← Фикх малики

Фикх малики · id 1326

شرح المختصر الكبير للأبهري

الأبهري

Полный текст (2 801 стр.). Показаны 981–1020 · переход к 986.

стр. 981

رسول الله صلى الله عليه من بيع الثمرة قبل بُدوِّ صلاحها عَلَى التَّبْقِيَةِ (١)، وإذا بدا صلاحها، جاز بيعها عَلَى التَّبْقِيَةِ؛ لأنَّ الغرر قد قلَّ فيه (٢). ••• [١١٠٧] مسألة: قال: ومن باع من رجلٍ سلعةً على أن لا نقصان عليه (٣)، فذلك من المخاطرة، وللمبتاع أجرة مثله، والربح والنقصان من البائع. وذلك إذا فاتت، وإن لم تفت فُسِخَ. وأمّا إذا وجب البيع وعَقَدَهُ، ثمّ شَرَطَ ذلك، فلا بأس (٤). • إنّما قال ذلك؛ لأنّ البائع كأنه قد اكترى المشتري بربحٍ إن كان في السلعة. كذلك قال مالكٌ في غير هذا الموضع، فهذه إجارةٌ فاسدةٌ وليس هو بيعٌ، فلا يجوز. والربح والوضيعة للبائع؛ لأنَّهُ لم يملك المشتري السلعة، وله أجر مثله فيما باع.

стр. 982

وهذا إذا وقع عقد البيع على ذلك وفاتت السلعة، فأمّا إذا قال البائع له ذلك بعد عقده البيع، فليس هذا القول مما يفسد عقد البيع؛ لأنَّ البائع تطوع بالوضيعة، وهي معروفٌ وإحسانٌ يفعله بالمشتري إن شاء، وليس يلزمه ذلك بشرطه في عقد البيع. ••• [١١٠٨] مسألة: قال: والملامسة التي نهى رسول الله صلى الله عليه عنها: أن يلمس الرّجل الثوب ولا ينشره ولا يتبين (١) ما فيه، فيبتاعه أو يبيعه ليلاً وهو جاهلٌ به. والمنابذة: أن ينبذ الرّجل ثوبه إلى رجلٍ وينبذ الآخر إليه ثوبه، على غير معرفةٍ منهما أحدهما بصاحبه (٢). • معنى نهي رسول الله صلى الله عليه عن بيع الملامسة والمنابذة هو الغرر؛ لأنَّ المشتري ليس يعلم ما اشتراه ولا تثبته إذا اشتراه ليلاً أو من غير أن ينشره ويتبيَّن ما فيه، وكذلك إذا نبذ كلُّ واحدٍ إلى الآخر ثوبه ولم يعرفا ما فيه، وذلك من الغرر وأكل المال بالباطل، وقد نهى رسول الله ﷺ عن الغرر وعن الملامسة والمنابذة.

стр. 983

ورَوَى مالكٌ عن محمد بن يحيى بن حبان، عن أبي الزناد، عن الأعرج، عن أبي هريرة: «أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ نَهَى عَنِ المُلَامَسَةِ وَالمُنَابَذَةِ» (١). ورَوَى ابن عيينة، عن الزهري، عن عطاء بن يزيد (٢)، عن أبي سعيدٍ، عن النبيِّ صلى الله عليه: «نَهَى عَنِ المُلَامَسَةِ وَالمُنَابَذَةِ» (٣). ••• [١١٠٩] مسألة: قال: ولا يجوز بيع السَّاجِ المدرج في جرابه، ولا القمطي (٤) في طيِّه، حتى ينشر (٥). • إنّما قال ذلك؛ لأنَّ السَّاج - وهو الكساء -، لا مشقة عليه في نشره

стр. 984

وتقليبه، وكذلك الثوب القمطي، فمتى ترك ذلك، فقد قصد بيع الغرر، وذلك غير جائزٍ (١). ••• [١١١٠] قال: ولا بأس ببيع الأعدال (٢) على البَارْنَامَجِ (٣) (٤). • إنّما قال ذلك؛ لأنَّ على البائع في فتحها ونشرها مشقةً وضرراً؛ لأنَّهُ يثقل عليه فتحها ونشرها، ثمّ شَدُّهَا؛ لكثرة ذلك وغلظ المؤنة فيه، إذ قد يجوز أن يشتريها المشتري أو لا، فجاز أن يبيع لهذه العلة على الصفة، فإن كانت على الصفة، لزم المشتري البيع، وإن خالفت الصفة، كان له ردُّها، كما يجوز أن يباع الشّيء إذا كان غائباً بالصفة، وإذا جاء على الصفة، لزمه.

стр. 985

وكذلك يجوز السلم في الشّيء على الصفة؛ لأنَّ الصفات تقوم في جواز البيع مقام بيع الأعيان الحاضرة في جواز بيعها. فلهذا المعنى قال مالك: «لا بأس ببيع الأعدال على البارنامج»، يعني بصفة البارنامج. وليس الاعدال كالثوب الواحد المطوي؛ لأنَّ الثوب الواحد أو الثوبين أمرهما خفيفٌ في نشرهما أو طيّهما (١). ••• [١١١١] مسألة: قال: ولا خير في أن يشتري الرّجل الجارية إلى السنة: (على أنَّهُ: إن باع قبل ذلك، نقده. (ولا على أنَّهُ: إن مات قبل ذلك فهي له (٢). • إنّما قال ذلك؛ لأنَّهُ يصير أجل الثمن مجهولاً؛ لأنَّهُ لا يدري متى يبيعها. وكذلك لا يجوز أن يشترط المشتري أنَّهُ إذا مات فهي للبائع؛ لأنَّ المشتري لم يملكها تمليكاً صحيحاً؛ لأنَّ البائع قد شرط عليه ردَّها إليه إذا مات، فلم يُمَلّكه تمليكاً صحيحاً؛ لأنَّ الملك الصحيح هو ما يتصرَّف الإنسان فيه في البيع والعتق والهبة وأشباه ذلك، فكان البيع فاسداً لِمَا ذكرناه. •••

стр. 986

[١١١٢] مسألة: قال: ولا خير في بيع الجلجلان على أنَّ له عصارته (١). • إنّما قال ذلك؛ لأنَّ البائع كأنه باعه زيت الجلجلان، وهو مجهول المقدار، وذلك لا يجوز. ••• [١١١٣] مسألة: قال: ولا خير في [تقبيل] (٢) برك الحيتان (٣). • إنّما قال ذلك؛ لأنَّ هذا بيع السمك في الماء وهو مجهول المقدار، وذلك مما قد نُهي عنه من بيع الغرر. ••• [١١١٤] مسألة: قال: ومن كانت بين يديه صبرةٌ، فقال لرجل: «كِلْهَا، فما وجدت فيها فلك من صبرتي هذه مثله بدينارٍ»، فلا خير فيه (٤). • إنّما قال ذلك؛ لأنَّهُ قد باع بدينارٍ شيئاً لا يعلم مقداه في حال ما باع،

стр. 987

وإنما يعلم بعد ذلك، وذلك غير جائزٍ؛ لأنَّهُ لم يقابل الدينار شيءٌ معلومٌ في حال العقد، وإذا باعه كلّ قفيزٍ (١) بدينارٍ، فقد علم ما يقابل كلّ دينارٍ من القفيز. ••• [١١١٥] مسألة: قال: ولا خير في أن يبيع الرّجل الزّرع (٢)، على أنَّ على البائع حصاده ودراسه؛ لأنَّهُ كأنه باعه ما يخرج منه (٣). • قد فسر مالكٌ علَّة منعه من البيع، وهو أنَّ ما يخرج من الحنطة مجهولٌ؛ لأنَّ البائع إنّما باعه الحنطة لا الزرع، ولو باعه الزرع، كان جائزاً. ••• [١١١٦] مسألة: قال: وإذا أتى رجلٌ إلى رجلٍ فقال: «قد أخذت منك ما في هذه الغِرَارةِ (٤) من الطعام بدينارٍ»، فلا بأس به إذا كان يراها، وإذا جاءه بغِرارةٍ فقال: «املأها لي بدنيارٍ»، فلا خير فيه؛ لأنَّهُ لا يدري ما يدخل فيها (٥).

стр. 988

• إنّما قال ذلك؛ لأنَّ ما في الغرارة من الطعام يُحزر ويُرى مقدار الطعام، وبيع ذلك جائزٌ كبيع الصبرة؛ لأنّها تحزر وترى. وإذا باعه ملء الغرارة، لم يجز؛ لأنَّهُ لا يدري مقدار ملائها من الكيل ولا رآه جزافاً، فحزر فعُرِفَ ذلك بالحزر. ••• [١١١٧] مسألة: قال: وإذا أتى رجلٌ إلى رجلٍ بقدحٍ أو صحفةٍ، فقال: «املأ لي بدرهمٍ»، فلا يجوز، إلّا أن يكون في موضعٍ لا مكيال فيه فيجوز (١). • إنّما قال ذلك؛ لأنَّ مقدار ملائها غير معلومٍ؛ فلا يجوز بيعه للغرر فيه. وأجاز بيعه إذا لم يوجد مكيالٌ غيره؛ للحاجة إلى ذلك. ولأنهما لم يقصدا بذلك الغرر كما يقصدان حيث يوجد المكيال. ••• [١١١٨] مسألة: قال: ولا يشتري الزرع المُرَوحَ (٢) عامين ولا ثلاثة (٣).

стр. 989

• إنّما قال ذلك؛ لأنَّهُ لا يدري كيف يكون في العام الثاني والثالث، وذلك غررٌ، وقد نهى رسول الله ﷺ عن بيع الغرر، ونهى عن بيع الثمر سنين (١). ••• [١١١٩] مسألة: قال: ولا يباع القمح في تبنه، ولا بأس أن يباع قائماً في سنبله وقت يُنْظَرُ إليه (٢). • إنّما قال ذلك؛ لأنَّ القمح في التبن مجهول المقدار، فلا يجوز بيعه؛ لأنَّهُ غررٌ. ويجوز بيع السنبل؛ لأنَّهُ إنّما باع السنبل على حاله كذلك، لا الحنطة التي فيه، فبيعه كذلك جائزٌ. وقد رَوَى حماد بن زيدٍ وابن علية، عن أيوب، عن نافعٍ، عن ابن عمر: «أَنَّ رَسُولَ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ نَهَى عَنْ بَيْعِ السُّنْبُلِ حَتَّى يَبْيَضَّ» (٣)، فثبت بهذا الحديث أنَّهُ إذا ابيضَّ جاز بيعه، وفي الخبر: «أَنَّهُ نَهَى عَنْ بَيْعِ التَّمْرِ حَتَّى يَصْفَرَّ،

стр. 990

وَعَنِ السُّنْبُلِ حَتَّى يَبْيَضَّ» (١)، فإذا اصفرَّ التمر جاز بيعه، فكذلك السنبل إذا ابيضَّ، وَإِلّا فلا معنى للخبر. ••• [١١٢٠] مسألة: قال: ولا خير في بيعتين في بيعة؛ لنهي رسول الله صلى الله عليه عن ذلك. ومن باع سلعةً بعشرةٍ نقداً، أو بخمسة عشر إلى أجلٍ، فلا يجوز (٢). • إنّما قال ذلك؛ لأنَّ البائع ينتقل من خمسة عشر في ذمَّة المشتري إلى أجلٍ إلى عشرة نقداً يبيعها به، أو من عشرةٍ نقداً إلى خمسة عشر إلى أجلٍ، فيدخله الربا. ومعنى ذلك عند مالكٍ: إذا قال: «قد وجبت السلعة لك بأحد الثمنين»، فأمّا إذا لم يوجبها وكان المشتري مخيراً: إن شاء أخذ، وإن شاء ترك، فلا بأس بذلك، وقد فسر مالك ذلك في غير هذا المكان، وهذا هو معنى بيعتين في بيعةٍ التي نهى رسول الله صلى الله عليه عنه. فرَوَى يحيى بن سعيد القطان، عن محمد بن عمرٍو، عن أبي سلمة، عن أبي هريرة، عن النبيِّ صلى الله عليه: «أَنَّهُ نَهَى عَنْ بَيْعَتَيْنِ فِي بَيْعَةٍ» (٣).

стр. 991

ورواه عمرو بن شعيب، عن أبيه، عن جده، عن النبيِّ ﷺ (١). ••• [١١٢١] مسألة: قال: ومن قال لرجلٍ بين يديه صبرةٌ (٢): «أشتري منك التمر: إردبين (٣) الصَّيْحَانِي (٤) والعجوة (٥) ثلاثة، والقمح الأبيض إردبين (٦) والأسمر (٧) ثلاثة»، فلا يجوز (٨). • إنّما قال ذلك؛ لأنَّهُ يدخله التفاضل في الجنس الواحد.

стр. 992

ويدخله بيع الطعام قبل قبضه؛ لأنَّهُ ينتقل من صنفٍ إلى صنفٍ غيره أقل منه أو أكثر، وذلك مكروهٌ. ••• [١١٢٢] قال: ومن قال لرجلٍ: «أشتري منك تمر نخلةٍ من حائطك، أختارها بدينارٍ»، فلا يجوز ذلك؛ لأنَّهُ يترك كيلاً (١) ويأخذ غيره، وفي ذلك تفاضلٌ، فيكون كأنه اشترى بعض ذلك ببعضٍ متفاضلاً (٢). • قد ذكر مالكٌ العلَّة في ذلك، وهي أنَّهُ ينتقل من تمر نخلةٍ إلى تمر نخلةٍ أخرى أقل منه أو أكثر، فيدخل ذلك التفاضل في التمر، وذلك غير جائزٍ. ••• [١١٢٣] مسألة: قال: ومن باع سلعةً بدينارٍ نقداً أو باثنين إلى شهرٍ، فُسِخ ذلك، فإن فاتت السلعة ردَّت إلى قيمتها نقداً، ولا يعطي أقل الثمنين إلى أقصى الأجلين (٣) • إنّما قال ذلك؛ لأنَّ هذا بيعتين في بيعة، وقد نهى رسول الله ﷺ عن ذلك (٤).

стр. 993

ووجه كراهيته: أنَّهُ ينتقل من أحد الثمنين إلى الآخر على ما فسرناه. فيفسخ البيع إن كان قائماً، فإن فاتت السلعة رجع إلى قيمتها؛ لأنَّ المبيع الفاسد إذا تلف رُجِعَ إلى قيمته يوم القبض، لا إلى الثمن المسمى. ••• [١١٢٤] مسألة: قال: ولو قال رجلٌ لرجلٍ: «خذ هذا الثوب بدينارٍ نقداً، أو بخمسةٍ إلى شهرٍ»، وكلاهما بالخيار في الأخذ أو الترك، فلا بأس به، وإن كان قد وجب على أحدهما أحد الثمنين بخيارٍ في ذلك، فلا خير فيه (١). • إنّما قال ذلك؛ لأنَّهُ إذا لم يجب أحد الثمنين على المشتري فليس فيه انتقالٌ من ثمنٍ إلى ثمنٍ؛ لأنَّ المشتري إن شاء أخذ وإن شاء ترك. وإذا وجب البيع بأحدهما، دخله الانتقال من أحد الثمنين إلى الآخر، وذلك ربا وغررٌ (٢). ••• [١١٢٥] قال: ومن باع ثوباً بدينارٍ على أنْ يعطَى به حنطةً إلى شهرٍ (٣)، فلا بأس به؛ لأنَّهُ إنّما وجب بالحنطة (٤). • قد ذكر مالكٌ العلَّة في ذلك؛ لأنَّهُ لو ابتدأ بيع الثوب بحنطةٍ معلومةٍ إلى

стр. 994

شهرٍ جاز، فكذلك إذا قال إنَّهُ يأخذ بالدينار حنطةً إلى شهرٍ؛ لأنَّ ذكر الدينار لغوٌ، وإنما وقع البيع بالحنطة إلى شهرٍ. وقد ذكر ابن القاسم وابن وهبٍ عن مالكٍ أنَّهُ قال: «إنّما يُنْظَر في البيوع إلى حُسْنِ الفعل لا حسن القول، فإن حَسُنَ الفعل جاز البيع وإن قبح القول، وإن قبح الفعل لم يجز وإن حسن القول» (١). ••• [١١٢٦] مسألة: قال: وإن قال رجلٌ لرجلٍ: «خذ هذا الثوب بدينارٍ، وهذا الآخر باثنين، خذ أيهما شئت فقد وجب»، فلا خير فيه (٢). • إنّما قال ذلك؛ لأنَّهُ ينتقل من أحد الثمنين إلى الآخر على ما ذكرناه، وذلك غير جائزٍ. ••• [١١٢٧] قال: ومن باع لرجلٍ غائبٍ طعاماً، وزعم أنَّهُ لرجلٍ كتب إليه فيه، فيقول المبتاع: «أنا أشتري منك، فإن أقرَّ (٣) لي بَرِئْتَ، وإن لم يُقر (٤) لي فأنت لهذا الطعام ضامنٌ»، فلا بأس بذلك.

стр. 995

وكذلك الرّجل يبتاع الغلام للرجل بالسوق (١). • يعني: برئت من العهدة؛ لأنَّهُ إذا ثبت أنَّهُ لغيره كانت العهدة على البائع، وبيعه جائزٌ على صاحبه دون الوكيل أو المأمور ببيعه، وإذا لم يثبت أنَّ المبيع لغيره، كانت العهدة على البائع، وبيعه جائزٌ على ما شرطه. ••• [١١٢٨] مسألة: قال: ومن واقف (٢) رجلاً على سلعةٍ، فأركن (٣) إلى مبايعته، فلا يجوز لأحدٍ أن يزيد عليه؛ لِمَا نهى رسول الله ﷺ : أن لا يبيع بعضكم على بيع بعضٍ. ولا بأس أن تُوقَف السلعة للبيع، فيسوم هذا ويسوم هذا عن غير موافقةٍ (٤) (٥). • إنّما قال: «إنَّهُ لا يبيع على بيع أخيه»، وذلك إذا تواقفا وركنا إلى البيع، لأنَّ في ذلك ضرراً على النّاس وفساداً عليهم متى باع بعضهم على بيع بعض.

стр. 996

وقد رَوَى مالكٌ، عن نافعٍ، عن ابن عمر، أنَّ رسول الله ﷺ قال: «لَا يَبِعْ بَعْضُكُمْ عَلَى بَيْعِ بَعْضٍ» (١). ورَوَى مالكٌ، عن أبي الزناد، عن الأعرج، عن أبي هريرة، عن النبيِّ ﷺ مثله (٢). فإذا لم يتواقفا ولم يركنا إلى البيع، فلا بأس أن يسوم غيره، ولو منع غيره من السوم، لأضرَّ ذلك بالبائع، ولأُخِذت السلعة بأقل من ثمنها كما قال مالك، وذلك ضررٌ يدخل عليه. ••• [١١٢٩] مسألة: قال: ولا يجوز البيع والسلف؛ لِمَا نُهِي عنه. فمن فعل فترك الشرط ما لم يقبض السلعة (٣)، فالبيع جائزٌ (٤). • إنّما قال ذلك؛ لأنَّ النبيَّ ﷺ «نَهَى عَنْ بَيْعٍ وَسَلَفٍ» (٥)، رواه عمرو بن شعيبٍ، عن أبيه، عن جده، عن النبيِّ ﷺ ؛ لأَّن ذلك يؤدِّي إلى جهلٍ بالثمن إن

стр. 997

كان المسلِفُ المشتري؛ لأنَّ البائع باع السلعة بالثمن ومنفعة السلف، ومبلغ منفعتها مجهولٌ. فإن كان المسلف البائع، فهو قرضٌ جر منفعةً وليس فيه جهلٌ بالثمن؛ لأنَّ البائع إنّما أقرض المشتري؛ لأنَّهُ اشترى منه. فإذا ترك القرض قبل قبضه جاز العقد؛ لأنَّ منفعة القرض لم تحصل لمن شرطه. وإذا حصلت منفعة القرض بالقبض، فسخ البيع وردت السلعة إلى القيمة؛ لأنَّ الثمن قد دخله جهلٌ وفسادٌ (١). ••• [١١٣٠] قال: ولا يجوز تلقي السلع حتى يُهبَط بها إلى الأسواق (٢). • إنّما قال ذلك؛ لنهي رسول الله ﷺ عن تلقي السلع حتى يُهبَط بها إلى الأسواق. رواه مالك، عن أبي الزناد، عن الأعرج، عن أبي هريرة، أنَّ رسول الله ﷺ قال: «لَا تَلَقَّوُا الرُّكْبَانَ، وَلَا يَبْتَعْ حَاضِرٌ لِبَادٍ» (٣). ورَوَى عبيد الله، عن نافع، عن ابن عمر: «أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ نَهَى عَنْ تَلَقِّي

стр. 998

السِّلَعِ» (١)، معنى ذلك، لئلا يستبدّ الأغنياء وأصحاب الأموال بالشراء دون أهل الضعف والتقلل، فيؤدِّي ذلك إلى الضرر بهم في معاشهم (٢). ولهذا المعنى قال مالك: «إنَّهُ يُشْرَكُ بينهم إذا تلقوا السلع»؛ ليزول الضرر عن جملة الناس، وليأخذ السلعة من أراد من أهل الضعف، ولا ينفرد بشرائها أهل القوة بالتلقي لها. ••• [١١٣١] قال: ومن تلقَّى سلعةً فاشتراها، بيعت لأهل الأسواق بمثل ما اشترى به، وشركوه فيها إن شاؤوا، وإن باع بربحٍ، فلا نرى ذلك الربح له جائزاً (٣). • إنّما قال ذلك؛ لأنَّهُ ممنوعٌ من التلقِّي؛ لئلا ينفرد بالشراء، فكذلك لا يجوز له أن ينفرد بالربح دون سائر الناس، إلّا أن يحبوا ترك ذلك له. ••• [١١٣٢] قال: وقد نهى رسول الله ﷺ أن يبيع حاضرٌ لبادٍ، والحاضرون أهل القرى، والبادون أهل البدو، ولا يباع لهم ولا يشار عليهم، ولا بأس بالاشتراء لهم (٤).

стр. 999

• معنى نهْي رسول الله ﷺ عن بيع الحاضر للباد، هو لأنْ يتسع النّاس بما يجلبه أهل البادية من السلع إليهم، ويرتفقون برخص ما يشترونه منهم، وبخاصة بالمدينة، لضيق الشّيء عليهم كان (١)؛ لأنَّ الحاضر يعرف الأسعار ما لا يعرفها البدوي، فأراد النبيُّ ﷺ أن يصيب النّاس منهم فيما يبيعونه من السلع. فأمّا الاشتراء لهم فلا بأس؛ لأنَّهُ ليس فيه تضييق سعر ما يحملونه مما بالناس إليه حاجةٌ، فلهذا قال مالكٌ: «إنَّهُ لا يباع لهم، ويشترى لهم». فرَوَى مالك، عن أبي الزناد، عن الأعرج، عن أبي هريرة، أنَّ رسول الله ﷺ قال: «لَا تَلَقَّوُا الرُّكْبَانَ، وَلَا يَبِعْ حَاضِرٌ لِبَادٍ» (٢). ورَوَى معمر، عن ابن طاوس، عن أبيه، عن ابن عباس قال: «نَهَى رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ أَنْ يَبِيعُ حَاضِرٌ لِبَادٍ، قُلْتُ: مَا يَبِيعُ حَاضِرٌ لِبَادٍ؟، قَالَ: لَا يَكُونُ له سِمْسَارَاً» (٣). ورواه يونس (٤)، عن الحسن، عن أنس عن النبيِّ ﷺ (٥). •••

стр. 1000

[١١٣٣] مسألة: قال: ولا بأس بأن يبعث البدوي إلى الحاضر، يشتري له السلعة (١). • إنّما قال ذلك؛ لأنَّ هذا مباحٌ ليس شيءٌ يمنع منه، ولو كان البدوي حاضراً، لجاز للحاضر شراؤه له؛ لأنَّ المنع إنّما هو في البيع له، لا في الشراء له. ••• [١١٣٤] مسألة: قال: ولا ينبغي أن (٢) يُقَرَّ الغش في شيءٍ من أسواق المسلمين (٣). • إنّما قال ذلك؛ لأنَّ الغش ممنوعٌ من فعله، فيجب على الإمام المنع من ذلك؛ لأنَّهُ ضررٌ وفسادٌ يدخل على الناس. وقد رَوَى ابن مسعود، عن النبيِّ ﷺ قال: «مَنْ غَشَّنَا فَلَيْسَ مِنَّا» (٤). وقال لحبان: «إِذَا بِعْتَ، فَقُلْ: لَا خِلَابَةَ» (٥).

стр. 1001

والغش منكَرٌ، ولا يجوز ترك المنكَر في أسواق المسلمين. ••• [١١٣٥] مسألة: قال: ولا يجوز التسعير على أهل الأسوق، وذلك ظلمٌ، ولكن من حطَّ من السعر قيل له: «الْحَقْ وَإِلّا فاخرجْ» (١). • إنّما قال ذلك؛ لأنَّ الإنسان مسلطٌ على ماله، فله أن يبيع كيف شاء ما لم يُفْسِد على النّاس في بيعه، والتسعيرٌ غير جائز؛ لأنَّهُ لا يحل مال امرئٍ مسلمٍ إلّا عن طيب نفسه. وقد رَوَى حماد بن سلمة، عن ثابت، عن أنس قال: «غَلَا السِّعْرُ بِالمَدِينَةِ عَلَى عَهْدِ رَسُولِ اللهِ ﷺ ، فَقِيلَ: يَا رَسُولَ اللهِ، غَلَتِ الأَسْعَارُ، فَلَوْ سَعَّرْتَ لَنَا، فَقَالَ: إِنَّ اللهَ هُوَ المُسَعِّرُ، وَالقَابِضُ وَالبَاسِطُ وَالرَّزَاقُ، وَإِنِّي لَأَرْجُو أَنْ أَلْقَى اللهَ وَلَيْسَ أَحَدٌ مِنْكُمْ يُطَالِبُنِي بِمَظْلِمَةٍ ظَلَمْتُهَا إِيَّاهُ فِي دَمٍ وَلَا مَالٍ» (٢). ورَوَى مالك، عن يونس بن يوسف (٣)، عن سعيد بن المسيب: «أَنَّ عُمَرَ بْنَ

стр. 1002

الخَطَّابِ مَرَّ بِحَاطِبِ بْنِ أَبِي بَلْتَعَةَ وَهُوَ يَبِيعُ زَبِيبَاً لَهُ في السُّوقِ، فَقَالَ لَهُ عُمَرُ: إِمَّا أَنْ تَزِيدَ فِي السِّعْرِ، وَإِمَّا أَنْ تَرْفَعَ مِنْ سُوقِنَا» (١). فلهذا قال مالك: «يقال له: الْحَقْ وَإِلّا فاخرجْ». ••• [١١٣٦] مسألة: قال: ولا يجوز احتكار الطعام في أسواق المسلمين؛ لأنَّ ذلك يَضُرُّ بهم، يقل وينقص، وهو (٢) أضرّ بالناس، لم يخلَّ بينه وبين ذلك (٣). • إنّما قال ذلك؛ لأنَّ حكره الطعام وغيره مما لا بد للناس منه فيه ضررٌ على الناس؛ لأنَّ بهم حاجةٌ إلى القوت وما يصلح قوتهم ولا تقوم أبدانهم على عدمه. وقد رَوَى حاتم بن إسماعيل (٤)، عن محمد بن عجلان، عن محمد بن عمرو بن عطاء، عن سعيد بن المسيب، عن معمر بن عبد الله، عن النبيِّ صلى الله عليه أنَّهُ قال: «لَا يَحْتَكِرُ إِلَّا خَاطِئٌ» (٥).

стр. 1003

ورَوَى علي بن زيد، عن سعيد بن المسيب، وسمعته يقول: قال عمر: قال رسول الله ﷺ : «الجَالِبُ مَرْزُوقٌ، وَالمُحْتَكِرُ مَلْعُونٌ» (١). ••• [١١٣٧] مسألة: قال: ومن جلب الطعام إلى بلدٍ، خُلِّيَ بينه وبينه (٢) (٣). • إنّما قال ذلك؛ لأنَّ في ذلك منفعةً للناس؛ لأنَّهُ يوسع عليهم ويبيعه منهم إذا احتاجوا، ولم يَضِقْ عليهم شراؤه من بلدهم، فلا يمنع من بيعه كيف شاء، وقد قال النبيُّ ﷺ : «الجَالِبُ مَرْزُوقٌ، وَالمُحْتَكِرُ مَلْعُونٌ». ••• [١١٣٨] مسألة: قال: وحكرة غير الطعام مما يضر بالناس مثل ذلك (٤). • إنّما قال ذلك؛ لأنَّهُ لا فرق بين الطعام وغيره في الحكرة؛ لحاجة النّاس إلى ذلك كله، فيمنع من الضرر الذي يلحقهم فيه، وقد قال رسول الله ﷺ : «لَا ضَرَرَ وَلَا إِضْرَارَ» (٥). •••

стр. 1004

[١١٣٩] مسألة: قال: ولا يجبر النّاس على إخراج الطعام في الغلاء (١). • يعني: لا يجبرون على إخراج الطعام وبيعه؛ لأنَّهُ ملكهم، إن شاؤوا باعوا وإن شاؤوا تركوا، وإنما الممنوع منه أن يشتروا من السوق فيضيِّقُوا على الناس، وأمّا إذا كان له طعامٌ من ضيعةٍ له أو وهب له أو غير ذلك، فلا يجبر على إخراجه وبيعه. ••• [١١٤٠] قال: ولا يُخْرَجُ الطعامُ من سوق بلدٍ إلى غيره إذا كان ذلك يضر بهم، وإن لم يضر بهم، فلا بأس أن يشتريه من احتاج إليه (٢). • يعني: إذا كان يضر إخراجه من سوقٍ لم يجز؛ لأنَّهُ ضررٌ يدخل على جملة الناس، وذلك ممنوعٌ منه. فأمّا إذا كان لا يضر ذلك بالناس فجاز إخراجه، ولا يجوز منعه؛ لأنَّ في ذلك ضرراً على الناس، وقد قال رسول الله ﷺ : «لَا ضَرَرَ وَلَا إِضَرَارَ». وكما لا يجوز أن يضر هو بالناس في الحكرة والتضييق عليهم، فكذلك لا يجوز أن يُضَر به في البيع إذا كان لا يضر إخراجه بالناس (٣). •••

стр. 1005

[١١٤١] مسألة: قال: وقد نُهي عن الدَّين بالدَّين، وهو أن يشتري رجلٌ من رجلٍ دَيناً عليه، بدَينٍ إلى أجلٍ (١). • إنّما قال ذلك؛ لِمَا رُوِيَ عن النبيِّ ﷺ : «أَنَّهُ نَهَى عَنِ الدَّيْنِ بِالدَّيْنِ» (٢). رَوَى ابن أبي زائدة، عن موسى بن عبيدة، عن عبد الله بن دينار، عن ابن عمر قال: «نَهَى رَسُولُ اللهِ ﷺ عَنِ الكَالِئِ بِالكَالِئِ»، وهو الدَّين بالدَّين. ولا نعلم خلافاً في أنَّ الدَّين بالدَّين لا يجوز؛ لأنَّ ذلك غررٌ، ينتقل من دَينٍ لم يحصل له إلى دَينٍ آخر لا يدري هل يحصل له أم لا. وقد رَوَى الليث، عن عبيد الله بن أبي جعفر، عن محمد بن جعفر، أنَّ رسول الله صلى الله عليه قال: «لَا يُبَاعُ دَيْنٌ بِدَيْنٍ» (٣). ••• [١١٤٢] مسألة: قال: ومن حل له دَينٌ، فلا يصرفه في دَينٍ (٤). • إنّما قال ذلك؛ لنهي رسول الله ﷺ عن الدَّين بالدَّين. •••

стр. 1006

[١١٤٣] مسألة: قال: ومن حل له دَينٌ، فلا يأخذ به ثمرةً يستجنيها (١)، ولا داراً يسكنها، ولا أرضاً يزرعها، ولا جاريةً يستبرئ (٢) مثلها (٣). • إنّما قال ذلك؛ لأنَّهُ لا يتهيَّأ له تنجّز المنفعة كلها مما انتقل إليه من دَينه في حال العقد، فكأنه انتقل من دَينٍ له إلى شيءٍ لم يقبضه في الحال. وهذا يشبه أن يكون كراهَةً من مالكٍ لا تحريماً؛ لأنَّ أحد الطرفين منفعته حاصلةٌ، فهو كبيع شيءٍ نقدٍ بدَينٍ إلى أجلٍ، وقد أجاز مالكٌ شراء ثمرةٍ قد بدا صلاحها بدَينٍ إلى أجلٍ (٤). وقال أشهب عن مالك في هذا كله: «لا بأس به» (٥)، وهو قول محمد بن عبد الله بن عبد الحكم (٦).

стр. 1007

وحكى ابن القاسم وابن عبد الحكم عن مالكٍ كراهة ذلك (١)؛ لأنَّهُ لا يتعجَّل في الحال، بل يتأخر ذلك. والقياس إجازته لِمَا ذكرناه؛ لأنَّ الدَّين بالدَّين المنهي عنه: هو أن يكون الثمن والمثمن دَيناً، فإذا كان أحدهما دَيناً والآخر عيناً جاز ذلك (٢). ••• [١١٤٤] مسألة: قال: ولا خير في الدَّينِ بالدَّينِ إلى أجلٍ واحدٍ (٣). • إنّما قال ذلك؛ لعموم نهي رسول الله صلى الله عليه عن الدَّين بالدَّين، وسواءٌ كان ذلك إلى أجلٍ واحدٍ أو آجالٍ مختلفةٍ. ••• [١١٤٥] مسألة: قال: ومن حلَّ له دَينٌ، فليَحْتَلْ به فيما قد حل وفيما لم يحل (٤). • إنّما قال ذلك؛ لأنَّ صاحب الدَّين الذي قد حل دَينه قد فعل معروفاً في الحوالة إذا انتقل مما قد وجب له إلى غير الذي له عليه الدَّين، سواءٌ حلَّ الدَّين الذي انتقل إليه أم لا، بعد أن يكون دينه الذي انتقل منه قد حل. فإن كان دَينه لم يحل، لم يجز له أن يحتال به في شيءٍ حل له أو لم يحل؛

стр. 1008

لأنَّ انتقاله على هذا الوجه هو متاجرةٌ وليس هو بمعروفٍ فعله بصاحبه؛ لأنَّ حقه لم يجب عليه بعد، والحوالة مستثناةٌ من الدَّين بالدَّين، وإنما أجيزت إذا كان الدَّين حالاً، فإذا لم يحل لم تجز. وقد رَوَى مالكٌ، عن أبي الزناد، عن الأعرج، عن أبي هريرة، أنَّ رسول الله ﷺ قال: «مَطْلُ الغَنِيِّ ظُلْمٌ، وَإِذَا أُتْبِعَ أَحَدُكُمْ عَلَى مَلِيءٍ، فَلْيَتْبَعْهُ» (١)، فدل هذا الحديث، على أنَّ الحوالة إنّما تجوز في الحق الحال دون ما لم يحل. ••• [١١٤٦] مسألة: قال: ومن كان له دَينٌ لم يحل، فلا يَحْتَل به في شيءٍ (٢). • إنّما قال ذلك؛ لِمَا ذكرناه: أنَّ الحوالة إنّما أجيزت في الدَّين الحال دون غيره. ••• [١١٤٧] قال: ومن أعطى نسَّاجاً ديناراً على ثوبٍ «ستاً في ثلاثٍ» والغزل من عند النَّسَّاج، ثمّ زاده على أن يزيده في الذرع، فأرجو أن لا يكون به بأس (٣).

стр. 1009

• إنّما قال ذلك؛ لأنَّهُ إنّما زاده في الكراء (١) ليزيده في الأذرع، وليس هو انتقالٌ من دَينٍ إلى دَينٍ؛ لأنَّهُ لم يستثن (٢) شيئاً دَيناً، ولا انتقل من دَينٍ إلى غيره. ••• [١١٤٨] قال: ومن كان له على خياطٍ درهمٌ، فاستخاطه ثوباً بدرهمٍ، ثمّ قاصَّه به، فلا خير فيه حتى يقبضه ويدفعه إليه إن شاء (٣). • إنّما كره ذلك؛ لأنَّ خياطة القميص بتأخرٍ، فأشبه ذلك الانتقال من دَينٍ إلى ثمرةٍ قد بدا صلاحها، وهو فيكره هذا؛ لأنَّها لا تقبض في الحال. وقد أجاز ذلك أشهب؛ لأنَّ هذا ليس دَيناً بدَينٍ. ••• [١١٤٩] مسألة: قال: ومن حلَّ له دَينٌ فقبضه، ثمّ سلفه الذي اقتضاه منه في سلعةٍ إلى أجلٍ، فذلك مكروهٌ إذا كان في مكانه وعند قبضه (٤). • إنّما قال ذلك؛ لأنَّهُ قد حصل له الدَّين بالدَّين؛ من قِبَل أنَّهُ انتقل من دَينه إلى سلعةٍ إلى أجلٍ، والقبض الذي كان بينهما لغوٌ لم تتحصل منفعته لربِّ الدَّين.

стр. 1010

وقد ذكرنا أنَّ مالكاً يراعي في البياعات حسن الفعل، لا حسن اللفظ إذا قبح الفعل (١). ••• [١١٥٠] مسألة: قال ومن كان له دَينٌ، فاشترى به ثمرةً قد بدا صلاحها من رجلٍ وأحاله على دَينه، حلَّ الدَّين أو لم يحل، فلا بأس به. وكذلك لو اكترَيْتَ دابَّةً أو داراً أو راحلةً بدَينك الذي على الرجل، فلا يصلح أن تأخذ ذلك من دَينٍ لك على الرجل، لا حل ولا لم يحل (٢). • إنّما أجاز أن يشتري بدينه الذي على زيدٍ ثمرةً من عمرٍو قد بدا صلاحها، أو يكتري منه دابَّةً أو داراً يقبضها؛ من قِبَل أنَّ المعاملة انقطعت بينه وبين زيدٍ، وصارت بينه وبين عمرٍو، فجاز ذلك؛ لأنَّهُ بيع دَينٍ بعينٍ. ولم يجز أن يأخذ من زيدٍ الذي عليه الدَّين ذلك؛ لأنَّ المعاملة لم تنقطع بينه وبين زيدٍ، وإنما انتقل من دَينٍ إلى دَينٍ آخر، وذلك مكروهٌ. وقد أجاز أشهب (٣) ذلك كلّه، وهو القياس. •••

стр. 1011

[١١٥١] مسألة: قال: ولا بأس أن يشتري الرّجل للرجل الحاجة يكتب إليه فيها بثمنٍ من عنده، ثمّ يكتب إليه أن يسلفه في بعض ما يرجى فيه الفضل (١). • إنّما قال ذلك؛ لأنَّ هذا لا يحصل على وجه الدَّين بالدَّين؛ لأنَّهُ معروف، وإنما يسلف له إلى غيره، وليس ينتقل من شيءٍ له إلى غيره فلا يقبضه، إنّما هو ابتداء سلفٍ. ••• [١١٥٢] مسألة: قال: وإن كانت لرجلٍ على رجلٍ ذهبٌ، وله عليه مثلها إلى أجلٍ واحدٍ، فلا بأس أن يتتاركا، حلَّت أو لم تحل، فإن اختلف الأَجَلُ، فلا خير فيه (٢). • إنّما قال ذلك؛ لأنَّ الأجل إذا كان واحداً، صارت مقاصَّةً، قاص أحدهما صاحبه بالذهب الذي له ذهب صاحبه، فصارت كأنها ذهبٌ بذهبٍ ناجزٍ. وإذا اختلف الأُجُلُ لم يجز؛ لأنَّهُ يصير في معنى بيع ذهبٍ حاضرةٍ بذهبٍ غائبةٍ، وذلك غير جائزٍ؛ لأنَّهُ بيع ذهبٍ إلى أجلٍ بذهبٍ نقداً، وذلك غير جائزٍ، فكذلك إذا اختلفت آجال الذهب لم يجز أن يتقاصّا؛ لأنَّهُ يصير بيع ذهبٍ بذهبٍ إلى أجلٍ. وكذلك إذا كان أحد الحقين ذهباً والآخر فضةً، جاز أن يتتاركا إذا كان الأجل قد حل، وإن لم يحل الأجل أو حل أحدهما أو كانت آجالاً مختلفةً، لم

стр. 1012

يجز أن يتتاركا إذا لم يحلا جميعاً؛ لأنَّ ذلك يصير ذهباً بفضةٍ متأخِّرةٍ، وذلك غير جائزٍ. ••• [١١٥٣] مسألة: قال: ولا بأس أن يبتاع الرّجل من الرّجل الطعام إلى أجلٍ، ويأتيه بالدنانير من الغد (١). • إنّما قال ذلك؛ لأنَّ هذا ليس هو دَيناً بدَينٍ، وإنما هو بيع دَينٍ بعينٍ وتأخَّر الثمن، وهذا المقدار يسيرٌ؛ لأنَّهُ لم يقصد فيه إلى تأخيرٍ ولم يشترط تأخيره، فجاز ذلك. ••• [١١٥٤] مسألة: قال: ولا نحب للرجل أن يكون له على رجل دَينٌ فيكتب إليه إذا حل: «سلفه لي في كذا وكذا»، ولكن يأمر بذلك غيره (٢). • إنّما قال ذلك؛ لجواز أن يعطيه من عنده السلعة في الأجل الذي أمره بالسلف فيها إليه، فيصير دَيناً بدَينٍ. ويأمر غيره بذلك؛ ليزول ما يكره في ذلك. •••

стр. 1013

[١١٥٥] مسألة: قال: ولا بأس أن يبيع الرّجل التمر كيلاً أو الطعام على مسيرة الأيام، بدَينٍ إلى أجلٍ (١). • إنّما قال ذلك؛ لأنَّ هذا بيع عينٍ معلومةٍ حاضرةٍ بدَينٍ إلى أجلٍ، فلا بأس بذلك، والدَّين بالدَّين إنّما منع منه إذا كان الثمن دَيناً والمثمن دَيناً، فأمّا إذا كان أحدهما دَيناً والآخر عيناً جاز ذلك. ••• [١١٥٦] مسألة: قال: ولا يجوز لرجل أن يكون له الدَّين على رجلٍ إلى أجلٍ، فيعجل له بعضه قبل محله ويضع عنه بعضه (٢) (٣). • إنّما قال ذلك؛ لأنَّهُ يدخله بيع الذهب بالذهب أقل منه، ويدخله بيع غائبٍ بناجزٍ. وكذلك في الفضة بالفضة كالذهب، وكذلك الذهب بالفضة يدخله بيع غائبٍ بناجزٍ. فأمّا العروض فيدخله بيع شيءٍ من صنف بشيءٍ أكثر منه أو أقل إلى أجلٍ من صنفه، وذلك غير جائزٍ عند مالكٍ؛ لأنَّهُ يدخله قرضٌ جرَّ منفعةً وزيادةً بطرح الضمان، وذلك غير جائزٍ (٤).

стр. 1014

وقد رُوِيَ عن عمر (١)، وزيد بن ثابت (٢)، وسليمان بن يسار (٣)، وغير واحدٍ من العلماء أنهم نهوا عنه. ورَوَى سفيان بن عيينة، قال: سمع عمرو (٤) أبا المنهال (٥) قال: «كَانَ لِي عَلَى رَجُلٍ دَيْنٌ إِلَى أَجَلٍ، فَقَالَ: ضَعْ عَنِّي وَأُعَجِّلُ لَكَ مَالَكَ، فَسَأَلْتَ ابْنَ عُمَرَ، فَنَهَانِي وَقَالَ: نَهَانَا أَمِيرُ المُؤْمِنِينَ أَنْ نَبِيعَ العَيْنَ بِالدَّيْنِ» (٦). ••• [١١٥٧] مسألة: قال: ولا خير في أن يأخذ بعضاً عرضاً وبعضاً عيناً (٧). • إنّما قال ذلك؛ لأنَّهُ يصير بيع عرضٍ وعينٍ بعرضٍ، إذا كان أصل الدَّين من سلم ذهبٍ أسلم إليه، وإن كان من صنفه، دخله ما وصفنا من بيع شيءٍ من صنفٍ بأقل منه أو أكثر إلى أجلٍ، وذلك غير جائزٍ.

стр. 1015

وإن كان من غير صنفه، جاز ذلك؛ لأنَّهُ يصير بيع شيءٍ من صنفٍ بأقل منه أو أكثر إلى أجلٍ، وذلك جائزٌ. ••• [١١٥٨] مسألة: قال: ولا بأس أن يأخذ بذلك عرضاً كله، وإن كان لا يسوى حقه (١). • إنّما قال ذلك؛ لأنَّ هذا باع دَيناً له بعرضٍ حالٍّ، وذلك جائزٌ، كان يسوى حقَّه الذي له من الدَّين أو لا. ••• [١١٥٩] مسألة: قال: ولا بأس لمن حل له حقٌّ، أن يُعَجِّلَهُ بعضه ويؤخر عنه بعضه (٢). • إنّما قال ذلك؛ لأنَّ هذا فَعَلَ معروفاً بتأخيره بعض حقه عن الأجل الذي قد حل وأخذ بعض حقه بعد أن حل، وذلك كله جائزٌ (٣). •••

стр. 1016

[١١٦٠] مسألة: قال: ولا يحل النجش؛ لأنَّ رسول الله ﷺ نهى عنه، وهو أن يعطي الرّجل بالسلعة العطاء ليعتبر به غيره (١). • إنّما قال ذلك؛ لأنَّهُ ضربٌ من الخديعة والمكر وإتلاف مال غيره، وذلك أنَّ غيره يعتبر بغشه ويقتدي به غيره. وقد رَوَى مالكٌ، عن نافعٍ، عن ابن عمر: «أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ نَهَى عَنِ الغِشِّ (٢)» (٣). ورَوَى ابن عيينة، عن الزهري، عن أنسٍ، وعن سعيد بن المسيب، عن أبي هريرة قال: قال رسول الله ﷺ : «لَا تَنَاجَشُوا، وَلَا يَبِيعُ حَاضِرٌ لِبَادٍ، وَلَا يَبِيعُ الرَّجُلُ عَلَى بَيْعِ أَخِيهِ» (٤). •••

стр. 1017

[١١٦١] مسألة: قال: ولا بأس بالبيع فيمن يزيد، فإذا أوجبه عليه فلا زيادة فيه، ومن زاد فليس له أن ينزع عنه حتى يُخَلِّصَهُ غيرُهُ (١). • إنّما قال ذلك؛ لأنَّ للإنسان أن يبيع ملكه كيف شاء، إن شاء مساومةً وإن شاء مزايدةً، على حسب ما يراه أصلح له. وقد رَوَى أنسٌ: «أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ بَاعَ جلْبَاً (٢) وَقَدَحَاً فِيمَنْ يَزِيدُ» (٣). وقوله: «إنَّهُ إذا أوجبه فلا زيادة فيه»، فلأنَّ البيع قد وجب بالعقد، فلا يجوز لأحدهما الرجوع فيه. ••• [١١٦٢] مسألة: قال: ولا ويجوز البيع بعد النداء يوم الجمعة، النداء الذي يكون بين يدي الإمام يوم الجمعة، فإذا ثَبَتَ ذلك على من فعله، فُسِخَ (٤). • إنّما قال ذلك؛ لأنَّ الله قال: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا نُودِيَ لِلصَّلَاةِ مِنْ يَوْمِ الْجُمُعَةِ فَاسْعَوْا إِلَى ذِكْرِ اللَّهِ وَذَرُوا الْبَيْعَ﴾ [الجمعة:٩]، وهذا أمرٌ من الله

стр. 1018

تعالى، فهو على وجوبه إلّا أن ينقله عن ذلك دليلٌ، فمتى باع بعد النداء، كان بيعه مفسوخاً إذ ا كان ممن تلزمه الجمعة؛ لأنَّهُ أوقعه على خلاف ما أُمِر به، فكان بمنزلة من باع غرراً، ومجهولاً، ونكح وهو محرمٌ، وباع ربا، أنَّ ذلك كله مفسوخٌ؛ لنهي الله سبحانه ورسوله صلى الله عليه عن ذلك، فكذلك البيع يوم الجمعة بعد النداء هو مردودٌ؛ لنهي الله تعالى عن ذلك. فإن قيل: إنَّ بيع الغرر والآبق والمجهول والربا وأشباه ذلك، إنّما منع لعيبٍ في المبيع، ليس من أجل عيبٍ في العقد ولا الحال، والنهي عن البيع يوم الجمعة بعد النداء ليس هو من أجل عيبٍ في المبيع نفسه، فأشبه ذلك تلقي السلع والبيع على بيع الرجل (١)؟ قيل له: لا فرق بين ما كان منهياً عن بيعه من أجل عينه أو من أجل غير عينه لوقت أو حال، كما لم يفترق حال النهي في عقد النكاح بين ما كان من أجل غير المعقود عليها، بأن تكون أمه أو أخته أو عمة امرأته أو خالتها، أو تكون مُحْرِمَةً أو في عدَّةٍ من زوجٍ، فلمّا لم يفترق الحكم في ذلك لورود النهي فيهما، فكذلك قد ورد النهي عن البيع يوم الجمعة عند النداء. وقد قال مخالفنا في هذه المسألة (٢): «إنَّ من باع بيعتين في بيعهٍ فبيعه

стр. 1019

مفسوخٌ، بمنزلة من باع غرراً ورباً ومجهولاً» (١)، ومعلومٌ أن النهي عن البيعتين ليس من أجل عين المبيع، فبطل الفرق الذي من أجله فرَّق به. فأمّا ما ذكر من تلقي السلع وغير ذلك والبيع على بيع الرجل، فمفسوخٌ عند مالك كلّ ذلك؛ لوقوعه على خلاف الشرط المأمور به، وكلّ من خالف ما أمر به، فُسِخ فعله ورُدَّ إذا كان الأمر واجباً؛ لأنَّ النبيَّ ﷺ قال: «مَنْ أَحْدَثَ فِي أَمْرِنَا مَا لَيْسَ مِنْهُ، فَهُوَ رَدٌّ» (٢)، رواه القاسم بن محمد، عن عائشة، عن النبيِّ ﷺ . والوقت الذي يفسخ فيه البيع إذا باعه: هو أن يلزم الإنسان المجيء إلى الجمعة من المكان الذي هو فيه، فإذا باع بعد ذلك فُسِخ بيعه؛ لأنَّهُ قد باع في وقتٍ منهي عن البيع فيه؛ من أجل لزومه المجيء إلى الجمعة. ••• [١١٦٣] مسألة: قال: ولا يجوز الربا بين الرّجل وبين عبده (٣). • إنّما قال ذلك؛ لأنَّ الله حرم الربا على النّاس عموماً، وسواءٌ كان ذلك بين عبده أو عبدٍ غيره، أو بينه وبين حرٍّ؛ لأنَّ العبد يملك ملكاً ما، فلا يجوز أن يكون بينه وبين سيده ربا، ولو جاز ذلك في عبده، لجاز ذلك في مكاتبه، وهذا فاسدٌ. •••

стр. 1020

[١١٦٤] مسألة: قال: ولا بأس بالجنان (١) بالجنان، أصلهما بأرضهما، ما لم يكن فيهما ثمرةٌ (٢). • إنّما قال ذلك؛ لأنَّ هذا بيع بستانٍ ببستانٍ، أصله وشجره بأصل الآخر وشجره، فلا بأس بذلك. فإن كان في أحدهما ثمرٌ جاز أيضاً. وإن كان فيهما ثمرٌ، لم يجز ذلك إن كان من جنسٍ واحدٍ على وجهٍ؛ لأنَّهُ يصير ثمر بثمرٍ متفاضلٍ مع شيءٍ غيره. فإن كان من جنسين مختلفين جاز ذلك إذا جُدَّا مكانهما، فإن تأخر ذلك لم يجز؛ لأنَّهُ يصير ثمراً بثمرٍ متأخرٍ، وذلك غير جائزٍ؛ لأنَّ الطعام بالطعام لا يجوز بيعه متأخراً، سواءٌ كان من جنسٍ واحدٍ أو جنسين، هذا ما لا خلاف فيه بين أهل العلم؛ لأنَّ النبيَّ صلى الله عليه قال: «الحِنْطَةُ بِالحِنْطَةِ رِبَاً إِلَّا هَا وَهَا، وَالشَّعِيرُ بِالشَّعِيرِ رِباً إِلَّا هَا وَهَا» (٣) الحديث. ••• [١١٦٥] مسألة: قال: ولا بأس بالدار بالدار ما لم يكن فيهما دَينٌ (٤)، كان ذلك الكراء حالاً أو إلى أجلٍ (٥).
следующие страницы →