اللَّه ورحمته ؛ لأن قطعهما قد يُفسدهما؛ ولأن الحاجة ماسة إليهما عند فقد النعلين، فأشبهت السراويل، كما أن السراويل لا تُشق، بل تلبس عند فقد الإزار، كذلك الخف، لا يقطع عند فقد النعلين، تلبس هكذا، هذا هو الصواب، وهو الأمر الأخير من النبي ﵊، وقال الجمهور: إنه يقطعهما، وأن هذا مقيد، والأكثرون على أن حديث ابن عباس مقيد بحديث ابن عمر وأنه لا بد من القطع، وهذا وجيه على القاعدة المعروفة، وهي حمل المطلق على المقيد، لكن يعترض على هذا: أن النبي خطب الناس بعرفات، وعرفات فيها الجمع الغفير الذين لم يحضروا خطبته في المدينة، فلو كان القطع أمراً لازماً لبيّنه لهؤلاء الأمم الذين لم يحضروا خطبته في المدينة، فلما سكت عن هذا دلّ على أنه منسوخ، وأن القطع ليس بلازم، بل كان أولاً ثم نُسخ.
وفي حديث ابن عمر الثالث دلالة على شرعية التلبية، فيُستحب للمؤمن المُحرم أن يلبي بتلبية النبي ﷺ : «لبيك اللَّهم لبيك، لبيك لا شريك لك لبيك، إن الحمد والنعمة لك والملك لا شريك لك»، سواء كان بحج، أو بعمرة يُشرع له هذه التلبية.
أولاً يبدأ بقول: «لَبَّيْكَ عُمْرَةً أوْ لَبَّيْكَ حَجًّا» (١). إن كان عمرة قال:
стр. 457
لبيك عمرة، أو قال: اللَّهم لبيك عمرة، وإن كان حجاً قال: اللَّهم لبيك حجاً، أو لبيك حجاً، ثم يلبي التلبية الشرعية: «لبيك اللَّهم لبيك، لبيك لا شريك لك، لبيك، إن الحمد، والنعمة لك والملك، لا شريك لك»، هذه يُقال لها تلبية التوحيد، قال جابر: فأهل بالتوحيد (١)؛ لأن فيها إخلاص العبادة له وحده: لبيك لا شريك لك، المعنى: إني أُجيب دعوتك، وأستجيب لأمرك وحدك، لا شريك لك، معنى لبيك يعني: إجابة بعد إجابة، لبَّى فلان لفلان، يعني: أجابه، معنى لبيك: أنا أُجيب دعوتك يا رب في الحج والعمرة، كما أُجيب ذلك في الأوامر الأخرى، ثم بين أنه يُخلص له العبادة. قال: «لا شريك لك»، وبين أن الحمد والنعمة للَّه وحده، والملك له سبحانه، وهو المحمود، وهو ذو الإنعام، وهو المالك لكل شيء ، والمستحق أن يُلبي له الحجاج، ويقصدوه، ويعبدوه؛ لكونه المالك العظيم، المُنعم، المُحسن، المستحق للحمد، والثناء، وهو سبحانه المُستحق أن يُعبدَ في الصلاة، وفي الصوم، والحج، والجهاد وغير ذلك، وهذا هو معنى لا إله إلا اللَّه، فإن معناها: لا معبود بحق إلا اللَّه، وهو معنى ﴿إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ﴾، ومعنى: ﴿وَقَضَى رَبُّكَ أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا إِيَّاهُ﴾ (٢).
стр. 458
وهو المستحق أن يعبد جل وعلا [...] (١)(٢).
والصحابة (٣) يتعاونون في أمور الخير في الحروب، والجهاد، لا بأس بهذا، أما دعاء الأموات، والاستغاثة بالأموات، أو بالغائبين، أو بالجن، أو بالملائكة، أو بالأصنام، هذا هو الشرك الأكبر، أو بالحي في شيء لا يقدر عليه، كأن يقول: اشف مريضي، أدخلني الجنة، أنجني من النار، هذا ليس بقدرة المخلوق، هذا إلى اللَّه .
والحديث الرابع حديث أبي هريرة ﵁ يقول النبي ﷺ : «لا يَحِلُّ لامْرَأَةٍ تُسَافِرَ مَسِيرَةَ يَوْمٍ وَلَيْلَةٍ إلَاّ وَمَعَهَا ذُو مَحْرَم»، يعني لا للحج، ولا لغيره، هذا وجه إدخاله هنا، ليس لها أن تسافر للحج، ولا لغير الحج إلا بمحرم، شرط: لا يجوز لها أن تسافر بدون محرم، وإذا كان ما حصَّلت محرماً، فلا حج عليها، حتى تجد المحرم.
وفي زيادة ابن عمر في التلبية: «لبيك وسعديك، والرغباء إليك والعمل»، هذا يدل على جواز الزيادة في التلبية من الكلام الصحيح، والكلام الطيب، لا بأس به، وجاء في بعض الروايات عن النبي ﷺ أنه كان يلبي يقول: «لَبَّيْكَ إِلَهَ الْحَقِّ لَبَّيْكَ» (٤)، لبيك ذا
стр. 459
المعارج (١)، إذا لبَّى الإنسان بكلمات طيبة، كما لبَّى أنس: «لَبَّيْكَ حَقًّا حَقًّا تَعَبُّدًا وَرِقًّا» (٢)،
ومثل ما قال ابْنُ عُمَرَ: «لَبَّيْكَ، وَسَعْدَيْكَ، وَالرَّغْبَاءُ إِلَيْكَ وَالْعَمَلُ» (٣)، كل هذا لا بأس، أو: لبيك يا ربّ، أنا عبدك، وابن عبدك، لبيك يا ربّ، أنا الفقير إليك، كله كلام طيّب، لا بأس به، ولكن لزوم تلبية النبي أفضل، كونه يلزمها، ويكررها أفضل من كونه يأتي بشيء من عنده.
٣٩ - باب الفدية
٢٢٤ - عن عبد اللَّه بن مَعْقل قال: «جَلَسْتُ إلَى كَعْبِ بْنِ عُجْرَةَ فَسَأَلْتُهُ عَنِ الْفِدْيَةِ؟ فَقَالَ: نَزَلَتْ فِيَّ خَاصَّةً، وَهِيَ لَكُمْ عَامَّةً! حُمِلْتُ إلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ ، وَالْقَمْلُ يَتَنَاثَرُ عَلَى وَجْهِي. فَقَالَ: «مَا كُنْتُ أَرَى
стр. 460
الْوَجَعَ بَلَغَ بِكَ مَا أَرَى ـ أَوْ مَا كُنْتُ أُرَى الْجَهْدَ بَلَغَ بِكَ مَا أَرَى ـ أَتَجِدُ شَاةً؟ «فَقُلْتُ: لا، قَالَ: «فصُمْ ثَلاثَةَ أَيَّامٍ، أَوْ أَطْعِمْ سِتَّةَ مَسَاكِينَ، لِكُلِّ مِسْكِينٍ نِصْفُ صَاعٍ» (١).
وفي روايةٍ، «فَأَمَرَهُ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : أَنْ يُطْعِمَ فَرَقاً بَيْنَ سِتَّةِ مَسَاكِينَ (٢)، أَوْ يُهْدِيَ شَاةً، أَوْ يَصُومَ ثَلاثَةَ أَيَّامٍ» (٣).
٤٠ - باب حُرمة مكة
٢٢٥ - عن أبي شُريح ــ خويلد بن عمرو الخزاعي العدوي ــ ﵁: أنه قال لعمرو بن سعيد بن العاص ــ وَهُوَ يَبْعَثُ الْبُعُوثَ إلَى مَكَّةَ ــ: ائْذَنْ لِي، أَيُّهَا الأَمِيرُ، أَنْ أُحَدِّثَكَ قَوْلاً قَامَ بِهِ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ الْغَدَ مِنْ يَوْمِ الْفَتْحِ، فَسَمِعَتْهُ أُذُنَايَ، وَوَعَاهُ قَلْبِي، وَأَبْصَرَتْهُ عَيْنَايَ، حِينَ تَكَلَّمَ بِهِ، «أَنَّهُ حَمِدَ اللَّهَ، وَأَثْنَى عَلَيْهِ، ثُمَّ قَالَ: «إنَّ مَكَّةَ حَرَّمَهَا اللَّهُ تَعَالَى [يوم خلق السّمَوات والأرض] (٤)، وَلَمْ يُحَرِّمْهَا النَّاسُ، فَلا يَحِلُّ لامْرِئٍ
٢٢٦ - عن عبد اللَّه بن عباس ﵄ قال: قال رسولُ اللَّه ﷺ يَوْمَ فَتْحِ مَكَّةَ - «لا هِجْرَةَ بَعْدَ الفَتْحِ (١) وَلَكِنْ جِهَادٌ وَنِيَّةٌ، وَإِذَا اُسْتُنْفِرْتُمْ فَانْفِرُوا»، وَقَالَ يَوْمَ فَتْحِ مَكَّةَ: «إنَّ هَذَا الْبَلَدَ حَرَّمَهُ اللَّهُ يَوْمَ خَلَقَ السَّمَوَاتِ والأَرْضَ، فَهُوَ حَرَامٌ بِحُرْمَةِ اللَّهِ إلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ، وَإِنَّهُ لَمْ يَحِلَّ الْقِتَالُ فِيهِ لأَحَدٍ قَبْلِي، وَلَمْ يَحِلَّ لِي إلَاّ سَاعَةً مِنْ نَهَارٍ ــ وهي ساعتي هذه (٢) ــ فَهُوَ حَرَامٌ بِحُرْمَةِ اللَّهِ إلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ، لا يُعْضَدُ شَوْكُهُ، وَلا يُنَفَّرُ صَيْدُهُ، وَلا يَلْتَقِطُ لُقْطَتَهُ إلَاّ مَنْ عَرَّفَهَا، وَلا يُخْتَلَى خَلاهُ» فَقَالَ الْعَبَّاسُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ إلَاّ الإِذْخِرَ، فَإِنَّهُ لِقَيْنِهِمْ وَبُيُوتِهِمْ، فَقَالَ: «إلَاّ الإِذْخِرَ» (٣).
القين: الحداد.
٦٠ - قال الشارح ﵀:
هذه الأحاديث الثلاثة الأول في الفدية، والثاني والثالث في تحريم مكة. يقول كعب بن عجرة ﵁ إن آية الفدية نزلت فيّ، ولكنها لا تخصّه، بل للناس عامّة، وذلك أنه أُصيب بمرض في رأسه، وتكاثر عليه القمل، فلما رآه النبي ﷺ قال: «ما كنت أظن
стр. 463
الوجع بلغ بك ما أرى»، ثم أمره أن يفدي شاة، أو يصوم ثلاثة أيام، أو يطعم ستة مساكين. وأنزل اللَّه في ذلك: ﴿فَمَنْ كَانَ مِنْكُمْ مَرِيضًا أَوْ بِهِ أَذًى مِنْ رَاسِهِ فَفِدْيَةٌ مِنْ صِيَامٍ أَوْ صَدَقَةٍ أَوْ نُسُكٍ﴾ (١)، فهي فدية مخيَّرة لمن تأذى بمرضٍ في رأسه، واحتاج إلى الحلق، فيحلقه، ويفدي بهذه الفدية، يذبح شاة، ويقوم مقامه سُبع بدنة, أو سبع بقرة, أو يصوم ثلاثة أيام، أو يُطعم ستة مساكين، لكل مسكين نصف صاع من التمر، أو غيره من قوت البلد، وهكذا إذا احتاج إلى أمثال ذلك عند أهل العلم، ألحقوه بهذا لو احتاج إلى الطيب، أو إلى لبس المخيط، أو إلى أن يغطِّي رأسه من برْدٍ أو مرَضٍ، فإنه يفدي بهذه الفدية؛ لأن هذه الأمور من جنس حلق الرأس، كلها معناها الترفه، فإذا احتاج إلى شيء من ذلك، أو دعت الضرورة إلى شيء من ذلك؛ فإنه يفدي بهذه الفدية، وهكذا لو احتاج إلى قلم أظفاره لمرض، لو احتاج إليه حال الإحرام يفدي بهذه الفدية.
أما الحرم فهو مُحرّم بحرمة اللَّه إلى يوم القيامة، حرّم اللَّه مكة يوم خلق السموات والأرض، ولم يحرمها الناس، فهي حرام بحرمة اللَّه إلى يوم القيامة، هكذا أخبر ﷺ يوم فتح مكة، وقال: «فإن أحد ترخّص بقتال رسول اللَّه»، يعني إنْ أحدٌ احتج بأني قاتلت فيها يوم الفتح، «فقولوا له: إن اللَّه أذن لرسوله، ولم يأذن لكم، وأنه لم يُحلِّها
стр. 464
لي إلا ساعة من نهار، وهي ساعتي، هذه» ساعة دخوله مكة ﵊ يوم الفتح، وبيّن ﷺ أنه لا ينفَّر صيدها، ولا يُسفك فيها الدم، ولا يُعضد فيها الشجر، ولا يُختلى خلاها، والخلى: هو الحشيش الأخضر، قال العباس: يا رسول اللَّه، إلا الإذخر؛ فإنه لقينهم وبيوتهم، والإذخر نبت معروف طيب الرائحة حشيش، فلا بأس، وليس داخل في التحريم، فهم يستعملونه في الحدادة ما يحتاجه صاحب الكير، وهو القين الحداد، ولبيوتهم كذلك، قد يسقفون به مع الخشب ونحوه، ويجعل منه في القبور في الألحاد، لأن الأرض رديئة، فيجعل الإذخر هذا يقيه التراب؛ فلا بأس بقطع الإذخر، ومثله ما ينبته الآدمي: ما أنبته الآدمي: من الزروع، والشجر له أخذه، لو زرع حنطة، أو زرع فواكه في بيته، أو قَتٍّ (١)،
أو ما أشبه ذلك، فله أخذ ذلك، وهكذا الثمار التي تكون في الشجر البري مثل: السدر، أخذ النبق من السدر؛ لأنها خُلقت للمسلمين، فيأخذ الثمر يستفيد منه، ومثله لو نبت حناط (٢) أو غيره يأخذ الثمر لا بأس، لكن لا يحصد الشجرة، ولا يعضدها، ولا يعضد النبات الذي أخرجه اللَّه من العشب، بل يترك للدواب، لرعي الدواب، واستفادة الدواب, ولا
стр. 465
ينفر الصيد إذا وجده في ظل لا ينفره، ولا يقتله, من باب أولى لا يقتل صيده، ولا ينفر، ولا يعضد شوكه حتى الشوك لا يعضد، إذا كان شوك في بعض الأرض إذا كان ولا بد يطرح عليه التراب الذي يقيه شرّه، ولا يعضد؛ لأن الرسول نصّ على: أنه لا يُعضد شوكها، والظاهر - واللَّه أعلم - سد الباب، يعني سد الذريعة؛ لأنه قد يعضد الشوك، فيتوسل به إلى عضد غيره، فسد الباب ﵊ في عدم عضد شيء من نباتها، ويكون هذا النبات لحاجة العمَّار والحجَّاج؛ لأن دوابهم تحتاج لهذا الشيء فتبلغَ دوابهم تأكل حاجاتها من هذا النبات، ولا يأخذه، لا الحاج، ولا غيره، لا يحصده، بل يترك يرعون فيه دوابهم - أهل مكة - وأنعامهم، ودوابهم الأخرى، لا بأس، أما عَضْدُهُ (١)، وحصده (٢)
فلا, وكذلك لا يقاتل أهلها إذا جاء إليها أحد لا يُقاتل، ولا يسفك فيه الدم، حتى يخرج منها، إلا إذا أفسد فيها يقتل لإفساده فيها، إذا زنى يقام عليه الحد, وإذا سرق يقام عليه الحد، كما أقام النبي ﷺ الحد على المخزومية في مكة (٣)، [فمن] (٤)
قتل نفساً في مكة يُقتل بها؛ لأنه جنى،
стр. 466
أما إذا ما جنى جلس فيها وما جنى، وما تعدى يُترك حتى يخرج، لأنه ما هتك حرمتها، ولهذا لما بعث البعوث عمرو بن سعيد بن العاص في خلافة يزيد بن معاوية كان يبعث البعوث إلى مكة لقتال ابن الزبير، أنكر عليه أبو شريح الخزاعي، وأخبره أن النبي ﵊ نهى عن هذا، فرد عليه عمرو رداً قبيحاً، ردَّ جاهلٍ، قال أنا أعلم منك يا أبا شريح، إن الحرم لا يعيذ عاصياً، ولا فاراً بدم، ولا فاراً بخربة، والخَرْبة: الجناية.
هذا جهل من عمرو بن سعيد وليس عنده بهذا علم، وإنما طاعة ليزيد بن معاوية فقط، والغالط، يزيد غالط، وليس لهما حرب الحرم، ولا قتال أهل الحرم.
٤١ - باب ما يجوز قتله
٢٢٧ - عن عائشة ﵂: أَنَّ رسولَ اللَّه ﷺ قال: «خَمْسٌ مِنَ الدَّوَابِّ كُلُّهُنَّ فَاسِقٌ، يُقْتَلْنَ فِي الْحَرَمِ: الْغُرَابُ، وَالْحِدَأَةُ، وَالْعَقْرَبُ،
стр. 467
وَالْفَارَةُ، وَالْكَلْبُ الْعَقُورُ» (١).
ولمسلمٍ «يُقْتَلُ خَمْسٌ فَوَاسِقُ فِي الْحِلِّ وَالْحَرَمِ» (٢). (٣)
٤٢ - باب دخول مكة وغيره
٢٢٨ - عن أنس بن مالك ﵁، «أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ دَخَلَ مَكَّةَ عَامَ الْفَتْحِ، وَعَلَى رَاسِهِ الْمِغْفَرُ، فَلَمَّا نَزَعَهُ جَاءَهُ رَجُلٌ فَقَالَ: ابْنُ خَطَلٍ مُتَعَلِّقٌ بِأَسْتَارِ الْكَعْبَةِ. فَقَالَ: «اُقْتُلُوهُ» (٤).
٢٢٩ - عن عبد اللَّه بن عُمر ﵄، «أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ دَخَلَ مَكَّةَ مِنْ كَدَاء، مِنَ الثَّنِيَّةِ الْعُلْيَا الَّتِي بِالْبَطْحَاءِ وَخَرَجَ مِنَ الثَّنِيَّةِ السُّفْلَى» (٥).
٢٣٠ - عن عبد اللَّه بن عمر ﵄ قال: «دَخَلَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ الْبَيْتَ، وَأُسَامَةُ بْنُ زَيْدٍ، وَبِلالٌ، وَعُثْمَانُ بْنُ طَلْحَةَ، فَأَغْلَقُوا عَلَيْهِمُ الْبَابَ، فَلَمَّا
стр. 468
فَتَحُوا: الباب (١) كُنْتُ أَوَّلَ مَنْ وَلَجَ، فَلَقِيتُ بِلالاً، فَسَأَلْتُهُ: هَلْ صَلَّى فِيهِ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ ؟ قَالَ: نَعَمْ، بَيْنَ الْعَمُودَيْنِ الْيَمَانِيَيْنِ» (٢).
٦١ - قال الشارح ﵀:
هذه الأحاديث الأربعة تتعلق بأحكامٍ تتعلق بالحج، ودخول الكعبة، وبعضها يتعلق بالحرم.
الحديث الأول: حديث عائشة ﵂ عن النبي ﷺ أنه قال: ««خَمْسٌ مِنَ الدَّوَابِّ كُلُّهُنَّ فَاسِقٌ، يُقْتَلْنَ فِي الحِلِّ وَالْحَرَمِ: الْغُرَابُ، وَالْحِدَأَةُ، وَالْعَقْرَبُ، وَالْفَارَةُ، وَالْكَلْبُ الْعَقُورُ»، فهذه الدواب تُقتل في الحل، وفي الحرم في أي مكان؛ لأنها مؤذية: الغراب يؤذي الناس في زروعهم وفي دوابهم وينقب الدَّبر (٣) الذي في الإبل، ويأكل الزروع يفسدها، وهو من الفواسق، والحِدأة كذلك، والفأرة مؤذية كذلك، والعقرب كذلك، وهكذا الحية, كما في الحديث الثاني: وهكذا السباع العادية، والكلب العقور، كلها تُقتل في الحل والحرم؛ لدفع أذاها، ومثل ذلك البعوض، والذباب، وما أشبه ذلك مما يؤذي لا بأس بقتله: الذباب، والبعوض، والقمل، كل ذلك يُقتل
стр. 469
في الحل والحرم، لا بأس.
الحديث الثاني: حديث أنس ﵁ أن النبي ﷺ دخل مكة عام الفتح وعلى رأسه المغفر، والمغفر آلة توضع على الرأس، تستره عن السلاح، يُسمى المغفر, دلّ على أنه غير محرم، فليس بمحرم، يعني ما جاء لا لحج، ولا لعمرة، وإنما جاء لقتال قريش، وفتح مكة للمسلمين، ولهذا لم يُحرم، فدلّ ذلك على أن من جاء مكة ليس بقصدِ الحج والعمرة، لا بأس أن يدخلها على غير إحرام؛ ولهذا في حديث ابن عباس لما ذكر المواقيت قال ﷺ : «هُنَّ لَهُنَّ، وَلِمَنْ أَتَى عَلَيْهِنَّ مِنْ غَيْرِ أَهْلِهِنَّ، مِمَّنْ أَرَادَ الْحَجَّ أَوِ الْعُمْرَةَ» (١)، أما الذي ما أراد الحج، ولا العمرة، لا يلزمه الإحرام، كمن يأتي مكة للتجارة، أو لزيارة الأقارب، أو لخصومة، فليس عليه إحرام، لكن إذا أراد العمرة أحرم، وإن لم يردها فلا شيء عليه.
وفيه من الفوائد: في حديث أنس أنه يجوز قتل من ألحد في الحرم، أما من يأتي من الخارج يجب أن يؤمّن: ﴿وَمَنْ دَخَلَهُ كَانَ آمِنًا﴾ (٢)، لكن الذي يفعل الفساد في الحرم يُقتل، فإذا زنى وهو محصن يرجم، وإذا سرق يقطع، وإذا سبّ الدين، أو سب الرسول يُقتل؛ لأنه جنى في الحرم، فيجازى في الحرم، ولهذا لما سرقت
стр. 470
بعض نساء بني مخزوم أمر النبي بقطع يدها (١)، وهكذا ابن خطل لما كان يسب النبي ﷺ ، ويهجوه أمر النبي ﷺ ، بقتله لردته.
الحديث الثالث: يدل على شرعية دخول مكة من أعلاها، ويخرج من أسفلها، وهو الأفضل أن يدخلها من أعلاها من كَداء من الفتح من الثنية العليا، ويخرج من الثنية السفلى، هذا هو الأفضل، دَاخِلُ مكة يدخل من أعلاها كما دخل النبي ﷺ ، ويخرج من أسفلها، وإن دخلها من أي مكان، فلا بأس، وإن خرج من أي مكان، فلا بأس، لكن هذا هو الأفضل تأسِّياً بالنبي ﵊.
والحديث الرابع: حديث ابن عمر: أن النبي ﷺ لما فتح الله عليه مكة دخل الكعبة يوم الفتح، صلَّى فيها ركعتين، كان معه بلال بن رباح المؤذن، وأسامة بن زيد مولاه، عتيقه وابن عتيقه، وعثمان بن طلحة الحاجب من بني شيبة، كانوا معه لما دخل ﵊ دخلوا الكعبة، وأغلقوا عليهم الباب، وصلى ركعتين في غربي الكعبة بين العمودين اليمانيين، أحدهما عن يمينه، والآخر عن شماله، وصلى بينهما، وكان فيها ستة أعمدة في ذلك الوقت، وجعل الجدار الغربي أمامه، بينه وبينه ثلاثة أذرع، فلما فتحوا الباب دخل ابن عمر، وسأل: أين صلّى النبي ﷺ ؟ فدلّوه على محل النبي ﷺ ، وصلى فيه.
стр. 471
وفي حديث ابن عباس: أنه دخل الكعبة، وكبَّر في نواحيها، ودعا, هذا يدل على استحباب دخول الكعبة، أنه يُستحب إذا تيسر دخول الكعبة يدخلها، ويصلي فيها، ويدعو اللَّه ويكبِّر، كما دخل النبي ﷺ ، إذا تيسر له دخول الكعبة من دون مشقة، ولا زحمة، ولا أذى، فلا بأس، ولكن ليس من سنة العمرة، وليس من سنة الحج، إنما هو مستحب مستقل، من دخلها، فلا بأس، ومن تركها، فلا بأس، وإن كان دخولها يترتب عليه زحمة، أو اختلاط بالنساء، أو فتنة، فالذي ينبغي له ترك ذلك، لكن إن تيسر من دون فتنة، دخل وصلى ركعتين أو أكثر، ودعا في نواحيها، وكبَّر تأسياً بالنبي ﵊.
٢٣١ - عن عمر ﵁، «أَنَّهُ جَاءَ إلَى الْحَجَرِ الأَسْوَدِ فَقَبَّلَهُ، وَقَالَ: إنِّي لأَعْلَمُ أَنَّك حَجَرٌ، لا تَضُرُّ وَلا تَنْفَعُ، وَلَوْلا أَنِّي رَأَيْتُ النَّبِيَّ ﷺ يُقَبِّلُكَ مَا قَبَّلْتُكَ» (١).
٢٣٢ - عن عبد اللَّه بن عباس ﵄ قال: «قَدِمَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ وَأَصْحَابُهُ مَكَّةَ (٢)، فَقَالَ الْمُشْرِكُونَ: إنَّهُ يَقْدَمُ عَلَيْكُمْ قَوْمٌ (٣) قد (٤)
стр. 472
وَهَنَتْهُمْ (١) حُمَّى يَثْرِبَ، فَأَمَرَهُمُ النَّبِيُّ ﷺ أَنْ يَرْمُلُوا الأَشْوَاطَ الثَّلاثَةَ، وَأَنْ يَمْشُوا مَا بَيْنَ الرُّكْنَيْنِ، وَلَمْ يَمْنَعْهُمْ أَنْ يَرْمُلُوا الأَشْوَاطَ كُلَّهَا، إلَاّ الإِبْقَاءُ عَلَيْهِمْ» (٢).
٢٣٣ - عن عبد اللَّه بن عمر ﵄ قال: «رَأَيْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ ــ حِينَ يَقْدَمُ مَكَّةَ ــ إذَا اسْتَلَمَ الرُّكْنَ الأَسْوَدَ، أَوَّلَ مَا يَطُوفُ، يَخُبُّ ثَلاثَةَ أَشْوَاطٍ» (٣).
٢٣٤ - عن عبد اللَّه بن عباس ﵄ قال: «طَافَ النَّبِيُّ ﷺ فِي حَجَّةِ الْوَدَاعِ عَلَى بَعِيرٍ، يَسْتَلِمُ الرُّكْنَ بِمِحْجَنٍ» (٤).
المِحْجَنُ: عصاً مَحْنِيَّةُ الرأس.
٢٣٥ - عن عبد اللَّه بن عمر ﵄ قال: «لَمْ أَرَ النَّبيَّ ﷺ يَسْتَلِمُ مِنَ
стр. 473
الْبَيْتِ إلَاّ الرُّكْنَيْنِ الْيَمَانِيَيْنِ» (١).
٦٢ - قال الشارح ﵀:
هذه الأحاديث فيها مسائل بشأن الحج والعمرة.
الأول: حديث عمر ﵁، وهو عمر بن الخطاب بن نفيل العدوي، الإمام المشهور، الخليفة الراشد، أفضل الصحابة بعد الصديق رضي اللَّه عن الجميع: أنه قبّل الحجر، ثم قال: إني لأعلم أنك حجر لا تضر ولا تنفع، ولولا أني رأيت النبي ﷺ يُقبّلك ما قبلتك. مقصوده ﵁ البيان أنه لم يقبله لاعتقادٍ فيه أنه ينفع ويضر: كاعتقاد الجاهلية في أصنامها: أنها تشفع لهم، أو أنها كذا، إنما قبّله تأسِّياً بالنبي ﵊؛ ولهذا قال: إني لأعلم, اللام هذه لام الابتداء، إني لأعلم يعني إني أعلم أنك حجر، لا تضر ولا تنفع، ولولا أني رأيت النبي ﷺ يُقبلك ما قبلتك، يعني لولا التأسي ما فعلت هذا؛ ليعلم الناس أنه ليس لاعتقاد، كما يعتقد الكفار في أصنامهم, وإنما هو اتباع، وتأسٍّ بالنبي ﵊، ولا يمنع ذلك من كونه يشهد لمن استلمه بحق، كما في الحديث الآخر: «يَاتِي يَوْمَ الْقِيَامَةِ، ولَهُ لِسَانٌ يَنْطِقُ بِهِ، وَعَيْنَانِ يُبْصِرُ بِهِمَا، يَشْهَدُ لِمَنِ
стр. 474
اسْتَلَمَهُ» (١) بحق، فهذه نعمة من اللَّه لأهل الإيمان، يشهد لهم هذا الحجر بالحق، إذا كانوا استلموه بحق بإيمان، وهدى، وإسلام.
وفيه شرعية التقبيل، وأنه يُستحب تقبيل الحجر في طواف العمرة، وطواف الحج، وطواف التطوع، يُستحب تقبيله إذا تيسر من دون مزاحمة، أما مع المزاحمة فلا، لا يزاحم عليه، لا يشقّ على نفسه إذا تيسر من دون مشقة، وإلا فيشير إليه ويمضي إذا قابله إذا حاذاه يشير هكذا، ويقول: اللَّه أكبر، يشير بيده، ويكبّر ويمضي، كما فعل النبي ﵊، كان إذا طاف بعض الأحيان أشار إليه وكبر ﵊ (٢).
والحديث الثاني: حديث ابن عباس في قصة طوافهم في عمرة القضاء، أخبر أن النبي ﷺ أمرهم أن يرملوا الأشواط الثلاثة، وأن يمشوا ما بين الركنين، وذلك لأن المشركين قالوا: إنه يقدم عليكم قوم وهنتهم حمى يثرب، وقال بعضهم لبعض: إنه يَقْدَم عليكم، يعني يرد إليكم، يقال: قَدِم يَقْدَمُ يعني من السفر ونحوه، قَدِمَ يَقْدَمُ كَفَرِحَ يَفْرَحُ، تَعِبَ يَتْعَبُ، أما قَدَمَ يَقدُم: هذا تقدَّم القوم صار أمامهم،
стр. 475
قَدَمَ يَقدُم من باب نَصَرَ ينْصُرُ، يعني صار أمام القوم، ومنه قوله تعالى في قصة فرعون: ﴿يَقْدُمُ قَوْمَهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ فَأَوْرَدَهُمُ النَّارَ﴾ (١) يقدمهم يكون أمامهم قائداً لهم، نسأل اللَّه العافية، وأما قَدُمَ يَقْدُمُ هذا معناه القِدَم، قَدُمَ هذا الشيء يَقْدُمُ أي صار قديماً، مضى عليه دهر، من باب كَرُمَ يَكْرُمُ، قَدُمَ يَقْدُمُ، هذه ثلاث تصرفات، فَعِلَ يَفْعَلُ إذا قدم من السفر ونحوه, فَعَل يَفْعُلُ إذا تقدم القوم, فَعُلَ يَفْعُلُ يعني صار قديماً، قد أوهنتهم، قد أضعفتهم, حمّى يثرب: حمّى المدينة، تُسمّى يثرب عندهم، فلما سمع النبي هذا الكلام أمرهم أن يرملوا حتى يُظهروا للعدو نشاطهم وقوتَهم؛ لأن نشاط المسلمين وقوتهم مما يحزن العدو، مما يغيظ العدو، ولهذا أمرهم أن يرملوا حتى يعلم العدو نشاطهم، وكَذِبَ قولهم: إن الحمى وهنتهم، وأن يمشوا بين الركنين؛ لأنهم إذا كانوا بين الركنين اختفوا عن المشركين، والمشركون كانوا من جهة قعيقعان من جهة الحجر، فإذا كان الطَّوَاف بين الركنين ما رأوهم في ذلك الوقت.
قال: ولم يمنعهم من الرمل في الأشواط كلها إلا الإبقاءَ، لعل النصب أولى مفعول لأجله، ولم يمنعهم إلا من أجل أن يبقوا، لم يمنعهم النبي ﷺ إلا الإبقاءَ، أي إلا من أجلهم: الإبقاءَ: النصب أولى.
والحديث الثالث: حديث ابن عباس أن النبي ﷺ طاف على بعير
стр. 476
يستلم الركن بمحجن، هذا يدل على أنه يجوز الطواف على البعير، بالعربانة يجوز، ولكن الطواف بالمشي أولى وأفضل، فإن طاف على بعير، أو بعربانة جاز ذلك.
وقال قوم: لا يجوز إلا من علة كالمرض، والصواب أنه يجوز، كما يسعى أيضاً يجوز إن كان أرفق به، أو لثقله، أو لشدة الزحام، طاف من بعيد، لا بأس في عربانة، أو في سيارة، لو وجد ما يمكن ذلك، فالحاصل أن مثل هذا يجوز، لأن النبي طاف على بعير ﵊ لما كثر الناس، وهكذا سعى ﵊ لكن كونه يمشي مع القدرة أولى وأفضل.
وفيه أنه يستلم الركن بالمحجن، وهي عصا لها رأس محنية كالمشعاب يمدّه هكذا، ويُقبّل المحجن، وهكذا إذا استلمه بيده يُقبل يده، فإن تيسّر تقبيله قبّله، كما تقدم في حديث عمر، وإن لم يتيسر استلمه بيده، أو بمحجن وقبّله، وإن لم يتيسر ذلك أشار، فالأحوال ثلاث:
الحال الأولى: أن يُقبّل، يتمكن ويقبل بدون مشقة، فالسُّنة أن يقبل ويكبر يقول: اللَّه أكبر، ويستلمه مع ذلك.
الحال الثانية: أن لا يستطيع إلا باليد، يستلم بيده، ويقبّل يده ويكبّر.
الحال الثالثة: أن لا يستطيع بيده، ولا بفمه، ولكن بالعصا يمدها، ويستلمه بها، ويقبّل طرفها إذا تيسر ذلك، أما إذا كان في مدّها أذى للناس، أو مشقّة، فلا، لا يؤذي الناس، بل يشير من بعيد،
стр. 477
وهذه الحال الرابعة، وهي الإشارة الحالة الرابعة يشير، ويكبر من دون مسّ يشير من بعيد ويكبر.
وهكذا حديث ابن عمر أن النبي ﷺ خبَّ ثلاثة أشواط، ومشى أربعة، السنة أنه في طواف القدوم يخبّ ثلاثة أشواط، يعني يعجِّل: يهرول، والأربعة الباقية يمشي مشياً، هذا في طواف القدوم خاصة في العمرة، والحج، أما بقية الأطوفة: طواف الإفاضة، طواف الوداع، الأطوفة الأخرى، هذه ما يهرول، يمشي مشياً، إلا طواف القدوم للرجال خاصة، أما النساء لا يهرولن، يمشين مشياً لأنهن عورة، وهكذا الاضطباع، كونه يجعل وسط الرداء تحت إبطه الأيمن، وطرفه على عاتقه، هذا في طواف القدوم خاصة، أي الاضطباع، وما سواه يجعل رداءه على كتفيه، ويلفَّه على صدره، هذا السنة في الرداء دائماً, دائماً في حالة واحدة إلا في طواف القدوم عند الطواف؛ فإنه يجعل وسطه تحت إبطه الأيمن، ويجعل طرفه على عاتقه الأيسر، في طواف القدوم خاصة، وهكذا الرمل في طواف القدوم في الأشواط الثلاثة الأول، أما بقية الأطوفة، فليس فيها رمل، وليس فيها اضطباع.
الحديث الأخير حديث ابن عمر: أن النبي لم يستلم من الكعبة إلا الركنين اليمانيين، هذا السُّنة استلام الركنين اليمانيين، الذي فيه الحجر، واليماني فقط, أما الركنان اللذان يتصلان بالحجر، فالسنة أن لا يستلمهما، ولا يكبر عندهما، لأن الرسول ما فعل ذلك
стр. 478
- ﵊، وإنما الاستلام للركنين اليمانيين، وهما الركن الذي فيه الحجر الأسود، والركن الثاني الذي قبله عند الطواف، فهذان يُستلمان، أما التقبيل فيختصّ بالحجر الأسود، فلا يُقبّل إلا الأسود خاصة، أما الاستلام فلهما جميعاً، والتكبير لهما جميعاً عند الاستلام، فإن لم يتيسر أشار إلى الحجر الأسود، ولم يشر إلى الركن اليماني، فإن لم يتيسر الاستلام أشار إلى الحجر الأسود خاصة، وكبّر، أما اليماني، فلا يشار إليه، لأن النبي ما كان يشير إليه، أما ما يوجد في بعض المناسك من أنه يشار إليه ليس عليه دليل، الإشارة للحجر الأسود خاصة، أما إذا تمكن من الركن اليماني فيستلمه، ويكبّر، أما الركنان الآخران اللذان على حافة الحجر، فلا يستلمان، ولا يقبّلان، ولا يشار إليهما (١).
٤٣ - باب التمتُّع (٢)
٢٣٦ - عن أبي جَمَرة نصر بن عمران الضُّبَعي قال: «سَأَلْتُ ابْنَ عَبَّاسٍ عَنِ الْمُتْعَةِ؟ فَأَمَرَنِي بِهَا، وَسَأَلَتْهُ عَنِ الْهَدْيِ؟ فَقَالَ: فِيهِا (٣) جَزُورٌ، أَوْ بَقَرَةٌ، أَوْ شَاةٌ، أَوْ شِرْكٌ فِي دَمٍ، قَالَ: وَكَأنَّ نَاساً كَرِهُوهَا، فَنِمْتُ، فَرَأَيْتُ فِي الْمَنَامِ وكَأَنَّ (٤) إنْسَاناً يُنَادِي: حَجٌّ مَبْرُورٌ، وَمُتْعَةٌ مُتَقَبَّلَةٌ، فَأَتَيْتُ
وَلَمْ يَنْهَ عَنْهَا حَتَّى مَاتَ، قَالَ رَجُلٌ بِرَايِهِ مَا شَاءَ» (١).
قال البخاري: يقال: إنه عُمر (٢).
ولمسلمٍ، «نَزَلَتْ آيَةُ الْمُتْعَةِ ــ يَعْنِي مُتْعَةَ الْحَجِّ ــ وَأَمَرَنَا بِهَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ ، ثُمَّ لَمْ تَنْزِلْ آيَةٌ تَنْسَخُ آيَةَ مُتْعَةِ الْحَجِّ. وَلَمْ يَنْهَ عَنْهَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ (٣) حَتَّى مَاتَ» (٤).
وَلَهُمَا (٥) بِمَعْنَاهُ (٦).
٦٣ - قال الشارح ﵀:
هذه الأحاديث الأربعة كلها تتعلق بالتمتع بالعمرة إلى الحج، وقد دلَّ كتاب اللَّه ، وسُنة رسوله ﵊ على شرعية ذلك، وأن اللَّه جلّ وعلا شرع لعباده أن يتمتعوا بالعمرة إلى الحج؛ لما في ذلك من جمع النُّسكين العظيمين؛ ولأن العودة إلى مكة بنسك آخر قد يشق على الناس، وقد لا يتيسر لهم، قد يكون في بلاد بعيدة، فيسّر اللَّه له أن يجمع بينهما، ولو في سفرة واحدة.
стр. 482
والتمتع في الحج هو أن يعدّ من أول الحج، وأنه يُحرم بالعمرة والحج جميعاً، ويسمَّى قارناً، أو يُحرم بالعمرة، ثم إذا تحلَّل منها في أشهر الحج بعد رمضان، إذا طاف وسعى وقصّر حَلّ، ثم أحرم بالحج في وقته في اليوم الثامن من ذي الحجة، كما فعل أصحاب النبي ﵊ بأمره، وهذا هو الأفضل, أفضل من القران كونه يُحرم بالعمرة بعد رمضان في شوال، أو في ذي القعدة، أو أول ذي الحجة، ثم يتحلَّل منها بالطواف، والسعي، والتقصير، ثم يُلبّي بالحج في وقته، هذا هو التمتّع الكامل، وهذا هو الأفضل، والذي أرشد إليه النبي ﷺ أصحابه، وأمرهم به إذا ما كان معهم هدي: أي ما ساقوا هدياً من بلادهم، ولا من الطريق، هذا هو السُّنة لهم أن يطوفوا, ويسعوا, ويقصّروا ويجعلوها عمرة، حتى لو كانوا سمَّوا بالحج عند الإحرام يفسخوه إلى عمرة، ولو كانوا سمّوا حجاً وعمرة جميعاً يجعلوها عمرة، كما دلّ عليه حديث ابن عمر المذكور هنا، فإن الصحابة منهم من أحرم بالحج من ذي الحليفة، ومنهم من أحرم بالحج والعمرة جميعاً قِراناً، ومنهم من أحرم بالعمرة وحدها، والنبي ﷺ أحرم بالحج والعمرة جميعاً، أهّل بالحج والعمرة جميعاً، وقال لبيك عمرةً وحجاً، كما ذكر ابن عمر، وذكره غيره.
فلما وصل مكة ﵊، لما دنا من مكة، قال للناس الذين أحرموا بالعمرة، أو بالحج وحده، أو بهما جميعاً: «اجْعَلُوهَا
стр. 483
عُمْرَةً» (١)، فلما طافوا وسعوا أكَّد عليهم بأن يجعلوها عمرة، الذين ما معهم هدي وأما من كان معه هدي فأمره أن يطوف ويسعى، ويبقى على إحرامه، ومنهم النبي ﷺ ، فبقي على إحرامه، حتى حلّ يوم العيد من عمرته [وحجه]؛ لأنه قد ساق الهدي من المدينة، وكل من ساق الهدي من أي بلاد، أو من الطريق، يُشرع له أن يكون محرماً بالحج والعمرة جميعاً، وأن يبقى على إحرامه، وإذا كان قد أَهلّ بالحج وحده؛ فإنه يبقى على إحرامه، حتى يحل من حجه يوم النحر، وإن كان أحرم بهما، أو بالعمرة وحدها، فإنه يلبّي بالحج معها، فيبقى على إحرامه مادام معه الهدي.
وبيّن ابن عباس ﵄ أن المتمتع عليه جزور، أو بقرة، أو شاة، أو شرك في دم، لقوله تعالى: ﴿فَمَنْ تَمَتَّعَ بِالْعُمْرَةِ إِلَى الْحَجِّ فَمَا اسْتَيْسَرَ مِنَ الْهَدْيِ﴾ (٢)، أي فليذبح ما استيسر من الهدي، والمستيسر ناقة، أو بقرة، أو شاة، أو سبع من البقرة، أو البدنة، أحد خمسة أمور: إما ناقة تامة, أو بقرة تامة, أو شاة, أو سُبع من بدنة, أو سبع من بقرة، إذا كان متمتعاً بهما جميعاً.
ولما أفتى ابن عباس أبا جمرة، نام أبو جمرة، ورأى في منامه أحداً يقول: «حج مبرور، ومتعة مُتقبَّلة»، فأخبر ابن عباس بالرؤيا
стр. 484
المذكورة، فقال له ابن عباس: «سُنة أبي القاسم ﷺ »، أي هذه الرؤيا التي رأيتها هي التي درج عليها الرسول ﷺ (١)، وهي التي أفتى بها ابن عباس، والرؤيا الصالحة تؤيد الشرع، ولا تخالفه.
وفي حديث حفصة ﵂ ما يوافق حديث ابن عمر، قالت: «ما شأن الناس حلّوا من العمرة، ولم تحل أنت من عمرتك؟!»، قال: «إنِّي لَبَّدْتُ رَاسِي، وَقَلَّدْتُ هَدْيِي، فَلا أَحِلُّ حَتَّى أَنْحَرَ» (٢).
حفصة هي بنت عمر أمّ المؤمنين، دل حديثها على أن النبي ﷺ لم يحلّ؛ لأن معه الهدي، ساق معه ثلاثاً وستين بدنة من المدينة، وأتاه من اليمن مع علي سبع وثلاثون، صار الجميع مائة ناقةٍ، أهداها ﵊، هكذا كل من أهدى، لا يحل بل يطوف، ويسعى، ويبقى على إحرامه حتى ينحر يوم النحر, وأما الذي ما معه هدي، فإنه يطوف، ويسعى، ويقصر، ويحل، كما أمر النبي ﷺ الصحابة في حديث ابن عمر السابق، وفي أحاديث أُخرى كثيرة.
تلبيد الرأس: كونه يُضَمُّ بعضه إلى بعض، ويُجعل فيه شيء يمسكه، كصمغ أو نحوه، حتى لا يتشعّث، هذا يُسمى تلبيد.
وفي حديث عمران الدَّلالة على ما دلّ حديث ابن عمر، وابن عباس على أن العمرة باقية لم تُنسخ، وأن السُّنة أن يأتي بالعمرة إذا
стр. 485
جاء إلى مكة: إما مفردة [...] (١) أو بهما جميعاً (٢)، إذا كان معه هدي لا يحلّ، بل يبقى على إحرامه كما تقدم, وعمران بن حصين انتقد من قال له: يأتي بحج مفرد، ذكر أن السنة جاءت بانتقاد أن يقول الرجل برأيه ما شاء، يشير إلى أن ما جاء عن عمر، وعن الصديق، وعن عثمان أفتوا بأن الأفضل الحج المفرد, هذا اجتهاد منهم ﵃ وأرضاهم، فهم أحبوا أن يتكرر [مجيء] الناس إلى مكة، وأن يكون هناك سفرات كثيرة للحج والعمرة، اجتهاداً منهم.
والصواب ما قاله ابن عباس في هذا، وما قال عمران، وأن الأفضل أن يدخل بعمرة، لا بحجٍّ مفرد، هذا هو السنة، خلافاً لما يُروى عن الصديق، وعن عمر، وعن عثمان رضي اللَّه تعالى عنهم، فهم قالوا هذا اجتهاداً، لكن السُّنة بخلاف ما ذكروا، فالسُّنة لمن أتى إلى مكة من أي بلد أن يُحرم بالعمرة من الميقات، أو بهما جميعاً، ثم يتحللّ بطواف، وسعي، وتقصير، ويبقى حلالاً إلى وقت الحج، إلا أن يكون معه الهدي، إذا كان معه هدي لا يحل حتى يحلَّ يوم النحر.
وأما إحرامه بالحج وحده، فهو غير مشروع، ليس بمشروع (٣) فالأفضل تركه، لكن يُحرم بالعمرة، ثم يتحلل منها، ثم يُحرم بالحج
стр. 486
في وقته، هذا هو الذي فعله الصحابة بأمر النبي ﷺ ، والنبي حج قارناً؛ لأن معه الهدي, فمن كان معه الهدي شُرع له أن يفعل ما فعله النبي ﷺ من البقاء على إحرامه، ويطوف، ويسعى، ويبقى على إحرامه حتى يحل يوم النحر، ومن لم يكن معه هدي، فالسنة أن يفعل كما فعل الصحابة يطوف، ويسعى، ويقصّر، ويتحلّل، ولو كان سمّى حجاً يجعلها عمرة، فإذا طاف، وسعى، وقصّر تحلّل، وصارت عمرة شرعية، وعليه الهدي، إن قَدِر، فإن لم يستطع صام عشرة أيام، كما في حديث ابن عمر ثلاثة في الحج، وسبعة إذا رجع إلى أهله، ثلاثة في الحج أي قبل يوم عرفة، وسبعة إذا رجع إلى أهله، فهذه هي السُّنة كما قال جل وعلا: ﴿فَإِذَا أَمِنْتُمْ فَمَنْ تَمَتَّعَ بِالْعُمْرَةِ إِلَى الْحَجِّ فَمَا اسْتَيْسَرَ مِنَ الْهَدْيِ فَمَنْ لَمْ يَجِدْ فَصِيَامُ ثَلَاثَةِ أَيَّامٍ فِي الْحَجِّ وَسَبْعَةٍ إِذَا رَجَعْتُمْ تِلْكَ عَشَرَةٌ كَامِلَةٌ﴾ (١)، هذا هو السُّنة، وإن صام الثلاثة في أيام النحر أجزأه، خاصة للمُهدي [أي: من عليه هدي] إذا عجز عن الهدي، صام أيام النحر، جازت له خاصة، دون بقية الناس، ولكن الأفضل أن يقدمها على عرفة، ويصومها قبل الحج، ثم السبعة عند أهله إذا رجع، تيسيراً من اللَّه، وتسهيلاً منه .
٤٤ - باب الهدي
٢٤٠ - عن عائشة ﵂ قالت: «فَتَلْتُ قَلائِدَ هَدْيِ النبي ﷺ ، ثُمَّ
٢٤٣ - عن علي بن أبي طالب ﵁ قال: «أَمَرَنِي النبيُّ ﷺ أَنْ أَقُومَ عَلَى بُدْنِهِ، وَأَنْ أَتَصَدَّقَ بِلَحْمِهَا، وَجُلُودِهَا، وَأَجِلَّتِهَا، وَأَنْ لا أُعْطِيَ الْجَزَّارَ مِنْهَا شَيْئًا، وَقَالَ: «نَحْنُ نُعْطِيهِ مِنْ عِنْدِنَا» (١).
٢٤٤ - عن زياد بن جُبير قال: «رَأَيْتُ ابْنَ عُمَرَ قد أَتَى عَلَى رَجُلٍ قَدْ أَنَاخَ بَدَنَتَهُ يَنَحَرُهَا (٢)، فَقَالَ: ابْعَثْهَا قِيَاماً مُقَيَّدَةً، سُنَّةَ مُحَمَّدٍ ﷺ » (٣).
٦٤ - قال الشارح ﵀:
هذه الأحاديث الخمسة كلها تتعلق بالهدي، وهو ما يُهدى إلى مكة من الهدي، تقرباً إلى اللَّه ، ليذبح هناك في الحرم.
والهدي إلى مكة سُنة وقربة، وقد أهدى النبي ﷺ غنماً، وأهدى إبلاً, فالسُّنة ذبحها هناك، يعني في الحرم تقرباً إلى الله ، وتوزَّع بين الفقراء والمساكين: مساكين الحرم، وهذا الهدي سُنة وقُربة وطاعة, أما الهدي الذي يجب بالتمتع، والقران، أو بشيء من ترك الواجبات، أو فعل المحرمات، فيُسمَّى هدي واجب، ويُسمَّى فدية أيضاً، أما هذا الهدي الذي ذكرت عائشة، وذكر علي وغيره، هذا الهدي الذي يتطوع به المؤمن من بلاده، أو يشتريه من الطريق ويهديه إلى هناك هدياً بالغ
стр. 489
الكعبة يتقرب به إلى الله .
تقول عائشة ﵂: «إنها فتلت قلائد هدي الرسول ﷺ بيديها، ثم أشعرها»، وتقول: «إنه أهدى مرة غنماً»، هذا يدلّ على أنه يُشرع الهدي من الغنم، والإبل، والبقر، كله قربة، وكله طاعة، وأن السُّنّة أن تُقلّد بقلائد تُعرف، وتُشعر الإبل، والإشعار هو أن تجرح في سنامها جرحاً يُبين أنها هدي، حتى لو عطبت، أو ضلت يُعرف أنها هدي، وهذا في الإبل خاصة.
والقلائد كونها تقلّد بقلادة يعرف أنها هدي، بقلادة معروفة: نعل، أو من النعل، شيء يعرف أنه هدي، شيء تعارف الناس فيه أنه يجعل على الهدي، حتى إذا ضلّ أو عطب ينحر ويؤكل.
وفيه أن المهدي لا يَحرُمُ عليه شيء كان له حلالاً، وفي هذا قالت: فما حرم عليه شيء كان له حلالاً ﵊، فإذا أهدى فله أن يأتي أهله، وله أن يقلّم أظفاره، وله أن يحلق شعره، لا بأس عليه، أما المُضحِّي إذا أراد أن يُضحِّي مع دخول شهر ذي الحجة، فإنه لا يأخذ من شعره، ولا من أظفاره شيئاً، هذا للمضحي خاصة، الذي يسوق المال من ماله، يبذل المال، ويشتري الضحية يتطوع بها، هذا لا يأخذ من شعره، ولا من أظفاره شيئاً، أما زوجته، وأهله، فليس عليهم بأس من ذلك، هو الذي أخرج المال من ماله، وأراد أن يضحي إذا دخل الشهر شهر ذي الحجة، فلا يأخذ شيئاً حتى
стр. 490
يضحي, أما إن كان وكيلاً على أن يذبح ضحايا سبالة (١)، فليس بمضحٍ، ما عليه شيء، له أن يأخذ من شعره؛ لأنه ليس بمضحٍ، وإنما هو وكيل.
كذلك حديث البدنة، ركوب البدنة لا بأس للإنسان إذا أهدى بدنة له أن يركبها عند الحاجة إذا احتاج إليها له أن يركب ركوباً لا يضرها، وله أن يضع عليها الشيء الخفيف الذي لا يضرها، لا بأس بذلك؛ ولهذا قال له النبي: «اركبها ويلك، أو ويحك» , فإذا احتاج إليها لا يمشي على الأرض، يركبها حتى يصل، ركوباً لا يضرها.
كذلك حديث علي فيه أن الهدي يُقسَّم كله: لحومه، وجلوده، وأجِلَّته (٢)، ولهذا قسم علي هدي النبي ﷺ ، قسم: لحمها، وجلودها، وأجلتها، والجلال إذا كان نواه المهدي أنه هدي يقسم، وإن كان ما نواه إنما أراد تجليلها به ثم أخذه، فله نيَّته، فإذا نوى أنه هدي، فإنه يوزع على الفقراء مع جلدها، أو مع لحمها، أما إذا ما نواه هدي, وإنما جعله مؤقتاً حتى تصل البلد، أو حتى تنحر، فله نيته، وهذا التقسيم واجب؛ لأنها للفقراء والمساكين، فتقسم عليهم في الحرم:
стр. 491
اللحوم والجلود,، والأجلة، إذا نُوِي تقسيمها تقسم على الفقراء والمحاويج، وفي هذا أن الجزار لا يُعطى شيئاً من اللحم، ولا من الجلود؛ ولهذا قال: «نحن نعطيه من عندِنا»، فدلّ ذلك على أن الجزار لا يُعطى أجرته من الهدي، وإنما يُعطى من الخارج، والهدي يكون للَّه، لا يكون فيه أجرة الجزار، ولا غير الجزار.
وفي حديث ابن عمر، وهو الحديث الخامس: الدَّلالة على أن الإبل تُذبح واقفة، تنحر واقفة، معقولة يدها اليسرى, هذا إذا تيسر، إذا استطاع الناحر أن يذبحها واقفة، نحرها واقفة، وتعقل يدها اليسرى، تنحر وهي على ثلاث، هذا هو السُّنة، فإن لم يتيسر ذلك أناخها، ونحرها، فلا بأس إذا خاف منها، أو لم يستطع؛ لكونها شديدة، والمقصد من ذلك أنه إذا لم يتيسر نحرها وهي واقفة، فلا مانع من نحرها وهي مناخة، وإن تيسر أن تنحر وهي واقفة معقولة يدها اليسرى، فهذا هو الأفضل، وهو السُّنة.
٤٥ - باب الغسل للمحرم
٢٤٥ - عن عبد اللَّه بن حُنين، «أَنَّ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ عَبَّاسٍ ﵄، وَالْمِسْوَرَ بْنَ مَخْرَمَةَ ﵁ اخْتَلَفَا بِالأَبْوَاءِ، فَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: يَغْسِلُ الْمُحْرِمُ رَاسَهُ، وَقَالَ الْمِسْوَرُ: لا يَغْسِلُ المحرم رَاسَهُ، قَالَ: فَأَرْسَلَنِي ابْنُ عَبَّاسٍ إلَى أَبِي أَيُّوبَ الْأَنْصَارِيِّ ﵁ فَوَجَدْتُهُ يَغْتَسِلُ بَيْنَ الْقَرْنَيْنِ،
صَبِيحَةَ رَابِعَةٍ من ذي الحجة مهلين بالحج (١)، فَأَمَرَهُمْ أَنْ يَجْعَلُوهَا عُمْرَةً، فَقَالُوا: يَا رَسُولَ اللَّهِ، أَيُّ الْحِلِّ؟ قَالَ: «الْحِلُّ كُلُّهُ» (٢).
٦٥ - قال الشارح ﵀:
هذه الأحاديث تتعلق بشؤون الحج.
الحديث الأول: حديث ابن عباس، والمسور في قصة الغسل للمحرم، حديث ابن عباس والمسور في اختلافهما في ذلك، قال ابن عباس: يغسل المحرم رأسه، قال المسور: لا يغسله، ووجه إشكال المسور، أن المسور بن مخرمة ﵁، وهو صحابي صغير ظنَّ أن الغسل لا يجوز للمحرم؛ لأنه قد يُسبب شيئاً من السقوط للشعر عند تحريك غسل الرأس، وابن عباس استند إلى ما جاء عن النبي ﷺ في ذلك؛ فلهذا أرسل عبداللَّه بن حنين إلى أبي أيوب الأنصاري، وهو خالد بن زيد الأنصاري يسأله عن ذلك، فبين له أبو أيوب: أن الرسول ﵊ كان يغسل رأسه، كان يصب الماء على رأسه، فيمر يديه على رأسه، فدل ذلك على أنه لا بأس من اغتسال المحرم، وهذا هو الصواب؛ لأنه فعل النبي ﵊، فالمحرم لا بأس أن يغتسل للحرِّ، أو لإزالة الوسخ، أو نحو ذلك، أو قد
стр. 495
يحتلم فتصيبه جنابة بالاحتلام فيغتسل، لا يضره ذلك، ولو أمر يديه على رأسه لا يضر، حتى ولو سقط شيء من الشعر؛ لأن الشعر الذي يسقط قد يكون شعراً ميتاً لا يضر، فلو سقط شيء من الشعر عند مروره بيديه على رأسه لم يضره ذلك؛ لأن مثل هذا الشعر إنما يكون شعراً ميتاً يسقط بأقل لمس.
وبذلك ظهر إصابة ابن عباس في جواز الغسل المحرم رأسه، ولهذا قال المسور: لا أماريك (١) بعدها أبداً، يعني لظهور الحجة معه والدليل، وكان ابن عباس ﵁ بحراً في العلم، وقد أعطاه اللَّه علماً كثيراً، وحفظ من السنة الشيء الكثير، وتفقه فيها، وسأل عنها الصحابة ﵃ وأرضاهم؛ ولهذا حصل على علم كثير ﵁؛ ولهذا يقال له: حبر الأمة: وهو ترجمان القرآن ﵁ وأرضاه.
وفي الأحاديث الثلاثة حديث جابر، وجابر (٢)، وابن عباس الدلالة على مشروعية فسخ الحج إلى العمرة، وأن من قدم مكة بحج مفرد، أو بحج وعمرة قارناً، وليس معه هدي، فإن السُّنة أن يفسخ حجَّه إلى عمرة, يعني يجعل إحرامه عمرة؛ لأن الرسول ﷺ أمر الصحابة بذلك، لما قدموا في حجة الوداع أشار عليهم بأن يجعلوها عمرة، لما دنوا من مكة، فلما طافوا، وسعوا، أمرهم أن يجعلوها عمرة، وسألوه: أي الحل؟ قال: «الْحِلُّ كُلُّهُ»، وكان أغلبهم