٣٨ - قال الشارح ﵀:
هذه الأحاديث الأربعة الثابتة عن رسول اللَّه ﵊ كلها تتعلق بصلاة الكسوف، يقال: الكسوف، ويقال: الخسوف، ومنه قوله تعالى: ﴿فَإِذَا بَرِقَ الْبَصَرُ * وَخَسَفَ الْقَمَرُ﴾ (١)، والخسوف والكسوف ذهاب نور الشمس والقمر، أو ذهاب شيء من ذلك، يقال له خسوف، ويقال له كسوف.
وقد بين النبي ﷺ حكم ذلك، وأن هذا الخسوف والكسوف آيتان من آيات اللَّه يخوف بهما عباده، فالشمس والقمر آيتان، والليل والنهار آيتان، كلها من آياته جلّ وعلا، ثم يُجري عليهما الخسوف والكسوف، ليعلم العباد أن هذين الكوكبين خاضعان لأمر اللَّه، يتصرف فيهما كيف يشاء ، وقد وقع هذا في عهده ﷺ في يومٍ مات فيه ابنه إبراهيم، وكان صغيراً لم يُفطم، أمه جارية يقال لها مارية، فظن الناس أن كسفت الشمس لموته، فقال ﷺ : «إِنَّ الشَّمْسَ وَالْقَمَرَ آيتان مِنْ آيَاتِ اللهِ، لَا يَنكسِفَانِ لِمَوْتِ أَحَدٍ، وَلَا لِحَيَاتِهِ، وَلَكِنَّ اللَّهَ يُخَوِّفُ بِهِمَا عِبَادَهُ» (٢)، كما قال تعالى: «وَمَا نُرْسِلُ بِالْآيَاتِ
стр. 319
إِلَّا تَخْوِيفًا﴾ (١)؛ أي: ليحذروا نقمته، وليبادروا إلى طاعته، وليخشوا عذابه ، وليعلموا أنه على كل شيء قدير في تعذيبهم وإهلاكهم، أو عافيتهم وسلامتهم، وهو على كل شيء قدير .
ولما وقع هذا بعث منادياً ينادي: الصلاة جامعة، الصلاة جامعة، الصلاة جامعة؛ حتى يعلم الناس أنه حصل كسوف، هذا نداء الصلاة جامعة، ثم صلى بالناس ركعتين في كل ركعة ركوعان، وسجدتان، وقراءتان، كبّر وقرأ الفاتحة، وقرأ معها وطوّل، ثم ركع وأطال، ثم رفع فقرأ أيضاً الفاتحة، ومعها قراءة طويلة، ولكنها دون الأولى، ثم ركع ركوعاً طويلاً، لكنه دون الأول، ثم رفع فأطال دون الأول، كما في حديث جابر: «ثم سجد سجدتين طويلتين، ثم قام وأتى بالثانية كالأولى، قرأ ثم ركع، ثم رفع، ثم قرأ، ثم ركع ركوعاً دون الذي قبله، ثم رفع وأطال بعض الإطالة، ثم سجد سجدتين، ثم خطب الناس» (٢).
стр. 320
فالأحاديث في هذا مستفيضة، وصحيحة عن رسول اللَّه ﷺ .
وفي حديث أبي موسى: «فَصَلَّى بِأَطْوَلِ قِيَامٍ، وَرُكُوعٍ، وَسُجُودٍ، مَا رَأَيْتُهُ يَفْعَلُه فِي صَلَاةٍ قَطُّ» (١). دل على أنه ﵊ طوّل في ذلك قراءته وركوعه وسجوده.
وفي حديث أبي موسى يخشى أن تكون الساعة قبل أن يعلم أنها تتأخر عنه، لا تقوم في زمانه، فإنه أخبر الأمة أنها تقوم بعد ذلك، ولا تقوم في زمانه ﵊، كما قد وقع الآن؛ فإنها لم تزل غير قائمة، وقد مضى بعده ﵊ أربعة عشر قرناً.
وفي هذا من الفوائد:
أن السنة للمسلمين المبادرة للصلاة إذا وجدوا ذلك، قال: «فَافْزَعُوا إلَى ذِكْرِ اللَّهِ وَدُعَائِهِ وَاسْتِغْفَارِهِ» (٢)، معنى افزعوا أي بادروا بالتوجه إلى اللَّه بالصلاة والذكر والاستغفار والدعاء والتكبير والصدقة.
وفي حديث عائشة لقال: «فَادْعُوا اللَّهَ، وَصَلُّوا، وكبِّروا، وَتَصَدَّقُوا» (٣)، وفي رواية أسماء أنه أمر بالعتق (٤)؛ فدل ذلك على أنه يُستحب في وقت الكسوف الصدقة، وعتق الرقاب، والإكثار من ذكر
стр. 321
اللَّه: من تكبيره، وتعظيمه، وصلاة الكسوف، كل هذا مشروع في وقت الكسوف، يصلي ركعتين بقراءتين، وركوعين، وسجدتين، والمسلمون يكثرون من ذكر اللَّه في بيوتهم، وأسواقهم، ومساجدهم وكل مكان، واستغفاره، والتوبة إليه، ومحاسبة أنفسهم عما لديهم من المعاصي.
وفيه من الفوائد: يقول ﵊: «مَا أَحَد أَغْيَرُ مِنْ اللَّهِ أَنْ يَزْنِيَ عَبْدُهُ أَوْ تَزْنِيَ أَمَتُهُ» (١). هذا يفيد الحذر من الزنى والفواحش، وأنها من أسباب غضب اللَّه وعقابه؛ لأنه غيور على نعمه ، وغيور حين تنتهك محارمه، وذكر الزنى (٢)؛ لأنه من أقبح الفواحش؛ ولأنه من أسباب خسف نور القلب، وذهاب نوره وبصيرته، فالذي أذهب الشمس والقمر بالكسوف، قادر على أن يذهب نور العبد، وبصيرته، وهدايته بمعاصيه التي يقترفها، وقال ﵊: «لَوْ تَعْلَمُونَ مَا أَعْلَمُ لَضَحِكْتُمْ قَلِيلًا وَلبَكَيْتُمْ كَثِيرًا» (٣)، أي لو تعلمون ما أعلم ما عند اللَّه من العقوبة لمن كفر به وعصاه؛ لضحكتم قليلاً، ولبكيتم كثيراً.
وفيه أنهم يصلون ويدعون إذا رأوا الكسوف، «فَصَلُّوا وَادْعُوا
стр. 322
حَتَّى يُكْشَفَ مَا بِكُمْ» (١)، فالسنة للمسلمين هكذا، أن ينادوا الصلاة جامعة، وأن يصلوا ركعتين، كما صلى النبي ﷺ بقراءتين، وركوعين، وسجدتين، ويطوّل في ذلك، كما طوّل النبي ﷺ ، وأن يُكثر من الصدقة، والتهليل، والتكبير، والاستغفار، وعتق الرقاب، كل هذا من أسباب العافية من العقوبات، فالنُذر من اللَّه كثير، والواجب على أهل الإسلام، وعلى كل عاقل أن ينتفع من هذه الذكرى، ومن هذه النذارة، وأن يخشى اللَّه ويراقبه، وأن يستفيد من الآيات حتى يعد العدة، ويحذر أسباب الهلاك.
٢٩ - باب صلاة الاستسقاء
١٥٧ - عن عبد اللَّه بن زيد بن عاصم المازني ﵁ قال: «خَرَجَ النَّبِيُّ ﷺ يَسْتَسْقِي، فَتَوَجَّهَ إلَى الْقِبْلَةِ يَدْعُو، وَحَوَّلَ رِدَاءَهُ، ثُمَّ صَلَّى رَكْعَتَيْنِ، جَهَرَ فِيهِمَا بِالْقِرَاءَةِ» (٢).
وفي لفظٍ: «أَتَى (٣) الْمُصَلَّى» (٤).
١٥٨ - عن أنس بن مالك ﵁، «أَنَّ رَجُلاً دَخَلَ الْمَسْجِدَ يَوْمَ الْجُمُعَةِ مِنْ بَابٍ كَانَ نَحْوَ دَارِ الْقَضَاءِ، وَرَسُولُ اللَّه ﷺ قَائِمٌ يَخْطُبُ،
و (دار القضاء) دار عمر بن الخطاب ﵁، سُمّيت بذلك لأنها بيعت في قضاء دينه (١).
٣٩ - قال الشارح ﵀:
هذان الحديثان الصحيحان الثابتان عن رسول اللَّه ﷺ ، كلاهما يدل على شرعية الاستسقاء، وهو طلب السُّقيا، أي طلب الغيث، ويقال: الاستغاثة: أي طلب الغوث، والغوث يكون في طلب إزالة الشدة بسبب الجدب، والقحط، وقلة المياه، يقال: استسقى طلب السُّقيا، واستغاث طلب الغوث لإزالة الشدة، ويقال: الغيث، وهو المطر، طلب الغيث الذي هو المطر. وهذا سنة مؤكدة؛ لأن الرسول ﵊ فعلها، فدّل ذلك على سنيتها، وتأكدها، وفيها فوائد، منها:
الضراعة إلى اللَّه، واللجوء إليه، وإظهار العبودية، والمسكنة، والانكسار للمولى ، واللَّه يحب من عباده أن ينكسروا إليه، وأن يعبدوه، وأن يعظموه، وأن يذلوا له، وأن يسألوه من فضله، حيث قال سبحانه: ﴿ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ﴾ (٢)، وقال : ﴿وَاسْأَلُوا اللَّهَ مِنْ فَضْلِهِ﴾ (٣).
وفيه من الفوائد: أنه ينبغي للأمة أن تفعل ذلك إذا وجد الجدب والقحط، ينبغي لهم أن يستغيثوا، ويسألوا اللَّه من فضله؛ لأن السراء،
стр. 325
والضراء امتحان من اللَّه، يختبر بهما العباد، فالمؤمنون عند السراء يشكرون، وعند الضراء يصبرون، ويسألون ربهم الغيث، والهداية، والرحمة، والإحسان.
الحديث الأول: حديث عبداللَّه بن زيد بن عاصم الأنصاري: أن النبي ﷺ خرج بالناس إلى الصحراء، فصلى بهم في المصلى واستغاث، فرفع يديه ودعا وطلب السُقيا وحوّل رداءه ما على الأيمن على الأيسر، والأيسر على الأيمن، يعني قلب رداءه، وتوجه للقبلة يدعو بعدما قلب رداءه، ثم صلى ركعتين جهر فيهما بالقراءة (١).
وفي حديث ابن عباس - كما في السنن - أنه «صَلَّى كَمَا يُصَلِّي فِى الْعِيدِ» (٢)،
فدّل ذلك على أنه عند الجدب، والقحط يُشرع لولي الأمر والمسلمين، أن يستغيثوا، ويستسقوا، ويُشرع للعامة أن يطلبوا من ولي الأمر ذلك إذا تأخر، حتى يستغيث لهم، كما فعله
стр. 326
المسلمون مع نبيهم ﵊، فإذا عزموا على ذلك خرجوا صباحاً، ويُبلّغ الناس، ويعلّمهم ويحدد لهم الوقت، فيجتمعون, فإذا طلعت الشمس وارتفعت، خرج وصلى بهم، وخطب بهم، وصلى بهم ركعتين، وهو مُخير إن شاء صلى أولاً، ثم خطب كما جاء في حديث عبداللَّه بن زيد، وإن شاء قدم الصلاة كما في العيد، ثم خطب بعد ذلك، كما في الرواية الأخرى، بدأ بالصلاة ثم خطب، هما سُنتان، ولعله فعلها ﷺ تارةً وتارة، تارةً بدأ بالصلاة، وتارة بدأ بالخطبة، كما هنا في حديث ابن عباس: أنه صلاهما كما يصلي في العيد، يعني صلى ثم خطب، وفي هذه الصلاة، وفي هذا الدعاء يستغيث اللَّه، ويحث الناس على الاستغفار والتوبة والاستقامة على طاعة اللَّه، والحذر من المعاصي، ويذكر اللَّه، ويمجده ، ثم يصلي ركعتين، وإن شاء قدم الصلاة ثم خطب الناس، وذكرهم واستغاث لهم، وطلب لهم الغيث من اللَّه جل وعلا، ويجهر بالقراءة في الصلاة كالعيد، يصلي صلاةً جهرية، يصلي ركعتين، يكبر في الأولى سبعاً بتكبيرة الإحرام، وفي الآخرة خمساً غير تكبيرة النقل، ثم يقرأ بعد التكبيرات كالعيد، وله أن يستسقي في الجمعة، كما في حديث أنس المذكور، فإنه ﷺ استسقى في خطبة الجمعة، «جاءه رجل، «وَقَالَ يَا رَسُولَ اللَّهِ، هَلَكَتْ الْأمْوَال، وَانْقَطَعَتْ السُّبُلُ، فَادْعُ اللَّهَ يُغِيثُنَا، (وكان يخطب في الجمعة)، فَرَفَعَ يَدَيْهِ، ودعا: اللَّهُمَّ أغِثْنَا، اللَّهُمَّ أَغِثْنَا، اللَّهُمَّ أَغِثْنَا، قَالَ أَنَسٌ: فوَاللَّهِ مَا نَرَى فِي السَّمَاءِ مِنْ
стр. 327
سَحَابةٍ، وَلَا قَزَعَة (السماء خالية)، وَليس بَيْنَنَا وَبَيْنَ سَلْعٍ (جبل معروف) بَيْتٌ، وَلَا دَارٌ (يعني
يشاهدون الجبل عندهم)، فبينما هم كذلك إذْ طَلَعَتْ سَحَابَةٌ مِنْ وَرَاءِ الجبل مِثْل التُّرْسِ (يعني صغيرة)، ثم انْتَشَرَتْ في السماء، ثُمَّ أَمْطَرَتْ» (١) بإذن اللَّه ، والناس في مسجدهم، ما بعد خرجوا من المسجد، وهذا فيه آية من آيات اللَّه القائل سبحانه: ﴿إِنَّمَا أَمْرُهُ إِذَا أَرَادَ شَيْئًا أَنْ يَقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ﴾ (٢)، كانت الإغاثة بسرعة بأمر اللَّه ، في حالة الدعاء والصلاة.
وفيه أيضاً دلالة على أنه رسول اللَّه ﵊، وهذه من معجزاته كونه دعا فأُجيب في الحال فيما ينفع العباد، ولم يخرج الناس من المسجد إلا وهم يمشون في المطر، هذه من آيات اللَّه، ومن نعمه العظيمة، ومن الدلائل على قدرته العظيمة، وأنه رب العالمين، وأنه القادر على كل شيء، وأن محمداً هو رسول اللَّه ﵊، حيث أجاب دعوته في الحال، وأرسل المطر في الحال على عباده المسلمين.
وفيه من الفوائد: أنه لا مانع أن يتكلم الإنسان مع الإمام في الحاجة وهو يخطب، الواجب على المسلمين الإنصات، لكن إذا كان هناك حاجة لا مانع أن يتكلم معه بعض الناس، كأن يقول: يا فلان، يا أبا فلان، يا إمامنا، ادع اللَّه لنا، استغث لنا، حصل كذا وكذا
стр. 328
مما يحتاج إلى التنبيه في الخطبة، لا بأس أن يتقدم بعض المأمومين، ويقول له شيئاً في الخطبة مما تدعو الحاجة إليه، حتى ينبّه عليه وهو في الخطبة.
ولا بأس أن يتكلم الإمام بما يرى في الخطبة من النصيحة، أو توجيه، أو تنبيه أحد، ولهذا في بعض الروايات لما رأى رجلاً دخل المسجد ولم يصلِ ركعتين قال: «قُمْ فَصَلِّ رَكْعَتَيْنِ» (١) تحية المسجد. وهو في الخطبة ﵊.
وفيه أنه «دَخَلَ رَجُلٌ فِي الْجُمُعَةِ الْأخرى» استمر معهم المطر سبتاً، أي أسبوعاً والسماء تمطر، فجاء رجل يوم الجمعة التي بعدها وقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، هَلَكَتْ الْأَمْوَالُ، وَانْقَطَعَتْ السُّبُلُ، فَادْعُ اللَّهَ يُمْسِكْهَا عنّا، يمسك المطر، فَرَفَعَ يديه ﷺ ، ودعا: «اللَّهُمَّ حَوَالَيْنَا، وَلَا عَلَيْنَا، اللَّهُمَّ عَلَى الْآكَامِ وَالظِّرَابِ، وبطون الْأَوْدِيَةِ، وَمَنَابِتِ الشَّجَر، قَالَ: فَأَقْلَعَتْ (أي أقلعت السُّحب في الحال) وَخَرَجَ الناس يَمْشون فِي الشَّمْسِ» (٢)،
هذه أيضاً من آيات اللَّه جلّ وعلا الدالة على قدرته العظيمة، وأنه يقول للشيء كن فيكون ، ومن الدلالة على صدق رسوله ﷺ ، وأنه رسول اللَّه حقاً، حيث أجاب اللَّه دعوته
стр. 329
في الحال ﵊ في المرة الأولى والثانية، وفي بعض الروايات أنه تبسَّم ﵊ (١)؛ لما رأى من ضعف الناس وعدم تحملهم لما جاءه يقول له: «ادْعُ اللَّهَ يُمْسِكُها عَنَّا» (٢)، في الجمعة الأولى يسأل هطول المطر، وفي الجمعة الثانية يطلب الإمساك، هذا يدل على ضعف بني آدم، وأنهم لا يتحملون الشيء الكثير؛ لأنه قد يُخرِّب بيوتهم، ويضرهم، ويضر أنعامهم.
وفيه أنه لا مانع من طلب مثل هذا الطلب: «اللَّهم حوالينا ولا علينا» ولم يقل: اللَّهم أمسكها عنا. قال: «اللَّهُمَّ حَوَالَيْنَا، وَلَا عَلَيْنَا»، فدّل هذا على أن هذا هو السنة أن يقول: «اللَّهُمَّ حَوَالَيْنَا، وَلَا عَلَيْنَا، اللَّهُمَّ عَلَى الْآكَامِ وَالظِّرَابِ، وبطون الْأَوْدِيَةِ، وَمَنَابِتِ الشَّجَر».
الآكام: الأشياء المرتفعة.
بطون الأودية: معروف.
ومنابت الشجر: أي الأراضي التي يحصل فيها النبات، حتى
стр. 330
ينفعها المطر.
وفيه من الفوائد: أنه ينبغي التكرار في الدعاء، والإلحاح في الدعاء، فيكرر فيقول: اللَّهم أغثنا، اللَّهم أغثنا، اللَّهم أغثنا، فيُشرع للخطيب أن يُكرر الدعاء، يُلح في الدعاء، كما كرر النبي ﷺ في دعائه ﵊.
٣٠ - باب صلاة الخوف
١٥٩ - عن عبد اللَّه بن عُمر بن الخطاب ﵄ قال: «صَلَّى بِنَا (١) رَسُولُ اللَّهِ ﷺ صَلاةَ الْخَوْفِ فِي بَعْضِ أَيَّامِهِ التي لَقيَ فِيهَا الْعَدُوَّ (٢)، فَقَامَتْ طَائِفَةٌ مَعَهُ، وَطَائِفَةٌ بِإِزَاءِ الْعَدُوِّ، فَصَلَّى بِاَلَّذِينَ مَعَهُ رَكْعَةً، ثُمَّ ذَهَبُوا، وَجَاءَ الآخَرُونَ، فَصَلَّى بِهِمْ رَكْعَةً، وَقَضَتِ الطَّائِفَتَانِ رَكْعَةً رَكْعَة» (٣).
١٦٠ - عن يزيد بن رُومان، عن صالح بن خَوَّات بن جُبير، عَمَّنْ صلّى مع رسول اللَّه ﷺ صلاة ذاتِ الرِّقَاع، صلاة الخوف، «أَنَّ طَائِفَةً صَفَّتْ مَعَهُ، وَطَائِفَةٌ وِجَاهَ الْعَدُوِّ، فَصَلَّى بِاَلَّذِينَ مَعَهُ رَكْعَةً، ثُمَّ ثَبَتَ
السُّجُودَ وَالصَّفُّ الَّذِي يَلِيهِ، انْحَدَرَ الصَّفُّ الْمُؤَخَّرُ بِالسُّجُودِ، فَسَجَدُوا، ثُمَّ سَلَّمَ النبيُّ ﷺ . وَسَلَّمْنَا جَمِيعاً».
قال جابر: «كَمَا يَصْنَعُ حَرَسُكُمْ هَؤُلاءِ بِأُمَرَائِهِمْ»، ذكره مسلم بتمامه (١).
وذكر البخاري طَرَفاً منه، «وَأَنَّهُ صَلَّى صَلاةَ الْخَوْفِ مَعَ النَّبِيِّ ﷺ فِي الْغَزْوَةِ السَّابِعَةِ، غَزْوَةِ ذَاتِ الرِّقَاعِ» (٢).
٤٠ - قال الشارح ﵀:
هذه الأحاديث الثلاثة تتعلق بصلاة الخوف، وصلاة الخوف لها أحوال، ولها أنواع، فعلها النبي ﵊ إذا كان في الإمكان الصلاة والعدو حاضر، أما إذا كان ليس في الإمكان الصلاة والعدو قد خلط الناس بالقتال؛ فإنها تؤجل حتى ينتهي الحرب، ويتمكن كل مسلم من الصلاة، أما إذا أمكن أن يصلوا وهم وِجَاه العدو، كما كان في عهد النبي ﷺ [...] (٣)؛ فإنه صلاها على أنواع:
منها ما ذكره ابن عمر ﵄، وهو أنهم «صفوا خلف النبي ﷺ ، وصلوا معه ركعةً، صاروا طائفتين: طائفة بقيت تحرس وتقابل العدو: وطائفة صفت معه: فلما صلت ركعةً ذهبت للحراسة: وقضت لنفسها ركعة بعد ذلك بعد سلامه ﷺ ، ثم جاءت الطائفة
стр. 333
الأخرى فصلت معه ركعةً: ثم ذهبت تحرس وقضت كل واحدة لنفسها ركعة» (١). هذه حالة.
والحال الثانية: أنهم صلوا معه ﷺ ، صلت الطائفة الأولى معه ركعة، ثم أتمت لنفسها وهي معه، ولما سلمت ذهبت تحرس، ثم جاءت الطائفة الأخرى وصلت معه الركعة الثانية وهو واقف، فلما انتهى من ركعته وجلس للتشهد، قاموا فأتموا لأنفسهم، ثم جلسوا وسلموا معه بسبب العذر، فصار قضاؤهم الركعة الثانية قبل أن يُسلم (٢)، [...] (٣).
وهناك نوع ثالث لم يذكره المؤلف وهو أنه صلى بكل واحدة ركعة فقط، ولم يقل شيئاً، وصلى ركعتين هو، فالإمام له ركعتان، وكل طائفة ركعة (٤).
[...] (٥)، وركع بهم جميعاً، ثم انحدر بالسجود، ومعه الصف
стр. 334
الأول سجدوا معه، وقام الصف الثاني يحرس لم يسجد، فلما فرغ النبي ﷺ من السجود سجد الصف الثاني، فلما فرغوا من سجودهم قاموا فتقدموا، وتأخر الصف المقدم، وصلى بهم جميعاً قائماً وراكعاً ورافعاً، ثم لما سجد انحدر معه الصف الأول، الذي كان مؤخراً في الركعة الأولى، وسجد معه، وبقي الصف الثاني الذي هو الصف الأول في الركعة الأولى يحرس، فلما قام من سجوده انحدروا وسجدوا، ثم سلم بهم جميعاً.
وكل هذه الأنواع جائزة في صلاة الخوف، فإن اشتد الخوف صلوا رجالاً وركباناً، فراداً وجماعات (١) كما قال تعالى: ﴿فَإِنْ خِفْتُمْ فَرِجَالًا أَوْ رُكْبَانًا﴾ (٢)؛ فإن شق ذلك، ولم يتيسر بسبب الاختلاط والمضاربة والمسايفة، وعدم تمكن الإنسان من عقل الصلاة بسبب أنه مختلط مع العدو في الضرب والكر والفر تؤخَّر وتؤجل، كما فعل النبي ﷺ يوم الأحزاب (٣)؛ فإنه اشتبك مع الكفار يوم الأحزاب، فلم يصلِّ العصر إلا بعد غروب الشمس، بسبب شغله معهم في الحرب (٤)، أخَّرها حتى صلاّها بعد المغرب، ثم صلّى بعدها
стр. 335
المغرب للضرورة، وهذا قد يقع إذا اشتد القتال وحمي الوطيس، ولم يتمكنوا من الصلاة، فلا مانع من تأخيرها حتى ينتهي القتال، ثم يصلي المسلمون، ولو خرج الوقت للضرورة، ومن هذا ما فعله الصحابة في قتال العراق أهل الفرس، يوم حاصروا تستر، لما برق الفجر إذا هم في قتال، وهم محاصرو البلد، بعضهم على السور، وبعضهم قد دخل البلد، وبعضهم على الأبواب، والقتال قد حمي بينهم، فأخرّوها حتى انتهى القتال، وصلّوها ضحىً، صلوا الفجر ضحى، قال أنس: ما أحبّ أن لي بها حمر النعم، أو كما قال ﵁ وأرضاه (١)؛ لأنهم أخروّها قهراً لشدة القتال، فهذا نوع من أنواع صلاة الخوف، وهو التأخير للضرورة، ولو فات الوقت عند عدم إمكان الصلاة، بسبب اختلاطهم مع العدو، واشتغالهم بالضرب والكر والفر، وعدم تمكن المؤمن أن يؤدي الصلاة في تلك الحال.
٣١ - باب الجنائز (٢)
١٦٢ - عن أبي هريرة ﵁ قال: «نَعَى النَّبِيُّ ﷺ النَّجَاشِيَّ فِي الْيَوْمِ الَّذِي مَاتَ فِيهِ، وخَرَجَ بِهِمْ إلَى الْمُصَلَّى فَصَفَّ بِهِمْ، وَكَبَّرَ أَرْبَعاً» (٣).
стр. 336
١٦٣ - عن (١) جابر ﵁، «أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ (٢) صَلَّى عَلَى النَّجَاشِيِّ، فَكُنْتُ فِي الصَّفِّ الثَّانِي، أَوِ الثَّالِثِ» (٣).
١٦٤ - عن عبد اللَّه بن عباس ﵄، «أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ (٤) صَلَّى عَلَى قَبْرٍ، بَعْدَ مَا دُفِنَ، فَكَبَّرَ عَلَيْهِ أَرْبَعاً» (٥).
٤١ - قال الشارح ﵀:
هذه الأحاديث تتعلق بالجنائز، والجنائز جمع جِنازة -بكسر الجيم وفتحها-، جِنازة وجَنازة، والمراد بالجنازة هي الميت، سميت جنازة؛ لأنها مستورة بالأكفان وغيرها.
والجنائز لها أحكام، ذكر المؤلف ﵀ أحاديث في ذلك، تدل على كثير من أحكام الجنائز.
من ذلك الصلاة على الغائب؛ لحديث أبي هريرة ﵁: أن النبي ﷺ «نَعَى النَّجَاشِيَّ فِي الْيَوْمِ الَّذِي مَاتَ فِيهِ، وخَرَجَ بِهِمْ إلَى الْمُصَلَّى
стр. 337
فَصَفَّ بِهِمْ، وَكَبَّرَ عليه أَرْبَعاً» (١)، هذا يدل على جواز الإخبار عن الميت، وأنه مات فلان ليحضر أقاربه وأصدقاؤه حتى يصلوا عليه، وأن هذا يسمى نعياً، يعني خبراً، وهو لا بأس به إذا كان من جنس هذا الذي فعله النبي ﷺ ، كونه يُخّبِّرُ أصحابه وأقاربه، ويُخَبِّر جيرانه أنه مات فلان، حتى يصلوا عليه، فهذا لا بأس به، أما الذي نُهي عنه فهو الذي تفعله الجاهلية، كونه ينادي على المنابر، كالأذان مات فلان، أو يبعث سياراته أو دوابّ تنادي في القبائل: مات فلان، هذا من أعمال الجاهلية، وهذا هو المنهي عنه.
أما كون أهل الميت يخبرون أصحابه وأقاربه حتى يحضروا، هذا لا بأس به، كما أخبر النبي ﷺ أصحابه بأن النجاشي قد مات، ثم خرج بهم إلى المصلى، وصفّ بهم، وكبّر أربعاً ﵊.
ويدل هذا الحديث على أنه يكبر على الجنازة أربع تكبيرات، وهذا آكد ما ورد عنه ﵊ أربع تكبيرات، لا يجوز النقص منها، يقرأ في الأولى بفاتحة الكتاب، ويصلي على النبي ﷺ في الثانية، وإن قرأ مع الفاتحة شيئاً: سورة قصيرة، أو آيات فحسن، فقد ثبت عن ابن عباس ﵄ عن النبي ﷺ أنه قرأ الفاتحة وقرأ معها سورة (٢)، هذا كله لا بأس
стр. 338
به، وإن اقتصر على الفاتحة كفى، وإن زاد فهو الأفضل زيادة خفيفة، ثم يصلي على النبي ﷺ في الثانية، كما يصلي على النبي في الصلاة: «اللَّهم صلَّ على محمدٍ، وعلى آل محمدٍ، كما صليت على إبراهيم، وعلى آل إبراهيم، إنك حميد مجيد، وبارك على محمد ...» الخ، وفي الثالثة يدعو للميت، يقول: «اللهُمَّ اغْفِرْ لِحَيِّنَا وَمَيِّتِنَا، وَشَاهِدِنَا وَغَائِبِنَا، وَصَغِيرِنَا وَكَبِيرِنَا، وَذَكَرِنَا وَأُنْثَانَا -الدعاء عام-، اللهُمَّ مَنْ أَحْيَيْتَهُ مِنَّا فَأَحْيِهِ عَلَى الْإِسْلَامِ، وَمَنْ تَوَفَّيْتَهُ مِنَّا فَتَوَفَّهُ عَلَى الْإِيمَانِ» (١)،
هذا دعاء عام، وهي أدعية ثابتة عن النبي ﷺ ، ثم يقول: اللَّهم اغفر لفلان الميت، اللَّهم اغفر له وارحمه، اللَّهم اغفر لها إن كانت امرأة ... إلى آخره، «اللَّهُمَّ اغْفِرْ لَهُ، وَارْحَمْهُ، وَعَافِهِ، وَاعْفُ عَنْهُ، وَأَكْرِمْ نُزُلَهُ، وَوَسِّعْ مُدْخَلَهُ، وَاغْسِلْهُ بِالْمَاءِ وَالثَّلْجِ وَالْبَرَدِ، وَنَقِّهِ مِنَ الْخَطَايَا، كَمَا ينَقَّىَ الثَّوْبَ الأَبْيَضَ مِنَ الدَّنَسِ، اللَّهُمَّ أَبْدِلْهُ بدَارٍ خَيْرٍ مِنْ دَارِهِ، وَزَوْجًا خَيْرًا مِنْ زَوْجِهِ ...» إلخ. كما جاء في حديث عوف بن مالك عند مسلم (٢)، «اللَّهُمَّ لَا تَحْرِمْنَا أَجْرَهُ وَلَا
стр. 339
تُضِلَّنَا بَعْدَهُ» (١)، هذه دعوات واردة يدعو بها للميت.
س: يرفع فيها صوته؟
ج: يقولها سراً، لكن إذا رفع بعض الشيء حتى يعلم الناس بعض الدعاء، ولا بأس من باب التعليم، وقد جهر النبي ﷺ بالفاتحة في بعض الأحيان للتعليم، وجهر ابن عباس بذلك للتعليم، قال: لِتَعْلَمُوا أَنَّهَا سُنَّةٌ (٢).
ثم يكبر الرابعة، ويُسلم تسليمة واحدة، هذا هو السنة، ويقف بعد الرابعة قليلاً؛ لأنه قد جاء في بعض الأحاديث مثل حديث
عبد اللَّه بن أبي أوفى (٣)، وحديث آخر مما يدل على أن الأفضل أن يقف قليلاً، ثم يُسلم بعد الرابعة، وليس فيها ذكر، ولا دعاء، وهذا لا
стр. 340
فرق [فيه] (١) بين الرجل والمرأة، والجماعة إذا كانوا جماعة صلى عليهم جميعاً اثنين، أو ثلاثة، أو أربعة، يصلي عليهم جميعاً، هذا هو الأفضل؛ لأن الصلاة مبنية على السرعة، النبي ﷺ قال: «أَسْرِعُوا بِالْجِنَازَةِ» (٢)،
فإذا كانوا جماعة صلى عليهم جميعاً ذكوراً وإناثاً، ويقف عند رأس الرجل، وعند وسط المرأة، موقف الإمام عند رأس الرجل، وعند وسط المرأة، هذا هو السنة، أما قول بعض الفقهاء: عند صدر الرجل فلا دليل عليه، بل السنة أن يقف عند رأس الرجل، وعند وسط المرأة، وأما إذا كانوا جماعة جُعل وسط المرأة عند رأس الرجل حتى يقف في موقف واحد إذا كانوا جماعة رجالاً ونساءً جعلت المرأة وسطها حيال رأس الرجل حتى يكون موقفه منهما موقفاً شرعياً.
وفي حديث جابر: أَنَّهم صَفُّوا عَلَى النَّجَاشِيِّ صُفُوفاً، قال: كُنْتُ فِي الصَّفِّ الثَّانِي، أَوِ الثَّالِثِ» (٣)، هذا يدل على أنه يشرع الصفوف أي يكونوا صفوفاً: كصلاة الفريضة، يصفون صفوفاً أولاً، وثانياً، وثالثاً، وهكذا.
قال مالك بن هُبيرة -صحابي جليل-: إذا كانوا قليلين صفهم ثلاثاً، ولو كانوا اثنين اثنين أو ثلاثة ثلاثة؛ لأنه روي عن النبي ﷺ أنه
стр. 341
قال: «مَنْ صَلَّى عَلَيْهِ ثَلَاثَةُ صُفُوفٍ فَقَدْ أَوْجَبَ» (١)، أي يصلون ثلاثة صفوف أو أكثر كان أفضل.
وفي حديث ابن عباس ﵄ الدلالة على أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ كَبَّرَ عَلَى الميِّتِ بَعْدَ الدَّفْنِ أَرْبَعاً» (٢)، فدّل على أنه يُصلَّى على الميت بعد الدفن الذي ما صُلِّي عليه في المسجد، أو المصلى، يُصلَّى عليه بعد الدفن، كما صلى النبي ﷺ على بعض الأموات بعد الدفن، فيذهب إلى القبر، ويصلي عليه بعد الدفن، كما يفعل لو صلى عليه وهو حاضر بين يديه في المسجد، أو في المصلى، يكبر أربعاً، يقرأ في الأولى، ويصلي على النبي في الثانية، ويدعو في الثالثة، ثم يُكبر ويسلم، كما لو صلى عليه وهو بين يديه، والمعروف عند أهل العلم أن يكون ذلك في حدود الشهر فأقل، أما إذا كان أكثر من ذلك كثيراً فلا يُشرع الصلاة عليه، إذا مضى عليه أكثر من شهر، لم تشرع الصلاة عليه؛ لأن هذا لم يرد، إنما ورد في حدود الشهر فأقل، شهر
стр. 342
تقريباً، وما كان أقل منه صلى على الميت، والغائب كذلك، وفي صلاة الغائب كلام لأهل العلم:
منهم من قال: لا يصلى على الغائب مطلقاً؛ لأن النبي إنما صلى على النجاشي، لأنه ما صُلي عليه في بلاده؛ لأنهم كفار ونصارى، ما صلوا عليه؛ ولهذا صلى عليه النبي ﷺ .
وقال آخرون من أهل العلم: يُصلى على كل غائب، وجاء عن النبي أنه صلى على النجاشي، قالوا: وهذا يدل على أنه يصلى على كل غائب.
والقول الثالث التفصيل: قالوا: إن كان الغائب له أهمية في الإسلام كالنجاشي، كالعالم المعروف الداعي إلى اللَّه له شأن في الإسلام، أو أمير له شأن في الإسلام، أو ملك له شأن في الإسلام، ونفع للمسلمين، يُصلَّى عليه كما صلى النبي ﷺ على النجاشي، من أجل مزيد الخير له، بسبب أعماله الطيبة: من علم، وقولٍ، ودعوةٍ إلى اللَّه، أو كونه ملكاً له شأن في الإسلام، أو رئيس جمهورية له شأن في الإسلام، فلا بأس أن يُصلَّى عليه إظهاراً لفضله وإحساناً إليه بالدعاء، أما العاديون الذين ليس لهم شأن فهؤلاء لا يُصلى عليهم، لأن الرسول ما كان يصلي على كل غائب، إنما صلى على واحد، وهو النجاشي، والناس يموتون في كل مكان في عهده ﷺ ، يموت في مكة ناس، وفي غير مكة، ولم يصلِّ على الغائبين، إنما صلى على النجاشي خاصة، فدل على أنه إنما يصلي على من كان مثله، أما أن يقال بالخصوصية فلا، فهذا لا يخص النجاشي، كما قاله بعض أهل
стр. 343
العلم، ولا دليل على التخصيص، ولكن إذا صُلي على من له شأن في الإسلام، إلحاقاً له بالنجاشي، لقيامه بالدعوة إلى اللَّه، أو لحمايته للمسلمين أو لنشره العلم بين المسلمين أو غيرهم، ونحو ذلك، فهذا يُلحق بالنجاشي، ويصلَّى عليه إذا كان غائباً.
١٦٥ - عن عائشة ﵂: «أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ كُفِّنَ فِي ثَلَاثَةِ أَثْوَابٍ يَمَانِيَّةٍ بِيضٍ سَحُولِيَّةٍ (١)، لَيْسَ فِيهَا قَمِيصٌ وَلا عِمَامَةٌ» (٢).
١٦٦ - عن أمِّ عطية الأنصارية قالت: «دَخَلَ عَلَيْنَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ ، حِينَ تُوُفِّيَتْ بِنْتُهُ (٣) زَيْنَبُ. فَقَالَ: «اغْسِلْنَهَا ثَلاثاً، أَوْ خَمْساً، أَوْ أَكْثَرَ مِنْ ذَلِكَ ــ إنْ رَأَيْتُنَّ ذَلِك ــ بِمَاءٍ وَسِدْرٍ وَاجْعَلْنَ فِي الآخِرَةِ كَافُوراً ــ أَوْ شَيْئاً مِنْ كَافُورٍ ــ فَإِذَا فَرَغْتُنَّ فَآذِنَّنِي»، فَلَمَّا فَرَغْنَا آذَنَّاهُ، فَأَعْطَانَا حَقْوَهُ، فَقَالَ: «أَشْعِرْنَهَا إياه (٤)». يعني إزَارَه (٥).
وفي رواية، أَوْ سَبْعاً (٦).
стр. 344
وقال: «ابْدَانَ بِمَيَامِنِهَا، وَمَوَاضِعِ الْوُضُوءِ مِنْهَا (١)» (٢).
وأَنَّ أُمَّ عَطِيَّةَ قَالَتْ: «وَجَعَلْنَا رَاسَهَا ثَلاثَةَ قُرُونٍ» (٣).
١٦٧ - عن عبد اللَّه بن عباس ﵄ قال: «بَيْنَمَا رَجُلٌ وَاقِفٌ بِعَرَفَةَ، إذْ وَقَعَ عَنْ رَاحِلَتِهِ، فَوَقَصَتْهُ ــ أَوْ قَالَ: فَأَوْقَصَتْهُ ــ فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : «اغْسِلُوهُ بِمَاءٍ وَسِدْرٍ، وَكَفِّنُوهُ فِي ثَوْبَيْنِ، وَلا تُحَنِّطُوهُ، وَلا تُخَمِّرُوا رَاسَهُ، فَإِنَّهُ يُبْعَثُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ مُلَبِّياً» (٤).
وفي رواية «وَلا تُخَمِّرُوا وَجْهَهُ (٥) وَرَاسَهُ» (٦).
стр. 345
قال المصنّف (١): الوَقْص: كسر العنق.
٤٢ - قال الشارح ﵀:
هذه الأحاديث الثلاثة تتعلق بتكفين الميت وتغسيله، وقد دلت السنة عن رسول اللَّه ﵊ على وجوب تغسيل الميت، وعلى وجوب تكفينه، وأنه يُغسّل ويُكفن، ويُصلى عليه، يعني الميت المسلم، فيجب أن يُغسل، ويجب أن يكفن، ويجب أن يُصلى عليه ثم يدفن، وهذه من كرامة اللَّه للمسلم، ورحمته له ولأهله أنه يُغسل وينظف ويطيب، ويُصلى عليه بعد التكفين ويُدفن، ولا يجعل كالجيف على الطرقات، بل أكرمه اللَّه بتغسيله وتكفينه وتطييبه، والصلاة عليه، ثم دفنه وموارته في الأرض، حتى يخرج يوم البعث والنشور.
وفي حديث عائشة ﵂ أن النبي ﷺ كُفِّنَ فِي ثَلَاثَةِ أَثْوَابٍ بِيضٍ سَحُولِيَّةٍ من اليمن، لَيْسَ فِيهَا قَمِيصٌ وَلا عِمَامَةٌ» (٢).
وفق اللَّه الصحابة وكفنوه في ثلاثة أثواب، في ثلاث قطع: ثلاث لفائف، بسطت واحدة فوق واحدة من سحول يسمونها مريكاني، بلدة يقال لها سحول في اليمن، وضعوه على هذه اللفائف، ثم ردوها عليه وربطوها وطيبوه ﵊، وصلى عليه المسلمون فراداً، ثم دُفِنَ ﵊، وليس فيها قميص ولا عمامة، هذا هو
стр. 346
الأفضل، وإن جُعل فيها قميص وعمامة فلا بأس، كما فعل النبي ﷺ مع عبداللَّه بن أُبي حين كفنوه في قميص، فإذا جُعل في قميص وعمامة ولفافة أجزأ ذلك، وكفى، أو بلفافة واحدة كفت واحدة، يلف فيها كله، ويربط ما فوق الرأس، ويربط ما تحت الأرجل، ويربط الوسط حتى لا ينتشر، ثم يُوضع في لحده مربوطاً، وتُحل الربط بعد ذلك، العُقد تُحل، وتبقى في محلها الرباط، تبقى في محلها لكنها محلولة.
وهذا الذي اختاره اللَّه للنبي ﷺ على أيدي الصحابة، هو الأفضل، للرجل أن يُكفن في ثلاثة أثواب لفائف، واحدة فوق واحدة، ضافية تغطي رأسه ورجليه وركبتيه، بيض من سحول، أو غير سحول أبيض كرسف يعني من قطن، هذا هو الأفضل، وإن كُفن في لفافة واحدة، فلا بأس إذا كانت ساترة تكفي، الواجب أن يُكفن ولو في واحدة، لكن إذا جعل في ثلاث، أو في ثنتين، يكون أفضل وأكمل، والثلاث أفضل.
وقد روي عن علي أنه كُفن في سبعة أثواب ﵊، لكن في سنده ضعف (١)، والمحفوظ ما روته عائشة ﵂، أنه كُفن في ثلاثة أثواب، أما الرواية عن علي أنه كُفن ﵊ في سبعة، فهي رواية
стр. 347
فيها ضعف من طريق عبداللَّه بن محمد بن عقيل، وهو ليّن الحديث.
وفي حديث أم عطية ﵂، وهي نسيبة الأنصارية، دلالة على أن تكرار الغسل أفضل؛ ولهذا لما ماتت بنت النبي زينب ﵂ قال النبي ﷺ لغاسلاتها: «اغسلنها ثلاثاً أو خمساً أو أكثر من ذلك إن رأيتن ذلك» (١)، يعني حسب الحاجة، الثلاثة أفضل، وإن غسل واحدة كفى، إذا أجري عليه الماء مرة واحدة كفى، هذا الواجب، لكن إذا كرر الغسل ثلاث مرات، أو خمس مرات، أو سبع مرات، إذا دعت الحاجة إليه فهو أفضل، والأفضل ثلاث، إذا كان ما هناك حاجة، الأفضل ثلاث، فإن دعت الحاجة إلى الزيادة لوسخٍ كثير، أو لصوقات كثيرة، يُزال هذا وينظف، والسنة أن يكون بماءٍ وسدر؛ لأنه أبلغ في التنظيف، والتليين بماء وسدر، وإن لم يوجد السدر يكون فيه غير السدر، كالأشنان، والصابون، والشامبو، ونحو ذلك، مما ينظف، والسدر أفضل إذا تيسر، والأفضل أن يكون فيه كافور، يعني الغسلة الأخيرة، يكون فيها كافور طيب، معروف يصلب الجسد، ويطيب الرائحة، يكون في الغسلة الأخيرة شيء من الكافور لتطييب رائحة الجسم، ولتصليبه، وتقويته بعد الغسل.
ويُطيَّب في مغابنه، وأُذنيه، وآباطه، ومغابن رجليه، وترقوته، ورأسه، يطيب بمسك أو غيره من أنواع الطيب، أو العود، أو الورد، السنة أن يطيب، ويطيب أيضاً الأكفان، كل هذا مشروع، إلا المحرم، فلا يطيب إذا كان مات وهو محرم، فلا يطيب، بل يُكفن
стр. 348
في ثوبيه، كما يأتي في حديث ابن عباس أنه مات رجل وهو محرم في عرفات، فأمر أن يغسل بماء وسدر، ولم يأمر بالتكرار قال: «اغسلوه بماءٍ وسدر» (١)، ولم يقل ثلاثاً، فدّل على أن يكفيه مرة واحدة، إذا غُسِل مرة واحدة كفى، إذا أجري عليه الماء مرة واحدة كفاه، وإن كرر ثلاثاً فهو أفضل، كما تقدم في حديث أم عطية.
وأمر أن يُكفن في ثوبيه، يعني إزاره ورداءه، ولا يغطى رأسه، ولا وجْهُهُ، بل يكشفان، أي وجهه ورأسه لأنه محرم، ولأنه يُبعث يوم القيامة ملبياً، ولا يحنط، والحنوط الطيب، لا يحنط، أي لا يطيب إذا كان محرماً، بل يغسل ويكفن في ثوبيه: إزاره، ورداءه، ولا يغطى رأسه، ولا وجهه ولا يطيب؛ لأنه محرم، وأما غير المحرم فإنه يغسَّل، ويطيب، كما تقدم، والأفضل أن يكون ثلاث غسلات، وإن دعت الحاجة إلى خمسٍ أو أكثر فلا بأس أن يزاد في غسله، إذا كان هناك حاجة لأوساخٍ به، أو لصوقات به، ونحو ذلك، فلا بأس ويكون غسله بماء وسدر، إن تيسر السدر، فإن لم يتيسر فبغيره من المزيلات: كالأشنان، وكالصابون، والشامبو ونحوه مما يغسل به، وينظف، ويجعل في الأخيرة كافوراً، طيب معروف، يجعل في الغسلة الأخيرة.
والسنة أن يُبدأ بالميامن غاسل الجنازة يرفعها قليلاً، فإن خرج منه
стр. 349
شيء نجَّاه بخرقة، إن خرج منه بول أو غائط نظفه بخرقة، ثم صب عليه الماء، ثم وضَّأه وضوء الصلاة، نظف فمه بالماء بأصابعه وبالماء القليل, وينظف أنفه أيضاً بالماء، ويغسل وجهه ثلاثاً هو الأفضل، ثم يديه ثلاثاً ثلاثاً يمسح رأسه وأُذنيه، ويغسل قدميه وضوء الصلاة، ثم يصب الماء على رأسه مع السدر، يغسل رأسه بالسدر، رغوة السدر، ثم يفيض الماء على جنبه الأيمن ثم الأيسر، ثم يكمل غسله ثلاث مرات على هذه الحالة، وإن دعت الحاجة ورأى الغاسل أنه يحتاج إلى أكثر إذا كان رجلاً، أو غاسلة إذا كانت المرأة، تحتاج إلى أكثر زادوه في الغسلات إلى خمس أو سبع حسب الحاجة، وإذا كانت امرأة أو رجل له رأس يجعل ثلاثة قرون، يعني يجمع القرنان، والذؤابة تجعل واحدة، والقرنان عميلتان، وتجعل كلها خلف ظهره، كما فعل الغاسلات ببنت النبي ﵊.
وفيه أنه ﷺ أعطاهم حَقْوَهُ أي إزاره، وقال: أشعرْنَها إيّاها، لما جعل اللَّه فيه من البركة، لما في الإزار من البركة، من مسِّ جسده ﵊، فأحب أن يكون إزاراً لها، والمرأة تُكفن في خمسة أثواب هذا أفضل: إزار، ورداء، وقميص، وخمار، ولفافتان، هذا هو الأفضل، وإن كفنت في لفافة واحدة كفى، أو في قميص ولفافة كفى، أو في قميص ولفافة وخمار كفى، والأفضل: قميص، وإزار، ورداء، وخمار على رأسها، ولفافتان، هذا الأكمل في حقها.
١٦٨ - عن أم عطية الأنصارية قالت: «نُهِينَا عَنِ اتِّبَاعِ الْجَنَائِزِ، وَلَمْ
стр. 350
يُعْزَمْ عَلَيْنَا» (١).
١٦٩ - عن أبي هريرة ﵁ عن النبيِّ ﷺ قال: «أَسْرِعُوا بِالْجِنَازَةِ، فَإِنَّهَا (٢) إنْ تَكُ (٣) صَالِحَةً، فَخَيْرٌ تُقَدِّمُونَهَا إلَيْهِ، وَإِنْ تَكُ سِوَى ذَلِكَ فَشَرٌّ تَضَعُونَهُ عَنْ رِقَابِكُمْ» (٤).
١٧٠ - عن سَمُرة بن جُنْدُب ﵁ قال: «صَلَّيْت وَرَاءَ النَّبِيِّ ﷺ عَلَى امْرَأَةٍ مَاتَتْ فِي نِفَاسِهَا فَقَامَ وَسَطَهَا» (٥).
١٧١ - وعن أبي موسى ــ عبد اللَّه بن قيس ــ الأشعري (٦) ﵁، «أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ بَرِئَ مِنَ الصَّالِقَةِ، وَالْحَالِقَةِ، وَالشَّاقَّةِ» (٧).
стр. 351
الصالقة: التي ترفع صوتها عند المصيبة.
٤٣ - قال الشارح ﵀:
هذه الأحاديث الأربعة كلها تتعلق بأحكام الجنائز والميت، يقول النبي ﷺ في الحديث الأول: [قول أم عطية ﵂] (١): «نهينا عن اتباع الجنائز، ولم يعزم علينا»، هذا يدل على أنه لا يجوز اتباع الجنائز للنساء إلى المقابر، أما الصلاة عليها فلا بأس، المرأة تصلي على الجنائز في المسجد، أو في المصلى، أو في البيت، الصلاة مشتركة بين الرجال والنساء، أما الذهاب إلى المقابر فلا تذهب، لا تزور المقابر، ولا تتبع الجنائز؛ لأن الرسول ﵊ نهاهن عن ذلك، أما قولها: «ولم يُعزم علينا»، فهذا فيما تظنه، وفيما ظهر لها إذ لم يكن في ذلك تأكيد للعنهن، أو لغضب اللَّه عليهن، أو نحو ذلك، بل فيه النهي المطلق وهو كافٍ، النهي المطلق من النبي ﷺ كافٍ في المنع، لمنع النساء من اتباع الجنائز إلى المقابر، وذلك لأن صبرهن قليل، ولأنهن فتنة، فمن رحمة اللَّه ومن إحسانه، ومن فضله على عباده، أن منع النساء من الذهاب إلى القبور، وإتباع الجنائز، لئلا يفتن الناس.
الحديث الثاني: «أَسْرِعُوا بِالْجِنَازَةِ، فَإِنْ تَكُ صَالِحَةً، فَخَيْرٌ
стр. 352
تُقَدِّمُونَهَا إلَيْهِ، وَإِنْ يَكُ سِوَى ذَلِكَ فَشَرٌّ تَضَعُونَهُ عَنْ رِقَابِكُمْ» (١).
هذا يدل على شرعية المسارعة بالجنازة، والبدار بها، وعدم حبسها بين أظهر أهلها؛ لأنها إما أن تكون صالحة، فخيرٌ تُقدم إليه إلى روضة من رياض الجنة، وإلى خير عظيم، والراحة من الدنيا وشرها، وإن تك غير صالحة فإبعاد لها عن الأهل، وشرٌّ يوضع عن الرقاب، رقاب الحاملين لها، وفي الرواية الأخرى: أن الجنازة تتكلم إذا حملوها تقول: «إِنْ كَانَتْ صَالِحَةً: قَدِّمُونِي قدموني - لما بشرت به من الجنة والكرامة- وَإِنْ كَانَتْ غَيْرَ صَالِحَةٍ قَالَتْ: يَا وَيْلَهَا أَيْنَ يَذْهَبُونَ بِهَا» (٢)؟! لأنها قد بشرت بالشر، لا حول ولا قوة إلا باللَّه، وهذا يوجب لأهل الإسلام أن يُعنوا بجنائزهم، وأن يحرصوا على البدار بها والإسراع بها، وعدم تأخيرها، إلا لعلةٍ شرعية.
وفيه أيضاً من الفوائد: وجوب الاستعداد للآخرة، والحذر من هذا الموقف العظيم، فإن الأجل يهجم على غِرَّة، فينبغي للمؤمن أن يستعد لهذا اليوم، وأن يحرص على الاستقامة على طاعة اللَّه، ولزوم التوبة من معاصيه وتقصيره، حتى إذا هجم الأجل فإذا هو على خير حال.
الحديث الثالث: حديث سمرة بن جندب ﵁ يقول: إنه صلى مع
стр. 353
النبي ﷺ على جنازة امرأة فقام وَسَطَها، السنة إذا صلى الإمام على المرأة يقوم حيال وسطها، حيال عجيزتها، وإذا صلى على الرجل يقوم حيال رأسه، هذا السنة، أما قول بعض الفقهاء: يقوم حيال صدرها فلا دليل عليه، وإنما السنة أن يقوم عند رأس الرجل وعند وسَطِ المرأة، هذا هو السنة، والناس خلفه، إلا أن يكون واحداً فيكون عن يمينه، أما إذا كانوا جماعة اثنين أو أكثر يقومون خلفه.
والأفضل أن يكونوا صفوفاً، ثلاثة إذا تيسر ذلك؛ لما جاء في الحديث، روي عنه ﷺ قال: «مَنْ صَلَّى عَلَيْهِ ثَلَاثَةُ صُفُوفٍ فَقَدْ أَوْجَبَ» (١).
يعني وجبت له الجنة، وفي الحديث الآخر: «مَا مِنْ رَجُلٍ يُصَلِّي عَلَيْهِ أَرْبَعُونَ رَجُلاً، لَا يُشْرِكُونَ بِاللَّهِ شَيْئًا، كُلُّهم يَشْفَعُونَ لهُ، إِلَاّ شَفَّعَهُمُ اللَّهُ» (٢).
والحديث الرابع: حديث أبي موسى الأشعري عبداللَّه بن قيس ﵁ عن النبي ﷺ أنه «بَرِئَ مِنَ الصَّالِقَةِ، وَالْحَالِقَةِ، وَالشَّاقَّةِ» (٣).
النبي ﷺ حذَّر من النياحة على الموتى بشق الثياب، ولطم
стр. 354
الخدود, وبرئ من الصالقة، وهي التي ترفع صوتها عند المصيبة، هذه يقال لها صالقة، وهي النائحة، والشاقة هي التي تشق ثوبها، أو خمارها، قال برئ الرسول ﷺ من الصالقة والحالقة والشاقة، والحالقة هي التي تحلق شعرها، وتنتفه، كل هذا ممنوع، كله من الكبائر، فيجب الحذر من ذلك، فلا يجوز شق الثياب على الموتى، ولا لطم الخدود، ولا رفع الأصوات بالنياحة، ولا حلق الرؤوس، ولا نتفها؛ كل هذا لا يجوز، بل هذا من الجزع المحرم.
وفي حديث ابن مسعود ﵁، يقول النبي ﷺ : «لَيْسَ مِنَّا مَنْ ضَرَبَ الْخُدُودَ، أوْشَقَّ الْجُيُوبَ، وَدَعَا بِدَعْوَى الْجَاهِلِيَّةِ» (١).
فالواجب على المؤمن الصبر، وهكذا المؤمنة، عليهم بالصبر والاحتساب، والحذر من الجزع، والجزع يكون بشق الثياب، أو رفع الصوت بالبكاء، أو ضرب الخدود، أو حلق الشعر، أو ما أشبه ذلك من الجزع والتسخط. أما البكاء من دون صوت، بدمع العين فلا بأس، يقول النبي ﷺ لما مات ولده إبراهيم: «الْعَيْن تَدْمَعُ، وَالْقَلْب يَحْزَنُ، وَلَا نَقُولُ إِلَّا مَا يَرْضَى رَبُّنَا، وَإِنَّا بِفِرَاقِكَ يَا إِبْرَاهِيمُ لَمَحْزُونُونَ» (٢)، ويقول ﷺ : «إِنَّ اللَّهَ لَا يُعَذِّبُ بِدَمْعِ الْعَيْنِ، وَلَا بِحُزْنِ