← Шархи хадиса

Шархи хадиса · id 13282

الإفهام في شرح عمدة الأحكام

ابن باز

Полный текст (893 стр.). Показаны 526–565 · переход к 531.

стр. 526

٧١ - قال الشارح ﵀: هذه الأحاديث الثلاثة تتعلق ببعض البيوع التي نهى عنها الرسول ﵊؛ لما فيها من الغرر والخطر. والشريعة الكاملة جاءت بتحصيل المصالح وتكميلها، وتعطيل المفاسد وتقليلها. فالأول عن ابن عمر ﵄ عن النبي ﷺ : أنه نهى عن بيع حبل الحبلة، وهذا البيع يبتاعه أهل الجاهلية، وهو يُفسَّر بأمرين: أحدهما: أنه يبيع الناقة إلى أجل مجهول، فيبيع هذا البعير، أو هذه الناقة إلى أن تنتج الناقة الفلانية، ثم يُنتج الذي في بطنها، فهومعنى إلى أن تلد هذه الناقة، ثم تحمل البكرة التي ولدتها، وتُنتَج، وهذا أجلٌ لا يُدرى متى ينتهي، ولا يدرى متى يحصل، فهو جهل كبير، وهذه الصيغة صيغة المجهول تُنتَج، والمراد بها صيغة الفاعل بمعنى تنتِج، لكنها جاءت عن العرب بصيغة المجهول تُنتَج، ويبيع الناقة إلى أن تنتج الناقة المعينة ما في بطنها، ثم يُنتج الذي في بطنها بعد ذلك، وهذا أجل مجهول. والثاني كأن يبيع الناقة الكبيرة المسنة بنتاج الجنين الذي في بطن ناقته، يصير الثمن معدوماً مجهولاً، وهذا أيضاً لا يجوز، لأنه غرَرٌ منهي عنه، وهذا غرر عظيم، كونه يبيع ناقة موجودة بنتاج الجنين، الذي في بطن أمه، حتى نفس الحمل مجهول، فكيف بنتاجه، والصور تصير أربعاً كلها منهيٌ عنها: الصورة الأولى: أن يبيع الناقة إلى أن تُنتَج الناقة الأخرى، هذا

стр. 527

أجل مجهول. الصورة الثانية: أن يبيعها إلى أن تُنتج، ثم ينتج الذي في بطنها، هذا أشد في الجهالة. الصورة الثالثة: أن يبيع الناقة بنتاج ناقته الأخرى. الصورة الرابعة: أن يبيعها بنتاج النتاج، وهو أشد في الجهالة والغرر. والحديث الثاني والثالث: النهي عن بيع الثمار حتى يبدو صلاحها، لا يبيع حتى يبدو صلاحها لتأمن العاهة، وفي اللفظ الآخر: «حتى تُزهي» , قالوا: وما تزهي؟ قال: «تحمارّ وتصفارّ». ثم بين العلة قال: «أرأيت إن منع اللَّه الثمرة بم يستحل أحدكم مال أخيه؟!» فلا يبيع ثمرة النخل، إلا إذا بدا صلاحها، ولا ثمرة العنب إلا إذا بدا صلاحها، ولا الزرع إلا إذا اشتد واستوى، إذا كان بشرط البقاء. أما إذا باع الزرع ليُحصد في الحال، أو باع الثمرة تقطع في الحال، البُسر فلا بأس لعدم الغرر، أما إذا باعها، وهي توَّها (١) على أن تبقى في رؤوس النخل حتى تستوي، هذا لا يجوز، لأنه قد يعتريها عارض، قد يصيبها عارض. فلا تباع حتى يبدو صلاحها، حتى تعين، يصير فيها رطب، تأمن العاهة، وهذا معنى حتى تُزهي: تحمارّ وتصفارّ، يعني ينقلب لونها، حتى يوجد فيها رطب؛ ولهذا تأمن العاهة، فلا بأس في هذه الحالة

стр. 528

أن يبيعها، والمشتري يحل محل البائع، يأكل الرطب يوماً بعد يوم، حتى ينتهي على عادة الناس، أما إذا باعها قبل أن تستوي فلا يجوز؛ لأنه في هذه الحالة معرض للخطر، قد تنزل بها عاهة فيندم. ٢٦٦ - وعن عبد اللَّه بن عباس ﵄ قال: «نَهَى رَسُولُ اللَّهِ ﷺ أَنْ تُتَلَقَّى الرُّكْبَانُ، وَأَنْ يَبِيعَ حَاضِرٌ لِبَادٍ». قَالَ: «فَقُلْتُ لابْنِ عَبَّاسٍ: مَا قَوْلُهُ: حَاضِرٌ لِبَادٍ؟ قَالَ: لا يَكُونُ لَهُ سِمْسَاراً» (١). ٢٦٧ - عن عبد اللَّه بن عمر ﵄ قال: «نَهَى رَسُولُ اللَّهِ ﷺ عَنِ الْمُزَابَنَةِ، أَنْ يَبِيعَ ثَمَرَ حَائِطِهِ، إنْ كَانَ نَخْلاً، بِتَمْرٍ كَيْلاً، وَإِنْ (٢) كَرْماً: أَنْ يَبِيعَهُ بِزَبِيبٍ كَيْلاً، وَ (٣) إِنْ كَانَ زَرْعاً، أَنْ يَبِيعَهُ بِكَيْلِ طَعَامٍ. نَهَى عَنْ ذَلِكَ كُلِّهِ» (٤). ٢٦٨ - عن جابر بن عبد اللَّه ﵄ قال: «نَهَى النَّبِيُّ ﷺ عَنِ الْمُخَابَرَةِ، وَالْمُحَاقَلَةِ، وَعَنِ الْمُزَابَنَةِ، وَعَنْ بَيْعِ الثَّمَرَةِ حَتَّى يَبْدُوَ

стр. 529

صَلاحُهَا، وَأَنْ لا تُبَاعَ إلَاّ بِالدِّينَارِ وَالدِّرْهَمِ، إلَاّ الْعَرَايَا» (١). المحاقلة: الحِنْطَة في سُنْبُلِها بحنطة (٢). ٧٢ - قال الشارح ﵀: هذه الأحاديث في بيان بعض البيوع التي نهى عنها الرسول ﵊؛ لما فيها من الغرر، أو الغبن على البائع، أو المشتري؛ ولهذا نهى ﵊ عن كل ما يضر المتبايعين، أو يوقعهما في الغرر أو في الربا. حديث ابن عباس نهى ﵊ عن تلقي الركبان، وأن يبيع حاضر لباد. تلقي الركبان؛ لأنه قد يُسبب غلطاً على البائعين، قد يُخدعون، قد يُشترى منهم الشيء بأقل من قيمته، فيحصل عليهم الضرر، لأنهم لا يعرفون الأسواق، فيتلقاهم قبل أن يهبطوا الأسواق، فيخدعهم، فيشتري منهم برخص؛ فلهذا نهى الرسول ﷺ عن تلقي الركبان، وتقدم حديث أبي هريرة عن تلقي الجلب، وأمر أن يتركوا حتى يهبطوا الأسواق، وجعل لهم الخيار إذا هبطوا الأسواق، فلهم

стр. 530

الخيار، قال العلماء: يعني إذا هبطوا الأسواق، ورأوا أن هناك غبناً فلهم الخيار؛ لأنه غبنهم، فإذا سمع بأنه قد جاء أُناس يبيعون أقطاً، أو تمراً، أو إبلاً، أو غنماً، فذهب يتلقاهم قبل أن يصلوا، فهم بالخيار إذا غُبِنوا، إذا وصلوا الأسواق، وعرفوا أنهم غبنوا؛ فلهم الخيار، فهذا من أجل دفع الضرر عن البائعين. وأما بيع الحاضر للبادي، وهذا لدفع الضرر عن المشترين؛ لأنه إذا تولى الحاضر للبادي أغلى الأسعار، وشق على المبتاعين على المشترين؛ لأنه يعرف الأسعار، وربما دقّق عليهم، وشدّد عليهم إذا كان سمساراً، والسمسار هو الدلاّل، فلا يبيع الحاضر للبادي، فإذا قدموا يبيعون لأنفسهم، لا يتولى الحاضر البيع لهم، بل يبيعون بأنفسهم، لكن لا مانع أن يستشيروا الحاضر في البيع، لا بأس، أما إنه هو الذي يتولَّى البيع، ويكون هو السمسار فلا, والحكمة في ذلك أنه يضر المشترين؛ لأنه يعرف الأسواق، ويعرف ثمن المبيعات، فلا يكون فائدة للناس من هذا الجلب، والجلب ينفع اللَّه به الناس إذا باعوا بأنفسهم، يكون أرخص من بيع الحاضر، وينتشر الرخص في الأسواق، وتنزل الحاجات التي تُجلب بسبب هؤلاء، فإذا تولى الحاضر البيع لهم، شدّد، ودقّق في الحساب، فلم تحصل فائدة لأهل البلد من هذا الجلب. والحديث الثاني حديث ابن عمر في النهي عن بيع المزابنة، والمزابنة: أن يُباع الشيء الذي على رؤوس النخل، أو الزروع التي

стр. 531

لم تُحصد، أو العنب، بأشياء موجودة مكيلة؛ ولهذا قال: يبيع ثمرة نخل بتمرٍ كيلاً، وإن كان زرعاً بكيل طعام، وإن كان فاكهة كالعنب مثلاً بزبيب كيلاً، وهو الكرم، فلا يباع هكذا؛ لأنه لا يحصل التماثل، فالحب المكيل، والتمر المكيل، والزبيب المكيل ما يتماثل مع ما في رؤوس النخل، أو الزرع، بل يكون بينهم مخالفة وتفاوت، والشيء لا يباع بمِثله إلا مِثلاً بمثل، سواءً بسواء، فلا يباع التمر بالتمر، إلا مِثلاً بمِثل، ولا يباع الحب بالحب إلا مِثلاً بمِثل، ولا يباع الزبيب إلا مِثلاً بمِثل؛ فلهذا يقال لها: مزابنة، أي الزبن، وهو الدفع، وهو أن يبيع شيئاً مجهولاً بشيءٍ معلوم، هذا ضابطه أن يبيع شيئاً مجهولاً من الربويات بمثله معلوماً، فيحصل بهذا تحقق التفاضل، أو جهل التماثل، فلا يصح، فلا يباع شيء من الحبوب بمِثله، إلا سواء بسواء، كيلاً بكيل، ولا شيء من التمور بمثله إلا سواء بسواء، كيلاً بكيل، ولا من الزبيب بمثله إلا كيلاً بكيل، فإذا باع الثمر، أو الزرع، أو الكرم بشيء مكيل لم يحصل التماثل؛ ولهذا منع. وهكذا الحديث الأخير في النهي عن بيع الحبوب والزبيب وغيرها إلا العرايا، فالعرايا لا بأس أن يبيع ثمراً بخرصه تمراً، فلا بأس، لأنه عند الحاجة يكون الخرص قائماً مقام الكيل، فإذا باع الثمرة في رؤوس النخل رطباً بخرصها تمراً؛ لمسيس الحاجة إلى التمتع بالرطب، فلا بأس مثلاً بمثل، فيكون الخرص حينئذ قائماً مقام الكيل للحاجة، هذا بيع مستثنى فقط، وهو العرايا فيما دون

стр. 532

خمسة أوسق، لابد أن تكون في أقل من خمسة أوسق، كما في حديث أبي هريرة: «رخص في العرايا فيما دون خمسة أوسق، أو في خمسة أوسق»، شكٌّ من الراوي؛ ولهذا قال: لا بد أن يكون دون خمسة أوسق عملاً باليقين، ويكون بخرصها تمراً لا زيادة، ويكون يداً بيد، يسلم له التمر، ويخلي بينه وبين الثمر، لقوله ﷺ : «إذا اختلفت هذه الأصناف فبيعوا كيف شئتم إذا كان يداً بيد» (١)؛ ولقوله في التمر ونحوه: «مثلاً بمثل، سواء بسواء، يداً بيد» (٢)، فهذا تمر بتمر رُخص فيه للحاجة، وشدة الحاجة، لكن يداً بيد، فهذا بالكيل، وهذا بالخرص، وهذه مسألة مستثناة خاصة، يقال لها: مسألة العرايا. ٢٦٩ - عن أبي مسعود الأنصاري ﵁، «أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ نَهَى عَنْ ثَمَنِ الْكَلْبِ، وَمَهْرِ الْبَغِيِّ، وَحُلْوَانِ الْكَاهِنِ» (٣). ٢٧٠ - عن رافع بن خديج ﵁، أن رسول اللَّه ﷺ قال: «ثَمَنُ الْكَلْبِ خَبِيثٌ، وَمَهْرُ الْبَغِيِّ خَبِيثٌ. وَكَسْبُ الْحَجَّامِ خَبِيثٌ» (٤).

стр. 533

٤٩ - باب العرايا وغير ذلك ٢٧١ - عن زيد بن ثابت ﵁، «أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ رَخَّصَ لِصَاحِبِ الْعَرِيَّةِ، أَنْ يَبِيعَهَا بِخَرْصِهَا» (١). ولمسلم: «بِخَرْصِهَا تَمْراً، يَاكُلُونَهَا رُطَباً» (٢). ٢٧٢ - عن أبي هريرة ﵁، «أَنَّ النَّبيَّ ﷺ رَخَّصَ فِي بَيْعِ الْعَرَايَا فِي خَمْسَةِ أَوْسُقٍ، أَوْ دُونَ خَمْسَةِ أَوْسُقٍ» (٣). ٢٧٣ - عن عبد اللَّه بن عمر ﵄، أن رسولّ اللهِ ﷺ (٤) قال: «مَنْ بَاعَ نَخْلاً قَدْ أُبِّرَتْ، فَثَمَرُهَا (٥) لِلْبَائِعِ، إلَاّ أَنْ يَشْتَرِطَ الْمُبْتَاعُ» (٦). ولمسلمٍ: «مَنِ ابْتَاعَ عَبْداً فَمَالُهُ لِلَّذِي بَاعَهُ، إلَاّ أَنْ يَشْتَرِطَ

стр. 534

الْمُبْتَاعُ» (١). ٧٣ - قال الشارح ﵀: الحديثان الأولان يدلان على تحريم بيع الكلب، وأن ثمنه خبيث، وزجر النبي ﷺ عن ثمن الكلب، وعن ثمن السِّنَّوْر، وهو القِطّ، فلا يجوز بيع القطّ، ولا بيع الكلب، كما روى مسلم في صحيحه، قال: «زجر النبي ﷺ عن ثمن السنور والكلب» (٢)، وهنا قال: «نهى الرسول عن مهر البغي، وثمن الكلب، وحلوان الكاهن». وفي حديث رافع: «ثَمَنُ الْكَلْبِ خَبِيثٌ، وَمَهْرُ الْبَغِيِّ خَبِيثٌ. وَكَسْبُ الْحَجَّامِ خَبِيثٌ»، هذا يدلّ على تحريم هذه المكاسب الخبيثة، التي هي ثمن الكلب، وثمن القط، كما تقدم، ومهر البغي، والبغي هي الزانية، ما تُعطاه في مقابل الزنى، يقال له مهر، ويقال له أجر، وهذا حرام؛ لأنه في مقابل الحرام، وما كان في مقابل الحرام يكون حراماً, فالزنى حرام، وما يدفع إليها في مقابل ذلك حرام، ومنكر، وسحت، هكذا حلوان الكاهن، وحلوان الكاهن ما يُدفع إليه ليخبر عن المغيَّبات, المشعوذين يُعطون

стр. 535

فلوساً، حتى يُخبِّروا [عن ماذا يصير، وما لا يصير، فالمال الذي يُدفَع إليهم حرام] (١)؛ لأن الرسول ﷺ نهى عن سؤال السحرة، والكهنة، والعرافين، وعن تصديقهم، فما يدفع إليهم بسبب أخبارهم التي يدَّعونها عن المغيبات، كله منكر، والثمن حرام؛ فلا يجوز أن يدفع إليهم مال، ولا يجوز أن يسألوا، ولا يُصدقوا أيضاً، ولو بغير مال. النبي ﵇ قال: «مَنْ أَتَى عَرَّافًا فَسَأَلَهُ عَنْ شَيْءٍ، لَمْ تُقْبَلْ لَهُ صَلَاةٌ أَرْبَعِينَ لَيْلَةً» (٢) , وسُئل عن الكهان قال: «لا تأتوهم ليسوا بشيء» (٣) , وقال: «مَنْ أَتَى كَاهِنًا، أَوْ عَرَّافًا، فَصَدَّقَهُ بِمَا يَقُولُ، فَقَدْ كَفَرَ بِمَا أُنْزِلَ عَلَى مُحَمَّدٍ ﵊» (٤). فهؤلاء يدّعون علوم الغيب، ويدعون معرفة المغيبات، هؤلاء لا يؤتون، ويعرف من حالهم، أو من فحوى كلامهم، ومن عاداتهم، ما

стр. 536

يدلّ على أنهم يدّعون علم الغيب، أو استخدام الجن، هؤلاء لا يُسألون، ولا يُصدَّقون، ولا يُعطَوْن فلوساً، وكذلك الفلوس التي يُعطَونها، ويأخذونها حرامٌ عليهم، الواجب أن يزجروا، ويُمنعوا، ويستتابوا، فإن تابوا، وإلا وجب قتلهم إذا لم ينزجروا إلا بذلك، تعزيراً لهم حتى لا يقع فسادٌ في الأرض والذي يصرُّ على دعوى علم الغيب يكون كافراً، نسأل اللَّه العافية؛ لأن اللَّه يقول: ﴿قُلْ لَا يَعْلَمُ مَنْ فِي السَّمَوَاتِ وَالْأَرْضِ الْغَيْبَ إِلَاّ اللَّهُ﴾ (١)، أما كسب الحجام، فهذا (٢) سُمِّي خبيثاً [...] (٣) كالبصل (٤)، والكراث، فهو خبيث لما فيه من الرائحة الكريهة، والحجام كسبه خبيث؛ لما فيه من الدناءة؛ لكونه في مقابل استخراج الدم، فيه نوع الخبث لكن، لا يكون حراماً، ليس من جنس مهر البغي، ولا من جنس حلوان الكاهن، ولا من جنس ثمن الكلب؛ لأنه له خصوصية: خبثه، ورداءته، كسب رديء، ولكن ليس بحرام، مثل ما قال النبي في الثوم والبصل: «إنهما شجرتان خبيثتان» (٥)، فالحاصل أنه ينبغي أن يكون في غير

стр. 537

المأكل والمشرب. وقد حجم النبي ﷺ رجل يقال له أبو طيبة، وأعطاه أجره على الحجامة (١)، ولو كان حراماً لم يُعطه ﵊. أما حديث زيد بن ثابت وأبي هريرة في العرايا، هما يدلان على جواز العرايا، والعرايا مثل ما بينها زيد بن ثابت عن النبي ﷺ : أنه رخص في بيع العرية أن تؤخذ بخرصها تمراً يأكله أهله رطباً، وهكذا حديث أبي هريرة أن الرسول رخص في بيع العرايا في خمسة أوسق، أو فيما دون خمسة أوسق، والصواب فيما دون؛ لأنه للشك: العلماء أخذوا فيما دون، لأن الراوي شك: هل قال خمسة، أو دون، فيؤخذ بالاحتياط، ويكون شرط ذلك أن يكون دون خمسة أوسق، والوَسق ستون صاعاً بصاع النبي ﷺ ، فالمعنى أنه لا بأس في العرايا في أقل من ثلاثمائة صاع بصاع النبي ﷺ ، وهي أن يكون الإنسان عنده تمر، ولا يكون عنده نقود، في الغالب ما يتيسر له الشراء بالنقود، فيشتري ثمر نخلة، أو نخلتين بالخرص، ويسلم لهم تمراً مقابل ذلك، فإذا خرصوا النخلة مثلاً عشرين صاعاً، أعطاه عشرين صاعاً من التمر، خرصوها ثلاثين، أعطاهم ثلاثين مثلاً بمثل، لكن هذا بالكيل، والرطب يكون بالخرص بما يؤول إليه

стр. 538

تمراً، تخرص هذه النخلة، أو النخلات بما تؤول إليه إذا أتمرت، ويؤخذ مقابلها من صاحب العريَّة من صاحب المال الذي يريد الشراء، يأخذها مقابلها تمراً أصواعاً بأصواع، مثلاً بمثل هذه العرايا. وشرطها أن يكون في أقل من خمسة أوسق، وشرطها أن يكون يداً بيد، هذا يسلم التمر، وهذا يخلي بينه وبين النخلة، أو النخلات، ويكون بالخرص خرصه تمراً، وإذا كان يستطيع النقود ينبغي أن يشتري بالنقود، ويدع هذا الأمر المشتبه، يشتري بالنقود حتى يكون أبعد له عن الشبهة. حديث ابن عمر يقول ﷺ : «مَنْ بَاعَ نَخْلاً قَدْ أُبِّرَتْ، فَثَمَرُهَا لِلْبَائِعِ، إلَاّ أَنْ يَشْتَرِطَ الْمُبْتَاعُ»، إذا باع نخلاً قد لُقحت، التأبير: التلقيح، فالثمرة للبائع؛ لأنها قد ظهرت فتكون للبائع، تبقى على حساب البائع إلى أن تنضج، ثم يأخذها البائع مشروطة على المشتري، إلا أن يشترط المبتاع، يقول المبتاع ترى الثمرة لي، فإذا شرطها المبتاع فهي للمشتري إذا شرطها، وإلا فالأصل أنها بعد التأبير تكون للبائع، أما قبل التأبير فللمشتري إذا باع النخل قبل أن يؤبر، ولو كان قد أطلع لكن ما بعد شق، وما بعد أبر، يكون للمشتري، فإن كان أُبر فهو للبائع، إلا أن يشترطه المبتاع المشتري إذا اشترط، قال: ترى النخل والثمرة لي، إذا اشترط هذا على البائع، تكون الثمرة له مع الأصل، هكذا من باع عبداً له مال، فماله للبائع إلا أن يشترط المشتري، فإذا باع عبداً له مال، باع عبداً له فرس، له

стр. 539

سلاح، فهي للبائع، ما تكون تبعه تكون للبائع، إلا أن يشترطه المشتري، قال: ترى فرسه معه، ترى سلاحه معه، إلا الثياب العادية، الثياب التي يلبسها الشيء الذي يتبعه عادة، هذا يكون تبعه الملابس العادية، تكون تبعاً له، سواء ثياب جمال أو غيرها، تكون تبعاً له، أما المال الذي ليس مما يتبعه في العادة كالسلاح: مثل المطية، مثل الفرس، مثل أثاث البيت، هذا يكون للبائع، إلا أن يشترطه المشتري إذا شرطه، فهو له، فالمسلمون على شروطهم. ٢٧٤ - وعنه بأنَّ رسولَ اللَّهِ ﷺ قال: «مَنِ ابْتَاعَ طَعَامًا، فَلا يَبِعْهُ حَتَّى يَسْتَوْفِيَهُ» (١). وفي لفظٍ «حَتَّى يَقْبِضَهُ» (٢). وعن ابن عباس مثله (٣). ٢٧٥ - وعن جابر بن عبد اللَّه ﵁، أنه سمع رسولَ اللَّه ﷺ يقول وَهُوَ بِمَكَّةَ (٤) عَامَ الْفَتْحِ: «إنَّ اللَّهَ وَرَسُولَهُ حَرَّمَ بَيْعَ الْخَمْرِ، وَالْمَيْتَةِ، وَالْخِنْزِيرِ،

стр. 540

وَالأَصْنَامِ»، فَقِيلَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، أَرَأَيْتَ شُحُومَ الْمَيْتَةِ؟ فَإِنَّهُ يُطْلَى بِهَا السُّفُنُ، وَيُدْهَنُ بِهَا الْجُلُودُ، وَيَسْتَصْبِحُ بِهَا النَّاسُ؟ فَقَالَ: «لا، هُوَ حَرَامٌ»، ثُمَّ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ ، عِنْدَ ذَلِكَ: «قَاتَلَ اللَّهُ الْيَهُودَ، إنَّ اللَّهَ لَمَّا حَرَّمَ عَلَيْهِمْ (١) شُحُومَهَا، جَمَلُوهُ، ثُمَّ بَاعُوهُ، فَأَكَلُوا ثَمَنَهُ» (٢). جملوه: أي (٣) أذابوه. ٧٤ - قال الشارح ﵀ هذه الأحاديث الثلاثة: الأول منها والثاني يتعلق ببيع الطعام، وما في حكمه، نهى الرسول ﷺ عن بيع الطعام إذا اشتراه حتى يستوفيه, يُنهى من اشترى طعاماً أن يبيعه حتى يستوفيه، كما دل عليه حديث ابن عمر، وحديث ابن عباس ﵄، وجاء في هذا المعنى عدة أحاديث، كلها تدل على أنه لا يجوز بيع الطعام حتى يُستوفى، قال ابن عمر: كنا نضرب على ذلك حتى ننقله من أعلى السوق إلى أسفله (٤)، وفي اللفظ الآخر: حتى ننقله إلى رحالنا (٥)، قال ابن عباس: وما أظن إلا غير الطعام مثله, فلا يُباع شيء

стр. 541

حتى يُستوفى ويُقبض (١)، ويدل على هذا أيضاً حديث زيد بن ثابت رضي اللَّه تعالى عنه، عن النبي ﷺ : أنه نهى أن تُباع السلع حيث تبتاع حتى يحوزها التجار إلى رحالهم (٢)، وهكذا حديث عبداللَّه بن عمرو بن العاص ﵄ عن النبي ﵊ أنه قال: «لا يحل سلم وبيع ولا بيع ما ليس عندك» (٣). وحديث حكيم بن حزام عن النبي ﷺ قال: «لا تبع ما ليس عندك» (٤)، هذه كلها تدل على أنه لا يباع المبيع، وأنت ما قبضته،

стр. 542

لأنه مادام عند البائع، فهو ليس في قدرتك، وهو محل خطر قد تستوفيه، وقد لا تستوفيه، وقد يبدو للبائع أشياء تحول بينك وبين قبضه، فلا تبع حتى تستوفي وتقبض، سواء كان طعاماً، أو غير طعام، وإذا كان الطعام بالكيل حتى يكتال أيضاً، وإن كان بالجزاف حتى يقبض ويستوفى، وهكذا الإبل، والبقر، والغنم، والأموال الأخرى حتى تقبض، بما جرت العادة به، بالعرف الذي تقبض به، بالتخلية كالعقار، والأرض، ونحو ذلك، أو بالنقل، كقبض البعير، وقبض الشاة، وقبض المتاع، وقبض السيارة، يعني حتى تزول يد البائع، وحتى تستقر يد المشتري عليه. وفي حديث جابر بن عبداللَّه ﵄ عن النبي ﷺ أنه قال: «إِنَّ اللَّهَ وَرَسُولَهُ حَرَّمَ بَيْعَ الْخَمْرِ، وَالْمَيْتَةِ، وَالْخِنْزِيرِ، وَالْأَصْنَامِ» (١). خطب الناس يوم الفتح يعني فتح مكة، وبين لهم أن اللَّه حرم بيع الخمر لأنها خبيثة وبيعها إعانةٌ على شربها فاللَّه يقول جل وعلا: ﴿وَلَا تَعَاوَنُوا عَلَى الْإِثْمِ وَالعُدْوَانِ﴾ (٢)، وثبت أنه ﷺ لعن في الخمر عشرة: «لعن اللَّه

стр. 543

الخمر، وشاربها، وساقيها، وعاصرها، ومعتصرها، وحاملها، والمحمولة إليه، وبائعها، ومشتريها، وآكل ثمنها» (١). عشرة، الخمر نفسها معلونة، أي مذمومة وقبيحة ومنكرة وهكذا من ذُكر. لعن الخمر، وعاصرها، ومعتصرها، وحاملها، والمحمولة إليه، وبائعها، ومشتريها، وآكل ثمنها، والشارب، والساقي, كلهم ملعونون، نعوذ باللَّه, فيجب الحذر من هذا الشراب الخبيث، الذي يغتال العقول، ويسبب الوقوع في أنواعٍ من الشرور بفساد العقل، وكل ما أسكر فهو خمر: من أنواع المشارب والمآكل: الحشيشة، والحبوب المسكرة، وأنواع الأشربة التي تغير العقل، كلها تسمى خمر، قال ﵊: «كُلُّ مُسْكِرٍ خَمْرٌ، وَكُلُّ مُسْكِرٍ حَرَامٌ» (٢). وهكذا الميتة، حرم اللَّه بيعها؛ لأنها لا يجوز أكلها خبيثة نجسة، فلا

стр. 544

تباع إلا ميتة السمك، فالجراد كالسمك، يباع حياً وميتاً، وهكذا السمك حياً وميتاً، فهو مباحٌ لنا، كما في حديث ابن عمر: «أُحِلَّتْ لَنَا مَيْتَتَانِ، وَدَمَانِ، فالْمَيْتَتَانِ: الْجَرَادُ، وَالْحُوتُ، وَالدَّمَانِ: الْكَبِدُ، وَالطِّحَالُ» (١). والخنزير كذلك هذا النوع الثالث: الخنازير محرم بيعها، وأكلها جميعاً لخبثها، فلا تؤكل، ولا تباع. والأصنام: الصور، لا تباع؛ لأنها تشبيه بخلق اللَّه، ومضاهاة لخلق اللَّه؛ ولأنها من أسباب الشرك، فإن وجود الأصنام، والصور في البيوت، والمنازل وفي متعبدات من أسباب الشرك، ولاسيما إذا كانت من صور المعظَّمين: كالملوك، والرؤساء، وذوي المال، والعلماء، وأشباههم ممن يعظم، فإن المشركين كانوا في غابر الأزمان يعبدون صور ملوكهم، ومعظَّميهم، وهكذا من بعدهم، تبعهم في ذلك إلى يومنا هذا، فلهذا حرّم اللَّه بيع الأصنام كلها، سواء كانت على صور الحيوانات، أو بني آدم، أو الطيور، أو غير ذلك؛ لأن بيعها وسيلة إلى شرٍّ كثير؛ ولهذا قال ﵊: «أشد الناس عذاباً يوم القيامة الذين يضاهئون خلق اللَّه» (٢)، وفي اللفظ

стр. 545

الآخر: «أَشَدُّ النَّاسِ عَذَابًا يَوْمَ الْقِيَامَةِ المُصَوِّرُونَ» (١)، فلا يجوز بيع الصور، لا النسائية، ولا الرجالية، ولا صور الحيوان البهيم، ولا صور بني آدم، كلها ممنوعة، لأن اللَّه حرمها وحرم ثمنها. فقيل: يا رسول اللَّه أرأيت شحوم الميتة؟! الشحوم يُطلى بها السفن، ويدهن بها الجلود، ويستصبح بها الناس. قال: «لا، هو حرام، قَاتَلَ اللَّهُ الْيَهُودَ، لَمَّا حَرَّمَ عَلَيْهِمْ الشُّحُومَ جَمَلُوها، ثُمَّ بَاعُوها، وَأَكَلُوا أثَمَانَها» (٢)، أي تحيّلوا، قالوا: ما حرم علينا إلا الأكل، ونحن لا نأكل، فجملوها، يعني أذابوها [ميَّعوها] (٣) على النار، حتى صارت ذوباً، وصارت دهناً، قالوا: ما بعنا شحماً، بعنا دهناً، ثم أكلوا الثمن، فدعا عليهم النبي ﷺ بتعاطيهم هذه الحيل، واليهود أصحاب حيل، وجُرأة على محارم اللَّه، فلا يجوز للمسلم التشبه بهم

стр. 546

في استحلال ما حرم اللَّه: كأكل شحوم الميتة، أو في استعمالها في ما ذكر من دهن السفن، والاستصباح، ودهن الجلود، بل يجب إتلافها، الميتة لحمها وشحمها، كلها حرام، لا يُستعمل لا الشحم ولا اللحم، إلا الجلد إذا دُبغ، فلا بأس، إذا دُبغ جلد الميتة من الإبل أو البقر أو الغنم أو غيرها مما يؤكل لحمه، إذا دُبغ حل، صار الدباغ له طهوراً, أما اللحم والشحم: نجس خبيث يجب إتلافه. ٥٠ - باب السَّلَم ٢٧٦ - عن عبداللَّه بن عباس بقال: «قَدِمَ النبيُّ ﷺ الْمَدِينَةَ، وَهُمْ يُسْلِفُونَ فِي الثِّمَارِ، السَّنَةَ (١) وَالسَّنَتَيْنِ وَالثَّلاثَ، فَقَالَ: «مَنْ أَسْلَفَ فِي شَيْءٍ، فَلْيُسْلِفْ فِي كَيْلٍ مَعْلُومٍ، وَوَزْنٍ مَعْلُومٍ، إلَى أَجَلٍ مَعْلُومٍ» (٢). ٥١ - باب الشروط في البيع ٢٧٧ - عن عائشة ﵂ قالت: «جَاءَتْنِي بَرِيرَةُ فَقَالَتْ: كَاتَبْتُ أَهْلِي عَلَى تِسْعِ أَوَاقٍ، فِي كُلِّ عَامٍ أُوقِيَّةٌ، فَأَعِينِينِي. فَقُلْتُ: إنْ أَحَبَّ أَهْلُكِ أَنْ أَعُدَّهَا لَهُمْ، ويكون وَلاؤُكِ لِي فَعَلْتُ، فَذَهَبَتْ بَرِيرَةُ إلَى أَهْلِهَا، فَقَالَتْ لَهُمْ، فَأَبَوْا عَلَيْهَا، فَجَاءَتْ مِنْ عِنْدِهِمْ، وَرَسُولُ اللَّهِ ﷺ جَالِسٌ، فَقَالَتْ: إنِّي عَرَضْتُ ذَلِكَ عَلَيهم، فَأَبَوْا إلَاّ أَنْ يَكُونَ لَهُمُ

стр. 547

الْوَلاءُ، فسمع النبي ﷺ (١)، فَأَخْبَرَتْ عَائِشَةُ النَّبِيَّ ﷺ ، فَقَالَ: «خُذِيهَا، وَاشْتَرِطِي لَهُمُ الْوَلاءَ، فَإِنَّمَا الْوَلاءُ لِمَنْ أَعْتَقَ» فَفَعَلَتْ عَائِشَةُ، ثُمَّ قَامَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ فِي النَّاسِ، فَحَمِدَ اللَّهَ وَأَثْنَى عَلَيْهِ، ثُمَّ قَالَ: «أَمَّا بَعْدُ: فَمَا (٢) بَالُ رِجَالٍ يَشْتَرِطُونَ شُرُوطاً لَيْسَتْ فِي كِتَابِ اللَّهِ، مَا كَانَ مِنْ شَرْطٍ لَيْسَ فِي كِتَابِ اللَّهِ: فَهُوَ بَاطِلٌ، وَإِنْ كَانَ مِائَةَ شَرْطٍ، قَضَاءُ اللَّهِ أَحَقُّ، وَشَرْطُ اللَّهِ أَوْثَقُ، وَإِنَّمَا الْوَلاءُ لِمَنْ أَعْتَقَ» (٣). ٧٥ - قال الشارح ﵀ هذان الحديثان يتعلقان بشؤون البيع، وأحكام البيع، والشروط فيه. الأول ما يتعلق بالسلم، والسلم: هو شراء المكيلات، أو الموزونات، أو الموصوفات المنضبطة من الذمة، يقال له: سلم، إذا نقد الثمن، وأجل المُثمَّن في الذمَّةِ إلى أجل معلوم، يُسمّى سلماً، ويُسمّى سلفاً, كان النبي ﷺ لما قدم المدينة وجدهم يسلفون في الثمار، أهل المدينة من الأنصار يُسلفون في الثمار، يعني يشترون الثمار في الذمم، فقال: «مَنْ أَسْلَفَ فِي شَيْءٍ، فَلْيُسْلِفْ فِي كَيْلٍ مَعْلُومٍ، وَوَزْنٍ مَعْلُومٍ، إلَى أَجَلٍ مَعْلُومٍ»، وهذا العمل جارٍ عند الناس

стр. 548

من قديم الدهر، يستعمله الناس مع الفلاحين، ويقال له: السلم، ويقال له السلف، ويقال له: الاستدانة، ويقال له: المداينة، له أسماء في عرف الناس. والضابط في هذا أن من أراد أن يشتري شيئاً من ذمة أحد، فيكون ذلك بصفة مضبوطة، يعني بأوصاف معلومة، وآجال معلومة، حتى لا يكون نزاع, فإن كان حبوباً، فلا بد من كيلٍ معلوم، وهكذا الثمار كيل معلوم، وإن كان غير ذلك لا بد من صفات معلومة، وإن كان يوزن فبوزن معلوم، ولهذا قال ﷺ : «مَنْ أَسْلَفَ فِي شَيْءٍ، فَلْيُسْلِفْ فِي كَيْلٍ مَعْلُومٍ، وَوَزْنٍ مَعْلُومٍ، إلَى أَجَلٍ مَعْلُومٍ»، فيقول مثلاً: أنا آخذ من ذمتك ألف صاع من الحنطة، من الذرة، من الرز، كل صاع بريال، كل صاع بريالين، إلى أجلٍ معلوم، إلى انسلاخ ذي الحجة، إلى إنسلاخ المحرم، إلى انسلاخ صفر، إلى دخول صفر، إلى دخول ربيع أوّل أجلٍ معلوم هكذا، إذا كان حيواناً صفته كذا، وصفته كذا، وسِنَّهُ كذا، إلى أجلٍ معلوم، أو شيئاً موزوناً من الحديد، أو النحاس، أو القطن، أو غير ذلك، فبوزن معلومٍ إلى أجلٍ معلوم، لا بأس بذلك، وهكذا السيارات الآن، يشتري مثلاً سيارة معروف موديلها، مضبوطة بالصفات، إلى أجلٍ معلوم، سنة سنتين يسلمها له، ويقدم له الثمن الآن، يعطيه الثمن ألفاً، ألفين, عشرة, عشرين ألف، إلى أجلٍ معلوم، يسلم له السيارة، أو يسلم له التمر، أو يسلم له الرز، أو الحنطة أو الذرة أو القطن، لابد أن يكون

стр. 549

معلوماً، إما بالوزن إن كان يوزن، أو بالكيل إذا كان يكال، أو بالصفات المنضبطة في مثل الحيوانات، والسيارات، وأشباه ذلك. الحديث الثاني حديث عائشة ﵂: أن امرأة يقال لها بريرة مملوكة جاءت إليها، وقالت: إني كاتبت أعمامي على تسع أواق في كل عام أوقية، يعني اشترت نفسها منهم، وهذا يسمى مكاتبة، العبد أو الأَمة إذا اشترى نفسه من سادته، قال: يا سادتي، يا عمي فلان، أو يا عمتي فلانة، أنا سأشتري نفسي، حتى يعتق، حتى يكون حرًّا، فيتفق مع سيده على شيء معلوم، مثل ألف ريال، يعطيهم كل شهر مائة ريال، أو عشرة آلاف ريال، يعطيهم كل سنة ألف ريال، هذا يسمى مكاتبة، فإذا أدّى ما عليه عَتق, هذه امرأة يقال لها بريرة، شارطتهم على تسع أواق، كل أوقية في سنة، تسع سنين، هذا يسمى الآن بيع التقسيط، اتفقت معهم على تسعة أقساط، كل سنة أربعين درهماً، وهي الأوقية، فجاءت تستعين عائشة في الثمن، فقالت لها عائشة: إن أحب أهلك أن أعدها لهم ــ يعني نقداً ما فيه تأجيل ــ ويكون ولاؤك لي فعلت، شاورتهم، فأبوا، إلا أن يكون الولاء لهم, الولاء يعني متعلقات العتق، يكونون هم عصبتها، لو ماتت يكونون هم أولياءها، يرثونها، ويرثون ذريتها؛ لأنهم عصبتها، فلما قالت لهم ذلك أبوا، قالوا: إلا أن يكون الولاء لهم، يعني يكون ولاء العتيقة لهم، حيث لو ماتت ورثوها، ورثوا أبناءها إذا لم يكن لهم ورثة، إذا لم يكن لهم ورثة ورثوهم، فأخبرت عائشة النبي ﷺ بذلك، فأمرها أن تشتريها

стр. 550

وتعتقها، والولاء لها، وقال: «إنما الولاء لمن أعتق»، خطب ﵊ الناس، وأخبرهم قال: «أَمَّا بَعْدُ: مَا بَالُ أناسٍ يَشْتَرِطُونَ شُرُوطاً لَيْسَتْ فِي كِتَابِ اللَّهِ، مَا كَانَ مِنْ شَرْطٍ لَيْسَ فِي كِتَابِ اللَّهِ، فَهُوَ بَاطِلٌ، وَإِنْ كَانَ مِائَةَ شَرْطٍ»، فمعنى في كتاب اللَّه، أي في حكم اللَّه وشرعه، ليس فيه شرط منصوص عليه في القرآن, بل المراد في حكم اللَّه، أي في شرع اللَّه، وإن كان مائة شرط، وإن أضاف صاحبه مائة شرط مائة مرة، وأكده، فهو باطل ــ قضاء اللَّه أحق، وشرط اللَّه أوثق ــ من شروط الناس ــ وإنما الولاء لمن أعتق, الولاء لمن أعتق العبد، أو الأَمة؛ لأنه صاحب النعمة المعتق، هو صاحب النعمة، فيكون له الولاء، وفي هذا دليل على جواز بيع التقسيط، إذا باع إنسان أرضاً بأقساط، أو بيتاً، أو جملاً، أو سيارة بأقساط لا بأس، إذا كانت الآجال معلومة، فإذا قال: اشتر مني هذا البيت بمائة ألف ريال، كل سنة عشرة آلاف، أو هذه السيارة بخمسين ألف، كل سنة خمسة آلاف، أو كل شهر ألف ريال، ما فيه بأس، يُسمَّى بيع التقسيط، إذا كانت الآجال معلومة، والمبيع معلوم عند البائع، مملوك عند البائع، حاضر، السيارة حاضرة، الأرض عنده مملوكة له، البيت مملوك له، ثم باع على أقساط لا بأس, لا حرج في ذلك. ٢٧٨ - عن جابر بن عبد اللَّه ﵄، «أَنَّهُ كَانَ يَسِيرُ عَلَى جَمَلٍ له قد أَعْيَا (١)، فَأَرَادَ أَنْ يُسَيِّبَهُ، قال (٢): فَلَحِقَنِي النَّبِيُّ ﷺ ، فَدَعَا لِي، وَضَرَبَهُ،

стр. 551

فَسَارَ سَيْراً لَمْ يَسِرْ مِثْلَهُ قط، ثُمَّ (١) قَالَ: «بِعْنِيهِ بِأُوقِيَّةٍ». قُلْتُ: لا، ثُمَّ قَالَ: «بِعْنِيهِ». فَبِعْتُهُ بِأُوقِيَّةٍ، وَاسْتَثْنَيْتُ حِمْلانَهُ إلَى أَهْلِي، فَلَمَّا بَلَغْتُ أَتَيْتُهُ بِالْجَمَلِ، فَنَقَدَنِي ثَمَنَهُ، ثُمَّ رَجَعْتُ، فَأَرْسَلَ فِي أثْرِي، فَقَالَ: «أَتُرَانِي مَاكَسْتُكَ لآخُذَ جَمَلَكَ؟ خُذْ جَمَلَكَ وَدَرَاهِمَكَ، فَهُوَ لَكَ» (٢). ٢٧٩ - عن أبي هريرة ﵁ قال: «نَهَى رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : أَنْ يَبِيعَ حَاضِرٌ لِبَادٍ، وَلا تَنَاجَشُوا، وَلا يَبِعِ (٣) الرَّجُلُ عَلَى بَيْعِ أَخِيهِ، وَلا يَخْطُبْ عَلَى خطبة أخيه، وَلا تَسْأَلِ الْمَرْأَةُ طَلاقَ أُخْتِهَا لِتَكْفأَ مَا فِي إنائها» (٤). ٧٦ - قال الشارح ﵀ هذان الحديثان الشريفان عن النبي ﵊ فيهما مسائل متعددة من مسائل البيع، وأحكام، ومساومة، ومناجشة بين الناس. حديث جابر ﵄: أنه كان يسير على جمل قد أعيا ــ أي قد

стр. 552

تعب ــ فلحقه النبي ﷺ ، وضربه، ودعا له، فسار سيراً لم يسر مثله قط، ثم قال له النبي: «بعنيه بأوقية»، فلم يزل ﵊ به حتى باعه إيَّاهُ، فلما قدم المدينة أتاه جابر بالجمل، وكان قد اشترط حملانه إلى أهله، اشترط على النبي ﷺ أن يكون له ظهره حتى يصل المدينة، فلما وصل المدينة أتاه بالجمل، فأعطاه النبي ﷺ الثمن، وفي اللفظ الآخر: «وزاد له، وأرجح له»، ثم قال له: «أتراني ماكستك لآخذ جملك, خذ جملك ودراهمك» فأعطاه الجمل، وأعطاه الدراهم. والنبي ﷺ بيَّن هذا، ليعلم الناس بالحكم، وليستفيدوا من هذه الأحكام التي فعلها ﷺ ، منها: ــ أنه ينبغي للمؤمن أن يرفق بأخيه، وأن يساعده على الخير، ولاسيما إذا أعيا بعيره، أو فرسه، أو نحو ذلك أن يساعده، فيما يرى من مال، أو دعاء لأخيه. ــ ومنها أنه لا مانع [للموكس] (١) أن يماكس في البيع، والمماكسة: المكاسرة، كون البائع يقول كذا، والمشتري يقول كذا, البائع يقول: أنا أبيعه بمائة، والمشتري يقول بثمانين، بتسعين، يكاسر هذه مماكسة، لا بأس بها بين البائع والمشتري، والبائع له رضاه، لا يبيع إلا بما يرضى به، فالمماكسة معناها المكاسرة، يعني يطلب المشتري التنزيل، والبائع يطلب الرفع.

стр. 553

وفيه من الفوائد: حُسن خلقه ﷺ ، وجوده، وكرمه ﵊، كان حسن الخلق، كريم المعاشرة، كريم المحادثة، ﵊، جواداً كريماً، أعطاه الجمل وأعطاه الثمن جميعاً ﵊، والمقصود هو بيان الحكم الشرعي، حتى يعلم الناس الحكم، لا بأس من المماكسة بين البائع والمشتري، ولا بأس أن يعطيه المبيع بعدما يشتريه، ويردّه إليه هبةً، وجوداً، وكرماً، ولا بأس بالشرط، كون الإنسان يشتري شيئاً، ويُشرط عليه شرط لا يخالف الشرع، كأن يقول له البائع: أنا أشترط عليك أن البعير يكون تحتي حتى أصل البلد، حتى يوصلني البلد، أو يقول البيت، [...] (١): لي سكناه سنة، بعد السنة أسلمه لك، أو الدكان يكون في يدي سنة حتى أسلمه لك، وما أشبه ذلك من الشروط الجائزة، لا بأس بذلك. والحديث الثاني حديث أبي هريرة ﵁ فيه خمس مسائل: الأولى: النهي عن بيع الحاضر للبادي، تقدم في الحديث السابق، ومعنى بيع الحاضر للبادي يعني أن المقيم في البلد لا يتولَّى البيع للوافدين من البادية، وغير البادية؛ لأنه إذا تولى البيع لهم كاسر للناس، وشدد على الناس، لأنه يعلم السعر، فيكون على الناس بهذه المشقة، ولكن يترك البادية هم الذين يبيعون، القادمون هم الذين يبيعون بأنفسهم؛ لأن بيعهم يكون أرفق بالناس، وأنفع للناس، وأرخص للناس؛ ولهذا قال ﵊: «دَعُوا النَّاسَ

стр. 554

يَرْزُقِ اللَّهُ بَعْضَهُمْ مِنْ بَعْضٍ» (١)، لا يبيع للقادم، سواء كان بدوياً، أو حضرياً: يبيع من قدم بدهن، وبحبوب، وبأقط، وبحيوانات، يتولى البيع بنفسه، حتى يكون هذا أرفق بالمسلمين، وأقل لرفع الأسعار. وفي المسألة الثانية: التناجش. قوله: «لا تناجشوا». والتناجش كون الإنسان يزيد في السعر، وهو ما يريد الشراء (٢)، قصده (٣) المغالطة والإيذاء, إما لينفع البائع؛ أو لأجل المشتري، أو يتلاعب، هذا لا يجوز، لا يزيد إلا إذا كان له رغبة في الشراء، إذا كان ما له رغبة لا يزيد في السعر، وهذا هو التناجش، والنجش: أن تزيد في السعر، وأنت لا تريد الشراء، فلا داعي أن تفعل ذلك، وليس لك، ولا للآخر أن يزيد من دون حاجة، بل من أجل الإيذاء، فلا يجوز لا بهذا، ولا بهذا، إما أن يكون له رغبة في المبيع [وإلا فلا يناجش] (٤). والرابعة: ولا يبع بعضكم على بيع بعض، ليس للمسلم أن يبيع على بيع أخيه، وليس له أن يشتري على شراء أخيه، فالمسلمون كلهم إخوة، فليس لهم أن يضر بعضهم بعضاً، ولا أن يؤذي بعضهم بعضاً؛ لأن بيعه على بيع أخيه، وشراءه على شراء أخيه، يولّد الشحناء، والعداوة بين المسلمين، ومعنى ذلك: إذا بعت على زيد

стр. 555

سلعة لشخص بمائة ريال، ليس للآخر أن يأتي ويقول: أنا أشتريها منك بمائة وعشرة [...] (١) أنا أشتريها منك بكذا وكذا، هذا الشراء على شراء أخيه. والبيع على بيعه أن يقول له: أنت يا فلان، أنا أعطيك سلعة أحسن منها بتسعين [حتى يترك الشراء ويشتري منه] (٢). فلا تبع على بيع أخيك، ولا تشترِ على شراء أخيك، «دعوا الناس يرزق اللَّه بعضهم من بعض» (٣). والخامسة: لا يخطب على خطبة أخيه، إذا خطب امرأة يتركها لا يخطبها، وهو يعلم أنه خطبها حتى يردّوه، أو يتركها هو, إذا ردّوه، أو تركها هو، جازت له، مادام لم يخطبها، وأخوه خاطبها، حتى يتركها الخاطب, أو يُردّ من أهلها، يتعذرّون منه، يخطبها بعد ذلك؛ لأن خطبتك لها تؤذي أخاك، وتضر أخاك، وهو قد سبقك، والحق لمن سبق، فلا يحق لك أن تخطب على خطبة أخيك. السادسة: ولا تسأل المرأة طلاق أختها، ليس للمرأة أن تقول: ما أقبلك حتى تطلق فلانة, هذا غلط، وظلم، إن شاءت أن تتزوج، وإلا تركته، ولا تقل له: طلقها. وهذا من كثير من الناس، إذا خطب منهم أحد ومعه زوجة،

стр. 556

قالوا: لا حتى تطلق، هذا غلط. [...] (١) ليس لهم أن يطلبوا طلاقها، ولا يتعرضون لها، هذا منكر وظلم، ليس لهم ذلك. ٥٢ - باب الربا والصَّرف ٢٨٠ - عن عمر بن الخطاب ﵁ قال: قال رسولُ اللهِ ﷺ : «الذَّهَبُ بِالذهب (٢) رِبًا، إلَاّ هَاءَ وَهَاءَ، والفضةُ بالفضةِ ربًا، إلا هَاءَ وهَاءَ (٣)، وَالْبُرُّ بِالْبُرِّ رِباً، إلَاّ هَاءَ وَهَاءَ، وَالشَّعِيرُ بِالشَّعِيرِ رِباً، إلَاّ هَاءَ وَهَاءَ» (٤). ٢٨١ - وعن أبي سعيد الخدري ﵁، أن رسول اللَّه ﷺ قال: «لا تَبِيعُوا الذَّهَبَ بِالذَّهَبِ، إلَاّ مِثْلاً بِمِثْلٍ، وَلا تُشِفُّوا بَعْضَهَا عَلَى بَعْضٍ، وَلا تَبِيعُوا الْوَرِقَ بِالْوَرِقِ إلَاّ مِثْلاً بِمِثْلٍ، وَلا تُشِفُّوا بَعْضَهَا عَلَى بَعْضٍ، وَلا تَبِيعُوا مِنْهَا غَائِباً بِنَاجِزٍ» (٥).

стр. 557

وفي لفظٍ: «إلَاّ يَداً بِيَدٍ» (١). وفي لفظٍ: «إلَاّ وَزْناً بِوَزْنٍ، مِثْلاً بِمِثْلٍ سَوَاءً بِسَوَاءٍ» (٢). ٢٨٢ - عن أبي سعيد الخدري ﵁ (٣) قال: «جَاءَ بِلالٌ إلَى النبي ﷺ بِتَمْرٍ بَرْنِيٍّ، فَقَالَ لَهُ النَّبِيُّ ﷺ : «مِنْ أَيْنَ هَذَا؟» قَالَ بِلالٌ: كَانَ عِنْدَي (٤) تَمْرٌ رَدِيءٌ، فَبِعْتُ مِنْهُ صَاعَيْنِ بِصَاعٍ لِنُطْعمَ (٥) النَّبِيَّ ﷺ ، فَقَالَ النَّبِيُّ عِنْدَ ذَلِكَ: أَوَّهْ (٦)، أَوَّهْ، عَيْنُ الرِّبَا (٧)، لا تَفْعَلْ، وَلَكِنْ إذَا أَرَدْتَ أَنْ تَشْتَرِيَ فَبِعِ التَّمْرَ بِبَيْعٍ آخَرَ، ثُمَّ اشْتَرِ بِهِ» (٨). ٧٧ - قال الشارح ﵀ هذه الأحاديث الثلاثة من أصح الأحاديث عن رسول اللَّه ﵊، ويتعّلق بالربا, والربا بمعنى الزيادة، تقول: ربا الشيء

стр. 558

يربو رباً، إذا زاد، ومنه: ﴿اهْتَزَّتْ وَرَبَتْ﴾ (١) إذا زادت وارتفعت. سُمّي الربا ربا؛ لما فيه من الزيادة غالباً، أو التوسل إليها، فالزيادة مثل درهم بدرهمين، وصاع بصاعين من جنس واحد، صاع من تمر بصاعين من تمر، أو صاع من بر بصاعين من بر، فهذا فيه زيادة. وقد يكون غير زيادة، ولكنه وسيلة للزيادة، كأن يكون صاع بصاع من غير قبض، فهذا لا يجوز فيه النسيئة؛ لأن هذا وسيلة إلى الربا، ولا وجه للتأجيل، وهما متماثلان، فهذا يجر للزيادة في مقابل النسيئة، وقد سد النبي ﷺ الباب، ومنع هذا وهذا، ولهذا قال النبي ﵊ في حديث عمر: «الذهب بالذهب رباً إلا هاء وهاء»، يعني يداً بيد، يعني خذ وسلِّم، «والفضة بالفضة رباً إلا هاء وهاء، والبر بالبر رباً إلا هاء وهاء، والشعير بالشعير رباً إلا هاء وهاء»، يعني إلا يداً بيد، فإذا باع مثلاً سلعة من أسورة، أو خواتم من الذهب بدنانير ذهب، فلابد من التساوي يداً بيد، فالتساوي والقبض يعني مثلاً بمثل، يداً بيد، هاء وهاء، فإن كان ذهباً أسورة باعها بفضة، فلا بأس أن يكون يداً بيد، أسورة، أو خواتم من الذهب، أو قلائد من الذهب، باعها بفضة، فلا بأس، لكن يداً بيد، يتقابضان في الحال، لا يتفرقان وبينهما شيء، هذا معنى هاء وهاء. وهكذا حديث أبي سعيد: «لا تبيعوا الذهب بالذهب إلا مثلاً بمثل، ولا تشفوا بعضها على بعضها»، يعني: لا تزيدوا بعضها على بعض، أو لا تنقصوا بعضها عن بعض, «ولا تبيعوا الفضة بالفضة إلا مثلاً بمثل

стр. 559

ولا تشفوا بعضها على بعض، ولا تبيعوا منها غائباً بناجز»، لابد من التقابض في بيع الذهب بالذهب، والفضة بالفضة، وبيع أحدهما بالآخر، فإن كان الذهب، فلابد من شرطين: التماثل، والتقابض، وهكذا الفضة بالفضة، لابد من شرطين: التماثل، والتقابض، وهكذا البر بالبر، والشعير بالشعير، والتمر بالتمر، لابد من شرطين: ــ أن يكونا متماثلين. ــ أن يتقابضا في الحال. أما إذا اختلفت الأجناس، فلا [بأس بالتفاضل]، لكن يداً بيداً؛ كما قال النبي ﷺ في حديث بلال: [عندما] (١) اشترى صاعاً من التمر الطيب بصاعين من التمر الرديء، قال: «أوه، عين الربا عين الربا، لا تفعل، بع الجمع بالدراهم، واشترِ بالدراهم جنيباً» (٢) (٣)، ما يجوز يشتري شيئاً طيباً من التمر بأكثر منه من الرديء، ولا من الذهب، ولا من الفضة، ولا من سائر الأنواع، التي يقع فيها الربا, لا يشتري

стр. 560

الرديء بشيء جديد [...] (١) لا، يبيع الرديء ثم يشتري الذي يريد, يبيع الرديء، ثم يشتري بالثمن التمر الطيب، أما أن يبيع صاعين رديئة بصاع تمرٍ طري، أو صاع بر طيب، بصاعين بر رديء، أو صاع طيب من الشعير، بصاعين شعير رديء، لا، هذا لا يجوز [...] (٢) لا بد من التماثل، ولابد من القبض يداً بيد، لكن إن اختلفت هذه الأصناف، جاز التفاضل، تبيع صاعاً من التمر بصاعين من الشعير، لا بأس يداً بيد، صاعاً من البر بصاعين من الملح، أو صاعين من الشعير، لا بأس، مثقالاً من الذهب بمثقالين من الفضة، أو بأكثر، وتكون الفضة يداً بيد، لا بأس، ديناراً بريال سعودي يداً بيد، لا بأس, جنيه إسترليني بدراهم سعودية يداً بيد، لا بأس، بعملة خليجية يداً بيد، أيضاً لا بأس. لا بد من التقابض. ٢٨٣ - عن أبي المِنْهال قال: «سَأَلْتُ الْبَرَاءَ بْنَ عَازِبٍ، وَزَيْدَ بْنَ أَرْقَمَ ﵄ عَنِ الصَّرْفِ، فَكُلُّ وَاحِدٍ منهما يَقُولُ: هَذَا خَيْرٌ مِنِّي، وَكِلاهُمَا يَقُولُ: نَهَى رَسُولُ اللَّهِ ﷺ عَنْ بَيْعِ الذَّهَبِ بِالْوَرِقِ دَيْناً» (٣). ٢٨٤ - عن أبي بكرة ﵁ قال: «نَهَى رَسُولُ اللَّهِ ﷺ عَنِ الْفِضَّةِ بِالْفِضَّةِ، وَالذَّهَبِ بِالذَّهَبِ، إلَاّ سَوَاءً بِسَوَاءٍ، وَأَمَرَنَا أَنْ نَشْتَرِيَ الْفِضَّةَ

стр. 561

بِالذَّهَبِ كَيْفَ شِئْنَا، وَنَشْتَرِيَ الذَّهَبَ بِالْفِضَّةِ كَيْفَ شِئْنَا، قَالَ: فَسَأَلَهُ رَجُلٌ، فَقَالَ: يَدًا بِيَدٍ؟ فَقَالَ: هَكَذَا سَمِعْتُ» (١). ٧٨ - قال الشارح ﵀: تقدم حديث أبي سعيد يقول ﷺ : «لا تبيعوا منها غائباً بناجز»، أي لا تبيعوا الذهب بالذهب إلا مثلاً بمثل، ولا تشفوا بعضها على بعض، ولا تبيعوا الفضة بالفضة إلا مثلاً بمثل، ولا تشفوا بعضها على بعض. [و] تقدم حديث بلال في شرائه الصاع بصاعين من التمر، والنبي ﷺ قال: «عين الربا لا تفعل, بع الجمع بالدراهم، بع الجمع، ثم ابتع جنيباً» (٢). وهكذا حديث زيد بن أرقم، والبراء بن عازب؛ لما سألهما أبو المنهال عن الصرف، كل واحد يقول: اسأل هذا، هو خير مني, هذا فيه تواضع الصحابة، تواضعهم ﵃ وأرضاهم، وتقدير بعضهم لبعض، وأن كل واحد يفرح أن يقوم صاحبه بالفتوى بدلاً منه؛ لهذا قالوا جميعاً: إن الرسول ﷺ نهى عن بيع الورق بالذهب ديناً الورق: الفضة، هذا يدل على أنه لا يجوز بيع الذهب بالفضة ديناً، بل يداً بيد. وهكذا حديث أبي بكرة في بيع الذهب بالذهب والفضة بالفضة، إلا مثلاً بمثل، سواءً بسواء، وأجاز لهم أن يشتروا الفضة بالذهب كيف شاؤوا، والفضة بالذهب كيف شاؤوا، لكن يداً بيد، فإن اتحد الجنس

стр. 562

، فلابد من أمرين: التماثل، والتقابض يداً بيد, إذا صار الجنس واحداً: ذهب بذهب, فضة بفضة, تمر بتمر, بر ببر, أرز بأرز, شعير بشعير, مثلاً بمثل، لابد من التماثل، فلا يجوز أن تبيع درهماً بدرهمين، ولا ديناراً بدينارين من الذهب، لابد مثلاً بمثل، سواء بسواء، ولابد من شرط ثان، وهو أن يكون يداً بيد، التقابض أي لا يتفرقان حتى يتقابضا، أما إذا اختلف الجنس مثل فضة بذهب، أو تمر ببر، هذا لا بأس بالتفاضل لاختلاف الجنسين، فإذا باع صاعاً من التمر بصاعين من الشعير، أو بصاعين من البر يداً بيد، فلا بأس لأنهما جنسان, أو باع مائة مثقال من الفضة بعشرة مثاقيل من الذهب، يداً بيد هذا سعر المعدن مختلف، كذلك إذا باع صاعاً من البر بصاعين من الشعير، أو بصاعين من الملح، يداً بيد، فلا بأس، لاختلاف الجنس. هكذا الأوراق اليوم، العُمَل تقوم مقام الذهب والفضة، فإذا باع عملة بعملة، يداً بيد فلا بأس، ولو اختلفت مثل دولار واحد باعه بثلاثة دراهم، أو أربعة دراهم يداً بيد، لا بأس, لأن العملة مختلفة مثل الذهب، أو باع دنانير أردنية، أو عراقية، عشرة دنانير بخمسة دولارات، أو بعشرين دولاراً، لا بأس يداً بيد؛ لاختلاف الجنسين، أو باع مائة من الدراهم السعودية بخمسين من الدولارات، أو بعشرين من الدنانير الإيرانية، أو الهاشمية، أو غير ذلك، يداً بيد، فلا بأس؛ لأنها جنسان [...] (١)، ولذلك إذا اختلفت جاز التفاضل، والاختلاف في الكثرة،

стр. 563

لكن يداً بيد، فإذا كان الجنس واحداً، لابد من شرطين: ــ أن يتماثلا سواء بسواء. ــ وأن يكونا يداً بيد التقابض في المجلس. ٥٣ - باب الرهن وغيره ٢٨٥ - عن عائشة ﵂ «أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ ، اشْتَرَى مِنْ يَهُودِيٍّ طَعَاماً، وَرَهَنَهُ دِرْعاً مِنْ حَدِيدٍ» (١). ٢٨٦ - وعن أبي هريرة ﵁، أن رسولَ اللهِ ﷺ قال: «مَطْلُ الْغَنِيِّ ظُلْمٌ، وَإِذَا (٢) أُتْبِعَ أَحَدُكُمْ عَلَى مَلِيءٍ فَلْيَتْبَعْ» (٣). ٢٨٧ - وعنه قال: قال رسولُ اللهِ ﷺ ، أو قال: سَمِعْتُ رسولَ اللهِ ﷺ (٤) يَقُولُ: «مَنْ أَدْرَكَ مَالَهُ بِعَيْنِهِ عِنْدَ رَجُلٍ، أَوْ إنْسَانٍ قَدْ أَفْلَسَ، فَهُوَ أَحَقُّ بِهِ مِنْ غَيْرِهِ» (٥).

стр. 564

٢٨٨ - عن جابر بن عبد اللَّه بقال: «جَعَلَ ــ وَفِي لَفْظٍ قَضَى ــ النَّبِيُّ ﷺ بِالشُّفْعَةِ فِي كُلِّ مَالٍ لَمْ يُقْسَمْ (١)، فَإِذَا وَقَعَتِ الْحُدُودُ، وَصُرِّفَتِ الطُّرُقُ، فَلا شُفْعَةَ» (٢). ٧٩ - قال الشارح ﵀ هذه الأحاديث الأربعة بعضها يتعلق بالرهن، وبعضها يتعلق بالحوالة، وبعضها يتعلق بغير ذلك. الحديث الأول: يدل على أنه لا مانع من معاملة الكافر بالشراء منه، والبيع عليه؛ ولهذا قالت عائشة ﵂: «إن النبي اشترى من يهودي طعاماً، ورهنه درعاً من حديد». وثبت عنه ﷺ أنه توفي ودرعه مرهونة في طعامٍ لأهله، ﵊ (٣)، اشتراه من يهودي، هذا يدل على أنه لا بأس أن

стр. 565

يشتري الإنسان من يهودي، أو نصراني، أو غير ذلك بعض الحاجات، ولا يكون ذلك من موالاتهم ولا من محبتهم، فالموالاة: المحبة، والنصرة، أما في الشراء منه، وفي البيع عليه، فليس من باب الموالاة، ولا حرج في ذلك؛ ولهذا فعله النبي ﵊. الحديث الثاني يدل على أنه لا يجوز للغني أن يؤخر الدين، ولهذا قال: «مطل الغني ظلم» يكون عنده يسر، ومع ذلك يمطل أخاه ولا يوفيه حقه، بل يجب عليه أن يبادر بقضاء الدين إذا كان قادراً، ولا يمطل أخاه ولا يؤذيه. وفي اللفظ الآخر يقول ﷺ : «لَيُّ الْوَاجِدِ يُحِلُّ عِرْضَهُ وَعُقُوبَتَه» (١)، ليّه: يعني مَطْلَه، وتأخيره الحق, يُحِلُّ عِرضَهُ أي قال فيه: إنه مَطلني، وإنه تعدَّى عليَّ، وإنَّه أخذ حقي، وعقوبته بالأدب حتى يؤدي الحق بالسجن، أو غيره من جهة ولي الأمر، حتى يؤدي الحق إذا كان موسراً. إنما الإنظار للمعسر، كما قال تعالى: ﴿وَإِنْ كَانَ ذُو عُسْرَةٍ فَنَظِرَةٌ إِلَى مَيْسَرَةٍ﴾ (٢)، أما الغنيّ، فليس له المطل، بل يجب عليه الوفاء،
следующие страницы →