← Шархи хадиса

Шархи хадиса · id 13282

الإفهام في شرح عمدة الأحكام

ابن باز

Полный текст (893 стр.). Показаны 421–460 · переход к 426.

стр. 421

الأول، أو في العشر الوسط، أو في الأخيرة، وسواء كانت متتابعة، أو مفرقة، كل ذلك حسن، والحسنة بعشر أمثالها، فالمعنى أن كل يوم بعشرة، فكأنه صام الدهر كله، وهذا من فضل اللَّه . وإن صام أيام البيض الثالث عشر، والرابع عشر، والخامس عشر، فهذا هو الأفضل كما في حديث أبي ذر (١) , كذلك سنة الضحى، صلاة الضحى سنة، أوصى بها النبي ﷺ أبا الدرداء، وأبا هريرة، وأوصى بها آخرين، وقال ﵊: «يُصْبِحُ عَلَى كُلِّ سُلَامَى من الناس صدقة ــ يعني على كل مفصل من الناس صدقة ــ فَبِكُلِّ تَهلِيلَةٍ صَدَقَةٌ، وَبِكُلِّ تَسْبِيحَةٍ صَدَقَةٌ، والتَّحْمِيدُ صَدَقَةٌ، وَالتَّكْبِيرُ صَدَقَةٌ وَأَمْرٌ بِالْمَعْرُوفِ صَدَقَةٌ، وَنَهْيٌ عَنِ الْمُنْكَرِ صَدَقَةٌ، قال: وَيَكْفِي مِنْ ذَلِكَ رَكْعَتَانِ تَرْكَعُهُمَا مِنَ الضُّحَى» (٢)، فإذا ركعت من الضحى

стр. 422

قامت مقام هذه الأعمال التي تُؤدِّي عن مفاصله، فسنة الضحى عبادة مؤكدة، وأقلها ركعتان بعد ارتفاع الشمس إلى وقوف الشمس، كله صلاة ضحى ما بين ارتفاعها قيد رُمح إلى وقوفها في كبد السماء، وأفضل ذلك عند شدة الحر، إذا اشتد الضحى قبل الظهر بساعة، أو ساعة ونصف، أو ساعتين، فهذا أفضل، وهي صلاة الأوَّابين (١) حين شدة الضحى، وإذا صلى أربعاً، أو ستاً، أو ثمانياً، أو أكثر؟ فكله حسن، وقد صلى النبي ﷺ يوم الفتح ثماني ركعات في الضحى، ﵊، وروي عن عائشة أنه صلى عندها ثمان ركعات صلاة الضحى (٢) , فهي سنة مؤكدة من قول النبي ﷺ ، ومن فعله، وهكذا الوتر قبل النوم، الوتر سنة مؤكدة، ما بين صلاة العشاء

стр. 423

إلى طلوع الفجر، وأفضل ذلك في آخر الليل، هذا هو الأفضل، وإن خاف أن لا يقوم من آخر الليل أوتر في أوله، ولعل السر في وصية النبي ﷺ لأبي ذر، ولأبي هريرة، وأبي الدرداء في الوتر في أول الليل، لأنهم كانوا لا يستطيعون فعل ذلك في آخر الليل؛ إما لدرس الحديث، أو لأسباب أخرى، فلهذا أوصاهما بالوتر في أول الليل، أما من قدر واستطاع أن يصلي في آخر الليل، فهو أفضل، كما ثبت في الحديث الصحيح عن رسول اللَّه ﵊ أنه قال: «مَنْ خَافَ أَنْ لَا يَقُومَ في آخِرِ اللَّيْلِ، فَلْيُوتِرْ أَوَّلَهُ، وَمَنْ طَمِعَ أَنْ يَقُومَ في آخِرِ الليل، فَلْيُوتِرْ آخِرَ اللَّيْلِ، فَإِنَّ صَلَاةَ آخِرِ اللَّيْلِ مَشْهُودَةٌ، وَذَلِكَ أَفْضَلُ» رواه مسلم في الصحيح (١). ولقوله ﷺ : «يَنْزِلُ رَبُّنَا إِلَى السَّمَاءِ الدُّنْيَا كُلَّ لَيْلَةٍ حِينَ يَبْقَى ثُلُثُ اللَّيْلِ الآخِرُ، وينادي: هَلْ مِنْ سَائِلٍ فيُعْطَى سُؤْلَهُ؟ هَلْ مِنْ دَاعٍ فيُسْتَجَابُ له؟ هَلْ مِنْ مُسْتَغْفِرٍ يُغْفَرُ لَهُ؟ حَتَّى يَطْلُعَ الفَجْرُ» (٢)، هذا

стр. 424

وقت عظيم إذا تيسّر فيه: القيام، والقراءة، والدعاء، والصلاة. أما الحديث الثاني والثالث، فهما يدلان على أنه لا يجوز إفراد الجمعة بالتطوّع؛ لأن رسول اللَّه ﷺ نهى عن إفرادها بالتطوع. أما إذا صام قبلها يوماً أو بعدها يوماً فلا بأس، إذا صام الخميس مع الجمعة، أو الجمعة مع السبت فلا بأس، أما إفرادها، فقد نهى النبي عن ذلك ﵊، فهي عيد الأسبوع فلا تُفرد، ولمَّا رأى بعض أزواجه صامت يوم الجمعة، وهي جويرية بنت الحارث، قال لها: «أصُمتِ أمس؟» قالت: لا, قال: «أتريدين أن تصومي غداً؟» قالت: لا. قال: «أفطري» (١)، فدل ذلك على أن يوم الجمعة لا يُصام وحده، ولا يُتطوع به وحده، ولكن يُصام قبله يوم، أو بعده يوم، كما أمر النبي ﵊ بذلك، ونهى عن إفراده. ٢٠٨ - عن أبي عبيد مولى ابن أزهر ــ واسمه سعد بن عبيد ــ قال:

стр. 425

«شَهِدْت الْعِيدَ مَعَ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ ﵁، فَقَالَ: هَذَانِ يَوْمَانِ نَهَى رَسُولُ اللَّهِ ﷺ عَنْ صِيَامِهِمَا: يَوْمُ فِطْرِكُمْ مِنْ صِيَامِكُمْ، وَالْيَوْمُ الآخَرُ: تَاكُلُونَ (١) مِنْ نُسُكِكُمْ» (٢). ٢٠٩ - عن أبي سعيد الخدري ﵁ قال: «نَهَى رَسُولُ اللَّهِ ﷺ عَنْ صَوْمِ يَوْمَيْنِ: النَّحْرِ، وَالْفِطْرِ (٣)، وَعَنِ اشتمال (٤) الصَّمَّاءِ، وَأَنْ يَحْتَبِيَ الرَّجُلُ فِي ثَوْبٍ وَاحِدٍ، وَعَنِ الصَّلاةِ بَعْدَ الصُّبْحِ وَالْعَصْرِ». أخرجه مسلم بتمامه، وأخرج البخاري الصوم فقط (٥). ٢١٠ - عن أبي سعيد الخدري ﵁ قال: قال رسول اللَّه ﷺ : «مَنْ صَامَ يَوْماً فِي سَبِيلِ اللَّهِ بَعَّدَ اللَّهُ وَجْهَهُ عَنِ النَّارِ سَبْعِينَ خَرِيفاً» (٦).

стр. 426

٥٥ - قال الشارح ﵀: هذه الأحاديث الثلاثة تتعلق بمسائل في الصوم، وفي مسائل أخرى. الحديث الأول النهي عن صوم يومي عيد الفطر والنحر؛ لأن اللَّه نهى عن صيامهما، وهكذا في حديث أبي سعيد النهي عن صيامهما أيضاً، وهما لا يُصامان: يوم عيد الفطر ويوم عيد النحر، ومن صامهما فصومه باطل، وعليه التوبة إلى اللَّه من ذلك لأنها معصية، وهكذا أيام النحر أيام التشريق: الحادي عشر، والثاني عشر، والثالث عشر من ذي الحجة، يقال لها: أيام التشريق، ويقال لها: أيام النحر، فهذه لا تُصام أيضاً؛ لأنها أيام عيد، فهي خمسة أيام من السنة: يوم عيد الفطر، ويوم عيد النحر، وأيام التشريق الثلاثة، فالجميع خمسة، هذه لا تُصام، يجب على المسلم إفطارها، إلا من عجز عن الهدي: هدي التمتع والقران، هذا له أن يصوم أيام التشريق لصفة خاصة مستثناة، وكما في حديث عائشة، وابن عمر ﵄ قالا: «لَا يُرَخَّص فِي أَيَّامِ التَّشْرِيقِ أَنْ يُصَامَا، إِلَّا لِمَنْ لَمْ يَجِدِ الْهَدْيَ» (١)، أي هدي التمتع، ومن سواه، لا يصوم أيام التشريق, أما

стр. 427

يوم العيد: عيد النحر، وعيد الفطر، فهذان لا يُصامان لجميع الناس، لا لصاحب الهدي، ولا غيره. وفي حديث أبي سعيد النهي عن اشتمال الصماء، واشتمال الصماء كونه يتلفَّف في ثوب واحد، يُخشى أنه إذا تحرك أو أراد أخذ حاجة ظهرت عورته، وسميت صماء؛ لأنها لا منفذ لها يتلفْلَف فيها تلفلفاً غير مضبوط، بخلاف إذا كان متزر ثوب يربطه عليه، أو يجعل أطرافه على عاتقيه، كل هذا لا بأس به، أما إذا اشتملها، لفّ الثوب عليه من غير ضبط له، ولا عناية، فإن هذا قد تبدو منه العورة، فلا يجوز التلفلف في الثوب على وجه يخشى منه ظهور العورة وفُسِّرت أيضاً بجعل الثوب على أحد عاتقيه، ويسدله على جانبين من غير ضبطٍ للعورة، ولا ستر للعورة؛ لأن الواجب ستر العورة، «وأن يحتبي الرجل في ثوب واحد»، احتباءه كونه ينصب فخذيه وساقيه، ويربط الثوب على ساقيه، وعلى أسفل ظهره، يقال له احتباء؛ لأنه يبدي العورة إلى جهة السماء إذا صارت العورة غير مستورة، قد يقف عليه من ينظر عليه، أو يقف يكلمه فيرى عورته، فلا بد أن يكون عليه ثوب آخر، يعني عليه إزار أو سراويل، حتى إذا احتبى تكون العورة مستورة، أما أن يحتبي ويربط الثوب على أسفل ظهره، وعلى رجليه، وتبقى عورته بارزة إلى جهة السماء غير مستورة هذا لا يجوز. الوصية الرابعة: «نهى ﷺ عن الصلاة بعد الصبح وبعد العصر،

стр. 428

نهى عن الصلاة بعد الصبح حتى تطلع الشمس، وبعد العصر حتى تغيب الشمس»، هذان وقتان نُهِيَ عن الصلاة فيهما، إذا صلى الناس الفجر نُهي عن الصلاة حتى تطلع الشمس قيد رمح، وهكذا بعد طلوع الفجر، لا يصلي إلا ركعتي الفجر؛ سنة الفجر ثم الفريضة يصليها، لكن يستثنى من ذلك: لو أتى المسجد صلى تحية المسجد، لو دخل بعد الصبح، أو بعد العصر يصلي تحية المسجد، وصلاة الجنازة يُصلَّى عليها بعد الفجر، وبعد العصر في الوقتين الطويلين، وصلاة الكسوف، وصلاة الطواف، هذه مستثناة؛ لأنها من ذوات الأسباب، لو طاف بمكة بعد العصر، أو بعد الصبح جاز له أن يصلي ركعتي الطواف، لقوله ﷺ : «لا تمنعوا أحداً طاف بالبيت، وصلى أي ساعة شاء من الليل أو النهار» (١). والحديث الثالث حديث أبي سعيد عن النبي ﷺ قال: «من صام يوماً في سبيل اللَّه بعّد اللَّه عن وجهه النار سبعين خريفاً»، هذا معناه واللَّه أعلم في سبيل اللَّه: يعني في طاعة اللَّه، أي من صام يوماً يبتغي وجه اللَّه والدار الآخرة، فله هذا الأجر العظيم، وهو من أسباب بعده

стр. 429

من النار، والسلامة من دخول النار، والصيام من أفضل الأعمال، ومن أفضل القرب، وهو جُنّة للعبد من النار إذا صامه ابتغاء وجه اللَّه، لا رياءً ولا سمعة، ولا لمقصود آخر، بل ابتغاء وجه اللَّه، فله هذا الأجر العظيم، قال بعضهم: معناه في سبيل اللَّه، أي في الجهاد، ولكن ليس بظاهر؛ لأن الجهاد مأمور فيه بالإفطار, المجاهد مأمور بالإفطار، لأنه أقوى له على الجهاد: جهاد الأعداء, إذا أفطر يكون أقوى له على جهاده، لكن المراد - واللَّه أعلم - أن الإنسان إذا صام يوماً في سبيل اللَّه، أي في طاعة اللَّه، وابتغاء مرضاته، لا رياءً، ولا سمعة، ولا لمقاصد أخرى، بل صامه ابتغاء وجه اللَّه، فهذا من أسباب دخول الجنة، وصوم التطوع فيه خير كثير، وفضل كبير, أما الواجب، فرمضان فقط، والكفارات كذلك فريضة، لكن إذا صام يوماً في سبيل اللَّه في طاعة اللَّه نفلاً، فله أجرٌ عظيم، وهو من أسباب السلامة من النار. ٣٥ - باب ليلة القَدر ٢١١ - عن عبد اللَّه بن عمر ﵄، «أَنَّ رِجَالاً مِنْ أَصْحَابِ النَّبِيِّ ﷺ أُرُوا لَيْلَةَ الْقَدْرِ فِي الْمَنَامِ، فِي السَّبْعِ الأَوَاخِرِ، فَقَالَ رسول اللَّه ﷺ : «أَرَى رُؤْيَاكُمْ قَدْ تَوَاطَأَتْ فِي السَّبْعِ الأَوَاخِرِ، فَمَنْ كَانَ مِنْكُم (١) مُتَحَرِّيهَا فَلْيَتَحَرَّهَا فِي السَّبْعِ الأَوَاخِرِ» (٢).

стр. 430

٢١٢ - عن عائشة ﵂: أن رسول اللَّه ﷺ قال: «تَحَرَّوْا لَيْلَةَ الْقَدْرِ فِي الْوِتْرِ مِنَ الْعَشْرِ الأَوَاخِرِ» (١). ٢١٣ - عن أبي سعيد الخدري ﵁، «أنَّ رسول اللَّه ﷺ ، كَانَ يَعْتَكِفُ فِي الْعَشْرِ الأَوْسَطِ مِنْ رَمَضَانَ، فَاعْتَكَفَ عَاماً، حَتَّى إذَا كَانَتْ لَيْلَةُ إحْدَى وَعِشْرِينَ ــ وَهِيَ اللَّيْلَةُ الَّتِي يَخْرُجُ مِنْ صَبِيحَتِهَا مِنِ اعْتِكَافِهِ ــ قَالَ: «مَنِ اعْتَكَفَ مَعِي فَلْيَعْتَكِفِ في (٢) الْعَشْرِ الأَوَاخِرِ، فَقَدْ أُرِيتُ هَذِهِ اللَّيْلَةَ، ثُمَّ أُنْسِيتُهَا، وَقَدْ رَأَيْتُنِي أَسْجُدُ فِي مَاءٍ وَطِينٍ مِنْ صَبِيحَتِهَا، فَالْتَمِسُوهَا فِي الْعَشْرِ الأَوَاخِرِ، وَالْتَمِسُوهَا فِي كُلِّ وِتْرٍ»، قال (٣): فَمَطَرَتِ السَّمَاءُ تِلْكَ اللَّيْلَة. وَكَانَ الْمَسْجِدُ عَلَى عَرِيشٍ، فَوَكَفَ الْمَسْجِدُ. فَأَبْصَرَتْ عَيْنَايَ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ عَلَى (٤) جَبْهَتِهِ أَثَرُ الْمَاءِ وَالطِّينِ مِنْ صُبْحِ إحْدَى وَعِشْرِينَ» (٥).

стр. 431

٥٦ - قال الشارح ﵀: هذه الأحاديث الثلاثة كلها تدل على إثبات حصول ليلة القدر في العشر الأواخر من رمضان، وقد دل القرآن على أن ليلة القدر حق، وأنها واقعة، وأن اللَّه أنزل فيها القرآن الكريم كما قال : ﴿إِنَّا أَنْزَلْنَاهُ فِي لَيْلَةِ الْقَدْرِ * وَمَا أَدْرَاكَ مَا لَيْلَةُ الْقَدْرِ * لَيْلَةُ الْقَدْرِ خَيْرٌ مِنْ أَلْفِ شَهْرٍ * تَنَزَّلُ الْمَلَائِكَةُ وَالرُّوحُ فِيهَا بِإِذْنِ رَبِّهِمْ مِنْ كُلِّ أَمْرٍ * سَلَامٌ هِيَ حَتَّى مَطْلَعِ الْفَجْرِ﴾ (١). هذه ليلة عظيمة، أنزل اللَّه فيها القرآن في شهر عظيم، وهو رمضان، كما قال تعالى: ﴿شَهْرُ رَمَضَانَ الَّذِي أُنْزِلَ فِيهِ الْقُرْآنُ﴾ (٢) , دلّ على أنها في رمضان. هذا الكتاب اجتمعت له أنواع الشرف، فهو أعظم كتاب، وأشرف كتاب، وأنزل على أشرف نبي، وعلى أفضل نبي، وهو محمد ﵊، وأنزل في أفضل ليلة، وفي أفضل شهر، وهي ليلة القدر من شهر رمضان، وفي أفضل مكان، وهو مكة المكرمة، فاجتمعت له أنواع الشرف المكاني والزماني، وكونه على أشرف الأنبياء، وأفضلهم وخاتمهم ﵊، وبيّن سبحانه في آية أخرى أنها مباركة، قال

стр. 432

سبحانه: ﴿حم * وَالْكِتَابِ الْمُبِينِ * إِنَّا أَنْزَلْنَاهُ فِي لَيْلَةٍ مُبَارَكَةٍ إِنَّا كُنَّا مُنْذِرِينَ * فِيهَا يُفْرَقُ كُلُّ أَمْرٍ حَكِيمٍ﴾ (١) , وهي ليلة القدر [...] (٢)، ويفرق فيها كل أمر حكيم، وهو ما يكون في السنة، تقدر فيها حوادث السنة تفصيلاً من القدر السابق، وهذا من آيات اللَّه وحكمته ، كما أن كل جنين يكتب في حقه، وهو في رحم أمه، يكتب له جميع ما يحصل له من الحوادث المستقبلة: أعماله, وأقواله, وشقاوته, وسعادته، وسروره, وهو تفصيل أيضاً من القدر السابق. وفي حديث ابن عمر أن الصحابة تواطأت رؤياهم في السبع الأواخر, فقال النبي ﷺ : «أَرَى رُؤْيَاكُمْ قَدْ تَوَاطَأَتْ فِي السَّبْعِ الأَوَاخِرِ، فَمَنْ كَانَ مُتَحَرِّيهَا فَلْيَتَحَرَّهَا فِي السَّبْعِ الأَوَاخِرِ» (٣)، يعني هي آكد من غيرها، وقد تقع في الأولى والثانية والثالثة، لكن في السبع الأواخر آكد فيها من غيرها. وفي حديث عائشة وأبي سعيد الدَّلالة على أنها تقع في العشر الأخيرة من رمضان، ولكنها في الأوتار آكد: إحدى وعشرين, ثلاث وعشرين، خمس وعشرين, سبع وعشرين، تسع وعشرين, هذه الأوتار آكد من غيرها، وقد تقع في غير الأوتار كما في الحديث

стр. 433

الآخر: «في تَاسِعَةٍ تَبْقَى، فِي سَابِعَةٍ تَبْقَى، فِي خَامِسَةٍ تَبْقَى، أَوْ ثَالِثَةٍ تَبْقَى إلى أن قال: فِي آخِرِ لَيْلَةً» (١)، فالمشروع للمؤمنين والمؤمنات تحريها في العشر كلها، وأن تُعمر هذه الليالي بالطاعة والعبادة والدعاء والضراعة إلى اللَّه ؛ لفضل هذه العشر، ولأجل موافقة هذه الليلة المباركة. وقد ذهب جمهور الأمة إلى أنها مختصة بالعشر، وصحت بذلك الأحاديث عن رسول اللَّه ﵊: أنها في العشر الأواخر من رمضان، وشذ بعض أهل العلم، فقال: إنها في السنة كلها، وقال بعضهم: إنها في النصف الأخير: يعني تكون في الخمس الأخيرة من العشر الوسط، وهذا كله ضعيف، والصواب أنها في العشر الأخيرة من رمضان، كما صح في ذلك الأخبار المستفاضة عن رسول اللَّه ﵊ بأنها في العشر الأخيرة من رمضان، كما أن الصحيح أن أوتارها آكد، وأن ليلة سبع وعشرين آكد من غيرها (٢)، وفي هذا

стр. 434

الحديث عن أبي سعيد الدلالة على أنها وقعت في ليلة إحدى وعشرين، وأنه ذكر أنها ليلة إحدى وعشرين فقد أصبح من صبيحتها يسجد على ماء وطين، فمطرت السماء في تلك الليلة، فرأوا على وجهه ﷺ آثار الماء والطين، وقد قالت عائشة ﵂: قُلْتُ: يَا رَسُولَ اللهِ إنْ أَدْرَكتُ لَيْلَةَ الْقَدْرِ، مَا أَقُولُ فِيهَا؟ قَالَ: «قُولِي: اللهُمَّ إِنَّكَ عَفُوٌّ تُحِبُّ الْعَفْوَ فَاعْفُ عَنِّي» (١) , فالسنة الدعاء فيها بالدعوات الطيبة، والاجتهاد فيها بأنواع الخير من الصدقات، وقيام الليل، والإكثار من ذكر اللَّه، وقراءة القرآن، والدعوات الجامعة، هذا الذي ينبغي في هذه الليالي وأيامها: الحرص على أنواع الخير، والاجتهاد في أنواع الخير من صلاة، وقراءة، وذكر، ودعاء، وصدقة، وسائر أنواع الإحسان؛ لأن الصدقة فيها، والذكر فيها، والصلاة فيها مضاعفة, قال تعالى: ﴿لَيْلَةُ الْقَدْرِ خَيْرٌ مِنْ أَلْفِ شَهْرٍ﴾ (٢)، قال العلماء: معنى ذلك أن العمل فيها، والاجتهاد فيها أفضل من العمل في ألف شهر مما سواها، هذا فضل عظيم, ألف شهر: ثلاث وثمانون سنة، وأربعة أشهر، فهو عمر كامل، عمر إنسان كامل، فمن أدرك هذه

стр. 435

الفضيلة هذا خير، فينبغي للمؤمن الاحتساب في هذه الليلة، وهذه العشر والاجتهاد في الخير، وسؤال اللَّه التوفيق فيها، وهي لا تكلف شيئاً، عشر ليالي ما تكلف كثيراً، الاجتهاد فيها لا يُكلف كثيراً، لأنها أيام عشر، ليست شهراً ولا شهرين ولا سنة، عشر ليالي، الاجتهاد فيها، والحرص فيها على أنواع الخير أمر ميسر، والحمد للَّه (١). ٣٦ - باب الاعتكاف (٢) ٢١٤ - عن عائشة ﵂: «أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ (٣) كَانَ يَعْتَكِفُ فِي (٤) الْعَشْرِ الأَوَاخِرِ مِنْ رَمَضَانَ، حَتَّى تَوَفَّاهُ اللَّهُ تعالى، ثُمَّ اعْتَكَفَ أَزْوَاجُهُ مِنْ (٥) بَعْدِهِ» (٦). وفي لفظٍ «كَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يَعْتَكِفُ فِي كُلِّ رَمَضَانَ، فَإِذَا صَلَّى الْغَدَاةَ جَاءَ مَكَانَهُ الَّذِي اعْتَكَفَ فِيهِ» (٧). ٢١٥ - عن عائشة ﵂، «أَنَّهَا كَانَتْ تُرَجِّلُ النَّبِيَّ ﷺ وَهِيَ حَائِضٌ،

стр. 436

وَهُوَ مُعْتَكِفٌ فِي الْمَسْجِدِ، وَهِيَ فِي حُجْرَتِهَا، يُنَاوِلُهَا رَاسَهُ» (١). وفي رواية، «وَكَانَ لا يَدْخُلُ الْبَيْتَ إلَاّ لِحَاجَةِ الإِنْسَانِ» (٢). وفي رواية: «أَنَّ عَائِشَةَ قَالَتْ: إنِّي كُنْتُ لأَدْخُلُ الْبَيْتَ لِلْحَاجَةِ ــ وَالْمَرِيضُ فِيهِ ــ فَمَا أَسْأَلُ عَنْهُ إلَاّ وَأَنَا مَارَّةٌ» (٣). ٢١٦ - عن عمر بن الخطاب ﵁ قال: «قُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ إنِّي كُنْتُ نَذَرْتُ فِي الْجَاهِلِيَّةِ: أَنْ أَعْتَكِفَ لَيْلَةً ــ وَفِي رِوَايَةٍ: يَوْماً ــ فِي الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ؟ قَالَ: «فَأَوْفِ بِنَذْرِكَ» (٤). وَلَمْ يَذْكُرْ بَعْضُ الرُّوَاةِ «يَوْماً» ولا «لَيْلَةً». ٢١٧ - عن صفية بنت حيي ﵂ قالت: «كَانَ رسول اللَّه ﷺ (٥)

стр. 437

مُعْتَكِفًا في المسجد (١)، فَأَتَيْتُهُ أَزُورُهُ لَيْلاً فَحَدَّثْتُهُ، ثُمَّ قُمْتُ لأَنْقَلِبَ، فَقَامَ مَعِي لِيَقْلِبَنِي ــ وَكَانَ مَسْكَنُهَا فِي دَارِ أُسَامَةَ بْنِ زَيْدٍ ــ فَمَرَّ رَجُلانِ مِنَ الأَنْصَارِ، فَلَمَّا رَأَيَا رَسُولَ اللَّهِ ﷺ أَسْرَعَا في المشي (٢)، فَقَالَ (٣): «عَلَى رِسْلِكُمَا، إنَّهَا صَفِيَّةُ بِنْتُ حُيَيٍّ»، فَقَالا: سُبْحَانَ اللَّه! يَا رَسُولَ اللَّهِ، فَقَالَ: «إنَّ الشَّيْطَانَ يَجْرِي مِنِ ابْنِ آدَمَ مَجْرَى الدَّمِ، وَإِنِّي خِفْتُ (٤) أَنْ يَقْذِفَ فِي قُلُوبِكُمَا شَرّاً» أَوْ قَالَ: «شَيْئاً» (٥). وفي رواية؛ «أَنَّهَا جَاءَتْ تَزُورُهُ فِي اعْتِكَافِهِ فِي الْمَسْجِدِ فِي الْعَشْرِ الأَوَاخِرِ مِنْ رَمَضَانَ، فَتَحَدَّثَتْ عِنْدَهُ سَاعَةً، ثُمَّ قَامَتْ تَنْقَلِبُ، فَقَامَ النَّبِيُّ ﷺ مَعَهَا يَقْلِبُهَا، حَتَّى إذَا بَلَغَ (٦) بَابَ الْمَسْجِدِ عِنْدَ بَابِ أُمِّ سَلَمَةَ، ثُمَّ ذَكَرَهُ بِمَعْنَاهُ» (٧).

стр. 438

٥٧ - قال الشارح ﵀: هذه الأحاديث الأربعة كلها تتعلق بالاعتكاف، والاعتكاف مصدر اعتكف، يعتكف: إذا لبث في المقام، إذا لبث في المكان يقال له: اعتكف في المكان، إذا لبث فيه، وأقام فيه مدة من الزمن، مثل لفظ الآية الكريمة: ﴿فَأَتَوْا عَلَى قَوْمٍ يَعْكُفُونَ عَلَى أَصْنَامٍ لَهُمْ﴾ (١)، يعني يقيمون عندها، ويلبثون عندها؛ للتعبُّد، والتبرُّك بها، وعبادتها من دون اللَّه. والاعتكاف الشرعي هو: لزوم مسجد لطاعة اللَّه ، ويسمى اعتكافاً إذا بقي في المسجد بنية التعبد، والعبادة، يسمى اعتكافاً وهو: اللبث، وهو سُنة مُستحبة، وآكد الأوقات: رمضان, ففي رمضان آكد من غيره, ويجوز في غير رمضان، لكن في رمضان أفضل، وآكد لفضل الزمان، والتأسي بالنبي ﵊؛ فإنه كان في الغالب يعتكف في رمضان، وقد اعتكف مرة في شوال، ترك الاعتكاف في العشر الأواخر، واعتكف في شوال، فالاعتكاف في رمضان هو أكمل، وأفضل، ولا بأس به في غير رمضان. في الحديث الأول عن عائشة ﵂: «أن النبي ﷺ اعتكف، وكان يعتكف العشر الأواخر من رمضان، يعني في كل سنة، ثم اعتكف أزواجه من بعده ﵊ ورضي اللَّه عنهن»، هذا يدل على

стр. 439

شرعية الاعتكاف، وأنه من سنته ﷺ ، وأنه باقٍ لم ينسخ؛ ولهذا فعله الصحابة بعده، فدّل ذلك على أنه سُنة باقية، واستقر فعله ﷺ على أنه يعتكف في العشر الأخيرة من رمضان، وكان قد اعتكف العشر الأُوَل، ثم اعتكف العشر الأوسط، يلتمس ليلة القدر، ثم قيل له: إنها في العشر الأخيرة، فاستقر اعتكافه في العشر الأخيرة من رمضان, وبيّن ﷺ أن هذه الليلة، وهي ليلة القدر تكون في العشر الأخيرة من رمضان. وفيه أيضاً الدلالة على شرعية اعتكاف النساء كالرجال، وأن الاعتكاف يشرع للجميع: للرجال والنساء, ومحلُّه المساجد، كما قال تعالى: ﴿وَلَا تُبَاشِرُوهُنَّ وَأَنْتُمْ عَاكِفُونَ فِي الْمَسَاجِدِ﴾ (١)، وإذا اعتكفت المرأة في المسجد، فلا بد أن يكون ذلك على وجه ليس فيه فتنة، في محل مصون، ليس فيه فتنة. وفي الحديث الثاني: أن الرسول ﷺ كان ربما أدلى لها رأسه تُرجِّله، وهو معتكف، وهي حائض، فدّل ذلك على أن خروج بعض الإنسان من المسجد لا يحكم عليه بالخروج, إذا خرج رأسه، أو خرجت يده، أو رجله، لا يخرج الكل، فالمعتكف لا يسمى خارجاً إلا إذا خرج برجليه كله، أما إذا مدَّ رأسه، أو مدَّ رجله ما يُسمَّى خارجاً. وفيه دليل على جواز استخدام الحائض، لا بأس أن تستخدم، تغسل رأسه، وتصب عليه الماء، أو تقرّب له متاعه، كل ذلك لا

стр. 440

حرج؛ ولهذا لما أمرها الرسول ﷺ أن تأتي بالخُمرة التي في المسجد قالت: إني حائض. قال: «إِنَّ حَيْضَتَكِ لَيْسَتْ فِي يَدِكِ» , فأمرها، ونهيها، واستخدامها في حاجات الزوج لا بأس, المحرّم عليه جماعها, أما كونه يضاجعها، أو تمشط رأسه، أو تغسل ثيابه، أو تُقدِّمُ له حاجة، أو تضاجعه، كل هذا لا بأس به، «اصنعوا كل شيء إلا النكاح» (١)، كما قال النبي ﵊. وفيه من الفوائد: أنه إذا اعتكف، يكون دخول المُعْتَكَف بعد صلاة الفجر، فإذا أراد الاعتكاف دخل معتكفه بعد صلاة الفجر، كما قالت عائشة ﵂، وهذا إذا كان الابتداء بالنهار، فأما إذا أراد الليل، يبتدي من الليل فإذا أراد أن يبتدي من الحادية والعشرين، أو من الثانية والعشرين من النهار يبدأ بعد صلاة الفجر، وإذا أراد الليل يبدأ من الليل من غروب الشمس، إذا صلَّى المغرب يبقى في المسجد، وهو سُنة ليس بلازم، إلا أن ينذره نذراً وجب عليه، وإلا فهو سنة، له أن يعتكف، وله أن يدع، وله إن نوى عشراً، ثم أراد أن يترك منها بعضها، فلا حرج عليه، إذا كان ليس بنذر، إنما هو باختياره، أما إذا نذره وجب عليه الوفاء بالنذر؛ لأنه طاعة.

стр. 441

وفيه من الفوائد: أن الحائض طاهرة، يدها طاهرة, عرقها طاهر, بدنها طاهر، إلا ما أصابه الدم؛ ولهذا كانت تغسل رأسه، وتُرجِّله وهي حائض، فإذا أصاب شيء من دمها ثوباً، أو بدناً يُغسل محل الإصابة فقط (١)، أما بقية الثوب بقية البدن، فكله طاهر. وفيه أن المعتكف يشتغل بالاعتكاف، ولا يخرج إلا لحاجة الإنسان: كالبول، والغائط، ونحوه، وإلا فليبقَ في معتكفه بقية الليل والنهار، هذا هو الأفضل، يلزم المسجد إلا لحاجة الإنسان، يقضي حاجته: بول، غائط، وضوء، غسل، أكل، شرب إذا كان ما تيسر له من يأتي به، أما إذا تيسر من يأتي به في المسجد، فهو أفضل، حتى يقلّ الخروج, حتى قالت عائشة: إنه يكون المريض في البيت فما تسأل عنه، إلا وهي مارة (٢)، حرصاً على عودها إلى المعتكف, فإذا سأل عن المريض في الطريق، أو في البيت ما يضرّه، لكن الأفضل أنه لا يعود مريضاً، ولا يذهب يزور الناس، يبقى في المعتكف، يعبد ربه، يعني المقصود من الاعتكاف قطع العلائق عن الخلائق والاتصال [...] (٣) بالخالق, المقصود من الاعتكاف التفرغ للعبادة، والاشتغال بالعبادة عن الاشتغال بالناس، وزياراتهم، والاجتماع بهم. وفي حديث عمر ﵁ الدَّلالة على أن الكافر إذا نذر في الجاهلية

стр. 442

عبادة يوفي بها بعد الإسلام، إذا نذر أن يقوم, أو يصلي أو يعتكف، ثم أسلم يوفي بنذره، ولهذا أمر النبي ﷺ عمر أن يوفي بنذره، وقد نذر أن يعتكف ليلة، أو يوماً في المسجد الحرام، قال له: «أوف بنذرك» (١) لما أسلم، فإذا قال في حال كفره: للَّه عليَّ أن أعتكف كذا، أو أتصدق بكذا، أو أُصلي كذا، ثم أسلم، يؤمر بوفاء نذره؛ لأنه عبادة، فإذا نذرها ينبغي أن يوفي بها طاعة للَّه، وتعظيماً له، ورغبةً فيما عنده من الأجر. وحديث صفية يدل على أن المرأة لا بأس أن تزور زوجها، وهو معتكف، ولا بأس أن يزوره إخوانه، وأصدقاؤه، لا حرج في ذلك، فيتحدثون عنده لا بأس بذلك، ولهذا زارته صفية تتحدث عنده، فلما قامت قام معها ليقلبها، يعني يردها إلى بيتها، قام معها من المسجد حتى وصل باب المسجد، هذا من حُسن خُلقه، ومن تواضعه، ومن معاشرته الطيبة لأهله، قام معها إكراماً لها، وإيناساً لها، يمشي معها في المسجد حتى وصلت الباب، هذا يدل على حُسن خُلقه ﷺ ، وتواضعه، وعنايته بأهله، ومعاشرته لهن بالمعروف، فلما كان عند الباب مرّ رجلان من الأنصار، فرأياه فأسرعا، فقال: «على رِسْلِكُمَا»، أي مهلاً «إنها صفية بنت حُيي»، خاف أن يظنّا سوءاً، فقالا: سبحان اللَّه، سبحان اللَّه يا رسول اللَّه! قال: «إنَّ الشَّيْطَانَ يَجْرِي مِنِ ابْنِ آدَمَ مَجْرَى الدَّمِ، وَإِنِّي خَشِيتُ أَنْ يَقْذِفَ فِي قُلُوبِكُمَا شَرّاً» أَوْ قَالَ: «شَيْئاً» (٢)، أي خشي

стр. 443

عليهما أن يوسوس لهما الشيطان، ويقول: إن هذه المرأة غير شرعية، فبيَّن لهما ﵊ أنها زوجته، حتى لا يظنَّا سوءاً به ﵊ فيهلكا؛ لأنه ﵊ ليس مظنة سوء، وقد عصمه اللَّه من كبائر الذنوب، وعصمه اللَّه في بلاغه للناس، بينما الخلاف في الصغائر: هل تقع من الأنبياء أم لا؟ المقصود: أنه قال لهما هذا الكلام؛ ليبتعدا عن سوء الظن، وليعلما الحقيقة. وفي هذا من الفوائد: أن الإنسان إذا كان في موقف قد يُتَّهم فيه يبين للمارِّ، أني وقفت هنا لأجل كذا وكذا، حتى لا يُظن به سوء، إذا وقف العالِم، أو الرجل الصالح في مكان غير مناسب، ومر عليه بعض إخوانه، يُبين لهم العلة، حتى لا يتهموه بأنه انحرف عن الطريق السوي. وفيه أن الشيطان له صلة بالإنسان شديدة، وعظيمة، وخفية، وأنه يجري من ابن آدم مجرى الدم، والشياطين أنواع، ولهم أجسام، ولهم أرواح، تليق بهم لا يعلم كيفيتها إلا اللَّه ، وكونه يصل فيجري من ابن آدم مجرى الدم، هذا شيء عظيم يدل على لطافةٍ، وأنه عنده من اللطافة والصِّغر ما يجعله يجري من ابن آدم مجرى الدم، هذا نوع من الشياطين, ثم الشيطان له لمَّة بالإنسان، كما أن الملَكَ له لمّة بالإنسان، كل إنسان معه قرين من الشيطان يدعوه إلى الشر، ويأمر بالشر، كما أن معه ملَكاً يدعوه إلى الخير، ويأمره

стр. 444

بالخير، فالواجب الحذر من هذا الشيطان، الذي هو ملازم لك، وهو قرينك، والحذر من بقية الشياطين، التي قد تهجم عليك، وتوسوس عليك فيما يضرك. [...] (١) يجب أن تحذر، فكل لمّة، وكل ما يخطر بالبال من شيء من السوء، فهو من الشيطان، وكل ما يخطر بالبال، ويلمُّ بك من أمر طيب، فهو من لمّات الملَك.

стр. 445

٥ - كتاب الحَجِّ ٣٧ - باب المواقيت ٢١٨ - عن عبد اللَّه بن عباس ﵄، «أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ وَقَّتَ لأَهْلِ الْمَدِينَةِ، ذَا الْحُلَيْفَةِ، وَلأَهْلِ الشَّامِ، الْجُحْفَةَ، وَلأَهْلِ نَجْدٍ، قَرْنَ الْمَنَازِلِ، وَلأَهْلِ الْيَمَنِ، يَلَمْلَمَ، وقال (١): «هُنَّ لَهُنَّ، وَلِمَنْ أَتَى عَلَيْهِنَّ مِنْ غَيْرِ أَهْلِهِنَّ (٢)، مِمَّنْ أَرَادَ الْحَجَّ أَوِ الْعُمْرَةَ (٣)، وَمَنْ كَانَ دُونَ ذَلِكَ: فَمِنْ حَيْثُ أَنْشَأَ، حَتَّى أَهْلُ مَكَّةَ مِنْ مَكَّةَ» (٤). ٢١٩ - عن عبد اللَّه بن عمر ﵄، أنَّ رسول اللَّه ﷺ قال: «يُهِلُّ أَهْلُ الْمَدِينَةِ مِنْ ذِي الْحُلَيْفَةِ، وَأَهْلُ الشَّامِ مِنَ الْجُحْفَةِ، وَأَهْلُ نَجْدٍ: مِنْ قَرْنٍ». قال عبداللَّه: وَبَلَغَنِي أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ: «وَيُهِلُّ (٥) أَهْلُ الْيَمَنِ

стр. 446

مِنْ يَلَمْلَمَ» (١). ٥٨ - قال الشارح ﵀: هذان الحديثان يتعلقان بالحج، والحج مصدر حج، يحجّ حجاً، وهو قصد الجهة المعظمة، أو الشخص المعظم، يقال له: حج، وسمي أداء المناسك حجاً؛ لأنه توجُّهٌ إلى اللَّه لأداء المناسك عند أفضل بقعة، وفي أفضل بقعة، وهي مكة المكرمة حول المسجد الحرام، حول الكعبة المشرفة؛ ولهذا سُمِّي حجاً؛ لأنه مقصود عظيم لملك عظيم في أفضل بقعة، وبجوار أفضل بيت في الدنيا. والحج له أركان، وله واجبات، وله شروط، دلّت عليها النصوص، وأوضحها أهل العلم. فمن شروط الحج: أن يكون الشخص بالغاً مُكلفاً، فلا يجب على صغير، ولا على مجنون ومعتوه، إنما يجب على البالغ العاقل، الذي يجد ما يوصله إلى المسجد الحرام إلى مكة المكرمة، ويرده إلى بلاده مع بقاء ما يحتاجه أهله إن كان له أهل، فإذا كان مستطيعاً من جهة المال، بالغاً، عاقلاً، هذا هو الذي يلزمه الحج. وهكذا العمرة، فإنها زيارة للبيت العتيق، وهي من جنس الحج، تجب مرة في العمر، كما يجب الحج مرة في العمر، وتكرارهما مستحب، وسُنة وقربة، لكن لا يجب على المكلفين إلا مرة في

стр. 447

العمر، لا الحج، ولا العمرة جميعاً، واللَّه جعل له مواقيت، والإحرام من المواقيت من واجبات الحج. وله أركان كما تقدم، منها: الوقوف بعرفة, لبس الإحرام, الطواف, السعي, كل هذه أركان الحج، كونه يُحرم، وكونه يطوف، ويسعى, يقف بعرفة، كل هذه أركان لا بد، هذه أربعة. وله واجبات، منها: أن يُحرم من الميقات ميقات أهل بلده، أو الميقات الذي يمر عليه إذا جاء من طريق آخر؛ ولهذا قال النبي ﷺ في حديث ابن عباس قال ابن عباس ﵄: «وقَّت النبي ﷺ لأهل المدينة ذا الحليفة»: [حجر] (١) معروف، يقال له أبيار علي، ويقال له وادي العقيق، وهو قُرب المدينة في طرف المدينة من جهتها الجنوبية، من أراد الحج من طريق المدينة يلزمه الإحرام من ذي الحليفة, ولأهل الشام الجحفة إذا جاءوا من طريق الساحل، يحرمون من الجحفة، وإن جاءوا من طريق المدينة أحرموا من ميقات المدينة, ولأهل اليمن يلملم، وهو موضع معروف, ولأهل نجد قرن المنازل، ويسمونه الناس السيل، ويُسمَّى وادي قَرن, هن لهن لهذه البلدان، ولمن أتى عليهن من غير هذه البلدان، إذا جاء النجدي من طريق المدينة، أحرم من [ميقات] المدينة، وإذا جاء المدني من طريق الطائف أحرم من الميقات، من الطائف: من ميقات نجد، وإذا جاء من طريق اليمن، أحرم من ميقات اليمن، وإذا

стр. 448

جاء من طريق الشام أحرم من ميقات الشام؛ ولهذا قال: «هن لهن، ولمن أتى عليهن من غير أهلهن ممن أراد الحج أو العمرة». أما من أتى عليهن ما له قصد حج، ولا عمرة، إنما أراد أن يصل جدة فقط، أو أن يصل مكة للزيارة، أو زيارة قريب، أو صديق ما أراد حجًّا، ولا عمرة، هذا ما يلزمه الإحرام، هذا هو الصواب، إنما يلزم الإحرام من أتى مكة لقصد الحج، أو العمرة، أما من أتى مكة لأمرٍ آخر، أو ما أراد مكة، إنما مرّ بالميقات يريد جدة، أو محلاً آخر، كالمزينة، أو بحرة، ما أراد مكة، فما عليه إحرام، أو أراد مكة لكن ما أراد بها الحج، ولا عمرة أرادها للتجارة، أو لزيارة قريب، أو صديق، أو علاج في مستشفياتها، أو ما أشبه ذلك، لا يلزمه الإحرام على الصحيح، إنما يلزم من أراد الحج، أو العمرة هو الذي بينه الرسول ﵊؛ ولهذا لما أتى النبي ﷺ يوم الفتح لحرب كفار قريش، وإخراجهم من مكة، أتاها حلالاً لم يُحرم ﵊، قال: «ومن كان دون ذلك»، يعني منزله دون المواقيت، «فمُهَلّه من حيث أنشأ»، يحرم من مكانه إذا كان مكانه دون المواقيت، مثل أهل جدة يحرمون من جدة، أهل بحرة يُحرمون من بحرة، أهل أم السلم يحرمون من أم السلم، أهل مزينة يُحرمون من مزينة، الذي مسكنه دون المواقيت أقرب إلى مكة من المواقيت يحرم من محله، فَمُهلَّه من حيث أنشأ، حتى أهل مكة من مكة يحرمون من مكة، يعني بالحج.

стр. 449

أما العمرة، فلا يُحرمون من مكة، بل من الحل إذا أرادوا العمرة وهم في مكة يخرجون إلى الحل، كما أمر النبي عائشة أن تخرج إلى الحل، إلى الجعرانة مثلاً، المقصود إلى الحل إلى عرفات، وما أشبه ذلك مما يكون خارج الحرم. وأما بالحج، يُحرم من مكة، أو من ضواحيها لا بأس، الحج أمره أوسع، يحرم من مكة من الحرم [....] (١) من أطراف مكة لا بأس. وهكذا حديث ابن عمر بين الرسول ﷺ أنه يُحرم من هذه المواقيت، قال: «يُهلّ أهل المدينة»؛ فهذا خبر معناه الأمر يدل على وجوب الإهلال إذا أراد الحج، أو العمرة، يُهلّ أهل المدينة من ذي الحليفة، ويُهلّ أهل الشام من الجحفة، ويُهلّ أهل اليمن من يلملم, يُهلّ أهل نجد من قرن، لكن ابن عمر لم يحفظ عن النبي ﷺ إهلال أهل اليمن من يلملم، لكنه سمعه من غيره، وقد ثبت في حديث ابن عباس وغيره، وأهل العراق، جاء في حديث عائشة: أنهم يهلون من ذات العرق (٢)، وتسمى الضريبة، محل يقال له الضريبة، وقد وقَّته لهم عمر أيضاً، فصادف اجتهاد عمر ما جاءت به السُّنة، فميقاتهم ذات عرق،

стр. 450

وهو محل معروف، وإذا جاوزوه وأحرموا من قرن ما فيه بأس، فالأمر واسع، ومن جاوزه وهو ناوٍ الحج أو العمرة يلزمه الرجوع إليه إذا جاوزه تساهلاً أو جهلاً، يعود ويُحرِم من الميقات، فإذا أحرم من دونه، فلزمه (١) دم بترك الواجب، أو من نجد (٢) فجاوز ولا أحرم إلا من أم السلم، أو من المزينة، أو المدني ما أحرم إلا من جدة يكون عليه دم، لأنه ترك الواجب، وهو الإحرام من الميقات. وقد قال ابن عباس ﵄: «من ترك نُسكاً، أو نسيه، فليرق دماً» (٣)، فهذا جزاء، من باب الجزاء على تفريطه، وعلى إضاعته للواجب، فعليه هذا الجزاء، وهو كفارة وعقوبة. ٣٨ - باب ما يلبس المُحرِم من الثياب ٢٢٠ - عن عبد اللَّه بن عمر ﵄، «أَنَّ رَجُلاً قَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ،

стр. 451

مَا يَلْبَسُ الْمُحْرِمُ مِنَ الثِّيَابِ؟ قَالَ (١): «لا يَلْبَسُ الْقُمُصَ، وَلا الْعَمَائِمَ، وَلا السَّرَاوِيلاتِ، وَلا الْبَرَانِسَ، وَلا الْخِفَافَ، إلَاّ أَحَدٌ لا يَجِدُ نَعْلَيْنِ فَلْيَلْبَسِ الخُفَّيْنِ، وَلْيَقْطَعْهُمَا أَسْفَلَ مِنَ الْكَعْبَيْنِ، وَلا يَلْبَسْ مِنَ الثِّيَابِ شَيْئاً مَسَّهُ زَعْفَرَانٌ أَوْ وَرْسٌ» (٢). وللبخاري «وَلا تَنْتَقِبُ الْمُحرمة (٣) وَلا تَلْبَسُ الْقُفَّازَيْنِ» (٤). ٢٢١ - عن عبد اللَّه بن عباس ﵄ قَالَ: «سَمِعْتُ النبي ﷺ يَخْطُبُ بِعَرَفَاتٍ: «مَنْ لَمْ يَجِدْ نَعْلَيْنِ فَلْيَلْبَسِ الْخُفَّيْنِ، وَمَنْ لَمْ يَجِدْ

стр. 452

إزَاراً فَلْيَلْبَسْ سَرَاوِيلَ» (١) يعني (٢) لِلْمُحْرِمِ (٣). ٢٢٢ - عن عبد اللَّه بن عمر ﵄ «أَنَّ تَلْبِيَةَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ : «لَبَّيْكَ اللَّهُمَّ لَبَّيْكَ، لَبَّيْكَ لا شَرِيكَ لَكَ لَبَّيْكَ. إنَّ الْحَمْدَ وَالنِّعْمَةَ لَكَ وَالْمُلْكَ، لا شَرِيكَ لَكَ» (٤). قال: وكان عبد اللَّه بن عمر يزيد فيها: لَبَّيْكَ لَبَّيْكَ وَسَعْدَيْكَ، وَالْخَيْرُ بِيَدَيْكَ، لبيك (٥)، وَالرَّغْبَاءُ إلَيْكَ وَالْعَمَلُ (٦). ٢٢٣ - عن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول اللَّه ﷺ (٧): «لا يَحِلُّ لامْرَأَةٍ تُؤْمِنُ بِاَللَّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ، أَنْ تُسَافِرَ مَسِيرَةَ يَوْمٍ وَلَيْلَةٍ ليسَ

стр. 453

مَعَهَا (١) حُرْمَةٌ» (٢). وفي لفظ للبخاري «لا تُسَافِرُ يوماً، ولا ليلة (٣)، إلَاّ مَعَ ذِي مَحْرَمٍ» (٤). ٥٩ - قال الشارح ﵀: هذه الأحاديث الأربعة تتعلق بما يلبس المحرم، وبالتلبية، وبالسفر للمرأة. أما ما يلبسه المحرم، فقد أوضح النبي ﷺ ما يُمنع منه المُحرم، وبذلك يعرف ما يلبسه؛ لأنه إذا عرف الممنوع، فما سواه فهو مباح اللباس؛ ولهذا لما كان اللباس الذي لا يُمنع لا ينحصر، بيَّن النبي ﷺ الممنوع، وذكر في حديث ابن عمر قال: «لا يلبس القُمُص»،

стр. 454

والقمص: جمع قميص، وهو ما يُخاط على قدر البدن، ويُسمَّى الآن مدرعة، والجُبَّة، وله أسماء عند الناس، فما يُلبس ويُخاط على قدر البدن: هذا يُسمَّى مدرعة، وجبة، ويُسمّى الآن: المقطع، كما يسميه بعض الناس، فالحاصل أنه ممنوع لا يجوز للإنسان لبسه إذا كان ذكراً، وهكذا العمائم: ما يوضع على الرأس، يُمنع منه الذكر أيضاً، وهكذا السراويلات، يمنع منها الذكر، والبُرْنُس يمنع منه الذكر، والبرنس: قميص له رأس متصل به، يُورَّد من المغرب، والخفاف كذلك، كل هذا في حق الرجل، يُمنع الرجل من هذا كله: القميص, العمامة, السراويلات, البرانس، وهي الثياب التي لها رؤوس منها، وهكذا الخفاف. أما المرأة، فلا حرج عليها أن تلبس القميص؛ لأنها عورة، تلبس القميص، والخمار، والسراويلات، وإذا كانت ملابس لها رؤوس للنساء كذلك، وهكذا الخفاف، والجوارب تلبسها في رجلها؛ لأنها عورة، لكن تُمنع من النقاب، والبرقع، كما في رواية البخاري: «ولا تنتقب المرأة، ولا تلبس القفازين» (١)، هذا يخصها: لا تنتقب. والرجل مثلها: المحرم لا يغطي رأسه، ولا وجهه، لا بالنقاب، ولا بغير النقاب، ولا يلبس القفازين أيضاً؛ لأنهما مخيطان على قدر اليدين، فلا يلبسهما الرجل من باب أولى. أما المرأة، فلا تلبسهما في حال الإحرام، أما في غير الإحرام

стр. 455

فلا بأس أن تلبس النقاب، والبرقع إذا كانت غير محرمة، ويُمنع الرجل والمرأة جميعاً من ثياب فيها زعفران (١)، أو ورس (٢)، هذا للجميع، لا يُلبس شيء فيه زعفران، أو ورس، أو نوع آخر من الأطياب، لا يطيب الملابس التي يلبسها، المحرم لا يطيّب رداءه وإزاره، والمرأة كذلك لا تطيب ما تلبس كالمحرم؛ لا بزعفران، ولا بورس، ولا ببخور، ولا بوَرْد، ولا بغيره, قال ﵊: «فمَنْ لَمْ يَجِدْ نَعْلَيْنِ فَلْيَلْبَسِ الْخُفَّيْنِ، وَلْيَقْطَعْهُمَا أَسْفَلَ الْكَعْبَيْنِ» (٣)، إذا كان المحرم الذكر لم يجد نعلين، جاز له لبس الخفين مع قطعهما حتى يكونا أسفل الكعبين، وكان هذا في أول الأمر، ثم نُسخ، وأُبيح لبسهما دون قطع؛ ولهذا في حديث ابن عباس: أن النبي خطب الناس في عرفات: «مَنْ لَمْ يَجِدْ إزَاراً فَلْيَلْبَسْ سَرَاوِيلَ، وَمَنْ لَمْ يَجِدْ نَعْلَيْنِ فَلْيَلْبَسِ الْخُفَّيْنِ» (٤)، ولم يقل: وليقطعهما، وذلك من تخفيف

стр. 456

اللَّه ورحمته ؛ لأن قطعهما قد يُفسدهما؛ ولأن الحاجة ماسة إليهما عند فقد النعلين، فأشبهت السراويل، كما أن السراويل لا تُشق، بل تلبس عند فقد الإزار، كذلك الخف، لا يقطع عند فقد النعلين، تلبس هكذا، هذا هو الصواب، وهو الأمر الأخير من النبي ﵊، وقال الجمهور: إنه يقطعهما، وأن هذا مقيد، والأكثرون على أن حديث ابن عباس مقيد بحديث ابن عمر وأنه لا بد من القطع، وهذا وجيه على القاعدة المعروفة، وهي حمل المطلق على المقيد، لكن يعترض على هذا: أن النبي خطب الناس بعرفات، وعرفات فيها الجمع الغفير الذين لم يحضروا خطبته في المدينة، فلو كان القطع أمراً لازماً لبيّنه لهؤلاء الأمم الذين لم يحضروا خطبته في المدينة، فلما سكت عن هذا دلّ على أنه منسوخ، وأن القطع ليس بلازم، بل كان أولاً ثم نُسخ. وفي حديث ابن عمر الثالث دلالة على شرعية التلبية، فيُستحب للمؤمن المُحرم أن يلبي بتلبية النبي ﷺ : «لبيك اللَّهم لبيك، لبيك لا شريك لك لبيك، إن الحمد والنعمة لك والملك لا شريك لك»، سواء كان بحج، أو بعمرة يُشرع له هذه التلبية. أولاً يبدأ بقول: «لَبَّيْكَ عُمْرَةً أوْ لَبَّيْكَ حَجًّا» (١). إن كان عمرة قال:

стр. 457

لبيك عمرة، أو قال: اللَّهم لبيك عمرة، وإن كان حجاً قال: اللَّهم لبيك حجاً، أو لبيك حجاً، ثم يلبي التلبية الشرعية: «لبيك اللَّهم لبيك، لبيك لا شريك لك، لبيك، إن الحمد، والنعمة لك والملك، لا شريك لك»، هذه يُقال لها تلبية التوحيد، قال جابر: فأهل بالتوحيد (١)؛ لأن فيها إخلاص العبادة له وحده: لبيك لا شريك لك، المعنى: إني أُجيب دعوتك، وأستجيب لأمرك وحدك، لا شريك لك، معنى لبيك يعني: إجابة بعد إجابة، لبَّى فلان لفلان، يعني: أجابه، معنى لبيك: أنا أُجيب دعوتك يا رب في الحج والعمرة، كما أُجيب ذلك في الأوامر الأخرى، ثم بين أنه يُخلص له العبادة. قال: «لا شريك لك»، وبين أن الحمد والنعمة للَّه وحده، والملك له سبحانه، وهو المحمود، وهو ذو الإنعام، وهو المالك لكل شيء ، والمستحق أن يُلبي له الحجاج، ويقصدوه، ويعبدوه؛ لكونه المالك العظيم، المُنعم، المُحسن، المستحق للحمد، والثناء، وهو سبحانه المُستحق أن يُعبدَ في الصلاة، وفي الصوم، والحج، والجهاد وغير ذلك، وهذا هو معنى لا إله إلا اللَّه، فإن معناها: لا معبود بحق إلا اللَّه، وهو معنى ﴿إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ﴾، ومعنى: ﴿وَقَضَى رَبُّكَ أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا إِيَّاهُ﴾ (٢).

стр. 458

وهو المستحق أن يعبد جل وعلا [...] (١) (٢). والصحابة (٣) يتعاونون في أمور الخير في الحروب، والجهاد، لا بأس بهذا، أما دعاء الأموات، والاستغاثة بالأموات، أو بالغائبين، أو بالجن، أو بالملائكة، أو بالأصنام، هذا هو الشرك الأكبر، أو بالحي في شيء لا يقدر عليه، كأن يقول: اشف مريضي، أدخلني الجنة، أنجني من النار، هذا ليس بقدرة المخلوق، هذا إلى اللَّه . والحديث الرابع حديث أبي هريرة ﵁ يقول النبي ﷺ : «لا يَحِلُّ لامْرَأَةٍ تُسَافِرَ مَسِيرَةَ يَوْمٍ وَلَيْلَةٍ إلَاّ وَمَعَهَا ذُو مَحْرَم»، يعني لا للحج، ولا لغيره، هذا وجه إدخاله هنا، ليس لها أن تسافر للحج، ولا لغير الحج إلا بمحرم، شرط: لا يجوز لها أن تسافر بدون محرم، وإذا كان ما حصَّلت محرماً، فلا حج عليها، حتى تجد المحرم. وفي زيادة ابن عمر في التلبية: «لبيك وسعديك، والرغباء إليك والعمل»، هذا يدل على جواز الزيادة في التلبية من الكلام الصحيح، والكلام الطيب، لا بأس به، وجاء في بعض الروايات عن النبي ﷺ أنه كان يلبي يقول: «لَبَّيْكَ إِلَهَ الْحَقِّ لَبَّيْكَ» (٤)، لبيك ذا

стр. 459

المعارج (١)، إذا لبَّى الإنسان بكلمات طيبة، كما لبَّى أنس: «لَبَّيْكَ حَقًّا حَقًّا تَعَبُّدًا وَرِقًّا» (٢)، ومثل ما قال ابْنُ عُمَرَ: «لَبَّيْكَ، وَسَعْدَيْكَ، وَالرَّغْبَاءُ إِلَيْكَ وَالْعَمَلُ» (٣)، كل هذا لا بأس، أو: لبيك يا ربّ، أنا عبدك، وابن عبدك، لبيك يا ربّ، أنا الفقير إليك، كله كلام طيّب، لا بأس به، ولكن لزوم تلبية النبي أفضل، كونه يلزمها، ويكررها أفضل من كونه يأتي بشيء من عنده. ٣٩ - باب الفدية ٢٢٤ - عن عبد اللَّه بن مَعْقل قال: «جَلَسْتُ إلَى كَعْبِ بْنِ عُجْرَةَ فَسَأَلْتُهُ عَنِ الْفِدْيَةِ؟ فَقَالَ: نَزَلَتْ فِيَّ خَاصَّةً، وَهِيَ لَكُمْ عَامَّةً! حُمِلْتُ إلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ ، وَالْقَمْلُ يَتَنَاثَرُ عَلَى وَجْهِي. فَقَالَ: «مَا كُنْتُ أَرَى

стр. 460

الْوَجَعَ بَلَغَ بِكَ مَا أَرَى ـ أَوْ مَا كُنْتُ أُرَى الْجَهْدَ بَلَغَ بِكَ مَا أَرَى ـ أَتَجِدُ شَاةً؟ «فَقُلْتُ: لا، قَالَ: «فصُمْ ثَلاثَةَ أَيَّامٍ، أَوْ أَطْعِمْ سِتَّةَ مَسَاكِينَ، لِكُلِّ مِسْكِينٍ نِصْفُ صَاعٍ» (١). وفي روايةٍ، «فَأَمَرَهُ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : أَنْ يُطْعِمَ فَرَقاً بَيْنَ سِتَّةِ مَسَاكِينَ (٢)، أَوْ يُهْدِيَ شَاةً، أَوْ يَصُومَ ثَلاثَةَ أَيَّامٍ» (٣). ٤٠ - باب حُرمة مكة ٢٢٥ - عن أبي شُريح ــ خويلد بن عمرو الخزاعي العدوي ــ ﵁: أنه قال لعمرو بن سعيد بن العاص ــ وَهُوَ يَبْعَثُ الْبُعُوثَ إلَى مَكَّةَ ــ: ائْذَنْ لِي، أَيُّهَا الأَمِيرُ، أَنْ أُحَدِّثَكَ قَوْلاً قَامَ بِهِ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ الْغَدَ مِنْ يَوْمِ الْفَتْحِ، فَسَمِعَتْهُ أُذُنَايَ، وَوَعَاهُ قَلْبِي، وَأَبْصَرَتْهُ عَيْنَايَ، حِينَ تَكَلَّمَ بِهِ، «أَنَّهُ حَمِدَ اللَّهَ، وَأَثْنَى عَلَيْهِ، ثُمَّ قَالَ: «إنَّ مَكَّةَ حَرَّمَهَا اللَّهُ تَعَالَى [يوم خلق السّمَوات والأرض] (٤)، وَلَمْ يُحَرِّمْهَا النَّاسُ، فَلا يَحِلُّ لامْرِئٍ
следующие страницы →