Полный текст (2 801 стр.). Показаны 876–915 · переход к 881.
стр. 876
[١٠١٠] مسألة: قال: وما أَفْلَتَتْ عليه الكلاب، فلا يأكله (١) .
• إنّما قال ذلك؛ لأنَّ صاحب الكلب لم يرد صيده إذا لم يرسله هو على الصيد، ولا يجوز أكل ما صاده الكلب من غير إرساله؛ لأنّه لم يذكه هو، ولا بد في الصيد وبهيمة الأنعام من الذكاة وأن يكون بفعل المذكي وقصده لها، وإذا لم يكن كذلك، لم يجز أكل المُذَكَّى، وقد قال النبيُّ صلى الله عليه لعدي بن حاتم: «إِذَا أَرْسَلْتَ كَلْبَكَ وَذَكَرْتَ اسْمَ اللهِ تَعَالَى فَكُلْ» (٢) .
•••
[١٠١١] مسألة: قال: ومن كان معه كلبٌ أو طيرٌ يتبعه، فرأى صيداً فقتله، فلا يأكله، إلّا أن يكون هو الذي أنبهه له.
وإن كان الكلب رآه فحمل عليه، فلمّا ذهب في طلبه أشلاهُ (٣) به صاحبه، فلا يأكله (٤) .
• إنّما قال ذلك؛ لأنَّ صاحب الكلب أو البازي لم يرسله ابتداءً ولم يقصد تذكيته، فلا يجوز له أكل ما صاده الكلب أو الباز حتى يكون هو منتدباً بإرساله وقَصْدِهِ تذكية ما صاده.
••• الحواشي
(١) المختصر الكبير، ص(٢١٧) ، المختصر الصغير، ص(٣٩١) ، التفريع [١/ ٣٩٨].(٢) تقدَّم قريباً.(٣) قوله: «أشلاهُ» أي: أغراه بالصيد، ينظر: المغرب للمطرزي، ص(٢٥٦) .(٤) المختصر الكبير، ص(٢١٧) ، المدونة [١/ ٥٣٤]، النوادر والزيادات [٤/ ٣٤٨].стр. 877
[١٠١٢] مسألة: قال: ومن رمى بسهمه فأصاب طيرين:
(فليأكلهما إن كان أرادهما.
(وإن كان أراد واحداً منهما، فليأكل الذي أراده (١) .
• إنّما قال ذلك؛ لأنَّ التذكية فعل من أفعال البر الذي لا يصح إلّا بعقدٍ ونيةٍ، فإذا قصد صيدهما جميعاً أكلهما، وَإِلّا أكل ما قصد صيده دون الآخر، على ما بيَّنَّاه.
•••
[١٠١٣] مسألة: قال: والضاري (٢) وغير الضاري من الكلاب سواءٌ إذا كان معلماً (٣) .
• إنّما قال ذلك؛ لأنَّ الله سبحانه قال: ﴿وَمَا عَلَّمْتُمْ مِنَ الْجَوَارِحِ مُكَلِّبِينَ تُعَلِّمُونَهُنَّ مِمَّا عَلَّمَكُمُ اللَّهُ فَكُلُوا مِمَّا أَمْسَكْنَ عَلَيْكُمْ﴾ [المائدة:٤]، فكان هذا على عمومه في كلّ كلبٍ وغيره إذا علَّمْناه، أنّه يجوز أكل ما صاده لنا وأمسكه علينا.
وكذلك قال النبيُّ صلى الله عليه لعدي بن حاتم: «إِذَا أَرْسَلْتَ كَلْبَكَ الحواشي
(١) المختصر الكبير، ص(٢١٧) .(٢) قوله: «والضاري»، هو الكلب الذي كلب وعُلِّم أخذ الصيد وإمساكه على صاحبه، فضرى في الصيد واعتاده، ينظر: الزاهر في غريب ألفاظ الشافعي، ص(١٤٤) .(٣) المختصر الكبير، ص(٢١٧) ، المدونة [١/ ٥٣٤].стр. 878
وَذَكَرْتَ اسْمَ اللهِ ، فَكُلْ» (١) ، ولم يخص كلباً من كلبٍ، ولا جنساً من جنسٍ.
وكان ذلك على كلّ كلبٍ؛ لأنَّ الغرض منها أن تتأَمَّرَ لنا وتفقه عنا الأمر والنهي في أخذ الصيد وتركه.
•••
[١٠١٤] مسألة: قال: ولا بأس بما قتل الكلب من الصيد وأكل منه (٢) .
• إنّما قال ذلك؛ لأنَّ الله قال: ﴿فَكُلُوا مِمَّا أَمْسَكْنَ عَلَيْكُمْ﴾ [المائدة:٤]، وهذا على عمومه، في جواز أكل ما أمسك علينا الكلب، سواءٌ أمسك كله أو بعضه.
ولو وجب الامتناع من أكله إذا أكل؛ لأنّه أمسك على نفسه لا على صاحبه المرسِلِ له، لوجب الامتناع من أكل ما صاده البازي إذا أكل منه؛ لأنّه أمسكه على نفسه، فلمّا لم يجب الامتناع من أكل ما صاده البازي وإن أكل منه، فكذلك الكلب مثله؛ من قِبَلِ أنَّ الكلب والبازي إنّما يصطاد ليأكل أو يطعم منه، وإنما يحرم أكل ما يصيده إذا لم يأتمر لصاحبه بالأمر والنهي، لا بالأكل وترك الأكل؛ لأنَّ ما في قلب الكلب والبازي لا يعلمه إلّا الله ، هل صاد لنفسه أو لمرسله. الحواشي
(١) تقدَّم ذكره في المسألة ١٠٠٠.(٢) المختصر الكبير، ص(٢١٧) ، المدونة [١/ ٥٣٣]، النوادر والزيادات [٤/ ٣٤٣].стр. 879
فإن قيل: إنَّ ترك الأكل يدل على أنّه صاده لمرسله، والأكل يدل على أنّه صاده لنفسه (١) ؟
قيل له: لو وجب الامتناع لهذه العلة من أكله إذا أكل - أعني: الكلب - لوجب الامتناع من أكل ما يأكل منه البازي لهذه العلة.
فإن قيل: إن الكلب يُزجَر ويُضرب، وليس كذلك البازي (٢) ؟
قيل له: هذا المعنى هو عين الذي قيل في الأول من ترك الأكل الذي هو علةٌ لجواز الأكل؛ لأنا قد أفسدناها بما ذكرنا، وجواز ضرب الكلب وما في أنَّ الكلب يُضْرَبُ ويزجر مما لا يجوز أكلُ ما يأكل منه، هذه دعوى لا دلالة عليها.
فإن قيل: فقد قال النبيُّ ﷺ لعدي بن حاتم: «فَإِنْ أَكَلَ فَلَا تَأْكُلْ» (٣) (٤) ؟
قيل له: هذه اللفظة يقال إنَّما ذكرها الشعبي عن عدي، وقد رَوَى هذا الحديث همام بن الحارث، ومُرِّيُّ بْنُ قَطَرِيّ (٥) ، عن عديٍّ، لم يذكرا فيه «فَإِنْ أَكَلَ فَلَا تَأْكُلْ»، وقد رُوِّينا عن النبيِّ ﷺ بإسنادٍ صحيحٍ أنّه يأكل منه وإن أكل. الحواشي
(١) ينظر الاعتراض في: الحاوي للماوردي [١٩/ ١١]، المغني لابن قدامة [١٣/ ٢٦٤].(٢) ينظر الاعتراض في: أحكام القرآن للجصاص [٢/ ٤٤٥].(٣) متفق عليه: البخاري(١٧٥) ، مسلم [٦/ ٥٦]، وهو في التحفة [٧/ ٢٧٨].(٤) ينظر الاعتراض في: أحكام القرآن للجصاص [٢/ ٤٤٥]، الحاوي للماوردي [١٩/ ١١]، المغني لابن قدامة [١٣/ ٢٦٣].(٥) مري بن قطري الكوفي، مقبول، من الثالثة. تقريب التهذيب، ص(٩٣٢) .стр. 880
فرَوَى هشيم، قال: أخبرنا داود بن عمرو (١) ، عن بسر بن عبيد الله (٢) ، عن أبي إدريس الخولاني (٣) ، عن أبي ثعلبة الخشني قال: قال رسول الله ﷺ في صيد الكلب: «إِذَا أَرْسَلْتَ كَلْبَكَ وَذَكَرْتَ اسْمَ اللهِ ، فَكُلْ وَإِنْ كَانَ أَكَلَ مِنْهُ، فَكُلْ مَا رَدَّتْ عَلَيْكَ يَدُكَ» (٤) .
وقد رَوَى ابن وهب، قال: أخبرني ابن أبي ذئب (٥) ، وعمرو بن الحارث (٦) ، ومخرمة (٧) ، عن بكير بن الأشج (٨) ، عن حميد بن مالك بن خثيم الدؤلي (٩) : «أَنَّهُ الحواشي
(١) داود بن عمرو الأزدي الدمشقي، صدوق يخطئ، من السابعة. تقريب التهذيب، ص(٣٠٧) .(٢) بسر بن عبيد الله الحضرمي الشامي، ثقة حافظ، من الرابعة. تقريب التهذيب، ص(١٦٦) .(٣) عائذ الله بن عبد الله الخولاني، ولد في حياة النبيِّ ﷺ يوم حنين، وسمع من كبار الصحابة، كان عالم الشام بعد أبي الدرداء. تقريب التهذيب، ص(٤٧٩) .(٤) أخرجه أبو داود [٣/ ٣٨٦]، وهو في التحفة [٩/ ١٣٦].(٥) محمد بن عبد الرحمن بن المغيرة بن الحارث بن أبي ذئب القرشي العامري المدني، ثقة فقيه فاضل، من السابعة. تقريب التهذيب، ص(٨٧١) .(٦) عمرو بن الحارث بن يعقوب الأنصاري مولاهم المصري، ثقة فقيه حافظ، من السابعة. تقريب التهذيب، ص(٧٣٢) .(٧) مخرمة بن بكير بن عبد الله بن الأشج المدني، صدوق، من السابعة. تقريب التهذيب، ص(٩٢٦) .(٨) بكير بن عبد الله بن الأشج المدني، مولى بني مخزوم، نزيل مصر، ثقة، من الخامسة. تقريب التهذيب، ص(١٧٧) .(٩) حميد بن مالك بن خثيم، ثقة، من الثالثة. تقريب التهذيب، ص(٢٧٦) .стр. 881
سَأَلَ سَعْدَ بْنَ أَبِي وَقَّاصٍ عَنِ الصَّيْدِ يَأْكُلُ مِنْهُ الكَلْبُ؟، فَقَالَ: كُلْ، وَإِنْ لَمْ يَبْقَ مِنْهُ إلّا حَدَبَةٌ» (١) .
ورَوَى ابن وهب، قال: أخبرني عبد الله بن عمر، وابن أبي ذئب، وأسامة، أنَّ نافعاً حدثهم، عن عبد الله بن عمر أنّه كان يقول: «لا نَرَى بِأَكْلِهِ بَأْسَاً، وَإِنْ قَتَلَهُ وَأَكَلَ مِنْهُ» (٢) .
قال ابن وهبٍ: «وأخبرني رجال من أهل العلم، عن علي بن أبي طالب، وأبي هريرة، وسلمان الخير، وسعيد بن المسيب، وربيعة، وعطاء، وسليمان بن يسار، مثل ذلك» (٣) .
•••
[١٠١٥] مسألة: قال: ومن رمى صيداً فوقع في الماء، فذبحه في الماء خوفاً من أن يموت، فلا بأس به (٤) .
• إنّما قال ذلك؛ لأنّه إن كان السهم قد أنفذ مقاتله فلا بأس بأكله، ذَبَحه صاحب السهم أو لم يذبحه، وإن مات في الماء وإن لم ينفذ مقاتله جاز أكله إذا ذبحه صاحبه (٥) . الحواشي
(١) ذكره ابن عبد البر في الاستذكار [١٥/ ٢٨٥]، عن ابن وهب به، وأخرجه ابن أبي شيبة [١٠/ ٣٧٩]، عن عبد الله بن نمير ووكيع، عن ابن أبي ذئب، به.(٢) أخرجه مالك [٣/ ٧٠٤]، وابن أبي شيبة [١٠/ ٣٨٠].(٣) لم أقف عليه.(٤) المختصر الكبير، ص(٢١٦) .(٥) ما بعد هذا الموضع مفقود، وقد نقل التلمساني في شرح التفريع بعض المسائل منстр. 882
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
الحواشي
(١) شرح الأبهري، يغلب على الظنّ أنّها بعد هذا الموضع، هي:
كتاب الأطعمة
أكل الطّير
[١٩٤]- (ولا بأس بأكل الطّير كلّها، ما كان منها ذا مخلبٍ أو غير ذي مخلبٍ).
قال في شرح التفريع [٥/ ٤٨٠]: «قال أبو إسحاق: ولم يثبت عن النبيِّ ﷺ تحريم ذي مخلب من الطير، وكذلك قال محمد بن الجهم وأبو بكر الأبهري» ..
أكل سباع الوحش.
[١٩٥]- (ولا يؤكل شيءٌ من سباع الوحش، مثل: الأسد، والذّئب، والفهد، والنمر، والضّبع)
قال في شرح التفريع [٥/ ٤٨١]: «إذا ثبت هذا، فقال مالكٌ: لا يؤكل شيءٌ من سباع الوحش.
واختلف هل منعه على الكراهة أو على التحريم؟
فقال ابن القاسم في كتاب ابن حبيبٍ: الأسود والنّمور والذئاب حرامٌ، لقول النّبيّ ﷺ : «أَكْلُ كُلِّ ذِي نَابٍ مِنَ السِّبَاعِ حَرَامٌ».
وقال أبو بكر الأبهري: نهيُ مالكٍ عن أكل لحم السّباع على الكراهة لا على التحريم، يدلّ على ذلك، اختلاف الصّحابة في أكلها».
وقال أيضاً: «وقال ابن حبيب: اختلف المدنيون في تحريم لحوم السباع العادية، مثل الضبع والنمر والذئب .....
فوجه القول بالتحريم، ما خرجه مالك في موطئه، عن عبيدة بن سفيان الحضرمي، عن أبي هريرة، أنّ النبيَّ ﷺ قال: «كُلُّ ذِي نَابٍ مِنَ السِّبَاعِ حَرَامٌ، فَأَكْلُهُ حَرَامٌ» ....
ووجه القول بالكراهة، الكتاب والسنّة والنّظر ....
أما الكتاب فقوله تعالى: ﴿قُلْ لَا أَجِدُ فِي مَا أُوحِيَ إِلَيَّ مُحَرَّمًا﴾ الآية، فليس لحوم السّباع مما تضمّن تحريمه الآية، فوجب ألّا يكون محرّمَاً.стр. 883
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
الحواشي
(١) وأمّا السنّة، فما روي عن النّبيّ ﷺ أنّه نهى عن أكل كلّ ذي نابٍ من السّباع.
قال ابن الجهم والأبهري وابن القصّار: محمل النّهي عند مالكٍ في هذا الحديث على الكراهة لا على التحريم، قالوا: بدلالة اختلاف الصّحابة في أكلها».
أكل الخنزير والانتفاع بشعره
[١٩٦]- (والخنزير محرّمٌ أكلُه، شحمه ولحمه، ولا بأس بالانتفاع بشعره في الخرز وغيره)
قال في شرح التفريع [٥/ ٤٨٩]: «واختُلِفَ في الانتفاع به بعد الدباغ:
فقال أبو بكر الأبهري: لا يُنتَفَع به بعد الدباغ.
وفَرَّقَ بينه وبين جلد الميتة: فإنّ النّصّ ورد في جلد الميتة، وهو قوله ﷺ : «هَلّا أَخَذْتُمْ إِهَابَهَا فَدَبَغْتُمُوهُ فَانْتَفَعْتُمْ بِهِ»، ولم يَرِدْ في جلد الخنزير».
أكل ما لا ذكاة له من طعام المجوس.
[١٩٧]- (ولا بأس بما لا ذكاة له من طعام المجوس، ولا يحلّ أكل ذبائحهم، ولا تؤكل جُبُنهم؛ للإنفحة التي فيه).
قال في شرح التفريع [٥/ ٤٩٤]: «قال الأبهري: وقد أكل الصّحابة من طعامهم الذي لا يحتاج إلى ذكاةٍ حين فتح الله عليهم بلادهم، وفي ذلك دليلٌ على إباحته.
وأمّا ذبائحهم فلا تؤكل؛ لأنّ الله تعالى يقول في كتابه: ﴿وَطَعَامُ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ حِلٌّ لَكُمْ﴾، فدلّ أنّ غيرهم بخلافهم.
وأمّا جبنهم فلا تؤكل؛ لأنّ الإنفحة التي جعلت فيه نجسةٌ، فاختلط النّجس بما ليس بنجسٍ، فتنجّس الجميع».
المحرم يأكل الميتة ولا يصطاد.
[١٩٨]- (ومن وجد ميتةً وصيداً وهو محرِمٌ، فليأكل الميتة ولا يأكل الصّيد؛ إلّا أن تكون الميتة متغيرةً يخاف على نفسه من أكلها).
قال في شرح التفريع [٦/ ٦]: «قال الأبهري: ولأنّه قادرٌ على تبقية الصّيد وإحيائه منстр. 884
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
الحواشي
(١) غير ضرورةٍ به إلى قتله، فلم يجز له أن يقتله؛ لأنّ الله قد منعه من ذلك بقوله : ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَقْتُلُوا الصَّيْدَ وَأَنْتُمْ حُرُمٌ﴾ [المائدة:٩٥] الآية.
ويأكل من الميتة؛ لأنّ الله قد أباح أكلها عند الضّرورة.
ولأنّه إذا قتل الصّيد وهو محرمٌ، فقد صار ميتةً، فلأن يأكل ميتةً لم يمتها هو ويستغني عن قتلها، أولى أن يقتل ثمّ يأكل، فلهذا قال مالكٌ: إنّه يأكل الميتة ولا يقتل الصّيد».стр. 885
الحواشي
(١) هذا العنوان غير مثبت في المخطوط، وقد نقل التلمساني في شرح التفريع، جملة من شرح الأبهري، هي كالتالي:
باب ما لا يجوز فيه التّفاضل.
[١٩٩]- (قال مالكٌ ﵁: ولا يجوز التّفاضل في الجنس الواحد من المأكولات المقتاتة كلّها.
ولا بأس بالتّفاضل في الجنسين منها يداً بيدٍ).
قال في شرح التفريع [٧/ ٤٠٦]: «قال الأبهري ﵁: فإن قيل: إنّ العلة في المأكول الجنس؛ لأنّها أعمّ من المأكول المدّخر، فإذا كان كذلك وجب إجراء العلّة على عمومها؟
قيل له: إنّما يجب الحكم بالعلّة متى عُلِمَ أَنَّهَا صحيحةٌ بشهادة الأصول لها، وصحّة استنباطها، وإذا لم تعلم صحّتها في الأصل، لم يجر الحكم بعمومها.
وإذا كان كذلك، ثمّ لم يُدْرَك الأصل الذي استخرِجَ منه علّة الرّبا في المأكول في الجنس دون أن لا يكون مدّخراً، وجب ألّا يتعدّى بذلك إلى غيره.
ولأنّ غيره في الاعتبار - أعني: البقل - مخالفٌ للوقت والأدم المدّخر في المنفعة، فلم يجز الجمع بينهما في تحريم التّفاضل في الجنس الواحد، فالعلّة فاسدةٌ من وجوهٍ:
أحدها: أنّه يؤدّي إلى رفع ما ثبت من التّحريم في الأصل، وهو أنّه يجيز التّمرة بالتّمرتين مما لا يقع عليه الكلّ عنده، وقد عمّ النّبيّ ﷺ التّمر بالمنع من التّفاضل فيه، قليلاً كان أو كثيراً.
ووجهٌ آخر: يُفسِد اعتلاله، وهو أنّه لا تنفصل علّة التّحليل؛ من قِبَلِ أنّ الجزافстр. 886
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
الحواشي
(١) بالجزاف لا يحل ولا يجوز من الصّنف الواحد من الطّعام، فإذا كيل أو وُزِنَ جاز إذا كان متماثلاً، وإن كان غير متماثلٍ لم يجز، فقد صار الكيل والوزن علّة التّحليل؛ لأنّه لولا الكيل والوزن ما جاز؛ لأنّه لا يُتَوصّل إلى مماثلته إلّا بالكيل أو بالوزن، ومحالٌ أن يكون الشّيء الواحد علّةً للتّحريم والتّحليل لشيءٍ واحدٍ.
فإن قيل: إنّا قد رأينا شيئاً واحداً يُحَلّل ويحرّم، وهو وطء الزّوج، يحلّل هذا الوطء المرأة للزّوج الّذي طلّقها ثلاثاً، ويحرّمها على أبي الواطئ وابنه، فقد صار شيئاً واحداً محرّمَاً محلّلاً؛ وكذلك الكيل والوزن علّة التّحريم والتّحليل؟
فيقال: هذا غلطٌ؛ من قِبَلِ أنّ الوطء يحرِم على غير الذي يحلِّلُ له، فالتّحليل والتّحريم ليس يرجع إلى شيءٍ واحدٍ؛ وإنّما هو لشخصين مختلفي المعنى، وليس يُنكر، ذلك كالميتة تحلّ للمضطرّ وتحرم على غيره، وعلّة الكيل والوزن نهيٌ عامٌّ ليس فيها واحدٌ بتحريمٍ وآخر بتحليلٍ.
وإذا كان كذلك، ثمّ جعلها جاعلٌ علّةً للتّحريم، فلِمَ تنفصل ممّن خالّفّه في جعلها علّةَ التّحليل، وكانت علّةً فاسدةً؛ لأنّ ما أدّى إلى الباطل فهو باطلٌ مثله.
قال أبو بكرٍ الأبهري ﵁: وإنّما لم يجز التّفاضل في الجنس الواحد؛ لاتّفاق أغراض النّاس فيه، فلم يجز أن يُخرِجَ من ماله شيئاً من غير عوضٍ يأخذه ولا منفعةٍ تحصل له إذا كان على وجه المعاوضة، فأمّا على غيرها من هبةٍ أو صدقةٍ فإنّ ذلك جائزٌ.
وإذا اختلفت أصناف الطّعام جاز التّفاضل فيه يداً بيدٍ؛ لأنّه إذا اختلفت أصنافه اختلفت أغراض النّاس [فيه: في] منافعه، فجاز أن يبيعوه متفاضلاً يداً بيدٍ، ولا خلاف بين العلماء في ذلك، وإذا كان الطّعام جنساً واحداً، لم يجز التّفاضل فيه؛ لاتّفاق الغرض فيه، ولا خلاف في ذلك أيضاً».
[٢٠٠]- (ولا يجوز النَّساء في المأكولات منها، المقتاتة منها وغير المقتاتة).стр. 887
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
الحواشي
(١) قال في شرح التفريع [٧/ ٤٠٨]: «قال أبو بكر الأبهري ﵁: ولا خلاف في ذلك بين أهل العلم.
ولأنّ كلّ شيئين لا يجوز أن يُسلَم أحدهما في الآخر، لا يجوز بيعه به إلّا يداً بيدٍ، أصله: الفضّة والذّهب أو الذّهب والفضّة».
[٢٠١]- (والحنطة والشعير والسّلت صنفٌ واحدٌ، لا يجوز بيعها إلّا مثلاً بمثلٍ، يداً بيدٍ، والتّمر كلّه وألوانه صنفٌ واحدٌ، والزّبيب أحمره وأسوده، والقِشَمِّشُ صنفٌ واحدٌ).
قال في شرح التفريع [٧/ ٤٠٩]: «قال الأبهري ﵁: ولأنّ الأغراض متقاربةٌ فيها، فلم يجز بيعها متفاضلاً بعضها ببعضٍ؛ لأنّ ذلك من أكل المال بالباطل.
فإن قيل: فقد جُعِل الشّعير في الخبر صنفاً غير الحنطة، ويسمّى باسمٍ مفردٍ؟
قيل: إفراده بالاسم لا يمنع أن يكون حكمها واحداً في منع التّفاضل.
ألا ترى: اسم الضّأن والمعز مختلفٌ، ثمّ جُمِعَ بينها في الزّكاة وجعل حكمها واحداً؛ لتقارب منافعها، وإن كانا يختلفان اختلافاً يسيراً.
وكذلك الحنطة والشّعير، جُمِع بينهما لتقارب منافعهما، وإن كانا يختلفان اختلافاً يسيراً، وكذلك السلت والعَلَسُ؛ لتقارب بعضها من بعضٍ، وكذلك التّمر كلّه صنفٌ واحدٌ، وكذلك الزّبيب أيضاً، وإن اختلفت ألوانه صنفٌ واحدٌ؛ لأنّ منافعهما متقاربةٌ، فوجب أن يكون حكم كلّ صنفٍ منه حكماً واحداً في منع التّفاضل منه وضمّه في الزكّاة».
[٢٠٢]- (والقطنية أصنافٌ مختلفةٌ، إلّا الحمّص واللّوبياء فإنّهما صنفٌ واحدٌ، والجلبان والبَسِيلةُ صنفٌ واحدٌ)
قال في شرح التّفريع [٧/ ٤١٠]: «واختُلِف في أخباز القطنية بعد القول: إنّها إذا كانت حبّاً أصنافاً، هل يجوز التفاضل فيها أم لا؟стр. 888
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
الحواشي
(١) فقال ابن القاسم وأصبغ: ذلك جائزٌ، وأجازة أشهب مرّةً، وقال أيضاً: لا يصلح ذلك متفاضلاً، قال ابن المّواز: وهو أحب إلي.
وقال ابن القاسم في العتبية: أكره خبز الحنطة بخبز الأرز متفاضلاً.
قال الأبهري ﵁: لأنّ منفعتهما قد صارت متقاربةً، ولا يجوز فيها التّفاضل».
بيع اللحوم
[٢٠٣]- (ولحوم الأنعام والوحش صنفٌ واحدٌ، ولحم الطير: بريِّه وبحريِّه صنفٌ واحدٌ، والسّمك كلّه صنفٌ واحدٌ، والجراد صنفٌ رابعٌ، والنّعام من جملة الطّير وهو والطّير صنفٌ واحدٌ).
قال في شرح التفريع [٧/ ٤١١]: «قال الأبهري ﵁: وإنّما لم يجز التّفاضل في السمك؛ لتقارب منافعه.
ولأنّه جنسٌ واحدٌ».
بيع الطريّ باليابس من القمح والزّبيب والّلحوم والألبان
[٢٠٤]- (ولا يجوز بيع زبدٍ بسمنٍ، ولا لبنٍ بسمنٍ، ولا زبدٍ بجبنٍ)
قال في شرح التفريع [٧/ ٤١٤]: «قال الأبهري ﵀: وإنما لم يجز بيع زبدٍ بسمنٍ؛ لأنّ ذلك مزابنةٌ، وهو بيع سمنٍ بسمنٍ مجهولٍ؛ لأنّ السّمن يخرج من الزّبد ..
وإنّما لم يجز بيع اللّبن بالسّمن؛ لأنّ ذلك مزابنةٌ أيضاً، وهو بيع سمنٍ بسمنٍ؛ لأنّ اللّبن يخرج منه السّمن، وقد باع مجهولاً بمعلومٍ، وقد نهى النّبي ﷺ عن ذلك أيضاً».
فيما يجوز في بيعه التّفاضل والتّماثل من الألبان واللّحوم
[٢٠٥]- (ولا يجوز بيع الحنطة بالدّقيق متفاضلاً، وعنه في بيعها متماثلاً روايتان: إحداهما جوازه، والأخرى منعه)стр. 889
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
الحواشي
(١) قال في شرح التفريع [٧/ ٤١٦]: «ووجه المنع، هو أنّ الحنطة إذا طُحنت، زادت على الدّقيق، والتماثل فيهما غير موجودٍ.
قال الأبهري: والأوّل هو الصحيح؛ لأنّ ذلك متماثلٌ في الحال، ولا يراعى التّماثل في المآل.
ألا ترى: أنّ الحطنة بالحنطة تجوز مثلاً بمثلٍ، وإن كانت إحداهما إذا طُحِنت خالفت الأخرى في القلّة والكثرة والمنفعة، ثمّ لم يُنظَر إلى ذلك ولم يراع، وإنّما روعي تساويهما في الحال.
ولهذه العلّة قال مالكٌ ﵁: لا بأس ببيع الرّطب بالرطب متماثلاً، فينظُرُ إلى تساويهما في الحال، ولم يراع ما يحدث بعد ذلك إذا جفَّا».
بيع الرّطب بالرّطب
[٢٠٦]- (ولا بأس ببيع الرّطب بالرّطب متماثلاً، وقال عبد الملك: لا يجوز بيع الرّطب بالرّطب بحالٍ).
قال في شرح التفريع [٧/ ٤١٩]: «اختلف في بيع الرّطب بالرّطب متماثلاً، هل يجوز أم لا؟
فقال مالك ﵁: هو جائزٌ، وقال عبد الملك: لا يجوز بحالٍ، وهو قول الشافعي ......
قال أبو بكر الأبهري ﵁: … فإن قيل: فأجيزوا التّمر بالرّطب إذا كان متساوياً في الحال؟
قيل له: التّمر ليس مساوياً للرّطب في الحال، ووقت تجفيفهما مختلفٌ؛ لأنّ الزّمان الذي جف فيه التمر غير الزّمان الذي يجفُ فيه الرّطب، ويختلف جفافهما لاختلاف الزّمان، وليس كذلك الزّمان الذي يجف فيه الرّطب بالرّطب؛ لأنّ زمانهما واحدٌ أن لو جُفِّفَا، ولو لزم، مُنِعَ بيع الحنطة بالحنطة؛ لأنّ ريعهما يختلف».стр. 890
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
الحواشي
(١) بيع الفاكهة، رطبها ويابسها
[٢٠٧]- (ولا بأس ببيع الفواكه كلّها، رطْبِهَا ويابسها، متفاضلاً ومتماثلاً، جنساً كانت أو جنسين مختلفين، يداً بيدٍ)
قال في شرح التفريع [٧/ ٤٢١]: «قال مالكٌ ﵁: ولا بأس بحامض الرّمان بحلوه متفاضلاً، ولا يجوز التّفاضل في العنب وإن كان أحدهما لايتزبّب، وكذلك التين وإن كان أحدهما لا ييبس، ويُحكم فيه بحكم الأصل من أمره.
قال الأبهري: وإنما قال مالكٌ: يجوز التّفاضل في الفواكه كلّها، صنفاً واحداً كانت أو صنفين مختلفين، يداً بيدٍ؛ لأنّ علّة تحريم التّفاضل في الصّنف الواحد عنده: هي أن يكون مأكولاً مدّخراً، وإذا كان كذلك، لم يجز التّفاضل في الصّنف الواحد.
والدّليل على صحّة قول مالكِ وما استخرجه من المعنى: هو أنّ النّبيّ ﷺ نصّ على أشياء كلّها مأكولةٍ مدّخرةٍ، مثل: الحنطة والشّعير، والتّمر والملح، ولم يذكر غير مأكولٍ مدّخرٍ.
ولو أراد النّبيّ ﷺ في تحريم التّفاضل أن يكون مأكولاً لذكره، ونبّه بذكره على ما عداه، كما ذكر الحنطة والشّعير، فنبّه بذكرهما على مقتاتٍ، وذكر التّمر، ونبّه على [كلّ] حلاوةٍ مدّخرةٍ من الزّبيب والعسل والسّكر والتّين، وذكر الملح فنبّه بذكره على كلّ إدام مأكولٍ مدّخرٍ، ولم يذكر مأكولاً ليس بمدّخرٍ، فلم يجز تعدّي ما نصّ عليه النّبيّ ﷺ أو كان [في] معناه، إلى غيره مما ليس في معناه، ولا منفعة كمنفعته المنصوص عليه.
وإذا كان كذلك، لم يجز أن تكون البقول والفواكه وسائر المأكولات التي لا تدّخر مثل المدّخرات في تحريم التّفاضل؛ لاختلاف منافعها في ذلك.
ألا ترى: أنه لم يجز ردّ البقول والفواكه في الزكاة إلى الأقوات؛ لاختلاف منافعها، فكذلك لا يجوز ذلك في منع التّفاضل.стр. 891
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
الحواشي
(١) وكذلك لمّا لم يجز ردّ ما ليس بقوتٍ في إخراجه إلى ما هو قوتٌ في زكاة الفطر لاختلاف منفعة ذلك؛ فكذلك في الرّبا».
بيع الّلحم بالحيوان
[٢٠٨]- (ولا يجوز بيع الحيوان المأكولِ لحمُهُ بِلَحْمٍ من جنسه، ولا بأس ببيعه بلحمٍ من غير جنسه).
قال في شرح التفريع [٧/ ٤٢٣]: «قال الأبهري ﵀: لأنّه يصير بيع لحمٍ بلحمٍ متفاضلاً من صنفٍ واحدٍ، وذلك غير جائزٍ.
وهذا إذا كان الحيّ لا يصلح لغير اللّحم، كالمعلوف الذي لا يراد لغير اللّحم، والمكسور الظّهر أو العنق أو ما أشبه ذلك، فيصير لحماً بلحمٍ متفاضلاً، فأمّا إذا كان الحيّ يصلح لغير الذّبح، فإنّه لا باس به؛ لأنّ ذلك حيوانٌ بلحمٍ، وسواءٌ كان ممّا يجوز أكل لحمه أم لا.
«قال أبو الزّناد: قلت لسعيد بن المسيّب ﵄: رأيت رجلاً اشترى شارفاً بعشر شياهٍ؟
فقال سعيدٌ: إن كان اشتراها لينحرها، فلا خير في ذلك».
فقد بيَّن سعيد بن المسيّب أنّ بيع الحيوان باللّحم لا يجوز إذا أراد نحر الحيوان وكان لا يصلح لغير النّحر، فأمّا إذا صلح للسّقية أو كان مما لا يؤكل لحمه، فلا بأس بذلك لعموم قوله تعالى: ﴿وَأَحَلَّ اللَّهُ الْبَيْعَ وَحَرَّمَ الرِّبَا﴾ [البقرة:٢٧٥] الآية.
وأنّ بيع الحيّ منه بالمذبوح إنّما منع لعلة المزابنة، وهو معلومٌ بمجهولٍ من جنسه، فمن ذلك بيع اللّحم باللّحم، مجهولٍ بمجهولٍ، أو معلومٍ بمجهولٍ.
وقال أيضاً: «فإن كانا من جنسين جاز.
قال الأبهري رحمة الله عليه: لأنّ منفعة ذلك مختلفةٌ، سواءٌ كان الحيّ مما يُستَحيا مثله أم لا؛ لأنّه إذا كان يستحيا مثله، فهو بيع الحيوان باللّحم، ولا بأس بذلك، سواءٌ كان مما يؤكل لحمه أم لا، وإن كان مما لا يصلح لغير الذّبح، فلا بأس به أيضاً؛ لأنّстр. 892
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
الحواشي
(١) منفعته مختلفةٌ وجنسه مختلفٌ، ولا بأس باللّحم متفاضلاً إذا اختلف جنسه؛ وذلك كلحم الأنعام والوحش بلحم الطّير والحيتان، وكلّ صنفٍ منه بالصّنف المخالف له يجوز بيعه متفاضلاً ومثلاً بمثل، ويجوز أن تباع لحوم ذوات الأربع بالطّير الحيّ، ولحم الطّير بالحيوان».
[٢٠٩]- (ولا بأس ببيع الحيوان الذي لا يؤكل لحمه باللّحم).
قال في شرح التفريع [٧/ ٤٢٤]: «اعلم أنّه يجوز بيع الحيوان الذي لا يؤكل لحمه باللّحم، كلحم الأنعام بالخيل وسائر الدّواب، نقدَاً ومؤجّلاً؛ لأنّها لا تؤكل لحومها، فأُمِنَ من المزابنة فيها؛ لأنّ المزابنة بيع المعلوم بالمجهول من جنسه.
قال الأبهري: أو مجهولاً بمجهولٍ من جنسٍ واحدٍ، فيدخل في ذلك الربا، ويكون خطاراً وقماراً في الجنس الّذي لا ربا فيه، والحيوان الذي لا يؤكل لحمه لا ربا فيه، فجاز».
باب بيع الجزاف
[٢١٠]- (ولا بأس ببيع الطّعام جزافاً في الغرائر وصبراً على الأرض، ولا يباع الحيوان ولا الثّياب ولا شيء له بالٌ جزافاً)
قال في شرح التفريع [٧/ ٤٢٥]: «قال أبو بكر الأبهري ﵀: وإنّما قلنا ذلك؛ لقوله تعالى: ﴿وَأَحَلَّ اللَّهُ الْبَيْعَ وَحَرَّمَ الرِّبَا﴾ [البقرة:٢٧٥]، فبيع الجزاف وغيره جائزٌ إذا كان على ما أذن الله تعالى فيه.
ولأنّ النّاس يرتفقون بترك كيله ووزنه؛ لأنّ عليهم في ذلك مؤنةً ومشقّةً، لا سيما إذا كثر ذلك، فإنّه يشقّ عليهم لو كُلِّفُوهُ ومُنِعُوا من بيعه جزافاً.
ولأنّ الجزاف إنّما جاز بيعه؛ لأنّه يُرى ويُعاين، فليس فيه كثير غررٍ، [ولهم: وليس لهم] أن يبيعوا كيف أحبّوا متى لم يعدلوا عن كيله ووزنه وعدده من أجل المشقّة، وإنّما عدلوا عنه طلباً للغرر، فلا يجوز حينئذٍ، ولا يجوز بيع شيءٍ له بالٌ وخطرٌ جزافاً، كالثّياب والعبيد والحيوان».стр. 893
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
الحواشي
(١) بيع المكيل حسب قول البائع وتصديق المشتري
[٢١١]- (ومن ابتاع طعاماً مكيلاً فاستوفاه لنفسه، ثمّ أراد بيعه، فأخْبَرَ مُشتريه بكيله، وصدّقه المشتري على ذلك، فلا بأس به إذا كان الثّمن نقداً، ولا يجوز إن كان الثمن نَسَاءً أو قرضاً).
قال في شرح التفريع [٧/ ٤٢٨]: «قال الشيخ أبو بكر الأبهري ﵁: لأنّ المشتري لا يرجع بنقصانٍ إن كان في الكيل من أجل تأخير البيع بالنّسيئة وتأخير البائع للثّمن، فصار سلفٌ جرّ منفعةً؛ وذلك غير جائزٍ».
[٢١٢]- (وإذا اشتراه وصدّقه على كيله، ثمّ وجد المشتري زيادةً أو نقصاناً، وقامت له على النّقصان بيّنةٌ، فإن كانت الزّيادة والنّقصان شيئاً يسيراً، فهي له وعليه، وإن كانت كثيرةً فهي للبائع وعليه).
قال في شرح التفريع [٧/ ٤٢٩]: «قال الأبهري: وإنّما قلنا: إنّ النّقصان البيّن على البائع إذا كان في الطّعام؛ فلأنّ المشتري دخل على ما ذكر له البائع من القدر والكيل، فمتى وجده ناقصاً، رجع بقدر ذلك من الثّمن، كما لو وجد به عيباً لرجع بقدر ذلك من الثّمن؛ لأنّ المشتري دخل على السّلامة في المبيع.
وإنما قلنا: إنّ الزيادة إذا كانت بيّنة فهي للبائع؛ لأنّ البائع لم يبع ما زاد على الكيل ولا أخذ ثمنه.
وهذا إذا ثبتت الزّيادة والنّقصان ببيّنةٍ، فأمّا إذا ادّعى النقصان المشترى، فلا يقبل قوله إلّا ببيّنةٍ؛ لأنّ المشتري مدّعٍ والبائع منكرٌ، فالبيّنة على المدعي واليمين على من أنكر، والمشتري فليس بمؤتمنٍ على ما يقوله؛ لأنّه قبض الشّيء لنفسه لا للبائع، فليس يشبه المودع الذي هو مؤتمنٌ».
باب بيع الطعام قبل قبضه
[٢١٣]- (قال مالكٌ ﵀: ومن ابتاع طعاماً أو إداماً ممّا فيه الربا أو لا ربا فيه، كيلاً أو وزناً أو عدداً، فلا يجوز له أن يبيعه قبل أن يقبضه).стр. 894
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
الحواشي
(١) قال في شرح التفريع [٧/ ٤٣١]: «قال الأبهري رحمة الله عليه: والمعنى في منع النّبيّ ﷺ في بيع الطعام قبل قبضه، إنّما هو من أجل العينة التي كان يفعلها أهل المدينة وهو أن يأتي الرّجل إلى الرّجل فيقول: «اشتر هذه السلعة بكيت وكيت، وأنا أربحك فيها»، فيشتريها المأمور للآمر ويبيعها منه قبل قبضه، من غير حاجةٍ للمأمور إلى الشّراء؛ وإنّما اشتراها بسبب الآمر، فيكون قد أقرضه ذهباً بأكثر منه إلى أجلٍ ولا حاجة له في السّلعة، فمنع النّبيّ ﷺ مَنِ اشتَرى طعاماً أن يبيعه حتى يستوفيه؛ لأنّه إذا استوفاه ففي الأغلب أنّه إنّما اشتراه لنفسه، وتزول التّهمة التي من أجلها منع من بيع الطّعام قبل قبضه؛ لأنّه قد تناهى فعله فيما اشتراه، وهو أنّه قد ملكه بالعقد وحازه بالقبض، فإذا باعه بعد ذلك جاز؛ لأنّه قد باع ما قد ملكه وحازه، ولم يُتّهم أن يكون اشتراه لغيره.
فأمّا سائر السلع إذا أريد بها العينة غير الطّعام والشراب، فلا يجوز أيضاً بيعها قبل قبضها؛ لما ذكرناه.
وإنّما خرج نهي النّبيّ ﷺ على الطّعام؛ لأنّه كان أكثر مما يبتاعه أهل المدينة، فأمّا غير الطعام من سائر العروض مما لم يُشْتَرَ على وجه العينة، فلا بأس ببيعه قبل قبضه؛ لأنّ المشتري قد ملك ذلك بالعقد والتّفرق بعده، بدلالة أنّ البائع يُجبر على تسليم ذلك إلى المشتري، ولو لم يملكه بالعقد حتى يقبض، لما أُجبِر البائع على تسليم شيءٍ إلى المشتري وهو لم يملكه، وإذا كان كذلك، جاز للمشتري بيعه قبل قبضه.
فإن قيل: إنّ النّبيّ ﷺ إنّما نهى عن بيع الطعام قبل قبضه؛ لأنّه ليس في ضمان المشتري؛ وكذلك غير الطّعام من السّلع هو في معنى الطّعام في أنّه لا يجوز بيعه قبل قبضه؟
قيل: لو كان لهذه العلة أثرٌ، لم يجز بيع ما كان قرضاً من الطّعام في ذمّة المستقرض، ولا بيع الشّيء المغصوب إذا باعه ربّه من غاصبه، ومخالفنا وغيره من العلماء يجيز بيع ذلك.стр. 895
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
الحواشي
(١) وإذا كان كذلك، ثبت أنّ العلّة في منع البيع ليس هو أنّه في ضمان البائع؛ لأنّ الشّيء المغصوب لو تلف كان من الغاصب، وكذلك الشّيء المستَقْرَضُ، وقد قال الشافعيّ ﵁: إنّ عتق المشتري للعبد جائزٌ قبل قبضه من البائع، وليس يخلو أن يكون قد مُلِكَ فيجوز بيعه وعتقه أو لم يملك فلا يجوز بيعه، ولا عتقه؛ لأنّ النّبي ﷺ قد سوّى في بيع ما لا يملك الإنسان والعتق.
فإن قيل: إنّ عتقه قبضٌ له؟
قيل: كيف يكون ذلك، والعتق هو رفعُ الملك، وكيف يملك الإنسان الشّيء بضدّ الملك؟
فإن قيل: فقد نهى النّبي ﷺ عن ربح ما لم يضمنه الإنسان، وهذا ربح ما لم يضمنه.
قيل له: معنى قوله ﷺ ، إنّما هو أن يبيع الإنسان سلعة غيره بغير أمره ويشترط خلاصها، فهذا ربح ما لم يضمنه، فأمّا أن يبيع شيئاً قد ملكه، فليس هو ربح ما لم يضمن».
[٢١٤]- (ومن ابتاع شيئاً من ذلك جزافاً، فلا بأس أن بيعه قبل أن ينقله من مكانه، والاختيار أن لا يبيعه حتى ينقله من مكانه إلى غيره).
قال في شرح التفريع [٧/ ٤٣٣]: «والأصل في ذلك، ما رواه ابن وهبٍ، عن ابن عمر ﵄: «أَنَّ رَسُولَ الله ﷺ نَهَى أَنْ يَبِيعَ أَحَدٌ طَعَامَاً اشْتَرَاهُ بِكَيْلٍ حَتَّى يَسْتَوْفِيَهُ».
وروى أبو هريرة عن النّبيّ ﷺ أنّه قال: «مَنِ ابْتَاعَ طَعَامَاً كَيْلَاً، فَلَا يَبِعْهُ حَتَّى يَسْتَوْفِيَهُ»، فدلّ على أنّ الجزاف بخلافه.
وإنّما يجوز بيع الجزاف، إذا خلّى البائع بينه وبين المبيع؛ لأنّ الجزاف ليس فيه حقُّ يُوفِّيهِ، فإذا وُجِدت التّخلية لم يبق وراءها توفيةٌ تُطلَب، كالمكيل إذا قُبِضَ.
ولأنّه لو تلف قبل قبضه، كان تلفه من المشتري، كالعقد، فجاز له بيعه قبل قبضه، قاله الأبهري ﵁».стр. 896
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
الحواشي
(١) [٢١٥]- (ومن استؤجر بطعامٍ مكيلٍ، فلا يجوز بيعه حتى يقبضه).
قال في شرح التفريع [٧/ ٤٣٤]: «قال الأبهري: ولأنّ الإجارة بيع المنافع، وكأنّه قد باع منافعه من الخدمة بالطّعام الذي أخذه، فليس يجوز بيعه قبل قبضه.
وكذلك من تزوّج امرأةً بطعامٍ مكيلٍ له، لم يجز لها بيعه حتى تقبضه؛ لأنّها مبتاعةٌ له بمنافع بضعها.
كذلك من ملك طعاماً بأرش جنايةٍ أو مصالحةٍ عن دمٍ أو قضاءٍ عن دينٍ، فإنّه لا يجوز بيعه قبل قبضه؛ لعموم قوله ﷺ : «مَنِ ابْتَاعَ طَعَامَاً، فَلَا يَبِعْهُ حَتَّى يَسْتَوْفِيَهُ»؛ لأنّ حقيقة البيع: انتقال الملك بعوضٍ، وقد وُجِدَ».
[٢١٦]- (ومن ابتاع طعاماً بكيلٍ، ثمّ أقرضَه غيرَه أو وهبه له، أو قضاه رجلاً من قرضٍ كان عليه، فلا يبيعه أحدٌ ممّن صار إليه ذلك الطّعام حتّى يقبضه).
قال في شرح التفريع [٧/ ٤٣٥]: «قال الأبهري ﵁: لأنّ أصله من بيعٍ، فلا يجو لمن صار إليه بأيّ وجهٍ كان أن يبيعه قبل قبضه، وقد ثبت عن النّبيّ ﷺ أنّه قال: «مَنِ ابْتَاعَ طَعَامَاً، فَلَا يَبِعْهُ حَتَّى يَقْبِضَهُ».
باب السلم في الأشياء
[٢١٧]- (ومن أسلم في طعامٍ، فليذكر: قدره، وصفته، وأجله، ويُقدِّمُ نقده مع عقده ولا يؤخّره عنه).
قال في شرح التفريع [٧/ ٤٣٩]: «قال الأبهري ﵁: ولأنّ صفات الطعام تختلف، وكذلك سائر الأشياء من العروض كلّها، فإذا أسلم في شيءٍ منها، وجب أن يعيِّنَهَا ويحصرَهَا بصفةٍ معلومةٍ؛ ليدفع ذلك البائِعُ إلى المشتري ويزول معه الغرر.
وإذا لم يصفه ويضبطه ويحدّه بأكثر مما يمكن، لم يجز ذلك؛ لأنّهما قد دخلا على غررٍ، لا يدري المشتري ما اشتراه، ولا البائع ما باع، وقد روى أبو هريرة ﵁: «أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ نَهَى عَنْ بَيْعِ الغَرَرِ»، فإذا ضُبِط بالصّفة، جاز السّلم في ذلك كلّه».
[٢١٨]- (ومن أسلم في طعامٍ موصوفٍ إلى أجلٍ فحلّ، فأراد أنه يأخذ من بائعهстр. 897
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
الحواشي
(١) بمكيلته شعيراً أو سلتاً، فلا بأس به، ولا يجوز أن يأخذ أدنى من مكيلته ولا أكثر منها).
قال في شرح التفريع [٧/ ٤٤١]: «قال الأبهري ﵁: ولأنّ هذه الأشياء صنفٌ واحدٌ، ولا بأس أن يأخذ بعضها من بعضٍ؛ لأنّها بيع الطّعام قبل قبضه كغيره، وإنّما أخذ الصّنف الذي له وأجود منه أو دونه، وذلك جائزٌ؛ لأنّ كلّه معروفٌ يفعله أحدهما بالآخر إذا أعطاه فوق حقّه وأخذ دون حقّه.
وهذا كلّه إذا حلّ الأجل، وإن كان ذلك قبل حلوله، لم يجز أن يأخذ إلّا مثل الصّفة والكيل، ولا يأخذ أجود ولا أكثر كيلاً، فيكون: «حُطَّ عَنِّي الضمانّ وأَزِيدُكَ»؛ لأنّ المبتاع أسقط عنه الضّمان من أجل الزيادة؛ وذلك غير جائزٍ.
ولا أدنى ولا أقلّ كيلاً، فيدخله: «ضع وتعجّل» وبيع الطّعام قبل قبضه بطعامٍ آخر، قاله الأبهري».
السّلم في التّمر والزبيب، والإقالة من بعض الطّعام أو العرض المسلم فيه
[٢١٩]- (ومن أسلم في نوعٍ من تمرٍ، فلا بأس أن يأخذ نوعاً سواه من جنسه، ولا يأخذ حنطةً ولا شعيراً عوضاً منه).
قال في شرح التفريع [٧/ ٤٤٢]: «قال الأبهري رحمة الله عليه: لأنّ التّمر كلّه صنفٌ واحدٌ، فإذا أخذ غير النّوع الذي سلف فيه، لم يكن ذلك بيع الطّعام قبل قبضه بغيره من الطّعام.
ألا ترى: أنّ التّمر لا يجوز التّفاضل فيه بشيءٍ من أصنافه؛ وإنّما يجوز ذلك إذا قبضه بعد محلّ الأجل، وإن كان قبل الأجل لم يجز أن يأخذ دون صنفه ولا فوقه؛ لأنّه يدخله ما ذكرناه في القمح سواءٌ.
ولا يجوز أن يأخذ عنه حنطةً ولا شعيراً؛ لأنّه بيع الطّعام قبل قبضه، وقد نهى النّبيّ ﷺ عن ذلك».стр. 898
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
الحواشي
(١) … [٢٢٠]- (ومن أسلم في نوعٍ من الزّبيب، فلا بأس أن يأخذ نوعاً آخر من جنسه، ولا يجوز أن يأخذ تمراً عن زبيبٍ، ولا زبيباً عن تمرٍ).
قال في شرح التفريع [٧/ ٤٤٢]: «اعلم أنّ من أسلم في نوعٍ من الزّبيب، فلا يجوز أن يأخذ عوضاً عنه نوعاً من التَّمر، لا قبل الأجل ولا بعده، وكذلك لو أسلم في نوعٍ من التّمر، فلا يجوز أن يأخذ عوضاً منه نوعاً من الزَّبيب، لا قبل ذلك الأجل ولا بعده؛ لأنّهما صنفان مختلفان.
قال الأبهري ﵁: ألا ترى أنّ التّفاضل بينهما جائزٌ قبل قبضه، وبيع الطّعام بالطّعام ليس يداً بيدٍ، إذا كان قبل الأجل».
[٢١٢]- (ومن أسلم في طعامٍ أو عروضٍ فحلّت، فلا يجوز أن يقيل من بعضها ويأخذ بعضها).
قال في شرح التفريع [٧/ ٤٤٣]: «قال الأبهري رحمة الله عليه: لأنّه لما أقال من بعضه وردّ بعض رأس ماله بعد أن انتفع به، صار بيعاً وسلفاً، وقد نُهِيَ عن بيعٍ وسلفٍ. وأما الإقالة في جميع ما أسلم فيه، فلا خلاف في ذلك».
استبدال الطّعام المباع بثمنٍ مؤجّلٍ بطعامٍ غيره
[٢٢٢]- (ومن باع شيئاً من الطّعام كلّه مما فيه الربا أو لا ربا فيه بثمنٍ إلى أجلٍ، فلا يجوز أن يأخذ بثمنه عند أجله ولا قبل أجله ولا بعده شيئاً من الطّعام، من جنس ما باعه أو من غير جنسه، إلّا أن يكون من النّوع الذي باعه بعينه، ويكون مثل مكيلته، وفي جودته وصفته).
قال في شرح التفريع [٧/ ٤٤٣]: «وإنّما قال ذلك؛ لأنّه ذريعةٌ إلى بيع الطّعام بالطّعام إلى أجلٍ، فتسمية الثّمن لغوٌ.
قال الأبهري ﵁: وذلك غير جائزٍ؛ لأنّ النّبيّ ﷺ قال: «الحِنْطَةُ بِالحَنْطَةِ رِبَاً، إِلَّا هَاءَ وَهَاءَ»، فليس يجوز في الطّعام بالطّعام تأخيرٌ.стр. 899
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
الحواشي
(١) … ومالكٌ ﵁ ينظر إلى الفعل، فإن كان حسناً جاز وإن قبح القول، وإن قبح الفعل لم يجز وإن حسن القول، وفعل هذين قبيحٌ؛ لأجل طعامٍ بطعامٍ متأخّرٍ.
وإذا كان من نوع طعامه في الكيل والجودة والصّفة جاز، لأنّ أمرهما لا يُحمَل على بيع طعامٍ بطعامٍ إلى أجلٍ؛ إذ لا فائدة فيه فيتَّهَمَان أنّهما قصداه، وإنّما يحملان على القرض أو الإقالة».
فيما يجوز تأخير الثّمن فيه عن المثمن، أو المثمن عن الثّمن
[٢٢٣]- (ولا بأس بالسّلم في اللّحم والخبر، وفي الفواكه كلّها: رطبها ويابسها).
قال في شرح التفريع [٧/ ٤٤٥]: «اعلم: أنّ السّلم في اللّحم والشّحم جائزٌ؛ وذلك بأربعة شروطٍ:
أحدها: تسمية الجنس: ضأناً أو معزاً أو غير ذلك.
والثّاني: السن: جذعاً أو ثنيّاً أو رباعياً.
والثّالث: أن يكون ذكراً أو أنثى، فحلاً أو خَصِيّاً.
والرّابع: أن يكون وزناً معلوماً، فإن لم تذكر هذه الأشياء لم يجز السلم.
قال الأبهري: ﵁: ولأن ذلك غررٌ وقد نهى النّبيّ ﷺ عن بيع الغرر».
[٢٢٤]- (قال مالكٌ ﵁: وإن لم يجد ما يسلف فيه من لحم الضّأن، فلا بأس أن يأخذ مكانه غيره، أو يأخذ بالباقي ما شاء من لحمٍ أو غيره، من صنفه أو من غير صنفه، إذا كان ذلك كلّه قبل أن يفارقه).
قال في شرح التفريع [٧/ ٤٤٥]: قال الأبهري ﵀: إذا أخذ لحماً من صنف لحمه، كان لحماً بلحمٍ مثله، فلا بأس به، وإن أخذ غير لحمه فلا بأس به، وكأنّه اشترى ما بقي عليه من ثمنِ لحمِهِ لحماً آخر أو طعاماً أو عرضاً أخذه مكانه، فلا بأس بذلك.
فإن لم يقبضه في الحال، صار ديناً بدينٍ، وقد نهى رسول الله ﷺ عنه».стр. 900
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
الحواشي
(١) … [٢٢٥]- (ولا بأس أن يؤخر المشتري نقد ثمنه إذا شرع في أخذ مثمونه، ولا يجوز أن يتأخر الثّمن والمُثمَنُ جميعاً)؟
قال في شرح التفريع [٧/ ٤٤٧]: «وإنّما قال: يجوز للمشتري أن يؤخر نقد ثمنه إذا شرع في أخذ مثمنه؛ لأنّه لا يكون ديناً بدينٍ؛ لأنّ أحد الجانبين قد شرع في قبضه.
قال أبو بكر الأبهري ﵁: ولأنّ هذا يجري مجرى الأعيان، وإنما يُؤَخَّرُ قبضُهُ لحاجتهم إلى أخذه أوّلاً فأوّل، فجاز تأخير هذه لهذه العلّة؛ وإنّما الذي لا يجوز: الدّينُ بالدّينِ».
السلم فيما ليس عند البائع أصله، والسلم المعلق بشجرةٍ أو أرضٍ معيّنةٍ
[٢٢٦]- (ولا بأس بالسّلم في حنطة قريةٍ معيّنةٍ، إذا كانت كثيرة الزّرع لا تُخْلِف عن القدر الّذي أسلم فيه).
قال في شرح التفريع [٧/ ٤٥٢]: «قال الأبهري ﵀: لأنها إذا كانت مأمونةً، فالأغلب أنّ طعامها يسلم منه ما يستوفي المشتري ما اشتراه، وشراء ما الأغلب فيه السّلامة جائزٌ؛ لأنّ البياعات لا تخلو من غررٍ يسيرٍ، فإذا كان غالبها السّلامة جاز، وإذا كان غالبها الغرر لم يجز.
هذا أصل البياعات والإجارات؛ لأنّها موضوعةٌ على المعاوضات».
فيما يجوز من القرض وما لا يجوز
[٢٢٧]- (قال مالكٌ ﵀: ولا خير في السفتجة، ولا يجوز العمل بها، والذي يُسَهَّل فيه من ذلك: أن يكون الذي يريد أن يأخذ المال هو الطالب).
قال في شرح التفريع [٧/ ٤٥٧]: «قال الأبهري ﵀: وإنّما قال ذلك؛ لأنّ المنفعة إذا كانت لدافع المال، كان قرضاً جرَّ منفعةً؛ لأنّه أقرضه مالاً انتفع بإجراره، وأَخَذَهُ في موضعٍ يريده، وكلّ ذلك قرضٌ يجرّ منفعةً.
وهو غير جائزٍ إذا كانت المنفعة للمعطي، فإذا كانت للمعطَى جاز؛ لأنّ المقرِضَ فعل معروفاً ولم يقصد جرّ منفعةٍ، وكلُّ معروفٍ صدقةٌ، كما قال رسول الله ﷺ ».стр. 901
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
الحواشي
(١) مكان قضاء القراض ووقته
[٢٢٨]- (ومن اقترض قرضَاً فلم يشترط للقضاء موضعاً، فإنّه يلزم المقترِضَ القضاء في الموضع الذي اقترضه فيه.
ولو لقيه في غير الموضع الذي أقرضه فيه وطالبه بالقضاء، لم يلزمه ذلك، ولزم أن يوكّل من يقبضه عنه في البلد الذي أقرضه فيه).
قال في شرح التفريع [٧/ ٤٥٨]: «قال الأبهري ﵁: واختلاف البلدان كالآجال؛ لأنّ غرض النّاس يختلف في البلدان والحمل والمؤنة، كما يختلف غرضهم في أوقات الطعام، وتتغيّر فيها الأسعار».
[٢٢٩]- (ولو اصطلحا على القضاء في بلدٍ آخر، كان ذلك جائزاً إذا كان بعد حلول الأجل، وإن كان قبل حلوله لم يجز).
قال في شرح التفريع [٧/ ٤٥٩]: «قال الأبهري ﵀: وإنما لم يجز أن يصطلحا على القضاء قبل الأجل، كان ذلك من بيعٍ أو قرضٍ؛ لأنّه إن قضى فوق شرطه، فقد زاده لإسقاط الضّمان عنه، وإن كان دون شرطه، فقد حطّ عنه لتعجيله قبل وقته أو في غيره موضعه الذي قبضه فيه، وذلك غير جائزٍ.
وإذا تبرّع بالقضاء جاز ذلك، إذا ردّ مثل الطّعام الذي عليه، لا زيادة ولا نقصان في الجودة والكيل».
باب بيع الثمار قبل بدو صلاحها
[٢٣٠]- (ولا يجوز بيع الثّمار على التّبقية قبل بدوِّ صلاحها).
قال في شرح التفريع [٨/ ٥]: «والأصل في ذلك ما روي عن النّبيّ ﷺ : «أَنَّهُ نَهَى عَنْ بَيْعِ الثِّمَارِ حَتَّى يَبْدُوَ صَلَاحُهَا، نَهَى البَائِعَ والمُشْتَرِي» خرَّجه مسلم.
وخرّج أيضاً عن ابن عمر ﵁ أنّه قال، قال رسول الله ﷺ «لَا تَبْتَاعُوا الثّمَرَ حَتَّى يَبْدُوَ صَلَاحُهُ وَتَذْهَبَ عَنْهُ الآفَةُ»، وبدو صلاحه: حمرته وصفرته.
قال الأبهري ﵀: معنى النّهي - والله أعلم - لكثرة الغرر فيها إذا بيعتстр. 902
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
الحواشي
(١) على التّبقية قبل بدوّ صلاحها، ولقلّة الانتفاع بها في هذه الحال مع تبقيتها، فإذا بدا صلاحها، قلّ الغرر فيها وكثر الانتفاع بها؛ لأكل النّاس منها، فلا يقصدون سواها إلى الغرر بالقطع».
[٢٣١]- (ولا بأس ببيعها على القطع قبل بدوّ صلاحها، ولا بأس ببيعها على التّبقية بعد بدوّ صلاحها).
قال في شرح التفريع [٨/ ٧]: «وأمّا قبل بدوّ صلاحها، فليس يجوز بيعها على التّبقية؛ لعدم حصول الانتفاع بها، فأمّا بيعها على القطع فإنّه يجوز.
قال الأبهري ﵁: لأنّ منفعة ما اشتراه تحصل له في الحال إذا قطع، فبيعه جائزٌ، وإنّما الممنوع من بيعه ما لم يبدُ صلاحه من التمر وغيره على التّبقية؛ لأنّ ذلك غررٌ، لا منفعة فيه للمشتري في الحال، ولا يدري هل تحصل المنفعة من ذلك أم لا».
[٢٣٢]- (ومن باع ثمرةً قبل بدوِّ صلاحها ولم يشترط قطعها ولا بقاءها، فالبيع باطلٌ، وكذلك إن اشترط قطعها فبقّاها مشتريها، فالبيع باطلٌ، وتُردُّ الثّمرة على بائعها والثّمن على مشتريها، فإن فاتت في يد مشتريها، ضمن مكيلتها إن كانت معلومةً، أو قيمتها إن كانت المكيلة مجهولةً، وله ما أنفق عليها في سقيها وجذاذها).
قال في شرح التفريع [٨/ ٨]: «اختلف فيمن اشترى ثمرةً قبل بدوّ صلاحها ولم يشترط جذاذاً ولا تبقيةً، هل يحمل البيع على الجذاذ فيكون جائزاً، أم على التّبقية فيكون فاسداً:
فقال ابن القاسم: إذا اشترى ثمرة قبل بدوّ صلاحها فجذّها مكانه فالبيع جائزٌ.
وقال ابن القصار: البيع فاسدٌ حتى يشترط الجذاذ، وبه قال القاضي عبد الوهاب والأبهري ﵄».
وقال أيضاً في [٨/ ٩]: «إذا ثبت هذا، فمن اشترى ثمرةً قبل بدوّ صلاحها، فتركها حتى بدا صلاحها، أو رطبت ثمّ جذّها، فالبيع فاسدٌ، ويكون على المشتري قيمتها يوم جذّها إن كانت رطباً، قاله ابن القاسم.стр. 903
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
الحواشي
(١) وإن جذّها ثمراً، كان عليه مكيلتها، يريد إذا فات ذلك.
قال الأبهري ﵁: لأنّ كلّ من أسلف شيئاً مما يكال أو يوزن، فعليه ردّ مثله كيلاً أو وزناً، لا قيمة ذلك، وإن كان قائماً، ردّه بعينه، وإن فات بعضه وبقي بعضه، ردّ بقيته. وتردّ قيمة الرّطب أو مكيلة التّمر على ما ذكرنا».
بيع الثمار بعد طيبها
[٢٣٣]- (وإذا كان في الحائط نخلٌ، فطاب بعضه، جاز بيعه كلّه إذا كان طِيبُهُ متتابعاً متلاحقاً، فإن طاب منه مُبَكِّرُهُ، لم يبع معه مُتَأَخِّرُهُ، وبيع المبكّر وحده).
قال في شرح التفريع [٨/ ١٢]: «وإنّما مَنَع أن يباع معه متأخره؛ لنهي رسول الله ﷺ عن بيع الثّمار حتى يبدو صلاحها.
قال الأبهري ﵁: ولأنه لا تؤمن فيه الجائحة إذا بيع في هذا الوقت، فيكون بيعه غرراً وقد نهى النّبِيُّ ﷺ عن بيع الغرر».
[٢٣٤]- (وإذا كان في الحائط نوعان من النّخل: صيفي وشتوي، لم يبع أحدهما بطيب الآخر، وكلّما طاب نوعٌ بيع وحده ولم يبع بطيب غيره).
قال في شرح التفريع [٨/ ١٢]: «قال الأبهري ﵁: ولأنّ ما بينهما من الوقت منقطعٌ غير متّصلٍ، فلا يجوز بيع الثّاني مع الأوّل، كما لا يجوز بيع ثمرة السّنة الثّانية مع الأولى؛ لأنّ ذلك غررٌ، لا يدرى أيكون أم لا، وكيف يكون، وقد نهى رسول الله ﷺ عن بيع الغرر».
[٢٣٥]- (وإذا كان في الحائط أصنافٌ من الثّمار، كالتفّاح والنّخل والرمّان والخوخ والتّين وغير ذلك من الثّمار، فطاب منها صنفٌ واحدٌ، بيع وحده).
قال في شرح التفريع [٨/ ١٣]: «قال أبو بكر الأبهري ﵁: وليست كالتّمر والعنب أنّ بعضه يباع بصلاح بعضٍ؛ لأنّ ذلك كلّه صنفٌ واحدٌ، وحكمه حكمٌ واحدٌ، وليس كذلك أصناف الفواكه؛ لأنّها مختلفة الأصناف، فلكل صنفٍ منها حكمه.стр. 904
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
الحواشي
(١) ولأنّ ذلك يؤدي إلى بيع الثّمار قبل بدوّ صلاحها، وقد نهى رسول الله ﷺ عن ذلك».
بيع المقاثي والمباطخ
[٢٣٦]- (ولا بأس ببيع المقاثي والمباطخ إذا بدا صلاحها وأمكن الانتفاع بها، وإن لم تظهر جميع ثمرتها، ثمّ يكون للمشتري جميع بطونها إلى آخر إبّانها).
قال في شرح التفريع [٨/ ١٤]: «قال الأبهري ﵁: وإنّما جاز بيع هذه الأشياء إذا بدا صلاح أوّلها، وإن كانت بُطونها متأخّرةً؛ لأنّه لو منع من بيع ما ثد بدا صلاحه حتى يخرج كله ويبدو صلاحه؛ لأضرّ ذلك به، ولفسد ما قد خرج منه، فجاز له بيعه كلّه، وهو في ذلك بخلاف بيع القرط.
والفرق بينهما: أنّ المقاثي والمباطخ كلّ بطنٍ منها متتابعٌ، لا ينفرد بطنٌ عن الآخر، فلو كلّفناهم بيع كلّ بطن على حدةٍ، كان في ذلك حرجٌ ومشقّةٌ، إذ لا تنفصل بطنٌ عن الأخرى، بل تختلط ولا تتعيّن، بخلاف القرط، فإنّ كان بطنٍ منه منفصلٌ عن الآخر انفصالاً تامّاً».
وقال أيضاً في [٨/ ١٥]: «فإن قيل: كيف جاز بيع البطون التي لم تخلق، ببدوّ صلاحها أوّل بطنٍ، وإنما جاز أن يباع آخر الثّمر بطيب أوّلها؛ لأنّها مخلوقةٌ؛ وإنّما تزداد حلاوةً وهذه بطنٌ بعد بطنٍ؟
قيل له: ذلك كاتّصال خروج اللّبن في الظئر، فإنّه يتجدّد كلّ يومٍ، وقد أجاز الله تعالى الإجارة على ذلك، والإجازة بيعٌ.
قال الأبهري ﵁: ومما يدلّ على صحّة ما قلناه: أنّ الله ﵎ قال: ﴿فَإِنْ أَرْضَعْنَ لَكُمْ فَآتُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ﴾ [الطلاق:٦]، فأباح الإجارة في الرّضاع وهو بيع اللّبن، وذلك غير مرئيّ ولا موجودٍ، وإنّما أجيز ذلك للحاجة إليه، فكذلك ما ذكرناه من بيع المقاثي، أجيز ذلك للحاجة إليه والضّرورة».
بيع البقول والقرط والقضبстр. 905
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
الحواشي
(١) [٢٣٧]- (ولا يجوز بيع القرط والقضب حتّى يفنى، ولا بأس ببيعه جزّاتٍ معلوماتٍ).
قال في شرح التفريع [٨/ ١٦]: «قال الأبهري: ولأنّه بطونٌ وتقصر، وهي مجهولةٌ، وليس هو كالمقاثي؛ لأنّ وقتها معلومٌ.
ولأنّه لا يدرى بقيّة البطون كيف تكون، وذلك غررٌ، وإنّما يجوز بيعه إذا بلغ أن يُرعى أو يحصد، لا قبل ذلك؛ لأنّ ذلك غررٌ».
بيع الموز والورد والياسمين
[٢٣٨]- (ولا يجوز بيع الموز حتى يبدو صلاحه، فإذا بدا صلاحه جاز بيعه، ويضرب له أجلٌ ينتهي إليه).
قال في شرح التفريع [٨/ ١٦]: «قال الأبهري ﵁: لأنّ الموز يبقى مدّةً طويلةً، وهو بطونٌ تخرج أوّلاً فأوّلاً، فاحتيج إلى ضرب الأجل ليعلم المشتري ما اشتراه، وإذا لم يضرب الأجل، كان ما اشتراه مجهولاً وذلك غير جائزٍ».
[٢٣٩]- (ولا بأس ببيع الورد والياسمين إذا أمكن قِطافه، ثمّ يكون بعد ذلك للمشتري إلى آخر إبّانه، ولا يجوز بيعه سنين عدّةً).
قال في شرح التفريع [٨/ ١٧]: «قال الأبهري ﵁: وإنّما جاز بيع الورد والياسمين إذا أمكن قطافه إلى آخر إبّانه؛ لحاجة صاحبه إلى البيع وحاجة المشتري إلى الشّراء، ولو منع من بيع ما بدا صلاحه حتى يخرج كلّه، لأضر ذلك به، ولفسد ما خرج منه، فجاز أن يباع كلّه.
ولا يجوز أن يباع سنين عدّةً؛ لأنّه مجهولٌ، إذ لا يدرى ما يحصّلُ منه في باقي السنين».
بيع الزرع
[٢٤٠]- (ولا بأس ببيع الزّرع إذا يبس واشتدّ، ولا بأس ببيعه بعد جذاذه إذا كان حِزمَاً).
قال في شرح التفريع [٨/ ١٨]: «اختلف في بيع الزرّع إذا اشتدّ واستغنى عن الماء، هل يجوز أم لا؟стр. 906
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
الحواشي
(١) فقال مالك ﵁: يجوز، ومنعه الشافعي ﵁.
ودليلنا: ما روي عن النّبِيّ ﷺ : «أَنّهُ نَهَى عَنْ بَيْعِ السُّنْبِلِ حَتَّى يَبْيَضَّ وَيَأْمَنَ العَاهَةَ»، خرّجه مسلم.
قال أبو بكر الأبهري ﵀: ولأنّ ذلك بدوّ صلاح الزّرع ووقت الانتفاع به، ولا يُنتَفع به قبل ذلك إلّا باليسير منه، كما لا يُنتفع بالثّمرة قبل بدوّ صلاحها إلّا باليسير منها، فإذا بدا صلاحها انتفع بها، وهكذا الزرّع إذا يبس انتفع به، فلذلك جعله حدّاً لجواز البيع.
قال الأبهري ﵁: ومن منع بيعه بعد أن يبيضّ فقد خالف هذا الحديث الصّحيح.
وأما بيع الحنطة في سنبلها غير مفردةٍ عن السنبل فغير جائزٍ بالإجماع».
بيع الأصول مع ثمرها مؤبرةً وغير مؤبرةٍ
[٢٤١]- (وإن أبّر بعضها ولم يؤبّر البعض، فإن كان ما أبّر مثل ما لم يؤبّر، فالمؤبّر للبائع وغير المؤبر للمبتاع، وإن كان أحدهما أكثر من الآخر، ففيها روايتان: إحداهما: أنّ الأقل تبعٌ للأكثر، والأخرى: أنّ ما أبّر للبائع وما لم يؤبّر للمبتاع).
قال في شرح التفريع [٨/ ٢٢]: «قال الأبهري ﵁: ألا ترى: أنّ القصر والفطر في السّفر إنّما جعل رخصةً من أجل مشقّة السّفر التي تلحق النّاس، وإن كان النّادر من النّاس لا يلحقهم ذلك، غير أنّ الحكم للأغلب، فكذلك هنا الحكم للأغلب في إبار النّخل والتّمر، فجعل القليل تبعاً للكثير».
[٢٤٢]- (ومن اشترى أرضاً وفيها زرعٌ صغيرٌ لم يبد صلاحه ولم يذكره البائع في عقدة البيع، ففيها روايتان:
إحداهما: أنّه للبائع، والأخرى: أنّه للمبتاع).
قال في شرح التفريع [٨/ ٢٢]: «قال أبو بكر الأبهري ﵁: وإنّما قلنا: إنّ من باع أرضاً وفيها زرع لم يُلَقَّح أنّه للمبتاع، وإن كان قد لقِّحَ فهو للبائع، وذلكстр. 907
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
الحواشي
(١) بمنزلة النّخل إذا بيعت وقد أبّرت، فثمرتها للبائع إلّا أن يشترطه المبتاع، وإذا بيعت قبل أن تؤبّر، فهي للمبتاع، وقد روّينا ذلك عن النّبِيّ ﷺ .
وقد اختلف قول مالكٍ ﵁ في هذه المسألة:
فروى أشهب وابن عبد الحكم هذا القول الذي حكيناه.
وقال ابن القاسم عن مالكٍ: إنّ الزّرع كلّه للبائع، صغيراً كان أو كبيراً إلّا أن يشترطه المبتاع.
ووجه هذا القول: أنّ الزّرع مخالفٌ للثّمرة؛ لأنّ الزّرع هو شيءٌ يضعه البائع، فأشبه ذلك ما دفنه فيها، فذلك للبائع، وكذلك الزّرع هو للبائع، والثمرة ليست شيئاً وضعه البائع فيها.
فإن قيل: إنّ الزرع بمنزلة النّخل يكون للمشتري، وإن كان قد وضعه البائع؟
قيل: بينهما فرقٌ، وهو أنّ النّخل وضعت على التأبيد، ليس إلى وقتٍ يتناهى، فهي بمنزلة البنيان، وأمّا الزرع فهو إلى وقتٍ يتناهى، فكان للبائع لهذه العلّة، ولم يتبع الأرض».
بيع الثمار على رؤوس الأشجار والاستثناء منها
[٢٤٣]- (ولا بأس أن يبيعها جزافاً ويستثنى منها كيلاً معلوماً إذا كان يسيراً، قدر ثلثها أو أدنى منه)
قال في شرح التفريع [٨/ ٢٦]: «قال الأبهري ﵁: قال مالكٌ: الأمر المجتمع عليه عندنا، أنّ له أن يستثني ما بينه وبين الثلاث، لا يجاوز ذلك، وعن ابن أبي سلمة مثله».
[٢٤٤]- (ومن باع حائطاً جزافاً واستثنى منه كيلاً معلوماً، فأراد بيعه قبل أن يستوفيه من المشتري، ففيها روايتان:
إحداهما: جواز بيعه، والأخرى: منعه).стр. 908
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
الحواشي
(١) قال في شرح التفريع [٨/ ٢٧]: «قال الأبهري: ﵁: ولأنّه إنّما نهي عن بيع الطّعام قبل قبضه إذا اشتراه، وهذا لم يشتر شيئاً، وإنّما بقي الآصع على ملكه.
وإن قلنا: «إنّه مشترٍ»، فلا يجوز، لأنّه يدخله بيع الطّعام قبل قبضه، وذلك منهيٌّ عنه.
[٢٤٥]- (قال مالكٌ: ومن باع حائطاً واستثنى منه آصعاً معلومةً، فأصيب ربع الحائط، فلا وضيعة فيه من الثّمن، ولا من الثنيّا، والمصيبة من المشتري).
قال في شرح التفريع [٨/ ٢٨]: «قال الأبهري: إنّما قال ذلك؛ لأنّ الجائحة لا توضع في أقلّ من الثّلث، وإنّما توضع في الثّلث فما فوقه.
وأمّا قوله: ولا من الثنيّا، فلأنّ البائع إنّما باع ما زاد على الثنيّا واشترط على المشتري أن يبدئه بما استثناه، فما بقي بعد الاستثناء فهو للمشتري، فلهذا قال: ليس على البائع من المصيبية في الاستثناء شيءٌ».
[٢٤٦]- (قال مالكٌ ﵁: فإن أصيب الثّلث فقد اختلف فيه، وأحبّ إلينا أن تكون الأوسق المسمّاة فيما بقي من الحائط، وتوضع عنه الجائحة.
وقيل: بل تكون الجائحة في الأوسق وفي الثّمرة على قدر ذلك، والأوّل أحبّ إلينا).
قال في شرح التفريع [٨/ ٢٩]: «قال الأبهري: ووجه قول مالكٍ ﵁: إنّ الأوسق المسمّاة تكون فيما بقي من الحائط؛ فلأنّ البائع إنّما باع ما عدا الأوسق، وبقّى الآخر على ملكه، فلا جائحة فيها.
ووجه قوله الآخر أنّ الجائحة في الأوسق وفي غيرها: هو أنّ البائع شريكٌ للمشتري في الثّمرة بقدر الأوسق؛ لأنّها ليست بعينها، فالمصيبة بينهما بقدر ملكيها، ثمّ توضع عن المشتري الجائحة التي أصابته؛ لأنّ رسول الله ﷺ أمر بوضع الجوائح.
وهذا القول هو الصّحيح، أنّ المصيبة تكون على البائع والمشتري؛ لأنّهما شريكان في الثّمرة، فلزم كلّ واحدٍ من الجائحة بقدر ملكه، ثمّ يُوضع عن المشتري من الجائحة في مقدار ما اشتراه؛ لأنّه الثّلث».
باب العراياстр. 909
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
الحواشي
(١) [٢٤٧]- (قال مالكٌ ﵁: ولا بأس بالعريّة، وهي هبة ثمر النّخل والشّجر).
قال في شرح التفريع [٨/ ٣٢]: «قال الأبهري: وإنّما جوِّزت العريّة؛ لأنّه معروفٌ يفعله الإنسان، وذلك فعل خيرٍ، وقد قال تعالى: ﴿وَافْعَلُوا الْخَيْرَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ﴾ [الحج:٧٧]، وكان رسول الله ﷺ يأمر مصدّقيه أن يُخَفِّفُوا، وقال: «إِنَّ فِي المَالِ العَرِيَّةَ وَالوَصِيَّةَ».
[٢٤٨]- (ومن ملك عريّةً فلا يجوز له بيعها حتّى يبدو صلاحها، فإذا بدا صلاحها جاز بيعها من المُعرِي وغيره بالدّنانير والدّراهم، ولم يجز بيعها بالثّمر من غير مُعرِيها، ويجوز بيعها من المُعرِي خاصَّةً بخرصها تمراً يعطيه إيّاه عند جذاذها، ولا يعجّله قبله، ولا يؤخّره بعده، وذلك إذا كان قدرها خمسة أوسقٍ فما دونها، ولا يجوز فيما فوقها).
قال في شرح التفريع [٨/ ٣٤]: «واختلف: هل تباع بخرصها نقداً:
فمنعه مالكٌ وابن القاسم.
قال الأبهري: لأنّه يصير بيع تمرٍ برطبٍ نقداً وذلك غير جائزٍ».
وقال أيضاً في [٨/ ٣٥]: «وأمّا قوله: ولا يؤخره بعده، فلأنّه إذا أخّره خرج عن الرّخصة وصار مزابنةً.
وقد روى حماد بن سلمة، عن أيوبٍ، عن نافعٍ، عن ابن عمر: «أَنَّ رَسُولَ الله ﷺ نَهَى عَنِ المُزَابَنِةَ»، قال أيّوب: «ورخَّص رسول الله ﷺ في العرايا: النّخلة والنّخلتين توهبان للرّجل، فيبيعها بخرصها تمراً».
قال الأبهري ﵁: فلهذا قال مالكٌ ﵁: إنّه يجوز أن يبيعها بخرصها تمراً إلى أجلٍ؛ لأنّ المُعرِي لم يقصد بشراءها طلب الفضل والفخر، وإنّما أراد التّخفيف عن نفسه بقطع طريق المعري إلى حائطه ودخوله وخروجه؛ لأنّ ذلك يشقّ عليه.стр. 910
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
الحواشي
(١) فإن قيل: لم اقتصر مالكٌ ﵁ على خمسة أوسقٍ، وقد شكّ الرّاوي في الخمسة؟
قيل له: قد قيل: إنّ الشكّ قد دخل على الرّاوي في الخمسة فما فوق، وما دونها غير محدودٍ، فوجب أن يقتصر على الخمسة أوسق المحدودة، إذ هي أصلٌ في الزكاة.
وروى أبو الفرج عن مالكٍ ﵁، أنّه لا يُشترى من العرايا بخرصها إلّا أقلّ من خمسة أوسقٍ.
وهو أحسن؛ إذ الخمس مشكوكٌ فيها».
[٢٤٩]- (ومن أعرى نفراً شتّى عرايا عدَّةً، فلا بأس أن يشتري من كلّ واحدٍ منهم عريّته إذا بدا صلاحها بخرصها تمراً، إذا كان قدرها خمسة أوسق فما دونها).
قال في شرح التفريع [٨/ ٣٥]: «قال الأبهري ﵁: ولا يجوز أن يشتري من كلّ واحدٍ أكثر من خمسة أوسقٍ؛ لأنّ النّبِيّ ﷺ أرخص في بيع العريّة بخرصها في خمسة أوسقٍ فدون، فجاز بهذا الخبر شراء العريّة إذا كانت خمسة أوسقٍ، سواءٌ كان المعري واحداً او جماعةً، في أنّه يجوز أن يشتري من المتقدّم خمسة أوسقٍ فدون.
وكذلك من كلّ واحدٍ من الجماعة إذا أعراهم أوسقاً كثيرةً، إذ لا فضل في حكم العريّة وشرائها بين المعري الواحد والجماعة، ومن المعري الواحد والجماعة منهم، والله أعلم.
ويجوز أن يشتري نصيب أحدهم إذا أراد المعروف أو قصد رفع الضّرر؛ لأنّه يصحّ في الوجهين جميعاً، والمضرّة ترفع عن المعري من دخول هذا وخروجه، وقد يتأذى بواحدٍ دون أصحابه.
فإن أعرى جماعةٌ رجلاً واحداً بعض حائطٍ، وكانت عريّة كلّ واحدٍ خمسة أوسقٍ، جاز لجميعهم شراء تلك العريّة».стр. 911
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
الحواشي
(١) باب وضع الجوائح
[٢٥٠]- (ومن اشترى ثمرةً قد بدا صلاحها، فأصابها جائحةٌ فأتلفت ثلث مكيلتها فصاعداً، سقط عنه من ثمنها بقدر ما تلف منها.
فإن كان ما تلف منها أقلّ من ثلث مكيلتها، فمصيبة ذلك من مشتريها، ولا يرجع على البائع بشيءٍ من ثمنها).
قال في شرح التفريع [٨/ ٣٧]: «قال الأبهري ﵁ ولمّا أمر النّبِيّ ﷺ بوضع الجوائح، كان وضعها واجباً إلّا أن تقوم الدّلالة على أنّ ذلك ليس بواجبٍ، وليس هذا من المواضع التي يقال: إنّه ندبٌ؛ لأنّه لا يحكم بين المتخاصمين على وجه النّدب.
فإن قيل: إذا كان الخبر صحيحاً، فضع الجائحة قليلها وكثيرها، فأمّا أن يكون الثلث فصاعداً، فلا وجه له؟
قيل له: ظاهر الحديث يدلّ على أنّ القليل لا يوضع؛ لأنّ رسول الله ﷺ إنّما أمر بوضع الجوائح، وكانت الجائحة في لسان العرب إنّما هي فيما كَثُرَ ذَهَابُه دون ما كان قليلاً؛ لأنّه لا يقال لمن ذهب درهمٌ من ماله وهو يملك ألوفاً كثيرةً: «إنّ ماله أجيح»، فلمّا كان كذلك، ثبت أنّ اسم الجائحة لا يقع على ذهاب اليسير.
وأمّا من جهة المعقول: فإنّه ملعومٌ أنّ المشتري إنّما دخل على ذهاب اليسير من الثّمرة؛ لأنّه لا بد أن يسقط منها اليسير، ويأكل منها الطّير وغير ذلك، فلمّا كان كذلك، لم يجب على البائع أن يضع عن المشتري القدر الذي دخل عليه حتّى يكثر، فيلزمه أن يضع عنه للخبر.
وأقلّ حدّ الكثير من الشّيء ثلثه، بدليل قول النّبِيّ ﷺ لسعدٍ: «الثُّلُثُ، وَالثُّلُثُ كَثِيرٌ»، فجعَلَ الثُّلُثَ كثيراً».
الجائحة بسبب نقصان المياه
[٢٥١]- (وما كان من نقصان الشُّربِ، فإنّه يوضع قليله وكثيره).стр. 912
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
الحواشي
(١) قال في شرح التفريع [٨/ ٤١]: «قال الأبهري: لأنّ على البائع أن يسقي الثّمرة حتى يجذّها المشتري، فمتى انقطع الماء، كان ذلك عيباً لحق الثّمرة من سببه، فهو بمنزلة عيبٍ يكون عند البائع، فللمشتري أن يردّ السّلعة في قليل ذلك وكثيره، أو يأخذ أرشه إن كان قد فات في يده».
وقال أيضاً: «قال اللخمي ﵁: واختلف في الماء يشتريه رجلٌ ليسقي به شهراً أو شهرين، فينتقص بعضه …
قال الأبهري ﵁: وإنّما جاز بيع الماء يوماً أو أكثر؛ لأنّه يعرف في الأغلب مقداره، فأمّا وضع الجائحة فيه، فكوضعها في الثّمرة؛ لأنّ الماء لا يبقى على حدٍّ، إذ لا بد أن ينقص أو يزيد، فأشبه ذلك الثّمرة؛ لأنّه لا بدّ من سقوط يسيرها، فعلى ذلك دخل المشتري.
فأما إذا كثر ذلك، بأن يكون ثلثه فأكثر، فإنّه يرجع على البائع بمقدار ذلك من الثّمن، كما يرجع عليه في الثمرة؛ لأنّ الماء يؤخذ أوّلاً فأوّلاً ويُنتَفع به كذلك، ولا يمكن المشتري أخذه كلّه في الحال، كما لا يمكنه أخذ الثّمرة في الحال إذا لم تتناهَ، لأنّ ذلك يضرّ به؛ وإنما يأخذها أوّلاً فأوَّلاً وينتفع به كذلك».
الجوائح في المقاثي والمباطخ والبقول
[٢٥٢]- (ومن اشترى بقلاً فأصابته جائحةٌ، ففيه ثلاث روايات:
إحداهنّ: أنّه بمنزلة الثّمار، يوضع الثّلث فما فوقه، ولا يوضع ما دونه.
والروّاية الثّانية: أنّه يوضع قليله وكثيره.
والرّواية الثّالثة: أنّه لا يوضع منه شيءٌ، قلّ أو كثر).
قال في شرح التفريع [٨/ ٤٣]: «ووجه قوله: إنّه لا يوضع منها شيءٌ، فلأنّها تباع وهي غير محتاجةٍ إلى تبقيةٍ في موضعها.
قال الأبهري: لأنّ المشتري يقدر على قطع ما اشتراه في الحال، وليس لتناهيه يتوقعстр. 913
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
الحواشي
(١) كما يكون ذلك في الثّمرة، فلمّا فرّط مشتري البقل في أخذه مع قدرته عليه، لم يرجع على البائع بشيءٍ من الثّمن».
لا جائحة عند الحصاد
[٢٥٣]- (ولا جائحة في ثمرٍ عند جذاذه، ولا في زرعٍ عند حصاده).
قال في شرح التفريع [٨/ ٤٤]: «لأنه قد انتهى ووصل إلى الغاية، ولم يبق له إلّا القطع، فلا جائحة تلزم البائع فيه.
قال الأبهري: ولأنّه لا ضرورة إلى بقائها بعد تناهيها، فإذا تركها فقد ضيّع، فمن قِبَلِهِ أتِيَ، ولا يرجع على غيره.
فأما قبل أن تيبس، ففيه جائحةٌ إلى بقائها حتى تتناهى، وهو غير مفرّطٍ في ذلك، وعلى ذلك دخل البائع والمشتري، فقد بقي على البائع حقُّ التّوفية حتى تيبس وتنتهي ويصل إلى غرضه منها».
فيمن ابتاع ذهباً بورقٍ، ثمّ وجدها ناقصةً
[٢٥٤]- (ومن ابتاع ذهباً بورقٍ، ثمّ وجدها ناقصةً، فإن طلب التّمام، انتقض صرفه، وإن رضي بالنّقصان، صحّ صرفه).
قال في شرح التفريع [٨/ ٤٩]: «قال الأبهري ﵁: ولأنّه لم يتأخّر القبض عن العقد حين لم يردّ الدّرهم؛ وإنّما الممنوع من ذلك أن يتأخّر القبض عن حال العقد؛ لأنّ شرط القبض في الصرف أن يكون: «هاء وهاء»، كما قال النّبِيّ ﷺ ، فمتى خالف ذلك انتقض الصّرف، ومتى كان كذلك كان جائزاً وكان صحيحاً.
وإن طلب التّمام انتقض الصّرف كلّه؛ لأنّ القبض يكون متأخّراً عن العقد.
وإن وجد أحدهما زائداً عنده على ما عقد عليه الصّرف، فإنّه يردّ الزّائد؛ لأنّه لم يعقد عليه صرفٌ، ويُمضِي ما سواه».
[٢٥٥]- (قال مالكٌ ﵁: ولو نسي المبتاع عنده بعض الدّرهم، كان أحب إلينا أن يناقضه)стр. 914
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
الحواشي
(١) قال في شرح التفريع [٨/ ٥٠]: قال الأبهري ﵁: وإنّما قال ذلك؛ لأنّه لم يتعمّد التّأخير، فيكون قد فعل ما هو ممنوعٌ منه، فلا ينتقض صرفه بالقياس، والاختيار أن يناقضه؛ لدخول التأخير فيه».
فيما لو وجد في الصرف شيئاً رديئاً
[٢٥٦]- (ولو وجد فيها رديئاً فأراد ردّه، انتقض صرفه، وإن رضي بعيبه، تمّ صرفه).
قال في شرح التفريع [٨/ ٥٠]: «وأجاز أشهب أخذ البدل في الصّرف بغير شرطٍ، ومنعه مالكٌ ﵁.
قال الأبهري ﵀: لأنّه لم يقع قبض الدّراهم في حال العقد متى ردّه، فلا يجوز البدل؛ لأنّه يتأخر عن العقد ويزول ما شرطه النّبِيّ ﷺ من قوله: «الذَّهَبُ بِالوَرِقَ رِبَاً، إِلَّا هَاءَ وَهَاءَ».
فإذا كانت دنانير، انتقض صرف دينارٍ واحدٍ؛ لأنّ كلّ دينارٍ منفردٌ بنفسه، فلا ينتقص غيره به.
قال: وإنّما ينتقض الصّرف في دينارٍ واحدٍ؛ لأنّ الدّينار لا يجوز كسره، وذلك مكروهٌ.
ولا يجوز أن يشتركا في الدّينار بمقدار ما ردّه من الدّرهم؛ لأنهّ لا يجوز أن يفترقا وبينهما علقةٌ، وإن كان قد أنفق الدّراهم، ردّ مثلها».
بدل الدنانير والدراهم المختلفة الوزن
[٢٥٧]- (ولا بأس ببدل الدّنانير والدّراهم: النّاقصة بالوازنة، على وجه المعروفٍ، يداً بيدٍ).
قال في شرح التفريع [٨/ ٥٥]: «قال الأبهري ﵁: وإنّما جاز البدل؛ لأنّه معروفٌ وليس مناجزةً، وقد جوِّزَ في المعروف ما لم يجز في البيع، من ذلك: قرض الدّراهم بالدّراهم إلى أجلٍ؛ وكذلك الطّعام، ولا يجوز ذلك في البيع».
تغيّر سكّة الدّراهم والدّنانير والفلوس
[٢٥٨]- (ومن اقترض دراهم أو دنانير أو فلوساً أو باع بها، وهي سكّةٌ معلومةٌ، ثمّстр. 915
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
الحواشي
(١) غيَّر السّلطان السكّة أو أبدلها بغيرها، فإنّما عليه مثل السكّة التي قبضها ولزمته يوم العقد).
قال في شرح التفريع [٨/ ٥٨]: «قال الأبهري ﵁: وإنّما قلنا: إنّ له مثل فلوسه أو دراهمه التي أسلف أو باع بها؛ لأنّ عليه أن يعطيه الذي وجب عليه في ذمّته، وليس عليه غيره، وذلك الواجب عليه.
وقد روى ابن وهبٍ، عن سعيد بن المسّيب ﵄، أنّه قال: «إِن أسلفت إلى رجلٍ دراهم، ثمّ دخل الدّراهم فسادٌ، فليس لك عليه إلّا مثل ما أعطيت، وإن كان قد أنفقها وجازت عنه».
قال ابن وهب ﵁: وأخبرني رجالٌ من أهل العلم، عن يحيى بن سعيد، وربيعة مثله، وسمعت اللّيث ابن سعدٍ يقوله.
ولو انقطع ذلك النّقد حتى لا يوجد، لكان له قيمتها يوم يحلّ الأجل، ولم يُنظر إلى قيمتها يوم انقطعت؛ لأنّه لم يكن عليه طلبٌ في ذلك الوقت».
صرف الفلوس إلى أجلٍ
[٢٥٩]- (ويكره صرف الفلوس إلى أجلٍ وبيع بعضها ببعضٍ متفاضلاً حين كان يُتَعامَل بها، فأمّا في وقتنا هذا فإنّها كالعروض).
قال في شرح التفريع [٨/ ٦٠]: «قال الأبهري ﵁: وإنّما كره صرفها نسيئةً؛ لأنّها قد أجريت مجرى الأثمان في المعاملة بها، وكذلك يكره التّفاضل فيها.
ولم يحرم ذلك كتحريمه في الذّهب والفضّة؛ لأنّ الذهب والفضة أثمانٌ على الحقيقة، فيهما الرّبا والزّكاة، ولم تكن الفلوس كذلك في وجوب الزكّاة في عينها؛ فكذلك ليست في الرّبا مثلها».
الاقتراض من الصيرفي وتغيّر القيمة
[٢٦٠]- (ومن اقترض من صيرفيٍّ بقدر نصف دينارٍ: دراهم، ثمّ رخصت الدّراهم أو غلت، فإنّما عليه مثل الذي أخذ منه.следующие страницы →