← Шархи хадиса

Шархи хадиса · id 13282

الإفهام في شرح عمدة الأحكام

ابن باز

Полный текст (893 стр.). Показаны 491–530 · переход к 496.

стр. 491

اللحوم والجلود,، والأجلة، إذا نُوِي تقسيمها تقسم على الفقراء والمحاويج، وفي هذا أن الجزار لا يُعطى شيئاً من اللحم، ولا من الجلود؛ ولهذا قال: «نحن نعطيه من عندِنا»، فدلّ ذلك على أن الجزار لا يُعطى أجرته من الهدي، وإنما يُعطى من الخارج، والهدي يكون للَّه، لا يكون فيه أجرة الجزار، ولا غير الجزار. وفي حديث ابن عمر، وهو الحديث الخامس: الدَّلالة على أن الإبل تُذبح واقفة، تنحر واقفة، معقولة يدها اليسرى, هذا إذا تيسر، إذا استطاع الناحر أن يذبحها واقفة، نحرها واقفة، وتعقل يدها اليسرى، تنحر وهي على ثلاث، هذا هو السُّنة، فإن لم يتيسر ذلك أناخها، ونحرها، فلا بأس إذا خاف منها، أو لم يستطع؛ لكونها شديدة، والمقصد من ذلك أنه إذا لم يتيسر نحرها وهي واقفة، فلا مانع من نحرها وهي مناخة، وإن تيسر أن تنحر وهي واقفة معقولة يدها اليسرى، فهذا هو الأفضل، وهو السُّنة. ٤٥ - باب الغسل للمحرم ٢٤٥ - عن عبد اللَّه بن حُنين، «أَنَّ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ عَبَّاسٍ ﵄، وَالْمِسْوَرَ بْنَ مَخْرَمَةَ ﵁ اخْتَلَفَا بِالأَبْوَاءِ، فَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: يَغْسِلُ الْمُحْرِمُ رَاسَهُ، وَقَالَ الْمِسْوَرُ: لا يَغْسِلُ المحرم رَاسَهُ، قَالَ: فَأَرْسَلَنِي ابْنُ عَبَّاسٍ إلَى أَبِي أَيُّوبَ الْأَنْصَارِيِّ ﵁ فَوَجَدْتُهُ يَغْتَسِلُ بَيْنَ الْقَرْنَيْنِ،

стр. 492

وَهُوَ يستَترُ (١) بِثَوْبٍ، فَسَلَّمْت عَلَيْهِ، فَقَالَ: مَنْ هَذَا؟ فَقُلْت (٢): أَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ حُنَيْنٍ، أَرْسَلَنِي إلَيْكَ ابْنُ عَبَّاسٍ يَسْأَلُكَ: كَيْفَ كَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يَغْسِلُ رَاسَهُ وَهُوَ مُحْرِمٌ؟ فَوَضَعَ أَبُو أَيُّوبَ يَدَهُ عَلَى الثَّوْبِ، فَطَاطَأَهُ، حَتَّى بَدَا لِي رَاسُهُ، ثُمَّ قَالَ لإِنْسَانٍ يَصُبُّ عَلَيْهِ الْمَاءَ: «اصْبُبْ»، فَصَبَّ عَلَى رَاسِهِ، ثُمَّ حَرَّكَ رَاسَهُ بِيَدَيْهِ، فَأَقْبَلَ بِهِمَا وَأَدْبَرَ، ثُمَّ قَالَ: هَكَذَا رَأَيْتُهُ ﷺ يَفعلُ» (٣). وفي رواية، فقال المسور لابن عباس: لا أُمَارِيكَ بعدها (٤) أَبَداً (٥) (٦). ٤٦ - باب فسخ الحج إِلى العمرة ٢٤٦ - عن جابر ﵁ (٧) قال: «أَهَلَّ النَّبِيُّ ﷺ وَأَصْحَابُهُ بِالْحَجِّ، وَلَيْسَ مَعَ أَحَدٍ مِنْهُمْ هَدْيٌ، غَيْرَ النَّبِيِّ ﷺ وَطَلْحَةَ، وَقَدِمَ عَلِيٌّ مِنَ الْيَمَنِ، فَقَالَ: أَهْلَلْتُ بِمَا أَهَلَّ بِهِ النَّبِيُّ ﷺ . فَأَمَرَ النَّبِيُّ ﷺ أَصْحَابَهُ أَنْ

стр. 493

يَجْعَلُوهَا عُمْرَةً. فَيَطُوفُوا، ثُمَّ يُقَصِّرُوا وَيَحِلُّوا، إلَاّ مَنْ كَانَ مَعَهُ الْهَدْيُ، فَقَالُوا: نَنْطَلِقُ إلَى مِنىً، وَذَكَرُ أَحَدِنَا يَقْطُرُ، فَبَلَغَ ذَلِكَ النَّبِيَّ ﷺ ، فَقَالَ: «لَوِ اسْتَقْبَلْتُ مِنْ أَمْرِي مَا اسْتَدْبَرْتُ، مَا أَهْدَيْتُ، وَلَوْلا أَنَّ مَعِي الْهَدْيَ لأَحْلَلْتُ». وَحَاضَتْ عَائِشَةُ، فَنَسَكَتِ الْمَنَاسِكَ كُلَّهَا، غَيْرَ أَنَّهَا لَمْ تَطُفْ بِالْبَيْتِ، فَلَمَّا طَهُرَتْ طَافَتْ بِالْبَيْتِ، قَالَتْ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، يَنْطَلِقُونَ (١) بِحَجٍّ (٢) وَعُمْرَةٍ وَأَنْطَلِقُ بِحَجٍّ؟ فَأَمَرَ عَبْدَ الرَّحْمَنِ بْنَ أَبِي بَكْرٍ أَنْ يَخْرُجَ مَعَهَا إلَى التَّنْعِيمِ، فَاعْتَمَرَتْ بَعْدَ الْحَجِّ» (٣). ٢٤٧ - عن جابر بن عبد اللَّه ﵄ (٤) قال: «قَدِمْنَا مَعَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ ، وَنَحْنُ نَقُولُ: لَبَّيْكَ بِالْحَجِّ، فَأَمَرَنَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ فَجَعَلْنَاهَا عُمْرَةً» (٥). ٢٤٨ - عن عبد اللَّه بن عباس بقال: «قَدِمَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ وَأَصْحَابُهُ

стр. 494

صَبِيحَةَ رَابِعَةٍ من ذي الحجة مهلين بالحج (١)، فَأَمَرَهُمْ أَنْ يَجْعَلُوهَا عُمْرَةً، فَقَالُوا: يَا رَسُولَ اللَّهِ، أَيُّ الْحِلِّ؟ قَالَ: «الْحِلُّ كُلُّهُ» (٢). ٦٥ - قال الشارح ﵀: هذه الأحاديث تتعلق بشؤون الحج. الحديث الأول: حديث ابن عباس، والمسور في قصة الغسل للمحرم، حديث ابن عباس والمسور في اختلافهما في ذلك، قال ابن عباس: يغسل المحرم رأسه، قال المسور: لا يغسله، ووجه إشكال المسور، أن المسور بن مخرمة ﵁، وهو صحابي صغير ظنَّ أن الغسل لا يجوز للمحرم؛ لأنه قد يُسبب شيئاً من السقوط للشعر عند تحريك غسل الرأس، وابن عباس استند إلى ما جاء عن النبي ﷺ في ذلك؛ فلهذا أرسل عبداللَّه بن حنين إلى أبي أيوب الأنصاري، وهو خالد بن زيد الأنصاري يسأله عن ذلك، فبين له أبو أيوب: أن الرسول ﵊ كان يغسل رأسه، كان يصب الماء على رأسه، فيمر يديه على رأسه، فدل ذلك على أنه لا بأس من اغتسال المحرم، وهذا هو الصواب؛ لأنه فعل النبي ﵊، فالمحرم لا بأس أن يغتسل للحرِّ، أو لإزالة الوسخ، أو نحو ذلك، أو قد

стр. 495

يحتلم فتصيبه جنابة بالاحتلام فيغتسل، لا يضره ذلك، ولو أمر يديه على رأسه لا يضر، حتى ولو سقط شيء من الشعر؛ لأن الشعر الذي يسقط قد يكون شعراً ميتاً لا يضر، فلو سقط شيء من الشعر عند مروره بيديه على رأسه لم يضره ذلك؛ لأن مثل هذا الشعر إنما يكون شعراً ميتاً يسقط بأقل لمس. وبذلك ظهر إصابة ابن عباس في جواز الغسل المحرم رأسه، ولهذا قال المسور: لا أماريك (١) بعدها أبداً، يعني لظهور الحجة معه والدليل، وكان ابن عباس ﵁ بحراً في العلم، وقد أعطاه اللَّه علماً كثيراً، وحفظ من السنة الشيء الكثير، وتفقه فيها، وسأل عنها الصحابة ﵃ وأرضاهم؛ ولهذا حصل على علم كثير ﵁؛ ولهذا يقال له: حبر الأمة: وهو ترجمان القرآن ﵁ وأرضاه. وفي الأحاديث الثلاثة حديث جابر، وجابر (٢)، وابن عباس الدلالة على مشروعية فسخ الحج إلى العمرة، وأن من قدم مكة بحج مفرد، أو بحج وعمرة قارناً، وليس معه هدي، فإن السُّنة أن يفسخ حجَّه إلى عمرة, يعني يجعل إحرامه عمرة؛ لأن الرسول ﷺ أمر الصحابة بذلك، لما قدموا في حجة الوداع أشار عليهم بأن يجعلوها عمرة، لما دنوا من مكة، فلما طافوا، وسعوا، أمرهم أن يجعلوها عمرة، وسألوه: أي الحل؟ قال: «الْحِلُّ كُلُّهُ»، وكان أغلبهم

стр. 496

ليس معه هدي، وإنما أهدى النبي ﷺ وطلحة، وقدم علي بإبل من اليمن، فأمره النبي ﷺ أن يبقى على إحرامه لأنه مُهدٍ، وأمر الذين ليس معهم هدي أن يحلوا، ويطوفوا بالبيت، وبالصفا، والمروة، ثم يقصروا، ويحلوا حِلَّاً كاملاً، تكون عمرة مستقلة كاملة، لهم أن يلبسوا المخيط بعد ذلك، له أن يجامع أهله ويتطيب، لأنه حل كامل، وقال ﵊: «لولا أن معي الهدي لأحللت، ولو أني استقبلت من أمري ما استدبرت لَما أهديت، ولجعلتها عمرة»؛ لِما رأى عندهم من الشك والتوقف، حتى بصّرهم، وبيّن لهم ﵊: أن هذا الأمر هو الأمر المشروع، فسمعوا وأطاعوا، وحلوا بعد أن طافوا بالبيت، وسعوا بين الصفا والمروة، فدل ذلك أن هذا هو الأفضل، وأن من قَدِمَ إلى بيت اللَّه العتيق بعد رمضان في أشهر الحج، فالأفضل له أن يجعلها عمرة فقط. وأنساك العمرة: إحرام، وطواف، وسعي، وتقصير، أو حلق. هذه أنساكها، يُحرم من الميقات بنية الدخول في العمرة، ثم يلبي، ثم يستهلّ بالتلبية الشرعية: لبيك اللَّهم لبيك إلى آخر التلبية .. فإذا وصل مكة طاف بالبيت سبعة أشواط، وصلّى ركعتين خلف المقام، ثم سعى سبعة أشواط بين الصفا والمروة، ثم قصر أو حلق، هذه هي العمرة، ثم يبقى إذا كان قصده الحج يبقى حتى يأتي وقت الحج، فإذا جاء وقت الحج لبّى بالحج في اليوم الثامن من ذي الحجة، هذا هو الأفضل، كما فعل الصحابة بأمر النبي

стр. 497

- ﵊ في حجة الوداع، أمرهم لما كان اليوم الثامن أن يلبّوا بالحج، وبقي على إحرامه هو ﵊؛ لأنه ساق الهدي، وهكذا من ساق الهدي من أصحابه بقي على إحرامه، وقالت عائشة ﵂: يا رسول اللَّه ينطلقون بحجة وعمرة، وأنطلق بحج! لأنها حاضت، فلم يتيسر لها أن تحل من العمرة، كما أحل الناس، وأمرها النبي ﷺ أن تدخل حجها بالعمرة؛ لأنه جاء وقت الخروج إلى منى، وهي في حيضها، فأمرها أن تهلّ بالحج، وأن تكون قارنة، فأهلّت بالحج، وصارت قارنة، فلما جاء يوم النحر طافت، وسعت، وقصرت، وقال: «يجزئك هذا عن حجك، وعمرتك» (١)، صارت قارنة، أجزأها طوافها وسعيها، فقالت: يا رسول اللَّه، ينطلقون بحجة وعمرة! أي بحجة مفردة، وعمرة مفردة، تعني أصحابها الذين ليس معهم هدي، وأزواج النبي ﷺ كلهن ليس معهن هدي، كل أزواج النبي ﷺ حللن، جعلنها عمرة؛ فلهذا أمر النبي ﷺ عبدالرحمن أخاها أن يُعْمِرَها من التنعيم، يعني يخرج بها إلى التنعيم، وهو حِلٌّ قريب من مكة، أقرب الحل إلى مكة، فخرج بها، وأحرمت من هناك بالعمرة، وطافت، وسعت، وقصَّرت، وصار لها عمرة مستقلة بعد الحج، فدلَّ ذلك على أنه لا حرج لمن أراد عمرة من مكة أن يخرج إلى التنعيم، أو إلى أدنى

стр. 498

الحل فيعتمر، وهكذا من حج قارناً، ثم أراد أن يأخذ عمرة مفردة، كما فعلت عائشة، فلا بأس، أما النبي ﷺ وأصحابه، فاكتفوا بعمرتهم، ولم يخرجوا إلى الحل، فدل ذلك على أن الأمر واسع، من أراد أخذ عمرة بعد الحج فلا بأس، ومن تركه فلا بأس. وفيه أن هذا الحِل حِلٌّ كامل، كما قال ابن عباس حِلٌّ كامل، مثل حله بعد الحج، كما أن الحال في الحج إذا طاف وسعى وقصر يوم العيد، أو حلق ورمى الجمرة يوم العيد، يكون حله كاملاً، رمى الجمرة، وطاف بالبيت، وسعى، وقصر أو حلق، تَمَّ حله، فهكذا العمرة إذا طاف وسعى، وقصر حله كامل، له أن يأتي النساء، ويلبس المخيط الرجل ويتطيب، والمرأة كذلك لها أن يُباشرها زوجها، وأن تتطيب؛ لأنها حلت حلاً كاملاً بطوافها، وسعيها، وتقصيرها بالعمرة. ٢٤٩ - عن عروة (١) بن الزبير ﵄ قال: «سُئِلَ أُسَامَةُ بْنُ زَيْدٍ، وَأَنَا جَالِسٌ: كَيْفَ كَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يَسِيرُ في حجة الوداع (٢) حِينَ دَفَعَ؟ قَالَ: كَانَ يَسِيرُ الْعَنَقَ، فَإِذَا وَجَدَ فَجْوَةً نَصَّ» (٣). العنق: انبساط السير. والنصُّ: فوق ذلك.

стр. 499

٢٥٠ - عن عبد اللَّه بن عمرٍو ﵄، «أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ وَقَفَ فِي حَجَّةِ الْوَدَاعِ، فَجَعَلُوا يَسْأَلُونَهُ، فَقَالَ رَجُلٌ: لَمْ أَشْعُرْ، فَحَلَقْتُ قَبْلَ أَنْ أَذْبَحَ؟ قَالَ: «اذْبَحْ، وَلا حَرَجَ» فَجَاءَ (١) آخَرُ فَقَالَ: لَمْ أَشْعُرْ، فَنَحَرْتُ قَبْلَ أَنْ أَرْمِيَ؟ فقَالَ (٢): «ارْمِ، وَلا حَرَجَ» فَمَا سُئِلَ يَوْمَئِذٍ عَنْ شَيْءٍ قُدِّمَ وَلا أُخِّرَ إلَاّ قَالَ: «افْعَلْ، وَلا حَرَجَ» (٣). ٢٥١ - عن عبدالرحمن بن يزيد النَّخَعي «أَنَّهُ حَجَّ مَعَ ابْنِ مَسْعُودٍ ﵁، فَرَأَىهُ يَرْمِي الْجَمْرَةَ الْكُبْرَى بِسَبْعِ حَصَيَاتٍ، فَجَعَلَ الْبَيْتَ عَنْ يَسَارِهِ، وَمِنًى عَنْ يَمِينِهِ، ثُمَّ قَالَ: هَذَا مَقَامُ الَّذِي أُنْزِلَتْ عَلَيْهِ سُورَةُ الْبَقَرَةِ ﷺ » (٤).

стр. 500

٢٥٢ - عن عبداللَّه بن عمر ﵄، أن رسول اللَّه ﷺ قال: «اللَّهُمَّ ارْحَمِ الْمُحَلِّقِينَ» قَالُوا: وَالْمُقَصِّرِينَ يَا رَسُولَ اللَّهِ؟ (١) قَالَ: «اللَّهُمَّ ارْحَمِ الْمُحَلِّقِينَ» قَالُوا: وَالْمُقَصِّرِينَ يَا رَسُولَ اللَّهِ؟ (٢) قَالَ: «اللَّهُمَّ ارْحَمِ الْمُحَلِّقِينَ» قَالُوا: وَالْمُقَصِّرِينَ يَا رَسُولَ اللَّهِ؟ قال: «وَالْمُقَصِّرِينَ» (٣) (٤). ٦٦ - قال الشارح ﵀: هذه الأحاديث الأربعة كلها تتعلق بشؤون الحج. الحديث الأول أن أسامة بن زيد، وهو ابن حارثة مولى النبي ﷺ ، وحِبُّهُ، وابن حِبِّهِ أيضاً، سُئِل عن كيفيَّة سير النبي ﷺ لمَّا دفع: أي من عرفات إلى مزدلفة، قال: كان يسير العَنَق، فإذا وجد فجوة نصّ، الدفع من عرفات إلى مزدلفة في الغالب يكون فيه الزحام والكثرة،

стр. 501

فكان ﷺ يسير سيراً منبسطاً خفيفاً، ليس فيه عجلة، لئلا يحصل مضرة على الناس، وكان يقول لهم: «أَيُّهَا النَّاسُ، السَّكِينَةَ السَّكِينَةَ» (١)، كما في حديث جابر، «فَإِنَّ الْبِرَّ لَيْسَ بِالْإِيضاعِ»، [أي] ليس بالإسراع، فالسنة للناس إذا اندفعوا من عرفات ألا يعجلوا، ويطمئنوا، سواء في السير على مراكب، أو على أقدامهم، أو على إبلٍ، أو غير ذلك، فالسنة لهم عدم العجلة، حتى لا يضرَّ بعضهم بعضاً. ومعنى العَنَق: السير الخفيف، الذي ليس فيه سرعة، فإذا وجد فجوة يعني متَّسعاً نصَّ، يعني أسرع قليلاً، حتى يخفف على الناس، ينطلق هكذا، ينبغي عند وجود متسع يُعجِّل قليلاً، وإذا كان المقام ليس مقام سعة رفق ولم يسرع، لا في دابته، ولا في سيارته، ولا بقدمه، يرفق حتى لا يضرّ أحداً من الناس، وهكذا في مواضع الزحام: كالانصراف من مزدلفة إلى منى، ومن منى إلى مكة، إذا كان هناك زحام فينبغي عدم السرعة إلا إذا كان هناك فجوة؛ فإنه يعجل قليلاً على وجهٍ لا يضر أحداً، وكان لما أتى محسراً أسرع ﵊ قليلاً، عند انصرافه من مزدلفة إلى منى. والحديث الثاني: حديث عبداللَّه بن عمرو بن العاص بعن

стр. 502

النبي ﷺ : أنه سُئل يوم العيد (يوم النحر) وهو واقف للناس يسألونه بين الجمرتين: [لمّا رمى] (١) جمرة العقبة، فقال له بعض الناس: يا رسول اللَّه لم أشعر، فحلقت ولم أذبح، قال: «اذبح ولا حرج»، وقال آخر: نحرت قبل أن أرمي قال: «ارم ولا حرج»، فما سُئل يومئذ عن شيء قُدِّم، ولا أُخِّر إلا قال: «افعل ولا حرج»، هذا يدلّ على التيسير في هذه الأمور، التي تُفعل يوم العيد، وأنه إذا قدَّم بعضها على بعض فلا حرج، لكن السنة أن يبدأ بالرمي، يرمي جمرة العقبة كما فعله النبي ﷺ ، ثم ينحر إن كان عنده نحر، ثم يحلق أو يقصّر، والحلق أفضل، ثم يطوف، هذا السنة على الترتيب: أولاً: الرمي يرمي جمرة العقبة يوم العيد. ثانياً: ينحر إن كان عنده نحر. ثالثاً: يحلق رأسه بعد الذبح، هذا هو الأفضل، أو يقصّر والحلق أفضل، الحلق: التحسين، يسمونه [بعض] (٢) الناس التحسين، يعني إزالة الشعر بالموسى كله، والتقصير أخذ بعضه من الأطراف، والحلق في الحج أفضل، وهكذا في العمرة إذا كانت العمرة بعيدة عن الحج، أما إذا كانت العمرة قرب الحج، فالسُّنة فيها التقصير، حتى يبقى الحلق للحج. الرابع: الطواف، والسعي إن كان عليه سعي، وهو الأخير، هذا

стр. 503

هو الأفضل، لكن لو قدّم بعضها على بعض بأن حلق قبل أن يذبح، أو نحر قبل أن يرمي، أو طاف قبل أن يرمي، أو طاف قبل أن يذبح، كله جائز، والحمد للَّه, هذه توسعة؛ ولهذا قال: ما سئل يومئذ عن شيء قُدِّم ولا أُخِّر إلا قال: «افعل ولا حرج» , وهكذا جاء هذا المعنى من حديث ابن عباس وغيره. والأعمال يوم العيد: من رميٍ، وذبحٍ، وحلقٍ أو تقصيرٍ، وطوافٍ، وسعيٍ، كل هذه إذا قُدّم بعضُها على بعض فلا حرج, لكن الترتيب أفضل، الترتيب هو الأفضل مع القدرة، ومع التيسير يرمي، ثم ينحر، ثم يحلق أو يقصر، والحلق أفضل، ثم يطوف، ثم يسعى، هذا الترتيب المشروع. والحديث الثالث: حديث ابن مسعود لما رمى الجمرة يوم العيد، جعل البيت عن يساره ومنى عن يمينه ﵁، ورمى الجمرة مستقبلاً لها، جعل البيت يعني الكعبة عن يساره، ومنى عن يمينه، ومستقبلاً الشمال من جهة الجنوب، البيت عن يساره، ومنى عن يمينه، والشمال أمامه، يعني الجمرة أمامه، ورماها بسبع حصيات، يكبّر مع كل حصاة، ويقول: هذا مقام الذي أنزلت عليه سورة البقرة، يعني النبي ﷺ ، وكونه نصّ على البقرة؛ لأن فيها غالب أعمال الحج؛ ولهذا نصّ عليها قال سورة البقرة، يعني هو غالب عليها، وتفسيرها، هذا مقام، وهذا موقف، وهذا هو الأفضل، وإن رمى من أي جانب أجزأه، إذا رماها من أي جانب في الحوض أجزأه، ولكن

стр. 504

كونه يرمي من هذا المكان أفضل، كما ذكر ابن مسعود أن يجعلها عن أمامه، والبيت عن يساره، ومنى عن يمينه، هذا هو الأفضل، ولو رماها في أي جهة، حتى سقطت الحصاة في الحوض كفى ذلك. والحديث الرابع: حديث عبداللَّه بن عمر بن الخطاب ﵄: أن النبي ﷺ قال: «اللَّهم ارحم المحلقين»، قالوا: يا رسول اللَّه والمقصرين، قال: «اللَّهم ارحم المحلقين»، قالوا: يا رسول اللَّه، والمقصرين؟ قال: «اللَّهم ارحم المحلقين»، قالوا: يا رسول اللَّه والمقصرين؟، قال: «والمقصرين» في الرابعة، هذا يدلّ على أن الحلق أفضل، والحلق: أخذ شعر الرأس كله بالموسى، هذا هو الحلق هذا هو الأفضل في الحج، وإن قصّر فلا بأس، ولكن الحلق أفضل، ولهذا دعا للحالقين بالمغفرة والرحمة ثلاث مرات، والمقصرين في الرابعة، فدل هذا على أن الحلق أفضل، وهكذا في العمرة، الحلق أفضل، إلا إذا كانت العمرة قريبة من الحج في ذي القعدة، أو في ذي الحجة، فالتقصير فيها أفضل، ولهذا أمر النبي أصحابه لما اعتمروا في ذي الحجة أن يقصروا، حتى يكون فرصة للحلق في الحج؛ لأن الحج أفضل وأعظم، فيكون الأعظم للأعظم، والمفضول للمفضول، فالعمرة دون الحج، والتقصير دون الحلق، والتقصير للعمرة إذا كانت قريبة من الحج يكون للعمرة، ويبقى الحلق للحج، حتى لا يذهب الرأس كله للعمرة، يأخذ من الرأس ما تيسر من التقصير بالتقصير، الذي هو بالمقراض، أي بالمقص، أو

стр. 505

بالماكينة، ويبقى الباقي للحج حلقاً. ٢٥٣ - عن عائشة لقالت: «حَجَجْنَا مَعَ النَّبِيِّ ﷺ ، فَأَفَضْنَا يَوْمَ النَّحْرِ، فَحَاضَتْ صَفِيَّةُ، فَأَرَادَ النَّبِيُّ ﷺ مِنْهَا مَا يُرِيدُ الرَّجُلُ مِنْ أَهْلِهِ، فَقُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ إنَّهَا حَائِضٌ، فقَالَ (١): «أَحَابِسَتُنَا هِيَ؟» قَالُوا: يَا رَسُولَ اللَّهِ، إنَّهَا قَدْ (٢) أَفَاضَتْ يَوْمَ النَّحْرِ، قَالَ: «اخْرُجُوا» (٣). وفي لفظٍ (٤) قال النبيُّ ﷺ : «عَقْرَى، حَلْقَى، أَطَافَتْ يَوْمَ النَّحْرِ»؟ قِيلَ: نَعَمْ. قَالَ: «فَانْفِرِي» (٥). ٢٥٤ - عن عبد اللَّه بن عباس ﵄ قال: «أُمِرَ النَّاسُ أَنْ يَكُونَ آخِرُ عَهْدِهِمْ بِالْبَيْتِ، إلَاّ أَنَّهُ خُفِّفَ عَنِ الْمَرْأَةِ الْحَائِضِ» (٦). ٢٥٥ - عن عبد اللَّه بن عمر ﵄ قال: «اسْتَاذَنَ الْعَبَّاسُ بْنُ عَبْدِ

стр. 506

الْمُطَّلِبِ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ ، أَنْ يَبِيتَ بِمَكَّةَ لَيَالِيَ مِنىً، مِنْ أَجْلِ سِقَايَتِهِ، فَأَذِنَ لَهُ» (١). ٢٥٦ - وعنه بقال: «جَمَعَ النَّبِيُّ ﷺ بَيْنَ الْمَغْرِبِ وَالْعِشَاءِ بِجَمْعٍ، كُلَّ (٢) وَاحِدَةٍ مِنْهُمَا بإقَامَةٍ، وَلَمْ يُسَبِّحْ بَيْنَهُمَا، وَلا عَلَى إثْرِ وَاحِدَةٍ مِنْهُمَا» (٣). ٦٧ - قال الشارح ﵀: هذه الأحاديث الأربعة كلها لها تعلّق بالحج. الحديث الأول: حديث عائشة ﵂ قالت: أفضنا مع رسول اللَّه ﷺ يوم النحر، فحاضت صفية، فأراد النبي ﷺ منها ما يريد الرجل من أهله. قيل: يا رسول اللَّه إنها حائض. قال: «أحابستنا هي؟!» قالوا: إنها قد أفاضت، قال: «اخرجوا»، وفي اللفظ الآخر: «فانفروا» وفي اللفظ الآخر: «عقرى حلقى أطافت يوم النحر؟» قالوا: نعم.

стр. 507

هذا يدل على فوائد: منها: أن النكاح يحلّ للرجل من أهله جِماعه من أهله، إذا أفاضت بعد الرمي والتقصير، وبعد رميه وحلقه؛ لأن هذا هو الحِل كله، وقد رمى النبي ﷺ يوم النحر، ونحر وحلق ثم أفاض، وهكذا زوجاته رمين، ونحر عنهن ﵊، وقصرن، وطُفن يوم النحر، فتم الحِل كله. وفيه من الفوائد: أن المرأة تحبس رفقتها إذا كانت حائضاً، حتى تطوف طواف الإفاضة، وأن عليهم أن يرقبوها، وينتظروها حتى تطوف، وألا يتركوها. وفيه من الفوائد: أن الحائض لا تطوف، فعليها أن تنتظر حتى تغتسل، فليس لها الطواف، كما أنها لا تصلي، كذلك لا تطوف فالطواف أيضاً صلاة، وكما أنها لا تصلي حتى تطهر، وهكذا لا تطوف، حتى تطهر، ولهذا قال: «أحابستنا؟» يعني عن السفر. وفيه من الفوائد: جواز الدعاء، غير المقصود قول: «عقرى, حلقى» كلمات دعاء غير مقصودة، كما يقال تربت يمينك, تربت يداك، ثكلتك أمك، وما أشبه ذلك، ما يجري على اللسان من غير قصد للتوبيخ، أو لتأكيد الكلام، أو نحو ذلك، فلا يكون مؤاخذاً به الإنسان؛ لأنه يجري على اللسان من غير قصد، من غير قصد السب، وإنما قصد تأكيد للشيء، أو التحذير منه. وفيه من الفوائد: تذكير الإنسان بما قد يفوته، ويجهله؛ لأنهم

стр. 508

ذكَّروه أنها قد أفاضت. وفيه من الفوائد أيضاً: سقوط طواف الوداع عن الحائض؛ لأنه قال: انفروا؛ لأنه لا وداع عليها, الحائض ليس عليها وداع، وهكذا النفساء، ولهذا في حديث ابن عباس «أُمِرَ النَّاسُ أَنْ يَكُونَ آخِرُ عَهْدِهِمْ بِالْبَيْتِ، إِلَاّ أَنَّهُ خُفِّفَ عَنِ الْمَرْأَةِ الْحَائِضِ» (١) , فالحائض والنفساء لا وداع عليهما؛ لأنهما ممنوعتان من الطواف، وفي حبسهما مضرة عليها وعلى رفقتها، فمن رحمة اللَّه أن سامحهما عن ذلك وعفا عنهما، ولا دم عليهما أيضاً، لا وداع ولا دم عليهما من جهة الوداع أيضاً، بل معفو عن ذلك. وفيه أن الوداع يكون آخر شيء عند انتهاء الإقامة، وتمام الحج إذا أراد السفر يطوف للوداع بعدما ينتهي من كل شيء، يكون آخر عهده الطواف بالبيت، وهذا عام للرجال والنساء إلا الحائض والنفساء. الحديث الثالث: حديث العباس أنه استأذن في أن يبيت بمكة ليالي منى من أجل سقايته، فأذن له. هذا يدل على أن السقاة ليس عليهم مبيت بمنى من أجل سقاية الحاج؛ ولهذا أذن النبي ﷺ للعباس بن عبدالمطلب عمه أن يبيت بمكة من أجل السقاية، ويُلحق بذلك كما جاء في الحديث الآخر: الرعاة، ليس عليهم مبيت، وهكذا من كان لهم حاجة شديدة:

стр. 509

كالحارس، والطبيب الذي يُحتاج إليه في ليالي منى لحاجة الحجيج ونحوهم، ومن خاف على أهله، ونحو ذلك ممن له عذر شرعي، إلحاقاً له بسقاية الحاج، وبالرعاة، والمريض الذي يحتاج الطبيب، ولا يتوفَّر له في منى، ينزل ليالي منى كذلك. الحديث الأخير، كذلك الجمع بين المغرب والعشاء في مزدلفة هذا أيضاً مما يشرع للحجيج، كما يجمعون في عرفات بين الظهر والعصر، يُشرع لهم أيضاً الجمع بين المغرب والعشاء في مزدلفة؛ لأنه فعله النبي ﷺ ، ولأنهم في حاجة إلى ذلك إذا جاءوا من عرفات، هم في حاجة إلى الجمع، حتى يستريحوا بعد ذلك بعد وقوفهم بعرفات، فإذا وصل الحاج إلى مزدلفة بادروا بالصلاة، صلّوا جمعاً: المغرب والعشاء، ولو جاءوا مبكرين، ولو جاءوا قبل غروب الشفق، متى ما وصلوا إلى مزدلفة شُرِع لهم أن يصلوا بجمع، كما أنهم إذا زالت الشمس في عرفات، شرع لهم البدار بصلاة الظهر والعصر جمعاً وقصراً، حتى يتفرغوا للدعاء والذكر في عرفات إلى الغروب، فهكذا إذا انصرفوا إلى مزدلفة، يصلون فيها المغرب والعشاء، ثم ينامون ويرتاحون، كما فعله النبي ﵊، ولا فرق بين كونهم جاءوها مبكرين أو متأخرين، متى ما وصلوا صلوا المغرب والعشاء، إلا إذا حُبِسوا في الطريق وخشوا فوات الوقت صلوا في الطريق؛ لأنه لا يجوز تأخيرها إلى نصف الليل، فإذا كان الحاج لم يتيسر له الوصول إلى مزدلفة بسبب الزحمة في السيارات، أو عطل في السيارة صلى في مكانه، ولا يؤجِّل إلى بعد نصف الليل، لا بد أن تكون

стр. 510

الصلاة قبل نصف الليل، صلاة المغرب والعشاء؛ لأن وقت العشاء إلى نصف الليل، وقتها الاختياري، ولا يجوز التأخير إلى ما بعد نصف الليل، فإذا حُبِسَ في الطريق أو تعطلت سيارته، أو حصل له زحمة منعته صلى في مكانه، والحمد للَّه. ٤٧ - باب المحرم يأكل من صيد الحلال (١) ٢٥٧ - عن أبي قتادة الأَنْصَارِيِّ ﵁: أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ خَرَجَ حَاجَّاً، فَخَرَجُوا مَعَهُ، فَصَرَفَ طَائِفَةً مِنْهُمْ، فِيهِمْ أَبُو قَتَادَةَ، وَقَالَ: «خُذُوا سَاحِلَ الْبَحْرِ، حَتَّى نَلْتَقِيَ»، فَأَخَذُوا سَاحِلَ الْبَحْرِ، فَلَمَّا انْصَرَفُوا أَحْرَمُوا كُلُّهُمْ، إلَاّ أَبَا قَتَادَةَ، فَلَمْ (٢) يُحْرِمْ، فَبَيْنَمَا هُمْ يَسِيرُونَ، إذْ رَأَوْا حُمُرَ وَحْشٍ، فَحَمَلَ أَبُو قَتَادَةَ عَلَى الْحُمُرِ، فَعَقَرَ مِنْهَا أَتَانَاً، فَنَزَلْنَا، فَأَكَلْنَا مِنْ لَحْمِهَا، ثُمَّ قُلْنَا: أَنَاكُلُ لَحْمَ صَيْدٍ، وَنَحْنُ مُحْرِمُونَ؟ فَحَمَلْنَا مَا بَقِيَ مِنْ لَحْمِهَا، فَأَدْرَكْنَا رَسُولَ اللَّهِ ﷺ ، فَسَأَلْنَاهُ عَنْ ذَلِكَ؟ قَالَ: «مِنْكُمْ أَحَدٌ أَمَرَهُ أَنْ يَحْمِلَ عَلَيْهَا، أَوْ أَشَارَ إلَيْهَا؟» قَالُوا: لا، قَالَ رسول اللَّه ﷺ (٣): «فَكُلُوا مَا بَقِيَ مِنْ لَحْمِهَا» (٤). وفي رواية (٥): «هَلْ مَعَكُمْ مِنْهُ شَيْءٌ؟» فَقُلْت: نَعَمْ، فَنَاوَلْتُهُ الْعَضُدَ.

стр. 511

فَأَكَلَها» (١). ٢٥٨ - عن الصَّعْبِ بن جَثَّامَةَ اللَّيْثِيِّ ﵁: أَنَّهُ أَهْدَى إلَى النَّبِيِّ ﷺ حِمَاراً وَحْشِيَّاً، وَهُوَ بِالأَبْوَاءِ ــ أَوْ بِوَدَّانَ ــ فَرَدَّهُ عَلَيْهِ، فَلَمَّا رَأَى مَا فِي وَجْهِهِ، قَالَ: «إنَّا لَمْ نَرُدَّهُ عَلَيْكَ، إلَاّ أَنَّا حُرُمٌ» (٢). وفي لفظ مسلم (٣): رِجْلَ حِمَارٍ (٤). وفي لفظٍ: شِقَّ حِمَارٍ (٥). وفي لفظ: عَجُزَ حِمَارٍ (٦). وجه (٧) هذا الحديث: أنه ظنَّ أنه صِيْدَ لأجله، والمحرم لا يأكل ما صيد لأجله. ٦٨ - قال الشارح ﵁: هذان الحديثان الصحيحان، حديث أبي قتادة الأنصاري،

стр. 512

وحديث الصعب بن جثَّامة الليثي في شأن الصيد الذي يهدى للمحرم، الصيد الذي يهدى للمحرم فيه تفصيل: فإن كان الصيد الذي يهدى للمحرم حياً، كحمار وحش حي، أو غزال حي، أو أرانب حية، فلا يقبله المُحرم، كما ردَّ النبي على الصعب بن جثَّامة الحمار الوحشي؛ لأن المحرم لا يصيد، ولا يشتري الصيد وهو محرم، ولا يقبله هدية وهو محرم. أما إن كان مذبوحاً، فهذا فيه تفصيل: فإن كان الصيد ذبحه محرمٌ لم يحل على المحرم، ولا لغير المحرم؛ لأنه ذبح غير شرعي إذا كان ذبحه المحرم، فيكون في حقه كالميتة: حرام. أما إن كان الذي ذبحه حلالاً، ولم يذبحه من أجل المحرم، بل ذبحه لنفسه، أو ليبيعه، أو ليأكل منه، ثم أهدى منه للمحرم، فلا بأس، فلا حرج؛ ولهذا لما صاد أبو قتادة الحمار الوحشي، وأهدى منه للصحابة المُحرمين، أكلوا، فلما توقفوا سألوا النبي ﷺ عن ذلك، فقال: لا بأس إذا كنتم لم تأمروه، ولم تشيروا عليه بشيء، فلا بأس، فأكل منه ﷺ ، ناولوه العضد فأكل منها، فدّل ذلك على أن الحلال إذا صاد صيداً ولم يساعده المحرم، لا بإشارة، ولا بأمر، ولا بآلة، ولم يصده لأجله، فلا حرج. أما إن كان المحرم ساعده، أو أشار إليه، أو أعطاه الرمح، أو ما أشبه ذلك، فإنه لا يحل له، أو صاده الحلال من أجل المحرم، فلا

стр. 513

يحل للمحرم, وعلى هذا يحمل رواية الصعب بن جثامة، التي فيها أنه أهدى رجل حمار، أو عجز حمار، أو شق حمار، يحمل على أنه صاده لأجله، لأجل النبي ﷺ ؛ فلهذا رده النبي ﷺ عليه، وهذا معنى حديث جابر في السنن، يقول الرسول ﷺ : «صَيْدُ الْبَرِّ لَكُمْ حَلَالٌ، مَا لَمْ تَصِيدُوهُ، أَوْ يُصَدْ لَكُمْ» (١)، فإذا صاده المحرم، أو صِيد من أجله، فلا يحل، أما إذا كان ما صاده من أجله, ولا صيد لأجله، وصاده الحلال فلا بأس، وهذا معنى: «صَيْدُ الْبَرِّ لَكُمْ حَلَالٌ، مَا لَمْ تَصِيدُوهُ، أَوْ يُصَدْ لَكُمْ»، فإذا صاده المُحرم حرُم، أو صيد لأجله حُرم، أما إذا كان صاده الحلال، كما فعل أبو قتادة، لا من أجل المحرم؛ فإنه حلال، يأكل منه المُحرم، ويأكل منه الحلال؛ لأنه لم يصد من أجله، ولم يساعد فيه، ولم يشارك بشيء، فإذا ساعد عليه

стр. 514

بإشارة، أو بسلاح، أو بأمر، أو أُعطي حياً، سُلِّم له حي، هذا لا يجوز، أو صِيد من أجله، فهذه أحوالٌ ثلاثة: الأولى: أن يُصاد لأجله. الثانية: أن يساعد فيه ويشير إليه. الثالثة: أن يكون حياً. فهذه الثلاث لا يحل للمحرم. أما ما غير هذه الثلاث، فلا بأس إذا صاده الحلال، وليس له نية أن يعطيه المحرم، ولم يساعده المحرم، ولم يعطه إلا قطعةً من الصيد، ما أعطاه حيواناً حيَّاً فلا بأس (١).

стр. 515

٦ - كتاب البيوع ٢٥٩ - عن عبد اللَّه بن عمر ﵄، عن رسول اللَّه ﷺ أنه قال: «إذَا تَبَايَعَ الرَّجُلانِ، فَكُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا بِالْخِيَارِ، مَا لَمْ يَتَفَرَّقَا، وَكَانَا جَمِيعاً، أَوْ يُخَيِّرَ أَحَدُهُمَا الآخَرَ، فِإنْ خَيَّر أحدُهُمَا الآخرَ (١)، فَتَبَايَعَا عَلَى ذَلِكَ، فَقَدْ وَجَبَ الْبَيْعُ، وإِنْ تَفَرَّقَا بَعْدَ أَنْ تَبَايَعَا وَلَمْ يَتْرُكْ واحدٌ مِنْهُمَا الَبْيعَ، فَقَدْ وَجَبَ الَبيْعُ (٢)» (٣). ٢٦٠ - عن حَكيم بنِ حزامٍ ﵁ قال: قال رسولُ اللهِ ﷺ : «الْبَيِّعَانِ بِالْخِيَارِ مَا لَمْ يَتَفَرَّقَا ــ أَوْ قَالَ: حَتَّى يَتَفَرَّقَا ــ فَإِنْ صَدَقَا وَبَيَّنَا بُورِكَ لَهُمَا فِي بَيْعِهِمَا، وَإِنْ كَتَمَا وَكَذَبَا مُحِقَتْ بَرَكَةُ بَيْعِهِمَا» (٤). ٦٩ - قال الشارح ﵀: هذان الحديثان الصحيحان في شأن الخيار في البيع، من طريق ابن عمر ﵄، وهو عبد اللَّه بن عمر بن الخطاب، ومن طريق حكيم ابن حزام القرشي المعروف رضي اللَّه عن الجميع يدلان على أن البيعين

стр. 516

بالخيار، والبيع معروف: مبادلة مالٍ، بمالٍ يقال له بيع. مبادلة المال بالمال، أو كان المال عيناً، أو منفعةً، يسمى بيعاً في لغة العرب, كما قال اللَّه تعالى: ژوَأَحَلَّ اللهُ الْبَيْعَ وَحَرَّمَ الرِّبَا ژ (١) أي التبادل تبادل المال بشروط منها: الرضا, والملك, والرشد إلى غير هذا من شروط البيع المعروفة، فإذا تمت شروطه فهو صحيح، ولصاحبه الخيار، والمشتري كذلك ما لم يتفرقا ما داما في المجلس، فإذا تم البيع بينهما في أرضٍ مثلاً، أو سيارة، أو حيوان: بعير، أو فرس، أو غير ذلك، تم البيع بينهم، اتفقوا على الثمن، وانتهى البيع، كل واحد بالخيار ما داما في المجلس، ما داما في البيت، محل البيع في المجلس الذي في السوق، في المجلس الذي في الطريق، واقفين في السيارة، كل واحد بالخيار، في الطائرة، كل واحد بالخيار، إلا إذا تفرقا لزم البيع، إذا راح (٢) كل واحد والآخر مشى، أو خرج أحدهما من البيت، أو تفرقا من البيت، أو نزلوا من الطائرة، أو واحد خرج لشأنه، أو خرج من السيارة، أو كل واحدٍ راح في جهة، تم البيع، لزم البيع، وما داما في محل البيع، أو في الطيارة، أو في

стр. 517

السيارة ما نزل أحد، كل واحد بالخيار، [يريد أن يترك البيع فله ذلك] (١)، ولو قد تم البيع، إذا قال: أنا هونت، ما طابت نفسي من البيع، سواء كان البائع أو المشتري، له الخيار. لقول النبي ﷺ : «حتى يتفرقا»، وهذا الذي عليه المحققون من أهل العلم، وهو صريح الأحاديث، فيه هذان الحديثان، وفيه أحاديث أخرى: حديث عبداللَّه بن عمرو بن العاص، وغيره. إلا إذا خيَّر أحدهما الآخر، ولهذا قال: «ما لم يتفرقا، أو يخير»، فإذا خير أحدهما الآخر، قال: ترى ما بيننا خيار الآن، إذا خير أحدهما الآخر تم البيع، تعاقدوا: وقال يا فلان، ما بيننا خيار الآن، ثبت البيع ما فيه خيار, فليس فيه خيار, إذا أسقطاه بينهما، وقال أحدهما للآخر: ما فيه خيار من الآن, قال: نعم، أنا موافق ما فيه خيار، تم البيع، ولو ما تفرقا؛ لأن المقصود أن الإنسان قد يستدرك، وقد يبدو له شيء، فإذا جزم بإسقاط الخيار، والآخر جزم بإسقاط الخيار، فالمعنى أنهم قد تأكدوا أن الصفقة صالحة، ولكل واحد ما عليه غضاضة في ذلك. ثم حث النبي ﷺ على الصدق، والبيان، وعدم الكذب، وعدم الخيانة، قال: «فإن صدقا ــ أي في بيعهما ــ وبيّنا بورك لهما في بيعهما»، أي إن صدقا في ما قالا، هذا يقول: السلعة طيبة، وتراها كذا، وصفتها كذا، والآخر يقول: الثمن كذا، وصفته كذا، ولا كذبا،

стр. 518

كل واحد يبين الحقيقة، ويبين إن كان فيه عيوب بينها، فهذا من أسباب البركة، إذا أخبر كل واحد بالحقيقة. قال: ترى السيارة فيها كذا، ترى الناقة فيها مرض صفته كذا، ترى البيت الذي بيننا فيه [...] (١) الجدار الفلاني فيه عيب بيّن، ما أراد ما غشه، إذا بيَّن صدق في ذلك، فهذا من أسباب البركة للبائع والمشتري، من أسباب البركة للمشتري في البيع، ومن أسباب البركة للبائع في الثمن. وإن كتما: يعني كتما بعض العيوب: البائع كتم العيب الذي في المبيع، أو المشتري كتم العيب الذي في الثمن، أو كذبا، مثل قوله: هذه السيارة عليَّ بعشرين ألف، وهي عليه بخمسة عشر، كذب، أو قال: إنها سليمة، وهي ليست سليمة (٢)، (٣). ٤٨ - باب ما يُنهى عنه من البيوع (٤) ٢٦١ - عن أبي سعيد الخدري ﵁، «أَنَّ النَّبيَّ ﷺ (٥) نَهَى عَنِ الْمُنَابَذَةِ، وَهِيَ طَرْحُ الرَّجُلِ ثَوْبَهُ بِالْبَيْعِ إلَى الرَّجُلِ قَبْلَ أَنْ يُقَلِّبَهُ (٦)،

стр. 519

أَوْ يَنْظُرَ إلَيْهِ وَنَهَى عَنِ الْمُلامَسَةِ، وَالْمُلامَسَةُ: لَمْسُ الرَّجُلِ (١) الثَّوْبَ لا يَنْظُرُ إلَيْهِ» (٢). ٢٦٢ - وعن أبي هريرة ﵁، أنَّ رسولَ اللهِ ﷺ قال: «لا تَلَقَّوُا الرُّكْبَانَ، وَلا يَبِعْ بَعْضُكُمْ عَلَى بَيْعِ بَعْضٍ، وَلا تَنَاجَشُوا، وَلا يَبِعْ حَاضِرٌ لِبَادٍ، وَلا تُصَرُّوا الإبلَ (٣) والْغَنَمَ، وَمَنِ ابْتَاعَهَا فَهُوَ بِخَيْرِ النَّظَرَيْنِ، بَعْدَ أَنْ يَحْلُبَهَا، إِنْ رَضِيَهَا أَمْسَكَهَا، وَإِنْ سَخِطَهَا رَدَّهَا وَصَاعاً مِنْ تَمْرٍ» (٤). وفي لفظٍ: «وهُوَ بِالْخِيَارِ ثَلاثَاً» (٥). ٧٠ - قال الشارح ﵀: هذه جملة أحاديث تتعلق بما نهى اللَّه عنه من البيوع، في البيوع المنهي عنها، ذكر المؤلف منها جملة ليَعْلمها المؤمن، ويبتعد عنها.

стр. 520

واللَّه جل وعلا إنما ينهى عباده عما يضرهم، ويأمرهم بما فيه مصلحتهم، وهو الحكيم العليم جل وعلا، فيما يأمر به، وفيما ينهى عنه، فأوامره على المصلحة والخير والحكمة، ونواهيه كذلك، ومن ذلك حديث أبي سعيد ﵁، وهو سعد بن مالك بن سنان الخدري ﵁ وعن أبيه عن النبي ﷺ : «أنه نهى عن المنابذة والملامسة في البيع»، والمنابذة والملامسة فيها غرر؛ ولهذا نُهي عنها, والمنابذة: معناها: يقول: أي ثوب نبذته إليك فهو عليك بكذا، أو أي ثوب نبذه إليك فلان فهو عليك بكذا، أو أي عباءة، أو أي إناء، أو ما أشبه ذلك، فهذا لا يجوز؛ لأن فيه غرراً ما قلَّبه، وما نظر إليه؛ لأن البيع يحتاج إلى نظر وتأمل، حتى لا يُغبن، حتى لا يشتري إلا على بصيرة، فإذا قال: أي ثوب نبذته إليك، أو طرحته إليك، أو طرحه لك فلان، أو نبذه لك فلان، أو أي ثوب لمسته، أو لمسه فلان ملامسة، فهو عليك بكذا! لا يصلح، لما فيه من الغرر، وعدم التثبت في الأمر، واللَّه سبحانه أعلم بمصالح عباده، وأرحم بهم من أنفسهم، فمن رحمته لهم وإحسانه إليهم: أن نهاهم عما يضرهم, فالمشتري ينظر، ويتأمل المبيع، حتى يُقدِم على بصيرة؛ فلهذا نهى عن الملامسة، والمنابذة، لما فيها من الغرر، والجهالة، والإقدام على غير بصيرة. وهكذا في الحديث الثاني: حديث أبي هريرة، في النهي عن خمسة أشياء:

стр. 521

[١]- عن تلقي الركبان. [٢]- وعن بيعهم بعضهم على بيع بعض. [٣]- وعن بيع الحاضر للبادي. [٤]- وعن التناجش. [٥]- وعن التصرية، وهي التحيين (١)، تحيين اللبن. العوام يسمونها محيَّنة، يعني مصراة. فتلقي الركبان؛ لأن فيه غرراً على القادمين، وخداعاً لهم، يتلقون الركبان الذين يقدمون بالميرة (٢): التمر، والحبوب، والدهن، وغير ذلك, لا يجوز تلقيهم والشراء منهم في الطريق؛ لأنه يخدعهم في الغالب، يخدعهم يقول: السعر رديء، والسعر كذا، والسعر كذا، يخدعهم فلا يتلقون، فإن تلقوا، وباعوا، وقدموا البلد، فلهم الخيار، إذا رأوا أنهم مغبونون، كما جاء في الحديث الصحيح, حتى يتلافوا ما غُلبوا به، وهذا من رحمة اللَّه أيضاً بالوافدين والقادمين، حتى لا يخدعهم أهل البلد، وينبغي له أن لا يبيعَ عليهم حتى يقدموا البلد، حتى ينظروا في الأسواق، حتى لا يخدعوا، فإن باعوا، ثم هبطوا الأسواق، ووجدوا أنهم مغبونين فلهم الخيار. والثانية: لا يبع بعضكم على بيع بعض، وهذا لأنه يُكسب

стр. 522

الشحناء بين الناس والبغضاء، فلا يجوز أن يبيع بعضهم على بيع بعض, فإذا باع الإنسان سلعةً مثلاً على أخيه بمائة ريال، فلا يجوز لشخص آخر يقول له: أنا أعطيك هذه السلعة بتسعين ريالاً، حتى يبيع على بيع أخيه، حتى يهوِّن؛ لأن هذا يُكسب الشحناء والعداوة «دعوا الناس يرزق اللَّه بعضهم من بعض» (١). وهكذا لا يشتري على شرائه يروح للبائع، ويقول: أنا آخذها بأحسن من فلان، أو أعطنيها بدلاً من فلان، يهون من بيعه على فلان، ويبيعه عليه كذلك، هذا مما يسبب الشحناء والبغضاء, الإسلام جاء إلى الدعوة بالتحابّ في اللَّه، والتعاون على الخير والألفة، وعدم التهاجر، والتباغض؛ ولهذا في الحديث الآخر: «لا تحاسدوا، ولا تناجشوا، ولا تباغضوا، ولا تدابروا، ولا يبع بعضكم على بيع بعض، وكونوا عباد اللَّه إخواناً» (٢). والثالثة: النهي عن بيع الحاضر للبادي: إذا قدموا بالميرة، بالتمر، والحبوب، والدهن، وغير ذلك، مما يَقدَم به البوادي، لا يبيع لهم الحاضر، يدعهم يبيعون هم، حتى يكونوا أرخص للناس، وأرفق بالناس. لا يقول: أنا أبيع لكم، حتى يشدد على الناس في التسعير،

стр. 523

ويغلي عليهم، لا، «دعوا الناس يرزق اللَّه بعضهم من بعض» (١)، فلا يبيع للبوادي القادمين بالسلع، وإن كانوا غير بوادي، إذا قدم بالإبل، أو بالبقرة أو بالدهن، أو بالحبوب إلى السوق، قدم مثلاً من الدوادمي إلى الرياض، من الخرج، من الحوطة إلى الرياض، أو إلى مكة، أو إلى المدينة، يبيعون سلعهم، لا يقوم الحاضر يبيع لهم، و [يقول] (٢) نبيع لكم، وأنا أتولى لهم البيع؛ لأن هذا يضر الناس، الحاضر يعرف الأسعار معرفةً تامة، وربما شدد على الناس، فليدع البادي، أو القادم هو الذي يتولى البيع بما قسم اللَّه له. الرابعة: «ولا تناجشوا»: التناجش كونه يزيد في السلعة، وهو لا يريد الشراء، هذا يزيد، وهذا يزيد، وهو ليس قصده الشراء، قصده ينفع البائع، حتى يزيد في الثمن، أو قصده أن يؤذي المشتري، إذا كان يعرف أن هذا سيشتريها، أراد أن يُغلّيها عليه، أو يعبث، [ليس] (٣) له شغل: يعبث، يلعب، ما يجوز, لا يزيد إلا إذا كان بيشتري، أما كونه يزيد [وهو لا يريد أن يشتري، فلا يجوز له] (٤)؛ لأن هذا يضر الناس، يضر المشترين، يصدقونه، ويزيدون مثل ما زاد، يحسبونه صادقاً، فلا يزيد إلا إذا كان له نية الشراء، أما بنية

стр. 524

الخداع، وإيذاء المشترين، أو نفع البائع، هذا لا يجوز. والخامسة: «ولا تصروا الإبل، والغنم»: وهكذا البقر لا تُصروا, والتصرية: كونه يخلي فيها لبن وجبة أخرى، حتى يظن المشتري أن لبنها [كثير] (١)، إذا أراد أن يبيعها في الصبح خلَّى لبن الليل مع لبن الصبح، حتى يصير اللبن كثيراً, ويقول: هذا لبن الصبح، يكذب عليه، ويقول: هذا لبن الصبح، فيشترونها على أن لبنها كثير، وهو خادعهم, هذا يقال له: التصرية، ويسميه بعض العامة التحيين، محيّن. فإذا اشترى وتبين له أنها مصراة، له الخيار ثلاثة أيام، إذا تبيَّن له أنها مُصراة، يردها وصاعاً من تمر عن اللبن الذي حلب منها، الذي دخلت عليه به ردها، وصاعاً من تمر، بدلاً من اللبن الذي أخذه منها، حين دخلت عليه، جعل له الخيار ثلاثة أيام؛ لأنه قد يتغير لبنها، فإذا صبر ثلاثة أيام، قد يرجع لبنها إلى حالته الأولى إذا كان صادقاً، فإن اعترف أنه مُصريها، فلا يحتاج أن يردها [بعد ثلاثة أيام]، له الخيار في الرد في الحال. ٢٦٣ - وعن عبد اللَّه بن عمر ﵄، «أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ نَهَى عَنْ بَيْعِ حَبَلِ الْحَبَلَةِ، وَكَانَ (٢) يَتَبَايَعُهُ أَهْلُ الْجَاهِلِيَّةِ، كَانَ الرَّجُلُ يَبْتَاعُ الْجَزُورَ إلَى أَنْ تُنْتَجَ النَّاقَةُ، ثُمَّ تُنْتَجَ الَّتِي فِي بَطْنِهَا» (٣).

стр. 525

«قِيلَ: إنَّهُ كَانَ يَبِيعُ الشَّارِفَ ــ وَهِيَ الْكَبِيرَةُ الْمُسِنَّةُ ــ بِنِتَاجِ الْجَنِينِ الَّذِي فِي بَطْنِ نَاقَتِهِ» (١). ٢٦٤ - وعنه ﵄، «أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ نَهَى عَنْ بَيْعِ الثَّمَرَةِ حَتَّى يَبْدُوَ صَلاحُهَا، نَهَى الْبَائِعَ وَالْمُبْتَاعَ (٢)» (٣). ٢٦٥ - عن أنس بن مالك ﵁، «أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ ، نَهَى عَنْ بَيْعِ الثِّمَارِ حَتَّى تُزْهِيَ، قِيلَ: وَمَا تُزْهِي؟ قَالَ: «حَتَّى تَحْمَرَّ» قَالَ: «أَرَأَيْتَ إذا مَنَعَ اللَّهُ الثَّمَرَةَ بِمَ يَسْتَحِلُّ أَحَدُكُمْ مَالَ أَخِيهِ؟» (٤).

стр. 526

٧١ - قال الشارح ﵀: هذه الأحاديث الثلاثة تتعلق ببعض البيوع التي نهى عنها الرسول ﵊؛ لما فيها من الغرر والخطر. والشريعة الكاملة جاءت بتحصيل المصالح وتكميلها، وتعطيل المفاسد وتقليلها. فالأول عن ابن عمر ﵄ عن النبي ﷺ : أنه نهى عن بيع حبل الحبلة، وهذا البيع يبتاعه أهل الجاهلية، وهو يُفسَّر بأمرين: أحدهما: أنه يبيع الناقة إلى أجل مجهول، فيبيع هذا البعير، أو هذه الناقة إلى أن تنتج الناقة الفلانية، ثم يُنتج الذي في بطنها، فهومعنى إلى أن تلد هذه الناقة، ثم تحمل البكرة التي ولدتها، وتُنتَج، وهذا أجلٌ لا يُدرى متى ينتهي، ولا يدرى متى يحصل، فهو جهل كبير، وهذه الصيغة صيغة المجهول تُنتَج، والمراد بها صيغة الفاعل بمعنى تنتِج، لكنها جاءت عن العرب بصيغة المجهول تُنتَج، ويبيع الناقة إلى أن تنتج الناقة المعينة ما في بطنها، ثم يُنتج الذي في بطنها بعد ذلك، وهذا أجل مجهول. والثاني كأن يبيع الناقة الكبيرة المسنة بنتاج الجنين الذي في بطن ناقته، يصير الثمن معدوماً مجهولاً، وهذا أيضاً لا يجوز، لأنه غرَرٌ منهي عنه، وهذا غرر عظيم، كونه يبيع ناقة موجودة بنتاج الجنين، الذي في بطن أمه، حتى نفس الحمل مجهول، فكيف بنتاجه، والصور تصير أربعاً كلها منهيٌ عنها: الصورة الأولى: أن يبيع الناقة إلى أن تُنتَج الناقة الأخرى، هذا

стр. 527

أجل مجهول. الصورة الثانية: أن يبيعها إلى أن تُنتج، ثم ينتج الذي في بطنها، هذا أشد في الجهالة. الصورة الثالثة: أن يبيع الناقة بنتاج ناقته الأخرى. الصورة الرابعة: أن يبيعها بنتاج النتاج، وهو أشد في الجهالة والغرر. والحديث الثاني والثالث: النهي عن بيع الثمار حتى يبدو صلاحها، لا يبيع حتى يبدو صلاحها لتأمن العاهة، وفي اللفظ الآخر: «حتى تُزهي» , قالوا: وما تزهي؟ قال: «تحمارّ وتصفارّ». ثم بين العلة قال: «أرأيت إن منع اللَّه الثمرة بم يستحل أحدكم مال أخيه؟!» فلا يبيع ثمرة النخل، إلا إذا بدا صلاحها، ولا ثمرة العنب إلا إذا بدا صلاحها، ولا الزرع إلا إذا اشتد واستوى، إذا كان بشرط البقاء. أما إذا باع الزرع ليُحصد في الحال، أو باع الثمرة تقطع في الحال، البُسر فلا بأس لعدم الغرر، أما إذا باعها، وهي توَّها (١) على أن تبقى في رؤوس النخل حتى تستوي، هذا لا يجوز، لأنه قد يعتريها عارض، قد يصيبها عارض. فلا تباع حتى يبدو صلاحها، حتى تعين، يصير فيها رطب، تأمن العاهة، وهذا معنى حتى تُزهي: تحمارّ وتصفارّ، يعني ينقلب لونها، حتى يوجد فيها رطب؛ ولهذا تأمن العاهة، فلا بأس في هذه الحالة

стр. 528

أن يبيعها، والمشتري يحل محل البائع، يأكل الرطب يوماً بعد يوم، حتى ينتهي على عادة الناس، أما إذا باعها قبل أن تستوي فلا يجوز؛ لأنه في هذه الحالة معرض للخطر، قد تنزل بها عاهة فيندم. ٢٦٦ - وعن عبد اللَّه بن عباس ﵄ قال: «نَهَى رَسُولُ اللَّهِ ﷺ أَنْ تُتَلَقَّى الرُّكْبَانُ، وَأَنْ يَبِيعَ حَاضِرٌ لِبَادٍ». قَالَ: «فَقُلْتُ لابْنِ عَبَّاسٍ: مَا قَوْلُهُ: حَاضِرٌ لِبَادٍ؟ قَالَ: لا يَكُونُ لَهُ سِمْسَاراً» (١). ٢٦٧ - عن عبد اللَّه بن عمر ﵄ قال: «نَهَى رَسُولُ اللَّهِ ﷺ عَنِ الْمُزَابَنَةِ، أَنْ يَبِيعَ ثَمَرَ حَائِطِهِ، إنْ كَانَ نَخْلاً، بِتَمْرٍ كَيْلاً، وَإِنْ (٢) كَرْماً: أَنْ يَبِيعَهُ بِزَبِيبٍ كَيْلاً، وَ (٣) إِنْ كَانَ زَرْعاً، أَنْ يَبِيعَهُ بِكَيْلِ طَعَامٍ. نَهَى عَنْ ذَلِكَ كُلِّهِ» (٤). ٢٦٨ - عن جابر بن عبد اللَّه ﵄ قال: «نَهَى النَّبِيُّ ﷺ عَنِ الْمُخَابَرَةِ، وَالْمُحَاقَلَةِ، وَعَنِ الْمُزَابَنَةِ، وَعَنْ بَيْعِ الثَّمَرَةِ حَتَّى يَبْدُوَ

стр. 529

صَلاحُهَا، وَأَنْ لا تُبَاعَ إلَاّ بِالدِّينَارِ وَالدِّرْهَمِ، إلَاّ الْعَرَايَا» (١). المحاقلة: الحِنْطَة في سُنْبُلِها بحنطة (٢). ٧٢ - قال الشارح ﵀: هذه الأحاديث في بيان بعض البيوع التي نهى عنها الرسول ﵊؛ لما فيها من الغرر، أو الغبن على البائع، أو المشتري؛ ولهذا نهى ﵊ عن كل ما يضر المتبايعين، أو يوقعهما في الغرر أو في الربا. حديث ابن عباس نهى ﵊ عن تلقي الركبان، وأن يبيع حاضر لباد. تلقي الركبان؛ لأنه قد يُسبب غلطاً على البائعين، قد يُخدعون، قد يُشترى منهم الشيء بأقل من قيمته، فيحصل عليهم الضرر، لأنهم لا يعرفون الأسواق، فيتلقاهم قبل أن يهبطوا الأسواق، فيخدعهم، فيشتري منهم برخص؛ فلهذا نهى الرسول ﷺ عن تلقي الركبان، وتقدم حديث أبي هريرة عن تلقي الجلب، وأمر أن يتركوا حتى يهبطوا الأسواق، وجعل لهم الخيار إذا هبطوا الأسواق، فلهم

стр. 530

الخيار، قال العلماء: يعني إذا هبطوا الأسواق، ورأوا أن هناك غبناً فلهم الخيار؛ لأنه غبنهم، فإذا سمع بأنه قد جاء أُناس يبيعون أقطاً، أو تمراً، أو إبلاً، أو غنماً، فذهب يتلقاهم قبل أن يصلوا، فهم بالخيار إذا غُبِنوا، إذا وصلوا الأسواق، وعرفوا أنهم غبنوا؛ فلهم الخيار، فهذا من أجل دفع الضرر عن البائعين. وأما بيع الحاضر للبادي، وهذا لدفع الضرر عن المشترين؛ لأنه إذا تولى الحاضر للبادي أغلى الأسعار، وشق على المبتاعين على المشترين؛ لأنه يعرف الأسعار، وربما دقّق عليهم، وشدّد عليهم إذا كان سمساراً، والسمسار هو الدلاّل، فلا يبيع الحاضر للبادي، فإذا قدموا يبيعون لأنفسهم، لا يتولى الحاضر البيع لهم، بل يبيعون بأنفسهم، لكن لا مانع أن يستشيروا الحاضر في البيع، لا بأس، أما إنه هو الذي يتولَّى البيع، ويكون هو السمسار فلا, والحكمة في ذلك أنه يضر المشترين؛ لأنه يعرف الأسواق، ويعرف ثمن المبيعات، فلا يكون فائدة للناس من هذا الجلب، والجلب ينفع اللَّه به الناس إذا باعوا بأنفسهم، يكون أرخص من بيع الحاضر، وينتشر الرخص في الأسواق، وتنزل الحاجات التي تُجلب بسبب هؤلاء، فإذا تولى الحاضر البيع لهم، شدّد، ودقّق في الحساب، فلم تحصل فائدة لأهل البلد من هذا الجلب. والحديث الثاني حديث ابن عمر في النهي عن بيع المزابنة، والمزابنة: أن يُباع الشيء الذي على رؤوس النخل، أو الزروع التي
следующие страницы →