← Шархи хадиса

Шархи хадиса · id 13282

الإفهام في شرح عمدة الأحكام

ابن باز

Полный текст (893 стр.). Показаны 211–250 · переход к 216.

стр. 211

أُمَامَةَ بِنْتَ زَيْنَبَ بِنْتِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ » (١)، وهي ابنة أبي العاص بن الربيع بن عبد شمس، كان «إِذَا سَجَدَ وَضَعَهَا، وَإِذَا قَامَ حَمَلَهَا» (٢). هذا يدل على جواز مثل هذا في الصلاة, وأنه لا حرج أن يصلي الإنسان وهو حامل بعض أولاده, إذا سجد وضعه في الأرض, وإذا قام حمله, فعله النبي ليبين الجواز, يبين لأمته أن مثل هذا يجوز قد تدعو له الحاجة, قد تكون الأم ما عندها من يحفظ أولادها, وقد يشقون عليها ويمنعونها من الصلاة, إلا أن تحمل أحدهم, فإذا حملته أو حمله أبوه فلا بأس بذلك, يضعه عند السجود حتى يتمكن من السجود, ثم يحمله, ولكن يلاحظ بذلك أن لا يكون نجساً, يكون بدنه طاهراً وثيابه طاهرةً نظيفة حتى لا يحمل النجاسة. والثالث: حديث أنس أيضاً: أن النبي ﵊ قال: «اعْتَدِلُوا فِي السُّجُودِ، وَلا يَبْسُطْ أَحَدُكُمْ ذِرَاعَيْهِ انْبِسَاطَ الْكَلْبِ» (٣)، هذا يدل على وجوب الاعتدال في السجود, وأن يسجد على سبعة أعضاء: الجبهة والأنف، واليدين، والركبتين، وأطراف القدمين، ثم يشرع له أن يعتدل, ولكن بالتفريج بين الإبطين والعضدين وبين الفخدين وبطنه, وبين فخذيه وساقيه, حتى يكون معتدلاً: «و «كَانَ إِذَا سَجَدَ اعتدل وفَرَّجَ بَيْنَ

стр. 212

يَدَيْهِ وإِبْطَيْهِ» (١) , وبين فخذيه وبطنه, وبين فخذيه وساقيه, ويكون معتدلاً مستقيماً في السجود لا متضاماً، ولا متجمعاً، بل يعتدل ويرفع بطنه عن فخذيه، وفخذيه عن ساقيه، ويرفع ذراعيه عن الأرض، ويعتمد على كفيه، ويجافي عضديه عن جنبيه، هكذا السنة. ١٥ - باب وجوب الطمأنينة في الركوع والسجود ١٠١ - عن أبي هريرة ﵁: «أَنَّ رسول اللَّه ﷺ دَخَلَ الْمَسْجِدَ، فَدَخَلَ رَجُلٌ فَصَلَّى، ثُمَّ جَاءَ فَسَلَّمَ عَلَى النَّبِيِّ ﷺ ، فردَّ النَّبِيُّ ﷺ السَّلَامَ (٢) فَقَالَ: «ارْجِعْ فَصَلِّ، فَإِنَّك لَمْ تُصَلِّ». فَرَجَعَ الرجل (٣) فَصَلَّى كَمَا كان (٤) صَلَّى، ثُمَّ جَاءَ فَسَلَّمَ عَلَى النَّبِيِّ ﷺ ، فَقَالَ رسول اللَّه ﷺ : «وعليك السلامُ»، ثم قال (٥): «ارْجِعْ فَصَلِّ. فَإِنَّك لَمْ تُصَلِّ» ــ ثَلاثاً ــ فَقَالَ الرجل (٦): وَاَلَّذِي بَعَثَكَ بِالْحَقِّ ما أُحْسِنُ غَيْرَهُ، فَعَلِّمْنِي، فَقَالَ (٧) ﷺ : إذَا قُمْتَ إلَى الصَّلاةِ فَكَبِّرْ، ثُمَّ اقْرَا مَا تَيَسَّرَ مَعَكَ مِنَ الْقُرْآنِ، ثُمَّ ارْكَعْ حَتَّى تَطْمَئِنَّ رَاكِعاً، ثُمَّ ارْفَعْ حَتَّى تَعْتَدِلَ قَائِماً، ثُمَّ

стр. 213

اُسْجُدْ حَتَّى تَطْمَئِنَّ سَاجِداً, ثُمَّ ارْفَعْ حَتَّى تَطْمَئِنَّ جَالِساً، ثمَّ (١) افْعَلْ ذَلِكَ فِي صَلاتِكَ كُلِّهَا» (٢). ١٦ - باب القراءة في الصلاة ١٠٢ - عن عبادة بن الصامت ﵁ أن رسول اللَّه ﷺ قال: «لا صَلاةَ لِمَنْ لَمْ يَقْرَا بِفَاتِحَةِ الْكِتَابِ» (٣). ١٠٣ - عن أبي قتادة الأنصاري ﵁ قال: «كَانَ رَسُولُ اللَّه ﷺ (٤) يَقْرَأُ فِي الرَّكْعَتَيْنِ الأُولَيَيْنِ مِنِ صَلاةِ الظُّهْرِ بِفَاتِحَةِ الْكِتَابِ وَسُورَتَيْنِ، يُطَوِّلُ فِي الأُولَى، وَيُقَصِّرُ فِي الثَّانِيَةِ (٥)، وَفِي الرَّكْعَتَيْنِ الأُخْرَيَيْنِ بِأُمِّ الْكِتَابِ (٦)، وَكَانَ يُطَوِّلُ فِي الرَّكْعَةِ الأُولَى

стр. 214

في (١) صَلاةِ الصُّبْحِ، وَيُقَصِّرُ فِي الثَّانِيَةِ» (٢). ٢٢ - قال الشارح ﵀: هذه الأحاديث الثلاثة الأول منها يتعلق بالطمأنينة، والثاني والثالث يتعلقان بالقراءة في الصلاة، أما الطُّمأنينة - بضم الطاء - فهي السكون في الصلاة, والخشوع فيها, والاعتدال, يقال: اطمأن يطمئن طمأنينة واطمئناناً، إذا ركد واعتدل، وسكنت حركاته, هذا هو الواجب في الصلاة, بل فرض وركن أن يطمئن في صلاته, ولا يعجل, ولا ينقرها في ركوعها وسجودها, وهكذا في الاعتدال بعد الركوع, وهكذا بين السجدتين, هذا من أهم أركان الصلاة؛ ولهذا لما رأى النبي ﷺ رجلاً لم يطمئن, قال له ﵊: «ارجع فصل». حتى فعلها ثلاث مرات، ردده النبي ﷺ , حتى يطمئن, حتى ينتبه, حتى

стр. 215

يعرف أخطاءه وأغلاطه, وحتى يكون ذلك أكمل في التعليم، وأرسخ في القلب, ففعل الرجل وذهب, وصلى ثم عاد, ثم ذهب وصلى ثم عاد, فلما رأى أنه لم يصل كما أمره النبي ﷺ قال: «والذي بعثك بالحق لا أُحسن غير هذا, فعلمني»، فاسترشد وطلب أن يُعَلم بعد الثلاث, فعلمه النبي ﷺ , وقال: «إذا قمت إلى الصلاة فكبر» , وفي رواية أخرى: «فأسبغ الوضوء, ثم استقبل القبلة, ثم كبر ثم اقرأ ما تيسر معك من القرآن» وفي اللفظ الآخر: «ثم اقرأ بِأُمِّ الْقُرْآنِ، وبما شاء اللَّه، ثُمَّ ارْكَعْ حَتَّى تَطْمَئِنَّ رَاكِعًا، ثُمَّ ارْفَعُ حَتَّى تَعْتَدِلَ قَائِمًا، ثم اسْجُدُ حَتَّى تَطْمَئِنَّ سَاجِدًا، ثُمَّ ارْفَعُ حَتَّى تَطْمَئِنَّ جَالِسًا، ثم اسجد حتى تطمئن ساجداً، ثُمَّ افْعَلْ ذَلِكَ فِي صَلَاتِكَ كُلِّهَا» (١)، هكذا علمه النبي ﷺ ، وفيه: أن الرجل كان كلما جاء سلم والنبي ﵊ يرد عليه، ثم يقول له: «ارجع فصل» , فهذا الحديث فيه فوائد: الفائدة الأولى: تعليم الجاهل، والإنكار عليه, وأن لا يُترك على جهله، وأن العالم وطالب العلم إذا رأى أخاه قد أخل بشيء من أمور دينه يعلمه، ولا يسكت, بل يعلمه ويرشده. والفائدة الثانية: الرفق وعدم الشدة والعنف، فالرسول ما عنَّف عليه، وما سبَّه ﵊؛ بل علّمه برفق. الفائدة الثالثة: أنه يكرر لعله ينتبه, يكرر عليه إذا كان حاله

стр. 216

تحتاج إلى أن يكرر الفعل, أو أن يكرر القول, حتى يفهمه, كرره عليه حتى يفهمه. الرابعة: أنه إذا سلم الإنسان يرد عليه, وإذا عاد وسلَّم يرد عليه, وإذا عاد وسلَّم يرد عليه, ولو ما راح بعيداً, ولو أنه قريب, ولو أنه يراه؛ لأن الرجل كلما عاد سلم، راح فصلى، ثم عاد فصلى، والنبي ﷺ ينظر إليه، فهو عند النبي ﷺ ليس ببعيد, يراه وينظر أنه لم يطمئن, فدل ذلك على أنه إذا شغل بالصلاة، أو بشيء آخر، ثم عاد فسلم يرد عليه, وهكذا جاء في الحديث: «إذا سلم أحدكم على أخيه, ثم حال بينهما جدار أو شجر أو حجر, ثم لقيه فليسلم عليه» (١)، السلام كله خير، وكله مما يُكسب المودة والأُلفة. وفيه من الفوائد: أن الطمأنينة لا بد منها, وأنها إذا فُقدت بطلت الصلاة؛ ولهذا أمره النبي ﷺ بالإعادة, فلا بد أن يطمئن في ركوعه، وسجوده, واعتداله بين السجدتين, واعتداله بعد الركوع، والطمأنينة: السكون والركود حتى يرجع كل فقار إلى مكانه، ترجع العظام والمفاصل إلى محالها ومواضعها, فإذا ركع اعتدل واستوى, حتى تهدأ أعضاؤه، ويرجع كل فقار إلى مكانه، وإذا رفع من الركوع

стр. 217

اعتدل واستقام حتى يرجع كل فقار إلى مكانه، وهكذا إذا سجد, وهكذا إذا جلس بين السجدتين, يطمئن ولا يعجل, حتى يرجع كل فقار إلى مكانه, فمتى فعل هذا فقد أدى الواجب، وإذا أخل بهذا بطلت صلاته، فالطمأنينة فرض لا بد منه. وفي الحديث الثاني: الدلالة على أنه لا بد من قراءة الفاتحة, ولهذا قال ﷺ : «لا صَلاةَ لِمَنْ لَمْ يَقْرَا بِفَاتِحَةِ الْكِتَابِ» (١) , وهذا يعم الإمام والمأموم والمنفرد جميعاً، وقال بعض أهل العلم: إن المأموم ليس عليه فرض, بل هو تابع لإمامه، والصواب أنه يعمه, وأنه يلزمه القراءة إلا إذا فاتته القراءة، بأن جاء والإمام راكع، سقطت عنه, أو سها عنها, أو اجتهد, فرأى أنها لا تجب عليه, أو قال بقول من قال لا تجب عليه إن كان له عذر سقطت عنه, وإلا فالواجب أنه يقرأ الفاتحة، ولو في الجهرية، يقرؤها ثم ينصت, لعموم الحديث؛ لأن الرسول ﷺ قال: «لا صَلاةَ لِمَنْ لَمْ يَقْرَا بِفَاتِحَةِ الْكِتَابِ» (٢) , ولم يقل إلا المأموم مستثنى, وفي اللفظ الآخر قال ﵊: «لَعَلَّكُمْ تَقْرَؤُونَ خَلْفَ إِمَامِكُمْ؟». قُلْنَا: نَعَمْ، قَالَ «لَا تَفْعَلُوا إِلَاّ بِفَاتِحَةِ الْكِتَابِ؛ فَإِنَّهُ لَا صَلَاةَ لِمَنْ لَمْ يَقْرَا بِهَا» (٣)، وهذا صريح في وجوبها على المأموم.

стр. 218

والحديث الثالث: يدل على أنه يقرأ في الركعتين الأوليين أطول من الركعتين الأخريين، وكان في صلاة الظهر والعصر يقرأ بسورة الفاتحة وسورتين, يطول في الأولى، ويقصر في الثانية، يخفف العصر على النصف من الظهر, كما في حديث أبي سعيد، ويقرأ في الأخريين بفاتحة الكتاب، وهكذا في العصر فاتحة الكتاب، وهكذا الثالثة في المغرب، وهكذا الثالثة والرابعة في العشاء, يقرأ بفاتحة الكتاب, وإن قرأ زيادة في الظهر بعض الأحيان فحسن؛ لأن الرسول كان يقرأ فيها بعض الأحيان زيادة على فاتحة الكتاب في الثالثة والرابعة في الظهر، كما في حديث أبي سعيد: أنه كان «يقرأ فِي الأُخْرَيَيْنِ عَلَى النِّصْفِ» (١) , هذا يدل على أنه يقرأ الفاتحة، وزيادة معها في بعض الأحيان ﵊. وكان يطول في صلاة الصبح أكثر من بقية الصلوات، ثبت عنه أنه كان يقرأ بالستين إلى المائة آية يقرأ بـ «ق» ونحوها، كـ «الذاريات»، «الطور»، وربما قرأ بأقل من ذلك كـ «المرسلات»، و «التكوير» , فالسنة أن يطيل في الصبح في بعض الأحيان، ويخفف بعض الشيء في بعض الأحيان, تأسياً بالنبي ﵊. والمغرب تارة وتارة، قد يقرأ بـ «الطور» , وتارة بالوسط, وتارة

стр. 219

بالقصار، فقد قرأ ﷺ بـ «الطور» (١) , [و] قرأ فيها بـ «الأعراف» (٢) , [و] قرأ فيها بـ «المرسلات» (٣) , وقرأ ﵊ فيها بقصار المفصل (٤)، فالإمام لا يلزم حالة واحدة، بل تارة بقصار المفصل مثل «الزلزلة»، و «القارعة»، و «ألهاكم»، و «العصر» وأشباهها، وتارة بأطول من ذلك كـ «البلد»، و «الضحى»، و «الليل إذا يغشى»، و «الشمس وضحاها»، و «الطارق»، و «الانفطار» وأشباهها، وتارة

стр. 220

بأطول من ذلك بـ «المرسلات»، و «القيامة»، و «المدثر»، و «المزمل»، و «الطور»، وما أشبه ذلك, هكذا سنته ﵊، فالإمام يتحرى سنة النبي ﷺ ، هذا الميزان، الميزان فعله ﷺ , هو الميزان يتحرى الإمام فعل النبي ﷺ في الصلوات، يتحرّاه أو ما يقارب ذلك، ويدنو من ذلك؛ حرصاً على اتباع سنته, والموافقة له في فعله ﵊، عملاً بقول اللَّه : ﴿لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ﴾ (١)، وعملاً بقول النبي ﷺ : «صَلُّوا كَمَا رَأَيْتُمُونِي أُصَلّي» (٢)، اللَّهم صلِّ وسلم على رسولك (٣). ١٠٤ - عن جبير (٤) بن مطعم ﵁ قال: «سَمِعْتُ النَّبِيَّ ﷺ يَقْرَأُ فِي الْمَغْرِبِ بِالطُّورِ» (٥). ١٠٥ - عن البراء بن عازب ﵄: «أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ كَانَ فِي سَفَرٍ، فَصَلَّى الْعِشَاءَ الآخِرَةَ، فَقَرَأَ فِي إحْدَى الرَّكْعَتَيْنِ بِـ (التِّينِ وَالزَّيْتُونِ) فَمَا سَمِعْتُ أَحَداً أَحْسَنَ صَوْتاً - أَوْ قِرَاءَةً - مِنْهُ ﷺ » (٦).

стр. 221

١٠٦ - عن عائشة ﵂: «أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ بَعَثَ رَجُلاً عَلَى سَرِيَّةٍ. فَكَانَ يَقْرَأُ لأَصْحَابِهِ فِي صَلاتِهِمْ، فَيَخْتِمُ بـ (قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ) فَلَمَّا رَجَعُوا ذَكَرُوا ذَلِكَ لِرَسُولِ اللهِ ﷺ . فَقَالَ: «سَلُوهُ لأَيِّ شَيْءٍ يصْنَعُ ذَلِكَ؟» فَسَأَلُوهُ فَقَالَ: لأَنَّهَا صِفَةُ الرَّحْمنِ ، فَأَنَا أُحِبُّ أَنْ أَقْرَأَ بِهَا، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : «أَخْبِرُوهُ: أَنَّ اللهَ تَعَالَى يُحِبُّهُ» (١). ١٠٧ - عن جابر ﵁: أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَالَ لِمُعَاذٍ: «فَلَوْلا صَلَّيْتَ بـ (ِسَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ الأَعْلَى)، (وَالشَّمْسِ وَضُحَاهَا)، (وَاللَّيْلِ إذَا يَغْشَى)؟ فَإِنَّهُ يُصَلِّي وَرَاءَكَ الْكَبِيرُ، وَالضَّعِيفُ، وَذُو الْحَاجَةِ» (٢). ٢٣ - قال الشارح ﵀: هذه الأحاديث الأربعة كلها تتعلق بالقراءة في الصلاة. والقراءة في الصلاة تلقاها المسلمون عن نبيهم ﷺ ، وهي متفاوتة في الصلاة، وهو ﷺ كان لا يلزم حالة واحدة, بل ربما طول، وربما قصَّر، وربما توسط, هكذا ينبغي للأئمة أن تكون قراءتهم هكذا, متحرين فيها صلاته ﷺ وقراءته؛ لأنه هو الأسوة ﵊ , وقد قال اللَّه :

стр. 222

﴿لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ﴾ (١)، والنبي ﷺ قال: «صَلُّوا كَمَا رَأَيْتُمُونِي أُصَلّي» (٢)، فالمؤمن يتحرى في ذلك صلاته ﷺ ، الإمام والمنفرد، أما المأموم فتبع لإمامه؛ ولهذا ثبت عنه ﷺ أنه قرأ في المغرب بـ (الطور)، في حديث جبير بن مطعم، قال: «سَمِعْتُ النَّبِيَّ ﷺ يَقْرَأُ فِي الْمَغْرِبِ بِالطُّورِ» (٣) , وكان هذا في آخر سنة اثنتين من الهجرة, لما قدم جبير من جهة أسرى بدر، قدم المدينة من أجل الأسرى، وثبت عنه في حديث زيد بن ثابت، وحديث عائشة أنه قرأ بـ (الأعراف) , قسمها في ركعتين (٤)، وثبت في حديث أم الفضل عن ابن عباس أنه قرأ في المغرب بـ (المرسلات) (٥) , وجاء عن ابن عمر أنه قرأ فيها بـ (قل يا أيها الكافرون)، و (قل هو اللَّه أحد) (٦)، وجاء

стр. 223

في حديث أبي هريرة أنه قرأ فيها بقصار المفصل (١) , فدل ذلك على أنه كان لا يلزم حالة واحدة, بل تارة يطيل، وتارة يقصر، وتارة يتوسط, وهكذا في الظهر, وربما أطال, وربما قرأ فيها بنحو قراءة الفجر, وربما قرأ فيها بأخف من ذلك: كـ (الليل إذا يغشى) و (اقرأ باسم ربك)، وبـ (الشمس وضحاها) , والعصر أخف من ذلك, أخف من الظهر، والعشاء كذلك: كالظهر يقرأ فيها بأوساط المفصل, مثل ما قال النبي ﷺ لمعاذ: «لولا قرأت بـ (سبح اسم ربك الأعلى) و (الشمس وضحاها) و (الليل إذا يغشى)» (٢) , وفي الرواية الأخرى: «و (اقرأ باسم ربك)» (٣) , وكان معاذ يصلي بأصحابه العشاء, وكان

стр. 224

يطول عليهم فزجره النبي عن هذا، وقال: «أفتان يا معاذ»، وأمره أن يختصر وأن يقرأ في العشاء بهذه السور من أوساط المفصل، مثل (سبح)، و (الغاشية)، و (الشمس وضحاها) و (اقرأ باسم ربك) و (البروج) و (الطارق)، وأشباهها (١)، أما الفجر فكان يطول فيها ﷺ ويقرأ فيها بالستين إلى المائة آية, وربما قرأ فيها بـ (ق) (٢)، فالسنة

стр. 225

فيها التطويل، وربما قرأ فيها بالقصار, كما ثبت في سنن أبي داود أنه قرأ في الفجر بـ (إذا زلزلت) كررها مرتين (١) , وهذا في بعض الأحيان, والغالب عليه أنه يطول في الفجر ﵊، وفي حديث البراء الدلالة على أن الرسول ﷺ ربما قرأ في العشاء بأقل من الأوساط كـ (التين والزيتون)؛ لأنه قرأ فيها بالتين والزيتون. وقال البراء: «فَمَا سَمِعْتُ أَحَدًا أَحْسَنَ صَوْتًا، وَلَا أحْسَنَ قِرَاءَةً مِنْهُ ﵊» (٢)، دل على أنه في بعض العشاء لا مانع أن يخفف بعض الأحيان, فيقرأ فيها بالقصار مثل سورة (والتين)، وسورة (ألهاكم)، و (القارعة) , وما أشبهها لا بأس. وفي حديث عائشة ﵂ أن جماعة من الأنصار جعلوا عليهم إماماً, فكان يصلي بهم ويختم بـ (قل هو اللَّه أحد)، يقرأ الفاتحة وسورة معها, ثم يقرأ بـ (قل هو اللَّه أحد) زيادة, وربما قرأ (قل هو اللَّه أحد) أولاً، ثم قرأ بعدها زيادة سورة أخرى، فسألوه: قالوا: لماذا لا تكتفي بـ (قل هو اللَّه أحد)، أو بما قرأت معها، قال: أنا أحب أن أقرأ هذه السورة, فإن شئتم أممتكم, وإلا فالتمسوا غيري، فكرهوا أن

стр. 226

يؤمهم غيره، كانوا يرونه أقرأهم, فاشتكوه إلى النبي ﷺ فقال: اسألُوهُ لماذا يَقْرأ: (قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ) مع غيرها، ولم يكتفِ بهَا، فَسَأَلُوهُ قَالَ: لأَنَّهَا صِفَةُ الرَّحْمنِ، وَأَنَا أُحِبُّ أَنْ أَقْرَأَهَا، فَقَالَ ﵊: «أَخْبِرُوهُ أَنَّ اللَّهَ يُحِبُّهُ» (١)، يعني كما أحب أسماءه وصفاته، وفي اللفظ الآخر قال: «حُبُّكَ إِيَّاهَا أَدْخَلَكَ الْجَنَّةَ» (٢) , هذا يدل على أنه يجوز أن يقرأ في الركعة سورتين أو أكثر، لا بأس من قرأ (الفاتحة)، وقرأ بعدها (والسماء ذات البروج)، أو قرأ (والسماء والطارق) أو قرأ فيها بـ (إذا زلزلت)، و (العاديات)، و (القارعة) لا حرج، هذا الإمام الذي قرأ (قل هو اللَّه أحد)، ثم معها زيادة لا بأس بذلك، وكان النبي ﷺ في الغالب يقرأ سورة واحدة مع الفاتحة، وجاء عن ابن مسعود ما يدل على أنه ربما قرأ ثنتين (٣)، فالأمر في هذا واسع، كما فعله

стр. 227

الإمام الأنصاري هنا، فإذا قرأ الإمام بالفاتحة, وقرأ معها آيات وسورة (قل هو اللَّه أحد)، أو قرأ (قل هو اللَّه أحد) وسورة أخرى، أو سورتين غير ذلك، فالأمر في هذا واسع, لأنه تعالى قال: ﴿فَاقْرَءُوا مَا تَيَسَّرَ مِنْهُ﴾ (١). والنبي ﷺ قال: «ثُمَّ اقْرَا بمَا تَيَسَّرَ مَعَكَ مِنَ الْقُرْآنِ» (٢)، لكن [قراءة] سورة مستقلة مع الفاتحة اقتداءً به ﷺ في الأغلب أفضل، وإذا قرأ بعض الأحيان بسورتين، سورة وآيات مع الفاتحة, كل ذلك لا بأس فيه، ولا حرج فيه, ولا كراهة فيه, والحمد للَّه. ١٧ - بابُ تركِ الجَهرِ ببسمِ اللَّه الرَّحمنِ الرَّحيمِ ١٠٨ - عن أنسِ بنِ مالك ﵁، «أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ ، وَأَبَا بَكْرٍ، وَعُمَرَ ﵄: كَانُوا يَفْتَتِحُونَ الصَّلاةَ بِـ (الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ)» (٣). وَفِي رِوَايَةٍ: «صَلَّيْتُ مَعَ أَبِي بَكْرٍ، وَعُمَرَ، وَعُثْمَانَ، فَلَمْ أَسْمَعْ أَحَدًا مِنْهُمْ يَقْرَأُ (بِسْمِ اللهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ)» (٤). ١٠٩ - ولمسلِمٍ: «صَلَّيْتُ خَلْفَ النَّبِيِّ ﷺ ، وَأَبِي بَكْرٍ، وَعُمَرَ،

стр. 228

وَعُثْمَانَ ﵃، فَكَانُوا يَسْتَفْتِحُونَ الصلاة (١) بِـ (الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ) , لا يَذْكُرُونَ (بِسْمِ اللهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ) فِي أَوَّلِ قِرَاءَةٍ، وَلا فِي (٢) آخِرِهَا» (٣). ١٨ - بابُ سجودِ السَّهو ١١٠ - عن محمد بن سيرين عن أبي هريرة ﵁ قال: «صَلَّى بِنَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ إحْدَى صَلاتَيِ الْعَشِيِّ ــ قَالَ ابْنُ سِيرِينَ: وَسَمَّاهَا أَبُو هُرَيْرَةَ، وَلَكِنْ نَسِيتُ أَنَا ــ قَالَ: فَصَلَّى بِنَا رَكْعَتَيْنِ، ثُمَّ سَلَّمَ، فَقَامَ إلَى خَشَبَةٍ مَعْرُوضَةٍ فِي الْمَسْجِدِ، فَاتَّكَأَ عَلَيْهَا كَأَنَّهُ غَضْبَانُ، وَوَضَعَ يَدَهُ الْيُمْنَى عَلَى الْيُسْرَى، وَشَبَّكَ بَيْنَ أَصَابِعِهِ، ووضع خده الأيمن على ظهر كفه اليسرى (٤)، وَخَرَجَتِ السَّرَعَانُ مِنِ أَبْوَابِ الْمَسْجِدِ، فَقَالُوا: قُصِرَتِ الصَّلاةُ؟ وَفِي الْقَوْمِ أَبُو بَكْرٍ، وَعُمَرُ ــ فَهَابَا أَنْ يُكَلِّمَاهُ ــ وَفِي الْقَوْمِ رَجُلٌ فِي يَدَيْهِ طُولٌ، يُقَالُ لَهُ: ذُو الْيَدَيْنِ ــ قَالَ (٥): يَا رَسُولَ اللَّهِ، أَنَسِيتَ أَمْ قُصِرَتِ الصَّلاةُ؟ قَالَ: «لَمْ أَنْسَ وَلَمْ تُقْصَرْ». فَقَالَ: «أَكَمَا يَقُولُ ذُو الْيَدَيْنِ؟» قَالُوا (٦): نَعَمْ، فَتَقَدَّمَ فَصَلَّى مَا تَرَكَ، ثُمَّ سَلَّمَ، ثُمَّ

стр. 229

كَبَّرَ وَسَجَدَ مِثْلَ سُجُودِهِ، أَوْ أَطْوَلَ، ثُمَّ رَفَعَ رَاسَهُ فَكَبَّرَ، ثُمَّ كَبَّرَ وَسَجَدَ مِثْلَ سُجُودِهِ، أَوْ أَطْوَلَ، ثُمَّ رَفَعَ رَاسَهُ وَكَبَّرَ، فَرُبَّمَا سَأَلُوهُ، ثُمَّ سَلَّمَ؟ قَالَ (١): فَنُبِّئْتُ: أَنَّ عِمْرَانَ بْنَ حُصَيْنٍ قَالَ: ثُمَّ سَلَّمَ» (٢). العشي (٣): ما بين زوال الشمس إلى غروبها، قال اللَّه تعالى: ﴿وَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ بِالْعَشِيِّ وَالْإِبْكَارِ﴾ (٤). ١١١ - عن عبد اللَّه بن بحينة ــ وكان من أصحاب النبي ﷺ ــ «أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ صَلَّى بِهِمُ الظُّهْرَ، فَقَامَ فِي الرَّكْعَتَيْنِ الأُولَيَيْنِ، وَلَمْ يَجْلِسْ، فَقَامَ النَّاسُ مَعَهُ، حَتَّى إذَا قَضَى الصَّلاةَ، وَانْتَظَرَ النَّاسُ تَسْلِيمَهُ، كَبَّرَ ــ وَهُوَ جَالِسٌ ــ فَسَجَدَ سَجْدَتَيْنِ، قَبْلَ أَنْ يُسَلِّمَ ثُمَّ سَلَّمَ» (٥). ٢٤ - قال الشارح ﵀: هذه الأحاديث الثلاثة: الأوَّلُ منها يتعلق بقراءة البسملة في أول

стр. 230

القراءة, والثاني والثالث يتعلقان بما يفعله في سجود السهو. في حديث أنس المتقدم: الروايات كلها تدل على أنه لا يشرع للإمام الجهر بالتسمية عند القراءة؛ فإذا كبر بالصلاة واستفتح يتعوذ ويسمي سراً, ثم يجهر بالفاتحة في المغرب والعشاء والفجر والجمعة والعيد لا يجهر بالبسملة، هذا هو الأفضل؛ ولهذا قال أنس: إن الرسول ﷺ كان ما يجهر بـ (بِسْمِ اللهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ) في أول الصلاة, وهكذا أبو بكر وعمر وعثمان بعده ﵊ , كانوا يسرون, فالسنة الإسرار بها، إذا كبر واستفتح, يقول: أعوذ باللَّه من الشيطان الرجيم بسم اللَّه الرحمن الرحيم سراً، ثم يجهر, ويقول: الحمد للَّه رب العالمين, ويقرأ الفاتحة, هذا هو السنة, ولو جهر بعض الأحيان للتعليم، حتى يُعلِّم من خلفه أنه يقرأها فلا بأس, كما روى أبو هريرة وآخرون (١) من باب التعليم إذا جهر بها بعض الأحيان جهراً

стр. 231

خفيفاً ليسمعها من خلفه أنه يقرؤها من باب التعليم فلا بأس, لكن السنة الإسرار بالتعوذ والتسمية، والجهر يكون في أول الفاتحة: ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ * الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ﴾ فيما يُجهر فيه، كالمغرب، والعشاء، والفجر، والجمعة، هذا المقصود من رواية أنس, ليس المعنى أنهم يتركونها, لا, لكن لا يجهرون بها, ولهذا في اللفظ الآخر: «كَانُوا لَا يَجْهَرُونَ بِـ ﴿بِسْمِ اللهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ﴾» (١) وهذا هو السنة. وأما حديث أبي هريرة من طريق ابن سيرين هو يدل على أن الإمام إذا سها, وهكذا المنفرد إذا سها في الصلاة, وسلم من ثنتين [في]: الظهر، أو العصر، أو العشاء، أو المغرب، إذا سلم من ثنتين ثم نبه أو تذكر, فإنه يكمّل صلاته, فإذا كملها، وقرأ التحيات يسلم, ثم يسجد للسهو سجدتين بعد السلام, هذا هو الأفضل، يكون سجوده بعد السلام إذا سلم عن ركعة أو ركعتين, يكون سجوده بعد السلام يكمل إذا نُبه أو تنبه, يكمل صلاته, ثم بعدما يكملها يسجد سجدتين للسهو بعد السلام, ثم يسلم تسليمة ثانية بعد السجدتين, هذا إذا كان عن نقص ركعة أو ركعتين، ويقول في السجود مثل ما يقول في الصلاة (سبحان ربي الأعلى، سبحان ربي الأعلى) ويدعو

стр. 232

مثل سجود الصلاة سواء. وفي هذا من الفوائد: أن الرسل يجري عليهم السهو مثل ما يجري على غيرهم، مثل ما قال ﷺ : «إنَّمَا أَنَا بَشَرٌ مِثْلُكُمْ أَنْسَى كَمَا تَنْسَوْنَ» (١) , فالرسل عليهم الصلاة والسلام يصيبهم النسيان كما يصيب غيرهم, لكنهم معصومون فيما يبلغون عن اللَّه أن يقع خطأ فكل ما يبلغ عن اللَّه فهو محفوظ: ﴿إِنْ هُوَ إِلَّا وَحْيٌ يُوحَى﴾ (٢) , فليس فيه خطأ, بل هم معصومون أن ينقلوا عن اللَّه من الشريعة ما هو خطأ, بل هم معصومون في ذلك, كل ما يبلغونه عن اللَّه فهو حق، لكن يقع منهم السهو, ولا يُقرون عليه فينبهون، إما أن يتنبه, وإلا أن يُنَبَّه مثل ما جرى في قصة (ذي اليدين) أنه سلّم من ثنتين ﵊ في صلاة العصر، كما في الرواية الثانية، ثم قام وجلس في مقدم المسجد, فقال له ذو اليدين: أقصُرت الصلاة أم نسيت؟ فقال: «لم أنس ولم تقصر». وكان قد نسي ﵊ , فسأل الناس، فصوَّبوا ذا اليدين, فقام وكمَّل ﵊، ثم بعدما كمل وسلم من التشهد، ثم سجد سجدتي السهو، ثم سلم منها ﵊ , هذا هو السنة, وإن سجد قبل السلام أجزأه, لكن الأفضل بعد السلام في مثل هذا إذا كان النقص عن ركعة أو

стр. 233

ركعتين يكون سجوده بعد السلام, هذا هو الأفضل، أما إذا كان سهوه عن غير ذلك, فمثلاً ترك التشهد الأول ناسياً, وقام للثالثة, هذا يسجد قبل السلام, وهكذا جميع أنواع السهو كله قبل السلام, كله يسجد قبل السلام ثم يسلم، إذا نسي التشهد الأول، نسي التكبير عند الركوع أو عند السجود، أو نسي: رب اغفر لي بين السجدتين، أو نسي أن يقول: سمع اللَّه لمن حمده، هذه كلها يسجد لها قبل السلام سجدتين للسهو, وهكذا المنفرد مثله سواء بسواء. أما المأموم ما عليه شيء، فهو تبع لإمامه, لو سها المأموم الذي دخل من أول الصلاة ليس عليه شيء, فهو تابع لإمامه، إلا إذا كان مسبوقاً بشيء؛ فإنه يسجد للسهو، إذا كان مسبوقاً بركعة أو أكثر؛ فإنه إذا سها يسجد للسهو, بعدما يقضي ما عليه، إذا قضى ما عليه يسجد للسهو قبل السلام, إلا إذا كان سلم عن ركعة أو ركعتين نقصاً, يكون سجوده بعد السلام, كما تقدم في حديث ابن سيرين، وبهذا تعلم أن السهو له حالان: أحدهما: أن يكون ساهياً في ترك ركعتين أو ركعة, وسلم منها ثم نبه وكمل, هذا يكون سجوده بعد السلام, هذا هو الأفضل, وإن سجد قبل السلام أجزأه. والثاني: إذا غلب على ظنه أنه سها: غلب على ظنه الصواب, هذا يسجد للسهو بعد السلام, أيضاً يتحرّى الصواب, ويتم عليه, ويسجد بعد السلام.

стр. 234

هاتان الحالتان: سجودهما بعد السلام أفضل, وإن سجد قبل السلام فلا بأس. النوع الثاني: يكون سهوه غير ذلك, مثل ترك التشهد الأول, يترك التسبيح بين السجود، أو في الركوع, يشك هل صلى ثنتين أو ثلاثاً، يجعلها ثنتين ويسجد للسهو قبل السلام، أو شك في ثلاث أو أربع يجعلها ثلاثاً، ثم يكمل، ثم يسجد للسهو قبل السلام, هذا هو الأفضل, وإن سجد بعد السلام أجزأه. ١٩ - بابُ المرورِ بينَ يديِ المصلي ١١٢ - عن أبي جُهيم ــ عبد اللَّه (١) بن الحارث بن الصمة الأنصاري ــ ﵁ قال: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : «لَوْ يَعْلَمُ الْمَارُّ بَيْنَ يَدَي الْمُصَلِّي مَاذَا عَلَيْهِ ــ مِنَ الإِثْمِ ــ لَكَانَ، أَنْ يَقِفَ أَرْبَعِينَ خَيْرًا لَهُ مِنْ أَنْ يَمُرَّ بَيْنَ يَدَيْهِ». قَالَ أَبُو النَّضْرِ: لا أَدْرِي: قَالَ «أَرْبَعِينَ يَوْماً أَوْ شَهْراً أَوْ سَنَةً» (٢). ١١٣ - عن أبي سعيد الخدري ﵁، قال: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ (٣) يَقُولُ: «إذَا صَلَّى أَحَدُكُمْ إلَى شَيْءٍ يَسْتُرُهُ مِنَ النَّاسِ، فَأَرَادَ أَحَدٌ أَنْ

стр. 235

يَجْتَازَ بَيْنَ يَدَيْهِ فَلْيَدْفَعْهُ، فَإِنْ أَبَى فَلْيُقَاتِلْهُ، فَإِنَّمَا هُوَ شَيْطَانٌ» (١). ١١٤ - عن عبد اللَّه بن عباس ﵄ قال: «أَقْبَلْتُ رَاكِباً عَلَى حِمَارٍ أَتَانٍ ــ وَأَنَا يَوْمَئِذٍ قَدْ نَاهَزْتُ الاحْتِلامَ ــ وَرَسُولُ اللَّهِ ﷺ يُصَلِّي بِالنَّاسِ بِمِنًى إلَى غَيْرِ جِدَارٍ، فمَرَرْتُ بَيْنَ يَدَيْ بَعْضِ الصَّفِّ، فَنَزَلْتُ فَأَرْسَلْتُ الأَتَانَ تَرْتَعُ، وَدَخَلْتُ فِي الصَّفِّ، فَلَمْ يُنْكِرْ ذَلِكَ عَلَيَّ أَحَدٌ» (٢). ١١٥ - عن عائشة ﵂ قالت: «كُنْتُ أَنَامُ بَيْنَ يَدَيْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ ، وَرِجْلايَ فِي قِبْلَتِهِ، فَإِذَا سَجَدَ غَمَزَنِي فَقَبَضْتُ رِجْلَيَّ، وَإِذَا (٣) قَامَ بَسَطْتُهُمَا، [قَالَت:] (٤) وَالْبُيُوتُ يَوْمَئِذٍ لَيْسَ فِيهَا مَصَابِيحُ» (٥). ٢٥ - قال الشارح ﵀: هذه الأحاديث فيما يتعلق بالمرور بين يدي المصلي: من المعلوم أنه لا يجوز المرور بين يدي المصلي قريباً منه، ولا بينه وبين السترة التي وضعها؛ للأحاديث المذكورة في الباب, ولغيرها

стр. 236

من الأحاديث الدالة على أنه لا يجوز المرور بين يديه؛ لما فيه من التشويش عليه, أو قطع صلاته إن كان المار مما يقطعها. ومن أدلة التحريم قوله ﵊: «لَوْ يَعْلَمُ الْمَارُّ بَيْنَ يَدَيْ الْمُصَلِّي مَاذَا عَلَيْهِ ــ أي مِنَ الإِثْمِ ــ لَكَانَ، أَنْ يَقِفَ أَرْبَعِينَ خَيْرًا لَهُ مِنْ أَنْ يَمُرَّ بَيْنَ يَدَيْهِ» (١)، ماذا عليه أي من الإثم. ذكر المؤلف من الإثم, وهي ليست في رواية الصحيحين, وإنما ذكرها بالمعنى, والصواب أنها غير مذكورة في الحديث, وإنما رواها بالمعنى من السياق, ويدل ذلك على تحريم المرور بين يديه، إذا كان لو يعلم ماذا عليه من الإثم لكان أن يقف أربعين, سواء كانت شهوراً أو أعواماً أو أياماً, كله عظيم, ويدل على شدة التحريم، وأنه لا يجوز للمسلم أن يمر بين يدي أخيه وهو يصلي قريباً منه، أو بين يديه وبين السترة التي وضعها من جدار، أو سارية، أو عَنَزَة، أو غير ذلك. واختلف فيما إذا كان ليس بين يديه سترة متى يكون بين يديه, والأرجح أنه إذا كان في مسافة ثلاثة أذرع فأقل فهو بين يديه، وإذا كان بعيداً؛ فإنه لا يضره ذلك. ومن أدلة ذلك أنه ﷺ صلّى في الكعبة وبينه وبين الجدار الذي أمامه ثلاثة أذرع (٢) , قال بعض أهل العلم هذا يدل على أنه يكون بين

стр. 237

يديه إذا كان في ثلاثة أذرع فأقل, أما إذا كان بعيداً؛ فإنه لا يكون بين يديه، ولا يضره مروره, سواءً كان المار رجلاً أو امرأة أو دابة. أما الذي يقطع الصلاة، فقد روى مسلم في صحيحه أنه يَقْطَعُ صَلَاةَ المرءِ المُسْلِمِ إذَا لَمْ يكُن بيْنَ يَدَيْهِ مِثْلُ مُؤْخِرَةِ الرَّحْلِ: «الْمَرْأَةُ، وَالْحِمَارُ، وَالْكَلْبُ الأسود». هكذا روى مسلم في صحيحه من حديث أبي ذر (١) , وروى معناه مسلم عن أبي هريرة ﵁ لكن بغير ذكر الكلب الأسود (٢) , وروى بعضهم أيضاً كما ذكر النسائي بسند صحيح عن ابن عباس: «المرأة والحمار» (٣). وهذا يدل على أنه إذا مر بين يديه امرأة بالغة كما في حديث ابن عباس، أو حمار، أو كلب أسود يقطع صلاته, وهكذا بينه وبين السترة، وقد استنكرت عائشةل ذلك فيما يتعلق بالمرأة، قالت: كنت أنا بين يديه ورجلاي في قبلته, فإذا سجد غمزني, فقبضت رجليَّ, وإذا قام بسطتهما. قالت: بئسما شبهتمونا بالحمير

стр. 238

والكلاب (١) , وهذا منها ﵂ اجتهاد ورأي, ولم تعلم السنة التي جاءت عن النبي ﷺ , وليس مد الرجلين مثل المرور، المرور شيء، ومدُّ الرجلين شيءٌ آخر، فمدُّ الرجلين إلى المصلي ما يقطع صلاته, وإنما يقطعها المرور من جانب إلى جانب, سواء كان المار امرأة أو حماراً أو كلباً أسود، هذا هو الذي يقطع الصلاة. أما مرور الرجل، أو الدابة، غير الكلب الأسود، أو الكلب الذي ليس أسود، هذا لا يقطع، ولكنه يمنع, ينبغي أن يمنع, أن لا يمر، المصلي ينبغي أن يمنع المار، ولو كان المار رجلاً أو دابة غير الكلب، أو الكلب، كله يمنع، لا يدع يمر بين يديه؛ ولهذا في حديث أبي سعيد ﵁ عن النبي ﷺ أنه قال: «إذَا صَلَّى أَحَدُكُمْ إلَى شَيْءٍ يَسْتُرُهُ مِنَ النَّاسِ، فَأَرَادَ أَحَدٌ أَنْ يَجْتَازَ بَيْنَ يَدَيْهِ فَلْيَدْفَعْهُ، فَإِنْ أَبَى فَلْيُقَاتِلْهُ، فَإِنَّمَا هُوَ شَيْطَانٌ» (٢)، معنى يقاتله أي يدافعه بقوة، المقاتلة: المدافعة بقوة, ليس المراد يقتله بالسيف، أو بشيء يقتله لا، المراد أنه يدافعه بقوة؛ لأنه من شياطين الإنس؛ ولهذا وجب أن

стр. 239

يدفع حتى لا يُشوِّش على المصلي صلاته, ولو كان رجلاً، أما إن كان المار امرأة يحصل التشويش والقطع أيضاً، وهكذا الحمار مطلقاً، والكلب الأسود خاصة؛ لأنه شيطان، والشيطان من كل جنس متمرد, فشيطان بني آدم المتمرد المؤذي الذي يؤذي الناس بما يضرهم, وشيطان الكلاب هو الأسود منها, وشيطان كل جنس ما فيه الأذى والضرر والتعدي. وفي حديث ابن عباس الدلالة على أن المرور بين يدي المأمومين لا يضر, إنما هذا بين يدي الإمام أو المنفرد, أما لو مرّ بين الصفوف ما يضرهم؛ لأنهم تبع إمامهم، سترته سترة لهم، فلا يضر المرور بين يديهم, فلو مر بين يديهم حمار، أو كلب، أو امرأة لا يقطع صلاة المأمومين, اكتفاءً بسترة الإمام؛ ولهذا ترك الأتان ترتع، ولم ينكر ذلك عليه أحد؛ لأنها لا تقطع صلاتهم, وهكذا لو مرت امرأة بينهم، أو كلب لم يقطع صلاتهم, فالمأموم مربوط بإمامه, ولا يضره من مرّ بين يديه، ولكن ينبغي للمؤمن إذا كان له مندوحة (١) أن لا يشوش عليهم، إذا كانت مندوحة، أما إذا كان ما فيه مندوحة بأن رأى فرجة ليذهب إليها يسدها، أو ليس له طريق إلا المرور عليهم، فلا يضر، ولا بأس بذلك، ولا يضرّ صلاتهم.

стр. 240

س: يسأل سائل: الطفل الصغير هل يقطع الصلاة؟ ج- يُمنع من المرور، ولا يقطع حتى الرجل الكبير ما يقطع, والمرأة الصغيرة التي لم تبلغ لا تقطع, لكن يمنع من المرور, لا يمر، ولو لم يقطع؛ ولهذا جاء في الحديث: «فَأَرَادَ أَحَدٌ أَنْ يَجْتَازَ بَيْنَ يَدَيْهِ فَلْيَدْفَعْهُ» (١)، كان النبي ﷺ رأى دابة تريد أن تمر، فتقدم حتى يمنعها من المرور (٢). ٢٠ - بابٌ جامعٌ ١١٦ - عن أبي قتادة ــ الحارث (٣) بن ربعي ــ الأنصاري ﵄ قال: قال رسول ﷺ : «إذَا دَخَلَ أَحَدُكُمُ الْمَسْجِدَ فَلا يَجْلِسْ حَتَّى يُصَلِّيَ رَكْعَتَيْنِ» (٤). ١١٧ - عن زيد بن أرقم قال: «كُنَّا نَتَكَلَّمُ فِي الصَّلاةِ، يُكَلِّمُ الرَّجُلُ

стр. 241

منا (١) صَاحِبَهُ، وَهُوَ إلَى جَنْبِهِ فِي الصَّلاةِ، حَتَّى نَزَلَتْ ﴿حَافِظُوا عَلَى الصَّلَوَاتِ والصَّلَاةِ الْوُسْطَى (٢) وَقُومُوا لِلَّهِ قَانِتِينَ﴾ (٣)، فَأُمِرْنَا بِالسُّكُوتِ وَنُهِينَا عَنِ الْكَلامِ» (٤). ١١٨ - عن عبد اللَّه بن عمر، وأبي هريرة ﵃ عن رسول اللَّه ﷺ (٥) أنه قال: «إذَا اشْتَدَّ الْحَرُّ فَأَبْرِدُوا عَنِ الصَّلاةِ. فَإِنَّ شِدَّةَ الْحَرِّ مِنِ فَيْحِ جَهَنَّمَ» (٦). ٢٦ - قال الشارح ﵀: هذه الأحاديث الثلاثة: الأول منها يتعلق بتحية المسجد, والثاني يتعلق بالكلام في الصلاة, والثالث يتعلق بتأخير صلاة الظهر عند شدة الحر. يقول النبي ﷺ : «إذَا دَخَلَ أَحَدُكُمُ الْمَسْجِدَ فَلا يَجْلِسْ حَتَّى يُصَلِّيَ رَكْعَتَيْنِ» (٧)، وقد جاء في عدة أحاديث تدل على شرعية وتأكد صلاة ركعتين لمن دخل المسجد، وهو على وضوء، وهو طاهر, وهذا محل وفاق بين أهل العلم إذا كان الوقت ليس وقت نهي، كالضحى، والظهر، والليل, أما إذا كان الوقت وقت نهي كبعد صلاة الفجر، وبعد صلاة العصر، اختلف العلماء في ذلك على قولين: أصحهما، وأصوبهما أنه يفعلها, ولو في وقت النهي؛ لأنها من ذوات الأسباب: كصلاة الطواف بعد العصر والصبح، وصلاة الكسوف، وقضاء الفوائت, تُفعل في كل وقت؛ لعموم قوله ﷺ : «فَلا يَجْلِسْ حَتَّى يُصَلِّيَ

стр. 242

رَكْعَتَيْنِ»، هذا يعم جميع الأوقات, وهكذا ثبت عنه ﷺ لما رأى رجلاً دخل وهو يخطب يوم الجمعة, قال: «قُمْ فَصَلِّ رَكْعَتَيْنِ» (١). وهو يخطب ﵊ مع أنهم مشغولون بسماع الخطبة, ومع ذلك أمره النبي ﷺ أن يصلي ركعتين, وقال: «إِذَا دَخَل أَحَدُكُمْ الْمَسْجِدَ، وَالإِمَامُ يَخْطُبُ، فَلْيُصَلِّ رَكْعَتَيْنِ، وَلْيَتَجَوَّزْ فِيهِمَا» (٢). وهذا كله إذا كان الداخل للمسجد على وضوء، أما إذا كان ليس على وضوء فإنه يجلس, ولا يجوز أن يصلي وهو على غير وضوء؛ لأن شرط الصلاة الطهارة.

стр. 243

الحديث الثاني: حديث زيد بن أرقم الأنصاري ﵁ قال: كُنَّا نَتَكَلَّمُ فِي عَهْدِ النَّبِيِّ ﷺ في الصَّلَاةِ، يُكَلِّمُ أَحَدُنَا صَاحِبَهُ، لحاجته حَتَّى نَزَلَ قوله تعالى: ﴿وَقُومُوا لِلَّهِ قَانِتِينَ﴾ (١) فَأُمِرْنَا بِالسُّكُوتِ, ونُهينا عن الكلام» (٢)، وهكذا جاء عن ابن مسعود، وكانوا يتكلمون والنبي ﷺ في الصلاة, ثم إنه قال: «إِنَّ اللَّهَ قَدْ أحْدث مِنْ أَمْرِهِ مَا شَاءَ (٣)، وَإِنَّ مِمَّا أَحْدَثَ أَنْ لَا تَكَلَّمُوا فِي الصَّلَاةِ» (٤)، وكانوا يسلمون عليه فيرد عليهم [...] (٥). ولهذا قال ﵊: «إِذَا نَابَ أحدكُمْ شيْءٌ فِي (٦) صَلَاتِهِ، فَلْيُسَبِّحِ الرِّجَالُ، وَلْتُصَفِّقِ النِّسَاءُ» (٧).

стр. 244

أما الكلام فممنوع في الصلاة حتى يُسلم, وهذا مما استقرت عليه الشريعة, وكان ناسخاً لما قبله من إباحة الكلام في الحاجة. والحديث الثالث حديث ابن عمر وأبي هريرة في شدة الحر، يقول ﷺ : «إِذَا اشْتَدَّ الْحَرُّ فَأَبْرِدُوا بِالصَّلَاةِ فَإِنَّ شِدَّةَ الْحَرِّ مِنْ فَيْحِ جَهَنَّمَ» (١) , وكان في بعض أسفاره يأمرهم بالإبراد, حتى يرى فيء التلول وهم في السفر, ثم يصلون صلاة الظهر، هذا هو السنة في شدة الحر في المدن والقرى وللمسافر أيضاً، فالسنة للجميع أن يؤخروا الصلاة بعض الشيء, حتى ينكسر الحر, وحتى يخف الحر بعض الشيء، معلوم أنه يتأخر إلى ما بعد العصر شدة الحر, لكن المقصود أنه يؤخرها بعض الشيء, حتى يكثر الظل في الأسواق, وحتى يتسهل للناس المشي إلى المساجد في الظل في ظل الحيطان, بعدما تميل الشمس إلى جهة الغرب كثيراً, ليتيسر لهم الظل وينكسر الحر والشدة؛ ولهذا قال أَنَسُ بْنُ مَالِكٍ ﵁: «كُنَّا نُصَلِّي مَعَ النَّبيِّ ﷺ فِي شِدَّةِ الْحَرِّ، حتى إِذَا لَمْ يَسْتَطِعْ أحدُنا أَنْ يُمَكِّنَ جَبْهَتَهُ مِنَ الأَرْضِ بَسَطَ ثَوْبَهُ وَسَجَدَ عَلَيْهِ» (٢) فدل على أن هناك حرًّا شديداً، ولكن

стр. 245

بعدما ينكسر بعض الشيء, ويؤخر بعض الوقت, مثل نصف ساعة أو ساعة, وما يقارب ذلك, حتى ينكسر الحر بعد الزوال في شدة الحر, سواء كان في مدينة أو قرية أو في سفر. ١١٩ - عن أنس بن مالك ﵁ قال: قال رسول اللَّه ﷺ (١): «مَنْ نَسِيَ صَلاةً فَلْيُصَلِّهَا إذَا ذَكَرهَا، لا كَفَّارَةَ لَهَا إلَاّ ذَلِكَ، وتَلَا قوله تعالى (٢): ﴿أَقِمِ الصَّلَاةَ لِذِكْرِي﴾ (٣)» (٤). ولمسلمٍ «مَنْ نَسِيَ صَلاةً، أَوْ نَامَ عَنْهَا، فَكَفَّارَتُهَا أَنْ يُصَلِّيَهَا إذَا ذَكَرَهَا» (٥). ١٢٠ - عن جابر بن عبد اللَّه ﵄: «أَنَّ مُعَاذَ بْنَ جَبَلٍ ﵁ كَانَ يُصَلِّي مَعَ رَسُولِ اللهِ ﷺ العِشَاءَ (٦) الآخِرَةِ، ثُمَّ يَرْجِعُ إلَى قَوْمِهِ، فَيُصَلِّي بِهِمْ تِلْكَ الصَّلاةَ» (٧).

стр. 246

١٢١ - عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ ﵁ قَالَ: «كُنَّا نُصَلِّي مَعَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فِي شِدَّةِ الْحَرِّ، فَإِذَا لَمْ يَسْتَطِعْ أَحَدُنَا أَنْ يُمَكِّنَ جَبْهَتَهُ مِنَ (١) الأَرْضِ، بَسَطَ ثَوْبَهُ، فَسَجَدَ عَلَيْهِ» (٢). ٢٧ - قال الشارح ﵀: هذه الأحاديث الثلاثة عن النبي ﷺ تدل على أنه ينبغي للمؤمن إذا فاتته الصلاة، أو نام عنها، أو نسيها أن يبادر بالقضاء؛ لقوله تعالى: ﴿وَأَقِمِ الصَّلَاةَ لِذِكْرِي﴾ (٣). ولهذا لما سُئل ﵊ عن ذلك أجاب: «من نام عن الصلاة، أو نسيها, فليصلها إذا ذكرها, لا كفارة لها إلا ذلك» (٤)، فإذا عرض للمسلم نسيان أو نوم عن أي صلاة, فليبادر إلى قضائها من حين يتذكر أو من حين يستيقظ: فجراً، أو ظهراً، أو عصراً، أو

стр. 247

مغرباً، أو عشاءً، والواجب عليه عند النوم أن يتثبت في الأمر, وأن يعمل ما يلزم مما يعينه على الاستيقاظ في الوقت: كالساعة، أو تكليف أهله بأن يوقظوه, حتى لا ينام عنها, سواء كانت الفجر، أو غيرها, وليس له التساهل في هذا, بل يجب عليه أن يعمل ما يلزم حتى يتيسر له اليقظة وقت الصلاة. وقد يسّر اللَّه السّاعات الآن, ففيها إعانة على هذا الأمر إذا ركبها (١) في الوقت بأن ينبه على الوقت؛ فإن هذا مما يعينه, وكذلك البكرة وعدم السهر, لأنه إذا سهر قد لا يسمع صوت الساعة من شدة النوم, ولكن ينبغي له أن يبكر ولا يسهر, حتى يعينه ذلك على اليقظة وأداء الصلاة في وقتها مع المسلمين. وفي الحديث الثاني حديث صلاة معاذ بأصحابه: كان يصلي بأصحابه العشاء، وبعد ما صلى مع النبي ﷺ , وهذا يدل على أنه لا بأس أن يصلي الإنسان الفريضة مع إمام, ثم يصلي بجماعته نافلة له، وهي لهم فريضة, لا حرج في ذلك. وكان معاذ يصلي مع النبي ﷺ ليتعلم وليستفيد, ثم يرجع فيصلي بأصحابه صلاة العشاء, والنبي ﵊ أقره على هذا، فدل ذلك على أنه لا بأس أن يكون الإمام متنفلاً والجماعة مفترضين، ولا حرج في ذلك.

стр. 248

ومن هذا أيضاً في صلاة الخوف أن النبي ﷺ صلى بطائفة ركعتين في بعض أسفاره وبعض غزواته, ثم صلى بآخرين ركعتين, وكانت الأولى له فريضة, والثانية له نافلة, ولأصحابه فريضة ﵃ وأرضاهم. هذا كله يدل على جواز مثل هذا، ولا حرج, وفي ذلك أن يكون الإمام متنفلاً ويكون الجماعة مفترضين، لا حرج في ذلك، النية هي العمدة, فـ «الأعمال بالنيات، وإنما لكل امرئ ما نوى» (١). وكذلك كان الصحابة ﵃، ربما صلوا في شدة الحر والأرض حارة, فيبسط أحدهم ثوبه ليسجد عليه, لا حرج في ذلك إذا كانت الأرض باردة أو حارة, وبسط رداءه، أو سجادة، أو أطراف أكمامه عن الحرارة والبرودة، أو عمامته, لا حرج في ذلك. ١٢٢ - عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ (٢): «لا يُصَلِّي أَحَدُكُمْ فِي الثَّوْبِ الْوَاحِدِ، لَيْسَ عَلَى عَاتِقِهِ مِنْهُ شَيْءٌ» (٣). ١٢٣ - عَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ ﵄ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ (٤): «مَنْ أَكَلَ ثُوماً

стр. 249

أَوْ بَصَلاً، فَلْيَعْتَزِلْنَا ــ أَوْ (١) لِيَعْتَزِلْ مَسْجِدَنَا ــ وَلْيَقْعُدْ فِي بَيْتِهِ»، وَأُتِيَ بِقِدْرٍ فِيهِ خَضِرَاتٌ مِن بُقُولٍ، فَوَجَدَ لَهَا رِيحاً. فَسَأَلَ عنها (٢)؟ فَأُخْبِرَ بِمَا فِيهَا مِنَ الْبُقُولِ، فَقَالَ: «قَرِّبُوهَا» ــ إلَى بَعْضِ أَصْحَابِه كان معه (٣) ــ فَلَمَّا رَأَىهُ كَرِهَ أَكْلَهَا، قَالَ: «كُلْ، فَإِنِّي أُنَاجِي مَن لا تُنَاجِي» (٤). ١٢٤ - عَنْ جَابِرٍ، عن النَّبِيِّ ﷺ (٥) قَالَ: «مَنْ أَكَلَ الْبَصَلَ أو الثُّومَ أو الْكُرَّاثَ (٦)، فَلا يَقْرَبَنَّ مَسْجِدَنَا، فَإِنَّ الْمَلائِكَةَ تَتَأَذَّى مِمَّا يَتَأَذَّى مِنْهُ بنو آدمَ» (٧). ٢٨ - قال الشارح ﵀: هذه الأحاديث الثلاثة كلها تتعلق بالصلاة. الحديث الأول يقول الرسول ﷺ : «لا يُصَلِّي أَحَدُكُمْ فِي الثَّوْبِ

стр. 250

الْوَاحِدِ، لَيْسَ عَلَى عَاتِقِهِ مِنْهُ شَيْءٌ» (١) , وفي الرواية الأخرى: «لَيْسَ عَلَى عَاتِقَيْهِ مِنْهُ شَيْءٌ» (٢)، هذا يدل على وجوب ستر العاتقين، أو أحدهما في الصلاة، وقد ذهب بعض أهل العلم إلى أن ذلك واجب في الفرض والنفل, وذهب آخرون إلى أنه واجبٌ في الفرض فقط، وذهب الأكثرون إلى أنه سنة, ويجزئه أن يصلي في الإزار فقط أو السراويل فقط؛ لأنه ستر العورة المغلظة ما بين السرة والركبة. والصواب ما دل عليه الحديث، وأنه لا يجوز أن يصلي في الثوب الواحد ليس على عاتقه منه شيء: إن كان واسعاً يلتحف به, وإن كان ضيقاً يأتزر به, فيجعل على عاتقه رداءً مستقلاً مع القدرة، أو يلبس قميصاً، أو ما أشبه ذلك مما يستر العاتقين أو أحدهما, عملاً بهذا الحديث الصحيح, الذي رواه الشيخان في الصحيح. ولا فرق بين الفرض والنفل؛ لعموم الحديث؛ لأن «لا يصلي» عام يعم الفرض والنفل, وهذا القول هو الصواب من الأقوال الثلاثة، يجب ستر العاتقين أو أحدهما في الفرض والنفل؛ لهذا الحديث الصحيح، وما جاء في معناه من الأحاديث الدالة على أنه كان ﷺ يصلي في ثوب واحد يشتمله, قال لجابر: «إِنْ كَانَ وَاسِعًا
следующие страницы →