← Шархи хадиса

Шархи хадиса · id 13282

الإفهام في شرح عمدة الأحكام

ابن باز

Полный текст (893 стр.). Показаны 246–285 · переход к 251.

стр. 246

١٢١ - عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ ﵁ قَالَ: «كُنَّا نُصَلِّي مَعَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فِي شِدَّةِ الْحَرِّ، فَإِذَا لَمْ يَسْتَطِعْ أَحَدُنَا أَنْ يُمَكِّنَ جَبْهَتَهُ مِنَ (١) الأَرْضِ، بَسَطَ ثَوْبَهُ، فَسَجَدَ عَلَيْهِ» (٢). ٢٧ - قال الشارح ﵀: هذه الأحاديث الثلاثة عن النبي ﷺ تدل على أنه ينبغي للمؤمن إذا فاتته الصلاة، أو نام عنها، أو نسيها أن يبادر بالقضاء؛ لقوله تعالى: ﴿وَأَقِمِ الصَّلَاةَ لِذِكْرِي﴾ (٣). ولهذا لما سُئل ﵊ عن ذلك أجاب: «من نام عن الصلاة، أو نسيها, فليصلها إذا ذكرها, لا كفارة لها إلا ذلك» (٤)، فإذا عرض للمسلم نسيان أو نوم عن أي صلاة, فليبادر إلى قضائها من حين يتذكر أو من حين يستيقظ: فجراً، أو ظهراً، أو عصراً، أو

стр. 247

مغرباً، أو عشاءً، والواجب عليه عند النوم أن يتثبت في الأمر, وأن يعمل ما يلزم مما يعينه على الاستيقاظ في الوقت: كالساعة، أو تكليف أهله بأن يوقظوه, حتى لا ينام عنها, سواء كانت الفجر، أو غيرها, وليس له التساهل في هذا, بل يجب عليه أن يعمل ما يلزم حتى يتيسر له اليقظة وقت الصلاة. وقد يسّر اللَّه السّاعات الآن, ففيها إعانة على هذا الأمر إذا ركبها (١) في الوقت بأن ينبه على الوقت؛ فإن هذا مما يعينه, وكذلك البكرة وعدم السهر, لأنه إذا سهر قد لا يسمع صوت الساعة من شدة النوم, ولكن ينبغي له أن يبكر ولا يسهر, حتى يعينه ذلك على اليقظة وأداء الصلاة في وقتها مع المسلمين. وفي الحديث الثاني حديث صلاة معاذ بأصحابه: كان يصلي بأصحابه العشاء، وبعد ما صلى مع النبي ﷺ , وهذا يدل على أنه لا بأس أن يصلي الإنسان الفريضة مع إمام, ثم يصلي بجماعته نافلة له، وهي لهم فريضة, لا حرج في ذلك. وكان معاذ يصلي مع النبي ﷺ ليتعلم وليستفيد, ثم يرجع فيصلي بأصحابه صلاة العشاء, والنبي ﵊ أقره على هذا، فدل ذلك على أنه لا بأس أن يكون الإمام متنفلاً والجماعة مفترضين، ولا حرج في ذلك.

стр. 248

ومن هذا أيضاً في صلاة الخوف أن النبي ﷺ صلى بطائفة ركعتين في بعض أسفاره وبعض غزواته, ثم صلى بآخرين ركعتين, وكانت الأولى له فريضة, والثانية له نافلة, ولأصحابه فريضة ﵃ وأرضاهم. هذا كله يدل على جواز مثل هذا، ولا حرج, وفي ذلك أن يكون الإمام متنفلاً ويكون الجماعة مفترضين، لا حرج في ذلك، النية هي العمدة, فـ «الأعمال بالنيات، وإنما لكل امرئ ما نوى» (١). وكذلك كان الصحابة ﵃، ربما صلوا في شدة الحر والأرض حارة, فيبسط أحدهم ثوبه ليسجد عليه, لا حرج في ذلك إذا كانت الأرض باردة أو حارة, وبسط رداءه، أو سجادة، أو أطراف أكمامه عن الحرارة والبرودة، أو عمامته, لا حرج في ذلك. ١٢٢ - عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ (٢): «لا يُصَلِّي أَحَدُكُمْ فِي الثَّوْبِ الْوَاحِدِ، لَيْسَ عَلَى عَاتِقِهِ مِنْهُ شَيْءٌ» (٣). ١٢٣ - عَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ ﵄ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ (٤): «مَنْ أَكَلَ ثُوماً

стр. 249

أَوْ بَصَلاً، فَلْيَعْتَزِلْنَا ــ أَوْ (١) لِيَعْتَزِلْ مَسْجِدَنَا ــ وَلْيَقْعُدْ فِي بَيْتِهِ»، وَأُتِيَ بِقِدْرٍ فِيهِ خَضِرَاتٌ مِن بُقُولٍ، فَوَجَدَ لَهَا رِيحاً. فَسَأَلَ عنها (٢)؟ فَأُخْبِرَ بِمَا فِيهَا مِنَ الْبُقُولِ، فَقَالَ: «قَرِّبُوهَا» ــ إلَى بَعْضِ أَصْحَابِه كان معه (٣) ــ فَلَمَّا رَأَىهُ كَرِهَ أَكْلَهَا، قَالَ: «كُلْ، فَإِنِّي أُنَاجِي مَن لا تُنَاجِي» (٤). ١٢٤ - عَنْ جَابِرٍ، عن النَّبِيِّ ﷺ (٥) قَالَ: «مَنْ أَكَلَ الْبَصَلَ أو الثُّومَ أو الْكُرَّاثَ (٦)، فَلا يَقْرَبَنَّ مَسْجِدَنَا، فَإِنَّ الْمَلائِكَةَ تَتَأَذَّى مِمَّا يَتَأَذَّى مِنْهُ بنو آدمَ» (٧). ٢٨ - قال الشارح ﵀: هذه الأحاديث الثلاثة كلها تتعلق بالصلاة. الحديث الأول يقول الرسول ﷺ : «لا يُصَلِّي أَحَدُكُمْ فِي الثَّوْبِ

стр. 250

الْوَاحِدِ، لَيْسَ عَلَى عَاتِقِهِ مِنْهُ شَيْءٌ» (١) , وفي الرواية الأخرى: «لَيْسَ عَلَى عَاتِقَيْهِ مِنْهُ شَيْءٌ» (٢)، هذا يدل على وجوب ستر العاتقين، أو أحدهما في الصلاة، وقد ذهب بعض أهل العلم إلى أن ذلك واجب في الفرض والنفل, وذهب آخرون إلى أنه واجبٌ في الفرض فقط، وذهب الأكثرون إلى أنه سنة, ويجزئه أن يصلي في الإزار فقط أو السراويل فقط؛ لأنه ستر العورة المغلظة ما بين السرة والركبة. والصواب ما دل عليه الحديث، وأنه لا يجوز أن يصلي في الثوب الواحد ليس على عاتقه منه شيء: إن كان واسعاً يلتحف به, وإن كان ضيقاً يأتزر به, فيجعل على عاتقه رداءً مستقلاً مع القدرة، أو يلبس قميصاً، أو ما أشبه ذلك مما يستر العاتقين أو أحدهما, عملاً بهذا الحديث الصحيح, الذي رواه الشيخان في الصحيح. ولا فرق بين الفرض والنفل؛ لعموم الحديث؛ لأن «لا يصلي» عام يعم الفرض والنفل, وهذا القول هو الصواب من الأقوال الثلاثة، يجب ستر العاتقين أو أحدهما في الفرض والنفل؛ لهذا الحديث الصحيح، وما جاء في معناه من الأحاديث الدالة على أنه كان ﷺ يصلي في ثوب واحد يشتمله, قال لجابر: «إِنْ كَانَ وَاسِعًا

стр. 251

فَالْتَحِفْ بِهِ، وَإِنْ كَانَ ضَيِّقًا فَاتَّزِرْ بِهِ» (١)، فهذا كله دليل على أنه مع القدرة يصلي يستر العاتقين أو أحدهما, ومع العجز يكفي المئزر أو السراويل؛ لأن اللَّه لا يكلف نفساً إلا وسعها. والحديث الثاني والثالث فيما يتعلق بالثوم والبصل والكراث, وأن من أكل شيئاً منها فإن عليه أن يعتزل المساجد, ويعتزل المسلمين, ولا يصلي معهم, لأنه يؤذيهم بذلك, ولهذا قال: «وَلْيَعْتَزِلْنَا وَلْيَقْعُدْ فِي بَيْتِهِ» (٢)، هذا يدل على أنه لا يجوز له حضور المساجد؛ لأنه يؤذي المسلمين، ويؤذي الملائكة؛ ولهذا قال: «فإنَّ الْمَلَائِكَةَ تَتَأَذَّى مِمَّا يَتَأَذَّى مِنْهُ الإِنْسَانُ» (٣)، فلا ينبغي له أن يحضر في المساجد حتى ولو في غير الجماعة, ولو لمجرد القراءة في المسجد, أو نحو ذلك؛ لأنه يؤذي الملائكة؛ ولهذا قال: «فَإِنَّ الْمَلائِكَةَ تَتَأَذَّى مِمَّا يَتَأَذَّى مِنْهُ بنو آدمَ» (٤). ولا ينبغي له أن يأكله ما دام يعوقه عن الصلاة في الجماعة، إلا من حاجة إذا أكله لحاجة من جوع، ومن دواء فلا بأس, وإذا تيسر

стр. 252

أن يتعاطى ما يزيل الرائحة من الأدوية التي تزيل الرائحة، فذلك كافٍ, وإذا أماته طبخاً فإنه يزيل الرائحة، إذا أماته طبخاً جيداً فإنه يزيل الرائحة, وإذا بقي شيء فيتعاطى ما يزيل الباقي من أنواع المزيلات التي يعرفها الأطباء، ونحوهم ممن جرب هذه الأمور. وفيه أنه عُرض عليه طبق من خضرات: قدر فيه خضرات, فوجد لها ريحاً، فقال لبعض أصحابه: قدموها لبعض أصحابه، فلما رآه لم يأكل منها ذلك الصحابي كره أن يتعاطاها, فقال: «كُلْ، فَإِنِّي أُنَاجِي مَن لا تُنَاجِي» (١)، يعني جبرائيل ﵊. فهذه البقول غير الثوم والبصل بقول وجد فيها ريحاً ما ناسبته ﵊ فتركها؛ لئلا يتأذى بها جبرائيل ﵊ , وأذن لأصحابه في أكلها, فالبقول التي ليس فيها رائحة كالثوم والبصل والكراث، لا بأس أن يأكلها الإنسان, لا حرج في ذلك: كأنواع البقول: الجرجير، والخس، وأشباه ذلك مما ليس له رائحة كريهة, فلا حرج في أكله, وإن كرهه بعض الناس لبعض رائحته, لكن ليس مثل الثوم والبصل والكراث, فهذه ينبغي تركها إلا من حاجة, وإذا أكلها فلا يحضر إلى المساجد, ولا يصلي مع الناس, لئلا يؤذيهم بها, وفي معنى ذلك كل رائحة كريهة: كالصنان (٢) الذي يبتلى به بعض الناس,

стр. 253

إن كان له رائحة شديدة يؤذي بها الناس, فلا يحضر حتى يغتسل ويتنظف، ويجاهد، لعله يزول ما عليه من هذه الرائحة الكريهة. وهكذا التدخين، يجب عليه أن يجتهد حتى لا يؤذي الناس برائحة الدخان, فإذا كان يتعاطاه فليستر على نفسه, ويتباعد عن إظهار هذا المنكر؛ لأن هذا منكر، التدخين منكر, فيجمع بين إظهار المنكر, وإيذاء الناس بالرائحة, فالواجب عليه يستتر بستر اللَّه, وأن يحرص على أن لا تظهر الرائحة لأحد من الناس, حتى يستتر عن ظهور هذا المنكر, وحتى لا يؤذي به المسلمين, الذين لم يعتادوه, ولم يشربوه, لا في الصلاة، ولا في غيرها. ٢١ - بابُ التَّشهدِ ١٢٥ - عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بنِ مَسْعُودٍ ﵁ قَالَ: «عَلَّمَنِي رَسُولُ اللَّهِ ﷺ التَّشَهُّدَ ــ كَفِّي بَيْنَ كَفَّيْهِ ــ كَمَا يُعَلِّمُنِي السُّورَةَ مِنَ الْقُرْآنِ: التَّحِيَّاتُ لِلَّهِ، وَالصَّلَوَاتُ، وَالطَّيِّبَاتُ، السَّلامُ عَلَيْكَ أَيُّهَا النَّبِيُّ وَرَحْمَةُ اللَّهِ وَبَرَكَاتُهُ، السَّلامُ عَلَيْنَا وَعَلَى عِبَادِ اللَّهِ الصَّالِحِينَ، أَشْهَدُ أَنْ لا إلَهَ إلَاّ اللَّهُ، وَأَشْهَدُ أَنَّ مُحَمَّداً عَبْدُهُ وَرَسُولُهُ» (١).

стр. 254

١٢٦ - وَفِي لَفْظٍ: «إذَا قَعَدَ أَحَدُكُمْ للصَّلاةِ (١)، فَلْيَقُلِ: التَّحِيَّاتُ للهِ ــ وَذَكَرَهُ، وَفِيهِ ــ: فَإِنَّكُمْ إذَا فَعَلْتُمْ ذَلِكَ، فَقَدْ سَلَّمْتُمْ عَلَى كُلِّ عَبْدٍ (٢) صَالِحٍ فِي السَّمَاءِ وَالأَرْضِ ــ وَفِيهِ ــ فَلْيَتَخَيَّرْ مِنَ الْمَسْأَلَةِ مَا شَاءَ» (٣). ١٢٧ - عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ أَبِي لَيْلَى قَالَ: «لَقِيَنِي كَعْبُ بْنُ عُجْرَةَ، فَقَالَ: أَلا أُهْدِي لَكَ هَدِيَّةً؟ إنَّ النَّبِيَّ ﷺ خَرَجَ عَلَيْنَا، فَقُلْنَا: يَا رَسُولَ اللَّهِ، قَدْ عَلِمْنَا كَيْفَ نُسَلِّم عَلَيْكَ، فَكَيْفَ نُصَلِّي عَلَيْكَ؟ فَقَالَ: قُولُوا: «اللَّهُمَّ صَلِّ عَلَى مُحَمَّدٍ، وَعَلَى آلِ مُحَمَّدٍ، كَمَا صَلَّيْتَ (٤) عَلَى إبْرَاهِيمَ، وعلى آل إبراهيم، إنَّكَ حَمِيدٌ مَجِيدٌ، وَبَارِكْ عَلَى مُحَمَّدٍ، وَعَلَى آلِ مُحَمَّدٍ، كَمَا بَارَكْتَ عَلَى (٥) إبْرَاهِيمَ، وَعَلَى آلِ إبرَاهيمَ، إنَّكَ حَمِيدٌ مَجِيدٌ» (٦).

стр. 255

٢٩ - قال الشارح ﵀: هذان الحديثان العظيمان الصحيحان عن رسول اللَّه ﵊ فيهما بيان كيفية التشهد, الذي يأتي به المسلم في الصلاة, وبيان كيفية الصلاة على النبي ﷺ أيضاً في الصلاة. أما التشهد فكان الصحابة في أول الأمر إذا جلسوا في التشهد الأول والتشهد الأخير, يقولون: السلام على اللَّه من عباده, السلام على جبريل وميكائيل, السلام على فلان وفلان، فعلمهم النبي ﷺ كيف يقولون، وقال: «إِذَا قعد أَحَدُكُمْ -يعني للتشهد- فَلْيَقُلْ: التَّحِيَّاتُ لِلَّهِ، وَالصَّلَوَاتُ، وَالطَّيِّبَاتُ، السَّلَامُ عَلَيْكَ أَيُّهَا النَّبِيُّ وَرَحْمَةُ اللَّهِ وَبَرَكَاتُهُ، السَّلَامُ عَلَيْنَا وَعَلَى عِبَادِ اللَّهِ الصَّالِحِينَ، أَشْهَدُ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ، وَأَشْهَدُ أَنَّ مُحَمَّدًا عَبْدُهُ وَرَسُولُهُ» (١). هذا هو التشهد يقال في التشهد الأول بعد الركعتين, ويقال في التشهد الأخير قبل السلام، «ثُمَّ ليَتَخَيَّرُ مِنْ الدُّعَاءِ أَعْجَبَهُ إليه فيدعو به» (٢) , وفي اللفظ الآخر: «ثمَّ يَتَخَيَّرُ مِنَ الْمَسْأَلَةِ مَا شَاءَ» (٣)، يعني

стр. 256

بعد هذا يدعو بعد هذا, وبعد الصلاة على النبي ﷺ ، وقال لهم النبي ﷺ : «إذَا فَعَلْتُمْ هذا، فَقَدْ سَلَّمْتُمْ عَلَى كُلِّ عَبْدٍ صَالِحٍ فِي السَّمَاءِ وَالأَرْضِ» (١)، يعني إذا قال: السلام علينا وعلى عباد اللَّه الصالحين، فمعناه: سلّم على كل عبدٍ صالح من الأنبياء وغيرهم في السماء والأرض, يعني دعا لهم. السلام دعاء، فمعناه: السلام علينا أي: من السلامة والعافية علينا، وعلى عباد اللَّه الصالحين, وهكذا السلام عليك أيها النبي, يعني السلامة لك أيها النبي والرحمة والبركة, يدعون للنبي ﷺ بالسلامة والرحمة والبركة, ويدعو لعباد اللَّه الصالحين بالسلامة, ولنفسه كذلك علينا وعلى عباد اللَّه الصالحين، فالمؤمن في تشهده يدعو للنبي ﷺ بالسلامة والرحمة والبركة, ويعظم اللَّه بقوله: التحيات للَّه, التحيات للَّه، أي: التعظيمات من الركوع والسجود، والثناء كله للَّه وحده ، وهكذا الصلوات للَّه, الصلوات الخمس، والنافلة، وجميع الدعاء كله للَّه وحده، والطيبات؛ كل الطيبات من أقوالنا وأعمالنا، فيجب أن تكون للَّه وحده, ثم يأتي بعد هذا بالتشهد: أشهد أن لا إله إلا اللَّه, وفي الرواية الأخرى: «وَحْدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ وَأَشْهَدُ أَنَّ مُحَمَّدًا عَبْدُهُ وَرَسُولُهُ» (٢). يعني أشهد،

стр. 257

يعني أعلم، وأعترف، وأقر بأنه لا إله إلا اللَّه، يعني لا معبود حق إلا اللَّه، هذا معنى لا إله إلا اللَّه, أي لا معبود حق, لا في السماء ولا في الأرض إلا اللَّه هو سبحانه, هو المعبود بحق, كما قال في كتابه العظيم: ﴿ذَلِكَ بِأَنَّ اللَّهَ هُوَ الْحَقُّ وَأَنَّ مَا يَدْعُونَ مِن دُونِهِ هُو الْبَاطِلُ﴾ (١)، وقال: ﴿وَإِلَهُكُمْ إِلَهٌ وَاحِدٌ لَاّ إِلَهَ إِلَاّ هُوَ الرَّحْمَنُ الرَّحِيمُ﴾ (٢)، ﴿إِنَّمَا إِلَهُكُمُ اللَّهُ الَّذِي لا إِلَهَ إِلَاّ هُوَ وَسِعَ كُلَّ شَيْءٍ عِلْمًا﴾ (٣)، ﴿إِيَّاكَ نَعْبُدُ وإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ﴾ (٤)، ﴿وَقَضَى رَبُّكَ أَلَاّ تَعْبُدُوا إِلَاّ إِيَّاه﴾ (٥)، ﴿وَمَا أُمِرُوا إِلَاّ لِيَعْبُدُوا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ حُنَفَاء﴾ (٦). هذا هو معنى: لا إله إلا اللَّه. معناها: لا معبود حق لا في الأرض ولا في السماء إلا اللَّه. أما المعبودات التي عبدها الناس من الأصنام، أو الأشجار، أو الملائكة، أو الأنبياء، أو الجن، كل ذلك باطل؛ العبادة حق للَّه , فلا يُدعى مع اللَّه أحد, لا ملك، ولا نبي، ولا جني، ولا شجر، ولا صنم، ولا غير ذلك، والعبادة حق اللَّه وحده, هو الذي يُدعى, هو الذي يُرجى, ويُصلى له, ويُركع له, ويُسجد له, ويُذبح له, ويُنذر له, رجاء ثوابه, وحذر عقابه ، مع الشهادة بأن محمداً يعني ابن

стр. 258

عبداللَّه بن عبدالمطلب الهاشمي عبدُ اللَّه ورسوله، خاتمُ الأنبياء ﵊ , وآخرهم: هو محمد، هذا اسمه، ابن عبد اللَّه، هذا اسم أبيه، ابن عبد المطلب، هذا جده، ابن هاشم أبي جده القرشي، أفضل العرب, وأفضل الخلق, وأفضل ولد آدم ﵊، ختم اللَّه به الأنبياء, وجعله رسولاً للناس عامة من الجن والإنس: ﴿قُلْ يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنِّي رَسُولُ اللَّهِ إِلَيْكُمْ جَمِيعًا﴾ (١)، ﴿وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَاّ كَافَّةً لِّلنَّاسِ بَشِيرًا وَنَذِيرًا﴾ (٢) ﵊. ثم يقول بعد هذا, كما في حديث كعب بن عجرة: «اللَّهُمَّ صَلِّ عَلَى مُحَمَّدٍ، وَعَلَى آلِ مُحَمَّدٍ، كَمَا صَلَّيْتَ عَلَى إبْرَاهِيمَ، وعلى آل إبراهيم، إنَّكَ حَمِيدٌ مَجِيدٌ، اللَّهُمَّ بَارِكْ عَلَى مُحَمَّدٍ، وَعَلَى آلِ مُحَمَّدٍ، كَمَا بَارَكْتَ عَلَى إبْرَاهِيمَ، وَعَلَى آلِ إبرَاهيمَ، إنَّكَ حَمِيدٌ مَجِيدٌ» (٣). هذا التشهد مع الصلاة على النبي ﷺ , ثم يقوم للثالثة في المغرب، والظهر، والعصر، والعشاء, وفي التشهد الأخير قبل أن يسلم يأتي بعد هذا بـ «اللَّهُمَّ إِنّي أَعُوذُ بِكَ مِنْ عَذَابِ جَهَنَّمَ، وَمِنْ عَذَابِ الْقَبْرِ، وَمِنْ فِتْنَةِ الْمَحْيَا وَالْمَمَاتِ، وَمِنْ فِتْنَةِ الْمَسِيحِ الدَّجَّالِ» (٤)، هكذا في التشهد يوم الجمعة والفجر، إذا صلى على

стр. 259

النبي يأتي بهذا: اللَّهم إني أعوذ بك من عذاب جهنم, ومن عذاب القبر, ومن فتنة المحيا والممات, ومن فتنة المسيح الدجال، هذا في التشهد الأخير قبل أن يُسلم يدعو ما تيسر, يقول: «رَبَّنَا آتِنَا فِي الدُّنْيَا حَسَنَةً , وَفِي الْآخِرَةِ حَسَنَةً , وَقِنَا عَذَابَ النَّارِ» (١)، «اللهمَّ أَعِنِّي على ذِكْرِكَ، وشُكْرِكَ، وحُسنِ عِبَادَتِكَ» (٢)، «اللَّهُمَّ إِنِّي ظَلَمْتُ نَفْسِي ظُلْمًا كَثِيرًا، وَلَا يَغْفِرُ الذُّنُوبَ إِلَّا أَنْتَ، فَاغْفِرْ لِي مَغْفِرَةً مِنْ عِنْدِكَ،

стр. 260

وَارْحَمْنِي إِنَّك أَنْتَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ» (١)، هذا من الدعاء الطيب قبل أن يسلم، «اللَّهُمَّ اغْفِرْ لِي مَا قَدَّمْتُ، وَمَا أَخَّرْتُ، وَمَا أَسْرَرْتُ، وَمَا أَعْلَنْتُ، وَمَا أَسْرَفْتُ، وَمَا أَنْتَ أَعْلَمُ بِهِ مِنِّي، أَنْتَ الْمُقَدِّمُ، وَأَنْتَ الْمُؤَخِّرُ، لَا إِلَهَ إِلَاّ أَنْتَ» (٢). هذا أيضاً دعا به النبي ﷺ قبل أن يسلم ﵊. ومن دعائه: «اللَّهُمَّ إِنِّي أَعُوذُ بِكَ مِنَ الْبُخْلِ، وَأَعُوذُ بِكَ مِنَ الْجُبْنِ، وَأَعُوذُ بِكَ من أَنْ أُرَدَّ إِلَى أَرْذَلِ الْعُمُرِ، وَأَعُوذُ بِكَ مِنْ عَذَابِ الْقَبْرِ» (٣)، فهذا مما دعا به النبي قبل أن يُسلم ﵊. وما تيسر من الدعاء يكفي بعد الصلاة على النبي ﷺ , ثم يسلم تسليمتين: السلام عليكم ورحمة اللَّه عن يمينه، السلام عليكم ورحمة اللَّه عن شماله، وبهذا تمت الصلاة: النفل والفرض, وهذه الصلاة على النبي فرض في أصح قولي العلماء, يجب أن يأتي بها

стр. 261

في التشهد الأخير، أما في الأول فهي مستحبة ما هي بلازمة (١)، الصلاة على النبي ما هي بلازمة، إذا قال أشهد أن لا إله إلا اللَّه وأشهد أن محمداً عبده ورسوله بعد الثانية في الظهر والعصر والمغرب والعشاء كفى, يقوم إلى الثالثة, وإن صلى على النبي بعدها فهو أفضل، يصلي على النبي ﷺ , ثم يقوم إلى الثالثة، أما في التشهد الأخير، فيأتي بالصلاة على النبي ﷺ ، هذا هو الواجب يأتي بها, ثم يدعو بعدها, ثم يُسلم في الفرض والنفل جميعاً. ومعنى على آل محمدٍ يعني أزواجه وذريته وأصحابه وأتباعه: هم آل النبي، آل النبي: أزواجه، وذريته المؤمنون، وأصحابه، وأتباعه, كلهم داخلٌ في آله ﵊. ١٢٨ - عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ قَالَ: «كَانَ رَسُولُ اللَّه ﷺ يَدْعُو في صلاته (٢): اللَّهُمَّ إنِّي أَعُوذُ بِكَ مِنِ عَذَابِ الْقَبْرِ، وَمِنْ عَذَابِ النَّارِ، وَمِنْ فِتْنَةِ الْمَحْيَا وَالْمَمَاتِ، وَمِنْ فِتْنَةِ الْمَسِيحِ الدَّجَّالِ» (٣). وفي لفظ لمسلمٍ: «إذَا تَشَهَّدَ أَحَدُكُمْ فَلْيَسْتَعِذْ بِاَللَّهِ مِنِ أَرْبَعٍ. يَقُولُ: اللَّهُمَّ إنِّي أَعُوذُ بِكَ مِنِ عَذَابِ جَهَنَّمَ ــ ثم ذَكَرَ نَحُوَهُ» (٤).

стр. 262

١٢٩ - عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرِو بْنِ الْعَاصِ، عَنْ أَبِي بَكْرٍ الصِّدِّيقِ ﵃: أَنَّهُ قَالَ لِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ : «عَلِّمْنِي دُعَاءً أَدْعُو بِهِ فِي صَلاتِي. قَالَ: قُلِ: اللَّهُمَّ إنِّي ظَلَمْتُ نَفْسِي ظُلْماً كَثِيرَاً، وَلا يَغْفِرُ الذُّنُوبَ إلَاّ أَنْتَ، فَاغْفِرْ لِي مَغْفِرَةً مِنِ عِنْدِكَ، وَارْحَمْنِي إنَّكَ أَنْتَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ» (١). ١٣٠ - عَنْ عَائِشَةَ ﵂ قَالَتْ: «مَا صَلَّى رَسُولُ اللَّهِ ﷺ صلاةً ــ بَعْدَ أَنْ نَزَلَتْ عَلَيْهِ ﴿إذَا جَاءَ نَصْرُ اللَّهِ وَالْفَتْحُ﴾ (٢) ــ إلَاّ يَقُولُ فِيهَا: سُبْحَانَكَ اللَّهُمَّ رَبَّنَا وَبِحَمْدِكَ، اللَّهُمَّ اغْفِرْ لِي» (٣). وَفِي لَفْظٍ: «كَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يُكْثِرُ أَنْ يَقُولَ فِي رُكُوعِهِ وَسُجُودِهِ: سُبْحَانَكَ اللَّهُمَّ رَبَّنَا وَبِحَمْدِكَ، اللَّهُمَّ اغْفِرْ لِي» (٤).

стр. 263

٣٠ - قال الشارح ﵀: هذه الأحاديث الثلاثة تتعلق بالدعاء في الصلاة, ولاسِيَّما في آخرها قبل السلام, وقد سبق الحديث الصحيح من حديث ابن مسعود ﵁: عن النبي ﷺ لما علّم أصحابه التشهد, قال: «ثمَّ يَتَخَيَّرُ مِنَ الْمَسْأَلَةِ مَا شَاءَ» (١)، وفي اللفظ الآخر: «ثُمَّ ليَتَخَيَّرُ مِنْ الدُّعَاءِ أَعْجَبَهُ إليه فيدعو به» (٢) , فدل ذلك على أنه يُستحب للمؤمن أن يدعو في آخر الصلاة بعد التشهد, وأن يجتهد في الدعاء, وأنه لا ينحصر في المأثور, بل له أن يدعو بما شاء, ولو غير المأثور؛ لأن الإنسان له حاجات، فليدْعُ بحاجته, ولو كانت حاجات دنيوية, كأن يقول: اللَّهم اقض ديني، أو: اللَّهم ارزقني كسباً حلالاً, أو: اللَّهم ارزقني زوجةً صالحة، هذا أيضاً له تعلق بالدين، فالزوجة الصالحة لها شأنٌ عظيم, فالمقصود أن يدعو بما أحب من الدعوات الطيبة, وإذا تيسر المأثور، فالمأثور أفضل, إلا إذا بدت حاجة ليست في الدعاء المأثور، فيدعو بها؛ لأن الرسول ﷺ قال: «ثمَّ ليَخَتر مِنَ

стр. 264

الْمَسْأَلَةِ مَا شَاءَ» (١)، وفي اللفظ الآخر: «فليخْتَرْ مِنْ الدُّعَاءِ أَعْجَبَهُ إليه يدعو به» (٢)، فإذا دعا أن اللَّه يشفيه من مرضه، يقضي دينه، يرزقه الكسب الحلال، يرزقه الصديق الطيب، الصحب الخيار, وما أشبه ذلك, كله لا بأس به، ومن ذلك ما كان يدعو به ﷺ في آخر الصلاة: من التعوذ من عذاب جهنم, وعذاب القبر, ومن فتنة المحيا والممات, ومن فتنة المسيح الدجال. كان ﷺ في التشهد الأخير يدعو بهذه الدعوات, كما جاء في الصحيحين, كما ذكره المؤلف هنا: يتعوذ باللَّه من عذاب جهنم, ومن عذاب القبر, ومن فتنة المحيا والممات, ومن فتنة المسيح الدجال، ويقول: «صَلُّوا كَمَا رَأَيْتُمُونِي أُصَلّي» (٣) , وفي اللفظ الآخر: الأمر بذلك, قال: «إذَا تَشَهَّدَ أَحَدُكُمْ فَلْيَسْتَعِذْ بِاَللَّهِ مِنِ أَرْبَعٍ. هذا أمر, يقول: «اللَّهُمَّ إنِّي أَعُوذُ بِكَ مِنِ نَارِ جَهَنَّمَ، ومن عذاب القبر, ومن فتنة المحيا والممات, ومن فتنة المسيح الدجال» (٤). وهذا يقتضي التأكد, وقد ذهب أهل العلم كافة إلى شرعية هذا الدعاء، وتأكده؛ لهذا الأمر به؛ لأنه فعله ﷺ , وقد أمر به, وذهب طاوس التابعي الجليل إلى وجوبه, وأنه دعاء واجب, وكان يأمر من تركه أن يُعيد الصلاة؛ لأنه يراه دعاءً واجباً، أما الأئمة الأربعة،

стр. 265

والجمهور فيرون أنه مستحب ومتأكد, فلا ينبغي تركه, وهو التعوذ باللَّه من عذاب جهنم, ومن عذاب القبر, ومن فتنة المحيا والممات, ومن فتنة المسيح الدجال. في آخر كل صلاة؛ لهذا الحديث الصحيح. ويُستحب أيضاً أن يدعو بالدعوات التي علمها النبي ﷺ الصديق, كما في الصحيحين من حديث عبداللَّه بن عمرو بن العاص عن أبي بكر الصديق ﵃ أنه قال: «يَا رَسُولَ اللَّهِ عَلِّمْنِي دُعَاءً أَدْعُو بِهِ فِي صَلَاتِي»، هكذا يقول الصديق للنبي ﷺ : علمني دعاءً أدعو به في صلاتي، وفي اللفظ الآخر: وفي بيتي. كما رواه مسلم (١): في صلاتي. وفي بيتي، قال: «قل اللَّهُمَّ إِنِّي ظَلَمْتُ نَفْسِي ظُلْمًا كَثِيرًا، وَلَا يَغْفِرُ الذُّنُوبَ إِلَّا أَنْتَ، فَاغْفِرْ لِي مَغْفِرَةً مِنْ عِنْدِكَ، وَارْحَمْنِي إِنَّك أَنْتَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ» (٢) , وهذا يدل على فضل هذا الدعاء, وأنه دعاء عظيم مهم, علمه النبي ﷺ أفضل صحابي، وأفضل الأمة بعد الأنبياء, هذا الرجل الكريم أبو بكر الصديق, علمه النبي هذا الدعاء العظيم: اللَّهم إني ظلمت نفسي ظلماً كثيراً, ولا يغفر الذنوب إلا أنت, فاغفر لي مغفرة من عندك, وارحمني إنك أنت الغفور الرحيم. وإذا كان الصديق يُعلَّم هذا الدعاء, فكيف بغيره, وبهذا فإن الإنسان لا يعجب بنفسه, ولا يعتقد أنه سليم من كل شيء؛ ولهذا قال النبي

стр. 266

للصديق: قل: اللَّهم إني ظلمت نفسي ظلماً كثيراً؟ وهو الصديق أفضل الأمة، مشهود له بالجنة، وأحد العشرة وأفضلهم، وأفضل الأمة بعد رسول اللَّه ﵊، ومع هذا يعلمه النبي هذا الدعاء العظيم, الذي فيه الاعتراف بأنه ظلم نفسه ظلماً كثيراً, فينبغي للمؤمن أن يكثر من هذا الدعاء في الصلاة، وفي غيرها؛ لأنه دعاء عظيم, فيه الضراعة إلى اللَّه, والانكسار والتذلل, والاعتراف بظلمه لنفسه, وأن اللَّه هو الذي يغفر الذنوب, لا يغفرها غيره . فيه الدعاء: اللَّهم اغفر لي مغفرة من عندك, وارحمني إنك أنت الغفور الرحيم. دعاء وتوسل للَّه بأسمائه الحسنى, وانكسار بين يديه, واعترافه بظلمه لنفسه، وهو حريٌ بالإجابة، وهذا يعم الصلاة النافلة والفريضة، ويعم الدعوات في غير الصلاة، ولهذا قال: «في بيتي». إذا دعا به في غير الصلاة, كل ذلك حسن. ومن دعائه في آخر الصلاة ﵊: «اللَّهُمَّ اغْفِرْ لِي مَا قَدَّمْتُ وَمَا أَخَّرْتُ، وَمَا أَسْرَرْتُ وَمَا أَعْلَنْتُ، وما أسرفت ...» (١). (٢).

стр. 267

٢٢ - بابُ الوِتْرِ (١) ١٣١ - عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ ﵄ قَالَ: «سَأَلَ رَجُلٌ النَّبِيَّ ﷺ ــ وَهُوَ عَلَى الْمِنْبَرِ ــ مَا تَرَى فِي صَلاةِ اللَّيْلِ؟ قَالَ: مَثْنَى، مَثْنَى، فَإِذَا خَشِيَ أَحَدُكُمُ (٢) الصُّبْحَ: صَلَّى وَاحِدَةً، فَأَوْتَرَتْ لَهُ مَا صَلَّى، وَأَنَّهُ كَانَ يَقُولُ: اجْعَلُوا آخِرَ صَلاتِكُمْ بِاللَّيْلِ وِتْراً» (٣). ١٣٢ - عَنْ عَائِشَةَ لقَالَتْ: «مِنْ كُلِّ اللَّيْلِ قد أَوْتَرَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ ، مِنِ أَوَّلِ اللَّيْلِ، وَأَوْسَطِهِ، وَآخِرِهِ. فَانْتَهَى وِتْرُهُ إلَى السَّحَرِ» (٤). ١٣٣ - عَنْ عَائِشَةَ لقَالَتْ: «كَانَ رَسُولُ اللَّه ﷺ يُصَلِّي مِنَ اللَّيْلِ ثَلاثَ عَشْرَةَ رَكْعَةً، يُوتِرُ مِنِ ذَلِكَ بِخَمْسٍ، لايَجْلِسُ فِي شَيْءٍ إلَاّ فِي آخِرِهَا» (٥). ٣١ - قال الشارح ﵀: هذه الأحاديث الثلاثة تتعلق بالوتر, والوتر سنةٌ مؤكدة, فعلها النبي ﷺ , وأمر بها, وبيّن فضلها ﵊ , فهي سُنة مؤكدة

стр. 268

, ووقتها ما بين صلاة العشاء إلى طلوع الفجر, كما في حديث خارجة بن حذافة عن النبي ﷺ أنه قال: «إِنَّ اللَّهَ أَمَدَّكُمْ بِصَلَاةٍ هِيَ خَيْرٌ لَكُمْ مِنْ حُمْرِ النَّعَمِ: مَا بَيْنَ صَلَاةِ الْعِشَاءِ إِلَى طُلُوع الْفَجْرِ» (١) , هذا وقتها حين الفراغ من صلاة العشاء ولو مجموعة إلى المغرب, ولو جمعت العشاء إلى المغرب جمع تقديم في مطر، أو في سفر، أو مرض, يدخل وقت الوتر بعد صلاة العشاء في وقتها, أو مجموعة إلى ما قبلها, وينتهي بطلوع الفجر وانتهاء الليل. يقول ﵊ لما سئل على المنبر: «ما ترى في صلاة الليل؟ قال: مثنى مثنى» (٢)، يعني صلوها مثنى مثنى, يعني ثنتين ثنتين, يُسلم من كل ثنتين, فإذا خشي أحدكم الصبح صلى ركعة واحدة, توتر له ما قد صلى, هذا هو السنة: أن يُصلي ثنتين ثنتين, ثم يوتر بواحدة, وقال ﵊: «اجْعَلُوا آخِرَ صَلاتِكُمْ بِاللَّيْلِ وِتْراً» (٣)، أي اجعلوا الركعة الأخيرة هي آخر صلاتكم يختم بها تهجده في الليل ركعة واحدة.

стр. 269

وفي حديث عائشة الثاني تقول ﵂: «كَانَ يُصَلّي ﷺ مِنَ اللَّيْلِ عَشَرَ رَكَعَاتٍ» (١)، يُسلم من كل ثنتين, ثم يوتر بواحدة ﵊ , وربما صلى ﵊ ثنتين بعد الوتر, وهو جالس ليعلم الناس أنه لا حرج أن يُصلى بعد الوتر, لكن الأفضل أن يكون الوتر هو الأخير، لكن لو صلى في أول الليل ثم يسَّر اللَّه له القيام في آخر الليل صلّى ما شاء من دون وتر, يكفيه الوتر الأول صلَّى ركعتين أو أربعاً، أو ستاً، أو ما أشبه ذلك، لكن بدون وتر, يكفيه الوتر الأول؛ لقوله ﷺ : «لَا وِتْرَانِ فِي لَيْلَةٍ» (٢)، فإذا تيسر له التهجد في الليل، ثم نام، ثم استيقظ, وقد بقي بقية لا مانع أن يُصلي فيها ركعتين أو أكثر، ويكتفي بالوتر الأول، ليس وقت نهي بعد الوتر, لكن الأفضل أن يكون الوتر هو الآخر, يختم به الركعة الأخيرة صلاته بالليل. وتقول ﵂: «مِنْ كُلِّ اللَّيْلِ قَدْ أَوْتَرَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ ، مِنْ أَوَّلِهِ، وَآخِرِهِ، وَأَوْسَطِهِ، وَانْتَهَى وِتْرُهُ إِلَى السَّحَرِ» (٣)، يعني: في بعض الأحيان أوتر في أول الليل، وفي بعض الأحيان أوتر في جوف الليل, وفي بعض الأحيان

стр. 270

أوتر في آخر الليل, ثم انتهى وتره الأخير إلى السحر, وصار في آخر حياته يوتر في السحر، استقر في آخر الليل؛ لأنه وقت التنزل الإلهي؛ لأنه ثبت في الأحاديث الصحيحة عن رسول اللَّه ﵊ أنه قال: «يَنْزِلُ رَبُّنَا ﵎ إِلَى السَّمَاءِ الدُّنْيَا كُلَّ لَيْلَةٍ، حِينَ يَبْقَى ثُلُثُ اللَّيْلِ الآخِرُ، فيَقُولُ: مَنْ يَدْعُونِي، فَأَسْتَجِيبَ لَهُ، مَنْ يَسْأَلُنِي فَأُعْطِيَهُ، مَنْ يَسْتَغْفِرُنِي فَأَغْفِرَ لَهُ حتّى يطير الفجر» (١)، فإذا تيسر أن يكون التهجد والوتر في الثلث الأخير، فهذا أفضل, وإن كان في جوف الليل، أو في أوله، فلا بأس, كله واسع, والحمد للَّه. في الحديث الأخير تقول ﵂: «إنه كَانَ ﷺ يُصَلِّي مِنَ اللَّيْلِ ثَلَاثَ عَشْرَةَ رَكْعَةً، يُوتِرُ مِنْها بِخَمْسٍ» (٢) يسردها، هذا في بعض

стр. 271

الأحيان ﵊ , ثم صلى ثنتين ثنتين, وأوتر بواحدة, كما تقدم في حديث عائشة في الصحيحين: «أنَّهُ كَانَ يُصَلِّي عشر رَكَعَات، يُسَلِّمُ بَيْنَ كُلِّ ثنتيْنِ، ثمَّ يُوتِرُ بِوَاحِدَةٍ» (١) , وهذا موافق لحديث ابن عمر: «صَلَاةُ اللَّيْلِ مَثْنَى مَثْنَى» (٢)، وربما أوتر بثلاث عشرة يصلي ركعتين ركعتين, ثمان ركعات, ثم يختم بخمسٍ, يسردها سرداً, ولا يجلس إلا في آخرها (٣) , وربما أوتر بثلاث, يسردها سرداً, ولكن الأغلب، والأكثر، والأفضل أن يسلم من كل ثنتين، ثم يوتر بواحدة, كما ورد عنه ﷺ في حديث ابن عمر: «صَلَاةُ اللَّيْلِ مَثْنَى مَثْنَى فَإِذَا

стр. 272

خَشِيَ أَحَدُكُمْ الصُّبْحَ صَلَّى رَكْعَةً وَاحِدَةً تُوتِرُ لَهُ مَا قَدْ صَلَّى» (١). لكن إذا فعل هذا بعض الأحيان: سرد خمساً, أو سرد سبعاً, أو سرد تسعاً, أو سرد ثلاثاً, لا بأس, لكن إذا سرد سبعاً، أو تسعاً، فالأفضل أن يجلس في السادسة للتشهد الأول, ثم يأتي بالسابعة, وفي الثامنة يجلس يأتي بالتشهد الأول, ثم يأتي بالتاسعة, وإن سلم من كل ثنتين، فهذا هو الأفضل: ثنتين ثنتين, ولا يصلي ثلاثاً كالمغرب، لا، يسردها سرداً, وإلا يُسلم من كل ثنتين, ولا يصليها كالمغرب, يشبهها بالمغرب, لا، ليس بمشروع, يُكره، وينهى عنه. وفي لفظ آخر «صلاة الليل والنهار» (٢) زيادة النهار, وهو لفظ لا بأس به, صحيح يدل على أن النهار كذلك, الأفضل ثنتين ثنتين, الأفضل إذا صلى الضحى مثلاً يصلي ثنتين ثنتين, تسليمة تسليمة، أربع يصلي بتسليمتين، صلى ستاً: بثلاث تسليمات، ثمان صلى بأربع تسليمات، هذا هو الأفضل, لقوله في الحديث الآخر: «صَلَاةُ

стр. 273

اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ مَثْنَى مَثْنَى» (١) , وكان يُصلي ثنتين ثنتين ﵊ , يصلي ركعتي الضحى، تحية المسجد ثنتين، سُنة الضحى ثنتين، أربعاً قبل الظهر يسلم من كل ثنتين، هكذا ﵊ فالأفضل ثنتين ثنتين, حتى في النهار السنة ثنتين.

стр. 274

٢٣ - باب الذكر عقب (١) الصلاة ١٣٤ - عن عبد اللَّه بن عباس ﵄، «أَنَّ رَفْعَ الصَّوْتِ بِالذِّكْرِ ــ حِينَ يَنْصَرِفُ النَّاسُ مِنَ الْمَكْتُوبَةِ ــ كَانَ عَلَى عَهْدِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ ». قال ابن عباس: «كُنْتُ أَعْلَمُ إذَا انْصَرَفُوا بِذَلِكَ، إذَا سَمِعْتُهُ ﷺ » (٢). وفي لفظٍ، «مَا كُنَّا نَعْرِفُ انْقِضَاءَ صَلاةِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ إلا بِالتَّكْبِير» (٣). ١٣٥ - عن وَرَّادٍ مولى المغيرة بن شُعبة قال: أَمْلَى عَلَيَّ الْمُغِيرَةُ بنُ شُعْبَةَ في كِتَابٍ إلَى مُعَاوِيَةَ، أنَّ النَّبِيَّ ﷺ كَانَ يَقُولُ فِي دُبُرِ كُلِّ صَلاةٍ مَكْتُوبَةٍ: «لا إلَهَ إلَاّ اللَّهُ وَحْدَهُ لا شَرِيكَ لَهُ، لَهُ الْمُلْكُ وَلَهُ الْحَمْدُ، وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٍ، اللَّهُمَّ لا مَانِعَ لِمَا أَعْطَيْتَ وَلا مُعْطِيَ لِمَا مَنَعْتَ، وَلا يَنْفَعُ ذَا الْجَدِّ مِنْكَ الْجَدُّ» (٤). ثُمَّ وَفَدْتُ بعد ذلك (٥) على معاوية فسمعته يأمر الناس بِذلك. وفي لفظٍ: «كَانَ (٦) يَنْهَى عَنْ قِيلَ وَقَالَ، وَإِضَاعَةِ الْمَالِ، وَكَثْرَةِ

стр. 275

السُّؤَالِ، وَكَانَ يَنْهَى عَنْ عُقُوقِ الأُمَّهَاتِ، وَوَادِ الْبَنَاتِ، وَمَنْعٍ وَهَاتِ» (١). ٣٢ - قال الشارح ﵁: هذان الحديثان عن النبي ﷺ ، كلاهما يدل على شرعية الذكر عقب الصلاة، وأنه يُرفع به الصّوت، حتى يتعلم الجاهل، ويتذكّر النّاسي. ويظن بعض الناس: أن الأفضل السر غلط، وهذا من السنة، [بل] (٢) من السنة رفع الصوت بالذكر بعد العصر، والمغرب، والعشاء، والفجر، والظهر، حتى يسمع من حول المسجد أنهم صلّوا؛ ولهذا في حديث ابن عباس ﵄: «أن رفع الصوت بالذكر حين ينصرف الناس من المكتوبة»، كان على عهد النبي ﷺ (٣)، قال ابن عباس: «كنت أعلم إذا انصرفوا بذلك إذا سمعته» (٤)، أي إذا سمعوا من حول المسجد، عرفوا أن الصلاة انتهت. وفي لفظ: «ما كنا نعرف انقضاء صلاة رسول اللَّه ﷺ إلا

стр. 276

بالتكبير» (١): التكبير، وسبحان اللَّه، والحمد للَّه، واللَّه أكبر. يعرف من حول المسجد أنهم صلوا، فهذا واضح في شرعية الجهر بالذكر عقب الصلاة، يقول: «أَسْتَغْفِرُ اللَّهَ، أَسْتَغْفِرُ اللَّهَ، أَسْتَغْفِرُ اللَّهَ»، «اللَّهُمَّ أَنْتَ السَّلَامُ، وَمِنْكَ السَّلَامُ، تَبَارَكْتَ يا ذَا الْجَلَالِ وَالإِكْرَامِ» (٢)، «لَا إِلَهَ إِلَاّ اللَّهُ وَحْدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ، لَهُ الْمُلْكُ وَلَهُ الْحَمْدُ، وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ، لَا حَوْلَ وَلَا قُوَّةَ إِلَاّ بِاللَّهِ، لَا إِلَهَ إِلَاّ اللَّهُ، وَلَا نَعْبُدُ إِلَاّ إِيَّاهُ، لَهُ النِّعْمَةُ، وَلَهُ الْفَضْلُ، وَلَهُ الثَّنَاءُ الْحَسَنُ، لَا إِلَهَ إِلَاّ اللَّهُ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ، وَلَوْ كَرِهَ الْكَافِرُونَ» (٣)، «اللَّهُمَّ لَا مَانِعَ لِمَا أَعْطَيْتَ، وَلَا مُعْطِيَ لِمَا مَنَعْتَ، وَلَا يَنْفَعُ ذَا الْجَدِّ مِنْكَ الْجَدُّ» (٤)، بعد كل صلاة، هكذا كما جاء في حديث

стр. 277

المغيرة، كما هنا: ذكر لا إله إلا اللَّه، اللَّهم لا مانع لما أعطيت. وجاء في حديث ابن الزبير عند مسلم بقية الذكر، وهو زيادة: «لَا حَوْلَ وَلَا قُوَّةَ إِلَاّ بِاللَّهِ، لَا إِلَهَ إِلَاّ اللَّهُ، وَلَا نَعْبُدُ إِلَاّ إِيَّاهُ، لَهُ النِّعْمَةُ وَلَهُ الْفَضْلُ، وَلَهُ الثَّنَاءُ الْحَسَنُ، لَا إِلَهَ إِلَاّ اللَّهُ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ وَلَوْ كَرِهَ الْكَافِرُون» (١). ففي هذين الحديثين: حديث المغيرة، وحديث ابن الزبير ثبت هذا الذكر العظيم، وفي حديث ابن عباس ثبت رفع الصوت بالذكر. حديث المغيرة يدل على رفع الصوت؛ لأنه كان يسمع النبي يقول هذا، لولا أنه لم يرفع صوته ما سمعوه، فدل ذلك على أن السنة رفع الصوت بالذكر رفعاً متوسطاً، ليس فيه إزعاج، رفع متوسط، يسمعه من حول المسجد، إذا جاء عند الباب سمع أن الناس صلوا. وفي الحديث الدلالة على أنه يكبر في الذكر يقول: سبحان اللَّه، والحمد للَّه، واللَّه أكبر، ثلاثاً وثلاثين مرة، سواء أفردها: سبحان اللَّه، سبحان اللَّه، سبحان اللَّه. حتى يكمل ثلاثاً وثلاثين. والحمد للَّه حتى يكمل ثلاثاً وثلاثين. واللَّه أكبر حتى يكمل ثلاثاً وثلاثين، أو جمعها يقول: «سَبْحَانَ اللَّهَ، وَالحَمْدُ اللَّهَ، وَاللَّهُ أكْبَرُ ثَلَاثًا وَثَلَاثِينَ مَرَّة جميعاً، وَهذهِ تِسْعَةٌ وَتِسْعُونَ، وَالأفضلُ يقول تَمَامَ الْمِئَةِ: لَا إِلَهَ إِلَاّ اللَّهُ وَحْدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ، لَهُ الْمُلْكُ وَلَهُ الْحَمْدُ، وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قدير»؛ لأنه

стр. 278

صح عن النبي هذا عند مسلم من حديث أبي هريرة (١). وفي حديث المغيرة الدلالة على أنه يقول: اللَّهم لا مانع لما أعطيت، ولا معطي لما منعت، أي: لا مانع لما أعطى اللَّه، ولا معطي لما منع اللَّه، الأمر بيده ، هو المتصرف بالكائنات كلها، فلا مانع لما أعطى اللَّه، ولا معطي لما منع اللَّه، وهذا مثل قوله سبحانه: ﴿مَا يَفْتَحِ اللَّهُ لِلنَّاسِ مِنْ رَحْمَةٍ فَلَا مُمْسِكَ لَهَا وَمَا يُمْسِكْ فَلَا مُرْسِلَ لَهُ مِنْ بَعْدِهِ﴾ (٢)، الأمور بيده ، وهكذا مثل قوله سبحانه: ﴿وَإِنْ يَمْسَسْكَ اللَّهُ بِضُرٍّ فَلَا كَاشِفَ لَهُ إِلَّا هُوَ وَإِنْ يُرِدْكَ بِخَيْرٍ فَلَا رَادَّ لِفَضْلِهِ﴾ (٣)، هو المتصرف بعباده كما يشاء، هو المعطي، هو المانع، هو النافع، هو الضار، هو المحي والمميت والخالق والرازق، كل شيء بيده ، وقوله: «ولا ينفع ذا الجد منك الجد»، أي: ولا ينفع ذا الغنى والجد - بفتح الجيم - هذا هو الصواب في الرواية، ذا الجد منك الجد، أي لا ينفع ذا الغنى والحظ والرياسة، ونحو ذلك، جدُّهُ وحظّهُ وغناه، منك، أي: بدلاً منك يا ربنا، بل الجميع فقراء إلى اللَّه، كلهم فقراء إلى اللَّه، ما

стр. 279

ينفعهم ولا يغنيهم جدُّهُم، يعني مالهم ولا ثروتهم ولا وظائفهم ولا ملكهم؛ بل كلهم فقراء للَّه جل وعلا. وفي حديث المغيرة أن الرسول ﷺ «كَانَ يَنْهَى عَنْ قِيلَ وَقَالَ، وَإِضَاعَةِ الْمَالِ، وَكَثْرَةِ السُّؤَالِ، وَكَانَ يَنْهَى عَنْ عُقُوقِ الْأُمَّهَاتِ، وَوَادِ الْبَنَاتِ، وَمَنْعٍ وَهَاتِ» (١). وفي لفظ آخر عن المغيرة: أن النبي ﷺ قال: «إِنَّ اللَّهَ حَرَّمَ عَلَيْكُمْ عُقُوقَ الْأُمَّهَاتِ، وَوَادَ الْبَنَاتِ، وَمَنَعَاً وَهَاتِ، وَكَرِهَ لَكُمْ قِيلَ وَقَالَ»، وفي اللفظ الآخر: «ويَسخطُ لَكُمْ: قِيلَ وَقَالَ، وَإِضَاعَةَ الْمَالِ، وَكَثْرَةَ السُّؤَالِ» (٢). [هذه زيادة في النهي من] (٣) أعظمها: عقوق الأمهات، يحرم عقوق الأمهات، والعقوق: القطيعة والإيذاء للأمهات، وهكذا الأب، لكن الأم أشد، حق الأم أعظم، فعقوقها أشد وأخطر.

стр. 280

والأب كذلك بره واجب، وعقوقه محرم، كبيرة من كبائر الذنوب. والواجب برهما، والإحسان إليهما، والرفق بهما، ومصاحبتهما بالمعروف، والسمع والطاعة لهما بالمعروف، وعدم رفع الصوت عليهما، وعدم إيذائهما بأي أذى: لا قولي ولا فعلي؛ كما قال سبحانه: ﴿وَقَضَى رَبُّكَ أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا إِيَّاهُ وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا إِمَّا يَبْلُغَنَّ عِنْدَكَ الْكِبَرَ أَحَدُهُمَا أَوْ كِلَاهُمَا فَلَا تَقُلْ لَهُمَا أُفٍّ وَلَا تَنْهَرْهُمَا وَقُلْ لَهُمَا قَوْلًا كَرِيمًا * وَاخْفِضْ لَهُمَا جَنَاحَ الذُّلِّ مِنَ الرَّحْمَةِ وَقُلْ رَبِّ ارْحَمْهُمَا كَمَا رَبَّيَانِي صَغِيرًا﴾ (١). وسُئِلَ النبي ﵊: أَيُّ الْعَمَلِ أَفْضَلُ قال: «الصلاة على وقتها»، قال: ثم أيٌّ؟ قَالَ: «بِرُّ الْوَالِدَيْنِ، قَالَ: ثُمَّ أَيٌّ؟ قَالَ: الْجِهَادُ فِي سَبِيلِ اللَّهِ» (٢). وقال ﵊: «أَلَا أُنَبِّئُكُمْ بِأَكْبَرِ الْكَبَائِرِ؟» قُلْنَا: بَلَى يَا رَسُولَ اللَّهِ، قَالَ: الْإِشْرَاكُ بِاللَّهِ، وَعُقُوقُ الْوَالِدَيْنِ، وَكَانَ مُتَّكِئًا فَجَلَسَ، فَقَالَ: «أَلَا وَقَوْلُ الزُّورِ، أَلَا وَقَوْلُ الزُّورِ، وَشَهَادَةُ الزُّورِ» (٣).

стр. 281

فهذه من أعظم الكبائر، وأكبرها وأخطرها الشرك باللَّه، ثم عقوق الوالدين، ثم شهادة الزور، فينبغي الحذر دائماً من هذه الأمور المحرمة. وهكذا وأد البنات، وكانت الجاهلية يئدون البنات، بعض أهل الجاهلية يقتل بنته وهي حية، يخاف من العار، أو من الفقر، فيقتلها، وهذا من المنكرات العظيمة، ومن الكبائر، ومن قطيعة الرحم؛ ولهذا حرَّم اللَّه ذلك. وهكذا بعضهم يقتل الأولاد الذكور أيضاً خشية الفقر، كما قال اللَّه جل وعلا: ﴿وَلَا تَقْتُلُوا أَوْلادَكُمْ خَشْيَةَ إِمْلاقٍ نَّحْنُ نَرْزُقُهُمْ وَإِيَّاكُم﴾ (١)، فالإملاق: الفقر، فبعض أهل الجاهلية يقتل الولد الذكر خوف الفقر، ويقتل البنت خوف الفقر وخوف العار، فحرم اللَّه ذلك على المسلمين. وهكذا منع وهات، أي: يمنع الحق، ويطلب ما ليس له، منع أي: يمنع الواجب من زكاة وغيرها، وهات أي: يطلب ما ليس له من الكسب الحرام، فهذا مُحرّم، فيجب على المؤمن أن يؤدي الواجب، وأن يحذر المحرم، كذا قيل، وقال: لا ينبغي للمؤمن أن يكون كثير القيل والقال؛ لأنه إذا فعل ذلك وقع في الكذب؛ ولهذا

стр. 282

سخط اللَّه لنا قيل وقال، فالذي ينبغي للمؤمن: أن يكون حافظاً للسانه، قليل الكلام، إلا فيما ينفع، إلا في الخير، ولهذا قال النبي ﵊: «مَنْ كَانَ يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ فَلْيَقُلْ خَيْرًا أَوْ لِيَصْمُتْ» (١)، وفي حديث معاذ: «وَهَلْ يَكُبُّ النَّاسَ فِي النَّارِ عَلَى وُجُوهِهِمْ، أو قال: على مناخرهم إِلَاّ حَصَائِدُ أَلْسِنَتِهِمْ» (٢)، نسأل اللَّه السلامة، وخلط الكلام فيه خطر، فينبغي للمؤمن أن يقلل الكلام، وأن يحتاط للكلام، حتى لا يقول إلا خيراً. وقد صحّ عن رسول اللَّه ﵊ أنه قال: «إِنَّ الْعَبْدَ لَيَتَكَلَّمُ بِالكَلِمَةِ مِنْ سَخَطِ اللَّهِ، مَا يُلْقِي لَهَا بَالاً، يَزِلُّ بِهَا فِي النَّارِ أَبْعَدَ مَا بَيْنَ السَّمَاءِ وَالأَرْضِ» (٣) نسأل اللَّه العافية.

стр. 283

والخطر عظيم في الكلام، فينبغي الحذر. كذلك إضاعة المال، لا يجوز إضاعة المال في الخمور، والمحرمات، وآلات الملاهي، وأشباه ذلك، يجب حفظ المال حتى لا يُصرف إلا في وجهه، لا تجوز إضاعته فيما لا يجوز من المسكرات أو الملاهي، أو أشياء تضر ولا تنفع، بل يجب أن يُصان المال، ويُحفظ حتى يُصرف في وجهه الشرعي. والسادسة كثرة السؤال، وفسر بالسؤال عن العلم، وفسر بسؤال الدنيا، أما كثرة السؤال في العلم، فهذا منهي عنه، إذا كان لقصد الأغلوطات، ولإيقاع المسؤول في الأغلاط، وإيذاء المسؤول، أو لقصد إظهار جودة الفهم، وأنه يفهم، وأنه حريص على طلب العلم رياءً وسمعة؛ فينبغي له أن لا يكثر السؤال، لأن فيه خطراً، إما أن يؤذي المسؤول، وإما أن لا يفهم هو، تكثر عليه المسائل فيغلط، ولا يفهم، فينبغي له أن يقتصد، يسأل في كل وقت ما يناسبه مع الاقتصاد، حتى لا يغلط، وحتى لا يؤذي غيره، وحتى لا يقع في الرياء، وهكذا للدنيا، لا يسأل الناس أموالهم وعنده ما يكفي، حرام على المؤمن، حرام على المسلم أن يسأل الناس أموالهم، وهو عنده ما يكفي، يقول النبي ﷺ : «مَنْ سَأَلَ النَّاسَ أَمْوَالَهُمْ تَكَثُّرًا، فَإِنَّمَا يَسْأَلُ جَمْرًا، فَلْيَسْتَقِلَّ، أَوْ لِيَسْتَكْثِرْ» (١)، نسأل اللَّه العافية، فالواجب على المؤمن

стр. 284

الحذر من السؤال إلا من حاجة. وقد بينها النبي ﷺ في أمور ثلاثة، قال: «إِنَّ الْمَسْأَلَةَ لَا تَحِلُّ إِلَاّ لأحد ثَلَاثَةٍ: رَجُلٍ تَحَمَّلَ حَمَالَةً، فَحَلَّتْ لَهُ الْمَسْأَلَةُ حَتَّى يُصِيبَهَا، ثُمَّ يُمْسِكُ»، تحمل حمالةً في الإصلاح بين الناس، في حاجة أهله غرم، وليس عنده قضاء يسأل بقدر الحاجة. والثاني: رَجُلٌ أَصَابَتْهُ جَائِحَةٌ اجْتَاحَتْ مَالَهُ من غرق، أو حرق، أو جراد حتى ذهب ماله، ولم يبقَ عنده ما يقوم بحاله، فَحَلَّتْ لَهُ الْمَسْأَلَةُ حَتَّى يُصِيبَ قِوَامًا مِنْ عَيْشٍ، حتى يصيب سِدَادًا مِنْ عَيْشٍ، وقدر حاجته، ثم يمسك عن السؤال. الثالث: الإنسان الذي أَصَابَتْهُ فَاقَةٌ، حَلَّتْ به مصيبة، ذهبت أمواله بسبب خسارة في التجارة، أو أسباب أخرى غير الجائحة حتى افتقر، فإذا شهد له ثلاثة من ذوي الحجا (١) من قومه أنه افتقر حلّت لَهُ الْمَسْأَلَةُ حَتَّى يُصِيبَ قِوَامًا مِنْ عَيْشٍ، يعني حتى يصيب سدَادًا مِنْ عَيْشٍ، يعني بقدر الحاجة، هؤلاء الثلاثة هم الذين تباح لهم المسألة، قال: ومَا سِوَى ذلك سُحْتٌ يَاكُلُه صَاحِبُه سُحْتاً». رواه مسلم في الصحيح (٢).

стр. 285

فهذ المسائل الثلاث هي التي تحل في السؤال، وما سواها يحرم على المؤمن تعاطيه. ١٣٦ - عن سُمَيٍّ ــ مولى أبي بكر بن عبدالرحمن بن الحارث بن هشام ــ عن أبي صالح السّمَّان، عن أبي هريرة ﵁، «أَنَّ فُقَرَاءَ الْمُهاجرينَ أَتَوْا رَسُولَ اللَّه ﷺ ، فَقَالُوا: يَا رَسُولَ اللَّه (١)، ذَهَبَ (٢) أَهْلُ الدُّثُورِ بِالدَّرَجَاتِ الْعُلَا، وَالنَّعِيمِ الْمُقِيمِ، فقَالَ: «وَمَا ذَاكَ» قَالُوا: يُصَلُّونَ كَمَا نُصَلِّي، وَيَصُومُونَ كَمَا نَصُومُ، وَيَتَصَدَّقُونَ وَلا نَتَصَدَّقُ، وَيُعْتِقُونَ وَلا نُعْتِقُ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : «أَفَلا أُعَلِّمُكُمْ شَيْئًا تُدْرِكُونَ بِهِ مَنْ سَبَقَكُمْ، وَتَسْبِقُونَ مَنْ بَعْدَكُمْ، وَلا يَكُونُ أَحَدٌ أَفْضَلَ مِنْكُمْ، إلَاّ مَنْ صَنَعَ مِثْلَ مَا صَنَعْتُمْ؟» قَالُوا: بَلَى، يَا رَسُولَ اللَّهِ، قَالَ: «تُسَبِّحُونَ وَتُكَبِّرُونَ وَتَحْمَدُونَ دُبُرَ كُلِّ صَلاةٍ ثَلاثاً وَثَلاثِينَ مَرَّةً». قال أبو صالحٍ: فرجع فقراء المهاجرِين إلى رسول اللَّه ﷺ . فقالوا:
следующие страницы →