← Шархи хадиса

Шархи хадиса · id 13282

الإفهام في شرح عمدة الأحكام

ابن باز

Полный текст (893 стр.). Показаны 176–215 · переход к 181.

стр. 176

٨٣ - عن أبي هريرة ﵁، أن رسول ﷺ قال: «إذَا أَمَّنَ الإِمَامُ فَأَمِّنُوا، فَإِنَّهُ مَنْ وَافَقَ تَامِينُهُ تَامِينَ الْمَلائِكَةِ، غُفِرَ لَهُ مَا تَقَدَّمَ مِنِ ذَنْبِهِ» (١). ٨٤ - عن أبي هريرة ﵁: أن رسول اللَّه ﷺ قال: «إذَا صَلَّى أَحَدُكُمْ لِلنَّاسِ فَلْيُخَفِّفْ، فَإِنَّ فِيهِمُ الضَّعِيفَ، وَالسَّقِيمَ، وَذَا الْحَاجَةِ، وَإِذَا صَلَّى أَحَدُكُمْ لِنَفْسِهِ فَلْيُطَوِّلْ مَا شَاءَ» (٢). ٨٥ - عن أبي مسعود الأنصاري البدري (٣) ﵁ قال: «جَاءَ رَجُلٌ إلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ ، فَقَالَ: إنِّي لأَتَأَخَّرُ عَنْ صَلاةِ الصُّبْحِ مِنِ أَجْلِ فُلانٍ، مِمَّا يُطِيلُ بِنَا فيها (٤)، قَالَ: فَمَا رَأَيْتُ النَّبِيَّ ﷺ غَضِبَ فِي مَوْعِظَةٍ قَطُّ أَشَدَّ مِمَّا غَضِبَ يَوْمَئِذٍ، فَقَالَ: يَا أَيُّهَا النَّاسُ: إنَّ مِنْكُمْ مُنَفِّرِينَ، فَأَيُّكُمْ أَمَّ النَّاسَ فَلْيُوجِزْ، فَإِنَّ مِنِ وَرَاءِهِ الْكَبِيرَ وَالصَّغِيرَ وَذَا الْحَاجَةِ» (٥).

стр. 177

١٤ - بابُ صفةِ صلاةِ النبيِّ ﷺ - (١) ٨٦ - عن أبي هريرة ﵁ قال: «كَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ إذَا كَبَّرَ فِي الصَّلاةِ سَكَتَ هُنَيْهَةً قَبْلَ أَنْ يَقْرَأَ، فَقُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، بِأَبِي أَنْتَ وَأُمِّي، أَرَأَيْتَ (٢) سُكُوتَكَ بَيْنَ التَّكْبِيرِ وَالْقِرَاءَةِ، مَا تَقُولُ؟ قَالَ: أَقُولُ: «اللَّهُمَّ بَاعِدْ بَيْنِي وَبَيْنَ خَطَايَايَ كَمَا بَاعَدْتَ بَيْنَ الْمَشْرِقِ وَالْمَغْرِبِ، اللَّهُمَّ نَقِّنِي مِنِ خَطَايَايَ كَمَا يُنَقَّى الثَّوْبُ الأَبْيَضُ مِنَ الدَّنَسِ، اللَّهُمَّ اغْسِلْنِي مِنِ خَطَايَايَ بِالْمَاءِ وَالثَّلْجِ (٣) وَالْبَرَدِ» (٤).

стр. 178

٨٧ - عن عائشة ﵂ قالت: «كَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يَسْتَفْتِحُ الصَّلاةَ بِالتَّكْبِيرِ، وَالْقِرَاءَةِ بـ ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ وَكَانَ إذَا رَكَعَ، لَمْ يُشْخِصْ رَاسَهُ، وَلَمْ يُصَوِّبْهُ، وَلَكِنْ بَيْنَ ذَلِكَ، وَكَانَ إذَا رَفَعَ رَاسَهُ مِنَ الرُّكُوعِ، لَمْ يَسْجُدْ حَتَّى يَسْتَوِيَ قَائِماً، وَكَانَ إذَا رَفَعَ رَاسَهُ مِنَ السَّجْدَةِ، لَمْ يَسْجُدْ، حَتَّى يَسْتَوِيَ قَاعِداً، وَكَانَ يَقُولُ فِي كُلِّ رَكْعَتَيْنِ التَّحِيَّةَ، وَكَانَ يَفْرِشُ رِجْلَهُ الْيُسْرَى وَيَنْصِبُ رِجْلَهُ الْيُمْنَى، وَكَانَ يَنْهَى عَنْ عُقْبَةِ الشَّيْطَانِ، وَيَنْهَى أَنْ يَفْتَرِشَ الرَّجُلُ ذِرَاعَيْهِ افْتِرَاشَ السَّبُعِ، وَكَانَ يَخْتِمُ الصَّلاةَ بِالتَّسْلِيمِ» (١). ١٧ - قال الشارح ﵀: هذان الحديثان الشريفان يتعلقان ببيان صفة صلاة النبي ﵊ , وقد جاء في ذلك أحاديث كثيرة ذكرها المؤلف, منها ما يأتي في هذا الباب. والمشروع للمؤمن التأسي بالنبي ﷺ في صلاته وسائر أفعاله, كما قال اللَّه : ﴿لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ﴾ (٢)، وقال ﵊: «صَلُّوا كَمَا رَأَيْتُمُونِي أُصَلّي» (٣)؛ ولهذا ذكر أهل العلم باباً خاصاً لبيان صفة صلاة النبي ﷺ ؛ ليتأسى المؤمن به

стр. 179

في ذلك على بصيرة، ومن ذلك الاستفتاح في أولها، كان ﷺ إذا قام إلى الصلاة كبر, يفتتحها بالتكبير, سواء كانت فريضة أو نافلة, ولهذا في الحديث: «مِفْتَاحُ الصَّلَاةِ الطُّهُورُ وَتَحْرِيمُهَا التَّكْبِيرُ وَتَحْلِيلُهَا التَّسْلِيمُ» (١). فمفتاحها الطهارة الشرعية, والتحريم الذي يدخل به فيها التكبير, والتحليل التسليم. ولهذا ذكر في حديث عائشة هنا «أنه كان يفتتح الصلاة بالتكبير»، كما في حديث علي: «تحريمها التكبير» (٢). وبعد التكبير يستفتح، قال أبو هريرة ﵁ أنه سأل النبي ﷺ قال: «أَرَأَيْتَ سُكُوتَكَ بَيْنَ التَّكْبِيرِ وَالْقِرَاءَةِ، مَا تَقُولُ بِأَبِي أَنْتَ وَأُمِّي؟ يعني أفديك بأبي وأمي، قوله: (بين التكبير والقراءة) دل على أنه يفتتح بالتكبير كما دل عليه حديث عائشة وغيره، قَالَ «أَقُولُ: اللَّهُمَّ بَاعِدْ بَيْنِي وَبَيْنَ خَطَايَايَ كَمَا بَاعَدْتَ بَيْنَ الْمَشْرِقِ وَالْمَغْرِبِ، اللَّهُمَّ نَقِّنِي مِنْ خَطَايَايَ كَمَا يُنَقَّى الثَّوْبُ الأَبْيَضُ مِنَ الدَّنَسِ، اللَّهُمَّ اغْسِلْنِي مِنْ خَطَايَايَ بِالثَّلْجِ وَالْمَاءِ وَالْبَرَدِ» (٣) , هذا نوع من الاستفتاحات

стр. 180

الصحيحة الثابتة عن رسول اللَّه ﵊. وهو وحديث ابن عباس أصح ما ورد في ذلك (١) - وهناك استفتاحات عدة صحت عن رسول اللَّه ﵊، إذا استفتح المؤمن بواحدة منها أو المؤمنة - حصل المقصود, وهذا التأسي للرجال والنساء. عليهم أن يتأسوا بالنبي ﷺ في ذلك: «صَلُّوا كَمَا رَأَيْتُمُونِي أُصَلّي» (٢). ومن ذلك أن يستفتح إذا كبر في الصلاة يستفتح, ويقول: «اللَّهُمَّ بَاعِدْ بَيْنِي وَبَيْنَ خَطَايَايَ كَمَا بَاعَدْتَ بَيْنَ الْمَشْرِقِ وَالْمَغْرِبِ، اللَّهُمَّ نَقِّنِي مِنْ خَطَايَايَ كَمَا يُنَقَّى الثَّوْبُ الأَبْيَضُ مِنَ الدَّنَسِ، اللَّهُمَّ اغْسِلْنِي مِنْ خَطَايَايَ بِالثَّلْجِ وَالْمَاءِ وَالْبَرَدِ» (٣). وهذا أصح ما ورد في استفتاحات الصلاة الفريضة. وجاء عنه ﷺ استفتاحات أخرى, منها حديث عمر وأبي سعيد،

стр. 181

وعائشة وغيرهم: أنه كان يستفتح بـ «سُبْحَانَكَ اللَّهُمَّ وَبِحَمْدِكَ تَبَارَكَ اسْمُكَ وَتَعَالَى جَدُّكَ وَلَا إِلَهَ غَيْرُكَ» (١) وهذا الاستفتاح جاء من عدة أحاديث عن عدد من الصحابة، وهو أخصرها، وهو مختصر يسهل على كل مؤمن ومؤمنة حفظه: «سُبْحَانَكَ اللَّهُمَّ وَبِحَمْدِكَ تَبَارَكَ اسْمُكَ وَتَعَالَى جَدُّكَ وَلَا إِلَهَ غَيْرُكَ»، وهو نوع من الاستفتاحات الصحيحة, ومعنى: «سبحانك اللَّهم وبحمدك» أي أنزهك تنزيهاً يليق بجلالك عن كل نقص، وعن كل عيب، «وبحمدك» أي أثني عليك. الحمد: الثناء، «وتبارك اسمك» يعني: البركة تنال بذكرك ، قد بلغت البركة النهاية ، فكل بركة فهي منه جل وعلا، تبارك اللَّه رب العالمين. «وتعالى جدك» يعني: عظمتك وكبرياؤك، جد اللَّه: عظمته؛ لأن اللَّه لم يلد ولم يولد، ليس له أبٌ ولا جد، إنما هي عظمته، تعالى جدك يعني: عظمتك، وكبرياؤك. «ولا إله غيرك» أي: لا معبود بحق سواك ، هذا معنى «لا إله»: لا معبود بحق سواك جل وعلا. هناك آلهة باطلة كثيرة: من أصنام، وأشجار، وأموات، والجن، وغير ذلك, لكنها باطلة يعبدها الناس وهي باطلة, لا تجوز عبادتهم، الإله الحق هو اللَّه رب السموات، ورب الأرض، ورب كل شيء، كما قال اللَّه: ﴿ذَلِكَ بِأَنَّ اللَّهَ هُوَ الْحَقُّ وَأَنَّ مَا يَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ هُوَ الْبَاطِلُ﴾ (٢).

стр. 182

وهناك استفتاحات أخرى، كان يستفتح بها في الليل ﵊، ولا مانع من استعمالها بالنهار، وفي كل فريضة، ومنها حديث عائشة رواه مسلم في الصحيح، كان يستفتح إذا قام من الليل: «اللَّهُمَّ رَبَّ جِبْرَائِيلَ، وَمِيكَائِيلَ، وَإِسْرَافِيلَ، فَاطِرَ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ، عَالِمَ الْغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ، أَنْتَ تَحْكُمُ بَيْنَ عِبَادِكَ فِيمَا كَانُوا فِيهِ يَخْتَلِفُونَ، اهْدِنِي لِمَا اخْتُلِفَ فِيهِ مِنَ الْحَقِّ بِإِذْنِكَ، إِنَّكَ تَهْدِي مَنْ تَشَاءُ إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ» (١)، هذا استفتاح عظيم، كان يستعمله النبي ﷺ في قيام صلاة الليل، ولا مانع من الاستفتاح به حتى في النهار: تشريعاته ﷺ تعمّ الليل والنهار في الصلاة. كذلك حديث ابن عباس في الصحيحين: كان يستفتح إذا قام في التهجد يقول: «اللَّهُمَّ لَكَ الْحَمْدُ، أَنْتَ قَيّومُ السَّمَوَاتِ وَالْأَرْضِ وَمَنْ فِيهِنَّ، وَلَكَ الْحَمْدُ، أَنْتَ ملك السَّمَوَاتِ وَالْأَرْضِ وَمَنْ فِيهِنَّ، وَلَكَ الْحَمْدُ أَنْتَ نُورُ السَّمَوَاتِ وَالْأَرْضِ وَمَنْ فِيهِنَّ، وَلَكَ الحَمْدُ أَنْتَ الْحَقُّ، وَوَعْدُكَ الْحَقُّ، وَقَوْلُكَ الْحَقُّ، وَلِقَاؤُكَ حَقُّ، وَالْجَنَّةُ حَقٌّ، وَالنَّارُ حَقٌّ، وَالسَّاعَةُ حَقٌّ، وَالنَّبِيُّونَ حَقٌّ, وَمُحَمِّدٌ حَقٌ، اللَّهُمَّ لَكَ أَسْلَمْتُ، وَبِكَ آمَنْتُ، وَعَلَيْكَ تَوَكَّلْتُ، وَإِلَيْكَ أَنَبْتً، وَبِكَ خَاصَمْتُ، وَإِلَيْكَ حَاكَمْتُ، فَاغْفِرْ لِي مَا قَدَّمْتُ، وَمَا أَخَّرْتُ، وَمَا

стр. 183

أَسْرَرْتُ، وَمَا أَعْلَنْتُ، وَمَا أَنْتَ أَعْلَمُ بِهِ مِنِّي، أَنْتَ المُقَدِّمُ، وأنْتَ المُؤَخِّرً، لَا إِلَهَ إِلَّا أَنْتَ» (١).

стр. 184

وهناك استفتاحات أخرى، فإذا استفتح الإنسان بواحد منها فيما صح عن النبي ﷺ حصلت السنة, ولكن أصحها ما تقدم عن أبي هريرة في صلاة الفريضة: «اللَّهُمَّ بَاعِدْ بَيْنِي وَبَيْنَ خَطَايَايَ كَمَا بَاعَدْتَ بَيْنَ الْمَشْرِقِ وَالْمَغْرِبِ، اللَّهُمَّ نَقِّنِي مِنَ الْخَطَايَا كَمَا يُنَقَّى الثَّوْبُ الأَبْيَضُ مِنَ الدَّنَسِ، اللَّهُمَّ اغْسِلْ خَطَايَايَ بِالْمَاءِ وَالثَّلْجِ وَالْبَرَدِ» (١)، يسأل ربه أن يطهره من الذنوب بأنواع التطهير, ويباعد بينه وبين الذنوب أشد مباعدة؛ لأن شرها عظيم, والذنوب هي سبب الخسارة والنقص والهلاك في الدنيا والآخرة؛ ولهذا كان يسأل ربه أن يباعد بينه وبينها وينقيه منها. والحديث الثاني حديث عائشة لعن النبي ﷺ : «أنه كَانَ يَسْتَفْتِحُ الصَّلاةَ بِالتَّكْبِيرِ، وَالْقِرَاءَةِ بـ ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾»، وهذا رواه مسلم في الصحيح (٢) ليس على شرط المؤلف, بل من رواية مسلم، شرط المؤلف ما اتفق عليه الشيخان, لكن هذا رواه مسلم في الصحيح، كان يفتتح الصلاة بالتكبير كما تقدم، بقوله: «اللَّه أكبر» هذا أول شيء في الصلاة، لا تنعقد إلا بهذا إذا قام بنية الصلاة

стр. 185

استقبل القبلة, يقول: «اللَّه أكبر»؛ لهذا قال النبي للمسيء في صلاته: «إذَا قُمْتَ إلَى الصَّلاةِ فَكَبِّرْ» (١) هذا أول شيء, يستفتح به مع النية «اللَّه أكبر» حال كونه طاهراً مستقبل القبلة؛ ولهذا في الحديث الصحيح: «إِذَا قُمْتَ إِلَى صَلَاتِك فَأَسْبِغِ الْوُضُوءَ، ثُمَّ اسْتَقْبِلِ الْقِبْلَةَ، ثم كَبِّرْ، ثمَّ اقْرا مَا تَيَسَّرَ لكَ مِنَ القُرْآنِ» (٢)، فكان يستفتح الصلاة بالتكبير، والقراءة بالحمد للَّه رب العالمين، وهذا يدل على أنه يُسرّ بالاستفتاح، ويُسرّ بالتعوذ والتسمية يأتي بها سراً، ولهذا [قالت عائشة ﵂] كان يستفتح الصلاة بالتكبير، والقراءة بالحمد للَّه، يعني جهراً، أما الاستفتاح والتعوذ والتسمية هذه تكون سراً. وكان إذا ركع لم ينكس رأسه، ولم يصوِّبه، إذا ركع يسوي ظهره برأسه، ما يصح رفع رأسه ولا خفضه، ولكن بين ذلك، رأسه حيال ظهره، «لم يشخصه» يعني: يرفعه، و «لم يصوبه» يعني: يخفضه، ولكنه يجعله حيال ظهره ﵊ هذه السنة، ويقول: «سُبْحَانَ رَبِّيَ الْعَظِيمِ، سُبْحَانَ رَبِّيَ الْعَظِيمِ» (٣)، «سُبْحَانَكَ اللَّهُمَّ رَبَّنَا

стр. 186

وَبِحَمْدِكَ، اللَّهُمَّ اغْفِرْ لِي» (١)، هكذا يقال في الركوع. فالواجب مرة سبحان ربي العظيم، والباقي سنة مؤكدة، ومن السنن قول: «سُبُّوحٌ قُدُّوسٌ، رَبُّ الْمَلَائِكَةِ وَالرُّوحِ» (٢)، «سُبْحَانَ ذِي الْجَبَرُوتِ وَالْمَلَكُوتِ، وَالْكِبْرِيَاءِ وَالْعَظَمَةِ» (٣)، ثم يرفع بعدما يأتي بما تيسر من الذكر بعدما يستقر ويطمئن، ويرجع كل فقار إلى مكانه، يرفع رأسه قائلاً: «سَمِعَ اللَّهُ لِمَنْ حَمِدَهُ» (٤)، هكذا يقول الإمام والمنفرد، والمأموم يقول: «رَبَّنَا وَلَكَ الْحَمْدُ» (٥) عند الرفع فإذا استوى, يقول: «مِلْءَ السَّمَوَاتِ ...» (٦) إلى آخره. والأفضل أن يقول: «رَبَّنَا وَلَكَ الْحَمْدُ حَمْدًا كَثِيرًا طَيِّبًا مُبَارَكًا

стр. 187

فِيهِ» (١) , «مِلْءَ السَّمَوَاتِ وَمِلْءَ الأَرْضِ وَمِلْءَ مَا بَيْنَهُمَاوَمِلْءَ مَا شِئْتَ مِنْ شَيْءٍ بَعْدُ» (٢)، والواجب «ربنا ولك الحمد»، أو «اللَّهم ربنا ولك الحمد»، والباقي سنة وكمال، وإن زاد «أَهْلُ الثَّنَاءِ وَالْمَجْدِ أَحَقُّ مَا قَالَ الْعَبْدُ، وَكُلُّنَا لَكَ عَبْدٌ، اللَّهُمَّ لَا مَانِعَ لِمَا أَعْطَيْتَ، وَلَا مُعْطِيَ لِمَا مَنَعْتَ، وَلَا يَنْفَعُ ذَا الْجَدِّ مِنْكَ الْجَدُّ» (٣)، هذا أكمل، كما كان يفعل ﵊. وإذا سجد اطمأن في سجوده واعتدل, حتى يرجع كل فقار إلى مكانه, وإذا رفع من السجدة الأولى اعتدل بين السجدتين ولا يعجل, مثل ما يعتدل بعد الركوع, ويطمئن ولا يعجل، وهكذا بين السجدتين يفرش رجله اليسرى, وينصب رجله اليمنى يجلس على رجله اليسرى، وينصب اليمنى، ويعتدل ولا يعجل, يقول: «سُبحانَ رَبِّيَ الأعْلَى، سُبحانَ رَبِّيَ الأعْلَى» (٤) والواجب مرة، والباقي سنة, يكرر ذلك: ثلاثاً، أو خمساً، أو أكثر: سنة، ويقول أيضاً: «سُبْحَانَكَ

стр. 188

اللَّهُمَّ رَبَّنَا وَبِحَمْدِكَ، اللَّهُمَّ اغْفِرْ لِي» (١)، «سُبُّوحٌ قُدُّوسٌ، رَبُّ الْمَلَائِكَةِ وَالرُّوحِ» (٢)، ويقول ما تيسر مع ذلك: «سُبْحَانَ ذِي الْجَبَرُوتِ وَالْمَلَكُوتِ، وَالْكِبْرِيَاءِ وَالْعَظَمَةِ» (٣) , يدعو في سجوده بما تيسر من الدعاء, وكان النبي ﷺ يدعو في السجود يقول: «اللَّهُمَّ اغْفِرْ لِي ذَنْبِي كُلَّهُ: دِقَّهُ، وَجِلَّهُ، وَأَوَّلَهُ، وَآخِرَهُ، وَعَلَانِيَتَهُ وَسِرَّهُ» (٤). وكان يقول النبي ﷺ : «أَقْرَبُ مَا يَكُونُ الْعَبْدُ مِنْ رَبِّهِ وَهُوَ سَاجِدٌ، فَأَكْثِرُوا الدُّعَاءَ» (٥). ويقول ﵊: «أَمَّا الرُّكُوعُ فَعَظِّمُوا فِيهِ الرَّبَّ، وَأَمَّا السُّجُودُ فَاجْتَهِدُوا فِي الدُّعَاءِ، فَقَمِنٌ أَنْ يُسْتَجَابَ لَكُمْ» (٦)، أي: حري أن يُستجاب لكم. «وَكَانَ يَقُولُ فِي كُلِّ رَكْعَتَيْنِ التَّحِيَّةَ» (٧)، كل ركعتين يقرأ فيهما التحيات في الفريضة، يقرأ التحيات، ثم يرفع للثالثة، ثلاثية المغرب أو

стр. 189

رباعية: الظهر، والعصر، والعشاء، يعني لها تشهُّدان، إذن هذه الصلوات الأربع فيها تشهدان بعد الركعتين, يجلس يقرأ التحيات, والأفضل يُصلِّي على النبي ﷺ , ثم ينهض في الثالثة رافعاً يديه كما يرفع يديه عند الإحرام، وعند الركوع، وعند الرفع منه، هكذا يفعل بيديه حيال منكبيه، أو حيال أُذنيه عند الإحرام، وعند الركوع، وعند الرفع منه، وعند قيامه إلى الثالثة بعد التشهد الأول، وفي النافلة يُسلِّم من كل ثنتين: «صَلَاةُ اللَّيْلِ مَثْنَى مَثْنَى» (١)، وفي اللفظ الآخر: «صَلَاةُ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ مَثْنَى مَثْنَى» (٢) , والأفضل أن يسلم من كل ثنتين, وإن أوتر في الليل بخمس، أو ثلاث سرداً فلا بأس, لكن الأفضل أن يسلم من كل ثنتين, فلا يصلي أربعاً جميعاً, ويسلم من كل ثنتين. «صلاة الليل مثنى مثنى» هذا بمعنى الأمر ورد في السنن «صلاة الليل والنهار»، فهذه الزيادة صحيحة، زيادة (النهار)، فالسنة في النهار والليل أن يصلي ثنتين ثنتين تطوعاً. وكان يفرش رجله اليسرى وينصب اليمنى» يعني بين السجدتين

стр. 190

والتشهد الأول، أما التشهد الأخير كان يتورك, يخرج رجله اليسرى من جهة اليمين، ويجلس على مقعدته, كما ثبت هذا في حديث أبي حميد في الصحيحين، وكان ينهى عن عقبة الشيطان، عقبة الشيطان، أو يقال: عقب الشيطان (١): الإقعاء يشبه إقعاء الكلب: ينصب ساقيه وفخذيه، ويعتمد على يديه على الأرض، هذه عقبة الشيطان، وهي إقعاء الكلب والسبع, لا يفعل هذا, لا يقعي كما يقعي الكلب, يعني: ينصب ساقيه وفخذيه، ويعتمد على يديه، هذا الجلوس لا, لكن يفرش اليسرى وينصب اليمنى، ويجعل يديه على فخذيه، أو ركبتيه بين السجدتين وحال التشهد, إلا أنه في حال التشهد يقبض الخنصر والبنصر من يمناه، ويشير بالسبابة، أو يقبض أصابعه كلها، ويشير بالسبابة، هكذا السنة، بين السجدتين يبسطهما على فخذيه، أو على فخذيه وركبتيه، كما ثبت هذا عن النبي ﵊. وكان يختم الصلاة بالتسليم في النهاية بالسلام، كما بدأ بالتكبير يختم بالتسليم، تقدم قوله ﷺ : «مِفْتَاحُ الصَّلَاةِ الطُّهُورُ، وَتَحْرِيمُهَا التَّكْبِيرُ، وَتَحْلِيلُهَا التَّسْلِيمُ» (٢).

стр. 191

الصلاة تبدأ بالتكبير، وتختم بالسلام, هذه الصلاة الشرعية: أقوال وأفعال، تبدأ بالتكبير، وتختم بالتسليم, هذه هي الصلاة, ومنها صلاة الجنازة, تبدأ بالتكبير، وتختم بالتسليم. ٨٨ - عن عبد اللَّه بن عمر ﵄: «أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ كَانَ يَرْفَعُ بيَدَيْهِ (١) حَذْوَ مَنْكِبَيْهِ، إذَا افْتَتَحَ الصَّلاةَ، وَإِذَا كَبَّرَ لِلرُّكُوعِ، وَإِذَا رَفَعَ رَاسَهُ مِنَ الرُّكُوعِ رَفَعَهُمَا كَذَلِكَ، وَقَالَ: سَمِعَ اللَّهُ لِمَنْ حَمِدَهُ، رَبَّنَا وَلَكَ الْحَمْدُ، وَكَانَ لا يَفْعَلُ ذَلِكَ فِي السُّجُودِ» (٢). ٨٩ - عن ابن عباس (٣) ﵄ قال:: قال: رسول اللَّه ﷺ : «أُمِرْتُ أَنْ أَسْجُدَ عَلَى سَبْعَةِ أَعْظُمٍ، عَلَى الْجَبْهَةِ ــ وَأَشَارَ بِيَدِهِ إلَى أَنْفِهِ ــ وَالْيَدَيْنِ، وَالرُّكْبَتَيْنِ، وَأَطْرَافِ الْقَدَمَيْنِ» (٤).

стр. 192

٩٠ - عن أبي هريرة ﵁ قال: «كَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ إذَا قَامَ إلَى الصَّلاةِ يُكَبِّرُ حِينَ يَقُومُ، ثُمَّ يُكَبِّرُ حِينَ يَرْكَعُ، ثُمَّ يَقُولُ: سَمِعَ اللَّهُ لِمَنْ حَمِدَهُ، حِينَ يَرْفَعُ صُلْبَهُ مِنَ الرُّكوع (١)، ثُمَّ يَقُولُ ــ وَهُوَ قَائِمٌ ــ: رَبَّنَا وَلَكَ الْحَمْدُ، ثُمَّ يُكَبِّرُ حِينَ يَهْوِي ساجداً (٢)، ثُمَّ يُكَبِّرُ حِينَ يَرْفَعُ رَاسَهُ، ثُمَّ يُكَبِّرُ حِينَ يَسْجُدُ، ثُمَّ يُكَبِّرُ حِينَ يَرْفَع رَاسَهُ، ثُمَّ يَفْعَلُ ذَلِكَ فِي صَلاتِهِ كُلِّهَا حَتَّى يَقْضِيَهَا. وَيُكَبِّرُ حِينَ يَقُومُ مِنَ الثِّنْتَيْنِ بَعْدَ الْجُلُوسِ» (٣). ١٨ - قال الشارح ﵀: هذه الأحاديث الثلاثة كلها تتعلق ببيان صفة صلاة النبي ﷺ , وقد تقدم أن الواجب على الأمة التأسي به ﵊، وأن يصلوا كما صلى؛ لقوله ﷺ : «صَلُّوا كَمَا رَأَيْتُمُونِي أُصَلّي» (٤)، ومن ذلك أنه «كَانَ يَرْفَعُ يَدَيْهِ حَيالَ مَنْكِبَيْهِ، إذا افتتح الصَّلاة، وَإِذَا كَبَّرَ لِلرُّكُوعِ،

стр. 193

وَإِذَا رَفَعَ رَاسَهُ مِنَ الرُّكُوعِ» (١)، هكذا رواه ابن عمر ﵄ عن النبي ﷺ متفق على صحته. زاد في رواية: «ويرفع يديه إذا قام من الثنتين بعد الجلوس» (٢) وهكذا جاء من حديث علي (٣) وغيره. فدلَّ ذلك على أن السنة للمصلي إماماً، أو مأموماً، أو منفرداً، أن يرفع يديه حيال منكبيه عند الإحرام، إذا كبر عند الإحرام، وإذا ركع، وإذا رفع رأسه من الركوع, وإذا قام إلى الثالثة من الثنتين. هذه أربعة مواضع, يرفع يديه فيها حيال منكبيه، أو حيال أُذنيه، جاء هذا وهذا عن النبي ﵊، وربما فعل هذا, وربما فعل هذا. ولا يفعل هذا في السجود، ما كان يرفع يديه في السجود، لا انخفاضاً ولا رفعاً، ومثل هذا في صلاة الجنازة، يرفع يديه في التكبيرات الأربع، وهو السنة في الأولى والثانية والثالثة والرابعة، يكبر رافعاً يديه حيال منكبيه، أو حيال أُذنيه كما يفعل النبي ﷺ في صلاة الفريضة. الثاني حديث ابن عباس ﵄ عن النبي ﷺ أنه قال: «أُمِرْتُ أَنْ

стр. 194

أَسْجُدَ عَلَى سَبْعَةِ أَعْظُمٍ: عَلَى الْجَبْهَةِ ــ وَأَشَارَ بِيَدِهِ إلَى أَنْفِهِ ــ وَرُكْبَتَيْهِ، وَأَطْرَافِ الْقَدَمَيْنِ، وَالْيَدَيْنِ» (١)، هذه سبعة: الوجه مع الأنف، الجبهة مع الأنف واحد، والكفين يبسطهما على الأرض ويرفع ذراعيه، والركبتين هذه خمسة، وأطراف القدمين يعني أطراف الأصابع: أصابع الرجلين, يعتمد عليها، هذا هو السنة، هذه سبعة، والسجود على الأعضاء السبعة فرض لا بد منه؛ لأن الأمر يقتضي الوجوب، «أُمِرْتُ» والأمر له أمرٌ للأمة، وقد قال ﵊: «صَلُّوا كَمَا رَأَيْتُمُونِي أُصَلّي» (٢)، فالواجب على المصلي في الفريضة والنافلة أن يسجد على سبعة الأعظم, يعني على هذه الأعضاء السبعة: وجهه: يعني جبهته وأنفه، وعلى كفيه، وعلى ركبتيه، وعلى أطراف قدميه, يعني: أصابع قدميه، وهذا للرجال والنساء جميعاً، تعمُّ الرجال والنساء جميعاً, ليس خاصاً بالرجال؛ بل هذا للجميع، وهكذا. الحديث الثالث: حديث أبي هريرة ﵁، وهو عبدالرحمن بن صخر الدوسي من دوس، يُخبِّر عن النبي ﷺ أنه كان إذا قام إلى الصلاة كبَّر أول ما يقوم، هذه تكبيرة الإحرام، وهي الأولى, هذه فريضة, لا بد منها عند جميع أهل العلم, لا بد من التكبيرة الأولى

стр. 195

بنية الصلاة: «اللَّه أكبر» ويقال لها تكبيرة الإحرام، وفي الحديث «تَحْرِيمُهَا التَّكْبِيرُ، وَتَحْلِيلُهَا التَّسْلِيمُ» (١)، وهذه لا بد منها في الفرض والنفل، ثم يكبر ثانية حين يركع، ثم يقول «سمع اللَّه لمن حمده» حين يرفع من الركوع، ثم بعد أن يستوي يقول: «ربنا ولك الحمد»، أو «اللَّهم ربنا لك الحمد» , وجاء في الأحاديث الأخرى أنّه يزيد: «مِلْءَ السَّمَوَاتِ، وَمِلْءَ الأَرْضِ، وَمِلْءَ مَا بَيْنَهُمَا، وَمِلْءَ مَا شِئْتَ مِنْ شَيْءٍ بَعْدُ ...» (٢)، وجاء في الحديث الآخر أنه يقول: ««رَبَّنَا وَلَكَ الْحَمْدُ حَمْدًا كَثِيرًا طَيِّبًا مُبَارَكًا فِيهِ» (٣) , «مِلْءَ السَّمَوَاتِ، وَمِلْءَ الأَرْضِ، وَمِلْءَ مَا بَيْنَهُمَا، وَمِلْءَ مَا شِئْتَ مِنْ شَيْءٍ بَعْدُ ...» (٤). هذا كله من كمال الحمد، والواجب: ربنا ولك الحمد, أو اللَّهم ربنا ولك الحمد, والباقي من كمال السنة، وزاد في رواية: «أَهْلَ الثَّنَاءِ وَالْمَجْدِ (يعني يا أهل الثناء والمجد) أَحَقُّ مَا قَالَ الْعَبْدُ، وَكُلُّنَا لَكَ عَبْدٌ، اللَّهُمَّ لَا مَانِعَ لِمَا أَعْطَيْتَ، وَلَا مُعْطِيَ لِمَا مَنَعْتَ، وَلَا يَنْفَعُ ذَا الْجَدِّ مِنْكَ الْجَدُّ» (٥)، كل هذا جاء عن النبي ﷺ ، حال انتصابه بعد الركوع، والمأموم والمنفرد، كذلك المأموم يأتي بهذا، إلا إذا انحط

стр. 196

الإمام ساجداً تبعه، ولو ما تمم هذا الشيء، ثم يكبر حين يهوي ساجداً, ولا يرفع يديه، يكبر دون رفع يديه، ثم يكبر حين يرفع رأسه من السجدة الأولى، ثم يكبر للسجدة الثانية، ثم يكبر حين يرفع رأسه من السجدة الثانية، وهكذا في جميع صلاته حتى يقضيها، يكبر لكل خفض ورفع, وهكذا يجب على المأمومين والمنفرد أن يصلي كما صلى النبي ﵊: «صَلُّوا كَمَا رَأَيْتُمُونِي أُصَلّي» (١). ويقول بين السجدتين: (رب اغفر لي، رب اغفر لي، رب اغفر لي، اللَّهم اغفر لي، وارحمني، واهدني واجبرني، وارزقني وعافني) يدعو ويقول في الركوع: «سبحان ربي العظيم، سبحان ربي العظيم، سبحان ربي العظيم، سبحانك اللَّهم ربنا وبحمدك، اللَّهم اغفر لي، سبوح قدوس رب الملائكة والروح، سبحان ذي الجبروت والملكوت والكبرياء والعظمة» كل هذا جاء في الركوع, وهكذا السجود يقول مثل ذلك, إلا أنه يقول في السجود: «سبحان ربي الأعلى» بدل «سبحان ربي العظيم» يقول في السجود: سبحان ربي الأعلى، سبحان ربي الأعلى، سبحان ربي الأعلى؛ فإن السجود حال ذل وانخفاض, يناسب أن يقول: سبحان ربي الأعلى. لأنه سبحانه العالي فوق خلقه، فيقول: سبحان ربي الأعلى، يكررها ثلاثاً أو أكثر، ويقول: سبحانك اللَّهم ربنا وبحمدك، اللَّهم اغفر لي، ويقول سبحان ذي الجبروت والملكوت والكبرياء والعظمة، سبوح

стр. 197

قدوس رب الملائكة والروح، يقول ما يتيسر من ذلك، ويدعو في السجود، والدعاء في السجود حري بالإجابة في الفرض والنفل؛ لقوله ﷺ : «أَقْرَبُ مَا يَكُونُ الْعَبْدُ مِنْ رَبِّهِ وَهُوَ سَاجِدٌ، فَأَكْثِرُوا الدُّعَاءَ» (١)، يستحب إكثار الدعاء في السجود, لأنه حالة خضوعٍ، وَذُلٍّ، وانكسارٍ، فناسب فيه الدعاء. ٩١ - عن مُطرِّف بن عبد اللَّه قال: «صَلَّيْتُ أَنَا وَعِمْرَانُ بْنُ حُصَيْنٍ خَلْفَ عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ (٢) ﵁. فَكَانَ إذَا سَجَدَ كَبَّرَ، وَإِذَا رَفَعَ رَاسَهُ كَبَّرَ، وَإِذَا نَهَضَ مِنَ الرَّكْعَتَيْنِ كَبَّرَ، فَلَمَّا قَضَى الصَّلاةَ أَخَذَ بِيَدِي عِمْرَانُ بْنُ حُصَيْنٍ، فَقَالَ: قَدْ ذَكَّرَنِي هَذَا صَلاةَ مُحَمَّدٍ ﷺ ، أَوْ قَالَ: صَلَّى بِنَا صَلاةَ مُحَمَّدٍ ﷺ » (٣). ٩٢ - عن البراء بن عازب ﵄ قال: «رَمَقْتُ الصَّلاةَ مَعَ مُحَمَّدٍ ﷺ ، فَوَجَدْتُ قِيَامَهُ، فَرَكْعَتَهُ، فَاعْتِدَالَهُ بَعْدَ رُكُوعِهِ، فَسَجْدَتَهُ، فَجِلْسَتَهُ بَيْنَ السَّجْدَتَيْنِ، فَسَجْدَتَهُ فَجِلْسَتَهُ مَا بَيْنَ التَّسْلِيمِ وَالانْصِرَافِ: قَرِيباً مِنَ السَّوَاءِ» (٤).

стр. 198

وفي رواية البخاري: «مَا خَلا الْقِيَامَ وَالْقُعُودَ: قَرِيباً مِنَ السَّوَاءِ» (١). ٩٣ - عن ثابت البناني عن أنس بن مالك ﵁ قال: «إنِّي لا آلُو أَنْ أُصَلِّيَ بِكُمْ كَمَا كَانَ (٢) رَسُولُ اللَّه ﷺ يُصَلِّي بِنَا ــ قَالَ ثَابِتٌ: ــ فَكَانَ أَنَسٌ يَصْنَعُ شَيْئاً لا أَرَاكُمْ تَصْنَعُونَهُ، كَانَ إذَا رَفَعَ رَاسَهُ مِنَ الرُّكُوعِ، انْتَصَبَ قَائِماً، حَتَّى يَقُولَ الْقَائِلُ: قَدْ نَسِيَ، وَإِذَا رَفَعَ رَاسَهُ مِنَ السَّجْدَةِ، مَكَثَ، حَتَّى يَقُولَ الْقَائِلُ: قَدْ نَسِيَ» (٣). ١٩ - قال الشارح ﵀: [...] (٤) ونحن مأمورون بالتأسي به, وأن نصلي كما صلى، كما قال اللَّه: ﴿لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ لِمَنْ كَانَ يَرْجُو اللَّهَ وَالْيَوْمَ الْآخِرَ وَذَكَرَ اللَّهَ كَثِيرًا﴾ (٥)، وفي صحيح البخاري ﵀ عن النبي ﵊ أنه قال: «صَلُّوا كَمَا رَأَيْتُمُونِي أُصَلّي» (٦). في حديث عمران بن حصين عن عَلِيِّ أنه كان صلى بهم مثل

стр. 199

صلاة النبي ﷺ . وَقَالَ عمران: قَدْ ذَكَّرَنِي هَذَا صَلاةَ مُحَمَّدٍ ﷺ كَانَ عليٌّ إذَا سَجَدَ كَبَّرَ، وَإِذَا رَفَعَ كَبَّرَ، وَإِذَا قام مِنَ الثنتين بعد الجلوس إلى الثالثة كَبَّرَ (١). وتقدم أن أبا هريرة ﵁ قد أخبر أن النبي ﷺ كان يكبر في كل خفض ورفع، يكبر عند الإحرام، يكبر عند الركوع وإذا رفع من الركوع قال: «سمع اللَّه لمن حمده» , وإذا هوى ساجداً كبر، وإذا رفع من السجدة كبر، وإذا سجد للثانية كبر، وإذا رفع كبر، حتى قضى صلاته ﵊ (٢). هذا هو المشروع: هذه التكبيرات تكبيرات النقل مشروعة بإجماع المسلمين: للإمام، والمأموم، والمنفرد، وإنما الخلاف في وجوبها هل تجب أم لا تجب؟ أما الأولى: تكبيرة الإحرام هذه فرض عند الجميع، وهي تكبيرة الإحرام لا تنعقد الصلاة إلا بها. وأما التكبيرات الأخرى كتكبيرة الركوع والسجود (٣): [فذهب أكثر الفقهاء إلى عدم وجوبها؛ لأن الواجب عندهم من أعمال الصلاة ما ذكر في حديث المسيء في صلاته، وهذه التكبيرات لم

стр. 200

تذكر فيه، وذهب الإمام أحمد وداود الظاهري إلى وجوب تكبيرات الانتقال مستدلين بإدامة النبي ﷺ لها وقوله: «صلوا كما رأيتموني أُصلي» وأمره في حديث المسيء] (١) (٢). وفي حديث البراء بن عازب الأنصاري ﵁ وعن أبيه قال: «رَمَقْتُ الصَّلاةَ مَعَ مُحَمَّدٍ ﷺ ، فَوَجَدْتُ قِراءتَهُ، فَرَكْعَتَهُ، فَاعْتِدَالَهُ بَعْدَ الرُّكُوعِ، فَسَجْدَتَهُ، فَجِلْسَتَهُ بَيْنَ السَّجْدَتَيْنِ، وَجِلْسَتَهُ بَيْنَ التَّسْلِيمِ وَالانْصِرَافِ: قَرِيباً مِنَ السَّوَاءِ» (٣) , وفي رواية البخاري: «ما خلا القيام والقعود» (٤)، هذا يدل على أن صلاته ﵊ كانت معتدلة متقاربة إذا طوّل في القراءة طوّل في الركوع والسجود، وإذا خفّف القراءة خفّف الركوع والسجود، لكن مع التمام, صلاته تامة, ولهذا قال أنس ﵁ فيما صح عنه: «مَا صَلَّيْتُ خَلْفَ إِمَامٍ أتَمَّ صَلَاةً وَلاً أَخَفَّ مِنْ النَّبيِّ ﷺ » (٥) , والمعنى: كانت صلاته

стр. 201

- ﵊ تخفيفاً في تمام. قوله: «ما خلا القيام والقعود» يعني القيام أطول، والقعود للتشهد أطول التشهد الأخير أطول بعض الشيء, فصلاته متقاربة، والسنة للإمام والمنفرد أن يكون هكذا, تكون صلاته متقاربة، تأسياً بالنبي ﵊ , فيعتدل في الركوع والسجود يطمئن, وهكذا الاعتدال بعد الركوع يعتدل يطمئن، وكان بين السجدتين يعتدل ويطمئن, وتكون هذه الجَلَسَاتُ مع السَّجَدَاتِ متقاربة, وهكذا قيامه من الركوع، واعتداله بعد الركوع متقارب, إن طول القيام طول في الركوع والسجود، والاعتدال بعد الركوع، والجلسة بين السجدتين, وإن لم يطوِّل في القيام فهكذا في الركوع والسجود حتى تكون الصلاة معتدلة متقاربة متناسقة, ولكن يجب الحذر من النقر والتخفيف, الذي يخل بها, هذا لا يجوز؛ لأنه خلاف الطمأنينة: والطمأنينة لا بد منها في هذه العبادة، في ركوعه وسجوده واعتداله بعد الركوع وبين السجدتين, لا بد من الطمأنينة وعدم العجلة، ولهذا ذكر أنس ﵁ أنه رأى النبي ﷺ يفعل شيئاً في الصلاة ما رأى الناس يفعلونه، ثم بين ما رأى, وهو أنه كان إذا رفع رأسه من الركوع اعتدل حتى يقول القائل: قد نسي، يعني يطول تطويلاً بيّناً, ويطمئن اطمئناناً بيِّناً, وهكذا بين السجدتين، يعتدل ولا يعجل,

стр. 202

حتى يقول القائل: قد نسي، هذا يبيّن لنا أنه كان يطول بعد الركوع وبين السجدتين حتى يفصل بين الركوع والسجود, حتى يفصل بين السجدتين فصلاً واضحاً فيه طمأنينة، وفيه اعتدال، هكذا يشرع للمسلمين أن يفعلوا، هكذا. والمأموم تبع لإمامه: إن طول إمامه طول, وإن خفف إمامه خفف, تبعاً للإمام, لكن لا يجوز له أن يصلي مع إمام ينقر الصلاة لا؛ لأن من نقرها بطلت صلاته؛ ولأنه لا يطمئن في ركوعها وسجودها؛ ولهذا لما رأى النبي رجلاً لا يطمئن في ركوعه، ولا في سجوده، أمره بالإعادة، وقال: «ارْجِعْ فَصَلِّ، فَإِنَّكَ لَمْ تُصَلِّ»، حتى فعلها «ثَلَاثًا ثم قَالَ: يا رسول اللَّه، وَالَّذِي بَعَثَكَ بِالْحَقِّ، مَا أُحْسِنُ غَيْرَ هذا فَعَلِّمْنِي، فعلمه النبي ﷺ كيف يفعل، فقَالَ: «إِذَا قُمْتَ إِلَى الصَّلَاةِ فَأَسْبِغِ الْوُضُوءَ، ثُمَّ اسْتَقْبِلْ الْقِبْلَةَ، ثمَّ كَبِّرْ، ثُمَّ اقْرَا بِمَا تَيَسَّرَ مِنَ الْقُرْآنِ»، وفي اللفظ الآخر: «ثم اقرأ بِأُمِّ الْقُرْآنِ، وبما شاء اللَّه، ثُمَّ ارْكَعْ حَتَّى تَطْمَئِنَّ رَاكِعًا، ثُمَّ ارْفَعُ حَتَّى تَعْتَدِلَ قَائِمًا، ثم اسْجُدُ حَتَّى تَطْمَئِنَّ سَاجِدًا، ثُمَّ ارْفَعُ حَتَّى تَطْمَئِنَّ جَالِسًا، ثم اسجد حتى تطمئن ساجداً، ثُمَّ افْعَلُ ذَلِكَ فِي صَلَاتِكَ كُلِّهَا» (١)، فعلمه النبي

стр. 203

كيف يصلي, وأنه لا بد من طمأنينة. ٩٤ - عن أنس بن مالك ﵁ قال: «مَا صَلَّيْتُ وَرَاءَ إمَامٍ قَطُّ أَخَفَّ صَلاةً، وَلا أَتَمَّ صّلاةً مِنْ رَسُولِ اللَّه ﷺ (١)» (٢). ٩٥ - عن أبي قلابة - عبد اللَّه بن زيد - الجرمي البصري قال: «جَاءَنَا مَالِكُ بْنُ الْحُوَيْرِثِ فِي مَسْجِدِنَا هَذَا، فَقَالَ: إنِّي لأُصَلِّي بِكُمْ، وَمَا أُرِيدُ الصَّلاةَ، أُصَلِّي كَيْفَ رَأَيْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يُصَلِّي، فَقُلْتُ لأَبِي قِلابَةَ: كَيْفَ كَانَ يُصَلِّي؟ قَالَ: مِثْلَ صَلاةِ شَيْخِنَا هَذَا، وَكَانَ يَجْلِسُ إذَا رَفَعَ رَاسَهُ مِنَ السُّجُودِ قَبْلَ أَنْ يَنْهَضَ في الركعة الأولى (٣)». أراد بشيخِهم: أَبا بُرَيد، عمرو بنَ سَلِمَة الجرمي (٤) ــ ويقال: أبو يزيد (٥). ٩٦ - عن عبد اللَّه بن مالك ــ ابن بُحينة ــ ﵁: «أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ كَانَ إذَا صَلَّى فَرَّجَ بَيْنَ يَدَيْهِ، حَتَّى يَبْدُوَ بَيَاضُ إبْطَيْهِ» (٦).

стр. 204

٢٠ - قال الشارح ﵀: هذه الأحاديث الثلاثة كلها تتعلق ببيان صفة صلاة النبي ﵊؛ لأن اللَّه شرع لنا التأسي به، بقوله جل وعلا: ﴿لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ﴾ (١)؛ ولأنه ﷺ قال: «صَلُّوا كَمَا رَأَيْتُمُونِي أُصَلّي» (٢)؛ ولهذا بين الصحابة ﵃ صفة صلاته ﵊؛ ليَعْلَمَهَا الناس؛ وليأخذوا بها, وليتأسوا به ﵊ فيها، ومن ذلك قول أنس في هذا الحديث، يقول ﵁: «مَا صَلَّيْتُ خَلْفَ أَحَدٍ أتَمَّ صَلَاةً، وَلا أَخَفَّ صَلاةً مِنَ النَّبيِّ ﵊» (٣)، يعني كانت صلاته تخفيفاً في تمام, فلم يكن يطول على الناس تطويلاً يشق عليهم, ولم يكن يعجِّل وينقر, ولكن صلاته متوسطة بين الطول المتعب وبين التقصير المخل، وهكذا ينبغي للأئمة أن يصلوا صلاة يتأسون فيها بالنبي الكريم ﵊ , فيطمئنوا ويركدوا في القراءة، والركوع، والسجود، والاعتدال بعد الركوع، والاعتدال بين السجدتين, هكذا كان ﵊ إذا ركع اطمأن حتى يرجع كل فقار إلى مكانه, ويقول: «سبحان ربي العظيم، سبحان ربي العظيم»، يكرر ذلك,

стр. 205

ويقول: «سبحانك اللَّهم ربنا وبحمدك, اللَّهم اغفر لي»، ويقول: «سبوح قدوس رب الملائكة والروح». فالمؤمن يطمئن لا يعجل: ثلاث تسبيحات, أربع تسبيحات, خمس تسبيحات, سبع تسبيحات, حول هذا مع: «سبحانك اللَّهم ربنا وبحمدك, اللَّهم اغفر لي»، مع الطمأنينة والركود, ويجعل كفيه على ركبتيه, هذا السنة, ويفرج أصابعهما على ركبتيه، هذا السنة، ويصبر ويحني ظهره حتى يستوي مع رأسه, هذا الأفضل, هذا هو الكمال، والمجزئ تسبيحة واحدة مع أدنى الركوع كونه يطيل ويطمئن طمأنينة كافية, حتى يرجع كل فقار إلى مكانه, هذا هو الكمال, وإلا فالمجزئ أقل في الطمأنينة مع الركود, وهكذا إذا اعتدل بعد الركوع، اطمأن ولم يعجل, وقد تقدم قول عائشة ﵂: أن النبي كان إذا اعتدل بعد الركوع يطيل حتى يقول القائل: قد نسي. وهكذا بين السجدتين: لا يعجل يطمئن ويعتدل, يقول: رب اغفر لي، رب اغفر لي، ويدعو، قال أنس ﵁: «كان النبي إذا جلس بين السجدتين اطمأن, حتى يقول القائل: قد نسي» (١)، وهكذا في السجود يطمئن: «سبحان ربي الأعلى، سبحان ربي الأعلى»، الواجب مرة لكن يكررها ثلاثاً, أو أكثر مع الدعاء, كان النبي ﷺ يدعو في سجوده, ويقول ﷺ : «أَمَّا الرُّكُوعُ فَعَظِّمُوا

стр. 206

فِيهِ الرَّبَّ ، وَأَمَّا السُّجُودُ فَاجْتَهِدُوا فِي الدُّعَاءِ، فَقَمِنٌ أَنْ يُسْتَجَابَ لَكُمْ» (١)، أي حري أن يستجاب لكم، ويقول ﵊: «أَقْرَبُ مَا يَكُونُ الْعَبْدُ مِنْ رَبِّهِ وَهُوَ سَاجِدٌ، فَأَكْثِرُوا الدُّعَاءَ» (٢)، و «كَانَ إِذَا سَجَدَ اعتدل في السجود وفَرَّجَ بَيْنَ يَدَيْهِ حَتَّى يَبْدُوَ بَيَاضُ إِبْطَيْهِ» كما في حديث ابن بحينة (٣) , فكان يرفع بطنه عن فخذيه, وفخذيه عن ساقيه, ويعتدل في السجود, ولا يضم بعضه إلى بعض, بل يعتدل ويجافي بعضديه عن جنبيه، وبطنه عن فخذيه، وفخذيه عن ساقيه، ويعتمد على بطون الأصابع في رجليه، ويبسط يديه على الأرض, ممدودة الأصابع ضاماً بعضها إلى بعض, ممدودة حيال منكبيه, أو حيال أُذنيه تارة وتارة, ﵊ هكذا في السجود، وكان إذا نهض إلى الرابعة من الثالثة أو من الأولى إلى الثانية، لم ينهض حتى يستوي قاعداً، [كما] في حديث مالك بن الحويرث، صلى بهم مالك مثل صلاة النبي ﷺ ، وذكر لهم أنه كان إذا نهض من السجدة الثانية جلس قليلاً، ثم ينهض إلى الرابعة, وهكذا بعد الأولى إلى الثانية, هذه تسمى عند العلماء «جلسة الاستراحة» جلسة خفيفة, ليس فيها دعاء, وليس فيها ذكر, وإنما هي

стр. 207

جلسة خفيفة مثل جلوسه بين السجدتين, فيفترش بين السجدتين، ثم ينهض، ولا يطول جلسة خفيفة صفتها في الجلوس مثل الجلسة بين السجدتين, لكن ما يطيل بها, كما يطيل في الجلسة بين السجدتين, لا جلسة خفيفة, ليس فيها ذكر ولا دعاء, ثم ينهض، بعض أهل العلم خص هذا بكبير السن والمريض, قالوا: إن الرسول فعل هذا بعدما بدُن بعدما ثقل، والصواب أنها سنة مطلقاً؛ لأنها مذكورة في صفة صلاته ﵊ لكنها خفيفة ليس فيها طول، ولا ذكر، ولا دعاء بعد الأولى, بعد الثالثة يعني بعد الأولى في كل صلاة, وبعد الثالثة في الرباعية. ٩٧ - عن أبي مسلمة - سعيد بن يزيد - قال: «سَأَلْتُ أَنَسَ بْنَ مَالِكٍ، أَكَانَ النَّبِيُّ ﷺ يُصَلِّي فِي نَعْلَيْهِ؟ قَالَ: نَعَمْ» (١). ٩٨ - عن أبي قتادة الأنصاري ﵁: «أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ كَانَ يُصَلِّي وَهُوَ حَامِلٌ أُمَامَةَ بِنْتَ زَيْنَبَ بِنْتِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ » (٢). ٩٩ - ولأبي العاص بن الربيع بن عبد شمس: «فَإِذَا سَجَدَ وَضَعَهَا، وَإِذَا قَامَ حَمَلَهَا» (٣).

стр. 208

١٠٠ - عن أنس بن مالك ﵁ عن النبي ﷺ قال: «اعْتَدِلُوا فِي السُّجُودِ، وَلا يَبْسُطْ أَحَدُكُمْ ذِرَاعَيْهِ انْبِسَاطَ الْكَلْبِ» (١). ٢١ - قال الشارح ﵀: هذه الأحاديث الثلاثة في صفة صلاة النبي ﷺ ، وسبق أن المشروع لنا هو التأسي به ﷺ في صلاته وفي قيامه وحجه وغير ذلك من شؤون العبادات؛ كما قال اللَّه : ﴿لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ لِمَنْ كَانَ يَرْجُو اللَّهَ وَالْيَوْمَ الْآخِرَ وَذَكَرَ اللَّهَ كَثِيرًا﴾ (٢)؛ ولقوله ﷺ : «صَلُّوا كَمَا رَأَيْتُمُونِي أُصَلّي» (٣)؛ فلهذا عُنِيَ الصحابة ببيان صفة صلاته ﷺ , ونقلها عنهم التابعون, ثم هكذا من أئمة الهدى, حتى وصلت إلينا, ومن ذلك حديث أنس أن النبي ﷺ كان «يُصَلِّي فِي نَعْلَيْهِ» (٤)، هذا يدل على شرعية الصلاة بالنعلين، وأنه لا حرج في ذلك, ومن هذا حديث أبي سعيد ﵁: أَنَّ النبي ﷺ «كان يصَلي ذات يومٍ فَخَلَعَ نَعْلَيْهِ، وهو في الصلاة، فَخَلَعَ النَّاسُ نِعَالَهُمْ، فَلَمَّا سلَّم سألهُم عن ذلك، قَالُوا: رَأَيْنَاكَ خَلَعْتَ نعلَيْكَ فَخَلَعْنَا

стр. 209

نِعَالَنا، قَالَ: إِنَّ جِبْرِائيلَ أَتَانِي فَأَخْبَرَنِي أَنَّ فيهِمَا قَذَراً، فخلعتهما، فَإِذَا أتَى أَحَدُكُمُ الْمَسْجِدَ، فَلْيَنْظرْ: فَإِنْ رَأَى في نعليه أذىً فَلْيَمسَحْهُ، ثُمَّ يُصَلِّي فِيهِمَا» (١)، وهذا يدل على أن من أراد الدخول في المسجد ينظر في نعليه, ويقلبها ويزيل ما بها من أذى, بحكها في التراب, إذا كان بها شيء حتى يزول ما بها من أذى, ويصلي فيها, وأنه لا حرج في ذلك، ومن ذلك: الأخفاف التي في الرجلين. لكن إذا كانت المساجد مفروشة مثل الآن, مثل ما وقع أخيراً, كانت المساجد في العهد الأول، وقبل سنوات بالحصباء أو الرمل والتراب, ليس فيها فرش, أما الآن لما فرشت فقد تتأثر بالنعال، وتتأثر بالأخفاف، فإذا تيسر أن يحفظها في محل مناسب حتى لا يؤثر على الفرش، وحتى لا يكدر على المصلين بشيء من الأوساخ, ولاسيما وأكثر الناس لا يبالون بالنعال, ولا يعتنون بها, ولا ينظرونها عند الدخول؛ فلهذا صار خلعهم لها في محل يحفظها, حتى يكون ذلك أسلم للمسجد, وهذا يكون في هذا الوقت أولى وأحوط لأمرين: أحدهما: ما حصل من الفرش التي تتأثر بكل شيء.

стр. 210

والأمر الثاني: أن أكثر الناس لا يبالي ولا يعتني, ولا يتحفظ, بل قد يدوس الأذى, ويدخل فيقذر على الناس فرشهم, وينفرهم من الصلاة في الجماعة، أما في العهد الأول كانت الفرش غير موجودة, كانوا يصلون على الحصباء والرمل, وهذه تتحمل أكثر، تتحمل من الغبار ما لا تتحمله الفرش. وفي كل حال إذا كانت سليمة فالصلاة فيها جائزة, ولا حرج فيها مطلقاً, بل هي الأفضل إذا كانت سليمة، لقوله ﷺ : «الْيَهُودَ والنصارى لَا يُصَلُّونَ فِي نِعَالِهِمْ وَلَا خِفَافِهِمْ فخَالِفُوهم» (١)، فهو من مخالفة أهل الكتاب. وفيه من الدلالة على أن الدين فيه فسحة، وأنه ليس فيه حرج, والإنسان قد يحتاج للخفين, يلبسهما في الشتاء, ويمسح عليهما, ولا يستطيع خلعهما؛ لأنه إذا خلعهما بطل وضوؤه فيصلي فيهما ولو كان فيها فرش يعتني بهما عند الدخول, ويلاحظهما عند الدخول حتى لا يكون فيهما أذى ويصلي فيهما كما فعله النبي ﷺ . والحديث الثاني: حديث أبي قتادة الحارث الربعي الأنصاري رضي اللَّه تعالى عنه: «أَنَّ النبي ﵊ كَانَ يُصَلِّي وَهُوَ حَامِلٌ

стр. 211

أُمَامَةَ بِنْتَ زَيْنَبَ بِنْتِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ » (١)، وهي ابنة أبي العاص بن الربيع بن عبد شمس، كان «إِذَا سَجَدَ وَضَعَهَا، وَإِذَا قَامَ حَمَلَهَا» (٢). هذا يدل على جواز مثل هذا في الصلاة, وأنه لا حرج أن يصلي الإنسان وهو حامل بعض أولاده, إذا سجد وضعه في الأرض, وإذا قام حمله, فعله النبي ليبين الجواز, يبين لأمته أن مثل هذا يجوز قد تدعو له الحاجة, قد تكون الأم ما عندها من يحفظ أولادها, وقد يشقون عليها ويمنعونها من الصلاة, إلا أن تحمل أحدهم, فإذا حملته أو حمله أبوه فلا بأس بذلك, يضعه عند السجود حتى يتمكن من السجود, ثم يحمله, ولكن يلاحظ بذلك أن لا يكون نجساً, يكون بدنه طاهراً وثيابه طاهرةً نظيفة حتى لا يحمل النجاسة. والثالث: حديث أنس أيضاً: أن النبي ﵊ قال: «اعْتَدِلُوا فِي السُّجُودِ، وَلا يَبْسُطْ أَحَدُكُمْ ذِرَاعَيْهِ انْبِسَاطَ الْكَلْبِ» (٣)، هذا يدل على وجوب الاعتدال في السجود, وأن يسجد على سبعة أعضاء: الجبهة والأنف، واليدين، والركبتين، وأطراف القدمين، ثم يشرع له أن يعتدل, ولكن بالتفريج بين الإبطين والعضدين وبين الفخدين وبطنه, وبين فخذيه وساقيه, حتى يكون معتدلاً: «و «كَانَ إِذَا سَجَدَ اعتدل وفَرَّجَ بَيْنَ

стр. 212

يَدَيْهِ وإِبْطَيْهِ» (١) , وبين فخذيه وبطنه, وبين فخذيه وساقيه, ويكون معتدلاً مستقيماً في السجود لا متضاماً، ولا متجمعاً، بل يعتدل ويرفع بطنه عن فخذيه، وفخذيه عن ساقيه، ويرفع ذراعيه عن الأرض، ويعتمد على كفيه، ويجافي عضديه عن جنبيه، هكذا السنة. ١٥ - باب وجوب الطمأنينة في الركوع والسجود ١٠١ - عن أبي هريرة ﵁: «أَنَّ رسول اللَّه ﷺ دَخَلَ الْمَسْجِدَ، فَدَخَلَ رَجُلٌ فَصَلَّى، ثُمَّ جَاءَ فَسَلَّمَ عَلَى النَّبِيِّ ﷺ ، فردَّ النَّبِيُّ ﷺ السَّلَامَ (٢) فَقَالَ: «ارْجِعْ فَصَلِّ، فَإِنَّك لَمْ تُصَلِّ». فَرَجَعَ الرجل (٣) فَصَلَّى كَمَا كان (٤) صَلَّى، ثُمَّ جَاءَ فَسَلَّمَ عَلَى النَّبِيِّ ﷺ ، فَقَالَ رسول اللَّه ﷺ : «وعليك السلامُ»، ثم قال (٥): «ارْجِعْ فَصَلِّ. فَإِنَّك لَمْ تُصَلِّ» ــ ثَلاثاً ــ فَقَالَ الرجل (٦): وَاَلَّذِي بَعَثَكَ بِالْحَقِّ ما أُحْسِنُ غَيْرَهُ، فَعَلِّمْنِي، فَقَالَ (٧) ﷺ : إذَا قُمْتَ إلَى الصَّلاةِ فَكَبِّرْ، ثُمَّ اقْرَا مَا تَيَسَّرَ مَعَكَ مِنَ الْقُرْآنِ، ثُمَّ ارْكَعْ حَتَّى تَطْمَئِنَّ رَاكِعاً، ثُمَّ ارْفَعْ حَتَّى تَعْتَدِلَ قَائِماً، ثُمَّ

стр. 213

اُسْجُدْ حَتَّى تَطْمَئِنَّ سَاجِداً, ثُمَّ ارْفَعْ حَتَّى تَطْمَئِنَّ جَالِساً، ثمَّ (١) افْعَلْ ذَلِكَ فِي صَلاتِكَ كُلِّهَا» (٢). ١٦ - باب القراءة في الصلاة ١٠٢ - عن عبادة بن الصامت ﵁ أن رسول اللَّه ﷺ قال: «لا صَلاةَ لِمَنْ لَمْ يَقْرَا بِفَاتِحَةِ الْكِتَابِ» (٣). ١٠٣ - عن أبي قتادة الأنصاري ﵁ قال: «كَانَ رَسُولُ اللَّه ﷺ (٤) يَقْرَأُ فِي الرَّكْعَتَيْنِ الأُولَيَيْنِ مِنِ صَلاةِ الظُّهْرِ بِفَاتِحَةِ الْكِتَابِ وَسُورَتَيْنِ، يُطَوِّلُ فِي الأُولَى، وَيُقَصِّرُ فِي الثَّانِيَةِ (٥)، وَفِي الرَّكْعَتَيْنِ الأُخْرَيَيْنِ بِأُمِّ الْكِتَابِ (٦)، وَكَانَ يُطَوِّلُ فِي الرَّكْعَةِ الأُولَى

стр. 214

في (١) صَلاةِ الصُّبْحِ، وَيُقَصِّرُ فِي الثَّانِيَةِ» (٢). ٢٢ - قال الشارح ﵀: هذه الأحاديث الثلاثة الأول منها يتعلق بالطمأنينة، والثاني والثالث يتعلقان بالقراءة في الصلاة، أما الطُّمأنينة - بضم الطاء - فهي السكون في الصلاة, والخشوع فيها, والاعتدال, يقال: اطمأن يطمئن طمأنينة واطمئناناً، إذا ركد واعتدل، وسكنت حركاته, هذا هو الواجب في الصلاة, بل فرض وركن أن يطمئن في صلاته, ولا يعجل, ولا ينقرها في ركوعها وسجودها, وهكذا في الاعتدال بعد الركوع, وهكذا بين السجدتين, هذا من أهم أركان الصلاة؛ ولهذا لما رأى النبي ﷺ رجلاً لم يطمئن, قال له ﵊: «ارجع فصل». حتى فعلها ثلاث مرات، ردده النبي ﷺ , حتى يطمئن, حتى ينتبه, حتى

стр. 215

يعرف أخطاءه وأغلاطه, وحتى يكون ذلك أكمل في التعليم، وأرسخ في القلب, ففعل الرجل وذهب, وصلى ثم عاد, ثم ذهب وصلى ثم عاد, فلما رأى أنه لم يصل كما أمره النبي ﷺ قال: «والذي بعثك بالحق لا أُحسن غير هذا, فعلمني»، فاسترشد وطلب أن يُعَلم بعد الثلاث, فعلمه النبي ﷺ , وقال: «إذا قمت إلى الصلاة فكبر» , وفي رواية أخرى: «فأسبغ الوضوء, ثم استقبل القبلة, ثم كبر ثم اقرأ ما تيسر معك من القرآن» وفي اللفظ الآخر: «ثم اقرأ بِأُمِّ الْقُرْآنِ، وبما شاء اللَّه، ثُمَّ ارْكَعْ حَتَّى تَطْمَئِنَّ رَاكِعًا، ثُمَّ ارْفَعُ حَتَّى تَعْتَدِلَ قَائِمًا، ثم اسْجُدُ حَتَّى تَطْمَئِنَّ سَاجِدًا، ثُمَّ ارْفَعُ حَتَّى تَطْمَئِنَّ جَالِسًا، ثم اسجد حتى تطمئن ساجداً، ثُمَّ افْعَلْ ذَلِكَ فِي صَلَاتِكَ كُلِّهَا» (١)، هكذا علمه النبي ﷺ ، وفيه: أن الرجل كان كلما جاء سلم والنبي ﵊ يرد عليه، ثم يقول له: «ارجع فصل» , فهذا الحديث فيه فوائد: الفائدة الأولى: تعليم الجاهل، والإنكار عليه, وأن لا يُترك على جهله، وأن العالم وطالب العلم إذا رأى أخاه قد أخل بشيء من أمور دينه يعلمه، ولا يسكت, بل يعلمه ويرشده. والفائدة الثانية: الرفق وعدم الشدة والعنف، فالرسول ما عنَّف عليه، وما سبَّه ﵊؛ بل علّمه برفق. الفائدة الثالثة: أنه يكرر لعله ينتبه, يكرر عليه إذا كان حاله
следующие страницы →