← Шархи хадиса

Шархи хадиса · id 13282

الإفهام في شرح عمدة الأحكام

ابن باز

Полный текст (893 стр.). Показаны 386–425 · переход к 391.

стр. 386

الرجال والنساء، ويُلحق بذلك صوم الكفَّارات، فهو فرضٌ أيضاً: كفارة الظهار، وكفارة الوطء في نهار رمضان، وكفارة القتل، هذا فرض، هذا ما شرعه اللَّه لكفارة القتل إذا عجز عن العتق، وكفارة الظهار إذا عجز عن العتق، وكفارة الوطء في [نهار] رمضان إذا عجز عن العتق، يكون عليه الصيام إذا استطاع (١). ومن الفرض أيضاً النذور إذا نذر، مثل: للَّه عليّ أن أصوم كذا مثل يوم الإثنين، أو يوم الخميس، أو أصوم كذا، هذا [هو] (٢) الوفاء بالنذر. ويكون نفلاً مثل: صوم الإثنين، والخميس، وصيام ثلاثة أيام من كل شهر، صيام ست من شوال، صيام يوم، وفطر يوم، هذا يسمى صوم تطوع. يقول النبي ﷺ : «لا تَقَدَّمُوا رَمَضَانَ بِصَوْمِ يَوْمٍ، ولا يَوْمَيْنِ إلَاّ رَجُلٌ كَانَ يَصُومُ صَوْماً فَلْيَصُمْهُ» (٣). لا يجوز للمسلمين أن يتقدموا رمضان بصوم يوم أو يومين على سبيل الاحتياط، يخشون أن يفوتهم شيء، ليس لهم ذلك، بل عليهم أن يتحرّوا دخول الشهر، إما بالرؤية، أو بإكمال شعبان، وليس لهم التقدم على رمضان، كما فعلت النصارى وغيرهم، لا، الواجب

стр. 387

التقيد الشرعي، فلا يُصام يوم الشك، ولا صوم اليوم الذي قبله، بل على المسلم التحرِّي، فيُصام لرؤيته، ويُفطَر لرؤيته، فإن غُمَّ الهلال وجب إكمال عدة شعبان ثلاثين يوماً، ثم يصوم المسلمون، ولا يجب التحري في ذلك فيصوم يوم الشك، بل لابد إكمال العدة إن لم يُرَ الهلال، فإن رُؤي الهلال لثلاثين من شعبان صام الناس، فإن لم يُر أكملوا شعبان ثلاثين، هذا هو الواجب كما في الشرع. وقد جاء عن النبي أنه قال ﷺ : «إذا انتصف شعبان فلا تصوموا» (١)، وهذا أبلغ في التحذير، فإذا بقي النصف من شعبان لا يمكن صيام التطوع، أما إذا صام أكثر شعبان فلا بأس، كان النبي ﵊ يصوم أكثره (٢).

стр. 388

حديث ابن عمر ﵁، يقول ابن عمر عن الرسول ﷺ قال: «صُومُوا لِرُؤْيَتِهِ، وَأَفْطِرُوا لِرُؤْيَتِهِ، فَإِنْ غُمَّ عَلَيْكُمْ فَأَكْمِلُوا العِدَّةَ ثَلَاثِينَ» (١)، معنى هذا الكلام: أن الواجب أن يصوموا لرؤية الهلال، وأن يُفطروا لرؤية الهلال، وليس لهم الصوم بالحساب، ولا بالاحتياط، لابد من الرؤية، أو إكمال العدة؛ ولهذا: «فإن غُمَّ عليكم فأكملوا العدة»، أي ثلاثين، وفي رواية أخرى: «فإن غُمَّ عليكم فأكملوا العدة ثلاثين يوماً»، وفي اللفظ الآخر: «فإن غُمَّ عليكم فأكملوا ثلاثين»، «فعدوا ثلاثين» (٢)، والمعنى واحد، فإذا غم هلال شعبان يكمّل ثلاثين، غُمّ هلال رمضان، يُكَّمل رمضان ثلاثين. فالشهر إما تسعة وعشرون وإما ثلاثون، فإن رؤي الهلال في ثلاثين من شعبان صام الناس، وإن رؤي في الثلاثين من رمضان أفطر الناس، فإن لم يُرَ كمَّلوا شعبان ثلاثين وصاموا، وكمَّلوا رمضان ثلاثين وأفطروا.

стр. 389

والأحاديث في هذا كثيرة تدل على وجوب اعتماد الرؤية ولا يجوز اعتماد الحساب، ولا الصوم بمجرَّد التحري والظن، بل لا بد من الرؤية أو إكمال العدة، هكذا شرع اللَّه ، وقد أجمع علماء الإسلام على أنه لا يُعتمد الصيام بالحساب. والحديث الثاني يقول الرسول ﷺ : «تَسَحَّرُوا، فَإِنَّ فِي السَّحُورِ بَرَكَةً» (١). السَّحور: ما يؤكل في آخر الليل، يقال له: سَحور [بالفتح]، والتسحُّر: سُحور - بالضم-: الفعل التسحُّر والأكل، وبالفتح طعام يؤكل يقال له سَحور، مثل الوَضُوء والوُضُوء، والطَّهُور والطُّهُور، فالطُّهور والوُضوء فعل، والوَضوء والطَّهور بالفتح الماء المعد للطهارة، يقال له: وَضُوء وطَهُور. والسحور مشروع للمسلمين أن يتسحروا حتى يتقووا به على طاعة اللَّه، كان النبي ﷺ يتسحر، كما قال زيد بن ثابت: «تسحرنا مع النبي ﷺ في رمضان، فقيل: كم كان بين الأذان والسحور؟ قال: قدر خمسين آية ...» (٢) كان سحوره متأخراً في آخر الليل ﵊، وهذا هو السنة: تأخير السحور حتى يكون أقوى للصائم على طاعة اللَّه، فيكون السحور قرب الأذان، يتحرى قبل الأذان بقليل؛ ولهذا قال

стр. 390

زيد لما سُئل: «كم كان بين السحور والأذان؟ قال: قدر خمسين آية». لما سأله أنس عن ذلك قال: قدر خمسين آية، خمسين آية متأنِّيَة مرتَّلة، نحو خمس دقائق، أو سبع دقائق إلى عشر دقائق. والحاصل في هذا أن السُّنة تأخير السحور. وفي الحديث الآخر: «لَا يَزَالُ النَّاس بِخَيْرٍ مَا عَجَّلُوا الْفِطْرَ، وَأَخَّرُوا السُّحُورَ» (١)، وفي صحيح مسلم عن النبي ﷺ أنه قال: «فَصْلُ مَا بَيْنَ صِيَامِنَا وَصِيَامِ أَهْلِ الْكِتَابِ أَكْلَةُ السَّحَرِ» (٢). ولكن السحر فيه إقامة للسنة (٣)، ومخالفة لأهل الكتاب، فالمسلمون يحرصون على السحور في آخر الليل، لا في وسط الليل، كما يفعل بعض الناس، بل السنة أن يتسحّر في آخر الليل، تأسياً بالنبي ﷺ ، وسيراً على منهجه، وعملاً بسنته، وهذا في النفل والفرض جميعاً.

стр. 391

١٨٨ - (١) عن عائشةَ، وَأُمِّ سَلَمَةَ ﵄، «أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ كَانَ يُدْرِكُهُ الْفَجْرُ وَهُوَ جُنُبٌ مِنْ أَهْلِهِ، ثُمَّ يَغْتَسِلُ وَيَصُومُ» (٢). ١٨٩ - عن أبي هريرة ﵁، أن النَّبِيَّ ﷺ (٣) قَالَ: «مَنْ نَسِيَ وَهُوَ صَائِمٌ فَأَكَلَ أَوْ شَرِبَ، فَلْيُتِمَّ صَوْمَهُ، فَإِنَّمَا أَطْعَمَهُ اللَّهُ وَسَقَاهُ» (٤). ١٩٠ - عن أبي هريرة ﵁ قال: «بَيْنَمَا نَحْنُ جُلُوسٌ عِنْدَ النَّبِيِّ ﷺ إذْ جَاءَهُ رَجُلٌ، فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّه، هَلَكْتُ، فقَالَ (٥): «مَا لك؟» قَالَ: وَقَعْتُ عَلَى امْرَأَتِي في رَمَضَانَ، وَأَنَا صَائِمٌ ــ وَفِي رِوَايَةٍ: أَصَبْتُ أَهْلِي فِي رَمَضَانَ ــ فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : «هَلْ تَجِدُ رَقَبَةً تُعْتِقُهَا؟» قَالَ: لا، قَالَ: «فَهَلْ تَسْتَطِيعُ أَنْ تَصُومَ شَهْرَيْنِ مُتَتَابِعَيْنِ؟» قَالَ: لا، قَالَ: «فَهَلْ تَجِدُ إطْعَامَ سِتِّينَ مِسْكِيناً؟» قَالَ: لا، قَالَ: فسكت (٦) النَّبِيُّ ﷺ ، فَبَيْنمَا (٧) نَحْنُ عَلَى ذَلِكَ إذ أُتِيَ (٨) النَّبِيُّ ﷺ بِعَرَقٍ فِيهِ تَمْرٌ ــ وَالْعَرَقُ

стр. 392

الْمِكْتَلُ ــ قَالَ: «أَيْنَ السَّائِلُ؟» قَالَ: أَنَا، قَالَ: «خُذْ هَذَا، فَتَصَدَّق بِهِ». فَقَالَ (١): عَلَى أَفْقَرَ مِنِّي يَا رَسُولَ اللَّهِ؟ فَوَاَللَّهِ مَا بَيْنَ لابَتَيْهَا ــ يُرِيدُ الْحَرَّتَيْنِ ــ أَهْلُ بَيْتٍ أَفْقَرُ مِنْ أَهْلِ بَيْتِي، فَضَحِكَ النَّبِيُّ ﷺ حَتَّى بَدَتْ أَنْيَابُهُ، ثُمَّ قَالَ: «أَطْعِمْهُ أَهْلَكَ» (٢). الحَرَّة: الأرض (٣) تركبها حجارة سود. ٤٩ - قال الشارح ﵀: حديث عائشة وما جاء في معناه عن أم سلمة ﵄ يدلان على أنه لا حرج على من أصبح جنباً أن يغتسل بعد الصبح، ويصوم، وأن المحرّم إنما هو الجماع (٤). إذا جامع في الليل، أو في آخر الليل، وأخّر الغسل إلى بعد طلوع الفجر؛ فلا حرج في ذلك، وقد كان النبي ﵊ يفعله، يُصبح جنباً، ثم يغتسل، ويصوم ﵊، وفي رواية أم

стр. 393

سلمة: «ولا يقضي» (١)، فدّل ذلك على أنه لا مانع من تأخير الغسل، قد يحتاج إلى الشغل في السحور أو غير ذلك، فإذا أخر الغسل فلا بأس، يغتسل ولو بعد طلوع الفجر، وصومه صحيح، وليس عليه قضاء، المُحرّم الجماع بعد طلوع الفجر، أما الغسل بعد طلوع الفجر فلا بأس. وهكذا الحائض، إذا طهرت في آخر الليل، وصامت وانشغلت بالسحور، وأخرت الغسل إلى بعد طلوع الفجر، فلا حرج في ذلك، فترك الغسل لا يضرّ، لا من الحائض، ولا من النفساء، ولا من الجنب، وعليهم المبادرة بالغسل حتى يصلوا الصلاة في وقتها، فعلى الحائض، وعلى النفساء أن تبادر بالغسل بعد طلوع الفجر إذا رأت الطهارة في آخر الليل، تصوم رمضان، وتغتسل قبل طلوع الشمس، وهكذا الرجل الجنب يجب عليه أن يغتسل، ويبادر حتى يصلي مع الجماعة، ولا يضر التأخير إلى بعد الأذان بعد طلوع الفجر. والحديث الثاني: حديث أبي هريرة ﵁ يقول النبي ﷺ : «مَنْ نَسِيَ وَهُوَ صَائِمٌ فَأَكَلَ أَوْ شَرِبَ، فَلْيُتِمَّ صَوْمَهُ، فَإِنَّمَا أَطْعَمَهُ اللَّهُ وَسَقَاهُ» (٢)، وهذا من فضل اللَّه ، فالإنسان يعتريه النسيان، كما قال

стр. 394

النبي ﷺ : «إِنَّمَا أَنَا بَشَرٌ مِثْلُكُمْ أَنْسَى كَمَا تَنْسَوْنَ» (١). فالبشر من طبيعتهم النسيان، فإذا نسي وهو صائم في رمضان، أو في كفارة، أو في غيرهما، فأكل، أو شرب، أو تعاطى مفطراً آخر نسياناً، فصومه صحيح؛ لهذا الحديث الصحيح. وفي رواية أخرى عند الحاكم: «مَنْ أَفْطَرَ في رَمَضَانَ نَاسِيًا، فَلَا قَضَاءَ عَلَيْهِ، وَلَا كَفَّارَةَ» (٢)، فلو جامع ناسياً، أو أكل ناسياً، أو شرب ناسياً؛ فإن صومه صحيح، ولا كفارة عليه، ولا عتق عليه، ولا قضاء عليه إذا كان ناسياً، واللَّه أعلم بالحقائق، فاللَّه يعلم بالحقيقة، واللَّه يعامل هذا على ما هو عليه من صدق أو كذب، لكن إن كان الإنسان صادقاً في أنه ناسٍ، فلا قضاء عليه، فصومه صحيح، أما إذا كان يكذب، فهذا أمره إلى اللَّه، لا تنفعه الفُتيا، ولو أفتاه رجل، إذا كان كاذباً، فعليه إثم ما فعله، لكن ما دام صادقاً في أنه ناسٍ؛ فإن صومه صحيح. والإنسان يُبتلى بالنسيان وهو معذور حتى في الصلاة التي هي أعظم الواجبات فقد ينسى، وقد يُسلم عن نقص، وقد يترك بعض الأركان، فيعمل ما شرعه اللَّه تعالى في الصلاة، إذا نسي ركعة أتى بركعة أخرى، وكمل صلاته بسجود السهو، إذا نسي ركناً أتى به،

стр. 395

وإذا نسي واجباً سقط عنه، وسجد للسهو، فهكذا في الصوم، فالأمر ليس بخيار الإنسان، فإنه مخلوق على هذه الصفة ينسى، وقد نسي النبي ﷺ ، وهو أفضل الخلق، وسها في الصلاة، ﵊، وهكذا بنو آدم، يُبتلون بالنسيان في الصلاة وغيرها، وقد بين الرسول ﷺ أحكام النسيان في الصلاة، وهكذا في الصوم، أخبر ﷺ أنه لا يضرّه أكله وشربه ناسياً، وهكذا جماعه، وهكذا حجامته، وكل ما مرّ من المفطرات، إذا فعله ناسياً، ولم ينتبه إلا بعد ذلك، فصومه صحيح، وهكذا لو جامع عامداً عليه كفارة؛ ولهذا لما جاءه الرجل وقال: يا رسول اللَّه هلكت. قال: «ما أهلكك؟» قال: وقعت على امرأتي وأنا صائم، فيعد هذا عامداً، حمله الهوى، والشيطان حتى وقع عليها، فأخبره النبي ﷺ أن عليه الكفارة، وهي عتق رقبة مؤمنة، فإن عجز صام شهرين متتابعين، فإن عجز أطعم ستين مسكيناً كالظهار، كالذي يظاهر من امرأته يُحرّمها، عليه كفارة مرتبة: العتق، ثم الصيام، ثم الإطعام، حسب طاقته، فإن استطاع العتق، وجب عليه العتق، عتق رقبة مؤمنة، ذكراً، أو أثنى، فإن لم يستطع صام شهرين متتابعين، وهي مثله إذا كانت مطاوعة، مثله عليها الكفارة، أما إذا كانت مقهورة بالقوة، ليس لها اختيار، وليست موافقة فهي معذورة، فإن عجز يطعم ستين مسكيناً. وفي هذا الحديث أن هذا الرجل قال له النبي ﷺ : هل تجد كذا؟ هل تجد كذا؟ قال: لا أستطيع. حتى قال له: «أطعم ستين مسكيناً».

стр. 396

قال: لا أستطيع، فجلس، وسكت النبي ﷺ ، ثم جيء للنبي ﷺ بِعَرَقٍ من تمر، ودفعه له، وقال: «أطعم بهذا، تصدق بهذا». فقال الرجل: يا رسول اللَّه، واللَّه ما بين لابتيها أي (المدينة) أهل بيت أفقر من أهل بيتي، يعني أني أولى بهذا الطعام، فضحك النبي ﷺ تعجباً من أمره في كونه يستفتي عن كفارته، ثم طمع فيها لنفسه لحاجته، ثم قال له: «اذهب فأطعمه أهلك»، هذا يدل على أن الإنسان مصدَّق في عجزه، وأنه أعلم بنفسه، قد لا يستطيع الصوم، ولا يستطيع العتق، لا يستطيع الإطعام، هو أعلم بنفسه، اللَّه يحاسبه على ما كذب فيه، ويدل على أنه إذا عجز عن الإطعام، والصيام، والعتق في الوطء في رمضان (١) يسقط عنه؛ فإن الرسول ﷺ ما قال له: إذا قدرت، وإذا أيسرت فكفِّر، بل قال: «اذهب فأطعمه أهلك»، وسكت عنه، فدل على سقوطه عنه، وأنه إذا عجز عن هذه الكفارة، سقطت عنه رحمةً من اللَّه. أما في الظهار، فلا تسقط عنه، بل تبقى في ذمته حتى يستطيع واحداً من ثلاثة: العتق، أو الصيام، أو الإطعام؛ حسب التيسير، أما في هذا، فقد بيَّن النبي ﷺ أنه لا تلزمه في هذه، قال: «أطعمه أهلك»، وأهل الإنسان [ليسوا] (٢) مصرفاً للكفارات، فدل على سقوطها عنه لعجزه.

стр. 397

٣٣ - باب الصوم في السفر وغيره ١٩١ - عن عائشة ﵂، «أَنَّ حَمْزَةَ بْنَ عَمْرٍو الأَسْلَمِيَّ قَالَ لِلنَّبِيِّ ﷺ : أَصُومُ فِي السَّفَرِ؟ ــ وَكَانَ كَثِيرَ الصِّيَامِ ــ قَالَ: «إنْ شِئْتَ فَصُمْ، وَإِنْ شِئْتَ فَأَفْطِرْ» (١). ١٩٢ - عن أنس بن مالك ﵁ قال: «كُنَّا نُسَافِرُ مَعَ النَّبِيِّ ﷺ فَلَمْ يَعِبِ الصَّائِمُ عَلَى الْمُفْطِرِ، وَلا الْمُفْطِرُ عَلَى الصَّائِمِ» (٢). ١٩٣ - عن أَبِي الدَّرْدَاءِ ﵁ قال: «خَرَجْنَا مَعَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فِي شَهْرِ رَمَضَانَ، فِي حَرٍّ شَدِيدٍ، حَتَّى إنْ كَانَ أَحَدُنَا لَيَضَعُ يَدَهُ عَلَى رَاسِهِ مِنْ شِدَّةِ الْحَرِّ، وَمَا فِينَا صَائِمٌ إلَاّ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ ، وَعَبْدُ اللَّهِ بْنُ رَوَاحَةَ» (٣). ١٩٤ - عن جابر (٤) ﵁ قال: «كَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ فِي سَفَرٍ، فَرَأَى زِحَاماً وَرَجُلاً قَدْ ظُلِّلَ عَلَيْهِ، فَقَالَ: «مَا هَذَا؟» قَالُوا: صَائِمٌ، قَالَ:

стр. 398

«لَيْسَ مِنَ الْبِرِّ الصَّومُ فِي السَّفَرِ» (١). وفي لفظٍ لمسلم (٢): «عَلَيْكُمْ بِرُخْصَةِ اللَّهِ الَّتِي رَخَّصَ لَكُمْ» (٣). ٥٠ - قال الشارح ﵀: هذه الأحاديث الأربعة تتعلق بالصوم في السفر، وقد دلت الأحاديث الصحيحة عن رسول اللَّه ﷺ كما دل القرآن على أنه لا حرج في الصوم في السفر، ولا حرج في الإفطار، وأنه رخصة من اللَّه ، كما قال : ﴿وَمَنْ كَانَ مَرِيضًا أَوْ عَلَى سَفَرٍ فَعِدَّةٌ مِنْ أَيَّامٍ أُخَرَ﴾ (٤) يعني فأفطر، فعليه عدة من أيام أخر، فالمسافر مخيّر إن شاء صام، وإن شاء أفطر، إلا إذا كان في الصوم شدة وحرج، فالسنة له الإفطار ويُكره له الصوم؛ لما فيه من المشقة؛ لقوله ﷺ : «ليس من البر الصوم في السفر» (٥). ليس من البر الكامل الصوم في السفر، وذلك لمَّا رأى رجلاً

стр. 399

قد ظُلِّل عليه، واشتدَّ عليه الزحام بسبب ما أصابه من الشدّة، كره له الصوم ﵊، قال: «ليس من البر» البر الكامل «الصوم في السفر»، فليس من البر الصوم في السفر، إذا كان فيه مشقة وثقل، جمعاً بين الأحاديث الصحيحة عن رسول اللَّه ﷺ ؛ ولهذا في الحديث الأول حديث حمزة بن عمرو الأسلمي قال له: «إن شئت فصم وإن شئت فأفطر» (١)، وفي اللفظ الآخر: «هو رخصة من اللَّه من أخذه فحسن ومن أحب أن يصوم فلا جناح عليه» (٢). وفي حديث أنس: أنهم كانوا يسافرون مع النبي ﷺ فلم يعب الصائم على المفطر ولا المفطر على الصائم، وكان معهم النبي ﷺ ربما أفطر وربما صام ﵊ (٣). وفي حديث أبي الدرداء «أنهم كانوا مع النبي ﷺ في شدة الحر وكانوا مفطرين ليس فيهم صائم إلَاّ رسول اللَّه، وعبد اللَّه بن رواحة» (٤)، وكان السفر شديداً، وهذا لعله كان أولاً قبل أن يأتي الوحي بكراهة الصوم في حالة الشدة، فيُحمل حديث أبي الدرداء على أنه كان أولاً، ثم أنزل اللَّه التخفيف والتيسير والحث على الإفطار في السفر إذا كان

стр. 400

فيه شدة؛ لحديث جابر، وهذا هو الجمع بين الأخبار، إن كان في شدة كره له الصوم وشرع له الفطر بتأكد؛ لقول النبي ﷺ : «ليس من البر الصوم في السفر» (١)، أي ليس من البر الكامل الصوم في السفر، أو ليس من البر الصوم في السفر إذا كان الوقت شديد الحرارة، يشق على المؤمن، أما إذا كان الوقت ليس فيه شدة، فالأمر بالخيار: إن شاء صام، وإن شاء أفطر، والفطر أفضل، في كل حال لعموم: «ليس من البر الصوم في السفر»، والفطر أفضل؛ لما فيه من قبول الرخصة، قال ﵊: «إِنَّ اللهَ يُحِبُّ أَنْ تُؤْتَى رُخَصُهُ» (٢)، وقال في حديث حمزة بن عمرو الأسلمي في رواية مسلم: «هُوَ رُخْصَةٌ مِنَ اللَّهِ، فَمَنْ أَخَذَ بِهَا فَحَسَنٌ، وَمَنْ أَحَبَّ أَنْ يَصُومَ فَلَا جُنَاحَ عَلَيْهِ» (٣)، فدل على أن الصوم ليس فيه جناح، والفطر أفضل؛ ولأن الغالب على المسافر أن يتأثر بالصوم، ويشق عليه، حتى ولو كان في غير شدة الحر، فإذا أفطر فهو أفضل، وإن صام فلا حرج عليه، أما مع شدة الحر والتكلف؛ فإنه يُشرع له الفطر، ويتأكد عليه الفطر.

стр. 401

١٩٥ - عن أنس بن مالك ﵁ قال: «كُنَّا مَعَ رسول اللَّه ﷺ (١) فِي سفَرٍ، فَمِنَّا الصَّائِمُ، وَمِنَّا الْمُفْطِرُ قَالَ: فَنَزَلْنَا مَنْزِلاً فِي يَوْمٍ حَارٍّ، وَأَكْثَرُنَا ظِلاً صَاحِبُ الْكِسَاءِ، فَمِنَّا مَنْ يَتَّقِي الشَّمْسَ بِيَدِهِ، قَالَ: فَسَقَطَ الصُّوَّامُ، وَقَامَ الْمُفْطِرُونَ فَضَرَبُوا الأَبْنِيَةَ، وَسَقَوا الرِّكَابَ. فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : «ذَهَبَ الْمُفْطِرُونَ الْيَوْمَ بِالأَجْرِ» (٢). ١٩٦ - عن عائشة لقالت: «كَانَ يَكُونُ عَلَيَّ الصَّوْمُ مِنْ رَمَضَانَ، فَمَا أَسْتَطِيعُ أَنْ أَقْضِيَ إلَاّ فِي شَعْبَانَ» (٣). ١٩٧ - عن عائشة ﵂، أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ: «مَنْ مَاتَ وَعَلَيْهِ صِيَامٌ صَامَ عَنْهُ وَلِيُّهُ» (٤). وأخرجه أبو داود وقال: «هذا في النَّذْرِ خاصةً (٥)، وهو قول أحمد بن حنبل ﵀» (٦).

стр. 402

٥١ - قال الشارح ﵀: هذه الأحاديث الثلاثة أحدها يتعلق بالصوم في السفر، وهو حديث أنس ﵁ «أنهم كانوا مع النبي ﷺ في سفر فنزلوا منزلاً في يوم حار من شدة الحر صائف، وأكثرهم ظلاً صاحب الكساء، وفيهم الصائم وفيهم المفطر، قال فسقط الصُّوَّام، أي ضعفوا وسقطوا في الأرض للراحة من شدة الحر، وقام المفطرون وضربوا الأبنية أي الخيام، وسقوا الرِّكاب، أي سقوا الإبل، فقال النبي ﷺ : «ذَهَبَ الْمُفْطِرُونَ الْيَوْمَ بِالأَجْرِ» (١)، وهذا يدل على أفضلية الفطر في السفر، ولاسيما عند شدة الحر؛ فإنه أولى من الصوم، والرخصة ينبغي أن تُقبل، واللَّه تعالى يقول: ﴿فَمَنْ كَانَ مَرِيضَاً أَوْ عَلَى سَفَرٍ فَعِدَّةٌ مِنْ أيَّامٍ أُخَرَ﴾ (٢)، وقال ﵊: «ليس من البر الصوم في السفر» (٣)، أي ليس من البر الكامل الصوم في السفر، بل الفطر أفضل، «واللَّه يُحب أن تؤتى رخصه كما يكره أن تؤتى معصيته» (٤).

стр. 403

فإذا اشتدّ الحرّ صار الفطر متأكداً، حتى يقوم كل واحد بحاجته، وبعمله، وينشط في خدمة إخوانه، أما إذا صام وأفطر غيره، صار عبئاً على إخوانه، وصار مشقة عليهم لضعفه، وعجزه؛ ولأنه في الحقيقة لم يقبل هذه الرخصة التي فيها إنعام اللَّه عليه، وإحسانه إليه، والرفق به، فينبغي له أن يقبلها. وحديث عائشة ﵂ تقول: «كَانَ يَكُونُ عَلَيَّ الصَّوْمُ مِنْ رَمَضَانَ، فَمَا أَسْتَطِيعُ أَنْ أَقْضِيَ إلَاّ فِي شَعْبَانَ» (١)، هذا يدل على أنه لا بأس من تأخير القضاء، فمن قضى وبادر فلا بأس، وهو الأفضل، ومن تأخر فلا حرج عليه، ولاسيما إذا كان هناك حاجة كحاجة الزوج إليها، أو مرضها، أو غير ذلك من الأعذار التي تقتضي تأخيرها القضاء، فالأمر في هذا واسع والحمد للَّه، لها أن تؤخر إلى شعبان: الحائض التي أفطرت لأجل الحيض، أو لأجل المرض، أو الرجل إذا أفطر لأجل المرض، أو السفر إذا أخَّر فلا حرج، وإن بادر فهو أفضل، وإن دعت الحاجة إلى التأخير فلا بأس بذلك لهذا الحديث الصحيح، ولأن اللَّه سبحانه قال: ﴿فَعِدَّةٌ مِنْ أَيَّامٍ أُخَرَ﴾ (٢)، ولم يقل فمبادرة أو فليبادر أو فليقض، بل قال: ﴿فَعِدَّةٌ مِنْ أَيَّامٍ أُخَرَ﴾ فدل على التوسعة.

стр. 404

والحديث الثالث تقول ﵂ عن رسول اللَّه ﷺ قال: «مَنْ مَاتَ وَعَلَيْهِ صِيَامٌ صَامَ عَنْهُ وَلِيُّهُ» (١)، هذا حديث عظيم يدل على أن من مات وعليه صيام يُشرع لأوليائه، وهم القرابة، الولي: القريب، يُشرع لهم أن يصوموا عنه، كأن يموت وعليه نذر، نذر طاعة، أو صوم كفارة، أو قضاء من رمضان لم يصمه، وهو يستطيع الصيام، ولكن تساهل، وأخّر القضاء؛ فإن المشروع لأوليائه أن يقضوا عنه: أولاده، إخوانه، غيرهم من أقاربه، زوجته، ولو صام عنه غير قريب أجزأه؛ لأنه دَيْن، واللَّه أحق بالقضاء، والدين يقضيه القريب وغير القريب، لكن أقاربه أولى وأفضل؛ لما فيه من الإحسان إليه وصلة رحمه، فإن لم يتيسر من يقضي عنه، أُطعم عنه عن كل يوم مسكيناً. أما قول أبي داود عن أحمد أنه في النذر خاصة، فقولٌ ضعيف، وهو قول مرجوح، فالصواب أنه عام يعم النذور ورمضان، لأن الرسول عمم، قال: «من مات وعليه صيام»، فهذه نكرة في سياق الشرط، تعم جميع أنواع الصيام الواجب, تعم الكفارة والنذر ومن رمضان, فالحديث يعم الجميع، فلا يجوز تخصيصه بالنذر إلا بدليل، وليس هناك دليل، وقد ثبت في حديث ابن عباس في مسند أحمد: أن امْرَأَةً، قَالَتْ: يَا رَسُولَ اللَّهِ إِنَّ أُمِّي مَاتَتْ، وَعَلَيْهَا صَوْمٌ مِنْ رَمَضانَ، أَفَأَصُومُ عَنْهَا؟ قَالَ: «أفَرَأَيْتِ لَوْ كَانَ عَلَى أُمِّكِ دَيْنٌ أَكُنْتِ

стр. 405

قَاضِيةً؟ اقْضُوا اللَّه، فَاللَّه أحَقُّ بِالوَفَاءِ» (١)، فجاءه وسأله سائلون ﵊ أحدهم يقول: يا رسول اللَّه إن أمي ماتت وعليها صوم شهر (٢)، والآخر يقول: إن أمي ماتت وعليها صوم شهرين (٣)، والآخر يقول: إن أمي ماتت وعليها صوم كذا (٤)، فيأمرهم النبي بالقضاء، ولا يستفصل ما يقول: هل هو من رمضان؟ فلو كان خاصاً

стр. 406

بالنذر لاستفصل ﵊، فلما عمم في الفتوى دل على العموم، ولهذا قال ﵊: «من مات وعليه صيام صام عنه وليه» (١)، وهذا عام، جملة عامة تعم أنواع الصوم الواجب: من نذر، أو كفارة، أو من رمضان، إلا إذا كان من أفطر من رمضان معذوراً إن كان أفطر من مرض، ومات في مرضه، أو أفطر في سفر ومات في سفره، هذا معذور، أو طاب ولكن لم يعش مقدار الأيام التي عليه، فإنه يُصام عنه ما أدرك وهو صحيح، وإن صِيم عنه كل شيء فهذا أحسن، ولا بأس، لكن لا يجب الصوم عنه إلا إذا فرط إذا كان طاب من مرضه، وتساهل، ومضت أيام بقدر ما عليه ولم يصم، أما إذا كان مات في مرضه فهو معذور. ١٩٨ - عن عبد اللَّه بن عباس ﵄ قال: «جَاءَ رَجُلٌ إلَى النَّبِيِّ ﷺ . فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، إنَّ أُمِّي مَاتَتْ وَعَلَيْهَا صَوْمُ شَهْرٍ، أَفَأَقْضِيهِ عَنْهَا؟ قَالَ (٢): «لَوْ كَانَ عَلَى أُمِّكَ دَيْنٌ، أَكُنْتَ قَاضِيَهُ عَنْهَا؟» قَالَ: نَعَمْ، قَالَ: «فَدَيْنُ اللَّهِ أَحَقُّ أَنْ يُقْضَى» (٣).

стр. 407

وفي رواية، «جَاءَتِ امْرَأَةٌ إلَى النَّبي (١) ﷺ فَقَالَتْ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، إنَّ أُمِّي مَاتَتْ، وَعَلَيْهَا صَوْمُ نَذْرٍ، أَفَأَصُومُ عَنْهَا؟ قَالَ (٢): «أفَرَأَيْتِ (٣) لَوْ كَانَ عَلَى أُمِّكِ دَيْنٌ فَقَضَيْتِيهِ، أَكَانَ يُؤَدِّي ذَلِكَ عَنْهَا؟» قَالَتْ: نَعَمْ. قَالَ: «فَصُومِي عَنْ أُمِّكِ» (٤). ١٩٩ - عن سهل بن سعد الساعدي ﵁، أن رسول اللَّه ﷺ قال: «لا يَزَالُ النَّاسُ بِخَيْرٍ مَا عَجَّلُوا الْفِطْرَ» (٥). «وأخروا السحور (٦)» (٧). ٢٠٠ - عن عمر بن الخطاب ﵁ قال: قال رسول اللَّه ﷺ : «إذَا أَقْبَلَ اللَّيْلُ مِنْ هَهُنَا، وَأَدْبَرَ النَّهَارُ مِنْ هَهُنَا وغربت الشمس (٨) فَقَدْ أَفْطَرَ الصَّائِمُ» (٩).

стр. 408

٥٢ - قال الشارح ﵀: هذه الأحاديث الثلاثة كلها تتعلق بالصوم. الحديث الأول: أن رجلاً قال: يا رسول اللَّه إن أمي ماتت وعليها صوم شهر أفأصوم عنها؟ وفي رواية أخرى: أن امرأة قالت: إن أمي ماتت وعليها صوم نذر أفأصوم عنها؟ فقال لهما النبي ﷺ : «أرأيت لو كان على أمك دين أكنت قاضيه؟» قال: نعم. قال: «فدين اللَّه أحق بالقضاء». وهكذا قال للمرأة: «فصومي عنها» (١). فهذا يدل على أن الرجل إذا مات، والمرأة إذا ماتت وعليها صوم نذر، أو كفارة، أو رمضان لم تصمه، وتيسر لها القضاء ولم تقضِ، فإنه يُصام عنها؛ لأن الرسول ﷺ عمَّم وأطلق، ولم يقل: هل هو نذر أم غير نذر؟ ولم يستفصل، فدل ذلك على أن من مات وعليه صيام يُصام عنه، ويدل على هذا الحديث السابق حديث عائشة: «من مات وعليه صيام صام عنه وليه» (٢)، فإنه عام يعم صوم النذر، وصوم الكفارة، وصوم رمضان, إذا تساهل ولم يقضه ومات، أما إذا مات في مرضه، أو في سفره فهو معذور، كرمضان لكن إذا أخَّر الصيام بغير عذر؛ فإنه يُقضى عنه لهذا الحديث الصحيح، وما جاء في معناه, ومن قال: إنه خاص في النذر، فقوله ضعيف، فهو

стр. 409

عام يعم النذر، ويعم الكفارة، ويعم صوم رمضان، ويدل على هذا ما تقدم قوله ﷺ : «من مات وعليه صيام صام عنه وليه»، ولو كان خاصاً لبينه النبي ﷺ ؛ فإنه أفصح الخلق، وأنصح الخلق، ﵊، وعليه البلاغ، فلو كان يخص النذر لبينّه ﵊، ويؤيد هذا ما ثبت في مسند أحمد عن ابن عباس ﵄ أن امرأة قالت: يا رسول اللَّه إن أمي ماتت وعليها صوم رمضان أفأصوم؟ عنها قال: «صومي عنها» (١). والحديث الثاني: حديث سهل بن سعد الساعدي الأنصاري ﵁ عن النبي ﷺ قال: «لا يزال الناس بخير ما عجلوا الفطر»، وفي رواية أخرى: «وأخَّروا السحور» (٢)، هذا يدل على شرعية تعجيل الإفطار، وأن الأمة لا تزال بخير مادامت تراعي هذا، وتعجل إذا غابت الشمس، فهذا السنة إذا غابت الشمس فالبدار بالفطور. وفي الحديث الآخر يقول جل وعلا: «أَحَبّ عِبَادِي إِلَيَّ، أَعْجَلُهُمْ فِطْرًا» (٣)، وهكذا السحور يؤخر في آخر الليل، فهذا هو

стр. 410

الأفضل أن يؤخر السحور في آخر الليل, كما تقدم في حديث زيد بن ثابت أنهم تسحروا مع النبي ﷺ فسأله أنس قال: كم كان بين الأذان والسحور؟ قال: «قدر خمسين آية» (١)، يعني أنه أخَّر السحور ﵊ إلى آخر الليل، والسحور سنة مؤكدة كما قال ﵊: «تسحروا، فإن في السحور بركة»، فهو سنة للصائم في آخر الليل، حتى يتقوى به على طاعة اللَّه. والأفضل له أن يؤخر السحور، ويعجل الإفطار، هذا هو السنة. والحديث الثالث: حديث عمر بن الخطاب رضي اللَّه تعالى عنه عن النبي ﷺ أنه قال: «إذَا أَقْبَلَ اللَّيْلُ مِنْ هَهُنَا، وَأَدْبَرَ النَّهَارُ مِنْ هَهُنَا، فَقَدْ أَفْطَرَ الصَّائِمُ» (٢)، وفي اللفظ الآخر: «إذا أقبل الليل من هاهنا يعني من جهة المشرق، وأدبر النهار من هاهنا أي من جهة المغرب من غروب الشمس وغربت الشمس فقد أفطر الصائم»، ولو بقي نور في الدنيا، وصفرة الدنيا، ما عليها عبرة، متى غابت الشمس وسقطت

стр. 411

الشمس أفطر الصائم، ولو بقي لها آثار الصفرة في الجبال والأشجار، مادام غاب القرص وسقط القرص؛ فإنه يفطر الصائم، أما إذا كان ما غابت، وإنما حال دونها جبل أو قصر أو كذا، فلا يفطر حتى يعلم أنها غابت، وذلك بغيبوبتها من جهة المغرب، فإذا غابت الشمس أفطر الصائم، ولو كان بقي لها آثار نور من جهة أطراف الجبال، أو أطراف الشجر صفرة, صفرة أول الليل، فهذه لا تعد, المهم غيبتها، فإذا غاب القرص وسقط القرص (١) أفطر الصائم. ٢٠١ - عن عبد اللَّه بن عمر ﵄ قال: «نَهَى رَسُولُ اللَّهِ ﷺ عَنِ الْوِصَالِ. قَالُوا: يا رسول اللَّه (٢). إنَّكَ تُوَاصِلُ؟ قَالَ: «إنِّي لَسْتُ كَهَيْئَتِكُمْ (٣)، إنِّي أُطْعَمَ وَأُسْقَى» (٤). ورواه (٥) أبو هريرة، وعائشة، وأنس بن مالك، ﵃. ٢٠٢ - ولمسلم: عن أبي سعيد الخدري ﵁ «فَأَيُّكُمْ أَرَادَ أَنْ يُوَاصِلَ، فَلْيُوَاصِلْ إلَى السَّحَرِ» (٦).

стр. 412

٣٤ - باب أفضل الصيام وغيره ٢٠٣ - عن عبد اللَّه بن عمرو بن العاص ﵄ قال: «أُخْبِرَ النبي ﷺ (١) أَنِّي أَقُولُ: وَاَللَّهِ لأَصُومَنَّ النَّهَارَ وَلأَقُومَنَّ اللَّيْلَ مَا عِشْتُ، فَقَالَ النبي ﷺ : «أَنْتَ الَّذِي قُلْتَ ذَلِكَ؟» (٢) فَقُلْتُ لَهُ: قَدْ قُلْتُهُ، بِأَبِي أَنْتَ وَأُمِّي يا رسول اللَّه (٣)، قَالَ: «فَإِنَّكَ لا تَسْتَطِيعُ ذَلِكَ، فَصُمْ وَأَفْطِرْ، وَقُمْ وَنَمْ، وَصُمْ مِنَ الشَّهْرِ ثَلاثَةَ أَيَّامٍ، فَإِنَّ الْحَسَنَةَ بِعَشْرِ أَمْثَالِهَا، وَذَلِكَ مِثْلُ صِيَامِ الدَّهْر» قُلْتُ (٤): إِنِّي لأُطِيقُ (٥) أَفْضَلَ مِنْ ذَلِكَ، قَالَ: «فَصُمْ يَوْماً وَأَفْطِرْ يَوْمين» قُلْتُ: إِنِّي لأُطِيقُ (٦) أَفْضَلَ مِنْ ذَلِكَ، قَالَ: «فَصُمْ يَوْماً وَأَفْطِرْ يَوْماً، فَذَلِكَ صِيَامِ دَاوُد ﵇، وَهُوَ أَفْضَلُ الصِّيَامِ» قُلْتُ (٧): إنِّي لأُطِيقُ (٨) أَفْضَلَ مِنْ ذَلِكَ. فقَالَ: «لا أَفْضَلَ مِنْ ذَلِكَ» (٩).

стр. 413

وفي رواية: قال: «لا صَوْمَ فَوْقَ صَوْمِ أَخِي (١) دَاوُد ﵇ ــ شَطْرَ الدَّهْرِ ــ صُمْ يَوْماً وَأَفْطِرْ يَوْماً» (٢). ٢٠٤ - عن (٣) عبد اللَّه بن عمرو بن العاص ﵄ قال: قال رسول اللَّه ﷺ : «إنَّ أَحَبَّ الصِّيَامِ إلَى اللَّهِ، صِيَامُ دَاوُد ﵇، وَأَحَبَّ الصَّلاةِ إلَى اللَّهِ صَلاةُ دَاوُد ﵇، كَانَ يَنَامُ نِصْفَ اللَّيْلِ، وَيَقُومُ ثُلُثَهُ، وَيَنَامُ سُدُسَهُ، وَكَانَ يَصُومُ يَوْماً، وَيُفْطِرُ يَوْماً» (٤). ٥٣ - قال الشارح ﵀: [هذه الأحاديث الأربعة تتعلق بالصيام] (٥). الحديث الأول أنه ﵊ نهى عن الوصال، والوصال،

стр. 414

معناه أن يَصِل يومين أو أكثر مع لياليهما بدون أكل ولا شرب ولا مفطّر، هذا الوصال الذي يصل النهار والليل جميعاً، ولا يأكل شيئاً لا في الليل، ولا في النهار، ولا يشرب، ولا يتعاطى شيئاً من المفطرات، هذا يسمى الوصال؛ لأنه وصل يوماً بيوم، وجعل الليل كالنهار لا يأكل فيه، الرسول ﷺ نهاهم عن الوصال لما فيه من المشقة والتعب، واللَّه شرع للأمة ما فيه الإحسان إليها، والرحمة لها، والرفق بها، فضلاً من اللَّه وإحساناً، كما قال : ﴿يُرِيدُ اللَّهُ بِكُمُ الْيُسْرَ﴾ (١)، فاللَّه يسّر، ونهى عن الوصال؛ لما فيه من المشقة، فقالوا: يا رسول اللَّه إنك تواصل! أي إنك تفعل هذا؟ قال: «لَسْتُ مِثْلَكُمْ»، وفي اللفظ الآخر: «لَسْتُ كَهَيْئَتِكُمْ إِنِّي أُطْعَمُ وَأُسْقَى»، وفي اللفظ الآخر: «لي مُطْعِمٌ يُطْعِمُنِي وَسَاقٍ يَسْقِينِ» (٢)، وفي اللفظ الآخر: «إِنِّي أَظَلُّ عِنْدَ رَبِّي يُطْعِمُنِي وَيَسْقِينِي» (٣)، هكذا جاء الحديث عن ابن عمر، وأبي هريرة، وعائشة، وأنس، وغيرهم ﵃ في النهي عن الوصال، وفي رواية أبي سعيد عند مسلم: «فَأَيُّكُمْ إِذَا أَرَادَ أَنْ يُوَاصِلَ فَلْيُوَاصِلْ إلى

стр. 415

السَّحَرِ» (١)؛ فإذا كان لا بد من الوصال فليكن إلى السحر يعني يصوم النهار مع غالب الليل ثم يجعل سحوره عشاءه من السحور إلى السحور لا بأس بهذا ولكن كونه يفطر في أول الليل أفضل لقوله ﷺ «لا يَزَالُ النَّاسُ بِخَيْرٍ مَا عَجَّلُوا الْفِطْرَ» (٢)؛ ولقول اللَّه سبحانه: «أَحَبّ عِبَادِي إِلَيَّ، أَعْجَلُهُمْ فِطْرًا» (٣). فالسنة للصائم أن يبادر بالإفطار إذا غابت الشمس، لكن لو واصل إلى السحر، وترك الأكل والشرب إلى السحر، فلا حرج؛ لحديث أبي سعيد هذا، وما جاء في معناه، أما أنه يواصل الليل مع النهار، فهذا مكروه لا ينبغي، وليس بحرام، لكنه مكروه؛ ولهذا في حديث أبي هريرة: فواصل بهم يوماً ثم يوماً، ثم رأوا الهلال، فقال: «لَوْ تَأَخَّرَ الْهِلَالُ لَزِدْتُكُمْ ...» (٤) كالمنكِّل لهم حين أبوا أن ينتهوا، هذا يدل على أن الوصال صحيح جائز، لكن مكروه منهي عنه، وليس بحرام؛ لأنه واصل بهم، فلو كان حراماً ما واصل بهم،

стр. 416

ولا أوقعهم في الإثم، لكن يدل على أنه مكروه رفقاً بهم، ورحمةً لهم، فلا ينبغي لهم أن يواصلوا، ويكره لهم أن يواصلوا لهذا الحديث الصحيح، الذي فيه النهي عن ذلك، والزجر عن ذلك، رحمةً للعباد، وإحساناً إليهم، ورفقاً بهم، وتيسيراً عليهم من اللَّه . وفي حديث عبداللَّه بن عمرو بن العاص ﵄: أنَّه بلَغَ النبي ﷺ أَنّه يقُولُ: «لأَصُومَنَّ النَّهَارَ وَلأَقُومَنَّ اللَّيْلَ مَا عِشْتُ، فَقَالَ له النبي ﷺ : «أَنْتَ قُلْتَ ذَلِكَ؟» قَالَ: نَعَمْ، بِأَبِي أَنْتَ وَأُمِّي، معنى بِأَبِي أَنْتَ وَأُمِّي: يعني أفديك بِأَبِي أَنْتَ وَأُمِّي، فقَالَ: «إِنَّكَ لا تُطِيقُ ذَلِكَ»، الإنسان يتعب من هذا، كونه يصوم يوماً ويفطر يوماً دائماً، هذا فيه مشقة؛ ولهذا قال: «إِنَّكَ لا تُطِيقُ ذَلِكَ، فَصُمْ وَأَفْطِرْ، وَنَمْ وَقُمْ، وَصُمْ مِنَ الشَّهْرِ ثَلاثَةَ أَيَّامٍ، فَإِنَّ الْحَسَنَةَ بِعَشْرِ أَمْثَالِهَا»، يعني يكفيك هذا، تصوم يوماً، وتفطر يوماً [...] (١) حسب التيسير، وتصوم من الشهر ثلاثة أيام، فالحسنة بعشر أمثالها، ثلاثة أيام بثلاثين، كأنه صام الدهر، قال: إني أطيق أفضل من ذلك، قال: «صُمْ يَوْماً وَأَفْطِرْ يَوْمين»، قال: إِنِّي أُطِيقُ أَفْضَلَ مِنْ ذَلِكَ، قال: «فَصُمْ يَوْماً وَأَفْطِرْ يَوْماً، قال: إني أطيق أفضل من ذلك، قال: «لا أَفْضَلَ مِنْ ذَلِكَ» (٢)، يعني: هَذَا هُوَ أَفْضَلُ الصِّيَامِ، صَوْمُ دَاوُد ﵇، كان يصُومُ يَوْماً، وَيَفْطِرُ يَوْماً.

стр. 417

وفي اللفظ الآخر: «إِنَّ أَحَبَّ الصِّيَامِ، صِيَامُ دَاوُدَ، وَإنَّ أَحَبَّ الصَّلَاةِ إِلَى اللَّهِ، صَلَاةُ دَاوُدَ»، أي أن النبي داود ﵊ كَانَ يَصُومُ يَوْمًا، وَيُفْطِرُ يَوْمًا، وَكَانَ يَنَامُ نِصْفَ اللَّيْلِ، وَيَقُومُ ثُلُثَهُ، وَيَنَامُ سُدُسَهُ (١)، هذه صلاة داود ينام النصف الأول، ويقوم السدس الرابع والخامس، وينام السدس الأخير، يتقوى به على عمل النهار، وهذا هو أفضل الصلاة صلاة جوف الليل مع نصف الثلث الأخير، وأحب الصيام إلى اللَّه صيام داود؛ لأنه يصوم يوماً ويفطر يوماً، هذا أفضل الصيام وأعدله، وإن صام الإثنين والخميس، أو ثلاثة أيام من كل شهر كفى، ولم يكلِّف نفسه أن يصوم يوماً، ويفطر يوماً، كما قاله النبي ﵊، قال عَبْدُ اللَّهِ لَمَّا كَبِرَت سِنّه: «يَا لَيْتَنِي قَبِلْتُ رُخْصَةَ رسول اللَّهِ ﷺ » (٢)، لما كبر عبد اللَّه، وضعفت قوته تأسَّف، وقال: ياليتني قبلت رخصة رسول اللَّه ﵊، ولم يحبَّ أن يدَعَ السُّنّة التي فارق النبي عليها ﵊، فكان يصوم أياماً

стр. 418

متعددة، ثم يفطر مثلها، يتقوَّى بذلك, وبهذا يُعلم أن الوصال كما تقدم مكروه، لا ينبغي، لكن إذا أراد أن يواصل إلى السَّحَر، فلا بأس، ويُعلم أن أفضل الصيام صيام داود، يصوم يوماً ويفطر يوماً، وإذا اكتفى بصوم يومي الإثنين والخميس، أو ثلاثة أيام من كل شهر فحسن؛ لأنه قد يشق عليه صيام يوم، وفطر يوم، لكن من قوي على هذا فهو أفضل الصيام، فيصوم يوماً، ويفطر يوماً، ويبين الحديث أن صلاة التهجد في الليل أفضله أن ينام نصف الليل الأول، ويقوم الثلث يعني: السدس الرابع والخامس، ويستريح السدس الأخير، يتقوى به على العمل، وإن صلى في الثلث الأخير، ونام في الثلثين الأولين بعد صلاة العشاء، كله طَيّب، كله حَسَن، فإن شقَّ عليه القيام في آخر الليل، فالأفضل أن يوتر في أول الليل قبل أن ينام بعد صلاة العشاء، يوتر ثم ينام، حتى لا يفوته قيام الليل، لقوله ﷺ : «مَنْ خَافَ أَنْ لَا يَقُومَ مِنْ آخِرِ اللَّيْلِ، فَلْيُوتِرْ أَوَّلَهُ، وَمَنْ طَمِعَ أَنْ يَقُومَ آخِرَهُ فَلْيُوتِرْ آخِرَ اللَّيْلِ، فَإِنَّ صَلَاةَ آخِرِ اللَّيْلِ مَشْهُودَةٌ، وَذَلِكَ أَفْضَلُ» (١)، آخر الليل أفضل لمن قوي على ذلك، ومن عجز وخاف ألا يقوم، أوتر أوّل الليل. ٢٠٥ - عن أبي هريرة ﵁ قال: «أَوْصَانِي خَلِيلِي رسول اللَّه ﷺ (٢)

стр. 419

بِثَلاثٍ: صِيَامِ ثَلاثَةِ أَيَّامٍ مِنْ كُلِّ شَهْرٍ، وَرَكْعَتَيِ الضُّحَى، وَأَنْ أُوتِرَ قَبْلَ أَنْ أَنَامَ» (١). ٢٠٦ - عن محمد بن عَبَّادِ بن جعفر قال: «سَأَلْتُ جَابِرَ بْنَ عَبْدِ اللَّهِ أَنَهَى النَّبِيُّ ﷺ عَنْ صَوْمِ يَوْمِ الْجُمُعَةِ؟ قَالَ: نَعَمْ» (٢). وزاد مسلم: «وَرَبِّ الْكَعْبَةِ» (٣). ٢٠٧ - عن أبي هريرة ﵁ قال: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ (٤) يَقُولُ: «لا يَصُومَنَّ أَحَدُكُمْ يَوْمَ الْجُمُعَةِ، إلَاّ أَنْ يَصُومَ يَوْماً قَبْلَهُ أَوْ بَعْدَهُ (٥)» (٦).

стр. 420

٥٤ - قال الشارح ﵀: هذه الأحاديث الثلاثة تتعلق بأنواعٍ من العبادة، الحديث الأول فيه: الدلالة على شرعية صيام ثلاثة أيام من كل شهر، وسُنة الضحى، والإيتار قبل النوم، وقد أوصى النبي ﷺ بذلك أبا هريرة، وأوصى بذلك أبا الدرداء أيضاً (١)، وعبداللَّه بن عمرو بن العاص أوصاه بأن يصوم ثلاثة أيام من كل شهر، وقال له: «الحسنة بعشر أمثالها، وذلك مثل صيام الدهر» (٢)، وأوصى بذلك أبا ذر أيضاً (٣)، وهذا يدل على شرعية صيام ثلاثة أيام من كل شهر، سواء في العشر

стр. 421

الأول، أو في العشر الوسط، أو في الأخيرة، وسواء كانت متتابعة، أو مفرقة، كل ذلك حسن، والحسنة بعشر أمثالها، فالمعنى أن كل يوم بعشرة، فكأنه صام الدهر كله، وهذا من فضل اللَّه . وإن صام أيام البيض الثالث عشر، والرابع عشر، والخامس عشر، فهذا هو الأفضل كما في حديث أبي ذر (١) , كذلك سنة الضحى، صلاة الضحى سنة، أوصى بها النبي ﷺ أبا الدرداء، وأبا هريرة، وأوصى بها آخرين، وقال ﵊: «يُصْبِحُ عَلَى كُلِّ سُلَامَى من الناس صدقة ــ يعني على كل مفصل من الناس صدقة ــ فَبِكُلِّ تَهلِيلَةٍ صَدَقَةٌ، وَبِكُلِّ تَسْبِيحَةٍ صَدَقَةٌ، والتَّحْمِيدُ صَدَقَةٌ، وَالتَّكْبِيرُ صَدَقَةٌ وَأَمْرٌ بِالْمَعْرُوفِ صَدَقَةٌ، وَنَهْيٌ عَنِ الْمُنْكَرِ صَدَقَةٌ، قال: وَيَكْفِي مِنْ ذَلِكَ رَكْعَتَانِ تَرْكَعُهُمَا مِنَ الضُّحَى» (٢)، فإذا ركعت من الضحى

стр. 422

قامت مقام هذه الأعمال التي تُؤدِّي عن مفاصله، فسنة الضحى عبادة مؤكدة، وأقلها ركعتان بعد ارتفاع الشمس إلى وقوف الشمس، كله صلاة ضحى ما بين ارتفاعها قيد رُمح إلى وقوفها في كبد السماء، وأفضل ذلك عند شدة الحر، إذا اشتد الضحى قبل الظهر بساعة، أو ساعة ونصف، أو ساعتين، فهذا أفضل، وهي صلاة الأوَّابين (١) حين شدة الضحى، وإذا صلى أربعاً، أو ستاً، أو ثمانياً، أو أكثر؟ فكله حسن، وقد صلى النبي ﷺ يوم الفتح ثماني ركعات في الضحى، ﵊، وروي عن عائشة أنه صلى عندها ثمان ركعات صلاة الضحى (٢) , فهي سنة مؤكدة من قول النبي ﷺ ، ومن فعله، وهكذا الوتر قبل النوم، الوتر سنة مؤكدة، ما بين صلاة العشاء

стр. 423

إلى طلوع الفجر، وأفضل ذلك في آخر الليل، هذا هو الأفضل، وإن خاف أن لا يقوم من آخر الليل أوتر في أوله، ولعل السر في وصية النبي ﷺ لأبي ذر، ولأبي هريرة، وأبي الدرداء في الوتر في أول الليل، لأنهم كانوا لا يستطيعون فعل ذلك في آخر الليل؛ إما لدرس الحديث، أو لأسباب أخرى، فلهذا أوصاهما بالوتر في أول الليل، أما من قدر واستطاع أن يصلي في آخر الليل، فهو أفضل، كما ثبت في الحديث الصحيح عن رسول اللَّه ﵊ أنه قال: «مَنْ خَافَ أَنْ لَا يَقُومَ في آخِرِ اللَّيْلِ، فَلْيُوتِرْ أَوَّلَهُ، وَمَنْ طَمِعَ أَنْ يَقُومَ في آخِرِ الليل، فَلْيُوتِرْ آخِرَ اللَّيْلِ، فَإِنَّ صَلَاةَ آخِرِ اللَّيْلِ مَشْهُودَةٌ، وَذَلِكَ أَفْضَلُ» رواه مسلم في الصحيح (١). ولقوله ﷺ : «يَنْزِلُ رَبُّنَا إِلَى السَّمَاءِ الدُّنْيَا كُلَّ لَيْلَةٍ حِينَ يَبْقَى ثُلُثُ اللَّيْلِ الآخِرُ، وينادي: هَلْ مِنْ سَائِلٍ فيُعْطَى سُؤْلَهُ؟ هَلْ مِنْ دَاعٍ فيُسْتَجَابُ له؟ هَلْ مِنْ مُسْتَغْفِرٍ يُغْفَرُ لَهُ؟ حَتَّى يَطْلُعَ الفَجْرُ» (٢)، هذا

стр. 424

وقت عظيم إذا تيسّر فيه: القيام، والقراءة، والدعاء، والصلاة. أما الحديث الثاني والثالث، فهما يدلان على أنه لا يجوز إفراد الجمعة بالتطوّع؛ لأن رسول اللَّه ﷺ نهى عن إفرادها بالتطوع. أما إذا صام قبلها يوماً أو بعدها يوماً فلا بأس، إذا صام الخميس مع الجمعة، أو الجمعة مع السبت فلا بأس، أما إفرادها، فقد نهى النبي عن ذلك ﵊، فهي عيد الأسبوع فلا تُفرد، ولمَّا رأى بعض أزواجه صامت يوم الجمعة، وهي جويرية بنت الحارث، قال لها: «أصُمتِ أمس؟» قالت: لا, قال: «أتريدين أن تصومي غداً؟» قالت: لا. قال: «أفطري» (١)، فدل ذلك على أن يوم الجمعة لا يُصام وحده، ولا يُتطوع به وحده، ولكن يُصام قبله يوم، أو بعده يوم، كما أمر النبي ﵊ بذلك، ونهى عن إفراده. ٢٠٨ - عن أبي عبيد مولى ابن أزهر ــ واسمه سعد بن عبيد ــ قال:

стр. 425

«شَهِدْت الْعِيدَ مَعَ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ ﵁، فَقَالَ: هَذَانِ يَوْمَانِ نَهَى رَسُولُ اللَّهِ ﷺ عَنْ صِيَامِهِمَا: يَوْمُ فِطْرِكُمْ مِنْ صِيَامِكُمْ، وَالْيَوْمُ الآخَرُ: تَاكُلُونَ (١) مِنْ نُسُكِكُمْ» (٢). ٢٠٩ - عن أبي سعيد الخدري ﵁ قال: «نَهَى رَسُولُ اللَّهِ ﷺ عَنْ صَوْمِ يَوْمَيْنِ: النَّحْرِ، وَالْفِطْرِ (٣)، وَعَنِ اشتمال (٤) الصَّمَّاءِ، وَأَنْ يَحْتَبِيَ الرَّجُلُ فِي ثَوْبٍ وَاحِدٍ، وَعَنِ الصَّلاةِ بَعْدَ الصُّبْحِ وَالْعَصْرِ». أخرجه مسلم بتمامه، وأخرج البخاري الصوم فقط (٥). ٢١٠ - عن أبي سعيد الخدري ﵁ قال: قال رسول اللَّه ﷺ : «مَنْ صَامَ يَوْماً فِي سَبِيلِ اللَّهِ بَعَّدَ اللَّهُ وَجْهَهُ عَنِ النَّارِ سَبْعِينَ خَرِيفاً» (٦).
следующие страницы →