 771–810 · переход к 776.

стр. 771

لَا يَلْبَسَ ثَوْبَاً، وَلَا يَرْكَبَ دَابَّةً، وَلَا يُكَلِّمَ أَحَدًا»، فَإِنَّمَا عَلَيْهِ فِي ذَلِكَ كُلّه كَفّارَةٌ وَاحِدَةٌ. وَإِنْ حَنِثَ فِي واحِدٍ مِنْ ذَلِكَ، فَلَا شَيْءَ عَلَيْهِ فِيمَا فَعَلَهُ بَعْدَ ذَلِكَ مِمَّا حَلَفَ عَلَيْهِ مَعَهُ (١). • إنّما قال ذلك؛ لأنَّ هذا إنّما حلف بيمينٍ واحدةٍ على أشياءٍ، فمتى فعل واحداً منها، فعليه كفارةٌ واحدةٌ لا أكثر من ذلك. وإنَّما وجبت عليه الكفّارة بفعلٍ واحدٍ دون أن يفعل كلّ ما حلف عليه؛ لأنّه قد فعل خلاف ما حلف عليه، والكفارة تجب بوقوع الخلاف، كان في كلِّه أو بعضه، بدلالة قول النبيِّ ﷺ : «وَإِذَا حَلَفْتَ عَلَى يَمِينٍ، فَرَأَيْتَ غَيْرَهَا خَيْرَاً مِنْهَا، فَأْتِ الَّذِي هُوَ خَيْرٌ وَكَفِّرْ عَنْ يَمِينِكَ» (٢)، فأوجب النبيُّ ﷺ بإتيانه خلاف ما حلف عليه الكفّارة، ولم يفصل بين إتيانه كُلَّما حلف عليه أو بعضه، فوجبت عليه الكفّارة بهذا الظاهر. ولأنه قد عدل إلى خلاف ما حلف عليه، فوجبت عليه الكفّارة. فإن قيل: لو وجبت عليه الكفّارة لفعله بعض ما حلف عليه، لسقطت عنه الكفّارة لفعله بعض ما حلف عليه أن يفعله، وليس هذا قول مالك (٣) (٤)؟

стр. 772

قيل له: إنّما قال مالك: «إنه لا يبرُّ بفعل ما حلف عليه حتى يفعله كلَّه، ويحنث بفعل بعض ما حلف عليه»؛ لأنَّ البرَّ يشبه التحليل، والحنث يشبه التحريم، وفي الأصول أنَّ التحريم يقع بما لا يقع التحليل به، أعني: أنَّ التحريم مغلظٌ يقع بيسيره، وليس كذلك التحليل. ألا ترى: أنَّ المرأة تحرم على أبي الإنسان وابنه بالعقد عليها إذا كان صحيحاً؛ لأنّه تحريم، ولا تَحِل المطلقة ثلاثاً لزوجها الأول حتى يتزوَّجها الثاني ويدخل بها؛ لأنَّ هذا تحليل، فاقتضى له من الكمال ما لم يقتضِ للتحريم. وكذلك المطلق زوجته بعض تطليقةٍ، يلزمه كلها. وكذلك لو طلَّق بعض زوجته لزمه طلاق كلِّها؛ لأنَّ ذلك كله تحريمٌ، ولو تزوَّج بعضها، لم يكن تحليلاً. وكذلك إذا اختلط التحريم والتحليل غُلِّبَ التحريم، وذلك كاختلاط لحم الميتة بالمذكَّى، وكاختلاط المرأة المحَرَّمَةِ على الإنسان بعددٍ معلومٍ من النساء، أنّه لا يجوز أن يأكل اللحم المختلط به الميتة، ولا يعقد على الجماعة من النّساء اللاتي فيهن محرمٌ منه. وكذلك لو طلّق واحدةً من نسائه الأربع، ثمّ نسيها، لم يجز له أن يطأ واحدةً منهنَّ. فلمّا كان المنع والتحريم مغلَّباً في الأصول يقع كله بوقوع بعضه، كان

стр. 773

كذلك التحليل في اليمين الذي هو البرُّ، لا يقع إلّا بفعل كله، والمنع الذي هو التحريم يقع ببعضه، فوجبت عليه الكفّارة بفعل بعضه. ••• [٨٩٨] مَسْأَلَةٌ: قَالَ: والثُّنْيَا فِي اليَمينِ لِصَاحِبِهَا مَا لَمْ يَقْطَعْ كَلامَهُ، وَإِنْ سَكَتَ فَلَا ثُّنْيا لَهُ. وَإِنَّ حَلَفَ وَهُوَ لَا يُرِيدُ الِاسْتِثْناءَ ثُمَّ عَرَضَ ذَلِكَ لَهُ فِي قَلْبِهِ فَأَتْبَعَهُ يَمينَهُ نَسَقًا قَبْلَ أَنْ يَقْطَعَ كَلامَهُ، فَذَلِكَ لَهُ (١). • إنّما قال ذلك؛ لأنَّ الاستثناء على وجهين: (إمّا أن يكون لرفع شيءٍ من الجملة المذكورة في اللفظ، مثل قوله: جاءني القوم إلّا زيد (٢). (أو لرفع حكم الجملة كلِّها، حتى يصير كأنه غير حالفٍ البتة، أعني: في أنّه لا كفّارة عليه متى فعل الشّيء الذي حلف عليه إذا استثنى متصلاً بكلامه.

стр. 774

فمتى لم يكن ذلك متصلاً بكلامه، لم يكن رافعاً لبعض الجملة في اللفظ، ولا لكلِّها في الحكم، واحتمل أن يكون مبتدئاً لقوله: «إن شاء الله». وقد رَوَى حماد بن زيد، عن أيوب، عن نافع، عن ابن عمر، عن النبيِّ ﷺ أنّه قال: «مَنْ حَلَفَ فَاسْتَثْنَى، رَجَعَ غَيْرَ حَانِثٍ، وَإِنْ شَاءَ فَعَلَ، وَإِنْ شَاءَ تَرَكَ» (١). ورواه مالك، عن نافع، عن ابن عمر موقوفاً (٢). والحديث الذي رُوِيَ أنَّ النبيَّ ﷺ قال: «وَاللهِ لَأَغْزُوَنَّ قُرَيْشاً، ثُمَّ سَكَتَ سَاعَةً، ثُمَّ قَالَ: إِنْ شَاءَ اللهُ» (٣)، فهو مرسلٌ غير صحيح المخرج أيضاً، ويحتمل أن يكون استثناؤه هاهنا هو الذي أُمِر به من قوله : ﴿وَلَا تَقُولَنَّ لِشَيْءٍ إِنِّي فَاعِلٌ ذَلِكَ غَدًا (٢٣) إِلَّا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ﴾ [الكهف:٢٣ - ٢٤] وليس هو استثناء التحليل. وما رُوِيَ عن ابن عباسٍ أنّه يستثنى بعد سنةٍ فغير صحيحٍ، رواه الأعمش، عن ليث ابن أبي سليم، عن مجاهد، عن ابن عباس (٤)، وليثٌ ليِّن الحديث. ولو جاز أن يستثني بعد سنةٍ، لجاز أن يستثني بعد سنتين وأكثر، إذ لا شيء

стр. 775

يمنع من أن يقول ذلك قائلٌ، فلمّا لم يكن من السَّنَةِ وأكثر منها فرقٌ، ثمَّ لم يجز أكثر من سنةٍ، فكذلك السَّنة. ولو جاز الاستثناء بعد اليمين بمدةٍ، لبيَّن النبيُّ ﷺ ذلك لأمته، ولعرَّفهم ذلك، لأنّه أخف عليهم من الكفّارة التي هي غرم مالٍ وفعل بدنٍ وهو الصّوم الذي يشق عليهم. ••• [٨٩٩] مَسْأَلَةٌ: قَالَ: وَمَن حَلَفَ بِيَمينٍ فَقَالَ: «إِنْ شَاءَ اللَّهُ»: (فَهُوَ ثُنْيَا: إِنْ كَانَ أَرَادَ بِهَا الثُّنْيَا. (وَإِنْ كَانَ لَمْ يُرِدْ بِهَا الثُّنْيَا: فَلَيْسَتْ ثُّنْيَا. وَمِن اسْتَثْنَى فِي يَمينِهِ فَقَالَ: «إِنْ شَاءَ اللَّهُ»، فَهُوَ بِالْخِيَارِ: إِنْ شَاءَ أَنْ يَفْعَلَ فَعَلَ، وَإِنْ شَاءَ أَنْ لَا يَفْعَلَ فَلَا يَفْعَل، وَلَيْسَ عَلَيْهِ فِي ذَلِكَ كُلّهِ كَفّارَةٌ (١). • إنّما قال: «إنَّ الثنيا إنّما تكون استثناءً في اليمين متى أراد بها حل اليمين، ومتى لم يرد بها حل ذلك، لم تكن حلاً لها»؛ لأنَّ الاستثناء عملٌ من أعمال البدن الذي يحتاج فيه إلى نيَّةٍ، كاليمين الذي يحتاج فيها إلى عقدٍ ونيةٍ، فوجب أن يكون بنيةٍ، لقول رسول الله ﷺ : «إِنَّمَا الأَعْمَالُ بِالنِّيَّاتِ، ولِكُلِّ امْرِئٍ مَا نَوَى» (٢).

стр. 776

فمتى لم يرد بها حل اليمين التي قد عقدها بنيةٍ، لم تكن كذلك، وإذا أراد بها حل اليمين، كانت كذلك. وقوله: «إنه إذا استثنى فهو بالخيار، إن شاء، فعل وإن شاء ترك»، فلِمَا رُوِّيناه عن رسول الله ﷺ أنّه قال ذلك (١). ••• [٩٠٠] مَسْأَلَةٌ: قَالَ: وَلَا ثُنْيَا فِي يَمينٍ إِلَّا فِي اليَمينِ بِاللَّهِ جَلَّ وَعَزَّ وَحْدَهَا، فَإِنَّ الثُّنْيَا فِيهَا، وَلَا ثُنْيَا فِيمَا سِوَاهَا، وَذَلِكَ أَنْ يَقُولَ عَلَى إِثْرِ يَمينِهِ: «إِنْ شَاءَ اللَّهُ»، فَذَلِكَ لَهُ فِي اليَمِينِ بِاللَّهِ وَحْدهَا (٢). • إنّما قال ذلك؛ لأنَّ النبيَّ ﷺ ، قال: «مَنْ حَلَفَ بِاللهِ، ثُمَّ اسْتَثْنَى، فَقَدْ رَجَعَ غَيْرَ حَانِثٍ» (٣)، فكان ذكر الاستثناء في اليمين إنّما هو في اليمين بالله تعالى دون غيرها من الأيمان، ولم يجز تعدِّي ذلك إلى غيرها بغير دليلٍ، فهذا من جهة الأثر. فأمّا من جهة القياس: فلمَّا كان الطلاق والعتق لا تحله الكفّارة التي هي العتق والإطعام والكسوة، وهي أقوى فعلاً وأغلظ على النفوس من الاستثناء الذي هو القول، لم يحل ذلك الاستثناء الذي هو القول؛ لأنَّ ما لم يحلّه الأوكد، كان أن لا يحله الأضعف أولى.

стр. 777

ولو جاز فيهما الاستثناء، لبيَّن النبيُّ ﷺ ذلك نصَّاً أو نبَّه عليه؛ لأنَّه أخف على الناس، إذ هو القول من وقوع الفعل بهم من الطلاق والعتاق. ••• [٩٠١] مَسْأَلَةٌ: قَالَ: وَمَن حَلَفَ عَلَى يَمينٍ فَقَالَ: «عِلْمِي»، وَذَلِكَ عِلْمُهُ حِينَ حَلَفَ، ثُمَّ تَبَيَّنَ لَهُ أَنَّهُ عَلَى غَيْرِ مَا حَلَفَ عَلَيْهِ، فَلَا شَيْءَ عَلَيْهِ (١). • إنّما قال ذلك؛ لأنّه علق اليمين بوصفٍ ما وهو علمه، فإذا كانت يمينه على ما حلف عليه وقصده ثمّ تبين أَنَّهَا على غير ما حلف عليه، لم يكن عليه شيءٌ؛ لأنّه لم يحنث فيها. ولأنَّ حلافه على ما حلف عليه هو كحلافه في اللغو في اليمين، وقد ذكرناه (٢). ••• [٩٠٢] مَسْأَلَةٌ: قَالَ: وَمَن حَلَفَ بِيَمينٍ بِاللَّهِ ، فَهُوَ بِالْخِيَارِ فِي كَفّارَةِ ذَلِكَ: (إِنْ شَاءَ أَطْعَمَ عَشَرَةَ مَسَاكِينَ وَسَطَاً مِنَ الشّبَعِ، يَقْسِمُ ذَلِكَ

стр. 778

بَيْنَهُمْ، قَمْحَاً يَكونُ كفَافَاً لَهُمْ: غَداءٌ، وَعَشَاءٌ، قِسْمَةٌ سَواءٌ، وَذَلِكَ بِالْمَدِينَةِ مُدّاً بِمُدِّ النَّبيِّ ﷺ ، وَبِاَلْأَمْصارِ وَسَطًا مِنْ شبعِهِمْ (١) (٢). [٩٠٣] مَسْأَلَةٌ: قَالَ: وَلَا يُطْعِمُ مِنْ ذَلِكَ إِلَّا مُؤْمِنَاً حُرَّاً. (قَالَ: وَإِنْ شَاءَ أَعْتَقَ رَقَبَةً مُؤْمِنَةً، لَيْسَ فِيهَا شِرْكٌ وَلَا عَتاقَةٌ وَلَا كِتابَةٌ وَلَا تَدْبِيرٌ. (وَإِنْ شَاءَ كَسَا المَسَاكينَ العَشَرَةَ: - فَإِنْ كَانُوا رِجَالًا، فَثَوْب ثَوْب لِكُلِّ مِسْكينٍ. - وَإِنْ كَانُوا نِسَاءً، فَدِرْعٌ وَخِمَارٌ لِكُلِّ امْرَأَةٍ مِنْهُنَّ. وَهُوَ فِي هَذِهِ الثَّلاثَةِ الأَشْياءِ بِالْخِيَارِ، أَيّ ذَلِكَ شَاءَ أَنْ يَفْعَلَ فَعَلَ. فَإِنْ لَمْ يَقْوَ عَلَى شَيْءٍ مِنْ ذَلِكَ، فَلْيَصُمْ ثَلاثَةَ أَيّامٍ وَيُتابِعُها، فَإِن صَامَهَا وَفَرَّقَهَا أَجْزَأَتْ عَنْهُ، فَهَذَا كَفّارَةُ اليَمينِ لِمَنْ حَلَفَ (٣). • إنّما قال ذلك؛ لأنَّ الله قال: ﴿وَلَكِنْ يُؤَاخِذُكُمْ بِمَا عَقَّدْتُمُ الْأَيْمَانَ﴾، يعني: إذا حنثتم، ﴿فَكَفَّارَتُهُ إِطْعَامُ عَشَرَةِ مَسَاكِينَ مِنْ أَوْسَطِ مَا تُطْعِمُونَ

стр. 779

أَهْلِيكُمْ أَوْ كِسْوَتُهُمْ أَوْ تَحْرِيرُ رَقَبَةٍ فَمَنْ لَمْ يَجِدْ فَصِيَامُ ثَلَاثَةِ أَيَّامٍ ذَلِكَ كَفَّارَةُ أَيْمَانِكُمْ إِذَا حَلَفْتُمْ﴾ [المائدة:٨٩]، فخيَّر الله تعالى الحالف إذا حنث في أحد هذه الثلاثة الأشياء، أيها شاء فعل، موسراً كان أو معسراً. فإن لم يجد أحدٌ هذه الثلاثة الأشياء، صام ثلاثة أيامٍ على ما ذكر الله ، مفرَّقةً كانت أو متواليةً. فأمّا الإطعام، فالدليل على تقديره دون ما يقع عليه الاسم، قوله : ﴿مِنْ أَوْسَطِ مَا تُطْعِمُونَ أَهْلِيكُمْ﴾، فلمَّا قال: ﴿أَوْسَطِ﴾، دلَّ على أنّه مقدرٌ وليس بمطلقٍ، ولا أنَّه أراد إشباعهم أيضاً كما أريد في غير هذه الكفّارة، وقد أمر النبيُّ ﷺ بالإطعام لمن أفطر في شهر رمضان مدّاً مدّاً لكلِّ مسكينٍ (١)، فكانت كفّارة اليمين كذلك. وكذلك الكسوة يجب أن تكون مقدَّرةً بأدنى ما تجزئ فيها الصلاة؛ لأنَّ

стр. 780

ذلك أدنى ما يكفي الإنسان في أداء فرضه، وهو ثوبٌ لكل رجلٍ، ودرعٌ وخمارٌ لكل امرأةٍ، فلم يجز الاقتصار على أدنى ما يقع عليه اسم الكسوة، كما لم يجز الاقتصار في الإطعام على أدنى ما يقع عليه الاسم، حتى يكون ذلك كافياً للمطعَمِ في يومه. ولَمَّا أطلق الله سبحانه نفقة الزوجات وكسوتهن، ثمّ قدَّرناها نحن ومخالفنا (١) لحاجة المرأة إلى ذلك، ولم يقتصر على ما يقع عليه الاسم، فكذلك كفّارة اليمين مثلها؛ لحاجة الفقير إلى ذلك. ولئن جاز أن يعتبر مخالفنا مقدار النفقة على الزوجات من مقدار الإطعام في الكفارات، جاز أن يعتبر غيره مقدار كسوة الفقير من مقدار كسوة الزوجة في أنّه لا يجوز الاقتصار على أقل ما يقع عليه الاسم. فأمّا العتق: فيجب أن تكون الرقبة مؤمنةً؛ لأنّها واجبةٌ في الكفّارة في اليمين بالله كوجوبها في كفّارة القتل، فلمَّا شرط الله الإيمان في كفّارة القتل، كان كذلك كلّ عتقٍ في كفارةٍ واجبةٍ مثلها في الإيمان، وكذلك في كفّارة الظهار واليمين. وقوله: «ولا عتاقة فيها، ولا كتابة ولا تدبير»، فإنَّ هذه الأشياء هي عقود حريةٍ قد ثبت لها، والذي أمره الله تعالى بتحرير رقبةٍ مبتدأٍ بها من غير ثبوت عقد حريةٍ فيها على وجهٍ ما.

стр. 781

ومما يدل على وجوب أن تكون الرقبة في كفّارة اليمين بالله وكفارة الظهار مؤمنةً، هو أنَّ الله سبحانه ذكر العدالة في الرجعة وشرطها في الشهود، ولم يذكر في المداينة وغيرها من الشهادات، ثمّ كانت كلّ شهادةٍ كذلك في وجوب العدالة في الشهود، لأنَّ الشّهادة هي للتوثق بها، وثبوت ما يدعيه المدعي، وليس يثبت ذلك بغير العدول، فكذلك وجوب الإيمان في الرقبة، في كلّ كفارةٍ كهو في كفّارة القتل، لاجتماعهما في أنهما كفارةٌ واحدةٌ. ولأنَّ العتق في الكافر قد يبطل أيضاً، وهو أن يلحق بدار الحرب ثمّ يُسبى فيصير عبداً لمن سباه أو لجملة الغانمين، فيبطل العتق الذي جعله الله سبحانه من أحد الأشياء التي تُكَفَّر بها اليمين. وكذلك لا نحب أن تكون الرقبة معيبةً، كالعمياء والعرجاء والمقطوعة العضو؛ لأنَّ ذلك نقصٌ فيها، والله سبحانه أمره بعتق رقبةٍ سليمةٍ غير معيبةٍ. ولأنَّ هذه العيوب تقطعها عن التّصرف في معاشها، فلا تستغني بعتقها عما كان سيدها يمونها بالرقِّ، ويكون في عتقها إذا كانت كذلك ضررٌ عليها، والله سبحانه إنّما أراد نفعها بذلك، ولا خلاف نعلمه بين علماء الأمصار أنَّ عتق العمياء والمقطوعة اليدين أو الرجلين، وأشباه ذلك غير جائزٍ. ••• [٩٠٤] مَسْأَلَةٌ: قَالَ: وَلَا يُخْرِجُ فِي كَفّارَةِ اليَمينِ شَعِيرَاً، إِلَّا أَنْ يَكُونَ ذَلِكَ طَعَامُ اَلَّذِي (١)

стр. 782

يُخْرِجُهُ (١). • إنّما قال ذلك؛ لأنَّ الله قال: ﴿مِنْ أَوْسَطِ مَا تُطْعِمُونَ أَهْلِيكُمْ﴾، فأوجب عليه أن يخرج ما يُطْعِمُ أهْلَهُ ويأكُلُهُ دون غيره. ولا يجوز له أن يخرج غيره إذا كان أدنى منه، ويجوز إذا كان أفضل؛ لأنّه قد أتى بالواجب عليه وأكثر، وذلك بمنزلة ما لو كسا المساكين أكثر مما عليه أن يكسوهم. ••• [٩٠٥] مَسْأَلَةٌ: قَالَ: وَلَا يُطْعِمُ فِي ذَلِكَ سَوِيقَاً (٢)، وَلَا تَمْرَاً، وَلَا دَقِيقَاً، وَلَا دُخْنَاً (٣)، وَلَا قِطْنِيَّةً (٤) (٥).

стр. 783

• إنّما قال ذلك، إذا لم يكن التمر قوته، فأمّا إذا كان قوته فجاز أن يُطعم منه. وكذلك القطنيه إذا لم تكن قوته، لم يجز أن يطعم منها؛ لأنّه إنّما أُمِر أن يطعم مما يأكل هو وأهله على ما ذكرناه. فأمَّا السويق والدقيق: فإنَّ كيله ينقص عن كيل الحنطة؛ لأنَّ السويق يزيد عن كيل الحنطة، وكذلك الدقيق، فعليه أن يخرج ذلك حبّاً كما عليه ذلك في زكاة الفطر؛ لأنَّ الحبَّ أعم نفعاً من السويق والدقيق؛ لأنّه يصلح للسويق والدقيق وغيره، وليس كذلك السويق والدقيق، فوجب أن يخرج مما تعم منفعته المسكين به. وإن أطعم المساكين خبزاً أجزأه؛ لأنَّ الخبز طريقه الوزن، فإذا أطعمه ما يكفيه جاز في يومه وليلته. وإذا أخرج ما يكال، أخرج الحبَّ دون ما حدث عن الحبَّ، كالدقيق والسويق. ••• [٩٠٦] مَسْأَلَةٌ: قَالَ: وَمَن وَجَبَتْ عَلَيْهِ كَفّاراتٌ ثَلاثٌ، فَأَرَادَ أَنْ يَقْسِمَهَا عَلَى عَشَرَةِ مَسَاكِينَ، فَلَا يُعْطِي إِلَّا مُدّاً مُدّاً لِكُلِّ مِسْكِينٍ (١). • إنّما قال ذلك؛ لأنَّ الله قال: ﴿فَكَفَّارَتُهُ إِطْعَامُ عَشَرَةِ مَسَاكِينَ﴾

стр. 784

فجعل الله تعالى لكل مسكينٍ جزءاً من عشرة أجزاء من كلّ كفارةٍ، فلا يجوز أن يزاد على ذلك، كما لا يجوز أن ينقص منه. ولهذا المعنى قال مالك: «لا يجوز أن يقتصر في الكفّارة على إطعام عشرة مساكين»؛ لإيجاب الله تعالى ذلك واشتراطه عدد المساكين، فكما لا يجوز أن يزاد على عددهم في الإطعام؛ لأنَّ ذلك ضررٌ يدخل على العشرة الذين شركوا، فكذلك لا يجوز أن ينقص العشرة في الإطعام؛ لأنَّ ذلك ضررٌ يدخل عليهم، فلمَّا لم تجز الزيادة على عددهم لدخول الضرر على العشرة ونقصان ما يأخذونه، كان أن لا يمنع بعض العشرة من الكفّارة أولى. فإن قيل (١): إنَّ المسكين الواحد إذا كرَّر عليه الإطعام، فهو بمنزلة عشرة مساكين أن لو أُطْعِموا؟ قيل له: لو كان كذلك، لكان الشاهد إذا كرر الشّهادة، بمنزلة شاهدين في جواز الحكم بها، وهذا غلطٌ؛ لأنَّ عين الشاهد الأول غير الثاني، فكلّ عين كلّ مسكينٍ غير عين صاحبه، ولا ينوب أحدهما عن الآخر، كما لم تنب شهادة شاهدٍ عن شاهدٍ. وكما لم يجز تجاوز عدد عشرة مساكين في الإطعام، كذلك لا يجوز تجاوز مسكينٍ واحدٍ في المقدار. وكما لا يجوز ذلك في الوصايا إذا أوصى لعشرة مساكين بعشرة أمدادٍ أن

стр. 785

يعطى واحدٌ العشرة الأمداد في أوقاتٍ مختلفةٍ، فكذلك لا يجوز ذلك في كفّارة اليمين، والله أعلم. ••• [٩٠٧] مَسْأَلَةٌ: قَالَ: وَمَن حَلَفَ فَحَنِثَ قَبْلَ أَنْ يُكَفِّرَ، أَوْ كَفَّرَ قَبْل ثُمَّ حَنِثَ، فَذَلِكَ كُلُّهُ مُجْزِئٌ عَنْهُ فِي اليَمينِ بِاللَّهِ وَحْدَهَا. وَلَا يَكونُ ذَلِكَ إِلَّا فِي اليَمينِ بِاللَّهِ وَحْدَهَا، فَأَمَّا غَيْرهَا، فَلَا كَفّارَةَ إِلَّا بَعْدَ الحِنْثِ (١). • إنّما قال ذلك؛ لأنَّ النبيَّ ﷺ قد رُوِيَ عنه جواز الكفّارة قبل الحنث وبعد الحنث. فرَوَى يونس بن عبيد وغيره، عن الحسن، عن عبد الرحمن بن سمرة، عن النبيِّ ﷺ أنّه قال: «وَإِذَا حَلَفْتَ عَلَى يَمِينٍ فَرَأَيْتَ غَيْرَهَا خَيْرَاً مِنْهَا، فَأْتِ الَّذِي هُوَ خَيْرٌ وَكَفِّرْ عَنْ يَمِينِكَ» (٢). ورَوَى مالكٌ، عن سهيل بن أبي صالح، عن أبيه، عن أبي هريرة، عن النبيِّ ﷺ أنّه قال: «مَنْ حَلَفَ عَلَى يَمِينٍ فَرَأَى غَيْرَهَا خَيْرَاً مِنْهَا، فَلْيُكَفِّرْ عَنْ يَمِينِه وَلْيَأْتِ الَّذِي هُوَ خَيْرٌ» (٣).

стр. 786

فجازت الكفّارة في اليمين بالله جَلَّ وَعَزَّ قبل الحنث وبعده بهذه الأخبار الصحاح عن رسول الله ﷺ . فأمّا وجه جوازها قبل الحنث من جهة النظر: فلأنَّ عقد اليمين لمّا كان يحله الاستثناء إذا كان متصلاً باليمين على ما بيَّنَّاه، وإنما هو قولٌ، كانت الكفّارة بأن تحل عقد اليمين أولى؛ لأنّها أقوى؛ لأنَّ الكفّارة ترفع حكم الحنث حتى كأنه لم يكن، وكذلك ترفع حكم العقد حتى كأنه لم يكن، ثمّ كان الاستثناء جائزاً بعد العقد وقبل إذا كان متَّصلاً به، جازت الكفّارة مثله. فإن قيل: إنَّ كفّارة اليمين بمنزلة الزكاة، فلمّا لم يجز تقدُّمه الزكاة عندك قبل حلول الحول، فكذلك يجب أن تكون الكفّارة لا يجوز تقدمتها قبل الحنث (١)؟ قيل له: الزكاة لمّا كان وجوبها معلَّقاً بوقتٍ معلومٍ، لم يجز تقدمتها قبله، كما لا يجوز ذلك في الصلاة والصيام، ولَمَّا كان وقت الكفّارة غير معلَّقٍ بوقتٍ، وإنما هو على حسب ما يريده المكفر من الحنث، كان فعلها جائزاً قبل الحنث وبعده. فأمّا كفّارة الظهار: فإنها تجب قبل المسيس؛ لشرط الله إياها كذلك. وأمّا جزاء الصيد الذي هو كفارةٌ: فهي تجب أيضاً بعد القتل لا قبله. وكذلك كفّارة الأذى: تجب بعد حلق الرأس وفعل أشباهه من اللبس والطيب؛ لأنَّ الله أوجبها كذلك، ولا خلاف فيه أيضاً نعلمه.

стр. 787

وقد رَوَى ابن عيينة، حدثنا أبو الزهراء (١)، عن عمه أبي الأحوص (٢)، عن أبيه (٣) قال: قال رسول الله ﷺ : «كَفِّرْ عَنْ يَمِينِكَ وَأْتِ الَّذِي هُوَ خَيْرٌ» (٤). ورَوَى سفيان، عن أيوب، عن أبي قلابة، عن زَهْدَمْ (٥)، عن أبي موسى، عن النبيِّ ﷺ مثله (٦). وهو قول عائشة ﵂، وابن عباسٍ، وابن مسعودٍ، وابن الزبير، وأبي أيوبٍ، وسلمان، وحذيفة، وأبي مسعودٍ، وأبي موسى الأشعري، وأبي الدرداء، وخلقٍ كثير من التابعين ﵃. ••• [٩٠٨] مَسْأَلَةٌ: قَالَ: وَلَا بَأْسَ أَنْ يُطْعِمَ مِنْهَا المُرْضَعَ إِذَا كَانَ قَدْ أَكَلَ الطَّعامَ، وَلَا يَخُصُّ بِهَا الرَّجُلُ أَحَدَاً مِنْ قَرابَتِهِ (٧).

стр. 788

• إنّما قال ذلك؛ لأنَّ المرضَعَ إذا كان قد أكل الطعام وكان فقيراً، فهو من جملة المساكين الذين أمر الله تعالى بإطعامهم بقوله: ﴿إِطْعَامُ عَشَرَةِ مَسَاكِينَ﴾، فلا فصل في ذلك بين صغيرٍ وكبيرٍ، كما لا فصل في ذلك بين الزكاة بين صغيرٍ وكبيرٍ في جواز دفع ذلك إليه. وقوله: «لا يخص الرّجل بها قرابته»، فإنّه يعني: الذين لا تلزمه نفقتهم؛ لأنّه كأنَّه يقصد هوى نفسه في دفع ذلك إليهم، فيستحب له أن يدفع ذلك إليهم وإلى غيرهم، وكذلك يستحب في الزكاة. فأمّا من تلزمه نفقته من قرابته، فلا يجوز له دفع ذلك إليهم، كما لا يجوز دفع الزكاة إليهم؛ لأنهم يستغنون بالنفقة عليهم عما يُعْطَون من الزكاة والكفارة، ولأنه يكون كأنه دفع ذلك إلى نفسه وانتَفَعَ بها، وذلك غير جائزٍ. ••• [٩٠٩] مَسْأَلَةٌ: قَالَ: وَمَن حَرَّمَ عَلَيْهِ طَعَامَاً أَوْ شَرابَاً أَوْ أَمَةً، فَذَلِكَ كُلُّهُ لَا كَفّارَةَ عَلَيْهِ فِيهِ، وَهُوَ حَلَالٌ لَهُ (١). • إنّما قال ذلك؛ لأنَّ الله قال: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تُحَرِّمُوا طَيِّبَاتِ مَا أَحَلَّ اللَّهُ لَكُمْ وَلَا تَعْتَدُوا﴾ [المائدة:٨٧]، وقال سبحانه: ﴿قُلْ أَرَأَيْتُمْ مَا أَنْزَلَ

стр. 789

اللَّهُ لَكُمْ مِنْ رِزْقٍ فَجَعَلْتُمْ مِنْهُ حَرَامًا وَحَلَالًا قُلْ آللَّهُ أَذِنَ لَكُمْ أَمْ عَلَى اللَّهِ تَفْتَرُونَ﴾ [يونس:٥٩]. فإن قيل: قد قال الله جَلَّ وَعَزَّ لنبيه ﷺ حين حرم جاريته: ﴿يَاأَيُّهَا النَّبِيُّ لِمَ تُحَرِّمُ مَا أَحَلَّ اللَّهُ لَكَ تَبْتَغِي مَرْضَاتَ أَزْوَاجِكَ﴾ [التحريم:١]، ثمّ قال سبحانه: ﴿قَدْ فَرَضَ اللَّهُ لَكُمْ تَحِلَّةَ أَيْمَانِكُمْ﴾ [التحريم:٢] (١)؟ قيل له: إنَّ النبيَّ ﷺ حلف أن لا يطأ مارية (٢)، فأُمِر بالكفارة من أجل اليمين، لا من أجل التحريم بغير اليمين، ألا ترى إلى قوله : ﴿قَدْ فَرَضَ اللَّهُ لَكُمْ تَحِلَّةَ أَيْمَانِكُمْ﴾، فعُلِم أنَّ التحلة كانت ليمينٍ تقدَّمت. ولَمَّا لم يكن محرماً للطعام والشراب والثياب إذا حرَّم ذلك على نفسه عند مخالفنا وهو الشافعي ولا كفّارة عليه في ذلك (٣)، فكذلك يجب أن يكون غير محرِّمٍ لأمَتِهِ بهذا القول ولا كفّارة عليه في ذلك. فإن قيل: إنَّ الأَمَة قد تحرم عليه بالعتق، فيجب أن تلزمه الكفّارة بالتحريم (٤)؟

стр. 790

قيل له: وكذلك يحرم الانتفاع بالطعام والشراب والثياب متى تصدق بها وأخرجها عن ملكه، ثمّ لا تلزمه الكفّارة في تحريمها بغير يمينٍ عندك، فكذلك يجب أن تكون الأمة مثل ذلك، لا تلزمه الكفّارة في تحريمها، وإن كانت تحرم بالعتق. فإن قيل: إنَّ قوله: «أنتِ حرامٌ»، لو أراد به عتقاً لحرمت عليه، كما تحرم الزوجة عليه بهذا القول، وليس كذلك الطعام والشراب والثياب، فافترقا لهذه العلة (١)؟ قيل له: وكذلك لو أراد بهذا القول في الطعام والشراب والثياب الصدقة وتحريمه على نفسه، كان كذلك، ثمّ لم تجب فيه الكفّارة إذا حرمه. فإن قيل: إنَّ تحريم الأمة لمّا كان إذا أراد به العتق كان عتقاً، فكذلك يجب إذا أراد به يميناً أن يكون كذلك (٢)؟ قيل له: لو وجب أن يكون يميناً إذا أراد به اليمين، لوجب أن يكون في زوجته إذا أراد به يميناً أن يكون كذلك. ولو وجب من أجل أنّه يكون عتقاً إذا أراد به العتق أن يكون تحريماً يوجب أن تكون عليه الكفّارة، لوجب أن يكون العتق نفسه يكون تحريماً يُكَفَّر، فلمّا لم يجز ذلك في صريح العتق أن ينتقل منه إلى كفارةٍ ويزول حكمه، كذلك يجب أن

стр. 791

يكون التحريم، إمّا أن يكون كنايةً عن العتق لا ينتقل إلى غيره، أو لا يكون ذلك عتقاً ولا تحريماً على ما بيَّنَّاه. ••• [٩١٠] مَسْأَلَةٌ: قَالَ: وَمَن قَالَ: «كُلُّ مَالِي فِي سَبيلِ اللَّهِ»، أَوْ: «فِي المَسَاكِيْن» (١)، أَوْ: «هَدْيٌ»، أَجْزَأَهُ مِنْ ذَلِكَ الثُّلُث (٢). وَلَوْ قَالَ لِشَيْءٍ مِنْ مَالِهِ بِعَيْنِهِ مِثْلَ ذَلِكَ، أَخْرَجَهُ كُلّهُ، وَإِنْ كَانَ نِصْفَ مَالِهِ أَوْ ثُلثَيهِ أَوْ أَكْثَرَ مِنْ ذَلِكَ. وَإِنْ جَعَلَ لِلهِ سُبْحَانَهُ مَالاً مِنْ مَالِهِ فِي الهَدْيِ، فَلْيَبْعَثْ بِهِ وَليَخْرُجْ بِهِ وَلَا يَسْتَأْجِر عَلَيْهِ مِنْهُ، وَليَسْتَأْجِر عَلَيْهِ مِنْ غَيْرِهِ، وَيَأْكُلُ هُوَ وَرَسُولُهُ إِذَا بَلَغَ إِنْ شَاؤُوا (٣). • إنّما قال ذلك، لِمَا أمر النبيُّ ﷺ تسليماً أبا لبابة لمّا أراد أن ينخلع من ماله توبةً إلى الله ، فقال له النبيُّ ﷺ : «يُجْزِيكَ مِنْ ذَلِكَ الثُّلُثُ» (٤)، فقوله: «يُجْزِيكَ»، يدل على أنّه قد كان أوجب على نفسه إخراج ملكه؛ لأنّه لا يقال: «يجزيك» في غير واجبٍ. فرَوَى ابن جريج، قال: أخبرني ابن شهاب، أنَّ حسين بن السائب بن

стр. 792

أبي لبابة (١) أخبره: «أَنَّ أَبَا لُبَابَةَ بْنَ عَبْدِ المُنْذِرِ لَمَّا تَابَ اللهُ تَعَالَى عَلَيْهِ، قَالَ: يَا رَسُولَ اللهِ: إِنَّ مْنِ تَوْبَتِي إِلَى اللهِ ، أَنْ أَهْجُرَ دَارَ قَوْمِي وَأُسَاكِنَكَ وَأَنْخَلِعَ مِنْ مَالِي صَدَقَةً للهِ تَعَالَى وَلِرَسُولِهِ ﷺ ، فَقَالَ: يُجْزِئُ عَنْكَ الثُّلُثُ» (٢). وقد قال الله : ﴿وَلَا تَنْسَ نَصِيبَكَ مِنَ الدُّنْيَا﴾ [القصص:٧٧]، وقد قال الله تعالى: ﴿وَلَا تَجْعَلْ يَدَكَ مَغْلُولَةً إِلَى عُنُقِكَ وَلَا تَبْسُطْهَا كُلَّ الْبَسْطِ فَتَقْعُدَ﴾ [الإسراء:٢٩]، فأمر نبيه ﷺ أن لا ينسى نصيبه من الدنيا فيما بالخلق ضرورةٌ إليه، من القوت ومما لا بد له؛ مما يقيم رمقه وما يلبسه، ليؤدي فرضه ويستر عورته. ومما يدل على صحة ما قاله مالك، أنَّ المريض لمّا مُنِع من إخراج ماله إلّا من الثلث على غير معاوضةٍ؛ نظراً لوارثه وإبقاءً عليهم، وجب أن يُبَقِّيَ المرء على نفسه متى قصد لإخراج ماله على غير القربة المجردة، لكن قصد به اليمين أو علَّقه بسببٍ. وأمّا أن يبدأ بإخراج ماله متقرباً إلى الله ، جاز ذلك بعد أن يبقي لنفسه ما لا بد له من ثوبٍ وقوتٍ، وإن كان الاختيار له غيره، إلّا أن يكون ممن يقوى إيمانه على ذلك وتحتمل نفسه حمل المكاره والبؤس، فلا يمنع من ذلك. وقد تصدَّق جماعةٌ من أصحاب رسول الله ﷺ بأموالهم، منهم:

стр. 793

أبو بكر الصديق ﵁، تصدَّق بماله كلِّه، وعمر ﵁ بنصفه (١)، ومنهم من كان لا يدَّخر شيئاً، وهم أهل الصُّفَّة. وقد رَوَى قتيبة بن سعيد (٢)، عن جعفر بن سليمان (٣)، عن ثابت، عن أنس: «أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ كَانَ لَا يَدَّخِرُ قُوتَاً لِغَدٍ» (٤). فأمّا من قال: إنَّ عليه كفّارة يمينٍ، فلا وجه لقوله؛ من قِبَلِ أنّه يعدل عن شيءٍ قد ألزمه العاقد نفسه إلى شيءٍ غيره لم يوجبه على نفسه، ولو جاز ذلك له، لجاز ذلك أيضاً في العتق والحج وغير ذلك مما يوجبه الإنسان على نفسه أن يعدل فيه إلى غيره، وهذا فاسدٌ بإجماعٍ. فأمّا إذا قال لشيء من ماله بعينه، فإنّه يخرجه كله بالغاً ما بلغ؛ لأنّه لم يَعُمَّ ملكه كله بالصدقة، فقد بقَّى لنفسه شيئاً وأوجب ما سماه للمساكين، فوجب

стр. 794

عليه أن يخرجه؛ لأنّه بهذا القول ليس بمتعدٍّ، كما يكون بقوله: «مالي صدقةٌ» متعدِّياً؛ لأنّه لم يبق لنفسه شيئاً إذا عم ملكه، وإذا خص من ماله شيئاً، فقد بقَّى لنفسه منه، فافترقا لهذه العلة. وذلك بمنزلة ما يعم النساء بالطلاق إذا تزوَّج منهنَّ امرأةً، أنَّ ذلك غير لازمٍ له؛ لأنَّ هذا عقد معصيةٍ، وإذا خصَّ فخذاً أو قبيلاً، لزمه ذلك؛ لأنّه ليس عقد معصيةٍ، إذ لم يمنع نفسه من جملة النكاح، وقد ذكرنا هذا فيما تقدَّم. وقال ابن وهب عن مالك: «إنه إذا سمَّى أكثر من ثلث ماله، اقتصر على الثلث في الإخراج» (١). ووجه ما ذكرناه؛ أنّه لمّا تعدَّى الثلث، وكان ذلك مكروهاً من فعله، قُصر على الثلث، كالمريض إذا تعدَّى الثلث بأي وجه كَانَ، وكانَ إخراجه ماله على غير معاوضةٍ، أنّه يُرَد إلى الثلث، إلّا أن يجيز ذلك الورثة. وقوله: «إنه إن جعل ذلك هدياً فإنّه يخرجه»؛ فلأنه لا فرق بين أن يجعل ذلك هدياً أو يجعله للفقراء؛ لأنَّ ذلك كلّه مما يتقرَّب به إلى الله ، فعليه إخراجه والوفاء به. فإن كان الشّيء مما يصلح أن يكون هدياً ساقه وذبحه بمكَّة؛ لأنَّ الهدي لا يكون بغيرها. وجاز له أن يأكل هو منه أو يبعث معه؛ لأنّه هدي تطوُّعٍ يجوز الأكل منه إذا نُحِر في موضعه.

стр. 795

وإن كان ما لا يُهْدَى مثله، اشْتُرِيَ به هديٌ من الحلِّ، وسيق إلى الحرم فنحره، كما ألزمه نفسه. ••• [٩١١] مَسْأَلَةٌ: قَالَ: وَمَن حَلَفَ بِصَدَقَةِ مَالِهِ فَوَجَبَ عَلَيْهِ ثُلُثُهُ، فَإِنَّمَا يَكونُ ثُلُثُهُ يَوْمَ حَلَفَ، وَلَيْسَ ثُلُثُهُ يَوْمَ حَنِثَ (١). • إنّما قال ذلك؛ لأنّه إنّما يلزمه ثلث ماله يوم عقد اليمين؛ لأنّه وقت إلزامه نفسه، لا يوم حَنَثَ، كما يقول: «عبيدي أحرارٌ إن دخلت الدار»، «ونسائي طوالقٌ إن خرجت من الدار»، أنَّ ذلك إنّما يلزمه فيمن عنده يوم عقد العتق والطلاق، لا ما بعد ذلك، ولا يوم يحنث، فكذلك المال مثله. ••• [٩١٢] مَسْأَلَةٌ: قَالَ: وَإِنْ قَالَ عَبْدٌ: «مَالِي فِي سَبِيلِ اللَّهِ »، فَإِذَا هُوَ قَدْ عَتَقَ قَبْلَ ذَلِكَ؟ قَالَ: يَلْزَمُهُ إِخْرَاجُ الثُّلُثِ (٢). • إنّما قال ذلك؛ لأنّه في حال ما قال: «مالي في سبيل الله » وهو حرٌّ، فيلزمه إخراج ثلث ماله؛ لأنّه قد ألزم نفسه في حالٍ هو مستقر الملك، وإن لم يعلم ذلك، فعليه إخراج ثلث ماله يوم ألزم نفسه. •••

стр. 796

[٩١٣] مَسْأَلَةٌ: قَالَ: وَمَن قَالَ: «كُلُّ مَالٍ اكْتَسَبتُهُ أَبَدَاً فَهُوَ صَدَقَةٌ عَلَى المَسَاكِينِ»، فَلَا شَيْءَ عَلَيْهِ (١). • إنّما قال ذلك، كما يقول: «كل امرأةٍ أتزوَّجها أبداً فهي طالقٌ»، فلا يلزمه ذلك حتى يضرب أجلاً أو يخصَّ قبيلاً؛ لأنّه إذا عمَّ ذلك كان عقده معصيةً؛ لتحريمه جملة المناكح وتعدِّيه في ذلك، وقد قال الله : ﴿لَا تُحَرِّمُوا طَيِّبَاتِ مَا أَحَلَّ اللَّهُ لَكُمْ وَلَا تَعْتَدُوا﴾ [المائدة:٨٧]. فأمّا إذا حرَّم بالطلاق قبيلاً أو فخذاً، فلزمه ما ألزمَ نفسه؛ لأنّه ليس محرماً لجملة المناكح؛ لجواز أن يَكْرَه النَّكاح من بلدٍ أو قبيلةٍ لا على وجه تحريم المناكح كلِّها، فكذلك المال مثله، لا يجوز أن يمنع نفسه منه ومما يكتسبه، فإذا عمَّ ذلك في الصدقة لم يلزمه؛ لأنّه متعدٍّ، وإذا خصَّ ذلك، لزمه. ••• [٩١٤] مَسْأَلَةٌ: قَالَ: وَمَن جَعَلَ حُلِيَّاً فِي سَبيلِ اللَّهِ تَعَالَى، فَإِنَّهُ يَبِيعُ ذَلِكَ وَيَقْسِمُهُ ثَمَناً، أَصْوَب مِنْ أَنْ يُعْطِيَهُ حُلِيَّاً (٢). • إنّما قال ذلك؛ لأنَّ تفرقة ثمنه أنفع للمساكين وأعمّ لهم، فكان أولى من تفرقته كذلك. ••• [٩١٥] مَسْأَلَةٌ: قَالَ: وَمَن جَعَلَ مَالَاً مِنْ مَالِهِ هَدْياً:

стр. 797

(فَإِنْ كَانَ ذَلِكَ الْمَالُ مِمَّا يُهْدَى مِثْلهُ، أَهْدَى. (وَإِنْ كَانَ لَا يُهْدَى مِثْلهُ، بَاعَهُ وَاشْتَرَى بِهِ هَدْياً فَأَهْدَاهُ (١). • قد تقدَّم ذكر هذا (٢). ••• [٩١٦] مَسْأَلَةٌ: قَالَ: وَمَن جَعَلَ عَلَيْهِ بَدَنَةً أَوْ رَقَبَةً فَلَمْ يَجِدْ لِذَلِكَ سَعَةً، فَذَلِكَ عَلَيْهِ مَتَى مَا وَجَدَهُ (٣). • إنّما قال ذلك؛ لأنَّها قد وجبت في ذمَّته ولزمته كوجوب الدَّين في ذمَّته، فعليه أن يخرج ذلك متى ما وجده وقدر عليه. ••• [٩١٧] مَسْأَلَةٌ: قَالَ: وَمَن قَالَ: «مَالِي صَدَقَةٌ» ثُمَّ حَنِثَ، فَإِنَّهُ يُخْرِجُ ثُلُثَ كُلّ مَا يَمْلِكُ، حَتَّى كِسْوَةَ ظَهْرِهِ وَغَيْر ذَلِكَ مِمَّا يَمْلِكُهُ، قَلَّ أَوْ كَثُرَ (٤). • إنّما قال ذلك؛ لأنَّ هذا كلّه من ماله الذي قد عمَّه باللفظ، فعليه إخراج ثلث ذلك كلّه؛ لِمَا ذكرنا. •••

стр. 798

[٩١٨] مَسْأَلَةٌ: قَالَ: وَمَن قَالَ: «مَالِي فِي المَسَاكين» فَحَنِثَ، ثُمَّ حَلَفَ فَحَنِثَ، كُلُّ ذَلِكَ لَا يُخْرِجُ شَيْئاً، فَإِنَّهُ يُخْرِجُ ثُلُثَ مَالِهِ يَوْمَ حَلَفَ أَوَّلَاً، ثُمَّ يُخْرِجُ بَعْدَ ذَلِكَ ثُلُثَ مالِهِ يَوْمَ حَلَفَ الثّانيَةِ، ثُمَّ يُخْرِجُ بَعْدَ ذَلِكَ ثُلُث مَالِهِ يَوْمَ حَلَفَ الثّالِثَةَ (١). • إنّما قال ذلك؛ لأنَّ هذه عقودٌ تلزمه كلّها، عقدٌ بعد عقدٍ، فلزمه أن يخرج ثلث كلّ مالٍ ألزم نفسه إخراجه عند عقد يمينه، أو إلزام نفسه بأيِّ وجهٍ كان، كما لو ألزم نفسه عقد يمينٍ أو عتقٍ في وقتٍ بعد وقتٍ على أشياء مختلفةٍ أو مستأنفٍ ليمينٍ في شيءٍ واحدٍ، أنَّ ذلك كلّه يلزمه على ما ألزم نفسه وعقد عليها في وقت العقد؛ لأنَّ على الإنسان أن يفي بما عقد على نفسه إذا لم يكن معصيةً، قال الله : ﴿أَوْفُوا بِالْعُقُودِ﴾ [المائدة:١]، وقال سبحانه: ﴿وَأَوْفُوا بِالْعَهْدِ إِنَّ الْعَهْدَ كَانَ مَسْئُولًا﴾ [الإسراء:٣٤]، وقال النبيُّ ﷺ : «مَنْ نَذَرَ أَنْ يُطِيعَ اللهَ فَلْيُطِعْهُ» (٢). ••• [٩١٩] مَسْأَلَةٌ: قَالَ: وَمَن قَالَ: «كُلُّ مَالٍ أَمْلِكُهُ إِلَى ثَلَاثِين سَنَةً صَدَقَةٌ» ثُمَّ حَنِثَ، فَإِنَّهُ يُخْرِجُ ثُلُثَ مَالِهِ السّاعَةَ، وَثُلُثَ كُلِّ مَا يَمْلِكُهُ إِلَى ثَلَاثِينَ سَنَةً (٣). • إنّما قال ذلك لأنَّ هذا قد ضرب أجلاً في صدقة ما يملكه، فلزمه ذلك، فكان عليه أن يخرج ثلث ماله في الحال، وثلث كلّ ما يملكه إلى ثلاثين

стр. 799

سنةً، كما يلزمه ذلك في الطلاق إذا ضرب أجلاً يبلغه عمره، أنَّ ذلك يلزمه؛ لأنّه لم يقصد - إذا كان كذلك - لتحريم النكاح مؤبَّداً فيكون عاصياً. ومتى حرَّم النساء كلهنَّ أو ضرب أجلاً لا يبلغه عمره، لم يلزمه ذلك؛ لأنَّه قد حرَّم النّكاح عليه مؤبَّداً، وهو عاصٍ بهذا التَّحريم، فلم يلزمه ذلك. فكذلك حكم الملك كلّه مثله سواءٌ، إذا ضرب أجلاً لزمه ذلك فيه، وإذا عمَّ ذلك، لم يلزمه. ••• [٩٢٠] مَسْأَلَةٌ: قَالَ: وَمَن جَعَلَ غُلامَهُ هَدْيَاً، فَلِيَشْتَرِ بِقِيمَتِهِ هَدْياً (١). • إنّما قال ذلك؛ لأنَّ الغلام لا يجوز أن يُهدى بنفسه - أعني: يذبح - كما يجوز ذلك في بهيمة الأنعام، فوجب بيعه واشتراء هديٍ بثمنه وسوقه من الحلّ إلى الحرم، ثمّ يذبح فيه؛ لأنَّ مكّة محل الهدايا، وكذلك منىً، قال الله سبحانه: ﴿هَدْيًا بَالِغَ الْكَعْبَةِ﴾ [المائدة:٩٥]، وقال النبيُّ ﷺ بمنىً: «مِنىً مَنْحَرٌ» (٢)، وقال بمكة: «مَكَّةَ مَنْحَرٌ، وَكُلُّ فِجَاجِهَا مَنْحَرٌ» (٣). •••

стр. 800

[٩٢١] مَسْأَلَةٌ: قَالَ: وَمَن جَعَلَ غُلَامَ غَيْرِهِ هَدْياً، فَلَا شَيْءَ عَلَيْهِ (١). • إنّما قال ذلك؛ لأنّه لا يملك غلام غيره، فليس يصحّ هديه لغلام غيره، وقد قال النبيُّ ﷺ : «لَا نَذْرَ فِيمَا لَا يَمْلِكُهُ ابْنُ آدَمَ» (٢)، يعني: في ملك غيره، وقال: «لَا عِتْقَ فِيمَا لَا يَمْلِكُ» (٣). فأمَّا إذا قال: «إن ملكته فهو هدي»، أو «هو حرٌّ»، فلزمه ذلك؛ لأنّه إنّما جعله هدياً أو حراً بعد ملكٍ له، فذلك يلزمه؛ لأنَّ عقد الحرية والهدي يصحّ فيما يملكه الإنسان، وفيما سيملكه في ثاني، وقد بيَّنَّا هذا فيما تقدَّم. ••• [٩٢٢] مَسْأَلَةٌ: قَالَ: وَمَنْ قَالَ: «فُلَانٌ هَدْيٌ»، لِرَجُلٍ حُرٍّ، فَيُحِجّهُ (٤) وَيهْدِي هَدْيَاً (٥). • إنّما قال ذلك؛ لأنّه إنّما أراد التقرب فيه، وذلك بأن يُحِجَّهُ ويهدي؛ لأنّه لمّا لم يصح أن يهدي به ويتقرب بذلك فيه، وجب عليه بدل ذلك الحجّ به، كما لم يجز ذبح ابنه فدىً ببدله، فكذلك هذا. •••

стр. 801

[٩٢٣] مَسْأَلَةٌ: قَالَ: وَمَنْ جَعَلَ مَالَهُ فِي رِتَاجِ الكَعْبَةِ، فَلَا شَيْءَ عَلَيْهِ (١). • إنّما قال ذلك؛ لأنَّ الرتاج هو باب الكعبة، وهو مستغنٍ عن ماله؛ إذ لا ضرورة إليه، ولو لم يكن للكعبة بابٌ، جاز، فلم يكن عليه شيءٌ في هذا القول. وقد حكي عن مالك أنّه قال: «عليه كفّارة يمينٍ» (٢)، حكاه بعض أصحابه من أهل المدينة. ورُوِيَ هذا القول عن عائشة ﵂ (٣). والأول أصحّ، إذ لا وجه له في إيجاب الكفّارة فيه، إذ ليس هذا القول بيمينٍ، ومن جعل فيه كفّارة يمينٍ جعله كالنّذر الذي لا يسمى له مخرجٌ، ففيه كفّارة يمينٍ. ••• [٩٢٤] مَسْأَلَةٌ: قَالَ: وَمَنْ قَالَ: «أَنْحَرُ وَلَدِي عِنْدَ مَقَامِ إِبْرَاهِيْمَ» فِي يَمِيْنٍ ثُمَّ حَنِثَ، فَعَلَيْهِ هَدْيٌ (٤).

стр. 802

• إنّما قال ذلك؛ لأنَّ نحر ابنه غير جائزٍ، فعليه بدل ذلك الهدي، وهذا بمنزلة من يلزم نفسه نذراً لا يسمّيه، فعليه بدل ذلك كفّارة يمينٍ. وهذا إذا قال هذا القول في يمينٍ يعقدها على نفسه، فأمّا إذا نذر نحر ابنه في غير يمينٍ ولم يرد وجه القربة ولا علّقه بيمينٍ، فلا شيء عليه، وكذلك قال مالك. ••• [٩٢٥] مَسْأَلَةٌ: قَالَ: وَمَنْ نَذَرَ أَنْ يَنْحَرَ ابْنَهُ، وَلَمْ يَقُلْ عِنْدَ مَقَامِ إِبْرَاهِيْمَ وَلَا أَرَادَهُ، فَلَا شَيْءَ عَلَيْهِ (١). • من قِبَلِ أنَّ نذر هذا معصيةٌ مجرّدةٌ لا يتعلَّق بها شيءٌ من الطاعة، ولا نذر في معصية الله (٢)، كما قال رسول الله ﷺ (٣). وقد رَوَى سفيان الثوري، عن إسماعيل بن أمية، عن عثمان بن حاضر (٤)، عن ابن عباس وابن عمر، في رجلٍ نذر أن ينحر ابنه، قالا: «يَنْحَرُ جَزُورَاً» (٥). ••• [٩٢٦] مَسْأَلَةٌ: قَالَ: وَمَنْ جَعَلَ ابْنَهُ هَدْيَاً، أَهْدَى عَنْهُ (٦). • إنّما قال ذلك؛ لأنّه أراد بجعله ولده هدياً القربة إلى الله ، ولم

стр. 803

يجز أن يفي بهذه القربة، فكان عليه بدلها هدي، كما أمر الله إبراهيم صلى الله عليه أن يفدي ابنه بذبحٍ عظيمٍ، وهو هدي، فكذلك هذا يجب عليه ذلك. ••• [٩٢٧] مَسْأَلَةٌ: قَالَ: وَمَنْ قَالَ: «أَحْمِلُ فُلَانَاً إِلَى بَيْتِ الله »: (فِإِنْ نَوَى عَلَى رَقَبَتِهِ، فَلْيَمْشِ وَلْيُهْد وَلَا يَحْمِلهُ (١). (وَإِنْ لَمْ يَنْوِ شَيْئَاً، فَلْيَحُجّ رَاكِبَاً وَليَحُجَّ بِالرَّجُلِ؛ لِأَنّهُ قَالَ (٢): «أَنَا أَحْمِلُكَ» (٣). فَإِنْ أَبَى أَنْ يَحُجَّ مَعَهُ، فَلَيْسَ عَلَيْهِ شَيْءٌ (٤). • إنّما قال: «إنه يمشي ويهدي ولا يحمله إذا أراد حمله على رقبته ولم يرد حمله به»، فلأنَّ الحج والمشي فيه طاعةٌ لله ، فإذا ألزم الإنسان نفسه لزمه الوفاء به. فأمّا حمله الرّجل على رقبته فليس عليه ذلك؛ لأنَّ في ذلك تعذيب نفسه في غير طاعةٍ لله جَلَّ وَعَزَّ، فليس عليه فعله.

стр. 804

وقد رَوَى موسى بن إسماعيل (١)، حدثنا وهيب، حدثنا أيوب، عن عكرمة، عن ابن عباس قال: «بَيْنَمَا رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ يَخْطُبُ، إِذَا هُوَ بِرَجُلٍ قَائِمٍ فِي الشَّمْسِ، فَسَأَلَ عَنْهُ، فَقَالُوا: هُوَ أَبُو إِسْرَائِيلَ، نَذَرَ أَنْ يَقُومَ وَلَا يَقْعُدَ، وَلَا يَسْتَظِلَّ، وَلَا يَتَكَلَّمَ، وَيَصُومَ، فَقَالَ: مُرُوهُ فَلْيَتَكَلَّمْ، وَلْيَسْتَظِلَّ وَيَقْعُدْ، وَيُتِمَّ صَوْمَهُ» (٢). وقد رَوَى ثابتٌ البناني، عن أنسٍ، عن النبيِّ ﷺ : «أَنَّهُ رَأَى رَجُلاً يُهَادَى بَيْنَ اثْنَيْنِ، فَسَأَلَ عَنْهُ، فَقَالُوا: نَذَرَ أَنْ يَمْشِيَ، فَقَالَ: إِنَّ اللهَ تَعَالَى لَغَنِيٌّ عَنْ تَعْذِيبِ هَذَا نَفْسَهُ، مُرُوهُ أَنْ يَرْكَبَ» (٣). وقوله: «إن لم ينو شيئاً فليحج راكباً وليحج بالرّجل»، يعني: أنّه لا ينوي حمله على رقبته، فعليه أن يحجّ راكباً؛ لأنّه لم يرد تعذيب نفسه بالمشي وحمله، وإنما أراد بالحج هو بنفسه وأن يحج معه بالرجل، فعليه أن يفعل ذلك؛ لأنَّ هذا كلّه طاعةٌ لله تعالى، فعليه أن يفي به؛ لقول رسول الله ﷺ : «مَنْ نَذَرَ أَنْ يُطِيعَ اللهَ فَلْيُطِعْهُ» (٤). فإن أبى الرّجل أن يحج معه حج هو بنفسه، ولم يكن عليه شيءٌ في الرّجل إذا امتنع أن يحج؛ لأنَّ تركه الحج به ليس هو بفعله واختياره، وإنما هو بفعل غيره، ولا شيء عليه في فعل غيره. •••

стр. 805

باب ما جاء فيمن حلف بالمشي والنذر (١) [٩٢٨] مَسْأَلَةٌ: قَالَ: وَمَنْ قَالَ: «عَلَيْهِ المَشْيُ إِلَى بَيْتِ الله »، فَإِنّهُ يَمْشِي، حَتَّى إِذَا عَجزَ رَكِبَ، ثُمّ عَادَ (٢) فَمَشَى مِنْ حَيْثُ عَجزَ إِنْ كَانَ يَسْتَطِيْعُ المَشْيَ. وَإِنْ كَانَ بِهِ مِنَ الكِبرِ وَالضَّعْفِ مَا لَا يَقْدِرُ فِيْهِ عَلَى المَشْيِ: فَإِنْ عَادَ فَلْيَرْكَبْ إِذَا عَجَزَ، وَلَيْسَ عَلَيْهِ عَودَةٌ. فَإِنْ رَجَعَ فَمَشَى مِنْ حَيْثُ عَجَزَ، فَلْيُهْدِ هَدْيَاً وَاحِدَاً لِجَمِيْعِ عَجْزِهِ كَلّهِ إِذَا كَانَ ذَلِكَ فِي نَذْرٍ وَاحِدٍ، بَدَنَةً أَوْ بَقَرَةً أَوْ شَاةً، فَإِنْ لَمْ يَجِدْ صَامَ عَشَرَةَ أَيَّامٍ (٣). • إنّما قال ذلك: «إنه يركب إذا عجز عن المشي»؛ فلأنَّ الله قال: ﴿لَا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا﴾ [البقرة:٢٨٦]، فليس عليه أن يفعل ما ليس في طاقته، أو أن يفعل ما يشق عليه حتى يؤدي فعله إلى تلفه أو مرضه؛ بدلالة أنَّ الله أباح المريض والمسافر أن يفطرا إذا ضعفا عن الصوم،

стр. 806

وخاصةً المريض إذا أضرَّ به صومه، فكذلك هذا الذي لا يقدر على المشي، أو يؤديه ذلك إلى تلفٍ أو مرضٍ مفرطٍ، فله أن يركب، ثمّ يعود فيمشي ما ركب في حَجةٍ أخرى أو عمرةٍ؛ ليأتي بالحج متصلاً على ما ألزمه نفسه. فأمّا وجوب الهدي عليه إذا ركب؛ فلأنه قطع مشيه الذي كان أوجبه على نفسه متصلاً، فوجب عليه هديٌ؛ جبراناً لذلك الفعل، كما يجب الإطعام على الذي يترك قضاء شهر رمضان حتى يخرج وقته، وكذلك تجب الكفّارة على من أفطر يوماً في شهر رمضان لغير عذرٍ؛ لأنّه قطع ما وجب عليه وصله، فكذلك هذا. وقوله: «إنَّ الهدي في ذلك بدنةٌ أو بقرةٌ أو شاةٌ»؛ فلأنَّ الهدي في الأصول كلها هو من هذا الجنس، فكذلك في هذا. وقوله: «إنَّه يصوم عشرة أيامٍ إذا لم يجد الهدي»؛ فلأنَّ الله جعل على المتمتع صيام عشرة أيامٍ بدل الهدي الذي وجب عليه إذا لم يجده، بقوله تعالى: ﴿فَمَنْ لَمْ يَجِدْ فَصِيَامُ ثَلَاثَةِ أَيَّامٍ فِي الْحَجِّ وَسَبْعَةٍ إِذَا رَجَعْتُمْ تِلْكَ عَشَرَةٌ كَامِلَةٌ﴾ [البقرة:١٩٦]. ••• [٩٢٩] مَسْأَلَةٌ: قَالَ: وَمَنْ قَالَ: «عَلَيَّ المَشْيُ إِلَى بَيْتِ الله تَعَالَى»، فَلْيَمْشِ فِي حَجٍّ أَو عُمْرَةٍ، إِلّا أَنْ يَكُونَ نَوَى المَشْيَ فِي أَحَدِهِمَا، أَرَادَهُ بِعَيْنِهِ، فَلْيَمْشِ فِي ذَلِكَ الّذِي نَوَى. (فَإِنْ مَشَى فِي حَجٍّ، فَلْيَمْشِ المَنَاسِكَ كُلَّهَا وَيُفِيْضُ مَاشِيَاً.

стр. 807

(وَإِنْ مَشَى فِي عُمْرَةٍ، فَإِذَا طَافَ وَسَعَى، فَقَدْ قَضَى مَشْيَهُ (١). وَمَنْ مَشَى فِي حَجٍّ (٢) فَفَاتَهُ الحَجُّ، فَقَدْ قَضَى مَشْيَهُ وَيَحُجّ قَابِلَ (٣)؛ لِفَوَاتِ الحَجِّ، وَلَا يَمْشِي المَنَاسِكَ (٤). • إنّما قال: «إنَّ عليه أن يمشي في حجٍّ أو عمرةٍ إذا ألزم نفسه المشي إلى بيت الله ، وإن لم يذكر الحج والعمرة ولا أرادهما»؛ فلأنَّ المشي إلى بيت الله إنّما يكون في حجٍّ أو عمرةٍ، لا يمشي إليه في إحرامٍ لغير هذين، وإذا كان كذلك، وجب عليه أن يكون مشيه في أحدهما، وبذلك تَعَبَّدَ الله سبحانه العباد إذا قدروا على المجيء إلى بيته الحرام بقوله تعالى: ﴿وَأَذِّنْ فِي النَّاسِ بِالْحَجِّ يَأْتُوكَ رِجَالًا وَعَلَى كُلِّ ضَامِرٍ﴾ [الحج:٢٧]، فأخبر أن إتيانهم إلى البيت هو للحج، وقال تعالى: ﴿وَأَتِمُّوا الْحَجَّ وَالْعُمْرَةَ لِلَّهِ﴾ [البقرة:١٩٦]، وهما بالمجيء إلى البيت، وإذا كان كذلك، وجب أن يكون مشيه في أحدهما. فأمّا إذا أراد أحدهما مشى فيه، حجّاً كان أو عمرةً؛ لأنّه الذي أراده وألزم نفسه.

стр. 808

فإن مشى في حجٍّ، مشى المناسك كلها حتى يطوف بالبيت طواف الإفاضة؛ لأنّه آخر فروض الحج، فإذا فعل ذلك، جاز له أن يركب بعد ذلك فيما بقي عليه من سُنَّةِ الحج؛ لأنّه قد أدى فرض الحج. وإن مشى في عمرةٍ، مشى حتى يطوف بالبيت ويسعى بين الصفا والمروة، وهذا هو العمرة. وقوله: «إن مشى في حجٍّ ففاته الحج فقد قضى مشيه، ويحج قابلاً لفوات الحج ولا يمشي المناسك»؛ فلأنه قد أتى بالمشي في عمل عمرةٍ، ولو ابتدأه بذلك، كان جائزاً له، فكذلك إذا فاته الحج، وإنما يعود راكباً حتى يأتي بما جعل على نفسه من أعمال الحج. وقوله: «لا يمشي المناسك كلها»؛ فلأنَّ المشي، قد سقط عنه بالحجة الأولى، وفيها نظرٌ، ويشبه أن تكون المسألة ويمشي المناسك، و: (لا)، هاهنا غلطٌ. ••• [٩٣٠] مَسْأَلَةٌ: قَالَ: وَمَن مَشَى فِي حَجٍّ، فَلَمَّا سَعَى، ظَنَّ أَنَّهُ قَدْ قَضَى مَشيَهُ فَرَكِبَ المَناسِكَ، فَعَلَيْهِ أَنْ يَعودَ قَابِلاً حَتَّى يَمْشيَ مَا رَكِبَ مِنَ المَناسِكِ (١)، وَيُهْدِي أَحَبُّ إِلَيْنَا (٢).

стр. 809

• إنّما قال ذلك؛ لأنّه لمَّا ركب في بعض عمل الحج وجب عليه أن يعود حتى يمشي في الأعمال التي كان ركبها؛ لأنّه ألزم نفسه فعلها ماشياً، وهي طاعةٌ لله تعالى، فعليه أن يفعلها كذلك. ويهدي؛ لأنّه قطع مشيه في عمل الحج ولم يصل عمله في شيءٍ واحدٍ، فوجب أن يجبر ذلك بالهدي. ••• [٩٣١] مَسْأَلَةٌ: قَالَ: وَمَن جَعَلَ عَلَيْهِ مَشْيَاً إِلَى بَيْتِ اللَّهِ تَعَالَى، فَلَيْسَ يُجْزِيهِ مِنْ ذَلِكَ إِلَّا الوَفَاء بِهِ (١). • إنّما قال ذلك؛ لأنَّ هذا إيجاب طاعةٍ لله تعالى على نفسه، فلا بد له من الوفاء به، كما لو ألزم نفسه صدقةً وصلاةً وعتقاً وأشباه ذلك، وقد قال الله : ﴿يُوفُونَ بِالنَّذْرِ وَيَخَافُونَ يَوْمًا﴾ [الإنسان:٧]، وقال سبحانه: ﴿وَلْيُوفُوا نُذُورَهُمْ﴾ [الحج:٢٩]، وقال النبيُّ ﷺ : «مَنْ نَذَرَ أَنْ يُطِيعَ الله فَلْيُطِعْهُ» (٢). ••• [٩٣٢] مَسْأَلَةٌ: قَالَ: وَمَن جَعَلَ عَلَيْهِ المَشْيَ إِلَى بَيْتِ اللَّهِ تَعَالَى مِئَةَ مَرَّةٍ، فَلَيْسَ يُجْزِيهِ مِنْ ذَلِكَ إِلَّا عَدَد مَا حَلَفَ عَلَيْهِ (٣).

стр. 810

• إنّما قال ذلك؛ لِمَا ذكرناه: أنَّ إيجابه ذلك على نفسه طاعةً لله تعالى، فعليه أن يفي بذلك كله إن أمكنه، أو ما أمكنه في عمره، لا بد له من ذلك. ولا ينوب عنه غيره، كما لا ينوب عن العتق إذا ألزمه نفسه غيره، وكذلك عن الصلاة والصيام وأشباه ذلك، بل عليه أن يأتي بما ألزم نفسه، ولو جاز أن يعدل إلى غيره، لجاز ذلك في العتق والصلاة، وهذا فاسدٌ. ••• [٩٣٣] مَسْأَلَةٌ: قَالَ: وَمَن حَلَفَ بِالْمَشْيِ إِلَى بَيْتِ الله تَعَالَى حَافِياً، فَلْيَنْتَعِلْ، وَليُهْدِ أَحَبّ إِلَيْنَا (١). • إنّما قال ذلك؛ لأنَّ في مشيه حافياً تعذيباً لنفسه في غير طاعةٍ، فله أن ينتعل، كما أنَّ في قيامه في الشمس تعذيباً لنفسه في غير طاعة، وقد أمر النبيُّ ﷺ من أوجب على نفسه ذلك أن يتركه (٢)؛ لأنّه ليس بطاعةٍ لله تعالى. وقوله: «إنَّ عليه الهدي»، فهو على وجه الاستحباب؛ لجواز أن يكون في
следующие страницы →