← Шархи хадиса

Шархи хадиса · id 13282

الإفهام في شرح عمدة الأحكام

ابن باز

Полный текст (893 стр.). Показаны 351–390 · переход к 356.

стр. 351

الصالقة: التي ترفع صوتها عند المصيبة. ٤٣ - قال الشارح ﵀: هذه الأحاديث الأربعة كلها تتعلق بأحكام الجنائز والميت، يقول النبي ﷺ في الحديث الأول: [قول أم عطية ﵂] (١): «نهينا عن اتباع الجنائز، ولم يعزم علينا»، هذا يدل على أنه لا يجوز اتباع الجنائز للنساء إلى المقابر، أما الصلاة عليها فلا بأس، المرأة تصلي على الجنائز في المسجد، أو في المصلى، أو في البيت، الصلاة مشتركة بين الرجال والنساء، أما الذهاب إلى المقابر فلا تذهب، لا تزور المقابر، ولا تتبع الجنائز؛ لأن الرسول ﵊ نهاهن عن ذلك، أما قولها: «ولم يُعزم علينا»، فهذا فيما تظنه، وفيما ظهر لها إذ لم يكن في ذلك تأكيد للعنهن، أو لغضب اللَّه عليهن، أو نحو ذلك، بل فيه النهي المطلق وهو كافٍ، النهي المطلق من النبي ﷺ كافٍ في المنع، لمنع النساء من اتباع الجنائز إلى المقابر، وذلك لأن صبرهن قليل، ولأنهن فتنة، فمن رحمة اللَّه ومن إحسانه، ومن فضله على عباده، أن منع النساء من الذهاب إلى القبور، وإتباع الجنائز، لئلا يفتن الناس. الحديث الثاني: «أَسْرِعُوا بِالْجِنَازَةِ، فَإِنْ تَكُ صَالِحَةً، فَخَيْرٌ

стр. 352

تُقَدِّمُونَهَا إلَيْهِ، وَإِنْ يَكُ سِوَى ذَلِكَ فَشَرٌّ تَضَعُونَهُ عَنْ رِقَابِكُمْ» (١). هذا يدل على شرعية المسارعة بالجنازة، والبدار بها، وعدم حبسها بين أظهر أهلها؛ لأنها إما أن تكون صالحة، فخيرٌ تُقدم إليه إلى روضة من رياض الجنة، وإلى خير عظيم، والراحة من الدنيا وشرها، وإن تك غير صالحة فإبعاد لها عن الأهل، وشرٌّ يوضع عن الرقاب، رقاب الحاملين لها، وفي الرواية الأخرى: أن الجنازة تتكلم إذا حملوها تقول: «إِنْ كَانَتْ صَالِحَةً: قَدِّمُونِي قدموني - لما بشرت به من الجنة والكرامة- وَإِنْ كَانَتْ غَيْرَ صَالِحَةٍ قَالَتْ: يَا وَيْلَهَا أَيْنَ يَذْهَبُونَ بِهَا» (٢)؟! لأنها قد بشرت بالشر، لا حول ولا قوة إلا باللَّه، وهذا يوجب لأهل الإسلام أن يُعنوا بجنائزهم، وأن يحرصوا على البدار بها والإسراع بها، وعدم تأخيرها، إلا لعلةٍ شرعية. وفيه أيضاً من الفوائد: وجوب الاستعداد للآخرة، والحذر من هذا الموقف العظيم، فإن الأجل يهجم على غِرَّة، فينبغي للمؤمن أن يستعد لهذا اليوم، وأن يحرص على الاستقامة على طاعة اللَّه، ولزوم التوبة من معاصيه وتقصيره، حتى إذا هجم الأجل فإذا هو على خير حال. الحديث الثالث: حديث سمرة بن جندب ﵁ يقول: إنه صلى مع

стр. 353

النبي ﷺ على جنازة امرأة فقام وَسَطَها، السنة إذا صلى الإمام على المرأة يقوم حيال وسطها، حيال عجيزتها، وإذا صلى على الرجل يقوم حيال رأسه، هذا السنة، أما قول بعض الفقهاء: يقوم حيال صدرها فلا دليل عليه، وإنما السنة أن يقوم عند رأس الرجل وعند وسَطِ المرأة، هذا هو السنة، والناس خلفه، إلا أن يكون واحداً فيكون عن يمينه، أما إذا كانوا جماعة اثنين أو أكثر يقومون خلفه. والأفضل أن يكونوا صفوفاً، ثلاثة إذا تيسر ذلك؛ لما جاء في الحديث، روي عنه ﷺ قال: «مَنْ صَلَّى عَلَيْهِ ثَلَاثَةُ صُفُوفٍ فَقَدْ أَوْجَبَ» (١). يعني وجبت له الجنة، وفي الحديث الآخر: «مَا مِنْ رَجُلٍ يُصَلِّي عَلَيْهِ أَرْبَعُونَ رَجُلاً، لَا يُشْرِكُونَ بِاللَّهِ شَيْئًا، كُلُّهم يَشْفَعُونَ لهُ، إِلَاّ شَفَّعَهُمُ اللَّهُ» (٢). والحديث الرابع: حديث أبي موسى الأشعري عبداللَّه بن قيس ﵁ عن النبي ﷺ أنه «بَرِئَ مِنَ الصَّالِقَةِ، وَالْحَالِقَةِ، وَالشَّاقَّةِ» (٣). النبي ﷺ حذَّر من النياحة على الموتى بشق الثياب، ولطم

стр. 354

الخدود, وبرئ من الصالقة، وهي التي ترفع صوتها عند المصيبة، هذه يقال لها صالقة، وهي النائحة، والشاقة هي التي تشق ثوبها، أو خمارها، قال برئ الرسول ﷺ من الصالقة والحالقة والشاقة، والحالقة هي التي تحلق شعرها، وتنتفه، كل هذا ممنوع، كله من الكبائر، فيجب الحذر من ذلك، فلا يجوز شق الثياب على الموتى، ولا لطم الخدود، ولا رفع الأصوات بالنياحة، ولا حلق الرؤوس، ولا نتفها؛ كل هذا لا يجوز، بل هذا من الجزع المحرم. وفي حديث ابن مسعود ﵁، يقول النبي ﷺ : «لَيْسَ مِنَّا مَنْ ضَرَبَ الْخُدُودَ، أوْشَقَّ الْجُيُوبَ، وَدَعَا بِدَعْوَى الْجَاهِلِيَّةِ» (١). فالواجب على المؤمن الصبر، وهكذا المؤمنة، عليهم بالصبر والاحتساب، والحذر من الجزع، والجزع يكون بشق الثياب، أو رفع الصوت بالبكاء، أو ضرب الخدود، أو حلق الشعر، أو ما أشبه ذلك من الجزع والتسخط. أما البكاء من دون صوت، بدمع العين فلا بأس، يقول النبي ﷺ لما مات ولده إبراهيم: «الْعَيْن تَدْمَعُ، وَالْقَلْب يَحْزَنُ، وَلَا نَقُولُ إِلَّا مَا يَرْضَى رَبُّنَا، وَإِنَّا بِفِرَاقِكَ يَا إِبْرَاهِيمُ لَمَحْزُونُونَ» (٢)، ويقول ﷺ : «إِنَّ اللَّهَ لَا يُعَذِّبُ بِدَمْعِ الْعَيْنِ، وَلَا بِحُزْنِ

стр. 355

الْقَلْبِ» (١) [...] (٢) , (٣). ١٧٢ - عن عائشة ﵂ قالت: «لَمَّا اشْتَكَى النَّبِيُّ ﷺ ذَكَرَتْ (٤) بَعْضُ نِسَائِهِ كَنِيسَةً رَأَتْهَا (٥) بِأَرْضِ الْحَبَشَةِ يُقَالُ لَهَا: مَارِيَةُ، وَكَانَتْ أُمُّ سَلَمَةَ، وَأُمُّ حَبِيبَةَ ﵄ أَتَتَا أَرْضَ الْحَبَشَةِ ــ فَذَكَرَتَا مِنْ حُسْنِهَا وَتَصَاوِيرَ فِيهَا، فَرَفَعَ رَاسَهُ ﷺ وَقَالَ (٦): «أُولَئِكِ إذَا مَاتَ فِيهِمُ الرَّجُلُ الصَّالِحُ بَنَوْا عَلَى قَبْرِهِ مَسْجِداً، ثُمَّ صَوَّرُوا فِيهِ تِلْكَ الصُّوَرَ (٧)، أُولَئِكِ شِرَارُ الْخَلْقِ عِنْدَ اللَّهِ» (٨). ١٧٣ - عن (٩) عائشة ﵂ قالت قال: رسول اللَّه ﷺ ــ فِي مَرَضِهِ الَّذِي لَمْ يَقُمْ مِنْهُ ــ: «لَعَنَ اللَّهُ الْيَهُودَ وَالنَّصَارَى اتَّخَذُوا قُبُورَ أَنْبِيَائِهِمْ مَسَاجِدَ».

стр. 356

قالت: ولَوْلَا ذلِكَ لأُبْرِزَ قبرُه، غير أنه خُشِيَ أَنْ يُتَّخَذَ مسْجداً (١). ١٧٤ - عن عبد اللَّه بن مسعود ﵁، عن النبي ﷺ أنَه (٢) قَال: «لَيْسَ مِنَّا مَنْ ضَرَبَ الْخُدُودَ، وَشَقَّ الْجُيُوبَ، وَدَعَا بِدَعْوَى الْجَاهِلِيَّةِ» (٣). ١٧٥ - عن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول اللَّه ﷺ : «مَنْ شَهِدَ الْجَنَازَةَ حَتَّى يُصَلَّى عَلَيْهَا، فَلَهُ قِيرَاطٌ، وَمَنْ شَهِدَهَا حَتَّى تُدْفَنَ، فَلَهُ قِيرَاطَانِ»، قِيلَ: وَمَا الْقِيرَاطَانِ؟ قَالَ: «مِثْلُ الْجَبَلَيْنِ الْعَظِيمَيْنِ» (٤). ولمسلم: «أَصْغَرُهُمَا: مِثْلُ جَبَلِ أُحُدٍ» (٥). ٤٤ - قال الشارح ﵀: هذه الأحاديث الأربعة بعضها يتعلق بالبناء على القبور، واتخاذ

стр. 357

المساجد عليها، وبيان شدة التحريم في ذلك، وبعضها يتعلق بالجزع عند المصيبة، وعدم الصبر، والرابع يتعلق بشهود الجنازة، والصلاة على الجنازة وباتباعها. الحديث الأول: ذكر بعض أزواج النبي ﷺ للنبي ﷺ كنيسةً في أرض الحبشة، وكانت أم سلمة وأم حبيبة بنت أبي سفيان ﵄ رأتاها في أرض الحبشة، وكانتا ممن هاجر إلى الحبشة، كل واحدة مع زوجها في الهجرة الأولى، قبل الهجرة إلى المدينة، وذكرتا للنبي ﷺ ما رأتاها من حسنها، وتصاوير فيها، فقال ﵊: «أُولَئِكِ إذَا مَاتَ فِيهِمُ الرَّجُلُ الصَّالِحُ بَنَوْا عَلَى قَبْرِهِ مَسْجِداً، ثُمَّ صَوَّرُوا فِيهِ تِلْكَ الصُّوَرَ، أُولَئِكِ شِرَارُ الْخَلْقِ عِنْدَ اللَّهِ» (١)، يخاطب المرأة التي ذكرت له الكلام، هذا يبين لنا أن البناء على القبور من شأن النصارى واليهود، ومن أعمالهم الخبيثة، وأنهم بهذا من شرار الخلق، فينبغي للمؤمن الحذر من ذلك، وأن لا يتشبه بأعداء اللَّه اليهود والنصارى بالبناء على القبور، واتخاذ المساجد عليها، ووضع الصور فوقها، كل هذا من أعمالهم الخبيثة، ومن وسائل الشرك؛ ولهذا قال: «أولئك إذا مات فيهم الرجل الصالح بنوا على قبره مسجداً، وصوروا فيه تلك الصور، أولئك شرار الخلق عند اللَّه»؛ لأنهم فعلوا أشياء تجرّ الناس إلى الشرك، فإن البناء على القبور من وسائل الشرك، وهكذا اتخاذ الصور عليها صور الصالحين، أو صور

стр. 358

الأنبياء، من وسائل الشرك؛ فلهذا نهى النبي عن هذا، ولعن ﵊ من فعله. ولهذا في الحديث الثاني لما كان في مرضه ﵊ جعل يقول: ««لَعَنَ اللَّهُ الْيَهُودَ وَالنَّصَارَى، اتَّخَذُوا قُبُورَ أَنْبِيَائِهِمْ مَسَاجِدَ» (١)، يحذر ما صنعوا. وهو في مرض موته، خوفاً على أمته أن تقع فيما وقعت به أولئك الأشرار، ومع هذا التحذير واللعن، وقع كثير من الناس في هذا البلاء، وبنوا على القبور، واتخذوا عليها المساجد، كما يوجد في دول كثيرة، حتى عُبدت من دون اللَّه، وصارت أوثاناً تُعبد من دون اللَّه، نعوذ باللَّه من ذلك. فالواجب على أهل الإسلام أن يحذروا ذلك، وأن يزيلوا ما على القبور من المساجد، أو أن يتركوها ضاحية شامسة تحت السماء، ليس عليها بناء، كما كانت في عهد النبي ﷺ في البقيع وغيره، هكذا؛ لأن البناء عليها، واتخاذ المساجد عليها، والصلاة عندها، كل هذا من وسائل الشرك، ومن وسائل عبادتها من دون اللَّه ، كما وقع ذلك في دول كثيرة، وفي جهات كثيرة عظموا القبور، وبنوا عليها المساجد، وجصَّصُوها، وزخرفوها، فعُبدت من دون اللَّه ، وصارت أوثاناً تُعبد من دون اللَّه، نسأل اللَّه السلامة. والحديث الثالث يقول ﵊: «لَيْسَ مِنَّا مَنْ ضَرَبَ

стр. 359

الْخُدُودَ، وَشَقَّ الْجُيُوبَ، وَدَعَا بِدَعْوَى الْجَاهِلِيَّةِ» (١)، وفي اللفظ الآخر: «لَيْسَ مِنَّا مَنْ ضَرَبَ الْخُدُودَ، أوْشَقَّ الْجُيُوبَ، وَدَعَا بِدَعْوَى الْجَاهِلِيَّةِ» (٢). فكله من أعمال الجاهلية: ضرب الخدود جزعاً عند المصيبة، شق الثوب كذلك، حلق الشعر كذلك أو نتفه، الدعاء بدعوى الجاهلية من الكلام الرديء: وا ناصراه! وا كاسياه! وا عضداه، وافاجعة قلباه، وا وا ... ، كل هذا من دعاء الجاهلية وأعمالهم، فيجب على المؤمن إذا وقعت عليه الحادثة، وهكذا المؤمنة الصبر والاحتساب وعدم الجزع، لا يشق ثوباً، ولا يلطم خداً، ولا ينتف شعراً، ولا يحلقه، ولا [يتكلم] بالكلام السيئ كلام الجاهلية، ولكن يصبر ويحتسب، ولا بأس بدمع العين، دمع العين لا يضر، وحزن القلب لا يضر، إنما المنكر هو رفع الصوت بالنياحة، أو شق الثياب، أو لطم الخدود، أو نتف الشعر وحلقه، هذا هو المنكر الذي هو من أعمال الجاهلية، ولهذا لما مات إبراهيم ابن النبي ﵊ قال ﵊: «الْعَيْن تَدْمَعُ، وَالْقَلْب يَحْزَنُ، وَلَا نَقُولُ إِلَّا مَا يَرْضَى الرَبّ، وَإِنَّا لِفِرَاقِكَ يَا إِبْرَاهِيمُ لَمَحْزُونُونَ» (٣)، فدمع العين لا يضر وحده، فلما حضر وفاة ابن لإحدى

стр. 360

بناته، ورأى نفسه تقعقع دمعت عيناه ﵊ رحمةً له، فسأله بعض الصحابة: يا رسول اللَّه تبكي؟! قال: «إنَّهَا رَحْمَةٌ وَإِنَّمَا يَرْحَمُ اللَّهُ مِنْ عِبَادِهِ الرُّحَمَاءَ» (١)، فدمع العين من الرحمة، وإنما المنكر: الصياح، والنياح، وشق الثياب، ولطم الخدود والكلام السيئ من كلام الجاهلية. وفي حديث أبي موسى يقول الرسول ﷺ : أنه «أنا بَرِيء مِنَ الصَّالِقَةِ، وَالْحَالِقَةِ، وَالشَّاقَّةِ» (٢) كما تقدم. تبرأ رسول اللَّه ﷺ ممن حلق، أو صلق، أو شق، الصالقة التي ترفع صوتها عند المصيبة، والحالقة: التي تحلق شعرها عند

стр. 361

المصيبة، والشاقة التي تشق ثوبها عند المصيبة، نسأل اللَّه السلامة. الحديث الرابع: يقول ﷺ : «مَنْ شَهِدَ الْجَنَازَةَ حَتَّى يُصَلَّى عَلَيْهَا، فَلَهُ قِيرَاطٌ، وَمَنْ شَهِدَهَا حَتَّى تُدْفَنَ، فَلَهُ قِيرَاطَانِ»، قِيلَ: يا رسول الله مَا الْقِيرَاطَانِ؟ قَالَ: «مِثْلُ الْجَبَلَيْنِ الْعَظِيمَيْنِ» (١) أي من الأجر، وفي رواية مسلم: ««أَصْغَرُهُمَا: مِثْلُ جَبَلِ أُحُدٍ» (٢)، هذا فيه دلالة على عِظَم أجر من شهد الجنازة حتى يُصلى عليها، وعِظَم أجر من شهدها حتى تُدفن، أن له أجرين كبيرين عظيمين، فينبغي للمؤمن أن لا يفوِّت هذا الخير، فيتبع الجنائز، ويحضر الصلاة عليها والدفن، حيثما استطاع ذلك، لما فيه من الخير العظيم. وفي اللفظ الآخر يقول ﷺ : «مَنْ تَبعَ الجَنَازَةَ حَتَّى يُصَلَّى عَلَيْهَا، وَيَفْرُغَ مِنْ دَفْنِهَا، فَإِنَّه يَرْجِعُ مِنَ الأَجْرِ بِقِيرَاطَيْنِ كُلّ قِيراطٍ مِثْلُ جَبَلِ أُحُدٍ» (٣). ويقول البراء بن عازب: «أَمَرَ رسول اللَّه ﷺ بِسَبْعٍ، ذكر منها: اتِّبَاعَ الجَنَائِزِ» (٤). اتباع الجنائز فيه عِظة، وفيه ذكرى للموت، وفيه ترقيق

стр. 362

للقلوب، وفيه جبر للمصابين ومساعدةٌ لهم، فيه مصالح كثيرة، فيُشرع للمسلم اتباع الجنائز والصلاة عليها والدفن، لما في ذلك من العِظة له، والتذكير بالموت، الذي سوف يمر عليه، كما مر على من قبله، وحث على الإعداد لهذا المصرع العظيم، مصرع الموت وما بعده، ثم بعد ذلك يعزي إخوانه، ويجبر مصابهم ويواسيهم.

стр. 363

٣ - كتاب الزكاة ١٧٦ - عن عبد اللَّه بن عباس ﵄ قال: قال رسول اللَّه ﷺ لِمُعَاذِ بْنِ جَبَلٍ، حِينَ بَعَثَهُ إلَى الْيَمَنِ: «إنَّك سَتَاتِي قَوْماً أَهْلَ كِتَابٍ، فَإِذَا جِئْتَهُمْ فَادْعُهُمْ إلَى أَنْ يَشْهَدُوا أَنْ لا إلَهَ إلَاّ اللَّهُ، وَأَنَّ مُحَمَّداً رَسُولُ اللَّهِ، فَإِنْ هُمْ أَطَاعُوا لَكَ بِذَلِكَ فَأَخْبِرْهُمْ: أَنَّ اللَّهَ قَدْ فَرَضَ عَلَيْهِمْ خَمْسَ صَلَوَاتٍ فِي كُلِّ يَوْمٍ وَلَيْلَةٍ، فَإِنْ هُمْ أَطَاعُوا لَك بِذَلِكَ، فَأَخْبِرْهُمْ: أَنَّ اللَّهَ قَدْ فَرَضَ عَلَيْهِمْ صَدَقَةً تُؤْخَذُ مِنْ أَغْنِيَائِهِمْ، فَتُرَدُّ عَلَى فُقَرَائِهِمْ، فَإِنْ هُمْ أَطَاعُوا لَك بِذَلِكَ، فَإِيَّاكَ وَكَرَائِمَ أَمْوَالِهِمْ، وَاتَّقِ دَعْوَةَ الْمَظْلُومِ، فَإِنَّهُ لَيْسَ بَيْنَهَا وَبَيْنَ اللَّهِ حِجَابٌ» (١). ١٧٧ - عن أبي سعيد الْخُدْرِي ﵁ قال: قال رسول اللَّه ﷺ : «لَيْسَ فِيمَا دُونَ خَمْسِ أَوَاقٍ صَدَقَةٌ، وَلا فِيمَا دُونَ خَمْسِ ذَوْدٍ صَدَقَةٌ، وَلا فِيمَا دُونَ خَمْسَةِ أَوْسُقٍ صَدَقَةٌ» (٢). ٤٥ - قال الشارح ﵀: هذان الحديثان يتعلقان بالزكاة، والزكاة حق المال، وهي فرض من الفرائض، وركن من أركان الإسلام الخمسة؛ فإن اللَّه جل وعلا

стр. 364

بنى هذا الدين على خمسة أركان، أعظمها، وأهمها، وأساسها: شهادة أن لا إله إلا اللَّه، وأن محمداً رسول اللَّه: عن علمٍ، ويقين، وصدق، وإخلاص في ذلك، ثم يلي ذلك الصلاة، ثم الزكاة، والزكاة لها شأن عظيم، وهي طُهرة للمزكي، وطُهرة ماله؛ كما قال تعالى: ﴿خُذْ مِنْ أَمْوَالِهِمْ صَدَقَةً تُطَهِّرُهُمْ وَتُزَكِّيهِمْ بِهَا﴾ (١)، من الزكا وهو النمو، فالزكاة تنمي المال، وتكون سبباً للبركة فيه، وسلامته من الآفات، والواجب على كل مؤمن، وعلى كل مؤمنة مَلَكَ نصاب الزكاة أن يُزكِّي إذا حال عليه الحول، وفي ذلك أيضاً مصالح أخرى من جهة إخوانه الفقراء، وغيرهم من أصناف الزكاة، يُحسن إليهم، ويجود عليهم مما أعطاه اللَّه، فيؤدي حق اللَّه، ويسعى في رضاه، وفي بركة ماله وسلامته، ومع هذا ينفع: الضعيف من فقراء ومساكين، والمؤلفة قلوبهم، وعتق الرقاب، والغارمين، وفي الجهاد في سبيل اللَّه، وفي أبناء السبيل: فيه مصالح عظيمة في هذا المال. وفي حديث ابن عباس المذكور بيان أن الداعي إلى اللَّه جل وعلا الذي يوجه إلى الكفار، أو يتوجه إلى الكفار، يدعوهم، يبدأ بالأمر الأول؛ لأنه الأساس، فلا زكاة ولا صلاة ولا غير ذلك، إلا بعد الأساس، بعد صحة التوحيد، والدخول في الإسلام؛ ولهذا أمر النبي ﷺ معاذاً أن يبدأ أهل اليمن بالدعوة إلى توحيد اللَّه، قال: «إنك تأتي قوماً أهل كتاب» أي اليهود والنصارى، كان أهل اليمن في ذاك الوقت

стр. 365

يهود ونصارى، فأمره أن يبدأهم بالتوحيد قبل كل شيء، فيدعوهم إلى أن يشهدوا أن لا إله إلا اللَّه، عن إيمان وصدق، وأن محمداً رسول اللَّه، عن إيمان وصدق، فإذا فعلوا ذلك، طُلب منهم أن يصلوا؛ ولهذا ذكر أن يشهدوا أن لا إله إلا اللَّه، وأن محمداً رسول اللَّه، وفي اللفظ الآخر: «فادعهم إلى أن يشهدوا أن لا إله إلا اللَّه، وأني رسول اللَّه» (١)، وفي اللفظ الآخر: «فليكن أول ما تدعوهم إليه شهادة أن لا إله إلا اللَّه» (٢)، وفي اللفظ الآخر: ﴿فادعهم إلى أن يوحِّدوا اللَّه» (٣). فهي ألفاظ متقاربة المعنى، يفسِّر بعضها بعضاً، والمعنى: أنه يدعوهم إلى توحيد اللَّه، والإخلاص له، وهو معنى لا إله إلا اللَّه، ويدعوهم إلى الإيمان بالرسول ﷺ ، الذي بعثه اللَّه رحمةً للعالمين؛ لأنه أُرسل إلى جميع الناس الثقلين: الجن، والإنس، وأن عليهم متابعته، واتّباعه، والاستقامة على ما جاء به، فإذا آمنوا بهذا وصدقوا، والتزموا بتوحيد اللَّه، والإيمان بالرسول

стр. 366

- ﵊، يُدعون إلى الصلاة: «فإن أجابوا لذلك فأخبرهم أن اللَّه تعالى قد افترض عليهم خمس صلوات في اليوم والليلة»، الظهر، والعصر، والمغرب، والعشاء، والفجر، يُخبرهم بها بعد ذلك، ويدعوهم إلى الالتزام بها، والاستقامة عليها، فإذا أجابوا لذلك دعاهم إلى الزكاة، وأخبرهم بها، وأنصبائها، وكيفية أدائها، وبيان المؤدَّى ما هو، ثم قال: «تؤخذ من أغنيائهم، فترد في فقرائهم»؛ لأن الزكاة مواساة وإحسان إلى الفقراء، وإحسان من الأغنياء، فهي شكر من الأغنياء ومواساة للفقراء، وذكر الفقراء؛ لأنهم أعم أصنافها، وأهمهم؛ ولهذا بدأ اللَّه بهم في قوله تعالى: ﴿إِنَّمَا الصَّدَقَاتُ لِلْفُقَرَاءِ وَالْمَسَاكِينِ وَالْعَامِلِينَ عَلَيْهَا وَالْمُؤَلَّفَةِ قُلُوبُهُمْ وَفِي الرِّقَابِ وَالْغَارِمِينَ وَفِي سَبِيلِ اللَّهِ﴾ الآية (١)، وهم أعم الأصناف وأهم الأصناف، ثم قال: «فإن هم أجابوا لذلك، فإيَّاك وكرائم أموالهم» يعني إذا وافقوا على التوحيد والصلاة والزكاة «فإياك وكرائم أموالهم» احذر أن تظلمهم، خذ من أوساط أموالهم ولا تأخذ الكرائم إلا برضاهم إذا أذنوا، فلا بأس، والكريمة البالغة في الحسن في النهاية؛ لأن المال أقسام ثلاثة: وسط، حقير، كريم. فالزكاة من الوسط، فلا تُؤخذ من الحقير الدنيء، ولا من الأكمل، ولكن من الوسط، فإذا كان فيه: إبل، وغنم، وبقر ذات لبن، أو ذات سمن زائد، أو ذات قيمة غالية، فلا يأخذ منه، يأخذ من

стр. 367

الوسط، إلا أن تطيب نفوسهم بالطيِّب والغالي، فهذا يقبل منهم إذا طابت به النفوس، وإلا فليتحرَ الوسط من الأمور. ثم قال: «واتق دعوة المظلوم» لا تتساهل في هذا، واحذر أن تظلم أحداً؛ لأن دعوة المظلوم مستجابة فاحذر، واتق دعوة المظلوم؛ فإنه ليس بينها وبين اللَّه حجاب، يعني بل ترفع إلى اللَّه ، وصاحبها موعودٌ بالنصر، فينبغي للمؤمن الحذر من دعوة المظلوم، والحرص على تحرِّي العدل في كل أموره، ولاسيما الرؤساء والأمراء؛ فإنهم على خطرٍ، فالواجب أن يتحرّوا العدل، ويبتعدوا عن الظلم. وفي الحديث الثاني حديث أبي سعيد الدلالة على أنصباء الزكاة: «ليس فيما دون خمسة أوسق صدقة» من الحبوب والثمار، «وليس فيما دون خمس أواق صدقة» من الفضة، «وليس فيما دون خمس ذودٍ من الإبل صدقة»، يعني أقل نصاب الإبل خمس سائمة راعية، فإذا كانت أقل فليس فيها زكاة، إلا إذا كانت للتجارة للبيع والشراء؛ يزكيها زكاة تجارة، أما إذا كانت للدَّرِّ والنسل فليس فيها زكاة، إلا إذا كانت خمساً فأكثر ففيها شاة واحدة، حتى تبلغ عشراً، فإذا بلغت عشراً صار فيها شاتان إلى خمس عشرة، فإذا صارت خمسة عشر صار فيها ثلاث شياه إلى عشرين، فإذا بلغت عشرين، ففيها أربع شياه، وإذا صارت خمساً وعشرين صار فيها من الإبل، ففيها رأس من الإبل صغير بنت مخاض، تم لها سنة، فإن لم توجد

стр. 368

فابن لبون تمَّ له سنتان، ثم هكذا تتدرج الفرائض في الإبل، كما هو مبين في الأحاديث الصحيحة، وفي كلام أهل العلم: والغنم أقل نصابها أربعون، والبقرة أقل نصابها ثلاثون فأكثر، أما النقود [فالنصاب] خمس أواق من فضة، أي مئتا درهم مقدارها بالريال السعودي ستة وخمسون ريالاً من فضة، فيها مقدار خمس أواق، مئتان من الدرهم، الدرهم الإسلامي في عهد النبي ﷺ ، إلا أنه صغير. فالنصاب من الفضة ستة وخمسون ريالاً من فضة، قيمتها تعادل مائة وأربعين مثقالاً، وما يقوم مقامها من العُمل تجب فيه الزكاة ما يساوي ستة وخمسين ريالاً من الفضة تجب فيه الزكاة، وهكذا كل ما زاد فيه الزكاة، سهم من أربعين: ربع العشر: سهم من أربعين سهماً (١) في الألف، خمسة وعشرون، وهكذا ربع العشر. أما الحبوب، فالنصاب فيها خمسة أوسق، والوَسْق ستون صاعاً بصاع النبي ﷺ ، فيكون الجميع ثلاثمائة صاع، هذا نصاب الحبوب، والثمار، كالتمر، والزبيب خمسة أوسق، أي ثلاثمائة صاع بصاع النبي ﷺ ، وصاع النبي أربع حفنات بيدين معتدلتين؛ مملوءتين، أربع تعتبر صاعاً بصاع النبي ﷺ ، وهو أقل من صاعنا المعروف قليلاً. فإذا بلغت الحبوب ثلاثمائة صاع بصاع النبي ﷺ وجبت فيها الزكاة، وهكذا التمور، والزبيب مثل الحبوب، فإذا كان أقل من ذلك، فليس فيه شيء إذا كان عنده أقل من ثلاثمائة صاع، فليس

стр. 369

فيها زكاة، وهذا من رحمة اللَّه؛ لأن ما كان أقل قد يحتاج الإنسان صاحب الحراثة لأكله، وحاجاته، وليس فيه سعة للزكاة، فإذا بلغ خمسة أوسق ثلاثمائة صاع صار محلاًّ للزكاة، كل ما زاد، هكذا سواء كان حنطة، أو شعيراً، أو ذرة، أو غير ذلك بعد التصفية، بعدما يدوسهُ، ويصفِّيه يخرج زكاته للفقراء، والمساكين، ومن في حكمهم، وهذا من رحمة للَّه بعباده: أن جعل في أموال أغنيائهم سداً لحاجة فقرائهم، وهذا يوجب التعاون لدى الجميع، والعطف من غنيهم على فقيرهم، وهو مما يسبب المحبة بينهم، وهذا يعطف على أخيه بالزكاة، ويسد حاجته، فالمُعْطى يجد في ذلك أثراً في قلبه، ومحبة المعطي، وتقديراً لإحسانه إليه، فالزكاة فيها مواساة، وفيها تعاون، وفيها إزالة للشحناء، والضغائن، وفيها التحبب إلى الفقراء، وبهذا يكون المجتمع مجتمعاً متعاوناً بين غنيه وفقيره، بسبب عطف الغني على الفقير، وإحسانه إليه. ١٧٨ - عن أبي هريرة ﵁، أن رسول اللَّه ﷺ قال: «لَيْسَ عَلَى الْمُسْلِمِ فِي عَبْدِهِ وَلا فَرَسِهِ صَدَقَةٌ» (١). وفي لفظٍ «إلَاّ زَكَاةَ الْفِطْرِ فِي الرَّقِيقِ» (٢).

стр. 370

١٧٩ - عن أبي هريرة ﵁، أن رسولَ اللَّه ﷺ قال: «الْعَجْمَاءُ جُبَارٌ، وَالْبِئْرُ جُبَارٌ، وَالْمَعْدِنُ جُبَارٌ، وَفِي الرِّكَازِ الْخُمْسُ» (١). الْجُبار: الهدر الذي لا شيء فيه. والعجماء: الدابَّة. ١٨٠ - عن أبي هريرة ﵁ قال: «بَعَثَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ عُمَرَ عَلَى الصَّدَقَةِ، فَقِيلَ: مَنَعَ ابْنُ جَمِيلٍ، وَخَالِدُ بْنُ الْوَلِيدِ، وَالْعَبَّاسُ عَمُّ النبيِّ ﷺ (٢)، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : «مَا يَنْقِمُ ابْنُ جَمِيلٍ إلَاّ أَنْ كَانَ فَقِيراً، فَأَغْنَاهُ اللَّهُ تَعَالى، وَأَمَّا خَالِدٌ: فَإِنَّكُمْ تَظْلِمُونَ خَالِداً، فَقَدِ (٣) احْتَبَسَ أَدْرَاعَهُ وَأَعْتَادَهُ فِي سَبِيلِ اللَّهِ، وَأَمَّا الْعَبَّاسُ: فَهِيَ عَلَيَّ وَمِثْلُهَا» ثُمَّ قَالَ (٤): «يَا عُمَرُ، أَمَا شَعَرْتَ أَنَّ عَمَّ الرَّجُلِ صِنْوُ أَبِيهِ؟» (٥).

стр. 371

١٨١ - عن عبد اللَّه بن زيد بن عاصم المازني (١) ﵁ قال: «لَمَّا أَفَاءَ اللَّهُ عَلَى نَبِيِّه ﷺ (٢) يَوْمَ حُنَيْنٍ، قَسَمَ فِي النَّاسِ، وَفِي (٣) الْمُؤَلَّفَةِ قُلُوبُهُمْ، وَلَمْ يُعْطِ الأَنْصَارَ شَيْئاً، فَكَأَنَّهُمْ وَجَدُوا فِي أَنْفُسِهِمْ (٤)، إذْ لَمْ يُصِبْهُمْ مَا أَصَابَ النَّاسَ، فَخَطَبَهُمْ، فَقَالَ: «يَا مَعْشَرَ الأَنْصَارِ، أَلَمْ أَجِدْكُمْ ضُلَاّلاً فَهدَاكُمُ اللَّهُ بِي؟ وَكُنْتُمْ مُتَفَرِّقِينَ فَأَلَّفَكُمُ اللَّهُ بِي؟ وَعَالَةً فَأَغْنَاكُمُ اللَّهُ بِي؟» كُلَّمَا قَالَ شَيْئاً، قَالُوا: اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَمَنُّ، قَالَ: «مَا يَمْنَعُكُمْ أَنْ تُجِيبُوا رَسُولَ اللَّه ﷺ ؟» قال: كلما قال شيئاً (٥) قَالُوا: اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَمَنُّ، قَالَ: «لَوْ شِئْتُمْ لَقُلْتُمْ: جِئْتَنَا بكَذَا (٦) وَكَذَا، أَلا تَرْضَوْنَ أَنْ يَذْهَبَ النَّاسُ بِالشَّاةِ وَالْبَعِيرِ وَتَذْهَبُونَ بِرَسُولِ اللَّهِ (٧) إلَى رِحَالِكُمْ؟ لَوْلا الْهِجْرَةُ لَكُنْتُ امْرَأً مِنَ الأَنْصَارِ، وَلَوْ سَلَكَ النَّاسُ وَادِياً وشِعْباً، لَسَلَكْتُ وَادِيَ

стр. 372

الأَنْصَارِ وَشِعْبَهَا، الأَنْصَارُ شِعَارٌ، وَالنَّاسُ دِثَارٌ، إنَّكُمْ سَتَلْقَوْنَ بَعْدِي أَثَرَةً، فَاصْبِرُوا حَتَّى تَلْقَوْنِي عَلَى الْحَوْضِ» (١). ٤٦ - قال الشارح ﵀: هذه الأحاديث الأربعة تتعلق بالزكاة، والأخير يتعلق بالدين. الحديث الأول يقول الرسول ﷺ : «لَيْسَ عَلَى الْمُسْلِمِ فِي عَبْدِهِ وَلا فَرَسِهِ صَدَقَةٌ»، وفي لفظ: «إلَاّ زَكَاةَ الْفِطْرِ فِي الرَّقِيقِ». معنى هذا أن الخيل ليس فيها زكاة، وهكذا الحمير، والبغال ليس فيها زكاة، إنما الزكاة في الإبل، والغنم، والبقر إذا كانت سائمة، أما الخيل، والبغال فهي عَفْوٌ من اللَّه ، وهكذا الحمير كلها، ليس فيها زكاة، وهكذا العبيد المماليك ليس فيهم زكاة إلا زكاة الفطر، لكن إذا كانت الخيل، أو الحُمُر، أو البغال، أو العبيد للتجارة والبيع والشراء، ففيها زكاة التجارة: كسائر العروض التي يشتريها الإنسان للبيع والشراء، فإذا اشترى خيلاً، أو بِغالاً، أو حميراً، أو عبيداً للبيع والتجارة، فهذا فيه زكاة التجارة، كلما حال الحول تقوَّم وتزكى قيمتها، أما إذا كانت الخيل للقُنية والاستعمال، أو الجهاد، أو العبيد للخدمة، أو البغال والحمير للخدمة والاستعمال، فليس فيها زكاة، بل هي عرض.

стр. 373

الحديث الثاني عن الرسول ﷺ : «الْبِئْرُ جُبَارٌ، وَالْعَجْمَاءُ جُبَارٌ، وَالْمَعْدِنُ جُبَارٌ، وَفِي الرِّكَازِ الْخُمْسُ». معنى جبار: هدر، أي ليس فيه شيء، البئر ليس فيها شيء، لو سقط فيها أحد، جبار: هدر، وهكذا العجماء إذا نطحت أحداً، أو وطئت أحداً، جبار: هدر؛ لأنها لا عقل لها، والمعدن كذلك إذا حفر الناس إلى المعادن إن سقط فيها شيء، أو مات فيها عابرٌ: فهدرٌ ليس فيه شيء، إلا إذا ثبت أن الإنسان فرّط في ذلك، إذا ثبت أن الإنسان فرط في ذلك، حفر بئراً في طريق المسلمين، ولم يحطها، ولم يفعل شيئاً يمنع الناس من خطرها، فيضمنها، أما إذا كانت في محلِّه، في أرضه، في مزرعته، أو في محلٍ بعيد عن خطر المسلمين فهي جبار. وهكذا المعدن، إذا كان ليس في محلِّ طريقِ المسلمين، فهو هدر، وهكذا الدابة، إذا كان ما معها أحد، ووطئت أحداً، أو عضت أحداً، وما أشبه ذلك ليس فيها؛ لأنها لا تكليف عليها إلا إذا عرف صاحبها أنها تؤذي الناس، كعروشٍ (١) تؤذي الناس؛ فإن عليه إمساكها، وحفظها، فإذا أهملها يضمن ما يحصل بعملها، وكذلك إذا جعلها حول الزروع، وأطلقها حول الزروع يضمن؛ لأنه حين أطلقها حولها مفرط، فعليه الضمان، كما في الحديث سئل النبي ﷺ عن المواشي،

стр. 374

قال: «إذا كانت في النهار فلا ضمان، وإن كان في الليل فعلى أهلها الضمان» (١)، لكن إذا أطلقت حول الزروع فهي مثل الليل، إذا كان صاحبها متعدياً مفرطاً، ومن رعى حول الحمى أوشك أن يقع فيه. أما الركاز، وهو من دفن الجاهلية، الأموال التي يدفنها الجاهلية من الكفار: ذهب، أو فضة، أو أوانٍ، أو سلاح، ويجده المسلمون، ففيه الخمس لبيت المال، ولصاحبه الباقي لمن وجده، فمن وجد في خربةٍ، أو أرضٍ كنزاً عليه علامة الكفار فيكون له عدا الخمس فيكون لبيت المال. والحديث الثالث حديث أبي هريرة في قصة خالد، والعباس وابن جميل: كان النبي ﷺ بعث عمر على الصدقة، فقيل للنبي ﷺ : منع ابن جميل، وخالد بن الوليد ﵁، والعباس عم النبي ﷺ فقال النبي ﷺ لما أخبر بهذا: «مَا يَنْقِمُ ابْنُ جَمِيلٍ إلَاّ أَنْ كَانَ فَقِيراً، فَأَغْنَاهُ اللَّهُ ...»، ما له عذرٌ، فالواجب عليه أن يؤدي الزكاة كون اللَّه أغناه، هذا يوجب فيه شكر اللَّه، وأداء الزكاة، أما خالد فإنه فقير ما عنده شيء، أدراعه وأعتاده كلها قد وقفها في سبيل اللَّه. فليس عنده

стр. 375

شيء، ولهذا قال: «إِنَّكُمْ تَظْلِمُونَ خَالِداً، أي ليس من أهل الزكاة، ليس عنده شيء يُزَكَّى، وَأَمَّا الْعَبَّاسُ: فَهِيَ عَلَيَّ وَمِثْلُهَا» تحمَّلها النبيُّ ﵊ عنه، وقَالَ: «إِنَّ عَمَّ الرَّجُلِ صِنْوُ أَبِيهِ؟»، تسلف النبي ﷺ زكاة العباس من العباس، وفي رواية أنها كانت عليه، قال: إنها عليَّ ومثلها، أي اقترضها من ابن عباس، والمشهور أنه تحملها، قال: هي عليَّ ومثلها، تحملها عن عمه ﵊، وفي رواية: «أنه استسلف منه الزكاة عامين» (١)، فتلك لها معنى، وهذه لها معنى، فلما قال: هي عليَّ ومثلها. قال لعمر: «إِنَّ عَمَّ الرَّجُلِ صِنْوُ أَبِيهِ» (٢)، فيدل على أنه فعل براً به، وصلةً له؛ لأنه صنو الأب. أما الحديث الرابع: حديث عبداللَّه بن زيد الأنصاري [فهذا] (٣) في قصة حنين؛ لما أفاء اللَّه على نبيه غنائم كبيرة من أهل الطائف، نفَّل بعض الناس من العرب، والمهاجرين من الأموال والعبيد بعد الفتح، ومن رؤساء العرب نفَّل لهم، هذا يُعطَى مائة من الإبل، وهذا يُعطى خمسين

стр. 376

من الإبل، وهذا يُعطى كذا، نفَّل لهم تأليفاً لقلوبهم، ولِما ثبت عنه ﷺ من إعطاء المؤلفة قلوبهم، وكما فرض اللَّه لهم في الزكاة تأليفاً لقلوبهم، وحتى يستقيموا على الدين، وحتى يسلموا للَّه، وحتى يقوى إيمانهم؛ لأنهم رؤوساء مَتبعون، فلما فعل ذلك ﵊، وجد الأنصار في أنفسهم بعض الشيء، قالوا: يعطي هؤلاء ويدعنا، وسيوفنا تقطر من دمائهم يوم حُنين، فلما بلغه ذلك جمعهم ﵊، وخطبهم وقال: «يَا مَعْشَرَ الأَنْصَارِ، أَلَمْ أَجِدْكُمْ ضُلَاّلاً فَهُدَاكُمُ اللَّهُ بِي؟ وَمُتَفَرِّقِينَ فَأَلَّفَكُمُ اللَّهُ بِي؟ وَعَالَةً فَأَغْنَاكُمُ اللَّهُ بِي؟» كلما قال شيئاً قالوا: اللَّه ورسوله أمنّ، يعني المنَّة للَّه ورسوله ﷺ ، أنت صادق، قال ﵊: «أَمَا إنَّكُمْ لَوْ شِئْتُمْ لَقُلْتُمْ كَذَا وَكَذَا: أجبتموني، لو شئتم لأجبتموني»، ولكن تأدبوا ولم يجيبوا ﵃ وأرضاهم، وفي رواية: أنه قال: «لَوْ شِئْتُمْ لقُلْتُمْ: جِئْتَنَا طَرِيدًا فَآوَيْنَاكَ, وَفَقِيراً فَوَاسَيْنَاكَ، وَذَلِيلاً فَنَاصَرْنَاكَ»، لكنّهم لم يقولوا هذا تأدباً مع النبي ﵃، جاء من مكة هارباً من أهل مكة، هارباً من القتل، فأواه الأنصار، وآووا أصحابه، ونصروهم، وأشركوهم في أموالهم ﵃ وأرضاهم. كما قال : ﴿وَالَّذِينَ تَبَوَّءُوا الدَّارَ وَالْإِيمَانَ مِنْ قَبْلِهِمْ يُحِبُّونَ مَنْ هَاجَرَ إِلَيْهِمْ وَلَا يَجِدُونَ فِي صُدُورِهِمْ حَاجَةً مِمَّا أُوتُوا وَيُؤْثِرُونَ عَلَى أَنْفُسِهِمْ وَلَوْ كَانَ بِهِمْ خَصَاصَةٌ﴾ (١) ﵃ وأرضاهم، ثم قال: يا معشر الأنصار: سَتَلْقَوْنَ بَعْدِي أثْرَةً فَاصْبِرُوا حَتَّى تَلْقَوْنِي عَلَى الْحَوْضِ، أي

стр. 377

سوف تجدون بعدي من يستأثر عليكم في الأموال من الولاة فاصبروا، ثم قال: «لَوْ سَلَكَ النَّاسُ وَادِيًا أو شِعْبًا، لَسَلَكْتُ وَادِيَ الأَنْصَارِ وَشِعْبَهَا، أَلَا تَرْضَوْنَ أَنْ يَذْهَبَ النَّاسُ بِالشَّاةِ وَالبعيرِ، وَتَذْهَبُونَ بِرَسُولِ اللهِ إِلَى رِحَالِكُمْ؟» أي إلى المدينة، ثم قال: «الْأَنْصَارُ شِعَارٌ وَالنَّاسُ دِثَارٌ» (١) , الشعار ما يلي الجسد, والدثار ما فوق ذلك. فرضوا ﵃ وأرضاهم، واطمأنوا بهذا الكلام، الذي قاله لهم ﵊، وزال ما في النفوس من بعض الأحداث، الذين تكلموا في هذا ﵃ وأرضاهم. المقصود أنه بيَّن لهم ميله إليهم، ومحبته لهم، ومنزلتهم عنده، أنه لولا الهجرة لكان امرأً من الأنصار ﵃ وأرضاهم، فقال: «الأنصار شعار والناس دثار، لو سلك الناس وادياً وشعباً لسلكت وادي الأنصار وشعبهم»، كل هذا فيه تطييب لنفوسهم، والدلالة على منزلتهم العظيمة عنده، ليذهب ما في قلوب بعض شبابهم من التأثر. وفي هذا دلالة، أنه ينبغي لولاة الأمور عند وجود الاعتراض من بعض الناس، وعند وجود نزاع من بعض الناس، أن يُبيّنوا العلَّة، وأن يستطيبوا النفوس، وأن يُطفئوا الفتنة بالكلام الطيب، والأسلوب الحسن، وبيّن لهم ﷺ أنه أعطى أولئك الرؤساء يتألفهم على الإسلام، ليجمع قلوبهم عليه، لئلا يختلفوا، ولئلا ينكروا، المال

стр. 378

وزَّعه ﷺ لمصلحة الإسلام والمسلمين؛ فلهذا طيَّب نفوسهم، واعتذر لهم بهذا العذر الواضح، وبيّن لهم منزلتهم عنده، وأن لهم المنزلة العالية الرفيعة، وذلك بما يطيب النفوس، ويزيل ما قد يقع في نفس بعض الشباب من استئثار. ٣٢ - باب صدقة الفطر ١٨٢ - عن عبد اللَّه بن عمر ﵄ قال: «فَرَضَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ (١) صَدَقَةَ الْفِطْرِ ــ أَوْ قَالَ: رَمَضَانَ ــ عَلَى الذَّكَرِ وَالأُنْثَى، وَالْحُرِّ وَالْمَمْلُوكِ: صَاعاً مِنْ تَمْرٍ، أَوْ صَاعاً مِنْ شَعِيرٍ قَالَ: فَعَدَلَ النَّاسُ بِهِ نِصْفَ صَاعٍ مِنْ بُرٍّ عَلَى الصَّغِيرِ وَالْكَبِيرِ» (٢). وفي لفظ، «أَنْ تُؤَدَّى قَبْلَ خُرُوجِ النَّاسِ إلَى الصَّلاةِ» (٣). ١٨٣ - عن أبي سعيد الخدري ﵁ قال: «كُنَّا نُعْطِيهَا فِي زَمَنِ (٤) الرسولِ ﷺ (٥) صَاعاً مِنْ طَعَامٍ، أَوْ صَاعاً مِنْ تمرٍ، أَوْ صَاعاً مِنْ شَعِيرٍ، أَوْ صَاعاً مِنْ أَقِطٍ، أَوْ صَاعاً مِنْ زَبِيبٍ، فَلَمَّا جَاءَ مُعَاوِيَةُ، وَجَاءَتِ السَّمْرَاءُ (٦).

стр. 379

قَالَ: أَرَى مُدَّاً مِنْ هَذِهِ (١) يَعْدِلُ مُدَّيْنِ. قَالَ أَبُو سَعِيدٍ: أَمَّا أَنَا فَلا أَزَالُ أُخْرِجُهُ كَمَا كُنْتُ أُخْرِجُهُ عَلَى عَهْدِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ (٢)» (٣). ٤٧ - قال الشارح ﵀: هذان الحديثان الصحيحان عن رسول اللَّه ﷺ في شأن زكاة الفطر: زكاة الفطر فريضة فرضها رسول اللَّه ﷺ ، وأجمع عليها المسلمون، وهي صاعٌ من طعام، صاع من قوت البلد، تُعطى للفقراء، والمساكين عن كل رأس من أهل البيت، الرجل وزوجته وأهل بيته جميعاً من أولاد، وأيتام، ونحو ذلك، من أهل بيته عن الذكر والأنثى، والصغير والكبير، والحر والعبد من المسلمين، أما

стр. 380

لو كان عنده مماليك كفار ليس عليهم زكاة فطر، إنما الزكاة على المسلمين، وهي تُسمَّى بزكاة الفطر، وصدقة الفطر، وصدقة رمضان، من كان موجوداً عند نهاية رمضان، وجبت عليه الزكاة؛ لأنها زكاة الفطر، سواء كان ممن يصوم، أو من الصغار الذين لا يصومون، فهي عامة: صاعاً من تمرٍ، أو صاعاً من شعير، ودل حديث أبي سعيد على أن جميع هذه الأنواع من الأطعمة، كذلك من البُرّ والأرز، لأنه قال: صاعاً من طعام، فيعم الأرز، والتمر، وكل طعام يقتاته الناس، مما يُكال، ويُقتات. فإذا كان في البلد الذرة، أو الدخن، أو أشباه ذلك، زكَّوا من طعامهم، وهكذا الأقط، البادية يستعملون الأقط كثيراً، يُزكَّى من الأقط لا بأس، أو الزبيب؛ ولهذا في حديث أبي سعيد: صاعاً من طعام، أو صاعاً من تمر، أو صاعاً من شعير، أو صاعاً من زبيب، أو صاعاً من أَقِطٍ، هذه خمسة، ولو كان هناك نوع آخر: كالذرة، أو كالدخن، أو العدس، أو ما أشبه مما يقتاتونه، زكَّوا منه من طعامهم؛ لأنه مواساة للفقراء، والمواساة تكون فيما يأكله المؤدِّي، مما يتملكه من الطعام. والواجب إخراجها قبل صلاة العيد، كما قال في الحديث: «وأمر أن تؤدَّى قبل خروج الناس إلى الصلاة»، فيؤديها المسلمون قبل خروجهم إلى صلاة العيد، ويجب أن تؤدَّى قبل العيد بيوم، أو بيومين، كما كان الصحابة يؤدونها بإذن النبي ﵊، يعني من اليوم الثامن والعشرين، والتاسع والعشرين، وإن تم الشهر فالثلاثون

стр. 381

، فالشهر يكون تسعاً وعشرين، ويكون ثلاثين، فقبل العيد بيومين، هو اليوم الثامن والعشرون، واليوم التاسع والعشرون، وإذا تم الشهر صارت ثلاثة، ولهذا كان ابن عمر يؤديها قبل العيد بيومين، أو ثلاثة؛ لأنه في الحادث الغالب تكفي الفقير، ولو جاءت قبل العيد بيومٍ أو يومين يبقى له بقية تكفيه ليوم العيد، والسنة أن تكون من الشيء الطيب، كما قال تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَنْفِقُوا مِنْ طَيِّبَاتِ مَا كَسَبْتُمْ﴾ (١)، فالمؤمن يختار الشيء الطيِّب النظيف، ولا يجوز أن يتصدق من الشيء المعيب الرديء؛ لأن اللَّه قال: ﴿وَلَا تَيَمَّمُوا الْخَبِيثَ مِنْهُ تُنْفِقُونَ﴾ (٢)، أي ولا تقصدوا الخبيث الرديء منه تنفقون، ولكن تيمموا الطيب، أي اقصدوا الطيِّب، ولا يلزم منه الأطيب، أطيب شيء لا يلزمه، يلزمه الطيب الوسط، لا الرديء، ولا الأطيب، ولكن يلزمه الوسط من طعامه من التمر، أو من الحنطة، أو من الأقط، أو من الزبيب، من الشيء الطيب، فيخرج منه زكاة الفطر، ويكون ذلك يوم العيد قبل الصلاة أفضل، وإن أخرجها يوم التاسع والعشرين، أو يوم الثامن والعشرين، أو أخرجها في الليل ليلة التاسع والعشرين، أو ليلة الثلاثين، أو ليلة العيد أجزأه، لأنها مواساة، وهذه الأوقات متقاربة: العيد، وما قبله بيومٍ، أو يومين متقارب، والمقصود إغناؤهم عن

стр. 382

الطوفان أيام العيد حتى يحصل لهم السرور مع الناس، والغبطة، وعدم الحاجة إلى التَّجوُّلِ في الأسواق يوم العيد للسؤال، وطلب الحاجة. قال أبو سعيد: «فلما قدم معاوية المدينة [...] (١) قال: أرى أن مداً من هذا يعدل مُدين» (٢)، أي مداً من الحنطة [...] (٣) تعدل مدين من التمر، والشعير، والزبيب والأقط، هذا اجتهادٌ منه ﵁، هذا من باب الاجتهاد. والصواب مثلما قال أبو سعيد: إخراج صاع، كما كان النبي ﵊ يأمر بذلك: صاعاً من جميع الأقوات: من تمر، أو برٍ، أو غيرهما، وقد يكون البُر في بعض الأحيان أقلَّ قيمة من التمر، وقد يكون أقلَّ قيمة من الزبيب، وقد يكون أقلَّ قيمة من الأقط، هذا شيء لا يُنظر إليه، فالواجب إخراج صاع من الجميع، كما أخبر به النبي ﵊. وأما ما رآه معاوية، وبعض أهل العلم، فهو قول مرجوح يخالف ظاهر النص؛ ولهذا قال أبو سعيد: «أما أنا فلا أُخرج إلا صاعاً، كما كنت أخرجها على عهد النبي ﵊». والواجب على أهل الزكاة أن يتحرَّوا الفقراء، ولا يعطوها الأغنياء، يتحروا الناس

стр. 383

المحتاجين الفقراء حتى يدفعوها إليهم، والواجب أيضاً أن يبادروا بها قبل العيد، ولا يجوز تأخيرها بعد العيد [...] (١)؛ ولهذا في حديث ابن عباس عند الحاكم، وأبي داود وغيرهما بسندٍ جيد، يقول ابن عباس: «إن رسولَ اللَّه فَرَضَ زَكَاةَ الْفِطْرِ طُهْرَةً لِلصَّائِمِ، وَطُعْمَةً لِلْمَسَاكِينِ، فَمَنْ أَدَّاهَا قَبْلَ الصَّلَاةِ، فَهِيَ زَكَاةٌ مَقْبُولَةٌ، وَمَنْ أَدَّاهَا بَعْدَ الصَّلَاةِ فَهِيَ صَدَقَةٌ مِنَ الصَّدَقَاتِ» (٢)، هذا يفيد أنه إذا أداها قبل الصلاة صار له ثواب الزكاة كاملة، وإذا أداها بعد الصلاة صار له ثواب الصدقات العادية المعروفة؛ لأنه أخلَّ بالواجب، فالواجب أن يبادر بها، ويخرجها قبل صلاة العيد، هذا هو الواجب، وإن قدّمها قبل العيد بيوم أو يومين، فلا حرج في ذلك من باب التوسعة. س: هل تُخرج القيمة؟ ج: عند جمهور أهل العلم لا يخرج القيمة (٣)، يُخرج الطعام؛ كما أمر النبي ﵊.

стр. 384

٤ - كتاب الصِّيَامِ ١٨٤ - عن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول اللَّه ﷺ ، «لا تَقَدَّمُوا رَمَضَانَ بِصَوْمِ يَوْمٍ، ولا يَوْمَيْنِ إلَاّ رَجُلٌ كَانَ يَصُومُ صَوْماً فَلْيَصُمْهُ» (١). ١٨٥ - عن عبد اللَّه بن عمر ﵄ قال: سَمِعْتُ رسول اللَّه ﷺ يقولُ: «إذَا رَأَيْتُمُوهُ فَصُومُوا، وَإِذَا رَأَيْتُمُوهُ فَأَفْطِرُوا، فَإِنْ غُمَّ عَلَيْكُمْ فَاقْدُرُوا لَهُ» (٢). ١٨٦ - عن أنس بن مالك ﵁ قال: قال رسول اللَّه ﷺ «تَسَحَّرُوا، فَإِنَّ فِي السَّحُورِ بَرَكَةً» (٣). ١٨٧ - عن أنس بن مالك ﵁، عن زيد بن ثابت ﵁ قال:

стр. 385

«تَسَحَّرْنَا مَعَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ ، ثُمَّ قَامَ إلَى الصَّلاةِ. قَالَ أَنَسٌ: قُلْت لِزَيْدٍ: كَمْ كَانَ بَيْنَ الأَذَانِ وَالسَّحُورِ؟ قَالَ: قَدْرُ خَمْسِينَ آيَةً» (١). ٤٨ - قال الشارح ﵀: هذه الأحاديث تتعلق بالصيام، والصيام لغة: الإمساك عن الكلام، ومنه قوله جل وعلا عن مريم: ﴿إِنِّي نَذَرْتُ لِلرَّحْمَنِ صَوْمًا فَلَنْ أُكَلِّمَ الْيَوْمَ إِنْسِيًّا﴾ (٢)، ومنه قول الشاعر: خيل صيامٌ وخيل غير صائمة يعني ممسكة عن الصهيل. أما في الشرع، فهو: إمساك بنية عن المفطرات في نهار الصيام، يقال: الصيام إذا أمسك بنية الإمساك عن المفطرات في النهار، سواءً في رمضان، أو في غيره، يقال له صيام، وهو تعريف شرعي. فالصيام شرعاً هو: الإمساك بنية التقرب بترك ما حرم اللَّه، وكرهه للصائم من المفطرات من أكل، وشرب، وجماع، ونحو ذلك. والصيام قسمان: فرضٌ ونفل: فالفرض هو: صيام رمضان، وهو أحد أركان الإسلام الخمسة، وهو الركن الرابع من أركان الإسلام الخمسة، وهو شهرٌ واحد من السنة، فرضه اللَّه على المكلفين من

стр. 386

الرجال والنساء، ويُلحق بذلك صوم الكفَّارات، فهو فرضٌ أيضاً: كفارة الظهار، وكفارة الوطء في نهار رمضان، وكفارة القتل، هذا فرض، هذا ما شرعه اللَّه لكفارة القتل إذا عجز عن العتق، وكفارة الظهار إذا عجز عن العتق، وكفارة الوطء في [نهار] رمضان إذا عجز عن العتق، يكون عليه الصيام إذا استطاع (١). ومن الفرض أيضاً النذور إذا نذر، مثل: للَّه عليّ أن أصوم كذا مثل يوم الإثنين، أو يوم الخميس، أو أصوم كذا، هذا [هو] (٢) الوفاء بالنذر. ويكون نفلاً مثل: صوم الإثنين، والخميس، وصيام ثلاثة أيام من كل شهر، صيام ست من شوال، صيام يوم، وفطر يوم، هذا يسمى صوم تطوع. يقول النبي ﷺ : «لا تَقَدَّمُوا رَمَضَانَ بِصَوْمِ يَوْمٍ، ولا يَوْمَيْنِ إلَاّ رَجُلٌ كَانَ يَصُومُ صَوْماً فَلْيَصُمْهُ» (٣). لا يجوز للمسلمين أن يتقدموا رمضان بصوم يوم أو يومين على سبيل الاحتياط، يخشون أن يفوتهم شيء، ليس لهم ذلك، بل عليهم أن يتحرّوا دخول الشهر، إما بالرؤية، أو بإكمال شعبان، وليس لهم التقدم على رمضان، كما فعلت النصارى وغيرهم، لا، الواجب

стр. 387

التقيد الشرعي، فلا يُصام يوم الشك، ولا صوم اليوم الذي قبله، بل على المسلم التحرِّي، فيُصام لرؤيته، ويُفطَر لرؤيته، فإن غُمَّ الهلال وجب إكمال عدة شعبان ثلاثين يوماً، ثم يصوم المسلمون، ولا يجب التحري في ذلك فيصوم يوم الشك، بل لابد إكمال العدة إن لم يُرَ الهلال، فإن رُؤي الهلال لثلاثين من شعبان صام الناس، فإن لم يُر أكملوا شعبان ثلاثين، هذا هو الواجب كما في الشرع. وقد جاء عن النبي أنه قال ﷺ : «إذا انتصف شعبان فلا تصوموا» (١)، وهذا أبلغ في التحذير، فإذا بقي النصف من شعبان لا يمكن صيام التطوع، أما إذا صام أكثر شعبان فلا بأس، كان النبي ﵊ يصوم أكثره (٢).

стр. 388

حديث ابن عمر ﵁، يقول ابن عمر عن الرسول ﷺ قال: «صُومُوا لِرُؤْيَتِهِ، وَأَفْطِرُوا لِرُؤْيَتِهِ، فَإِنْ غُمَّ عَلَيْكُمْ فَأَكْمِلُوا العِدَّةَ ثَلَاثِينَ» (١)، معنى هذا الكلام: أن الواجب أن يصوموا لرؤية الهلال، وأن يُفطروا لرؤية الهلال، وليس لهم الصوم بالحساب، ولا بالاحتياط، لابد من الرؤية، أو إكمال العدة؛ ولهذا: «فإن غُمَّ عليكم فأكملوا العدة»، أي ثلاثين، وفي رواية أخرى: «فإن غُمَّ عليكم فأكملوا العدة ثلاثين يوماً»، وفي اللفظ الآخر: «فإن غُمَّ عليكم فأكملوا ثلاثين»، «فعدوا ثلاثين» (٢)، والمعنى واحد، فإذا غم هلال شعبان يكمّل ثلاثين، غُمّ هلال رمضان، يُكَّمل رمضان ثلاثين. فالشهر إما تسعة وعشرون وإما ثلاثون، فإن رؤي الهلال في ثلاثين من شعبان صام الناس، وإن رؤي في الثلاثين من رمضان أفطر الناس، فإن لم يُرَ كمَّلوا شعبان ثلاثين وصاموا، وكمَّلوا رمضان ثلاثين وأفطروا.

стр. 389

والأحاديث في هذا كثيرة تدل على وجوب اعتماد الرؤية ولا يجوز اعتماد الحساب، ولا الصوم بمجرَّد التحري والظن، بل لا بد من الرؤية أو إكمال العدة، هكذا شرع اللَّه ، وقد أجمع علماء الإسلام على أنه لا يُعتمد الصيام بالحساب. والحديث الثاني يقول الرسول ﷺ : «تَسَحَّرُوا، فَإِنَّ فِي السَّحُورِ بَرَكَةً» (١). السَّحور: ما يؤكل في آخر الليل، يقال له: سَحور [بالفتح]، والتسحُّر: سُحور - بالضم-: الفعل التسحُّر والأكل، وبالفتح طعام يؤكل يقال له سَحور، مثل الوَضُوء والوُضُوء، والطَّهُور والطُّهُور، فالطُّهور والوُضوء فعل، والوَضوء والطَّهور بالفتح الماء المعد للطهارة، يقال له: وَضُوء وطَهُور. والسحور مشروع للمسلمين أن يتسحروا حتى يتقووا به على طاعة اللَّه، كان النبي ﷺ يتسحر، كما قال زيد بن ثابت: «تسحرنا مع النبي ﷺ في رمضان، فقيل: كم كان بين الأذان والسحور؟ قال: قدر خمسين آية ...» (٢) كان سحوره متأخراً في آخر الليل ﵊، وهذا هو السنة: تأخير السحور حتى يكون أقوى للصائم على طاعة اللَّه، فيكون السحور قرب الأذان، يتحرى قبل الأذان بقليل؛ ولهذا قال

стр. 390

زيد لما سُئل: «كم كان بين السحور والأذان؟ قال: قدر خمسين آية». لما سأله أنس عن ذلك قال: قدر خمسين آية، خمسين آية متأنِّيَة مرتَّلة، نحو خمس دقائق، أو سبع دقائق إلى عشر دقائق. والحاصل في هذا أن السُّنة تأخير السحور. وفي الحديث الآخر: «لَا يَزَالُ النَّاس بِخَيْرٍ مَا عَجَّلُوا الْفِطْرَ، وَأَخَّرُوا السُّحُورَ» (١)، وفي صحيح مسلم عن النبي ﷺ أنه قال: «فَصْلُ مَا بَيْنَ صِيَامِنَا وَصِيَامِ أَهْلِ الْكِتَابِ أَكْلَةُ السَّحَرِ» (٢). ولكن السحر فيه إقامة للسنة (٣)، ومخالفة لأهل الكتاب، فالمسلمون يحرصون على السحور في آخر الليل، لا في وسط الليل، كما يفعل بعض الناس، بل السنة أن يتسحّر في آخر الليل، تأسياً بالنبي ﷺ ، وسيراً على منهجه، وعملاً بسنته، وهذا في النفل والفرض جميعاً.
следующие страницы →