← Фикх малики

Фикх малики · id 1326

شرح المختصر الكبير للأبهري

الأبهري

Полный текст (2 801 стр.). Показаны 806–845 · переход к 811.

стр. 806

وخاصةً المريض إذا أضرَّ به صومه، فكذلك هذا الذي لا يقدر على المشي، أو يؤديه ذلك إلى تلفٍ أو مرضٍ مفرطٍ، فله أن يركب، ثمّ يعود فيمشي ما ركب في حَجةٍ أخرى أو عمرةٍ؛ ليأتي بالحج متصلاً على ما ألزمه نفسه. فأمّا وجوب الهدي عليه إذا ركب؛ فلأنه قطع مشيه الذي كان أوجبه على نفسه متصلاً، فوجب عليه هديٌ؛ جبراناً لذلك الفعل، كما يجب الإطعام على الذي يترك قضاء شهر رمضان حتى يخرج وقته، وكذلك تجب الكفّارة على من أفطر يوماً في شهر رمضان لغير عذرٍ؛ لأنّه قطع ما وجب عليه وصله، فكذلك هذا. وقوله: «إنَّ الهدي في ذلك بدنةٌ أو بقرةٌ أو شاةٌ»؛ فلأنَّ الهدي في الأصول كلها هو من هذا الجنس، فكذلك في هذا. وقوله: «إنَّه يصوم عشرة أيامٍ إذا لم يجد الهدي»؛ فلأنَّ الله جعل على المتمتع صيام عشرة أيامٍ بدل الهدي الذي وجب عليه إذا لم يجده، بقوله تعالى: ﴿فَمَنْ لَمْ يَجِدْ فَصِيَامُ ثَلَاثَةِ أَيَّامٍ فِي الْحَجِّ وَسَبْعَةٍ إِذَا رَجَعْتُمْ تِلْكَ عَشَرَةٌ كَامِلَةٌ﴾ [البقرة:١٩٦]. ••• [٩٢٩] مَسْأَلَةٌ: قَالَ: وَمَنْ قَالَ: «عَلَيَّ المَشْيُ إِلَى بَيْتِ الله تَعَالَى»، فَلْيَمْشِ فِي حَجٍّ أَو عُمْرَةٍ، إِلّا أَنْ يَكُونَ نَوَى المَشْيَ فِي أَحَدِهِمَا، أَرَادَهُ بِعَيْنِهِ، فَلْيَمْشِ فِي ذَلِكَ الّذِي نَوَى. (فَإِنْ مَشَى فِي حَجٍّ، فَلْيَمْشِ المَنَاسِكَ كُلَّهَا وَيُفِيْضُ مَاشِيَاً.

стр. 807

(وَإِنْ مَشَى فِي عُمْرَةٍ، فَإِذَا طَافَ وَسَعَى، فَقَدْ قَضَى مَشْيَهُ (١). وَمَنْ مَشَى فِي حَجٍّ (٢) فَفَاتَهُ الحَجُّ، فَقَدْ قَضَى مَشْيَهُ وَيَحُجّ قَابِلَ (٣)؛ لِفَوَاتِ الحَجِّ، وَلَا يَمْشِي المَنَاسِكَ (٤). • إنّما قال: «إنَّ عليه أن يمشي في حجٍّ أو عمرةٍ إذا ألزم نفسه المشي إلى بيت الله ، وإن لم يذكر الحج والعمرة ولا أرادهما»؛ فلأنَّ المشي إلى بيت الله إنّما يكون في حجٍّ أو عمرةٍ، لا يمشي إليه في إحرامٍ لغير هذين، وإذا كان كذلك، وجب عليه أن يكون مشيه في أحدهما، وبذلك تَعَبَّدَ الله سبحانه العباد إذا قدروا على المجيء إلى بيته الحرام بقوله تعالى: ﴿وَأَذِّنْ فِي النَّاسِ بِالْحَجِّ يَأْتُوكَ رِجَالًا وَعَلَى كُلِّ ضَامِرٍ﴾ [الحج:٢٧]، فأخبر أن إتيانهم إلى البيت هو للحج، وقال تعالى: ﴿وَأَتِمُّوا الْحَجَّ وَالْعُمْرَةَ لِلَّهِ﴾ [البقرة:١٩٦]، وهما بالمجيء إلى البيت، وإذا كان كذلك، وجب أن يكون مشيه في أحدهما. فأمّا إذا أراد أحدهما مشى فيه، حجّاً كان أو عمرةً؛ لأنّه الذي أراده وألزم نفسه.

стр. 808

فإن مشى في حجٍّ، مشى المناسك كلها حتى يطوف بالبيت طواف الإفاضة؛ لأنّه آخر فروض الحج، فإذا فعل ذلك، جاز له أن يركب بعد ذلك فيما بقي عليه من سُنَّةِ الحج؛ لأنّه قد أدى فرض الحج. وإن مشى في عمرةٍ، مشى حتى يطوف بالبيت ويسعى بين الصفا والمروة، وهذا هو العمرة. وقوله: «إن مشى في حجٍّ ففاته الحج فقد قضى مشيه، ويحج قابلاً لفوات الحج ولا يمشي المناسك»؛ فلأنه قد أتى بالمشي في عمل عمرةٍ، ولو ابتدأه بذلك، كان جائزاً له، فكذلك إذا فاته الحج، وإنما يعود راكباً حتى يأتي بما جعل على نفسه من أعمال الحج. وقوله: «لا يمشي المناسك كلها»؛ فلأنَّ المشي، قد سقط عنه بالحجة الأولى، وفيها نظرٌ، ويشبه أن تكون المسألة ويمشي المناسك، و: (لا)، هاهنا غلطٌ. ••• [٩٣٠] مَسْأَلَةٌ: قَالَ: وَمَن مَشَى فِي حَجٍّ، فَلَمَّا سَعَى، ظَنَّ أَنَّهُ قَدْ قَضَى مَشيَهُ فَرَكِبَ المَناسِكَ، فَعَلَيْهِ أَنْ يَعودَ قَابِلاً حَتَّى يَمْشيَ مَا رَكِبَ مِنَ المَناسِكِ (١)، وَيُهْدِي أَحَبُّ إِلَيْنَا (٢).

стр. 809

• إنّما قال ذلك؛ لأنّه لمَّا ركب في بعض عمل الحج وجب عليه أن يعود حتى يمشي في الأعمال التي كان ركبها؛ لأنّه ألزم نفسه فعلها ماشياً، وهي طاعةٌ لله تعالى، فعليه أن يفعلها كذلك. ويهدي؛ لأنّه قطع مشيه في عمل الحج ولم يصل عمله في شيءٍ واحدٍ، فوجب أن يجبر ذلك بالهدي. ••• [٩٣١] مَسْأَلَةٌ: قَالَ: وَمَن جَعَلَ عَلَيْهِ مَشْيَاً إِلَى بَيْتِ اللَّهِ تَعَالَى، فَلَيْسَ يُجْزِيهِ مِنْ ذَلِكَ إِلَّا الوَفَاء بِهِ (١). • إنّما قال ذلك؛ لأنَّ هذا إيجاب طاعةٍ لله تعالى على نفسه، فلا بد له من الوفاء به، كما لو ألزم نفسه صدقةً وصلاةً وعتقاً وأشباه ذلك، وقد قال الله : ﴿يُوفُونَ بِالنَّذْرِ وَيَخَافُونَ يَوْمًا﴾ [الإنسان:٧]، وقال سبحانه: ﴿وَلْيُوفُوا نُذُورَهُمْ﴾ [الحج:٢٩]، وقال النبيُّ ﷺ : «مَنْ نَذَرَ أَنْ يُطِيعَ الله فَلْيُطِعْهُ» (٢). ••• [٩٣٢] مَسْأَلَةٌ: قَالَ: وَمَن جَعَلَ عَلَيْهِ المَشْيَ إِلَى بَيْتِ اللَّهِ تَعَالَى مِئَةَ مَرَّةٍ، فَلَيْسَ يُجْزِيهِ مِنْ ذَلِكَ إِلَّا عَدَد مَا حَلَفَ عَلَيْهِ (٣).

стр. 810

• إنّما قال ذلك؛ لِمَا ذكرناه: أنَّ إيجابه ذلك على نفسه طاعةً لله تعالى، فعليه أن يفي بذلك كله إن أمكنه، أو ما أمكنه في عمره، لا بد له من ذلك. ولا ينوب عنه غيره، كما لا ينوب عن العتق إذا ألزمه نفسه غيره، وكذلك عن الصلاة والصيام وأشباه ذلك، بل عليه أن يأتي بما ألزم نفسه، ولو جاز أن يعدل إلى غيره، لجاز ذلك في العتق والصلاة، وهذا فاسدٌ. ••• [٩٣٣] مَسْأَلَةٌ: قَالَ: وَمَن حَلَفَ بِالْمَشْيِ إِلَى بَيْتِ الله تَعَالَى حَافِياً، فَلْيَنْتَعِلْ، وَليُهْدِ أَحَبّ إِلَيْنَا (١). • إنّما قال ذلك؛ لأنَّ في مشيه حافياً تعذيباً لنفسه في غير طاعةٍ، فله أن ينتعل، كما أنَّ في قيامه في الشمس تعذيباً لنفسه في غير طاعة، وقد أمر النبيُّ ﷺ من أوجب على نفسه ذلك أن يتركه (٢)؛ لأنّه ليس بطاعةٍ لله تعالى. وقوله: «إنَّ عليه الهدي»، فهو على وجه الاستحباب؛ لجواز أن يكون في

стр. 811

مشيه حافياً ضربٌ من الطاعة، كما أنَّ نفس مشيه طاعةٌ، فإذا ترك ذلك لعذرٍ كان عليه الهدي. ••• [٩٣٤] مَسْأَلَةٌ: قَالَ: وَمَنْ كَانَ عَلَيْهِ مَشْيٌ (١)، فَمَشَى لِحَجِّهِ وَنَذْرِهِ وَهُوَ صَرُورَةٌ (٢)، أَجْزَأَهُ لِنَذْرِهِ وَحَجَّ مَرَّةً أُخْرَى (٣). • إنّما قال: «إنَّه يجزيه عن نذره»؛ لأنَّ النَّذر أضعف من الفرض، فلمّا جمعهما بنيةٍ واحدةٍ، كان عليه إعادة الأقوى؛ لأنّه قد أشركه في نيةٍ هي أضعف من نية الفرض. فأمّا النذر فيجزيه؛ لأنّه لمّا جعل مع النية له نية الفرض كانت أقوى، فنابت عن النذر؛ لأنَّ القوي ينوب عن الضعيف، وليس ينوب الضعيف عن القوي. ألا ترى: أنّه ينوب غسل الجنابة عن غسل الجمعة، ولا ينوب غسل الجمعة عن غسل الجنابة، وكذلك تيمُّم الفرض ينوب عن النفل، ولا ينوب تيمُّم النفل عن الفرض.

стр. 812

وهذا قول مالكٍ، وفي هذه المسألة خلافٌ بين أصحاب مالكٍ، وهذا هو الصحيح لِمَا ذكرناه. ••• [٩٣٥] مَسْأَلَةٌ: قَالَ: وَمَن كَانَ عَلَيْهِ مَشْيٌ، فَرَكِبَ اليَوْمَ واللَّيْلَةَ وَمَا أَشْبَهَ ذَلِكَ، فَلْيُهِدِ وَلَا يَعُودُ لِمَشْيِهِ (١). • إنّما قال ذلك؛ لأنَّ ركوبه يسيرٌ، وإعادة المشي، في الأصل اجتهادٌ إذا ركب فيه وليس بنص، فإذا كان يسيراً فلا إعادة عليه، وعليه الهدي بدل ما ركب. ••• [٩٣٦] مَسْأَلَةٌ: قَالَ: وَمَن كَانَ عَلَيْهِ مَشْيٌ فَمَشَى بَعْضَ الطَّريقِ، فَنَسِيَ حاجَةً لَهُ خَلْفَهُ، فَإِنَّهُ يَرْجِعُ رَاكِبَاً إِلَى حاجَتِهِ، وَيَكرُّ (٢) رَاكِبَاً إِلَى المَوْضِعِ اَلَّذِي انْتَهَى إِلَيْهِ، ثُمَّ يَمْشِي (٣). • إنّما قال ذلك؛ لأنّه قد مشى في هذا الذي ركب فيه، فلا شيء عليه. ولأنَّ مشيه كله متصلٌ من غير ركوبٍ فيه. •••

стр. 813

[٩٣٧] مَسْأَلَةٌ: قَالَ: وَمَن حَلَفَ بِالْمَشْيِ وَهُوَ عَبْدٌ ثُمَّ عَتَقَ، فَذَلِكَ عَلَيْهِ (١). • إنّما قال ذلك؛ لأنَّ العبد مِمَّن يصح عقده في ذمَّته، فعليه الوفاء بما عقد على نفسه إذا أعتق، وإنما كان المانع له سيده، لا أنَّ حجه غير صحيحٍ إذا تطوع به. ألا ترى: أنَّه لو أذن له في المشي عن نذره في حجه لجاز ذلك عنه، فكذلك يلزمه الوفاء بنذره إذا عَتَقَ؛ لزوال حقِّ سيِّده. ••• [٩٣٨] مَسْأَلَةٌ: قَالَ: وَمَن قَالَ لِشَيْءٍ لَا يُطِيقُ حَمْلَهُ: «أَنَا أَحْمِلُكَ إِلَى بَيْتِ اللَّهِ »، فَلْيَمْشِ وَيُهْدِ (٢). • إنّما قال: «إنَّه يهدي»؛ لإسقاط ثُقل حمل ما جعل على نفسه حمله، فعليه الهدي، كما إذا ركب فيما يُلزم نفسه المشي فيه لتخفيف ذلك عن نفسه. وعليه أن يحج؛ لإلزام نفسه الحج. •••

стр. 814

[٩٣٩] مَسْأَلَةٌ: قَالَ: وَمَنْ أَهَلَّ بِالْحَجِّ وَهُوَ صَرُورَةٌ عَنْ نَفْسِهِ، وَمَشَى عَنْ غَيْرِهِ، فَحَجُّهُ تَامٌّ؛ لِأَنَّهُ لَيْسَ لَهُ أَنْ يَمْشِيَ عَنْ غَيْرِهِ (١) (٢). • إنّما قال: «إنَّ حجه يجزيه عنه»؛ لأنّه لم ينوه عن غيره، وإنما نوى عن نفسه وحج عنها، فكان عمل الحج له دون غيره؛ لأنَّ الحج يصح للإنسان من غير مشيٍ فيه. ألا ترى: أنّه لو ركب بدل المشي لكان حجه تاماً، فكذلك إذا نوى مشيه عن غيره، لم يضر ذلك حجه؛ لأنَّ المشي دون الحج لا يفيد شيئاً. ألا ترى: أنَّ الإنسان إذا ألزم نفسه المشي إلى بيت الله الحرام، كان عليه حجٌّ أو عمرةٌ؛ لأنَّ المشي وحده في غير حجٍّ أو عمرةٍ ليس عمل طاعةٍ ولا يفيد شيئاً. فأمّا إذا نوى عمل الحج أو العمرة عن غيره، لم يجزه عن نفسه، وكان عليه أن يحج أو يعتمر عن نفسه؛ لأنَّ العمل بالنية، ولا يجوز له أن يعمل عملاً عن غيره، ثمّ يكون له. ••• [٩٤٠] مَسْأَلَةٌ: وَمَنْ قَالَ: «هُوَ مُحْرِمٌ بِحَجَّةٍ إِنْ فَعَلَ كَذَا وَكَذَا»:

стр. 815

(فَإِنْ كَانَتْ نِيَّتُهُ أَنَّهُ ساعَةَ يَفْعَلُهُ مُحْرِمٌ، فَهُوَ مُحْرِمٌ إِذَا فَعَلَهُ (١). (وَإِنْ لَمْ تَكُنْ نِيَّتُهُ، فَلْيُحْرِمْ فِي إِبَّانِ الإِحْرَامِ، وَيُهْدِي أَحَبُّ إِلَيْنَا (٢). • إنّما قال ذلك؛ لأنَّ عليه أن يفعل من ذلك ما نواه وعقده على نفسه، فإن لم تكن له نيةٌ أخَّره إلى إبَّان الحج وشهوره؛ لاستحباب الإحرام بالحج في شهوره. وعليه الهدي؛ لجواز أن يكون كان الإحرام عليه في وقت الفعل، فأخَّره إلى شهور الحج. ••• [٩٤١] مَسْأَلَةٌ: قَالَ: وَإِنْ قَالَ: «أَنَا مُحْرِمٌ بِعُمْرَةٍ»، فَهُوَ مُحْرِمٌ بِهَا حِيْنَ يَحْنَث، وَيُقِيْمُ حَتَّى يَجِدَ صَحَابَةً تَخْرُجُ - إِنْ لَمْ يَجِدْ مَنْ يَخْرُجُ مَعَهُ - (٣). • إنّما قال ذلك؛ لأنَّ الإحرام بالعمرة يجوز في كلّ وقتٍ، فلزمه ذلك حين حنث؛ لأنّه قد ألزمه نفسه فيه، والإحرام بالحج، فالاختيار (٤) فيه أن يكون

стр. 816

في شهور الحج، فافترقا لهذا المعنى، إلّا أن تكون نيته أنّه محرمٌ بالحج حين يحنث، فيلزمه الإحرام به حينئذٍ كما ألزم نفسه. ••• [٩٤٢] مَسْأَلَةٌ: قَالَ: وَمَنْ جَعَلَ عَلَى نَفْسِهِ أَنْ يُحْرِمَ مِنَ المَدِيْنَةِ بِعُمْرَةٍ، فَلْيُحْرِمْ مِنْ ذِي الحُلَيْفَةِ، وَلَكِنْ (١) يَغْتَسِلُ بِالمَدِيْنَةِ، وَيَتَجَرَّدُ فِيْهَا لِمَوضِعِ مَا قَالَ مِنَ المَدِيْنَةِ، وَيُحْرِم مِنْ ذِي الحُلَيْفَةِ (٢). • إنّما قال ذلك؛ لأنَّ ذا الحليفة ميقات النبيِّ ﷺ ، فوجب أن يحرم منها، لأنَّ من لزمه الإحرام بالحج من المدينة كان له أن يحرم من ذي الحليفة، فكذلك هذا الحالف لمّا لزمه الحج من المدينة كان له أن يحرم من ذي الحليفة، ولأنها ميقات رسول الله ﷺ أيضاً. ••• [٩٤٣] مَسْأَلَةٌ: قَالَ: وَمَنْ كَانَ عَلَيْهِ مَشْيٌ مِنَ الإِسْكنْدرِيَّةِ، فَمَشَى إِلَى

стр. 817

الفُسْطَاطِ فَأَقَامَ بِهَا شَهْرَاً، ثُمَّ خَرَجَ مَاشِيَاً، فَلَا شَيْءَ عَلَيْهِ (١)، وَإِنْ أَتَى المَدِيْنَةَ فَأَقَامَ بِهَا أَيْضَاً (٢) ثُمَّ مَشَى (٣)، فَلَا شَيْءَ عَلَيْهِ (٤). • إنّما قال ذلك؛ لأنَّ هذا قد وصل مشيه ولم يركب فيه شيئاً، ولا يضره ما أقام في خلال مشيه؛ لأنَّ الذي عليه أن يمشي الطريق كله ولا يركب فيه، سواءٌ وصل مشيه أو قطعه بإقامةٍ. ••• [٩٤٤] مَسْأَلَةٌ: قَالَ: وَمَنْ قَالَ: «عَلَيَّ المَشْيُ إِلَى بَيْتِ الله »، فَإِنَّمَا يَمْشِي مِنْ حَيْثُ حَلَفَ (٥). • إنّما قال ذلك؛ لأنّه هو الموضع الذي ألزم نفسه منه الحج، فعليه أن يمشي منه. ••• [٩٤٥] مَسْأَلَةٌ: قَالَ: وَمَنْ حَلَفَ أَنْ يَحْمِلَ شَيْئَاً لَا يَقْوَى عَلَى حَمْلِهِ إِلَى

стр. 818

بَيْتِ الله الحَرَامِ، ثُمَّ مَشَى فَعَجزَ فَرَكِبَ، فَيُجْزِيهِ هَدْيٌ وَاحِدٌ؛ لِأَنَّ الهَدْيَ الأَوَّلَ لَيْسَ مِمَّا مَضَتْ بِهِ السُّنَّةُ (١). • إنّما قال ذلك؛ لأنَّ الهديين جميعاً هما من جنسٍ واحدٍ، وإذا اجتمعا، اجتزأ بأحدهما؛ لأنَّ ذلك إنّما هو من عَجْزِ مَشْيٍ وَعَجْزِ حَمْلِ نقلٍ، فكان حكمه واحداً، وذلك كمثل السهو في الصلاة إذا تكرر أنّه يجزي منه سجودٌ واحدٌ، والحدث إذا تكرر يجزي منه طهورٌ واحدٌ. ••• [٩٤٦] مَسْأَلَةٌ: قَالَ: وَمَنْ مَشَى فِي مَشْيٍ عَلَيْهِ غَيْر مَرَّةٍ حَتَّى قَضَاهُ، فَإِنَّمَا عَلَيْهِ فِي جَمِيْعِ ذَلِكَ هَدْيٌ وَاحِدٌ إِذَا كَانَ ذَلِكَ فِي شَيْءٍ (٢) وَاحِدٍ (٣). • يعني: إذا ركب فيه، أنَّ عليه هدياً واحداً؛ لأنَّ هذا مشيٌ واحدٌ، وإن كان قد كرَّر اللفظ في إيجابه على نفسه، كما يكرر لفظ اليمين إذا حلف فتكون يميناً واحدةً وعليه فيها كفارةٌ واحدةٌ، إلّا أن يكون يريد استئنافها فتكون أيماناً، لكل يمينٍ منها كفارةٌ. ••• [٩٤٧] مَسْأَلَةٌ: قَالَ: وَمَنْ كَانَ عَلَيْهِ مَشْيٌ، فَمَشَى عَقبَةً وَرَكِبَ عَقبَةً، فَلْيُعِدِ

стр. 819

المَشْيَ مِنْ أَوَّلِهِ؛ [لِأَنَّ] (١) هَذَا مُسْتَرِيْحٌ، وَإِنَّمَا يُعِيْدُ المَشْيَ (٢) مِنْ حَيْثُ انْتَهَى: مَنْ مَشَى فَعَجزَ (٣). • إنّما قال ذلك؛ لأنَّ هذا قد اختار قطع المشي من غير عذرٍ، فعليه الإعادة؛ لأنّه أتى به على خلاف ما أوجبه على نفسه مع قدرته أن يأتي به متصلاً. فأمّا إذا عجز عن المشي فركب، فعليه الهدي بدل ما ركب؛ لأنّه لم يختر قطعه مع قدرته على ذلك. ••• [٩٤٨] مَسْأَلَةٌ: قَالَ: وَمَنْ مَاتَ وَعَلَيْهِ مَشْيٌ، فَلْيُهْدَ عَنْهُ، وَلَا يُمْشَى عَنْ مَيِّتٍ. فَإِنْ وَعَدَهُ بِذَلِكَ بَعْضُ وَلَدِهِ، فَلْيَمْشِ عَنْهُ أَحَبُّ إِلَيْنَا إِنْ وَعَدَهُ (٤). • إنّما قال ذلك؛ لأنَّ المشي في الحج عملٌ من أعمال البدن، فلا يفعله أحدٌ عن أحدٍ، وذلك كالصلاة والصيام، لا يفعلهما أحدٌ عن أحدٍ، فالحجّ مثله. وقد رَوَى حماد بن زيد، عن أيوب، عن نافع، عن ابن عمر قال: «لَا يُصَلِّي أَحَدٌ عَنْ أَحَدٍ، وَلَا يَصُومُ أَحَدٌ عَنْ أَحَدٍ، ولا يَحُجُّ أَحَدٌ عَنْ أَحَدٍ» (٥).

стр. 820

ويُخْرَجُ بدل ذلك هديٌ من ماله؛ لأنّه لمّا عجز عن المشي بالموت، كان بمنزلة عجزه عن المشي في حال حياته، فعليه الهدي. فإن أوصى أحداً من ولده بالمشي عنه أو وعده بذلك، مشى عنه وحجّ؛ لأنَّه وعده بذلك، فيستحب له فعله. ولأنَّ من أهل العلم من يقول: «إنه يحج عنه الفرض والنذر»، فلهذا تنفذ وصيته إذا أوصى بالحج عنه؛ لأنَّ في ذلك اختلافاً بين أهل العلم. ••• [٩٤٩] مَسْأَلَةٌ: قَالَ: وَمَنْ كَانَ عَلَيْهِ مَشْيٌ وَهُوَ صَرُورَةٌ (١)، فَلْيَدْخُلْ بِعُمْرَةٍ مَاشِيَاً، ثُمَّ يُهِلُّ بِالحَجِّ بَعْدَ حُلُولِهِ، فَيُجْزِيهِ مِنْ حَجَّةِ الإِسْلَامِ وَمَشْيِهِ، وَعَلَيْهِ الهَدْيُ لِمُتْعَتِهِ (٢). • إنّما قال ذلك؛ ليجتمع له في مشيٍ واحدٍ أداء النذر والحج؛ لأنّه يمشي في نذره ويعتمر، ثمّ يهل بالحج عن فرضه، فيكون قد أدَّى الفرض والنذر جميعاً. وعليه الهدي في متعته؛ لأنّه قد جمع حجّاً وعمرةً في سفرٍ واحدٍ، وقد أوجب الله على المتمتع الهدي. •••

стр. 821

[٩٥٠] مَسْأَلَةٌ: قَالَ: وَمَنْ كَانَ عَلَيْهِ مَشْيٌ مِنْ أَهْلِ الأَنْدَلُسِ، فَمَشَى إِلَى البِحَارِ، ثُمَّ رَكِبَ البَحْرَ، ثُمَّ مَشَى حِيْنَ وَصَلَ إِلَى البَرِّ، قَالَ (١): يُجْزِي عَنْهُ وَلَا هَدْيَ عَلَيْهِ (٢). • إنّما قال ذلك؛ لأنَّ البحر طريقهم إلى الحج وبهم ضرورةٌ إلى ركوبه، فلا هدي عليهم؛ لأنهم لم يختاروا ركوب البحر مع قدرتهم على المشي. ••• [٩٥١] مَسْأَلَةٌ: قَالَ: وَمَنْ نَذَرَ أَنْ يَمْشِيَ إِلَى مَسْجِدٍ يُصَلِّي فِيْهِ: (فَإِنْ كَانَ قَرِيْبَاً، فَلْيُصَلّ فِيْهِ. (وَإِنْ كَانَ لَا يُنَالُ إِلَّا بِرِحْلَةٍ، فَلَيْسَ ذَلِكَ عَلَيْهِ (٣). • إنّما قال ذلك؛ لأنَّ المشي لا يكون إلّا إلى المسجد الحرام دون غيره من المساجد. كذلك لا [يجوز له] (٤) الركوب للصلاة إلى غير ثلاثة مساجد: مسجد الحرام، ومسجد المدينة، ومسجد بيت المقدس، فمتى ألزم نفسه إتيان مسجدٍ

стр. 822

غير هذه الثلاثة المساجد، لم يلزمه ذلك؛ لأنَّ النبيَّ ﷺ قال: «لَا تُشَدُّ الرِّحَالُ إِلَّا إِلَى ثَلَاثَةِ مَسَاجِدَ، المَسْجِدِ الحَرَامِ، وَالمَسْجِدِ الأَقْصَى، وَمَسْجِدِي». رواه سفيان، عن الزهري، عن سعيدٍ، عن أبي هريرة، عن النبيِّ ﷺ (١). ورواه هشام، عن قتادة، عن قزعة، عن أبي سعيدٍ، عن النبيِّ ﷺ (٢). ورواه بصرة بن أبي بصر (٣) الغفاري، عن النبيِّ ﷺ (٤). وهذا ألزم نفسه الإتيان إلى غير هذه الثلاثة المواضع، فليس عليه أن يأتيها، وعليه أن يأتي هذه الثلاثة المساجد إذا ألزم نفسه الصلاة فيها، أو الحج أو العمرة في مسجد الحرام. فأمّا إن أراد أحدٌ أن يتطوع بإتيان مسجدٍ غير هذه الثلاثة، فلا بأس عليه في ذلك، وقد رَوَى مالك وعبيد الله، عن نافع، عن ابن عمر: «أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ كَانَ يَأْتِي قُبَاءً رَاكِبَاً وَمَاشِيَاً» (٥)، يعني: مسجد قباء فيصلِّي فيه. فإذا كان المسجد قريباً غير هذه الثلاثة المساجد، فإنّه إن شاء صلى فيه،

стр. 823

وإن شاء صلى في موضعه، فإن تباعد لم يلزمه إتيانه لِمَا ذكرناه؛ ولأنَّ إتيان غير هذه المساجد مباحٌ، فإن شاء فعل وإن شاء لم يفعل. ••• [٩٥٢] مَسْأَلَةٌ: قَالَ: وَمَنْ نَذَرَ أَنْ يَمْشِيَ إِلَى بَيْتِ المَقْدِسِ أَوِ المَدِيْنَة: (فَإِنْ كَانَ أَرَادَ الصَّلَاةَ فِيْهِمَا، فَلْيَرْكَبْ وَلَا مَشْيَ عَلَيْهِ حَتَّى يُصَلِّيَ فِيْهِمَا. (وَإِنْ كَانَ لَمْ يُرْدِ الصَّلَاةَ وَأَرَادَ المَشْيَ، فَلَا شَيْءَ عَلَيْهِ (١). • إنّما قال ذلك؛ لأنّه إذا أراد الصلاة فيهما، فعليه أن يأتيهما ليصلِّي فيهما؛ لأنَّ الصلاة فيهما طاعةٌ لله جَلَّ وَعَزَّ، وفيه فضلٌ كبيرٌ على الصلاة في غيرهما، إلّا المسجد الحرام. وإن لم يرد الصلاة فيهما وإنما أراد المشي إليهما حسب، فليس عليه أن يمشي إليهما؛ لأنّه لا أصل للمشي إليهما في الطاعات حتى إذا ألزمه نفسه وجب عليه، وليس هما في ذلك كالمشي إلى الكعبة؛ لأنّ المشي إلى الكعبة له أصلٌ في الطاعة، فإذا ألزم نفسه ذلك وجب عليه المشي في حجٍّ أو عمرةٍ. وإذا أوجب على نفسه المشي إلى مسجد المدينة أو بيت المقدس، لم يلزمه ذلك؛ إذ لا أصل للمشي إليهما.

стр. 824

فإن أراد الصلاة فيهما، ركب وصلّى؛ لأنَّ للصلاة فيهما وفضلهما على غيرهما أصلاً، فعليه أن يأتيهما لذلك. وإن لم يرد الصلاة فيهما، لم يكن عليه أن يأتيهما؛ إذ لا أصل للمشي إليهما، ولم يرد الصلاة فيهما، فليس عليه شيءٌ، إذ مشيه دون الصلاة فيهما ليس بطاعةٍ، وإنما عليه أن يفي بما يلزم نفسه إذا كان طاعةً لله . ••• [٩٥٣] مَسْأَلَةٌ: قَالَ: وَمَنْ حَلَفَ بِالْمَشْيِ إِلَى بَيْتِ اَللَّهِ وَأَضْمَرَ (١) المَسْجِدَ (٢)، أَجْزَأَهُ ذَلِكَ (٣). • إنّما قال ذلك؛ لأنّه الذي قصده وأراده، فعليه أن يأتي بما أراد دون غيره؛ لأنَّ العمل بالنية، ولا يلزم الإنسان غير ما أراده إذا كان من حقوق الله جل ثناؤه. فأمّا ما كان من حقِّ آدميٍّ، فإنّه يلزمه بظاهر القول أو الفعل وإن لم تُعْلم منه إرادةٌ (٤). •••

стр. 825

[٩٥٤] مَسْأَلَةٌ: قَالَ: وَمَنْ نَذَرَ أَنْ يَنْحَرَ بَدَنَةً بِبَلَدٍ مِنَ اَلْبُلْدَانِ، فَلْيَنْحَرْ بِبَلَدِهِ. قُلْتُ: فَإِنْ نَذَرَهَا لِمَسَاكِينِ أَهْلِ ذَلِكَ اَلْبَلَدِ؟ قَالَ: وَإِنْ نَذَرَهَا، فَلْيَنْحَرهَا بِمَوْضِعِهِ اَلَّذِي حَلَفَ عَلَيْهِ، وَلَا تُسَاقُ اَلْبُدُنُ إِلَّا إِلَى مَكَّةَ خَاصَّةً. وَقَدْ قِيلَ: يَنْحَرهَا بِذَلِكَ اَلْبَلَدِ إِذَا أَرَادَ مَسَاكِينَهَا وَلَمْ يُرِدْ بِهِ اَلتَّعْظِيمَ، وَذَلِكَ أَحَبُّ إِلَيْنَا (١). • وجه قوله: «إنه ينحرها في موضعها»؛ فلأنه كأنه أوجبه لأهل البلد الذي هو فيه، فلا يجوز نقلها إلى غيره من البلدان من مكة وغيرها، كما لو أوجب لمساكين أهل البلد على نفسه صدقةً أو طعاماً، لم يجز نقله عنهم إلى غيرهم. وكذلك الزكاة، لا ينبغي نقلها من بلد المزكِّي إلى غيره، فكذلك ما نذر نحره من البدن وغيرها. ولا يجوز سوقها إلى البلد الذي نذر نحرها فيه؛ لأنّه لا يجوز سوق هديٍ إلى غير مكة؛ من قِبَلِ أنّه لا يجوز تعظيم غير الكعبة كتعظيم الكعبة، وفي سوق الهدي إلى غيرها تعظيمٌ لغيرها، وقد قال الله سبحانه: ﴿هَدْيًا بَالِغَ الْكَعْبَةِ﴾ [المائدة:٩٥]، وقال تعالى: ﴿ثُمَّ مَحِلُّهَا إِلَى الْبَيْتِ الْعَتِيقِ﴾ [الحج:٣٣]، فلا يجوز نقل هدي من موضعٍ إلى موضعٍ غير الكعبة بهذه الدلالة.

стр. 826

وكما لم يجز أن يمشي إلى غير الكعبة إذا ألزم الإنسان نفسه المشي إليه، ويلزمه في الكعبة، فكذلك لا يلزمه نقل هديٍ أو نحر شيءٍ إلى الموضع الذي سمَّاه؛ لأنَّ ذلك إنّما هو بمكة خاصةً. وجه قوله (١): «إنه ينحرها في الموضع الذي نذرها، يسوقها إليه إذا أراد مساكينها ولم يرد التعظيم للبلد»؛ فلأنه إنّما أوجبها لمساكين ذلك البلد، فعليه نقلها إليهم، كما يلزمه نقل ما يُلْزِمُ نفسه من تفرقة صدقة تطوعٍ عليهم أو شيئاً من هذا الجنس؛ لأنّه قد أوجبه لهم، فكذلك نحر البدن وغيرها. وليس طريق هذا الهدي، بل هذا إنّما هو على وجه إطعامهم لحم الشّيء المنحور فيهم. ألا ترى: أنَّ النّحر في الأصول قد يكون على غير وجه الهدي، من ذلك: الضحايا، والعقائق، ونسك الأذى (٢).

стр. 827

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ باب ما جاء في الضَّحَايَا (١) * [٩٥٤ - ١] قَالَ مِقْدَامُ: قَالَ ابْنُ عَبْدِ الحَكَمِ: قُلْتُ: أَرَأَيْتَ الضَّحِيَّةَ، أَسُنَّةٌ هِيَ؟ قَالَ: نَعَمْ، قَالَ رَسُولُ الله ﷺ : «أُمِرْتُ بِالنَّحْرِ، وَهُوَ لَكُمْ سُنَّةٌ». قُلْتُ: وَعَلَى مَنْ تَجِبُ؟ قَالَ: عَلَى كُلِّ مَنْ وَجَدَ إِلَيْهَا السَّبِيْلَ مِنَ المُسْلِمِيْنَ: مِنْ أَهْلِ المَدَائِنِ، وَأَهْلِ القُرَى، وَأَهْلِ العَمُودِ، وَأَهْلِ الحَضَرِ، وَأَهْلِ السَّفَرِ، إِلَّا الحَاجّ الَّذِيْنَ بِمِنَى، فِإِنَّهُ لَا ضَحِيَّةَ عَلَيْهِمْ (٢). ••• * [٩٥٤ - ٢] وَالسِّنُّ التِي تَجُوزُ فِي الضَّحَايَا: الجَذَعُ مِنَ الضَّأْنِ، وَالثَّنِيّ مِمَّا سِوَاهُ، وَالثَّنِيُّ مِنْ ذَلِكَ كُلِّهِ أَحَبُّ إِلَيْنَا (٣). •••

стр. 828

* [٩٥٤ - ٣] وَأَفْضَلُ الضَّحَايَا: الفُحُولُ مِنَ الضَّأْنِ، وِإِنَاثُهَا خَيْرٌ مِنْ فُحُولِ المَعزِ، وَفُحُولُ المَعزِ خَيْرٌ مِنْ إِنَاثِهَا، وَإِنَاثُ المَعزِ خَيْرٌ مِنَ الإِبِلِ وَالبَقَرِ (١). ••• * [٩٥٤ - ٤] قُلْتُ: فَمَا الذِي يُتَّقَى مِنْ ذَلِكَ؟ قَالَ: العَيْبُ كُلُّهُ، وَالسَّلَامَةُ مِنْهُ أَفْضَلُ، وَلَا يُضَحِّي بِعَوْرَاءَ وَلَا عَمْيَاءَ وَلَا مَرِيْضَةٍ وَلَا عَرْجَاءَ، وَلَا بَأْسَ بِالظَّلْعِ الخَفِيْفِ التِي تَلْحَقُ بِهِ الغَنَمَ (٢). ....... (٣) «لا مُقَابَلَةٍ وَلَا مُدَابَرَةٍ، وَلَا شَرْقَاءَ وَلَا خَرْقَاءَ». ورَوَى زهيرٌ، قال: حدثنا أبو إسحاق، عن شريح بن النعمان (٤) - وكان رجل صدقٍ - عن عليٍّ ﵁ قال: «أَمَرَنَا رَسُولُ اللهِ ﷺ أَنْ نَسْتَشْرِفَ العَيْنَ وَالأُذُنَ، وَلَا نُضَحِّيَ بِعَوْرَاءَ، وَلَا مُقَابَلَةٍ، وَلَا مُدَابَرَةٍ، وَلَا خَرْقَاءَ، وَلَا شَرْقَاءَ. قَالَ زُهَيْرٌ: فَقُلْتُ لِأَبِي إِسْحَاقَ: أَذَكَرَ عَضْبَاءَ؟، قَالَ: لَا، قَالَ فَمَا المُقَابَلَةُ؟، قَالَ: قَطْعُ طَرَفِ الأُذُنِ، قُلْتُ فَمَا المُدَابَرَةُ؟، قَالَ: يُقْطَعُ مِنْ مُؤَخَّرِ الأُذُنِ، قُلْتُ: فَمَا الشَّرْقَاءُ؟، قَالَ: تُشَقُّ الأُذُنُ، قُلْتُ: فَمَا الخَرْقَاءُ؟، قال: تَخْرِقُ أُذُنَهَا السِّمَةُ» (٥). •••

стр. 829

[٩٥٥] مَسْأَلَةٌ: قَالَ: وَلَا يُضَحِّي بِعَجْفَاءَ لَا شَحْمَ فِيْهَا (١). • إنّما قال ذلك؛ لأنَّ النبيَّ ﷺ قال: «وَالعَجْفَاءُ الَّتِي لَا تُنْقِي» (٢)، يعني: التي لا شحم فيها؛ لأنّها إذا كانت كذلك فهي أكثر ضرراً على المساكين على العمياء والعوراء؛ لأنهم لا ينتفعون بها كذلك كبير منفعةٍ. ••• [٩٥٦] مَسْأَلَةٌ: قَالَ: وَلَا بَأْسَ بِالجَمَّاءِ (٣)، وَالمَكْسُورَةِ القَرْنِ إِذَا كَانَ لَا يدْمَى (٤). • إنّما قال ذلك؛ لأنَّ القرن ليس مما يؤكل، فإذا أعدم جازت الأضحية بها، فأمّا إذا كان مكسوراً يدمى فلم يجز؛ لأنَّ ذلك عيبٌ فيها. ••• [٩٥٧] مَسْأَلَةٌ: قَالَ: وَلَا بَأْسَ بِالشّقِّ اليَسِيْرِ مِنَ (٥) المَسْمِ (٦) (٧).

стр. 830

• إنّما قال ذلك؛ لأنَّ هذا لا يضرها ولا يؤثر فيها، وتحتاج إلى السمة لتُعْرَف. ••• [٩٥٨] مَسْأَلَةٌ: قَالَ: وَإِنِ انْكَسَرَتْ أُضْحِيَةٌ فَجُبِرَتْ، فَلَا بَأْسَ بِهَا (١). • إنّما قال ذلك؛ لأنَّ العيب قد زال منها وهو الكسر إذا جُبر، فلا بأس بها، كالمرض إذا زال. ••• [٩٥٩] مَسْأَلَةٌ: قَالَ: وَلَا بَأْسَ بِالضَّحِيَّةِ بِالهَرِمَةِ (٢). • إنّما قال ذلك؛ لأنَّ الهرم ليس عيباً يمنع من الأضحية، فجاز أن يُضَحَّى بها. ••• [٩٦٠] مَسْأَلَةٌ: قَالَ: وَلَا يَجُوزُ شَيْءٌ مِنَ الوَحْشِ فِي أُضْحِيَةٍ، وَلَا عَقِيْقَةٍ، وَلَا نسكٍ (٣). • إنّما قال ذلك؛ لأنَّ النسك في الواجبات والقرب، وكذلك الهدايا،

стр. 831

إنّما يجعل في بهيمة الأنعام، وهي: الإبل والبقر والغنم، دون غيرها من الوحش والطير؛ قال الله جَلَّ وَعَزَّ: ﴿وَالْبُدْنَ جَعَلْنَاهَا لَكُمْ مِنْ شَعَائِرِ اللَّهِ﴾ [الحج:٣٦]، وقال سبحانه: ﴿وَالْهَدْيَ مَعْكُوفًا أَنْ يَبْلُغَ مَحِلَّهُ﴾ [الفتح:٢٥]، وقال تعالى: ﴿فَجَزَاءٌ مِثْلُ مَا قَتَلَ مِنَ النَّعَمِ﴾ [المائدة:٩٥]، فلا يجوز أن يكون الهدي والنسك من غير بهيمة الأنعام. وبذلك وردت السنة عن النبيِّ ﷺ وأصحابه ﵃. ••• [٩٦١] مَسْأَلَةٌ: قَالَ: وَلَا يُضَحِّي بِالسَّاقِطَةِ الأَسْنَانِ، إِلّا مِنْ كِبَرٍ، إلَّا مِنْ حَفَاءٍ (١) مِنْ غَيْرِ كِبَرٍ (٢) (٣). • إنّما قال ذلك؛ لأنّه إذا كان من غير كبرٍ فهو من مرضٍ، فلا يجوز أن يضحِّي بها؛ لأنَّ ذلك عيبٌ فيها، وقد نهى النبيُّ ﷺ عن المريضة أن يُضحَّى بها. وإذا كان من كبر، جاز أن يضحَّى بها؛ لأنَّ ذلك غير مرضٍ فيها. ••• [٩٦٢] مَسْأَلَةٌ: قَالَ: وَإِذَا أَصَابَ الشَّاةَ الحَمَر (٤) الشَّدِيْدَ، فَذَلِكَ مَرَضٌ (٥).

стр. 832

• إنّما قال ذلك؛ لأنَّ الحَمَر مرضٌ يحدث فيها، وذلك عيبٌ، ولا تجوز الأضحية بمعيبةٍ. ••• [٩٦٣] مسألة: قال: ويستحب للرجل أن يضحِّيَ عنه وعن أهل بيته بكبشٍ كبشٍ، وإن ضحَّى بكبشٍ واحدٍ عنهم، أجزأه (١). • إنّما قال ذلك؛ لأنَّ الأضحية سُنةٌ على ما ذكرناه، فيستحبُّ للإنسان أن يضحِّي عن نفسه، وعن كلِّ واحدٍ من أهله بكبشٍ كبشٍ، كما يُستحبُّ لكل إنسانٍ أن يأتي بالسُّنن التي قد أُمِر بها. فإن ضحَّى عنه وعنهم بكبشٍ واحدٍ أجزأه، وقد فعل ذلك رسول الله ﷺ . فرَوَى يعلى (٢)، حدثنا يحيى (٣)، عن أبيه (٤)، عن أبي هريرة قال: «ضَحَّى رَسُولُ اللهِ ﷺ بِكَبْشَيْنِ أَقْرَنَيْنِ أَمْلَحَيْنِ مَوْجِيَّيْنِ، فَقَرَّبَ أَحَدَهُمَا فَقَالَ: بِسْمِ اللهِ،

стр. 833

مِنْكَ وَإِلَيْكَ، اللَّهُمَّ هَذَا عَنْ مُحَمَّدٍ وَأَهْلِ بَيْتِهِ، ثُمَّ قَرَّبَ الآخَرَ فَقَالَ مِثْلَ ذَلِكَ، ثُمَّ قَالَ: اللَّهُمَّ هَذَا عَمَّنْ يُوَحِّدُكَ مِنْ أُمَّتِي» (١). ورَوَى عبيد الله، عن نافع، عن ابن عمر: «أَنَّهُ كَانَ يُضَحِّي عَنْ كُلِّ صَغِيرٍ وَكَبِيرٍ» (٢). ••• [٩٦٤] مسألة: قال: ولا يشترك القوم في الأضحية، يخرجون الثمن جميعاً ويقتسمون اللحم على قدره، ولا يجوز ذلك للرفقاء في السفر (٣). • إنّما قال ذلك؛ لأنَّ الأضحية سُنَّةٌ على كلّ إنسانٍ في نفسه، وأقل ما يجوز فيها الجذع من الضأن والثني من غيره. وليس يجوز أن يشتركوا في شيءٍ منها؛ لأنَّ على كلّ واحدٍ أن يذبح عن نفسه ذبحاً كاملاً لا شركاً في المذبوح.

стр. 834

فإن قيل: إنَّ النبيَّ ﷺ قد ضحَّى عنه وعن أهل بيته بكبشٍ فشركهم فيه (١) (٢)؟ قيل: هذا جائزٌ عندنا إذا فعله الإنسانُ مثل ما فعله النبيُّ ﷺ ؛ لأنَّ ملك المذبوح لواحدٍ، وإنما شركهم في الثواب، وإنما الذي لا يجوز أن يشتركوا في الثمن، ثمّ يشتركون في الذبح؛ من قِبَلِ أنَّه يصير حينئذٍ كأنه أخرج جزءاً من لحمٍ، لا أنَّه ذبح أضحيةً (٣). ولأنَّ الشركة في اللحم توجب القسمة متى طالب أحدهم بذلك، والقسمة بيع، ولا يجوز بيع لحوم الأضاحي، ولا يجوز لهم أن يقتسموا فيؤدِّي هذا الفعل إلى دفع أصلٍ واجبٍ وهي القسمة، وما أدَّى إلى دفع أصلٍ ثابتٍ فهو فاسد (٤). فإن قيل: إنَّ مالكاً رَوَى وابن جريج، عن أبي الزبير، عن جابرٍ، قال: «نَحَرْنَا مَعَ رَسُولِ اللهِ ﷺ البَدَنَةَ عَنْ سَبْعَةٍ» (٥)، وفي حديث مالكٍ: «وَالبَقَرَةَ عَنْ سَبْعَةٍ»، فقد اشتركوا في الهدي (٦)؟

стр. 835

قيل له: معنى هذا الخبر عندنا، هو كذبح النبيِّ ﷺ الكبش عنه وعن أهل بيته، وعنه وعن أمته؛ لأنَّ ملك البدن كان للنبي ﷺ ، وإنما فرقها على أصحابه لينحروها، لا أنهم اشتركوا فيها بالشري، وهذا جائزٌ؛ لأنهم متطوعون بالذبح، لا أنهم ذبحوا عن شيءٍ واجبٍ فُرِض عليهم، أو سُنةٍ مؤكَّدةٍ كالأضحية. وقد اختلف قول مالك في جواز الاشتراك في هدي التطوع (١): فأجازه كجواز النبيِّ ﷺ لأهل الحديبية أن يشتركوا في الهدي التطوع. وكرهه، ووجه كراهته: أنَّ سبيل هدي التطوع في أنّه لا يجوز الاشتراك فيه كسبيل الفرض. ألا ترى: أنّه لا يجوز فيه من السن والسلامة من العيب إلّا ما يجوز في الفرض، وقصة أهل الحديبية، فإنهم لم يشتروا شيئاً، وإنما دفع النبيُّ ﷺ الهدي إليهم لينحروه فيأكلوه ويتصدقوا منه. ••• [٩٦٥] مسألة قال: ولا بأس أن يبدل الرّجل ضحيته بمثلها، ويبدلها بخيرٍ منها أفضَلُ، ولا يبدلها بشرٍّ منها، وإن دخلها عيبٌ قبل أن ينحرها، أبدلها (٢). • إنّما قال ذلك؛ لأنَّ الضحية إنّما تجب بالذبح أو بالقول، فلا بأس أن يبدلها بخيرٍ منها ما لم يوجبها.

стр. 836

ويكره له بدلها بدونها؛ لأنّه قد نوى إخراج شيءٍ لله ، فلا ينبغي له الرجوع فيه. فأمّا إذا أوجبها قولاً أو فعلاً، أعني: ذبحها، فلا يجوز له إبدالها، كما لا يجوز له إبدال الهدي إذا قلده وأشعره؛ لأنَّ وجوب ذلك كله قد استقر. وقوله: «إنه يبدلها إذا دخلها عيبٌ»، فلهذا المعنى أيضاً؛ لأنّها إنّما تجب بالذبح أو القول، فإذا لم يستقر وجوبها، ثمّ أصابها عيبٌ كان عليه أن يبدلها؛ لأنَّ العيب لا يجوز في الأضحية. ••• [٩٦٦] مسألة: قال: وإن باع رجل ضحيةً بثمنٍ، فلا يشتري خيراً منها بدون ثمنها، ولا يشتري إلّا بثمنها مثلها أو أفضل منها، وإن اشترى بدون ثمنها والفضل له (١)، فلا يبدلها (٢). • إنّما قال ذلك؛ لأنّه قد أخرج الثمن لله ، فلا ينبغي له أن يرجع فيه فيشتري بدون ذلك الثمن، سواءً كانت خيراً مما باعها أو دونها. وهذا هو على وجه الاستحباب، فأمّا الوجوب فلا؛ لأنّها لم تجب بالشري، وإنما تجب بالذبح أو القول على ما ذكرناه، وإذا كان كذلك، كان له الفضل إذا اشتراها بدون ثمنها الذي باعها به. •••

стр. 837

[٩٦٧] مسألة: قال: ولا يذبح للرجل أحدٌ غيره، إلّا من علةٍ أو مرضٍ، فإن فعل فلا إعادة عليه. وقد قيل: إنه يبدل، والأول أعجب إلينا (١). • إنّما قال ذلك؛ لأنَّ النبيَّ ﷺ ذبح ضحيته بيده، فيجب على الإنسان أن يذبح بيده إذا كان ممن يمكنه ذلك، تأسياً بفعل النبيِّ ﷺ . وقد رَوَى ابن وهب، قال: أخبرني حيوة، قال: أخبرني أبو صخر (٢)، عن ابن قسيط (٣)، عن عروة بن الزبير، عن عائشة ﵂: «أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ أَمَرَ بِكَبْشٍ أَقْرَنَ، فَأُتِيَ بِهِ، فَضَحَّى بِهِ، فَأَضْجَعَهُ وَذَبَحَهُ وَقَاَل: بِاسْمِ اللهِ، اللَّهُمَّ تَقَبَّلْ مِنْ مُحَمَّدٍ وَآلِ مُحَمَّدٍ، وَمِنْ أُمَّةِ مُحَمَّدٍ، ثُمَّ ضَحَّى بِهِ» (٤). ورَوَى وهيب، عن أيوب، عن أبي قلابة، عن أنس: «أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ نَحَرَ سَبْعَ بَدَنَاتٍ بِيَدِهِ قِيَامَاً، وَضَحَّى بِالمَدِينَةِ بِكَبْشَيْنِ أَقْرَنَيْنِ أَمْلَحَيْنِ» (٥). فلهذا قال مالكٌ: «إنه يجب أن يباشر الإنسان ذبح الهدي والأضحية بيده إذا كان يمكنه ذلك، فمتى لم يفعل ذلك، أعاد».

стр. 838

ووجه قوله: «إنَّه لا يعيد»، فلأنَّ ذبح النبيِّ ﷺ بيده إنّما هو على وجه الاختيار له، لا أنَّ ذلك واجبٌ. ألا ترى: أنّه قد نحر بعض هديه بيده، وأمر علي بن أبي طالب ﵁ فنحر باقيه. فرَوَى الثوري، حدَّثنا عبد الكريم، عن مجاهد، عن عبد الرحمن بن أبي ليلى، عن علي ﵁ قال: «بَعَثَنِي رَسُولُ اللهِ ﷺ أَقُومَ عَلَى البُدْنِ، فَأَمَرَنِي أَنْ لَا أُعْطِيَ فِي جِزَارَتِهَا شَيْئَاً» (١). وفي غير هذا الحديث: «أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ نَحَرَ سِتَّاً وَسِتِّينَ بَدَنَةً بِيَدِهِ، وَنَحَرَ عَلِيٌّ ﵇ بَاقِيهَا، وَكَانَتْ مِئَةً» (٢)، فقد نحر النبيُّ ﷺ وغيره، وكذلك يجوز للإنسان أن ينحر له غيره. ••• [٩٦٨] مسألة: قال: وإن ذبح نصراني ضحية مسلمٍ، أعاد في أيام الذبح (٣). • إنّما قال ذلك؛ لأنّه لا يجوز لمسلمٍ أن يستعين في أمر دينه وما يتقرب به إلى الله بكافرٍ، وقد قال رسول الله ﷺ : «لَنْ أَسْتَعِينَ بِمُشْرِكٍ» (٤)، فوجب عليه الإعادة لهذه العلة؛ لأنّه أتى بالقربة على خلاف ما أُمِرَ بها.

стр. 839

وقد رَوَى أهل المدينة عن مالك: «أنّه لا إعادة عليه»، وهو قول أشهب (١). ووجه ذلك، قوله : ﴿وَطَعَامُ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ حِلٌّ لَكُمْ وَطَعَامُكُمْ حِلٌّ لَهُمْ﴾ [المائدة:٥]، فأباحنا الله سبحانه أكلَ ما يذبحونه، وذلك كلحم الأضحية والهدي وغيره. ••• [٩٦٩] مسألة: قال: ويقول الذابح على ضحيته: «بسم الله والله أكبر»، وإن قال: «ربنا تقبل منا إنك أنت السميع العليم»، فلا بأس (٢). • إنّما قال ذلك؛ لأنّه قد رُوِيَ عن النبيِّ ﷺ أنّه قال ذلك (٣)، فأيهما قال جاز. ••• [٩٧٠] مسألة: قال: وينبغي للإمام أن يُحْضِرَ ضحيته بالمصلَّى، فيذبح حين يفرغ من الخطبة، حتى يجوز الذبح للناس (٤).

стр. 840

• إنّما قال ذلك؛ لأنَّ النبيَّ ﷺ كان يفعل ذلك (١)؛ ليَعْلَمَ النّاس ذبحه فيذبحوا بعده، إذ لا يجوز لهم أن يذبحوا الأضحية قبل ذبحه. ••• [٩٧١] مسألة: قال: ومن ذبح قبل الإمام فليعد ضحيته. وإن كان الإمام لم يذبح في المصلَّى، فليتوخَّ النّاس قدر انصرافه وذبحه، ثمّ يذبحون. فمتى لم يكن في دار جماعةٍ، فليتوخَّ صلاة أدنى قريةٍ تليه (٢)، ثمّ يذبح. فإن ذبح بعد طلوع الشمس وهو يعلم أنَّ الإمام لم يذبح تلك الساعة، فليعد ضحيته في أيام النحر (٣). • إنّما قال: «إنَّ عليه الإعادة إذا ضحَّى قبل أن يُضَحِّي الإمام؛ فلأنَّ الإمام يجب أن يُقتدى بفعله، ويكون فعل المأموم بعد فعله؛ لأنّه مقتدىً به، وكذلك أمر النبيُّ ﷺ بذلك في الصلاة، فالأضحية مثلها، وكلّ عملٍ، إلّا ما قامت الدلالة على جواز الفعل قبل فعله.

стр. 841

وقد رَوَى مسدد، حدثنا أبو الأحوص (١)، حدثنا منصور (٢)، عن الشعبي، عن البراء، قال: «خَطَبَنَا رَسُولُ اللهِ ﷺ يَوْمَ النَّحْرِ بَعْدَ الصَّلَاةِ، فَقَالَ: مَنْ صَلَّى صَلَاتَنَا، وَنَسَكَ نُسُكَنَا، فَقَدْ أَصَابَ النُّسُكَ، وَمَنْ نَسَكَ قَبْلَ الصَّلَاةِ فَتِلْكَ شَاةُ لَحْمٍ، فَقَامَ أَبُو بُرْدَةَ بْنُ نِيَارٍ فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، لَقَدْ نَسَكْتُ قَبْلَ أَنْ أَخْرُجَ إِلَى الصَّلَاةِ، وَعَرَفْتُ أَنَّ اليَوْمَ يَوْمُ أَكْلٍ وَشُرْبٍ فَتَعَجَّلْتُ فَأَكَلْتُ وَأَطْعَمْتُ أَهْلِي وَجِيرَانِي، فَقَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : تِلْكَ شَاةُ لَحْمٍ، فَقَالَ: فَإِنَّ عِنْدِي عَنَاقَاً جَذَعَةً وهِيَ خَيْرٌ مِنْ شَاتَيْ لَحْمٍ، فَهَلْ تُجْزِي عَنِّي، قَالَ: نَعَمْ، وَلَا تَجْزِيَ عَنْ أَحَدٍ بَعْدَكَ» (٣). ورَوَى مالك، عن يحيى بن سعيد، عن بشير بن يسار (٤)، عن أبي بردة بن نيار: «أنّه ذَبَحَ ضَحِيَّتَهُ قَبْلَ أَنْ ذَبَحَ رَسُولُ اللهِ ﷺ يَوْمَ الأَضْحَى، فَزَعَمَ أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ أَمَرَهُ أَنْ يُعِيدَ بِضَحِيَّةٍ أُخْرَى» (٥). فإن قيل: إنَّ النبيَّ ﷺ إنّما أمره بالإعادة؛ لأنّه ضحَّى قبل الصلاة، لا لأنّه ضحَّى قبل أن يضحي النبيُّ ﷺ (٦)؟

стр. 842

قيل له: لا فصل بين أن يضحِّي قبل الصلاة، وبين أن يصلِّي (١) بعد الصلاة قبل ذبح الإمام؛ لأنَّ ذبحه قبل الصلاة هو قبل ذبحِ الإمام، وكذلك هو بعد الصلاة إذا كان قبل ذبح الإمام؛ لأنَّ عليه أن يقتدي في الصلاة بفعل الإمام، فلو صلَّاها قبله لم تجزه، وكذلك الذبح مثله، إذا ذبح قبل لم يجزه، وقد فُسِّرَ ذلك في حديث مالكٍ، أنَّ أبا بردة ذبح قبل أن يذبح النبيُّ ﷺ . ••• [٩٧٢] مسألة: قال: ولا يضحِّي أحدٌ ليلاً، ومن ضحَّى بليلٍ فليعد ضحيته؛ لأنَّ الله سبحانه قال: ﴿فِي أَيَّامٍ مَعْلُومَاتٍ﴾ [الحج:٢٨]، ولم يذكر الليالي (٢). • قد احتجَّ مالكٌ لذلك بقوله ﵎: ﴿فِي أَيَّامٍ مَعْلُومَاتٍ﴾، أي: اذبحوا الهدي في أيامٍ معلوماتٍ، لقوله تعالى: ﴿وَيَذْكُرُوا اسْمَ اللَّهِ فِي أَيَّامٍ مَعْلُومَاتٍ عَلَى مَا رَزَقَهُمْ مِنْ بَهِيمَةِ الْأَنْعَامِ فَكُلُوا مِنْهَا﴾ [الحج:٢٨]، فذكر الله سبحانه الذبح في الهدايا في الأيام دون الليالي، فلا يجوز أن يُذْبَحَ هدي ولا ضحيةٌ ولا شيءٌ مما يُتَقرب به إلى الله بالليل؛ لوصف الله سبحانه ذلك كله في النهار، ولفعل النبيِّ ﷺ ذلك كلّه بالنهار دون الليل. ولو جاز أن يذبح ذلك بالليل مع ذكر الله إياه بالنهار، لجاز أن ينفر الإنسان من منىً بالليل، وإن كان الله ﵎ ذكر النفر بالنهار، فلمّا لم يجز ذلك في النفر؛ لأنّه يكون بخلاف ما ذكر الله سبحانه، فكذلك لا

стр. 843

يجوز ذبح الهدايا والضحايا، وكلّ ذبحٍ متقربٍ به إلى الله ؛ لأنّه يكون بخلاف وصف الله سبحانه. ولأنَّ الفقراء قد يُفْقدون بالليل؛ لأنهم لا يوجدون، فيخاف أن يأكله غير الفقراء، ويتفسد حتى يصبح. ولهذا المعنى قيل: إنَّ النَّبِيَّ ﷺ نَهَى عَنْ حَصَادِ اللَّيْلِ وَجَدَادِهِ. رواه جعفر بن محمد (١)، عن أبيه (٢)، عن جده (٣): «أنَّ النَّبِيَّ ﷺ نَهَى عَنْ جَدَادِ اللَّيْلِ» (٤). ••• [٩٧٣] مسألة: قال: ونحب للرجل أن يأكل من ضحيته، فمتى لم يأكل، فلا بأس عليه (٥). • إنّما قال ذلك؛ لأنَّ الله قال: ﴿فَكُلُوا مِنْهَا وَأَطْعِمُوا﴾ [الحج:٢٨]، فاستُحِب له أن يأكل من كلّ هدي تطوعٍ أو واجبٍ لا بدل فيه من الطعام.

стр. 844

ولأنَّ النبيَّ ﷺ قد أكل من الهدي والضحية، فاستحب الاقتداء به ﷺ تسليماً. فرُوِيَ: «أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ أَمَرَ أَنْ يُؤْخَذَ مِنْ كُلِّ بَدَنَهٍ بِضْعَةٌ مِنْ لَحْمٍ فَيُطْبَخُ، قَالَ: فَطُبِخَ، فَأَكَلَ مِنْ لَحْمِهَا وَحَسَا مِنْ مَرَقِهَا ﷺ » (١). ••• [٩٧٤] مسألة: قال: ولا بأس أن يُطْعِمَ من الضحية حراً وعبداً، أو غنيا أو فقيراً. ويستحب له أن يتنكَّب النصارى، وليس بذلك لازمٌ للناس (٢). • إنّما قال ذلك؛ لأنَّ الأضحية ليست بفرضٍ، فيجوز له أن يُطْعِم منها حراً أو عبداً أو غنياً، وإنما الذي لا يجوز أن يُطْعِمَ منه هو لا (٣) ما كان فرضاً، فأمّا التطوع فلا بأس به. ويكره له أن يطعم النصارى؛ من قِبَلِ أنَّ الأضحية شيء يُتَقرب بها إلى الله ﵎، فيُحَبّ أن يصرف ذلك في المسلمين، فإن فعل ذلك جاز، كما يجوز أن يتطوع عليهم بالصدقة. •••

стр. 845

[٩٧٥] مسألة: قال: ولا يباع من لحم الأضحية، ولا يُعْطَى في جزرها شيءٌ منها، ولا تباع أُهُبُهَا (١)، ولا يدبغ بعضها ببعضٍ (٢). • إنّما قال ذلك؛ لأنَّ الأضحية هي لله سبحانه، كالهدي أنّه لله ، فلا يجوز بيعها ولا بيع شيءٍ من لحمها؛ لأنَّ ذلك رجوعٌ فيها، فلا يجوز الرجوع فيما قد وجب لله تعالى. وكذلك لا يعطي الجازر منها شيئاً؛ لأنَّ ذلك بمنزلة البيع؛ لأنّه قد اكتراه على ذبحها باللحم الذي أعطاه. وكذلك لا يجوز أن يبيع أهبها؛ لأنّه بعضها. وكذلك لا يدبغ بعضها ببعض، يعني يدفع جلداً إلى الدبَّاغِ ليدبغ له آخر؛ لأنَّ ذلك بيعٌ؛ لأنّه قد اكترى الدبَّاغ بجلدٍ لِيَدْبَغَ له آخر، وذلك غير جائزٍ. وقد رَوَى الثوري، عن عبد الكريم، عن مجاهد، عن عبد الرحمن بن أبي ليلى، عن علي ﵇ قال: «بَعَثَنِي رَسُولُ اللهِ ﷺ أَنْ أَقُومَ عَلَى البُدْنِ، فَأَمَرَنِي أَنْ لَا أُعْطِيَ فِي جِزَارَتِهَا شَيْئَاً» (٣). ورواه الثوري، قال: حدثني ابن أبي نجيح، عن مجاهد، عن ابن أبي ليلى، عن علي ﵁ نحوه. •••
следующие страницы →