← Шархи хадиса

Шархи хадиса · id 13282

الإفهام في شرح عمدة الأحكام

ابن باز

Полный текст (893 стр.). Показаны 106–145 · переход к 111.

стр. 106

هذه من السنة، واللَّه فطر عليها العباد، فينبغي للمسلمين الأخذ بها. أولها: الختان: يختن الذكر بأخذ القلفة التي على رأس الذكر، أي الجلدة؛ لأن هذا أنظف له, وأبعد عن آثار النجاسة, وأعون له على جماع أهله، ومن الفطرة. والأنثى كذلك: يؤخذ منها شيء يسير من اللحمة التي في مقدمة الفرج, لحمة حمراء يؤخذ منها شيء يسير, وهو ختانها إذا تيسر من يفهم ذلك, وهو سنة مؤكدة. وذهب بعض أهل العلم إلى الوجوب في حق الرجال، وهذا مشهور عن ابن عباس وجماعة, والجمهور على أنه سنة مؤكدة. والثاني: الاستحداد: معناه حلق العانة: الشعرة للرجل، والمرأة سنة, هذا الاستحداد, وإذا أزيل الشعر بشيء من الأدوية بدلاً من الاستحداد بالموس، فلا بأس إذا وضع على العانة الشعرة دواء يزيل مثل ما يفعل الناس اليوم يزيل الشعر كفى. والثالث: قص الشارب، والسنة قص الشارب, ولا يجوز تطويله, بل يجب قصه. ولهذا قال ﵊: «مَنْ لَمْ يَاخُذْ مِنْ شَارِبِهِ، فَلَيْسَ مِنَّا» (١)، وقال: «قُصُّوا الشَّوَارِبَ، وَأَوْفُوا

стр. 107

اللِّحَى» (١)، «وَفِّرُوا اللِّحَى» (٢) , «أَرْخُوا اللِّحَى» (٣). الواجب قص الشوارب، أما اللِّحى فيجب توفيرها، وإرخاؤها، وإعفاؤها, ولا يجوز حلقها، ولا قصها، كثير من الناس اليوم ابتلي بمثل هذا, نسأل اللَّه العافية، قص اللحية وحلقها، هذا منكر، الواجب إعفاؤها، وإكرامها، وتوفيرها، أما الشارب فيُقصّ ويُحْفى، كما جاءت به السنة عن النبي ﵊. الرابع: قلم الظفر: قلم الأظفار: السنة قلمها، لا تتركها تطول من الرجال والنساء. والخامس: نتف الإبط: كذلك ينتف الإبط، وإن أَزاله بغير النتف بالدواء كفى، إن أزال شعر الإبط بالدواء، أو أزال الأظفار بقصٍّ دون القلم بمقص فلا بأس. وفي الحديث عن النبي ﷺ أنه قال للصحابة وأوصاهم بأن لا تُتْرك هذه الأمور أكثر من أربعين ليلة. قال أنس ﵁: «وُقِّتَ لَنَا فِي قَصِّ الشَّارِبِ، وَقَلْمِ الظُّفْرِ، وَنَتْفِ الإِبِطِ، وَحَلْقِ الْعَانَةِ، أَنْ لَا نَتْرُكَ ذَلِكَ أَكْثَرَ مِنْ أَرْبَعِينَ لَيْلَة» (٤)، وأنه

стр. 108

لا يجوز أن تترك فوق أربعين ليلة, بل يتعاهدها المؤمن, يقص شاربه، يقلم أظفره، ينتف إبطه, يحلق العانة في أقل من أربعين ليلة. س: يا شيخ! الختان الذي تكلمت عنه نسمع أن المرأة تختن؟ ج: هو سنة في حق الرجل والمرأة يختنان جميعاً, والرجل آكد، حتى أوجب ذلك جمع من أهل العلم في حق الرجل. ٥ - بابُ الغسل من الجنابةِ (١) ٣١ - عن أبي هريرة ﵁ «أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ لَقِيَهُ في بعْضِ طُرُقِ المدينَةِ وهو جُنُبٌ، قالَ: فَانْخَنَسْتُ مِنْهُ، فَذَهَبْتُ فَاغْتَسَلْتُ ثُمَّ جِئْتُ، فقَالَ: «أَيْنَ كُنْتَ يا أَبا هُرَيْرَةَ؟» قَالَ: كُنْتُ جُنُباً. فَكَرِهْتُ أَنْ أُجالِسَكَ وأنا على غَيْرِ طَهارَةٍ، فَقَالَ: «سُبْحانَ اللَّه! إِنَّ المُسْلِمَ ــ وفي رواية: المُؤْمِنَ ــ لا يَنْجُسُ» (٢) (٣). ٣٢ - عن عائشة لقالت: «كَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ إذَا اغْتَسَلَ مِنَ الْجَنَابَةِ، غَسَلَ يَدَيْهِ، ثُمَّ (٤) تَوَضَّأَ وُضُوءَهُ لِلصَّلاةِ، ثُمَّ يغْتَسِلُ (٥)، ثُمَّ

стр. 109

يُخَلِّلُ بِيَدَيْهِ (١) شَعْرَهُ، حَتَّى إذَا ظَنَّ أَنَّهُ قَدْ أَرْوَى بَشَرَتَهُ، أَفَاضَ الْمَاءَ عَلَيْهِ (٢) ثَلاثَ مَرَّاتٍ، ثُمَّ غَسَلَ سَائِرَ جَسَدِهِ» (٣). ٣٣ - وَكَانَتْ تَقُولُ (٤): «كُنْتُ أَغْتَسِلُ أَنَا وَرَسُولُ اللَّهِ ﷺ مِنِ إنَاءٍ وَاحِدٍ، نَغْتَرِفُ مِنْهُ جَمِيعاً» (٥). ٣٤ - عن ميمونة بنت الحارث ﵂ زوج النبي ﷺ أنها (٦) قالت: «وَضَعَتُ لِرَسُولِ اللَّهِ (٧) ﷺ وَضُوءَ الْجَنَابَةِ، فَأَكْفَأَ بِيَمِينِهِ عَلَى يَسَارِهِ مَرَّتَيْنِ، أَوْ ثَلاثاً، ثُمَّ غَسَلَ فَرْجَهُ، ثُمَّ ضَرَبَ يَدَهُ بِالأَرْضِ، أَوِ الْحَائِطِ، ــ مَرَّتَيْنِ، أَوْ ثَلاثاً ــ ثُمَّ تَمَضْمَضَ وَاسْتَنْشَقَ، وَغَسَلَ وَجْهَهُ وَذِرَاعَيْهِ، ثُمَّ أَفَاضَ عَلَى رَاسِهِ الْمَاءَ، ثُمَّ غَسَلَ سائر (٨) جَسَدَهُ، ثُمَّ تَنَحَّى، فَغَسَلَ رِجْلَيْهِ، قالت (٩):

стр. 110

فَأَتَيْتُهُ بِخِرْقَةٍ فَلَمْ يُرِدْهَا، فَجَعَلَ يَنْفُضُ الْمَاءَ بِيَدِيهِ (١)» (٢). ٩ - قال الشارح ﵀: هذه الأحاديث الثلاثة فيما يتعلق بالجنابة والغسل منها، والغسل من الجنابة من الفرائض كما قال اللَّه جلّ وعلا: ﴿وَإِنْ كُنْتُمْ جُنُبًا فَاطَّهَّرُوا﴾ (٣). الطهارة لا بد منها في الجنابة، وإذا عجز عن الماء كفاه التيمم كالمسافر ونحوه. وفي الحديث الأول: أن أبا هريرة ﵁ كان مع النبي ﷺ ، فانخنس من النبي ﷺ : يعني ذهب منه خُفيةً، ثم اغتسل، ثم جاء، فقَالَ له النبي ﷺ : «أَيْنَ كُنْتَ يا أَبا هُرَيْرَةَ؟» قَالَ: إني كُنْتُ جُنُباً، فَكَرِهْتُ أَنْ أُجالِسَكَ وأنا على غَيْرِ طَهارَةٍ، فَقَالَ ﵊: «سُبْحانَ اللَّه! إِنَّ المُسْلِمَ لا يَنْجُسُ» (٤)، فدلّ ذلك على أن الجنب طاهر العرق، طاهر البدن، ليس بنجس، عَرَقه طاهر، وريقه طاهر، وبدنه طاهر، وإنما عليه حدث يُغسل بالماء، وهذا معنى من المعاني يسمى حدثاً أكبر، إذا تطهر بالماء ارتفع، وحلت له

стр. 111

الصلاة ونحوها. كما أن الحدث الأصغر ليس بنجاسة، وإنما يُوجب وضوءاً كالريح ونحوها، وأكل لحم الإبل ونحوه، يوجب وضوءاً؛ فإذا توضأ ارتفع ذلك الحدث، فإذا جالس الجنب إخوانه، وجلس معهم، وأكل معهم، أو نحو ذلك، فلا بأس ولا حرج، أما كونه يتطهر [ويكون] على طهارة مع إخوانه عند أكله ونحو ذلك، فهذا أفضل، لكن لا حرج عليه إذا جالسهم، أو مشى معهم وهو على جنابته، لا حرج في ذلك، ولكن الأفضل أنه يتطهر إذا أراد أن ينام، إذا أراد أن يأكل يتطهر، وإذا بادر بالغسل قبل النوم كان أفضل، وإذا أخّره إلى آخر الليل فلا بأس، وهكذا الحائض، وهكذا النفساء أبدانهما طاهرة، عرقهما طاهر، ريقهما طاهر، شعرهما طاهر، وإنما هو حدث إلا ما أصاب الدم من ثوب أو بدن يغسل ما وقع عليه الدم من ثوب، أو بدن يُغسل، وإلا فريقها طاهر، وعرقها طاهر، وبدنها طاهر، وما مست بيدها شيئاً من ماء، أو لبن، أو غير ذلك، فلا بأس، إنما النجاسة في الدم فقط. وفي حديث عائشة وميمونة بيان صفة الغسل، وأنه ﵊ كان يغتسل، أولاً يغسل كفيه ثلاثاً، ثم يستنجي ﵊، وربما ضرب بيده الحائط مرتين، أو ثلاثاً، إذا كان هناك شيء من أثر نجاسة، أو بقايا لمزيد النظافة، فإذا استنجى من حاجته ربما ضرب التراب أو الجدار لمزيد النظافة، ثم يغسل ذلك، وإذا فعل ما يقوم مقام ذلك من الصابون،

стр. 112

أو الأشنان كفى ذلك، ثم يتوضأ وضوء الصلاة ﵊، يتمضمض، ويستنشق، ويغسل وجهه ويديه، ويمسح رأسه وأذنيه، ويغسل رجليه قبل بدنه، هذا وضوء الصلاة، وفي بعض الأحيان يترك الرجلين إلى الآخر، يغسل وجهه ويديه، ويمسح رأسه، ثم يفيض الماء على رأسه، ويدع رجليه بعد ذلك، فإذا كَمَّلَ غُسله، غَسل رجليه بعد ذلك، وكله سُنة، إن كمّل الوضوء وهو أفضل، ثم إذا انتهى من الغسل غسل رجليه مرة أخرى، هذا هو الأفضل، وإن أخّرهما إلى آخر الغسل، ووقف عند الرأس فلا بأس بذلك، فعل النبي ﵊ هذا وهذا. وفيه من الفوائد: أنه يخلل شعره هكذا بيديه، ويفيض على الرأس ثلاث مرات، وهكذا المرأة إن كان رأسها مشدوداً تفيض عليه ثلاث مرات، والرجل ثلاث مرات، ثم يفيض الماء على بقية جسده على جنبه الأيمن ثم الأيسر، ثم يكمل، ثم يغسل رجليه، هذا هو الغسل الكامل، هذا هو الأفضل الذي فعله النبي ﵊، وكيفما فعل أجزأ، لو بدأ بالأسفل برجليه، لو بدأ بشقه الأيسر قبل شقه الأيمن، ثم كمل غسله، كل هذا يجزئ، المهم أنه يغسل بدنه، هذا المهم بنية الطهارة من الجنابة، بدأ بالرأس، أو بالرجل، أو باليد، أو بالجنب الأيمن، أو بالأيسر يجزئه، لكن الأفضل مثل فعل النبي ﷺ . الأفضل أن يستنجي أولاً، ثم يتوضأ وضوء الصلاة، ثم يبدأ برأسه، يفيض عليه ثلاث مرات، ثم شقه الأيمن، ثم الأيسر، ثم يكمل، هذا هو الأفضل، وكيفما اغتسل وعمم الماء ببدنه أجزأه

стр. 113

ذلك، وأخبرت عائشة ﵂، وكذا ميمونة أنه ربما اغتسل مع زوجته من إناء واحد ﵊ ربما كان الإناء بينهما يغترفان منه، من إناء واحد، فدل ذلك على جواز اغتسال الرجل مع زوجته من إناء واحد، لا حرج في ذلك؛ لأن اللَّه أباح له عورتها، وأباح لها عورته، فلا حرج أن ينظر أحدهما إلى الآخر، وأن يغتسل هذا مع هذا، كما فعله المصطفى ﵊ وأزواجه. وفيه من الفوائد أن كونه يترك التنشف أفضل بعد الغسل؛ ولهذا لما جاءته بمنديل تركه، وجعل ينفض الماء بيده ﵊ هذا هو الأفضل، وإن تمسح فلا حرج، لكن الرسول ﷺ تركه ونفض، ولم ينه عن هذا، لم ينه عن التمندل والتنشف، لم ينه عنه، ولكنه تركه، فدل على أن النفض أفضل من التمسح بعد غسل الجنابة. ٣٥ - عن عبد اللَّه بن عمر أن عمر بن الخطاب ﵁ قال: «يَا رَسُولَ اللَّهِ، أَيَرْقُدُ أَحَدُنَا وَهُوَ جُنُبٌ؟ قَالَ: «نَعَمْ، إذَا تَوَضَّأَ أَحَدُكُمْ فَلْيَرْقُدْ وهو جنب (١)» (٢). ٣٦ - عن أم سلمة ﵂ ــ زوج النبي ﷺ ــ قالت: «جَاءَتْ أُمُّ سُلَيْمٍ ــ امْرَأَةُ أَبِي طَلْحَةَ ــ إلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ . فَقَالَتْ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، إنَّ اللَّهَ

стр. 114

لا يَسْتَحْيِي مِنَ الْحَقِّ، فَهَلْ عَلَى الْمَرْأَةِ مِنِ غُسْلٍ إذَا هِيَ احْتَلَمَتْ؟ فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : «نَعَمْ، إذَا هي (١) رَأَتِ المَاءَ» (٢). ٣٧ - عن عائشة ﵂ قالت: «كُنْت أَغْسِلُ الْجَنَابَةَ مِنِ ثَوْبِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ ، فَيَخْرُجُ إلَى الصَّلاةِ، وَإِنَّ بُقَعَ الْمَاءِ فِي ثَوْبِهِ» (٣). وفِي لفظ لمسلم «لَقَدْ كُنْتُ أَفْرُكُهُ مِنِ ثَوْبِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فَرْكاً, فَيُصَلِّي فِيهِ» (٤). ١٠ - قال الشارح ﵀: هذه الأحاديث الثلاثة تتعلق أيضاً بغسل الجنابة والاحتلام وآثار المني. في الحديث الأول الدلالة على أنه ينبغي للمؤمن إذا أراد النوم وهو جنب أن يتوضأ، إذا لم يتيسر الاغتسال, فيتوضأ وينام على طهارة صغرى؛ ولهذا قال عمر: «يَا رَسُولَ اللَّهِ، أَيَرْقُدُ أَحَدُنَا وَهُوَ

стр. 115

جُنُبٌ؟ قَالَ: «نَعَمْ، إذَا تَوَضَّأَ أَحَدُكُمْ فَلْيَرْقُدْ» (١) وقالت عائشة ﵂: كان النبي إذا أتى أهله يغسل فرجه ويتوضأ ثم ينام (٢)، وجاء عنه ﷺ أنه رُبَّمَا اغْتَسَلَ قَبْلَ أَنْ يَنَامَ (٣) , فالأحوال ثلاثة: إحداها: أن ينام من غير وضوء ولا غسل، وهذا مكروه، وهو خلاف السنة. الحالة الثانية: يستنجي ويتوضأ وضوء الصلاة, وهذا لا بأس به. الثالث: يتوضأ ويغتسل، وهذا هو الأكمل, إذا اغتسل كمَّل طهارته، كان هذا أكمل, وكان النبي ﷺ يفعل هذا تارة، وهذا تارة, ربما اغتسل, وربما توضأ ونام, كلاهما جائز. والوضوء والغسل بعد الاستنجاء, بعدما يستنجي يغسل ذكره وما حوله, ثم يتوضأ وضوء الصلاة، ثم يغتسل إن شاء قبل أن ينام وهو أفضل, وإن شاء أخر إلى آخر الليل، وجاء في بعض الروايات

стр. 116

عن عائشة «أنه كَانَ يَنَامُ وَهُوَ جُنُبٌ، وَلَا يَمَسُّ مَاءً» (١). وهذا الحديث محمول على أنه لا يمس ماء الغسل, وبعضهم أعلَّ ذلك، ولكن حمله على ماء الغسل حتى يتفق مع الأحاديث الصحيحة، حملٌ مناسب؛ لأن المراد بالماء ماء الغسل. وفي الحديث الثاني: أن أم سليم قالت: إن اللَّه لا يستحيي من الحق، فهل على المرأة من غسل إذا هي احتلمت؟ قال النبي ﷺ : «نَعَمْ إِذَا هِيَ رَأَتِ الْمَاءَ فَلْتَغْتَسِلْ» (٢) , هذا دل على حكم عظيم، وهو أن الاحتلام لا يوجب الغسل إلا إذا رأى المحتلم الماء وهو المني, وهذا معنى قوله ﷺ : «الْمَاءُ مِنَ الْمَاءِ» (٣). الماء من الغسل من الماء وهو ماء الجنابة وهو المني. فلو احتلم الإنسان، ولكن ما رأى منياً, فلا غسل عليه، سواء كان

стр. 117

رجلاً أو امرأة، إذا رأى في النوم أنه أتى امرأة، أو رأت هي في النوم أن زوجها أو غيره أتاها، وبعد الاستيقاظ لم يوجد ماء, ما فيه أثر مني لا في الفرج، ولا في الثياب فلا غُسل، وإن رأى الماء، ولم يذكر احتلاماً وجب الغسل, حتى ولو ما ذكر الاحتلام استيقظ، ورأى المني يغتسل, ولو لم يذكر الاحتلام, لأن الظاهر أنه من الاحتلام. «الماء من الماء». وفيه من الفوائد: لا مانع من سؤال الإنسان عما أشكل عليه، وإن كان قد يستحيي من ذلك, بل الواجب أن يسأل عما يهمه من أمور دينه من أمر الجماع، وأمر النجاسة, وما قد يشكل عليه مما قد يقع بينه وبين أهله إلى غير ذلك من أمور سرية في العادة بين الرجل وأهله, لكن إذا أشكل عليه الحكم يسأل أهل العلم عن الحكم، إن اللَّه لا يستحيي من الحق. والحديث الثالث حديث عائشة ﵂: أنها كانت تغسل الجنابة, وهي المني من ثوب رسول اللَّه ﷺ ، فيخرج إلى الصلاة وإن أثر الماء في ثوبه, وربما حكته من ثوبه حكاً وفركته فركاً (١). قالت: «لَقَدْ كُنْتُ أَحُكُّهُ يَابِسًا بِظُفُرِي مِنْ ثَوْبِهِ ..» (٢) احتج به العلماء

стр. 118

على أن المني طاهر؛ لأن المني أصل الإنسان، والإنسان طاهر, فأصله وهو المني طاهر، فلو صلى وبثوبه مني صحت الصلاة, لكن الأفضل أن يغسله كما غسله النبي ﷺ ، من باب النظافة, وإن كان يابساً فركه، أو حكه بظفره، أو بعود، أو نحو ذلك كفى ذلك، ولكن إذا غسله كان ذلك أكمل في النظافة، كما وقع هذا في حديث عائشة هنا. فالخلاصة: أن المني طاهر بنفسه؛ فإن غسله كان أكمل, وإن حكه بعود، أو بعظم، أو بظفره لكونه يابساً كفى ذلك, ولا يلزم الغسل, وإنما يستحب الغسل من باب النظافة، وإزالة آثار المني. ٣٨ - عن أبي هريرة ﵁ أن رسول (١) اللَّه ﷺ قال: «إذَا جَلَسَ بَيْنَ شُعَبِهَا الأَرْبَعِ، ثُمَّ جَهَدَهَا، فَقَدْ وَجَبَ الْغُسْلُ» (٢). وفي لفظ لمسلم (٣): «وَإِنْ لَمْ يُنْزِلْ» (٤). ٣٩ - عن أبي جعفر محمد بن علي بن الحسين بن علي (٥) ﵄ «أَنَّهُ كَانَ ــ هُوَ وَأَبُوهُ ــ عِنْدَ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ ﵄

стр. 119

، وَعِنْدَهُ قَوْمٌ (١). فَسَأَلُوهُ عَنْ الْغُسْلِ؟ فَقَالَ: يَكْفِيكَ صَاعٌ. فَقَالَ رَجُلٌ: مَا يَكْفِينِي. فَقَالَ جَابِرٌ: كَانَ يَكْفِي مَنْ هُوَ أَوْفَى مِنْك شَعَرَاً، وَخَيْراً مِنْكَ ــ يُرِيدُ رَسُولَ اللَّهِ (٢) ﷺ ــ ثُمَّ أَمَّنَا فِي ثَوْبٍ» (٣). وفي لفظ «كَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يُفْرِغُ الْمَاءَ (٤) عَلَى رَاسِهِ ثَلاثاً» (٥). قال (٦) ﵁: الرَّجُلُ الَّذي قال «مَا يَكْفِينِي» هو الحسن بن محمد بن علي بن أبي طالب ﵁، وأبوه محمد ابن الحنفية (٧) (٨). ١١ - قال الشارح ﵀: هذان الحديثان الصحيحان عن رسول اللَّه ﵊ كالأحاديث التي قبلها فيما يتعلق بالغسل من الجنابة. تقدم قوله ﷺ لما سألته أم سُليم: هل على المرأة من غسلٍ إذا احتلمت؟ قال: عليها غسل إذا رأت الماء، فهذا يدل على أنه متى

стр. 120

رأى الإنسان الماء وجب عليه الغسل، رجل كان أو امرأة في الاحتلام، أو في اليقظة مع الشهوة, مع التفكير والنظر والملامسة يجب الغسل, ولهذا قال ﷺ : «الْمَاءُ مِنَ الْمَاءِ» (١) , وفي حديث أبي هريرة يقول ﷺ : «إذَا جَلَسَ بَيْنَ شُعَبِهَا الأَرْبَعِ، ثُمَّ جَهَدَهَا، فَقَدْ وَجَبَ الْغُسْلُ وإنْ لمْ يُنزِل» (٢) هذا موجب ثانٍ وهو الجماع، وإن لم ينزل الماء؛ فإنه يجب عليه الغسل. اتضح من هذا أن الغسل، يجب بأحد أمرين: [١]- إما إنزال المني عن شهوة في الاحتلام أو في اليقظة. [٢]- أو إيلاج الذكر في فرج المرأة، وإن لم ينزل؛ فإنه يجب به الغسل، وهذا معنى الحديث الثاني، قوله ﷺ : «إِذَا مَسَّ الْخِتَانُ الْخِتَانَ , فَقَدْ وَجَبَ الْغُسْلُ» (٣)، وفي رواية: «إِذَا الْتَقَى الْخِتَانَانِ فَقَدْ وَجَبَ الْغُسْلُ» (٤) , يعني ختانه مع ختانها، إذا أولج الحشفة، واتصل الختان بموضع الختان وجب الغسل، وإن لم ينزل المني, فإن أنزل

стр. 121

وجب بالأمرين: وجب بالإيلاج، ووجب بالماء، بهما جميعاً. وفي الحديث الأخير حديث جابر بن عبداللَّه الأنصاري ﵄: الدلالة على أن السنة في الغسل الاقتصاد في الماء وعدم الإكثار منه، ولهذا لما تناظروا في الغسل، قال لهم جابر: يكفيك صاع، قال السائل: ما يكفيني، فقال له جابر: كان يكفي من هو أوفر منك شعراً، وخيراً منك، يعني الرسول ﷺ ، كان يغتسل بالصاع، ويتوضأ بالمد، وربما اغتسل بخمسة الأمداد, وربما اغتسل مع زوجته من فرق يسع ثلاثة آصع. فيكون الغسل من هذا المقدار، صاع ومد ونصف، هكذا السنة أن يقتصد، فلا يكثر صب الماء، السنة الاقتصاد في الماء، وعدم الإسراف، وهكذا إذا كان يغتسل تحت الدش، أو تحت أنبوب آخر، يقتصد إذا عمم جسده بالماء كفى، والحمد للَّه. والسنة أن يبدأ بالاستنجاء, يستنجي يغسل فرجه, ثم يتوضأ وضوء الصلاة (١)، [ثم يمر الماء على جسده، يبدأ بالشق الأيمن ثم الأيسر، هذا هو الأفضل، وكيفما اغتسل جاز، بدأ بأسفله (٢) [أو بأعلاه: يغسل رأسه، ثم] (٣)، يفيض (٤) الماء عليه ثلاث مرات, ثم

стр. 122

جنبه الأيمن ثم الأيسر, هذا هو الكمال؛ ولهذا قال: يفيض الماء على رأسه ثلاثاً. يعني] (١) يبدأ برأسه بعد الوضوء, ويفيض عليه ثلاثاً, ويدخل أصابعه في أصول الشعر فيكفي, وإن كان مشدوداً لا حاجة إلى النقض في غسل الجنابة، أما الحيض والنفاس فالأفضل النقض؛ لأن المدة تطول في الحيض والنفاس. (ثم أمَّنا في ثوب) أي ثم صلى بنا في ثوب واحد، يعني جابر ليعلمهم كيفية الصلاة, وأنه لا بأس أن يصلي في ثوب واحد، يعقد أطرافه على عاتقيه، أي في ثوب واحد، أي في إزار، وأطرافه على عاتقيه لا بأس، وإن كان في ثوبين يكون أفضل، إزار، ورداء، أو قميص، لكن لو صلى في ثوب واحد: إزار، وربط طرفيه على عاتقيه فلا بأس, لقوله في حديث آخر عليه الصلاة ولسلام: «التحف به» (٢) في اللفظ الآخر: «خالف بين طرفيه» (٣)، ولا يصلي في ثوب واحد دون أن يجعل على عاتقيه شيئاً، كالإزار الذي على نصفه فقط، فالواجب أن يجعل على عاتقيه شيئاً، إما طرف الإزار، وإلا رداء مستقلاً؛ ولهذا قال ﵊: «لَا يُصَلِّي أَحَدُكُمْ فِي

стр. 123

الثَّوْبِ الْوَاحِدِ لَيْسَ عَلَى عَاتِقَيْهِ شَيْءٌ» (١)، فالواجب أنه يصلي في إزار ورداء أو في إزار يخالف بين طرفيه، أطرافه على عاتقيه كما أمر به النبي ﵊، إلا إذا كان عاجزاً, ما عنده إزار, قاصر لا يصل إلى عاتقيه, أو ما عنده إلا سراويل صلى فيها والحمد للَّه، ﴿فَاتَّقُوا اللَّهَ مَا اسْتَطَعْتُمْ﴾، لكن إذا كان عنده سعة فالسنة أن يكون على عاتقيه شيء رداء، أو يلبس قميصاً على إزار, هذا هو الواجب, إذا كان عنده قدرة، وجب عليه أن يلبس رداء، أو يلبس قميصاً، أو يلبس شيئاً مما يستر عاتقيه كالفنيلة، وما أشبهها، الفنيلة الساترة لعاتقيه، وما أشبه ذلك، أو أحدهما, فبهذا يحصل المقصود, لكونها على العاتقين جميعاً: كالرداء، أو الفنيلة الساترة للمنكبين، يكون هذا هو الواجب عند القدرة. ٦ - باب التَّيَمُّمِ ٤٠ - عن عمران بن حصين ﵁: «أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ رَأَى رَجُلاً مُعْتَزلاً لَمْ يُصَلِّ فِي الْقَوْمِ؟ فَقَالَ: «يَا فُلانُ، مَا مَنَعَكَ أَنْ تُصَلِّيَ فِي الْقَوْمِ؟» فَقَالَ: يَا رَسُولَ، اللَّهِ أَصَابَتْنِي جَنَابَةٌ، وَلا مَاءَ، فَقَالَ (٢): «عَلَيْك بِالصَّعِيدِ، فَإِنَّهُ يَكْفِيَكَ» (٣).

стр. 124

٤١ - عن عمار بن ياسر ﵄ قال: «بَعَثَنِي النَّبِيُّ ﷺ فِي حَاجَةٍ. فَأَجْنَبْتُ. فَلَمْ أَجِدِ المَاءَ، فَتَمَرَّغْتُ فِي الصَّعِيدِ، كَمَا تَمَرَّغُ (١) الدَّابَّةُ، ثُمَّ أَتَيْتُ النَّبِيَّ ﷺ ، فَذَكَرْتُ ذَلِكَ لَهُ. فَقَالَ: «إنَّمَا كان يَكْفِيَكَ أَنْ تَقُولَ بِيَدَيْكَ هَكَذَا» ــ ثُمَّ ضَرَبَ بِيَدَيْهِ الأَرْضَ ضَرْبَةً وَاحِدَةً، ثُمَّ مَسَحَ الشِّمَالَ عَلَى الْيَمِينِ، وَظَاهِرَ كَفَّيْهِ وَوَجْهَهُ» (٢). ٤٢ - عن جابر بن عبد اللَّه الأنصاري (٣) ﵄ أن النبي ﷺ قال: «أُعْطِيتُ خَمْساً, لَمْ يُعْطَهُنَّ أَحَدٌ مِنَ الأَنْبِيَاءِ قَبْلِي: نُصِرْتُ بِالرُّعْبِ مَسِيرَةَ شَهْرٍ، وَجُعِلَتْ لِي الأَرْضُ مَسْجِدًا وَطَهُورًا. فَأَيُّمَا رَجُلٍ مِنِ أُمَّتِي أَدْرَكَتْهُ الصَّلاةُ فَلْيُصَلِّ، وَأُحِلَّتْ لِي الْمَغَانِمُ (٤)، وَلَمْ تَحِلَّ لأَحَدٍ قَبْلِي، وَأُعْطِيتُ الشَّفَاعَةَ، وَكَانَ النَّبِيُّ يُبْعَثُ إلَى قَوْمِهِ خَاصَّةً (٥)، وَبُعِثْتُ إلَى النَّاسِ عَامَّةً» (٦).

стр. 125

١٢ - قال الشارح ﵀: هذه الأحاديث الثلاثة تتعلق بالتيمم, والتيمم رحمة من اللَّه لعباده، وتيسيرٌ عليهم، إذا فقدوا الماء، أو عجزوا عن استعماله أن يستعملوا التيمم، والتيمم مصدر تيمم يتيمم تيمماً، وهو قصد الصعيد، يعني وجه الأرض بضربه بيديه على وجه الأرض, يعني بكفيه ثم يمسح بهما وجهه وكفيه بدلاً من الوضوء بالماء، عند فقد الماء، أو عند العجز عن الماء لمرض ونحوه. فإنه يضرب التراب بيديه بكفيه, ويقول: بسم اللَّه، ثم يمسح بهما وجهه وكفيه، ويقوم هذا مقام الماء، ويكون طهوراً. كما في الحديث الآخر يقول ﷺ : «الصَّعِيدُ وُضُوءُ اَلْمُسْلِمِ, وَإِنْ لَمْ يَجِدِ اَلْمَاءَ عَشْرَ سِنِينَ» (١)، وهو يقوم مقام الماء في رفع الحدث, وفي جواز الصلاة به، والطواف، ومس المصحف، ونحو ذلك: كالماء, هذا هو الصواب. قال بعض أهل العلم: إنه مبيح لا رافع, والصواب أنه يرفع الحدث إلى وجود الماء، أو إلى انتقاض الطهارة بما ينقض الوضوء.

стр. 126

الحديث الأول: حديث عمران بن حصين بن عبيد الخزاعي ﵁ وعن أبيه، أن النبي ﷺ في السفر رأى رجلاً معتزلاً لم يصل مع القوم, فقال: «ما منعك يا فلان؟» قال: يا رسول اللَّه أصابتني جنابة ولا ماء، يعني عليَّ جنابة ولا وجدت ماء، فلهذا تأخرت عن الصلاة مع الناس. فقال له المصطفى ﵊: ««عَلَيْك بِالصَّعِيدِ، فَإِنَّهُ يَكْفِيَكَ» (١)، عليك بالتيمم: قصد الصعيد، والصعيد: وجه الأرض, فإنه يكفيك، يعني يقوم مقام الماء عند فقد الماء، وهذا من رحمة اللَّه، وتيسيره جل وعلا, ودل على هذا قوله تعالى: ﴿فَلَمْ تَجِدُوا مَاءً فَتَيَمَّمُوا صَعِيدًا طَيِّبًا فَامْسَحُوا بِوُجُوهِكُمْ وَأَيْدِيكُمْ مِنْهُ﴾ (٢). والصعيد يشمل: التراب، والرمل، والحصى، والنورة، وجميع وجه الأرض، لكن إذا تيسر التراب فهو مُقدم للحديث الصحيح: «وَجُعِلَ التُّرَابُ لِي طَهُورًا» (٣) إذا تيسر التراب يتيمم من التراب، وإن لم يتيسر، وصار في أرض فيها رمل، أو أرض صفا ما فيها رمل، ولا شيء يتيمم من وجه الأرض, يضرب وجه الأرض ويكفي. وفي حديث عمار الدلالة على أنه يكفي أن يضرب التراب بيديه,

стр. 127

ويمسح وجهه وكفيه, وكان عمار ﵁ لما أصابته جنابة تمرَّغ في الصعيد كما تمرَّغ الدابة, ظناً منه أن التيمم عن الجنابة مثل الغسل، يعني يعم البدن كله، قاس هذا على هذا, فلما أخبر النبي ﷺ بما فعل، قال: «إنَّمَا كَانَ يَكْفِيَكَ أَنْ تَقُولَ بِيَدَيْكَ هَكَذَا» (١) , ثم ضرب بهما التراب، ومسح بهما وجهه وكفيه، يكفي هذا، ولا حاجة إلى أن يتمرغ في الأرض أو يمسح ذراعيه أو قدميه, لا حاجة إلى هذا. الوجه والكفان يكفيان (٢)؛ ولهذا قال: «إنَّمَا يَكْفِيَكَ أَنْ تَقُولَ بِيَدَيْكَ هَكَذَا». ثم ضرب بيديه الأرض, ومسح بهما وجهه وكفيه, وهذا معنى ما دل عليه القرآن؛ لقوله تعالى: ﴿فَلَمْ تَجِدُوا مَاءً فَتَيَمَّمُوا صَعِيدًا طَيِّبًا فَامْسَحُوا بِوُجُوهِكُمْ وَأَيْدِيكُمْ مِنْهُ﴾ (٣)، واليد إذا أطلقت المراد بها الكف من مفصل الكف إلى أطراف الأصابع، هذه اليد عند الإطلاق كما في قوله جل وعلا: ﴿وَالسَّارِقُ وَالسَّارِقَةُ فَاقْطَعُوا أَيْدِيَهُمَا جَزَاءً بِمَا كَسَبَا﴾ (٤)، والمقطوع هو الكف, ما يقطع الذراع ولا العضد، اليد التي تقطع من أطراف الأصابع إلى الكف، يعني مفصل الكف من الذراع، فهكذا في التيمم يمسح الكفين, أما في الوضوء فإلى المرافق، يغسل الذراعين إلى المرافق؛ ولهذا قال: ﴿وَأَيْدِيَكُمْ

стр. 128

إِلَى الْمَرَافِقِ﴾ يعني في الوضوء, أما في التيمم فإنه يكفيه الكفان. وما ورد عن بعض الصحابة أنهم مسحوا الذراعين, وبعضهم مسح العضدين إلى الآباط, هذا قياساً منهم على الماء, وبعضهم اجتهاداً منه, وجاءت الشريعة تبين الحكم الشرعي, وأنه ليس هناك مسح على الذراعين ولا على العضدين, إنما المسح يكون في الكفين في التيمم, كما أوضح النبي ﷺ بفعله وبقوله في حديث عمار. والحديث الثالث حديث جابر الأنصاري ﵁ وعن أبيه عن النبي ﷺ أنه قال «أُعطيت خمساً» يعني خمس خصال «لم يعطهن أحد قبلي» أي من الأنبياء، هذه الخمس من خصائصه ﵊ , وله خصائص كثيرة ﵊، وهذه الخمس هي: الأولى منها: «نصرت بالرعب مسيرة شهر» نصره اللَّه بالرعب منه مسيرة شهر، يعني اللَّه يُنزِلُ في قلوب العدو الرعب منه مسيرة شهر, وهم عنه مسيرة شهر، وهكذا يحصل لمن اتبعه، واستقام على دينه, ينصرهم اللَّه بقوته، وبالرعب مسافة شهر؛ لأن من اتبعه أعطاه اللَّه هذا الخير، وهذه منحة عظيمة في إنزال الرعب في قلوب الأعداء مسافة شهر. الثانية: «جُعلت لي الأرض مسجداً وطهوراً, فأيما رجل أدركته الصلاة فليصل» فاللَّه جعل له الأرض مسجداً وطهوراً، كان الأولون إذا حضرت الصلاة وليسوا في مساجدهم أو في بِيَعِهِم أخروها حتى يأتوا إلى موضع الصلاة عندهم من البيع والصوامع

стр. 129

والمساجد، فاللَّه وسّع لهذه الأمة, ويسّر لها, فجعل الأرض كلها مسجداً لها, والحمد للَّه إذا كان في السفر، أو في أي مكان بعيداً عن المسجد، صلى في أي مكان، والحمد للَّه. ولهذا قال: «وجعلت لي الأرض مسجداً وطهوراً، فأيما رجل من أمتي أدركته الصلاة فليصل» , وفي اللفظ الآخر: «فعنده مسجده وطهوره» مسجده الأرض, وطهوره التراب، وهذا من تيسير اللَّه ورحمته . الثالثة: «أُحلت لي المغانم، ولم تحل لأحدٍ قبلي» المغانم حلال لهذه الأمة, وهي المال المأخوذ من الكفار إذا استولى المسلمون على الكفار, فإن المغانم التي هي أموالهم حل للمسلمين، يُنزع منها الخمس لبيت المال وأربعة أخماس تقسم بين الغانمين, يعني الجنود, للراجل سهم, وللفارس ثلاثة أسهم إذا كان عنده فرس، إذا كان في القتال خيل، والفارس يعطى ثلاثة أسهم, سهم له، وسهمان لفرسه, والراجل يعطى سهماً واحداً، وهكذا صاحب المطية (١) يعطى سهماً واحداً. كان الأولون إذا فرغوا من القتال وسلمت مغانمهم تأتي نار فتأكل المغانم إذا قُبِلَتْ. أما هذه الأمة فرحمها اللَّه, وأحل لها المغانم, فضلاً منه وإحساناً ، ولهذا قال «ولم تحل لأحد قبلي»

стр. 130

- ﵊. الرابعة: «أُعطيت الشفاعة» أعطاه اللَّه الشفاعة، وهي الشفاعة العظمى لأهل الموقف يوم القيامة, يشفع فيهم حتى يقضى بينهم. هذه من خصائصه ﵊ , ليست لبقية الأنبياء، إذا كان يوم القيامة، واجتمع الناس، واشتد الأمر، تقدم ﷺ وحمد ربه, وسجد بين يديه، وحمده بمحامد عظيمة, حتى يؤذن له، ثم يَأذن له سبحانه, فيقال له: اشفع تشفع, وسل تعط، فيشفع عند ذلك، ويسأل ربه أن يقضي بين الناس. وهذا هو المقام المحمود الذي ذكره اللَّه في كتابه في سورة بني إسرائيل: ﴿عَسَى أَنْ يَبْعَثَكَ رَبُّكَ مَقَامًا مَحْمُودًا﴾ (١)، هذا هو المقام المحمود, يحمده به الأولون والآخرون؛ لأنه يقوم مقاماً عظيماً, يحمد اللَّه فيه, ويثني عليه, ويسجد, ثم يقال له: ارفع رأسك وقل تسمع, واشفع تشفع. فيرفع رأسه ﷺ من سجوده, فيشفع إلى اللَّه أن يقضي بين الناس, وله شفاعات أخرى لمن دخل النار من أمته - ﵊ -، وله شفاعات في دخول أهل الجنة الجنة، لكن هذه الشفاعة العظمى خاصة به ﵊ , وهكذا الشفاعة في دخول أهل الجنة الجنة خاصة به، لا يدخلونها إلا بشفاعته - ﵊ -, وله شفاعة ثالثة خاصة به, وهي الشفاعة في عمه أبي طالب, كان في دركات النار, وفي غمرات النار, والسبب أنه مات على الكفر باللَّه، فشفع فيه حتى يجعله اللَّه في ضحضاح من

стр. 131

النار, يغلي منه دماغه - نسأل اللَّه العافية -؛ لأنه نَصَرَ النبي، وأحاطه، وحماه في حياته, لكنه مات على الكفر نعوذ باللَّه؛ ولهذا صار من أهل النار، صارت الشفاعة في التخفيف عنه تخفيفاً لا يخرجه من النار, بل يجعله في الطبقة الأولى منها في ضحضاح منها، وهذه الشفاعة خاصة بأبي طالب، وخاصة بالنبي ﷺ ، وهي مستثناة من قوله : ﴿فَمَا تَنْفَعُهُمْ﴾ يعني الكفار ﴿شَفَاعَةُ الشَّافِعِينَ﴾ (١) الكفار ما تنفعهم شفاعة الشافعين إلا هذه الخاصة التي في أبي طالب مستثناة, جاء بها النص، يعني نفعته بعض النفع, وإن كان مخلَّداً في النار, ومعذَّباً في النار, لكنه خُفِّفَ عنه بعض الشيء لأسباب شفاعته ﵊. الخصلة الخامسة: أنه بُعث للناس عامة, والأنبياء يبعثون إلى أقوامهم, كل نبي يُبعث إلى قومه, أما نبينا محمد ﷺ بُعث إلى الناس عامة الجن والإنس، يدعوهم إلى اللَّه، وإلى توحيد اللَّه من آمن به واتبعه, فله الجنة من الإنس والجن والعرب والعجم والذكور والإناث, ومن لم يقبل منه ولم يصدقه فله النار، نعوذ باللَّه. كما قال اللَّه سبحانه: ﴿قُلْ يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنِّي رَسُولُ اللَّهِ إِلَيْكُمْ جَمِيعًا﴾ (٢)، وقال سبحانه: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا كَافَّةً لِلنَّاسِ بَشِيرًا

стр. 132

وَنَذِيرًا﴾ (١) فهو رسول اللَّه إلى الثقلين: الجن والإنس. من أجاب دعوته واستقام على دينه فله الجنة والكرامة, ومن حاد عن ذلك واستكبر عن ذلك فله النار، والخيبة والندامة. نسأل اللَّه لنا ولكم العافية والسلامة، وصلى اللَّه وسلم على نبينا محمد وعلى آله وصحبه. ٧ - بابُ الحيضِ ٤٣ - عن عائشة ﵂ «أَنَّ فَاطِمَةَ بِنْتَ أَبِي حُبَيْشٍ: سَأَلَتِ النَّبِيَّ ﷺ فَقَالَتْ: إنِّي أُسْتَحَاضُ فَلا أَطْهُرُ، أَفَأَدَعُ الصَّلاةَ؟ قَالَ (٢): «لا، إنَّ ذَلِكِ عِرْقٌ، وَلَكِنْ دَعِي الصَّلاةَ قَدْرَ الأَيَّامِ الَّتِي كُنْتِ تَحِيضِينَ فِيهَا، ثُمَّ اغْتَسِلِي وَصَلِّي» (٣). وَفِي رِوَايَةٍ «وَلَيْسَ بِالْحَيْضَةِ، فَإِذَا أَقْبَلَتِ الْحَيْضَةُ فَاتْرُكِي الصَّلاةَ فِيهَا (٤)، فَإِذَا ذَهَبَ قَدْرُهَا فَاغْسِلِي عَنْك الدَّمَ وَصَلِّي» (٥).

стр. 133

٤٤ - عن عائشة ﵂ «أَنَّ أُمَّ حَبِيبَةَ اُسْتُحِيضَتْ سَبْعَ سِنِينَ. فَسَأَلَتْ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ عَنْ ذَلِكَ؟ فَأَمَرَهَا أَنْ تَغْتَسِلَ، فقَالَ: «هذا عِرقٌ» (١)، فَكَانَتْ تَغْتَسِلُ لِكُلِّ صَلاةٍ» (٢). ٤٥ - عن عائشة ﵂ قالت: «كُنْتُ أَغْتَسِلُ أَنَا وَرَسُولُ اللَّهِ ﷺ مِنِ إنَاءٍ وَاحِدٍ، كِلانا جُنُبٌ» (٣). ٤٦ - «وَكَانَ يَامُرُنِي فَأَتَّزِرُ، فَيُبَاشِرُنِي وَأَنَا حَائِضٌ» (٤). ٤٧ - «وَكَانَ يُخْرِجُ رَاسَهُ إلَيَّ، وَهُوَ مُعْتَكِفٌ، فَأَغْسِلُهُ وَأَنَا حَائِضٌ» (٥). ٤٨ - عن عائشة ﵂ قالت: «كَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يَتَّكِئُ فِي حِجْرِي وَأَنَا حَائِضٌ، فَيَقْرَأُ الْقُرْآنَ» (٦).

стр. 134

٤٩ - عَنْ مُعَاذَةَ بنت عبداللَّه (١) قَالَتْ: «سَأَلْتُ عَائِشَةَ ﵂ فَقَلتُ: مَا بَالُ الْحَائِضِ تَقْضِي الصَّوْمَ، وَلا تَقْضِي الصَّلاةَ؟ فَقَالَتْ: أَحَرُورِيَّةٌ أَنْتِ؟ فَقُلْتُ: لَسْتُ بِحَرُورِيَّةٍ، وَلَكِنِّي أَسْأَلُ. فَقَالَتْ (٢): كَانَ يُصِيبُنَا ذَلِكَ، فَنُؤْمَرُ بِقَضَاءِ الصَّوْمِ، وَلا نُؤْمَرُ بِقَضَاءِ الصَّلاةِ» (٣). ١٣ - قال الشارح ﵀: هذه الأحاديث الخمسة تتعلق بالحيض وأحكامه. والحيض: دم يخرج من المرأة بصفة معتادة بالنسبة إلى غالب النساء كل شهر, وهو دم طبيعة، وجَبِلَّة جبل اللَّه عليها بنات آدم, يخرج من قعر الرحم, واللَّه جل وعلا جعله علامة على خلو الرحم من الولد, وأن المرأة ليست حاملاً؛ فإذا انقطع صار علامة على حملها إذا كانت من أهل الحمل، وله أحكام: منها: أن الحائض تدع الصوم أيام رمضان وغيره, لا تصوم وهي حائض. ومنها: أنها تدع الصلاة, فلا تصلي ولا تقضي, بل تسقط عنها بالكلية، فضلاً من اللَّه وإحساناً منه ؛ لأن الحيض يدوم أياماً

стр. 135

عديدة, ففي قضاء الصلاة مشقة عليها، فمن رحمة اللَّه أن جعل الحيض مسقطاً للصلاة فرضاً وقضاء, أداء وقضاء. أما الصوم فإنها لا تصوم, لكنها تقضي الواجب إذا طهرت كرمضان, تكمل وتقضي ما أفطرت منه. وهناك أحكام أخرى تتعلق بالحيض (١). في الحديث الأول: حديث فاطمة بنت أبي حُبيش أنها كانت تستحاض فسألت النبي ﷺ فقال: «إِنَّمَا ذَلِكِ دَمُ عِرْقٍ، وَلَيْسَ بِحَيْضٍ، فَإِذَا أَقْبَلَتْ حَيْضَتُكِ فَدَعِي الصَّلَاةَ، وَإِذَا أَدْبَرَتْ فَاغْسِلِي عَنْكِ الدَّمَ، ثُمَّ صَلِّي» (٢) , وفي اللفظ الآخر: «فَاغْتَسِلِي وَصَلِي» (٣)، وهكذا في حديث أم حبيبة: أنها استحيضت سبع سنين, فأمرها النبي ﷺ أن تغتسل إذا انتهت مدة الحيض, قال لها: «دَعِي الصَّلَاةَ قَدْرَ ما كانت تحبسك حيضتك، ثُمَّ اغْتَسِلِي وَصَلِّي» (٤) , فالحائض تدع الصلاة أيام حيضها, ولا تقضي وتدع الصوم أيام حيضها, ولا تمس المصحف وهي حائض.

стр. 136

والدم الذي يستمر معها يقال له: دم استحاضة, تصلي، وتصوم، وتحل لزوجها إذا اغتسلت من دم الحيض, فالدم المستمر يقال له دم الاستحاضة, وهو دم يخرج من أدنى الرحم بسبب مرض؛ ولهذا سماه النبي دم عرق. فلا يمنع الصلاة, ولا يمنع الصوم, ولا يمنع الزوج, فإذا أصابها دم الاستحاضة؛ فإنها تبقى أيام مدة الحيض المعتادة خمسة أيام، أو ستة، أو سبعة, عادتها تبقى لا تصلي، ولا تصوم, فإذا مضت العادة اغتسلت، وصلت، وصامت، ولو كان معها دم استحاضة, الذي استمر معها. لهذا أم حبيبة بنت جحش استمر معها الدم سبع سنين, كان النبي يأمرها إذا مضت العادة تغتسل وتصلي ولو كان معها الدم؛ لأنه دم مرض, مثل صاحب السلس الذي معه بول دائماً، فتصلي وتصوم وتتوضأ لوقت كل صلاة؛ ولهذا قال النبي ﷺ لفاطمة: «تَوَضَّئِي لِكُلِّ صَلَاةٍ» (١) , وفي اللفظ الآخر: «توضئي لوقت كل صلاة» (٢) , فإذا دخل

стр. 137

وقت الظهر توضأت وصلت إلى وقت العصر، وإذا جاء وقت العصر توضأت وصلت إلى وقت المغرب وهكذا ... تستنجي, تغسل فرجها وتتوضأ وضوء الصلاة, وتصلي مدة الوقت فروضاً ونوافلَ. فإذا دخل وقت الآخر كذلك تستنجي، وتتوضأ وضوء الصلاة، وتصلي في الوقت فرضاً ونفلاً، وتحل لزوجها؛ لأن هذا الدم دم عارض, دم فاسد, ليس بحيض, أما أيام الحيض المعتادة خمسة أو ستة أو سبعة أو نحو ذلك, فهذه أيام لا تصلي فيها، ولا تصوم, ولا تحل لزوجها؛ لأنها دم حيض. ومثل ذلك لو كان مع الإنسان البول الدائم، أو المذي الدائم؛ فإنه يتوضأ لوقت كل صلاة, ويصلي على حسب حاله ﴿فَاتَّقُوا اللَّهَ مَا اسْتَطَعْتُمْ﴾ (١) يتوضأ لكل صلاة, يستنجي ويتوضأ وضوء الصلاة, ويصلي الفرض والنفل إلى الوقت الآخر، كالمستحاضة. الحديث الثالث: حديث عائشة لأخبرت أنها كانت تغتسل مع النبي ﷺ من الجنابة بإناء واحد، هذا يدل على جواز اغتسال الزوج وزوجته من إناء واحد يرى كل واحد الآخر؛ لأنها تحل له، ويحل لها, فلا مانع أن يغتسلا جميعاً في حمام, ينظر أحدهما إلى الآخر, لا بأس بذلك، من إناء واحد. وَكَانَ يَتَّكِئُ في حِجْرِها فيقرأ القرآن, دل على أن لا بأس أن

стр. 138

يضع رأسه على فخذها؛ ليستريح، أو ينام، أو يقرأ القرآن، ولو كانت حائضاً، هذا لا يضر؛ لأن حيضها في فرجها لا يمنع قراءة القرآن, ولا يمنع اتكاءه على فخذها, ولا يمنع أن تخدمه؛ ولهذا كانت تغسل رأسه ﵊ وترجله عائشة, وهي حائض ﵂ , هذا يدل على أن الحائض ليست بنجسة, لها أن تقرأ, ولها أن تخدم زوجها, تُقدِّم الطعام, تُقدِّم الماء, تُقدِّم اللبن, وكان النبي يشرب من مَحَلِّ فمها، ويتعرق العظم بعدها وهي حائض, كل هذا يبيِّن للناس أن هذا لا حرج فيها, وأنها طاهرة, عرقها طاهر, شعرها طاهر, بدنها طاهر, ولو وضعت يدها في ماء، أو في لبن، أو في طعام يكون طاهراً، النجاسة في الحيض، ليست في اليد؛ ولهذا لما قال لها ذات يوم: «نَاوِلِينِي الْخُمْرَةَ مِنَ الْمَسْجِدِ» - حصير في المسجد، «قَالَتْ: فَقُلْتُ (يا رسول اللَّه): إِنِّي حَائِضٌ، فَقَالَ: «إِنَّ حَيْضَتَكِ لَيْسَتْ فِي يَدِكِ» (١) , فالحائض تعمل في بيتها تخدم في بيتها, تلمس الطعام لا يضر، تقدم الطعام. ثيابها طاهرة, وعرقها طاهر, لكن إذا أصابها شيء من الدم, أصاب شيئاً من بدنها, أو أصاب شيئاً من ثيابها تغسله, ما أصابه الدم تغسله, وأما هي في نفسها طاهرة. كالجنب طاهر، الجنب إذا عرق في ثيابه وهو جنب قبل أن يغتسل فهو طاهر, ثيابه طاهرة, عرقه طاهر, يده طاهرة, إنما عليه الغسل فقط.

стр. 139

وقالت مُعَاذَةُ لعَائِشَةَ ﵂: يا أم المؤمنين، «أَتَقْضِي الْحَائِضُ الصَّوْمَ، وَالصَّلاةَ؟ فَقَالَتْ لَهَا عائشةُ: أَحَرُورِيَّةٌ أَنْتِ؟» نسبة إلى حروراء، وهي طائفة يقال لهم حروريون، وهم الخوارج يشددون، ويتعنتون، ويتنطعون؛ ولهذا قالت لها عائشة: أحرورية أنت؟ يعني من المُتشدِّدين المتكلفين. قالت: لا، وَلَكِنِّي أَسْأَلُ. فَقَالَتْ ﵂: «كَانَ يُصِيبُنَا ذَلِكَ في عهد النبي ﷺ ، فَنُؤْمَرُ بِقَضَاءِ الصَّوْمِ، وَلا نُؤْمَرُ بِقَضَاءِ الصَّلاةِ» (١). فالحائض والنفساء تقضيان الصوم, ولا تقضيان الصلاة. فلو بقيت النفساء أربعين يوماً والدم معها؛ فإنها لا تقضي الصلاة, ولكن تقضي رمضان إذا صادفها رمضان تقضيه, فإذا انتهت المدة إلى الأربعين وهي معها الدم تغتسل وتصلي ما بعد الأربعين شيء, إذا تمت مدة الأربعين ولم تطهر؛ فإنها في حكم الطاهرات: تغتسل، وتصلي ولو معها الدم؛ يكون دم فساد كالمستحاضة، إلا إذا وافقت وقت الحيض تجلس وقت الحيض الدورة المعتادة، أما الصلاة التي تركتها في أيام النفاس، أو في أيام الحيض؛ فإنها ساقطة لا تقضي, فضلاً من اللَّه، ونعمة من اللَّه، ورحمة منه .

стр. 140

أما الصوم فإنها تقضيه؛ صوم رمضان تقضيه بعد طهرها, مثل ما قالت عائشة: «كنا نُؤْمَرُ بِقَضَاءِ الصَّوْمِ، وَلا نُؤْمَرُ بِقَضَاءِ الصَّلاةِ» (١). وهذا محل إجماع بين أهل العلم, أجمع العلماء على أن الحائض والنفساء تقضيان الصوم، ولا تقضيان الصلاة؛ لهذه الأحاديث وما جاء في معناها (٢).

стр. 141

٢ - كتاب الصلاة (١) ٨ - بابُ المواقيتِ ٥٠ - عن أبي عمرو الشيباني - واسمه سعد بن إياس - قال: حدثني صاحب هذه الدار ــ وأشار بيده إلي دار عبد اللَّه بن مسعود ﵁ قال: «سَأَلْتُ النَّبِيَّ ﷺ : أَيُّ الأعمالِ (٢) أَحَبُّ إلَى اللَّهِ ؟ قَالَ: «الصَّلاةُ عَلَى وَقْتِهَا»، قُلْتُ: ثُمَّ أَيٌّ؟ قَالَ: «بِرُّ الْوَالِدَيْنِ»، قُلْتُ: ثُمَّ أَيٌّ؟ قَالَ: «الْجِهَادُ فِي سَبِيلِ اللَّهِ»، قَالَ: حَدَّثَنِي بِهِنَّ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ ، وَلَوْ اسْتَزَدْتُهُ لَزَادَنِي» (٣). ٥١ - عن عائشة لقالت: «لَقَدْ كَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يُصَلِّي الْفَجْرَ، فَيَشْهَدُ مَعَهُ نِسَاءٌ مِنَ الْمُؤْمِنَاتِ مُتَلَفِّعَاتٍ بِمُرُوطِهِنَّ، ثُمَّ يَرْجِعْنَ إلَى بُيُوتِهِنَّ مَا يَعْرِفُهُنَّ أَحَدٌ، مِنَ الْغَلَسِ» (٤)، (٥).

стр. 142

٥٢ - عن جابر بن عبد اللَّه ﵄ قال: «كَانَ النَّبِيُّ ﷺ يُصَلِّي الظُّهْرَ: بِالْهَاجِرَةِ، وَالْعَصْرَ: وَالشَّمْسُ نَقِيَّةٌ، وَالْمَغْرِبَ: إذَا وَجَبَتْ، وَالْعِشَاءَ: أَحْيَاناً وَأَحْيَاناً، إذَا رَأَىهُمُ اجْتَمَعُوا: عَجَّلَ، وَإِذَا رَأَىهُمْ أَبْطَؤُوا: أَخَّرَ، وَالصُّبْحَ: كَانَ النَّبِيُّ ﷺ يُصَلِّيهَا بِغَلَسٍ» (١). الهاجرة: هي شدة الحَرِّ بعد الزوال (٢). ١٤ - قال الشارح ﵀: هذه الأحاديث الثلاثة تتعلق بالصلاة, والصلاة هي الركن الثاني من أركان الإسلام, وهي أعظم الأركان، وأهمها بعد الشهادتين، وكان فرضها في مكة المكرمة قبل الهجرة بثلاث سنوات, فرضها اللَّه على النبي ﷺ من دون واسطة, بل عُرج به إلى السماء, وتلقى فرضها من اللَّه من دون واسطة, بل كلمه اللَّه بذلك, وفرض عليه الصلوات الخمس جل وعلا, وهذا يدل على عظم شأنها، اللَّه ما أرسل بها ملكاً, بل فرضها مشافهة بكلامه من دون واسطة، وكَلَّمَ اللَّه نبيَه ﵊ وفرضها خمسين، ثم لم يزل ﵊ يتردد إلى ربه، ويسأله التخفيف, حتى جعلها خمساً, وكان ذلك لأسباب لقائه لموسى ﵊ في السماء السادسة,

стр. 143

وأشار عليه موسى بأن يسأل ربه التخفيف, وهذا من أمر اللَّه، اللَّه جل وعلا جعل موسى يكلمه في ذلك، ويشير عليه بالرجوع لما مضى في علمه سبحانه، وحكمته أنه يجعلها خمساً ، قال له موسى لما أخبره نبينا بالصلوات الخمس، أنها خمسون، قال: «إِنِّي قَدْ بَلَوْتُ النَّاسَ قَبْلَكَ، وَعَالَجْتُ بَنِي إِسْرَائِيلَ أشّدَّ المُعَالَجَةِ، إنَّ أمَّتَكَ لَا تُطِيقُ ذَلِكَ، ارْجِعْ إِلَى رَبِّك واسْأَلْه التَّخْفِيفَ، فلَمْ يَزَلْ يَسْأَلُ رَبَّهُ التَّخْفيفَ حتَّى جَعَلَهَا خمْساً، فَضْلاً مِنهُ وإحْسَاناً ، هيَ خَمْسٌ في العَمَلِ، وخَمْسُونَ في الأجرِ، الحَسَنَةُ بعَشْرِ أمْثَالها (١). ومن أدى الخمس وحافظ عليها وأدى حقها كمّل اللَّه له أجر الخمسين، وهي فرض على الرجال والنساء من المكلفين خمس

стр. 144

مرات في اليوم، الظهر والعصر والمغرب والعشاء والفجر. أما الجمعة هي فرض الوقت في يومها، أي الخامسة بدل الظهر، أما غير المكلف الصغير الذي لم يبلغ فليست فرضاً عليه, ولكنه يؤمر بها إذا بلغ سبعاً, ويضرب عليها إذا بلغ عشراً, ليعتادها ويستقيم عليها، حتى إذا بلغ فإذا هو قد استقام عليها، وعرف شأنها, فلا يصعب عليه أداؤها بعد ذلك. أما المعتوه والمجنون ونحوهما من لا عقل له، فليست عليهم صلاة، وإنما يخاطب بها أهل الإسلام، الكافر لا يخاطب بها من ناحية الفعل, وإن كان يخاطب بها من جهة العقاب، الكفار مخاطبون بفروع الشريعة, ويعاقبون عليها يوم القيامة، لكن لا يطالبون بأداء الصلاة حتى يسلموا، حتى يشهدوا أن لا إله إلا اللَّه، وأن محمداً رسول اللَّه، فإذا أسلموا، أُمروا بالصلاة, فإن أدوها وإلا وجب استتابتهم، وقتل من لم يؤدها, ﴿فَإِنْ تَابُوا وَأَقَامُوا الصَّلَاةَ وَآتَوُا الزَّكَاةَ فَخَلُّوا سَبِيلَهُمْ﴾ (١) من لم يؤد الزكاة، ولم يؤد الصلاة، فلا يُخلَّى سبيله، وشأنها عظيم، وفضلها كبير, ومن حافظ على الصَّلَوَاتِ الْخَمْسِ، كفَّر اللَّه له ما بَيْنَها مِنَ السَّيِّئاتِ مَا لم تُغْشَ الْكَبَائِرُ (٢).

стр. 145

وفي حديث ابن مسعود ﵁ أنه سأل النبي ﷺ أَيُّ العملِ أَفضلُ؟ قَالَ: «الصَّلاةُ عَلَى وَقْتِهَا» (١) يعني تؤدى في الوقت، فهذا أفضل الأعمال، فالوقت شرط لها لا بد من أدائها في الوقت، ولا يجوز تأخيرها، ولا تقديمها, فمن أخرها أَثم وعليه القضاء, ومن قدمها لم تصح, وهي عمود الإسلام, كما في الحديث: «رَاسُ الْأَمْرِ الْإِسْلَامُ، وَعَمُودُهُ الصَّلَاةُ» (٢)، وفي الحديث الآخر الذي رواه الإمام أحمد بإسنادٍ صحيح عن عبداللَّه بن عمرو عن النبي ﷺ أنه ذَكَرَ الصَّلَاةَ يَوْمًا بين أصحابه فَقَالَ: «مَنْ حَافَظَ عَلَيْهَا كَانَتْ لَهُ نُورًا، وَبُرْهَانًا، وَنَجَاةً يَوْمَ الْقِيَامَةِ، وَمَنْ لَمْ يُحَافِظْ عَلَيْهَا لَمْ يَكُنْ لَهُ نُورٌ، وَلَا بُرْهَانٌ، وَلَا نَجَاةٌ، وحُشِرَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ مَعَ فِرْعَوْنَ، وَهَامَانَ، وقَارُونَ، وَأُبَيِّ بْنِ خَلَفٍ» (٣)، ــ نسأل اللَّه السلامة ــ صناديد الكفرة، من ضيّع الصلاة حشر مع هؤلاء، قال بعض أهل العلم: والحكمة في ذلك: أنه إذا ضيعها بأسباب الرياسة شابه فرعون، فيحشر معه يوم القيامة، ومن
следующие страницы →