فهذه من أعظم الكبائر، وأكبرها وأخطرها الشرك باللَّه، ثم عقوق الوالدين، ثم شهادة الزور، فينبغي الحذر دائماً من هذه الأمور المحرمة.
وهكذا وأد البنات، وكانت الجاهلية يئدون البنات، بعض أهل الجاهلية يقتل بنته وهي حية، يخاف من العار، أو من الفقر، فيقتلها، وهذا من المنكرات العظيمة، ومن الكبائر، ومن قطيعة الرحم؛ ولهذا حرَّم اللَّه ذلك.
وهكذا بعضهم يقتل الأولاد الذكور أيضاً خشية الفقر، كما قال اللَّه جل وعلا: ﴿وَلَا تَقْتُلُوا أَوْلادَكُمْ خَشْيَةَ إِمْلاقٍ نَّحْنُ نَرْزُقُهُمْ وَإِيَّاكُم﴾ (١)، فالإملاق: الفقر، فبعض أهل الجاهلية يقتل الولد الذكر خوف الفقر، ويقتل البنت خوف الفقر وخوف العار، فحرم اللَّه ذلك على المسلمين.
وهكذا منع وهات، أي: يمنع الحق، ويطلب ما ليس له، منع أي: يمنع الواجب من زكاة وغيرها، وهات أي: يطلب ما ليس له من الكسب الحرام، فهذا مُحرّم، فيجب على المؤمن أن يؤدي الواجب، وأن يحذر المحرم، كذا قيل، وقال: لا ينبغي للمؤمن أن يكون كثير القيل والقال؛ لأنه إذا فعل ذلك وقع في الكذب؛ ولهذا
стр. 282
سخط اللَّه لنا قيل وقال، فالذي ينبغي للمؤمن: أن يكون حافظاً للسانه، قليل الكلام، إلا فيما ينفع، إلا في الخير، ولهذا قال النبي ﵊: «مَنْ كَانَ يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ فَلْيَقُلْ خَيْرًا أَوْ لِيَصْمُتْ» (١)، وفي حديث معاذ: «وَهَلْ يَكُبُّ النَّاسَ فِي النَّارِ عَلَى وُجُوهِهِمْ، أو قال: على مناخرهم إِلَاّ حَصَائِدُ أَلْسِنَتِهِمْ» (٢)، نسأل اللَّه السلامة، وخلط الكلام فيه خطر، فينبغي للمؤمن أن يقلل الكلام، وأن يحتاط للكلام، حتى لا يقول إلا خيراً.
وقد صحّ عن رسول اللَّه ﵊ أنه قال: «إِنَّ الْعَبْدَ لَيَتَكَلَّمُ بِالكَلِمَةِ مِنْ سَخَطِ اللَّهِ، مَا يُلْقِي لَهَا بَالاً، يَزِلُّ بِهَا فِي النَّارِ أَبْعَدَ مَا بَيْنَ السَّمَاءِ وَالأَرْضِ» (٣) نسأل اللَّه العافية.
стр. 283
والخطر عظيم في الكلام، فينبغي الحذر.
كذلك إضاعة المال، لا يجوز إضاعة المال في الخمور، والمحرمات، وآلات الملاهي، وأشباه ذلك، يجب حفظ المال حتى لا يُصرف إلا في وجهه، لا تجوز إضاعته فيما لا يجوز من المسكرات أو الملاهي، أو أشياء تضر ولا تنفع، بل يجب أن يُصان المال، ويُحفظ حتى يُصرف في وجهه الشرعي.
والسادسة كثرة السؤال، وفسر بالسؤال عن العلم، وفسر بسؤال الدنيا، أما كثرة السؤال في العلم، فهذا منهي عنه، إذا كان لقصد الأغلوطات، ولإيقاع المسؤول في الأغلاط، وإيذاء المسؤول، أو لقصد إظهار جودة الفهم، وأنه يفهم، وأنه حريص على طلب العلم رياءً وسمعة؛ فينبغي له أن لا يكثر السؤال، لأن فيه خطراً، إما أن يؤذي المسؤول، وإما أن لا يفهم هو، تكثر عليه المسائل فيغلط، ولا يفهم، فينبغي له أن يقتصد، يسأل في كل وقت ما يناسبه مع الاقتصاد، حتى لا يغلط، وحتى لا يؤذي غيره، وحتى لا يقع في الرياء، وهكذا للدنيا، لا يسأل الناس أموالهم وعنده ما يكفي، حرام على المؤمن، حرام على المسلم أن يسأل الناس أموالهم، وهو عنده ما يكفي، يقول النبي ﷺ : «مَنْ سَأَلَ النَّاسَ أَمْوَالَهُمْ تَكَثُّرًا، فَإِنَّمَا يَسْأَلُ جَمْرًا، فَلْيَسْتَقِلَّ، أَوْ لِيَسْتَكْثِرْ» (١)، نسأل اللَّه العافية، فالواجب على المؤمن
стр. 284
الحذر من السؤال إلا من حاجة.
وقد بينها النبي ﷺ في أمور ثلاثة، قال: «إِنَّ الْمَسْأَلَةَ لَا تَحِلُّ إِلَاّ لأحد ثَلَاثَةٍ: رَجُلٍ تَحَمَّلَ حَمَالَةً، فَحَلَّتْ لَهُ الْمَسْأَلَةُ حَتَّى يُصِيبَهَا، ثُمَّ يُمْسِكُ»، تحمل حمالةً في الإصلاح بين الناس، في حاجة أهله غرم، وليس عنده قضاء يسأل بقدر الحاجة.
والثاني: رَجُلٌ أَصَابَتْهُ جَائِحَةٌ اجْتَاحَتْ مَالَهُ من غرق، أو حرق، أو جراد حتى ذهب ماله، ولم يبقَ عنده ما يقوم بحاله، فَحَلَّتْ لَهُ الْمَسْأَلَةُ حَتَّى يُصِيبَ قِوَامًا مِنْ عَيْشٍ، حتى يصيب سِدَادًا مِنْ عَيْشٍ، وقدر حاجته، ثم يمسك عن السؤال.
الثالث: الإنسان الذي أَصَابَتْهُ فَاقَةٌ، حَلَّتْ به مصيبة، ذهبت أمواله بسبب خسارة في التجارة، أو أسباب أخرى غير الجائحة حتى افتقر، فإذا شهد له ثلاثة من ذوي الحجا (١) من قومه أنه افتقر حلّت لَهُ الْمَسْأَلَةُ حَتَّى يُصِيبَ قِوَامًا مِنْ عَيْشٍ، يعني حتى يصيب سدَادًا مِنْ عَيْشٍ، يعني بقدر الحاجة، هؤلاء الثلاثة هم الذين تباح لهم المسألة، قال: ومَا سِوَى ذلك سُحْتٌ يَاكُلُه صَاحِبُه سُحْتاً». رواه مسلم في الصحيح (٢).
стр. 285
فهذ المسائل الثلاث هي التي تحل في السؤال، وما سواها يحرم على المؤمن تعاطيه.
١٣٦ - عن سُمَيٍّ ــ مولى أبي بكر بن عبدالرحمن بن الحارث بن هشام ــ عن أبي صالح السّمَّان، عن أبي هريرة ﵁، «أَنَّ فُقَرَاءَ الْمُهاجرينَ أَتَوْا رَسُولَ اللَّه ﷺ ، فَقَالُوا: يَا رَسُولَ اللَّه (١)، ذَهَبَ (٢) أَهْلُ الدُّثُورِ بِالدَّرَجَاتِ الْعُلَا، وَالنَّعِيمِ الْمُقِيمِ، فقَالَ: «وَمَا ذَاكَ» قَالُوا: يُصَلُّونَ كَمَا نُصَلِّي، وَيَصُومُونَ كَمَا نَصُومُ، وَيَتَصَدَّقُونَ وَلا نَتَصَدَّقُ، وَيُعْتِقُونَ وَلا نُعْتِقُ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : «أَفَلا أُعَلِّمُكُمْ شَيْئًا تُدْرِكُونَ بِهِ مَنْ سَبَقَكُمْ، وَتَسْبِقُونَ مَنْ بَعْدَكُمْ، وَلا يَكُونُ أَحَدٌ أَفْضَلَ مِنْكُمْ، إلَاّ مَنْ صَنَعَ مِثْلَ مَا صَنَعْتُمْ؟» قَالُوا: بَلَى، يَا رَسُولَ اللَّهِ، قَالَ: «تُسَبِّحُونَ وَتُكَبِّرُونَ وَتَحْمَدُونَ دُبُرَ كُلِّ صَلاةٍ ثَلاثاً وَثَلاثِينَ مَرَّةً».
قال أبو صالحٍ: فرجع فقراء المهاجرِين إلى رسول اللَّه ﷺ . فقالوا:
стр. 286
يا رسول اللَّه (١)، سَمِعَ إخْوَانُنَا أَهْلُ الأَمْوَالِ بِمَا فَعَلْنَا، فَفَعَلُوا مِثْلَهُ؟ فَقَالَ رَسُولُ اللَّه ﷺ : «ذَلِكَ فَضْلُ اللَّهِ يُؤْتِيهِ مَنْ يَشَاءُ».
قال سُمَيٌّ: فحدثتُ بعض أهلي بهذا (٢) الحديث، فقال: وَهِمْتَ، إنما قال (٣): «تُسبحُ اللَّه ثلاثاً وثلاثين، وتحمدُ اللَّه ثلاثاً وثلاثين، وتكبر اللَّه ثلاثاً وثلاثين».
فرجعتُ إلى أبي صالح، فذكرتُ (٤) له ذلك فأخذَ بيدي (٥)، فقال: «قل (٦): اللَّه أكبر، وسبحان اللَّه، والحمد للَّه، اللَّه أكبر وسبحان اللَّه والحمد للَّه (٧) حتى تبلغ من جميعهنَّ، ثلاثاً وثلاثين» (٨).
١٣٧ - عن عائشة ﵂، «أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ صَلَّى فِي خَمِيصَةٍ لَهَا أَعْلامٌ. فَنَظَرَ إلَى أَعْلامِهَا نَظْرَةً. فَلَمَّا انْصَرَفَ قَالَ: «اذْهَبُوا بِخَمِيصَتِي هَذِهِ إلَى أَبِي جَهْمٍ، وَائْتُونِي بِأَنْبِجَانِيَّةِ أَبِي جَهْمٍ. فَإِنَّهَا أَلْهَتْنِي آنِفًا عَنْ
стр. 287
صَلاتِي» (١).
الخميصة: كساء مُرَبَّع له أعلام.
والأنبجانية: كساء غليظ.
٣٣ - قال الشارح ﵁:
هذان الحديثان: الأول منهما فيما يتعلق بالذكر عقب الصلاة، والثاني فيما يتعلق بالخشوع في الصلاة، والابتعاد عن كل ما يُشغل فيها.
الحديث الأول: أن فقراء المهاجرين من أصحاب النبي ﷺ أتوا النبي ﷺ ، فقالوا: «يا رسول اللَّه، ذهب أهل الدثور بالأجور». الدثور: الأموال، «يصلون كما نُصلي، ويصومون كما نصوم، ويعتقون ولا نعتق»، فسألهم النبي عن ذلك، فأخبروه أن ذلك بسبب هذا, أنهم يصلون كما نُصلي، ويصومون كما نصوم، لكن يزيدون علينا بأنهم يتصدقون، ونحن ما عندنا مال، ويعتقون ونحن ما عندنا مال نعتق.
وفي اللفظ الآخر: «ذهب أهل الدثور بالدرجات العُلا والنعيم المقيم»، قال: «وما ذاك؟» لماذا، قالوا: يصلون كما نصلي، ويصومون كما نصوم، ويتصدقون ولا نتصدق، ويعتقون ولا نعتق، إنّا فقراء وهم عندهم مال، يستطيعون به الصدقة، وشراء العبيد والعتق، وأنّا ما عندنا شيء، فهم غبنونا وسبقونا بهذا الخير.
стр. 288
فقال ﵊: «ألا أخبركم على شيء تدركون به من سبقكم، وتسبقون به من بعدكم، ولا يكون أحد أفضل منكم، إلا من صنع مثل ما صنعتم؟ قالوا: بلى يا رسول اللَّه، قال: تُسبحون وتحمدون وتُكبرون دبر كل صلاة ثلاثاً وثلاثين».
هذا يدل على فضل هذا التسبيح والتحميد والتكبير بعد كل صلاة، وأنه يقوم مقام الصدقة والعتق، لمن عجز عن ذلك، وهذا من فضل اللَّه .
فإن المؤمن إذا ترك العمل الصالح عجزاً عنه، وهو يحب أن يعمله ويريده لولا العجز، كتب اللَّه له مثل أجر العاملين، فضلاً منه وإحساناً، كما في الحديث الصحيح، يقول ﷺ : «إِذَا مَرِضَ الْعَبْدُ، أَوْ سَافَرَ، كتبَ اللَّهُ لَهُ مَا كَانَ يَعْمَلُ وهو صَحِيح مُقِيم» (١).
وفي حديث أبي كبشة الأنماري قال النبي ﷺ : «الدُّنْيَا لأَرْبَعَة: رجل أعطاه اللَّهُ عِلْمًا وأعطاه مَالاً، فَهُوَ يَتَّقِي فِي مالهِ رَبَّهُ، وَيَصِلُ فِيهِ رَحِمَهُ، وَيَعْلَمُ أنَّ لِلَّهِ فِيهِ حَقًّا، قال: فهو بِخير الْمَنَازِلِ، والثاني: رجل أعطاهُ اللَّهُ عِلْمًا، وَلَمْ يعطهِ مَالاً، فَقال: لَوْ كانَ لِي من المَال مثل فلان لَعَمِلْتُ مثل عَملِه، قال: فَهذا بِنِيَّتِهِ، فَهما في الأَجْرِ سَوَاءٌ؛ لأنه عاجز، فصار بنيته الصادقة مع عجزه يُعطى مثل أجر العامل؛ هذا من فضل اللَّه وجوده وكرمه ، قال: ورجل آتاَهُ اللَّهُ مَالاً، وَلَمْ يُعطه
стр. 289
عِلْمًا، فَهُوَ لَا يَتَّقِي فِيهِ رَبَّهُ، وَلَا يَصِلُ فِيهِ رَحِمَهُ، وَلَا يَعْلَمُ أنَّ لِلَّهِ فِيهِ حَقًّا، قال: هَذَا من شرِّ الْمَنَازِلِ، وَالرابع رجل لَمْ يُعطه اللَّهُ مَالاً، وَلَا عِلْمًا، فَهُوَ يَقُولُ: لَوْ أَنَّ لِي من المَالِ مثل فلان لَعَمِلْتُ مثل عمله، يعني مثل عمله السيئ، قال: فهذا بنيته، فهما في الوزر سواء» (١).
هذا يدل على أن الإنسان إذا له نيةٌ سيئة، وهو لو قدر لعمل يكون شريكاً مساوياً لمن فعل الشر، والعياذ باللَّه، ولهذا في الحديث الصحيح: «إِذَا التَقَى المُسْلِمَانِ بِسَيْفَيْهِمَا، فَالقَاتِلُ وَالمَقْتُولُ فِي النَّارِ»، قيل: يَا رَسُولَ اللَّهِ، هَذَا القَاتِلُ، فَمَا شأن المَقْتُولِ؟ قَالَ: «لأَنَّهُ كَانَ حَرِيصًا عَلَى قَتْلِ صَاحِبِهِ» (٢)، فاستويا في العقوبة، نسأل اللَّه العافية.
стр. 290
وفي هذا أن فقراء المهاجرين لما عجزوا عن الصدقة والعتق؛ صار تسبيحهم وتحميدهم وتكبيرهم ونيتهم الصالحة قائمة مقام ذلك، وصاروا مثلهم في الأجر.
قال الفقراء لما رجعوا إلى النبي ﷺ : إن إخواننا أهل الأموال سمعوا بما قلت لنا، فعملوا مثل عملنا، قال النبي: «ذلك فضل اللَّه يؤتيه من يشاء».
يعني سمع التجار من الصحابة والأخيار من الصحابة من الأثرياء، سمعوا ما قاله النبي ﷺ للفقراء من التسبيح والتحميد والتكبير، ففعلو أيضاً مع ما قاموا به من الصدقة والإحسان والعتق، هذا فضل اللَّه يؤتيه من يشاء .
ففي هذا الحديث الحث على الإكثار من الذكر، ويقوم مقام الصدقات، ويقوم مقام العتق، وله فضل عظيم.
يقول النبي ﷺ : «لأَنْ أَقُولَ: سُبْحَانَ اللَّهِ، وَالْحَمْدُ لِلَّهِ، وَلَا إِلَهَ إِلَاّ اللَّهُ، وَاللَّهُ أَكْبَرُ، أَحَبُّ إِليَّ مِمَّا طَلَعَتْ عَلَيْهِ الشَّمْسُ» (١).
ويقول: «أَحَبُّ الْكَلَامِ إِلَى اللَّهِ أَرْبَعٌ: سُبْحَانَ اللَّهِ، وَالْحَمْدُ لِلَّهِ، وَلَا إِلَهَ إِلَاّ اللَّهُ، وَاللَّهُ أَكْبَرُ» (٢).
ويقول: «الْبَاقِيَاتُ الصَّالِحَاتُ: سُبْحَانَ اللَّه، وَالْحَمْدُ للَّه، ولَا إِلَهَ إِلَاّ
стр. 291
اللَّهُ، وَالله أَكْبَرُ، وَلَا حَوْلَ وَلَا قُوَّةَ إِلَاّ بِالله» (١).
ويقول ﷺ : «كَلِمَتَانِ خَفِيفَتَانِ عَلَى اللِّسَانِ، ثَقِيلَتَانِ فِي الْمِيزَانِ، حَبِيبَتَانِ إِلَى الرَّحْمَنِ: سُبْحَانَ اللَّهِ وَبِحَمْدِهِ، سُبْحَانَ اللَّهِ الْعَظِيمِ» (٢).
هذا فضل كبير، فيُستحب للمؤمن والمؤمنة بعد كل صلاة أن يقول: سبحان اللَّه، والحمد للَّه، واللَّه أكبر ثلاثاً وثلاثين مرة يعقدها، سبحان اللَّه، والحمد للَّه، واللَّه أكبر، ثلاثاً وثلاثين مرة، الجميع تسعة وتسعون، وإن أفردها قال: سبحان اللَّه ثلاثاً وثلاثين مرة، والحمد للَّه ثلاثاً وثلاثين، واللَّه أكبر ثلاثاً وثلاثين؛ فلا بأس، لكن جمعها أيسر
стр. 292
عليه وأضبط، ثم يقول تمام المائة: لا إله إلا اللَّه وحده لا شريك له، له الملك وله الحمد، وهو على كل شيء قدير، جاء هذا في حديث آخر عن أبي هريرة ﵁ عن النبي أنه قال: «مَنْ سَبَّحَ اللَّهَ دُبُرَ كُلِّ صَلَاةٍ ثَلَاثًا وَثَلَاثِينَ، وَحَمِدَ اللَّهَ ثَلَاثًا وَثَلَاثِينَ، وَكَبَّرَ اللَّهَ ثَلَاثًا وَثَلَاثِينَ، فَتْلِكَ تِسْعَةٌ وَتِسْعُونَ، وَقَالَ تَمَامَ الْمِائَةِ: لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ وَحْدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ، لَهُ الْمُلْكُ، وَلَهُ الْحَمْدُ، وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ، غُفِرَتْ خَطَايَاهُ، وَإِنْ كَانَتْ مِثْلَ زَبَدِ الْبَحْرِ» (١).
هذا يدل على فضل هذا الذكر، وأن العبد إذا قاله عن صدق، وعن إخلاص، وعن إيمان، وعن عدم إصرار على الذنوب، كفّر اللَّه له خطاياه.
وهذا في أحاديث الفضائل من أحاديث الرجاء، فينبغي للمؤمن والمؤمنة استعمال ذلك، ولزوم ذلك عقب الصلوات رجاء هذا الفضل العظيم (٢).
الحديث الثاني [...] (٣): يدل على أنه ينبغي للمصلي أن تكون ملابسه بعيدة عما يشغله عن الصلاة، ويؤذيه، ويشوش عليه خشوعه،
стр. 293
وهكذا مصلاه يكون سادة ليس فيه ما يشوش عليه، هذا هو الأفضل، الأفضل أن يتحرَّى الملابس التي لا تشغله في الصلاة، ولا تشوش عليه خشوعه، وهكذا المُصلَّى تكون السجادة التي يصلي عليها ما فيها نقوش تشغله عن الصلاة، وهكذا في المساجد تكون السجادات ليس فيها نقوش، هذا هو الأفضل، حتى لا يشتغل بها المصلون بالنظر إليها أو التفكير فيها، الصلاة صحيحة، لكن ترك هذا أفضل؛ كونه يصلي في ملابس ليس فيها ما يشغله، ويصلي على بساط أو سجادة ليس فيها ما يشغله، هذا هو الأفضل، وهذا هو الأكمل.
٢٤ - باب الجمع بين الصلاتين في السفر
١٣٨ - عن عبد اللَّه بن عباس ﵄ قَالَ: «كَانَ رَسولُ اللَّهِ ﷺ يَجْمَعُ فِي السَّفَرِ بَيْنَ صَلاةِ الظُّهْرِ وَالْعَصْرِ، إذَا كَانَ عَلَى ظَهْرِ سَيْرٍ، وَيَجْمَعُ بَيْنَ الْمَغْرِبِ وَالْعِشَاءِ» (١).
٢٥ - باب قصر الصلاة في السفر
١٣٩ - عن عبد اللَّه بن عمر ﵄ قال: «صَحِبْتُ رَسُولَ اللَّه ﷺ ، فَكَانَ لا يَزِيدُ فِي السَّفَرِ عَلَى رَكْعَتَيْنِ، وَأَبَا بَكْرٍ، وَعُمَرَ، وَعُثْمَانَ كَذَلِكَ» (٢).
стр. 294
٢٦ - باب الجمعة
١٤٠ - (١) عن (٢) سهل بن سعد الساعدي ﵁، أنَّ رِجالاً (٣) تماروا في مِنْبَرِ رسول اللَّه ﷺ ، مِنْ أَيِّ عُودٍ هُوَ؟ فقال سهل: مِنْ طَرْفَاءِ الْغَابَةِ، وَقَدْ (٤) رَأَيْتُ رسولَ اللَّه ﷺ قَامَ عَلَيْهِ، فَكَبَّرَ، وَكَبَّرَ النَّاسُ وَرَاءَهُ، وَهُوَ عَلَى المِنْبَرِ، ثمَّ رَكَعَ (٥)، فَنَزَلَ الْقَهْقَرَى، حَتَّى سَجَدَ فِي أَصْلِ الْمِنْبَرِ، ثمَّ عَادَ حَتَّى فَرَغَ مِنْ آخِر صَلَاتِهِ، ثمَّ أَقْبَلَ عَلَى النَّاسِ, فقال: «يَا (٦) أَيُّهَا النَّاسُ، إنَّمَا صَنَعْتُ هذَا لتَاتَمُّوا بِي، وَلِتَعَلَّمُوا صلاتي».
وفي لفظٍ، «فصلى (٧) وهو (٨) عَلَيْها، ثم كبَّر عليها، ثم رَكَعَ وَهُوَ عَلَيْهَا، ثمَّ نَزَلَ القَهْقَرى» (٩).
стр. 295
٣٤ - قال الشارح ﵀:
هذه الأحاديث الثلاثة في جمع الصلاتين، وفي قصر الصلاة في السفر، وفي بيان صلاة النبي ﷺ على منبره ليُعلِّم الناس.
يقول ابن عباس ﵄: «كَانَ النبي ﷺ يَجْمَعُ بَيْنَ صَلَاةِ الظُّهْرِ وَالْعَصْرِ، إِذَا كَانَ عَلَى ظَهْرِ سَيْرٍ، وَيَجْمَعُ بَيْنَ الْمَغْرِبِ وَالْعِشَاءِ» (١). هذا يدل على أنه إذا كان على ظهر سير فالأفضل الجمع؛ لأنه أرفق بالمسافر.
قد فسر ذلك كما في رواية أنس أنه ﵊ كان إذا ارتحل قبل أن تزيغ الشمس أخَّر الظهر مع العصر، وجمعهما جمع تأخير، وإذا ارتحل بعد أن تزيغ الشمس قدَّم العصر مع الظهر، وجمعهما جمع تقديم, وهكذا المغرب والعشاء، فإذا كان المسافر على ظهر سير شُرع له الجمع؛ لأنه أرفق به، وإذا كان نازلاً مقيماً، فالأفضل عدم الجمع، «فلهذا لما نزل النبي في منى لم يجمع»؛ لأنه مقيم فصلى كل صلاة في وقتها في يوم العيد، وفي اليوم الحادي عشر، والثاني عشر؛ لأنه مقيم، فالأفضل للمقيم في أثناء السفر، وما يتخلل السفر من الإقامات، فالأفضل له عدم الجمع، وإن دعت الحاجة للجمع فلا بأس، «كما ثبت عنه ﷺ أنه جمع في تبوك وهو نازل» (٢).
стр. 296
وإذا أجمع المسافر على إقامة جازمة أكثر من أربعة أيام؛ فإنه لا يقصر، ولا يجمع، ينتهي بهذا حكم السّفر حتى يجدّد سفراً جديداً، أما إذا أقام وهو ليس عنده نية الإقامة، بل لا يدري متى يظعن ينتظر حاجة، وليس عنده نية جازمة على شيء؛ فإنه يقصر، ويجمع، ولو أقام طويلاً، وهكذا السنة في القصر، السنة أن يلزم القصر مطلقاً: ظاعناً أو مقيماً؛ لأن القصر آكد من الجمع، سُنة مؤكدة، والجمع رخصة حسب الحاجة، فالسنة للمسافر أن يصلي ركعتين: الظهر، والعصر، والعشاء، أما المغرب، فإنها ثلاث في السفر والحضر، لا تقصر، وهكذا الفجر اثنتان لا تقصر، وإنّما القصر في الظهر والعصر والعشاء الرباعية، يصليها ثنتين في حال السفر، سواء كان سائراً أو مقيماً ما دام في السفر، وإذا صلى المسافر مع المقيم، أتمّ أربعاً إذا صلى المسافر مع المقيمين أتمّ معهم أربعاً ولا يقصر، قال ابن عباس: هكذا السنة (١)، وإذا صلى المقيم خلف المسافر أتمّ، إذا سلم المسافر من ثنتين قام المقيم، وكمل صلاته.
وفي حديث سهل بن سعد أن النبي ﷺ اتخذ منبراً من طرفاء، تشبه الأثل، صنعته له امرأة من الأنصار، وكان ﵊ يخطب
стр. 297
عليه يوم الجمعة، وكان أولاً يخطب على الأرض، ويتكئ على جذعٍ من النخل، قطعة جذع، من النخل، ثم صُنع له المنبر من طرفاء الغابة، فخطب عليه، ولما تجاوز الجذع يريد أن يصعد المنبر، حنّ الجذع حنيناً سمعه الناس، حتى جاءه، وهَدَّأَهُ ﵊، حتى سكت، وهذا من آيات اللَّه، ومن المعجزات حنّ حنيناً يسمعه الناس، شوقاً إلى صوته، واتكائه ﵊ عليه، فهذا من الآيات والمعجزات، قال الحسن ﵀: إذا كان جذع أصمّ يحنُّ، ويتألم من فراق النبي ﷺ ، فكيف بالمكلَّف؟ المكلَّف جدير بأن يحرص على سنته، واتباعها، وتعظيمها.
وفي حديث سهل: أنه صلى عليه ليُعلِّم الناس، كبَّر وقرأ وهو عليه، وركع وهو عليه، ثم رجع القهقري خلفه، فسجد في أصل المنبر، ثم عاد فصعد فصلى كمّل عليه، فلما فرغ قال: «إنَّمَا فعلتُ هذَا لتَاتَمُّوا بِي، وَلِتَعَلَّمُوا صلاتي» (١)، قال للناس: أي ليعلموا ليشهدوا صلاته, البعيدون يشاهدون ويرون صلاته، وليعلموا أن هذا الصعود، وهذا الارتفاع ما يضر كونه يصعد في محل مرتفع قليل، ليراه الناس، أو لضيق المسجد، فلا بأس بذلك، وكونه يخطو خطوات لحاجة، كأن يتقدم الصفوف عند الضيق، والمصلون يتقدمون لا بأس، أو يتقدم ليمنع المار بين يديه لا بأس، فالتقدم والتأخر للحاجة والمصلحة لا يضر في الصلاة، وقد فعله النبي ﵊، وهكذا لو كان أمام المصلي فُرجة في الصف
стр. 298
الأول سدها، أو في الصف الثاني، أو في الثالث سدها, ولا يضر مشيه إليها؛ لأنه إصلاح، وهو من كمال الصلاة.
١٤١ - عن عبداللَّه بن عمر ﵄: أنَّ رسول اللَّه ﷺ قال: «مَنْ جَاءَ مِنْكُمُ الْجُمُعَةَ فَلْيَغْتَسِلْ» (١).
١٤٢ - عن عبداللَّه بن عمر (٢) قال: «كَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ (٣) يَخْطُبُ خُطْبَتَيْنِ، وَهُوَ قَائِمٌ، يَفْصِلُ بَيْنَهُمَا بِجُلُوسٍ» (٤).
١٤٣ - عن جابر بن عبداللَّه ﵄ قال: «جَاءَ رَجُلٌ وَالنَّبِيُّ ﷺ يَخْطُبُ النَّاسَ يَوْمَ الْجُمُعَةِ، فَقَالَ: «صَلَّيْتَ يَا فُلانُ؟» قَالَ: لا، قَالَ: «قُمْ فَارْكَعْ رَكْعَتَيْنِ» (٥).
стр. 299
وفي رواية «فَصَلِّ رَكْعَتَيْنِ» (١).
٣٥ - قال الشارح ﵀:
هذه الأحاديث الثلاثة:
الأول منها: يتعلق بالغُسل يوم الجمعة، يقول ﵊: «من جاء منكم الجمعة فليغتسل»، هذا يدل على شرعية الغُسل يوم الجمعة، وأنه يُستحب، ويُشرع للمؤمن إذا قصد الجمعة أن يغتسل قبل أن يذهب إليها؛ كما في الحديث الآخر: «غُسْلُ الجمعة يَوْمَ الْجُمُعَةِ وَاجِبٌ عَلَى كُلِّ مُحْتَلِمٍ، وَأَنْ يَسْتَاكَ وَيَتطَيَّب» (٢).
فالسنة للمؤمن أن يغتسل ويتطيب، ويستعمل السواك عند وضوئه، وعند صلاته، كما أمر النبي ﷺ بذلك، وفي رواية أخرى «عَلَى كُلِّ مُسْلِمٍ فِي كُلِّ سَبْعَةِ أَيَّامٍ أن يَغْتسِل» (٣)، يعني يوم الجمعة.
стр. 300
وذهب بعض أهل العلم إلى وجوب ذلك، أنه يجب ويتعين الغُسل، كما في رواية أبي سعيد: «غُسْلُ الجمعة يَوْمَ الْجُمُعَةِ وَاجِبٌ عَلَى كُلِّ مُحْتَلِمٍ» (١)، يعني على كل بالغ، فينبغي للمؤمن أن لا يُفرط في ذلك، وأن يحرص على الغسل عند ذهابه إلى الجمعة، ويتطيب ما تيسر من الطيب، ويلبس من أحسن ثيابه، هكذا السنة يوم الجمعة، ولكنه ليس بواجب، ولكنه سُنة مؤكدة في أصح قولي العلماء، ولهذا في اللفظ الآخر: «مَن توضأ يوم الْجُمُعَةَ، ثم أتى المسجد فَصَلَّى مَا قُدِّرَ لَهُ، ثُمَّ أَنْصَتَ ...» (٢) إلى آخر الحديث، فدل على أن الغسل ليس بواجب، وإنما هو سُنة، وفي اللفظ الآخر: «منْ تَوَضَّأَ يَوْمَ الْجُمُعَةِ فَبِهَا وَنِعْمَتْ، وَمَنِ اغْتَسَلَ فَالْغُسْلُ أَفْضَلُ» (٣).
والحديث الثاني: يقول الرسول ﷺ لرجل جلس يوم الجمعة
стр. 301
ولم يصل ركعتين قال: «أصليت يا فلان؟» قال: لا، قال: «قُمْ فَارْكَعْ رَكْعَتَيْنِ» (١)، وفي اللفظ الآخر يقول ﷺ : «من جاء يوم الجمعة، وَالإِمَامُ يَخْطُبُ، فَلْيركعْ رَكْعَتَيْنِ، وَلْيَتَجَوَّزْ فِيهِمَا» (٢)، هذا يدل على أن تحية المسجد سُنة مؤكدة ولو في حال الخطبة، كل من دخل المسجد وهو على طهارة شُرِع له أن يُصلي ركعتين حتى في أوقات النهي على الصحيح؛ لأنها من ذوات الأسباب، وحتى وقت الخطبة إذا دخل والإمام يخطب، فالسُنة أن يُصلي ركعتين قبل أن يجلس، ثم يجلس ويُنصت للخطيب؛ لهذا الحديث الصحيح ولغيره من الأحاديث، الدالة على تأكد ركعتي التحية، لمن دخل المسجد.
س: لكن إذا جلس ولم يصل؟
ج: قال سماحته: يُعلَّم مثل ما قال النبي ﷺ : «قُمْ فَصلِّ رَكْعَتَيْنِ»، أي السنة الأكيدة أن تُصلي ركعتين، أو المشروع لك أن تصلي ركعتين: يُعلّم الأفضل.
حديث ابن عمر: أنَ النبي ﷺ يَخْطُبُ خُطْبَتَيْنِ، وَهُوَ قَائِمٌ، يَفْصِلُ بَيْنَهُمَا بِجُلُوسٍ» (٣)، هذا هو المشروع للخطيب: أن يخطب خطبتين
стр. 302
يفصل بينهما بجلوس، والسنة الإيجاز والاقتصاد، وعدم التطويل، وأن يضمنهما موعظة الناس، وتذكيرهم بأمر اللَّه ونهيه، وبأمور القيامة وبالجنة والنار، يتحرَّى ما يحرك القلوب، وإن كان هناك أمور واقعة ينبغي التنبيه عليها نبّه عليها، مما قد يفعله بعض الناس من المنكرات الظاهرة، حتى ينتبه الناس، والمقصود من الخطبة تذكير الناس، وتعليمهم وتوجيههم إلى الخير، وتحذيرهم مما حرّم اللَّه عليهم مع تحرّي الألفاظ الواضحة والأدلة البيّنة، وعدم التطويل في الخطبتين جميعاً، ويذكر فيهما بعض الآيات، ولا مانع من الدعاء أيضاً فالنبي ﷺ كان يدعو في الخطبة، ويذكر بعض الآيات ﵊، وقد ذهب جمع من أهل العلم إلى أن من شرط الجمعة وجود الخطبتين، لا بد من الخطبتين قبل صلاة الجمعة، وأن هذا من شروطها، والسُّنة أن يفصل بينهما بجلسة خفيفة؛ كما في حديث ابن عمر وحديث جابر بن سمرة، والسنة أن يخطب وهو قائم، وأن يرفع صوته بقدر الحاجة حتى يُسمع الناس، ويُبلغ الناس، وعند وجود المكبرات الآن لا يحتاج إلى أن يرفع صوته كثيراً، لأن المكبر يبلغ الناس.
س: خطبة العيدين هل يجلس بينهما؟
стр. 303
ج: يوم العيد خطبتان أيضاً مثل الجمعة.
١٤٤ - عن أبي هريرة ﵁: أن النَّبيَّ ﷺ (١) قال: «إذَا قُلْتَ لِصَاحِبِكَ: أَنْصِتْ ــ يَوْمَ الْجُمُعَةِ وَالإِمَامُ يَخْطُبُ ــ فَقَدْ لَغَوْتَ» (٢).
١٤٥ - عن أبي هريرة ﵁، أن رسول اللَّه ﷺ قال: «مَنِ اغْتَسَلَ يَوْمَ الْجُمُعَةِ غُسْلَ الجْنَاَبَةِ (٣)، ثُم رَاحَ في السَّاعَةِ الأُولى (٤)، فَكَأَنَّمَا قَرَّبَ بَدَنَةً وَمَنْ رَاحَ فِي السَّاعَةِ الثَّانِيَةِ، فَكَأَنَّمَا قَرَّبَ بَقَرَةً، وَمَنْ رَاحَ فِي السَّاعَةِ الثَّالِثَةِ، فَكَأَنَّمَا قَرَّبَ كَبْشًا أَقْرَنَ، وَمَنْ رَاحَ فِي السَّاعَةِ الرَّابِعَةِ، فَكَأَنَّمَا قَرَّبَ دَجَاجَةً، وَمَنْ رَاحَ فِي السَّاعَةِ الْخَامِسَةِ، فَكَأَنَّمَا قَرَّبَ بَيْضَةً، فَإِذَا خَرَجَ الإِمَامُ حَضَرَتِ الْمَلائِكَةُ يَسْتَمِعُونَ الذِّكْرَ» (٥).
١٤٦ - عن سَلَمة بن الأكْوَع ﵁ ــ وكان من أصحاب الشجرة ــ قال: «كُنَّا نُصَلِّي مَعَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ (٦) صَلَاةَ (٧) الْجُمُعَةِ، ثُمَّ نَنْصَرِفُ،
стр. 304
وَلَيْسَ لِلْحِيطَانِ ظِلٌّ نَسْتَظِلُّ بِهِ» (١).
وفي لفظٍ: «كُنَّا نُجَمِّعُ مَعَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ إذَا زَالَتِ الشَّمْسُ، ثُمَّ نَرْجِعُ فَنَتَتَبَّعُ الْفَيْءَ» (٢).
١٤٧ - عن أبي هريرة ﵁ قال: «كَانَ النَّبِيُّ ﷺ يَقْرَأُ فِي صَلاةِ الْفَجْرِ يَوْمَ الْجُمُعَةِ (الم تَنْزِيلُ) السَّجْدَةَ وَ (هَلْ أَتَى عَلَى الإِنْسَانِ)» (٣).
٣٦ - قال الشارح ﵀:
هذه الأحاديث الأربعة الثابتة عن رسول اللَّه ﵊ كلها تتعلق بالجمعة.
الأول: يدل على وجوب الإنصات للخطيب، لا يجوز للجماعة أن يتكلموا ويتحدثوا وهو يخطب، بل الواجب الإنصات والاستماع؛ لأن المقصود من الخطبة الوعظ والتذكير لهؤلاء الحاضرين، فلا يليق منهم أن يُعرضوا عنها بالتحدث، بل الواجب الإنصات؛ ولهذا قال ﵊: «إذَا قُلْتَ لِصَاحِبِكَ: أَنْصِتْ ــ يَوْمَ الْجُمُعَةِ وَالإِمَامُ
стр. 305
يَخْطُبُ ــ فَقَدْ لَغَوْتَ» (١)، وفي الحديث الآخر: «مَنْ لَغَا فَلَا جُمُعَةَ لَهُ» (٢)، وفي اللفظ الآخر: «مَنْ مَسَّ الْحَصَى فَقَدْ لَغَا» (٣).
وفي الحديث الآخر: «الذي يتَكَلَّمُ وَالْإِمَامُ يَخْطُبُ كَمَثَلِ الْحِمَارِ يَحْمِلُ أَسْفَارًا، وَالَّذِي يَقُولُ لَهُ: أَنْصِتْ لَيْسَ لَهُ جُمُعَةٌ» (٤)، ليس له ثوابها، فالحاصل أن الواجب الإنصات، وأنه لا يجوز في هذا التشاغل بالكلام، ولا بالعبث ومس الحصى ونحوه، ولكن ينصت ويُقبل على الخطيب يستمع ويُنصت ويستفيد، هكذا ينبغي للمؤمن، وهذا الواجب عليه.
والحديث الثاني: يدل على فضيلة التقدم والمسارعة إلى الجمعة، وأنه ينبغي للمؤمن أن يُبكر إليها، ليحوز الفضل العظيم؛ ولهذا قال ﵊: «مَن رَاحَ في الجمعة السَّاعَةِ الأُولى، فَكَأَنَّمَا قَرَّبَ بَدَنَةً (الساعة الأولى من النهار بعد ارتفاع الشمس، هذا هو أحسن ما قيل في ذلك من ارتفاع الشمس، فإن النهار ثنتي عشرة ساعة من ارتفاع الشمس إلى غروبها، من طلوعها إلى غروبها، «فمن راح في الساعة
стр. 306
الأولى فكأنما قرب بدنة، وَمَنْ رَاحَ فِي السَّاعَةِ الثَّانِيَةِ، فَكَأَنَّمَا قَرَّبَ بَقَرَةً، وَمَنْ رَاحَ فِي السَّاعَةِ الثَّالِثَةِ، فَكَأَنَّمَا قَرَّبَ كَبْشًا أَقْرَنَ (وهذا يدل على فضل الكبش الأقرن للضحايا والهدايا. كان النبي ﵊ يُضحي بكبشين أقرنين)، وَمَنْ رَاحَ فِي السَّاعَةِ الرَّابِعَةِ، فَكَأَنَّمَا قَرَّبَ دَجَاجَةً، وَمَنْ رَاحَ فِي السَّاعَةِ الْخَامِسَةِ، فَكَأَنَّمَا قَرَّبَ بَيْضَةً، فَإِذَا خَرَجَ الإِمَامُ حَضَرَتِ الْمَلائِكَةُ يَسْتَمِعُونَ الذِّكْرَ» (١).
هذا يدل على فضل التقدم والمسارعة يوم الجمعة، وأنهم على هذه المراتب في التبكير، وأنه بعد انتهاء المدة، وخروج الإمام تحضر الملائكة تستمع الذكر، فينبغي للمؤمن أن يكون من المسارعين، والمواظبين ليحوزوا هذا الفضل.
وكل ذلك تطوع، والواجب حضورها، وأداؤها مع المسلمين، لكن إذا تقدم، وسارع إليها، يكون له هذا الفضل على حسب هذه المراتب.
وفي حديث سلمة بن الأكوع ﵁ الدلالة على أنه كان يبكر في يوم الجمعة، كان ﵊ يُبكر بالجمعة حتى يصلي بالناس، من حين تزول الشمس، ويرجعون يتتبعون الفيءَ، وفي لفظ آخر: «وَلَيْسَ لِلْحِيطَانِ ظِلٌّ نسْتَظلُّ بِهِ» (٢)، وذلك من جهة أنه كان يُبكر بها
стр. 307
- ﵊، والحكمة من ذلك، واللَّه أعلم: أن الناس يُبكرون وينتظرون، فشُرع التبكير بها، حتى لا يشق عليهم؛ لأنه إذا تأخر عليهم قد يشق على بعض الناس، ولاسيما من جاء مبكراً.
فالسنة للإمام أن يُبكر بالجمعة من حين تزول الشمس حتى يخفف على المبكرين المنتظرين، الذين قد يشق عليهم الجلوس، وهم جاءوا مبكرين، فينبغي أن يراعوا، وأن لا يتأخر عن إقامتها في أول الوقت، تأسياً بالنبي ﵊، وتقديراً لهؤلاء المتقدمين، ورحمةً لهم.
والحديث الرابع: فيه الدلالة على أنه يُشرع في صلاة الفجر يوم الجمعة: أن يقرأ بـ ﴿ألَمْ تَنْزِيلُ﴾ السجدة، وفي الثانية: ﴿هَلْ أَتَى عَلَى الإِنْسَانِ﴾ هذا السنة، ثبت هذا في الصحيح من حديث أبي هريرة، وفي صحيح مسلم من حديث ابن عباس، ومن حديث ابن مسعود عند الطبراني: «وكان يديم ذلك» (١)، كما رواه ابن مسعود ﵁: يديم قراءتهما يوم الجمعة في الفجر ﴿ألَمْ تَنْزِيلُ﴾ السجدة، و ﴿هَلْ أَتَى عَلَى الإِنْسَانِ﴾، هذا السنة يقرأ الفاتحة، ثم يقرأ بعدها في الأولى ﴿ألَمْ تَنْزِيلُ﴾ السجدة، من أولها إلى آخرها، وفي الثانية بعد الفاتحة ﴿هَلْ
стр. 308
أَتَى عَلَى الإِنْسَانِ﴾، والحكمة في ذلك، واللَّه أعلم: أن يوم الجمعة يومٌ تقوم فيه الساعة، وهو اليوم الذي خلق اللَّه فيه آدم، في أول الخلق، وفي هاتين السورتين التذكير بالمبدأ، بخلق آدم، وخلق الإنسان، وفيهما التذكير بالجنة والنار، وأعمال هؤلاء، وأعمال هؤلاء، فناسب قراءتهما صباح الجمعة، حتى يستفيد المسلمون، وحتى ينتبهوا لهذا اليوم العظيم، الذي فيه بدءُ خلق أبيهم آدم، وفيه تقوم الساعة، حتى يستعدوا للقاء اللَّه، ويتذكروا الجنة والنار، والإعداد لذلك.
٢٧ - باب العيدين
١٤٨ - عن عبد اللَّه بن عمر ﵄ قال: «كَانَ النَّبِيُّ ﷺ ، وَأَبُو بَكْرٍ، وَعُمَرُ، يُصَلُّونَ الْعِيدَيْنِ قَبْلَ الْخُطْبَةِ» (١).
١٤٩ - عن البراء بن عازب ﵄ قال: «خَطَبَنَا النَّبِيُّ ﷺ يَوْمَ الأَضْحَى بَعْدَ الصَّلاةِ، فَقَالَ: «مَنْ صَلَّى صَلاتَنَا وَنَسَكَ نُسُكَنَا فَقَدْ أَصَابَ النُّسُكَ، وَمَنْ نَسَكَ قَبْلَ الصَّلاةِ فَلا نُسُكَ لَهُ»، فَقَالَ أَبُو بُرْدَةَ بْنُ نِيَارٍ - خَالُ الْبَرَاءِ بْنِ عَازِبٍ -: يَا رَسُولَ اللَّهِ إنِّي نَسَكْتُ شَاتِي قَبْلَ الصَّلاةِ، وَعَرَفْتُ أَنَّ الْيَوْمَ يَوْمُ أَكْلٍ وَشُرْبٍ، وَأَحْبَبْتُ أَنْ تَكُونَ شَاتِي أَوَّلَ مَا يُذْبَحُ فِي بَيْتِي، فَذَبَحْتُ شَاتِي، وَتَغَدَّيْتُ قَبْلَ أَنْ آتِيَ الصَّلاةَ. فَقَالَ: «شَاتُكَ شَاةُ لَحْمٍ». قَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ فَإِنَّ عِنْدَنَا عِنَاقاً لَنَا
فرض على أصح الأقوال، فرض على المسلمين: كالجمعة، عليهم أن يصلوا صلاة العيد، فرضٌ على الرجال، مستحبة للنساء، صلاة عيد النحر كعيد الفطر ركعتان، ومعهما خطبة بعد الصلاة كالجمعة، إلا أنّ الجمعة خطبتها قبل الصلاة، والعيد خطبتها بعد الصلاة.
وقال جمعٌ من أهل العلم: إنها فرض كفاية، إذا قام بها من يكفي سقطت عن الباقين، وصارت في حقهم سُنة.
وقال آخرون: إنها سُنة.
والأرجح والصواب أنها فرض كالجمعة، تجب على الرجال المكلفين كالجمعة، ويُستحب حضورها للنساء، وهي صلاة العام صلاة عيد الفطر، وصلاة عيد الأضحى، قال ابن عمر ﵄: «كَانَ النَّبِيُّ ﷺ ، وَأَبُو بَكْرٍ، وَعُمَرُ، يُصَلُّونَ الْعِيدَ قَبْلَ الْخُطْبَةِ» (١)، هكذا كانت السنة، العيد تصلى ثم الخطبة بعدها، هكذا كان النبي ﵊ يفعلها، وهكذا الصدّيق، وهكذا عمر، وهكذا المسلمون بعدهم، السنة أن تكون الصلاة أولاً، ثم يخطب بعد ذلك عكس الجمعة، الجمعة يخطب أولاً، ثم يصلي، أما العيد فإنه يصلي أولاً، ثم يخطب.
وهكذا حديث البراء بن عازب ﵁ وعن أبيه، والعازب صحابي أيضاً، ذكر أن النبي ﷺ قال: «مَنْ صَلَّى صَلاتَنَا وَنَسَكَ نُسُكَنَا فَقَدْ
стр. 312
أَصَابَ النُّسُكَ»، أي فعل مثلنا، صلى كما صلينا، ونسك أي ذبح مثل ما ذبحنا بعد الصلاة، فقد أصاب النسك، النسك: الذبح «ومن نسك قبل الصلاة»، أي ذبح قبل الصلاة «فلا نسك له»، أي غير مجزئة الضحية، التي ذبحها يوم عيد النحر قبل الصلاة، فَقَالَ له أَبُو بُرْدَةَ بْنُ نِيَارٍ - خَالُ الْبَرَاءِ بْنِ عَازِبٍ -: يَا رَسُولَ اللَّهِ، إنِّي عَرَفْتُ أَنَّ الْيَوْمَ يَوْمُ أَكْلٍ وَشُرْبٍ، وَأَحْبَبْتُ أَنْ تَكُونَ شَاتِي أَوَّلَ مَا يُذْبَحُ فِي بَيْتِي، يعني ضحيتي، قال: فَذَبَحْتُها قبل الصلاة، وَتَغَدَّيْتُ، قَالَ النبي: «شَاتُكَ شَاةُ لَحْمٍ» يعني: لا تجزئ، فقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، فَإِنَّ عِنْدَنَا عِنَاقاً، هِيَ أَحَبُّ إلَينا مِنْ شَاتَيْنِ، قالَ: «اذبحها، وَلَنْ تَجْزِيَ عَنْ أَحَدٍ بَعْدَكَ» (١)،
هذه خاصة بأبي بردة، وهي العناق التي لم تبلغ السن الثنية، يعني سنة كاملة، قال أهل السنة: تجزئ عنه وحده، ولم تجزئ عن أحدٍ بعده، هذا يدل على أنه من خصائصه، من خصائص أبي بردة بن نيار، أما غيره فلابد أن تكون مسنة تمت لها سنة، وهي الثنية من المعز، أما الضأن، فيجزئ منه الجذع إذا صار جذعاً أكمل ستة أشهر، أجزأ من الضأن، ومن البقر لا يجزئ إلا ما تم له سنتان، ومن الإبل ما تم له خمس سنين في الضحايا والهدايا، وفي هذا من الفوائد: أنه يجوز في الشّرع التخصيص لإنسان أو جماعة بحكم لحكمة بالغة؛ ولهذا جاء في هذا تخصيص أبي بردة بن نيار في هذا العمل، وهو ذبيحة العناق لما كان غلط، وضحى قبل الصلاة، رخص له في ذلك، وصارت
стр. 313
خاصةً به ﵁ وأرضاه، فلا يكون الشيء خاصاً إلا بدليل، والأصل أن النص عام، العموم في الأحكام كلها، ما ثبت في حق الواحد ثبت في حق الجميع من الرجال والنساء، إلا من خصه الدليل؛ فإنه يستثنى، كالنساء فإنه خصهن بالدليل، فإنهن لا جمعة عليهن في المساجد، يُصلين في البيوت، ولا تلزمهن الجماعة، وليس لهن أذان ولا إقامة، وتخصيصهن بوجوب الحجاب عن الرجال، كل هذه من الخصائص، وكذلك خُص النبي ﷺ بأنه يجوز أن يتزوج أكثر من أربع، أما الأمة فليس لها إلا أربع فقط من النساء. والمقصود أن أصل الأحكام العموم، ما ثبت في حق الرجل ثبت في حق غيره، وما ثبت في حق الواحد ثبت في حق الجميع (١).
[...] (٢)(٣) فمن ذبح بعد الصلاة، فقد أصاب النسك، ومن ذبح قبل الصلاة، فليُعِد أخرى مكانها، أي لا تجزئه، ومن لم يذبح فليذبح باسم اللَّه.
دلّ هذا أن هذا الحديث [فيه كفارة] (٤)، وأن الضحية لا تجزئ قبل الصلاة يوم العيد، عيد النحر.
وحديث جابر بن عبداللَّه فيه الدلالة على أن العيد ليس لها أذان
стр. 314
ولا إقامة، يصلون دون أذان، وبدون إقامة، ولا الصلاة جامعة، ليس لها شيء، لا أذان معروف، ولا غيره، ولا إقامة؛ ولهذا صلى بهم النبي ﷺ بلا أذان، ولا إقامة، فلما صلى خطب الناس، فأوصاهم بتقوى اللَّه وطاعته، فذكرهم وأمرهم بطاعته ، ثم أتى النساء ووعظهن، وذكّرهن، وحثهن على الصدقة، قال: «تَصَدَّقْنَ، فَإِنَّكُنَّ أَكْثَرُ حَطَبِ جَهَنَّمَ»، أي: أكثر أهل النار، فَقَامَتِ امْرَأَةٌ سَفْعَاءُ الْخَدَّيْنِ، فَقَالَتْ: لِمَ يَا رَسُولَ اللَّهِ؟ فَقَالَ: «لأَنَّكُنَّ تُكْثِرْنَ الشَّكَاةَ، وَتَكْفُرْنَ الْعَشِيرَ - يعني الزوج - لو أحسن إلى إحداهن الدهر، ثم رأت منه شيئاً، قالت: ما رأيت منك خيراً قط» (١) ــ يعني جحدت إحسانه، فيريد بكفران العشير عدم القيام بحق الزوج، وكثرة السبّ والشتم، وأن هذا من أسباب النار، ومن أسباب دخول النار، وأن الصدقة والاستقامة من أسباب الوقاية من النار، فينبغي الإكثار من الصدقة، والاستغفار، والأعمال الصالحة؛ لأنها من أسباب الوقاية من عذاب اللَّه.
وفيه شرعية وعظ النساء إذا كُنّ بعيدات، ما سمعن الخطبة، يُستحب للإمام أن يعظهن، ويذكرهن، ويخصهن بموعظة، أما إذا كُنّ يسمعن كاليوم بالمكبرات، أو لأن العدد قليل يسمعن صوت الخطيب كفى.
والحديث الخامس حديث أم عطية، يدل على أنه يُشرع للنساء
стр. 315
حضور صلاة العيد، إذ كنّ يؤمرن بحضورها، حتى ذوات الخدور، وحتى الحيّض يحضرن، لكن لا يصلين، يحضرن حتى يسمعن الخطبة، ويحضرن الدعوات، ويؤمّن على الدعاء ويشاركن في الخير، لكن يعتزلن المصلى أي: يكنّ خلف الناس.
وهذا واضح في شرعية حضورهن في صلاة العيد، سواء كُنّ كبيرات أو شابات، لكن مع العناية، ومع الالتزام بالحجاب، يحضرن الخير، ودعوة المسلمين، ويشاركن في الخير، ويحصل لهن بركة هذا اليوم المبارك، ولكن عليهن أن يحتشمن ويبتعدن عن أسباب الفتنة، ويكن متسترات بعيدات عن أسباب الفتنة، فإن لم يفعلن مُنعن إذا كُن يخرجن بالتبرج، وإظهار الزينة، يُمنعن من ذلك، أما إذا تأدبن وخرجن بالصورة الشرعية؛ فإنهن يُسمح لهن بذلك، وخروجهن مطلوب، ومرغّب فيه، ومشروع بشرط التأدب بالآداب الشرعية، والاحتشام، واعتزال أسباب الفتنة.
٢٨ - باب صلاة الكسوف
١٥٣ - عن عائشة ﵂، «أَنَّ الشَّمْسَ خَسَفَتْ عَلَى عَهْدِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ ، فَبَعَثَ مُنَادِياً يُنَادِي: الصَّلاةَ جَامِعَةً، فَاجْتَمَعُوا، وَتَقَدَّمَ فَكَبَّرَ، وَصَلَّى أَرْبَعَ رَكَعَاتٍ فِي رَكْعَتَيْنِ وَأَرْبَعَ سَجَدَاتٍ» (١).
٣٨ - قال الشارح ﵀:
هذه الأحاديث الأربعة الثابتة عن رسول اللَّه ﵊ كلها تتعلق بصلاة الكسوف، يقال: الكسوف، ويقال: الخسوف، ومنه قوله تعالى: ﴿فَإِذَا بَرِقَ الْبَصَرُ * وَخَسَفَ الْقَمَرُ﴾ (١)، والخسوف والكسوف ذهاب نور الشمس والقمر، أو ذهاب شيء من ذلك، يقال له خسوف، ويقال له كسوف.
وقد بين النبي ﷺ حكم ذلك، وأن هذا الخسوف والكسوف آيتان من آيات اللَّه يخوف بهما عباده، فالشمس والقمر آيتان، والليل والنهار آيتان، كلها من آياته جلّ وعلا، ثم يُجري عليهما الخسوف والكسوف، ليعلم العباد أن هذين الكوكبين خاضعان لأمر اللَّه، يتصرف فيهما كيف يشاء ، وقد وقع هذا في عهده ﷺ في يومٍ مات فيه ابنه إبراهيم، وكان صغيراً لم يُفطم، أمه جارية يقال لها مارية، فظن الناس أن كسفت الشمس لموته، فقال ﷺ : «إِنَّ الشَّمْسَ وَالْقَمَرَ آيتان مِنْ آيَاتِ اللهِ، لَا يَنكسِفَانِ لِمَوْتِ أَحَدٍ، وَلَا لِحَيَاتِهِ، وَلَكِنَّ اللَّهَ يُخَوِّفُ بِهِمَا عِبَادَهُ» (٢)، كما قال تعالى: «وَمَا نُرْسِلُ بِالْآيَاتِ
стр. 319
إِلَّا تَخْوِيفًا﴾ (١)؛ أي: ليحذروا نقمته، وليبادروا إلى طاعته، وليخشوا عذابه ، وليعلموا أنه على كل شيء قدير في تعذيبهم وإهلاكهم، أو عافيتهم وسلامتهم، وهو على كل شيء قدير .
ولما وقع هذا بعث منادياً ينادي: الصلاة جامعة، الصلاة جامعة، الصلاة جامعة؛ حتى يعلم الناس أنه حصل كسوف، هذا نداء الصلاة جامعة، ثم صلى بالناس ركعتين في كل ركعة ركوعان، وسجدتان، وقراءتان، كبّر وقرأ الفاتحة، وقرأ معها وطوّل، ثم ركع وأطال، ثم رفع فقرأ أيضاً الفاتحة، ومعها قراءة طويلة، ولكنها دون الأولى، ثم ركع ركوعاً طويلاً، لكنه دون الأول، ثم رفع فأطال دون الأول، كما في حديث جابر: «ثم سجد سجدتين طويلتين، ثم قام وأتى بالثانية كالأولى، قرأ ثم ركع، ثم رفع، ثم قرأ، ثم ركع ركوعاً دون الذي قبله، ثم رفع وأطال بعض الإطالة، ثم سجد سجدتين، ثم خطب الناس» (٢).
стр. 320
فالأحاديث في هذا مستفيضة، وصحيحة عن رسول اللَّه ﷺ .
وفي حديث أبي موسى: «فَصَلَّى بِأَطْوَلِ قِيَامٍ، وَرُكُوعٍ، وَسُجُودٍ، مَا رَأَيْتُهُ يَفْعَلُه فِي صَلَاةٍ قَطُّ» (١). دل على أنه ﵊ طوّل في ذلك قراءته وركوعه وسجوده.
وفي حديث أبي موسى يخشى أن تكون الساعة قبل أن يعلم أنها تتأخر عنه، لا تقوم في زمانه، فإنه أخبر الأمة أنها تقوم بعد ذلك، ولا تقوم في زمانه ﵊، كما قد وقع الآن؛ فإنها لم تزل غير قائمة، وقد مضى بعده ﵊ أربعة عشر قرناً.
وفي هذا من الفوائد:
أن السنة للمسلمين المبادرة للصلاة إذا وجدوا ذلك، قال: «فَافْزَعُوا إلَى ذِكْرِ اللَّهِ وَدُعَائِهِ وَاسْتِغْفَارِهِ» (٢)، معنى افزعوا أي بادروا بالتوجه إلى اللَّه بالصلاة والذكر والاستغفار والدعاء والتكبير والصدقة.
وفي حديث عائشة لقال: «فَادْعُوا اللَّهَ، وَصَلُّوا، وكبِّروا، وَتَصَدَّقُوا» (٣)، وفي رواية أسماء أنه أمر بالعتق (٤)؛ فدل ذلك على أنه يُستحب في وقت الكسوف الصدقة، وعتق الرقاب، والإكثار من ذكر