← Шархи хадиса

Шархи хадиса · id 13282

الإفهام في شرح عمدة الأحكام

ابن باز

Полный текст (893 стр.). Показаны 561–600 · переход к 566.

стр. 561

بِالذَّهَبِ كَيْفَ شِئْنَا، وَنَشْتَرِيَ الذَّهَبَ بِالْفِضَّةِ كَيْفَ شِئْنَا، قَالَ: فَسَأَلَهُ رَجُلٌ، فَقَالَ: يَدًا بِيَدٍ؟ فَقَالَ: هَكَذَا سَمِعْتُ» (١). ٧٨ - قال الشارح ﵀: تقدم حديث أبي سعيد يقول ﷺ : «لا تبيعوا منها غائباً بناجز»، أي لا تبيعوا الذهب بالذهب إلا مثلاً بمثل، ولا تشفوا بعضها على بعض، ولا تبيعوا الفضة بالفضة إلا مثلاً بمثل، ولا تشفوا بعضها على بعض. [و] تقدم حديث بلال في شرائه الصاع بصاعين من التمر، والنبي ﷺ قال: «عين الربا لا تفعل, بع الجمع بالدراهم، بع الجمع، ثم ابتع جنيباً» (٢). وهكذا حديث زيد بن أرقم، والبراء بن عازب؛ لما سألهما أبو المنهال عن الصرف، كل واحد يقول: اسأل هذا، هو خير مني, هذا فيه تواضع الصحابة، تواضعهم ﵃ وأرضاهم، وتقدير بعضهم لبعض، وأن كل واحد يفرح أن يقوم صاحبه بالفتوى بدلاً منه؛ لهذا قالوا جميعاً: إن الرسول ﷺ نهى عن بيع الورق بالذهب ديناً الورق: الفضة، هذا يدل على أنه لا يجوز بيع الذهب بالفضة ديناً، بل يداً بيد. وهكذا حديث أبي بكرة في بيع الذهب بالذهب والفضة بالفضة، إلا مثلاً بمثل، سواءً بسواء، وأجاز لهم أن يشتروا الفضة بالذهب كيف شاؤوا، والفضة بالذهب كيف شاؤوا، لكن يداً بيد، فإن اتحد الجنس

стр. 562

، فلابد من أمرين: التماثل، والتقابض يداً بيد, إذا صار الجنس واحداً: ذهب بذهب, فضة بفضة, تمر بتمر, بر ببر, أرز بأرز, شعير بشعير, مثلاً بمثل، لابد من التماثل، فلا يجوز أن تبيع درهماً بدرهمين، ولا ديناراً بدينارين من الذهب، لابد مثلاً بمثل، سواء بسواء، ولابد من شرط ثان، وهو أن يكون يداً بيد، التقابض أي لا يتفرقان حتى يتقابضا، أما إذا اختلف الجنس مثل فضة بذهب، أو تمر ببر، هذا لا بأس بالتفاضل لاختلاف الجنسين، فإذا باع صاعاً من التمر بصاعين من الشعير، أو بصاعين من البر يداً بيد، فلا بأس لأنهما جنسان, أو باع مائة مثقال من الفضة بعشرة مثاقيل من الذهب، يداً بيد هذا سعر المعدن مختلف، كذلك إذا باع صاعاً من البر بصاعين من الشعير، أو بصاعين من الملح، يداً بيد، فلا بأس، لاختلاف الجنس. هكذا الأوراق اليوم، العُمَل تقوم مقام الذهب والفضة، فإذا باع عملة بعملة، يداً بيد فلا بأس، ولو اختلفت مثل دولار واحد باعه بثلاثة دراهم، أو أربعة دراهم يداً بيد، لا بأس, لأن العملة مختلفة مثل الذهب، أو باع دنانير أردنية، أو عراقية، عشرة دنانير بخمسة دولارات، أو بعشرين دولاراً، لا بأس يداً بيد؛ لاختلاف الجنسين، أو باع مائة من الدراهم السعودية بخمسين من الدولارات، أو بعشرين من الدنانير الإيرانية، أو الهاشمية، أو غير ذلك، يداً بيد، فلا بأس؛ لأنها جنسان [...] (١)، ولذلك إذا اختلفت جاز التفاضل، والاختلاف في الكثرة،

стр. 563

لكن يداً بيد، فإذا كان الجنس واحداً، لابد من شرطين: ــ أن يتماثلا سواء بسواء. ــ وأن يكونا يداً بيد التقابض في المجلس. ٥٣ - باب الرهن وغيره ٢٨٥ - عن عائشة ﵂ «أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ ، اشْتَرَى مِنْ يَهُودِيٍّ طَعَاماً، وَرَهَنَهُ دِرْعاً مِنْ حَدِيدٍ» (١). ٢٨٦ - وعن أبي هريرة ﵁، أن رسولَ اللهِ ﷺ قال: «مَطْلُ الْغَنِيِّ ظُلْمٌ، وَإِذَا (٢) أُتْبِعَ أَحَدُكُمْ عَلَى مَلِيءٍ فَلْيَتْبَعْ» (٣). ٢٨٧ - وعنه قال: قال رسولُ اللهِ ﷺ ، أو قال: سَمِعْتُ رسولَ اللهِ ﷺ (٤) يَقُولُ: «مَنْ أَدْرَكَ مَالَهُ بِعَيْنِهِ عِنْدَ رَجُلٍ، أَوْ إنْسَانٍ قَدْ أَفْلَسَ، فَهُوَ أَحَقُّ بِهِ مِنْ غَيْرِهِ» (٥).

стр. 564

٢٨٨ - عن جابر بن عبد اللَّه بقال: «جَعَلَ ــ وَفِي لَفْظٍ قَضَى ــ النَّبِيُّ ﷺ بِالشُّفْعَةِ فِي كُلِّ مَالٍ لَمْ يُقْسَمْ (١)، فَإِذَا وَقَعَتِ الْحُدُودُ، وَصُرِّفَتِ الطُّرُقُ، فَلا شُفْعَةَ» (٢). ٧٩ - قال الشارح ﵀ هذه الأحاديث الأربعة بعضها يتعلق بالرهن، وبعضها يتعلق بالحوالة، وبعضها يتعلق بغير ذلك. الحديث الأول: يدل على أنه لا مانع من معاملة الكافر بالشراء منه، والبيع عليه؛ ولهذا قالت عائشة ﵂: «إن النبي اشترى من يهودي طعاماً، ورهنه درعاً من حديد». وثبت عنه ﷺ أنه توفي ودرعه مرهونة في طعامٍ لأهله، ﵊ (٣)، اشتراه من يهودي، هذا يدل على أنه لا بأس أن

стр. 565

يشتري الإنسان من يهودي، أو نصراني، أو غير ذلك بعض الحاجات، ولا يكون ذلك من موالاتهم ولا من محبتهم، فالموالاة: المحبة، والنصرة، أما في الشراء منه، وفي البيع عليه، فليس من باب الموالاة، ولا حرج في ذلك؛ ولهذا فعله النبي ﵊. الحديث الثاني يدل على أنه لا يجوز للغني أن يؤخر الدين، ولهذا قال: «مطل الغني ظلم» يكون عنده يسر، ومع ذلك يمطل أخاه ولا يوفيه حقه، بل يجب عليه أن يبادر بقضاء الدين إذا كان قادراً، ولا يمطل أخاه ولا يؤذيه. وفي اللفظ الآخر يقول ﷺ : «لَيُّ الْوَاجِدِ يُحِلُّ عِرْضَهُ وَعُقُوبَتَه» (١)، ليّه: يعني مَطْلَه، وتأخيره الحق, يُحِلُّ عِرضَهُ أي قال فيه: إنه مَطلني، وإنه تعدَّى عليَّ، وإنَّه أخذ حقي، وعقوبته بالأدب حتى يؤدي الحق بالسجن، أو غيره من جهة ولي الأمر، حتى يؤدي الحق إذا كان موسراً. إنما الإنظار للمعسر، كما قال تعالى: ﴿وَإِنْ كَانَ ذُو عُسْرَةٍ فَنَظِرَةٌ إِلَى مَيْسَرَةٍ﴾ (٢)، أما الغنيّ، فليس له المطل، بل يجب عليه الوفاء،

стр. 566

وعدم إيذاء صاحب الحق. وقوله: «وَإِذَا أُتْبِعَ أَحَدُكُمْ عَلَى مَلِيءٍ فَلْيَتْبَعْ»، أي إذا أُحيل على مليء فليحتل، هذا في قبول الحوالة إذا كانت على مليء، إذا كان لك دين على إنسان، وحوّلك على مليء، فعليك أن تقبل الحوالة، تطالب إنساناً بعشرة آلاف ريال، حوّلك على إنسان مليء، تقبل الحوالة، ولا بأس. الحديث الثالث: يدل على أن من أدرك ماله عند إنسان قد أفلس، فهو أحق به، إذا أدرك ماله عند رجل قد أفلس، أو امرأة قد أفلست، فهو أحق بماله، فإذا بعت على إنسان سيارة، أو بعيراً، ثم بان إفلاسه، أي ما عنده شيء مُعدم، فلك أن ترجع في مبيعك إذا وجدته بعينه، لم يتعلق بحق للغير، بل وجدته بعينه، فلك أن ترجع فيه، أما إن كان قد تغيَّر بأن زاد زيادة بيّنة، يختلف بها الحكم، أو يزداد بها الثمن، أو وجدته قد رهنه، أو وَرِثه آخر، أو نحو ذلك، فلا حق لك، أما إذا وجدته بعينه، ولم يقضك من الثمن شيئاً، فأنت أولى به، كما في الرواية الأخرى: «ولم يقضِ من ثمنه شيئاً» (١).

стр. 567

والرابع فيه الدلالة على ثبوت الشفعة في كل شيء لم يقسم, والرسول قضى في الشفعة «في كل ما لم يقسم، فإذا وقعت الحدود، وصرفت الطرق فلا شفعة» , فإذا باع إنسان حصته من أرض، أو بيت، أو سيارة على الصحيح، ولو منقولاً في السيارة، فالشريك له الشفعة إذا كانت الأرض بينه وبين إنسان أنصافاً، أو أرباعاً، أو أثلاثاً، وباع حقه، فلك الشفعة إذا عَلِمْتَ هذا المشتري، أو سيارة بينك وبينه، وباع نصفه الذي يخصه على واحد، الصحيح أن لك الشفعة في هذا النصف الذي باعه على غيرك بالثمن الذي باعه, وهذا عامّ يعمّ الأراضي، ويعمّ المنقولات في كل شيء لم يقسم, أما إذا وقعت الحدود، وصُرِّفت الطرق انتهت الشفعة إذا تقاسمتم، وصار كل واحد له طريق يخصه [وصُرِّفَتْ] (١) الحدود، ثم باع ما له شفعة؛ لأنه انتهى، صار مجاوراً، صار جاراً، ما صار شريكاً، إنما الشفعة في الشركة، أما لو باع من طريق واحد لك الشفعة، وتقاسمت الأرض، ولكن من طريق واحد، طريقها واحد، بينكما مشترك، فلك الشفعة، لحديث:

стр. 568

«الْجَارُ أَحَقُّ بِشُفْعَةِ جَارِهِ يُطَالِبُ بِهَا وَإِنْ كَانَ غَائِبًا» (١)، إذا كان طريقهما واحداً، فالجار أحق بشُفعة جاره، إذا كان الطريق متحداً واحداً، والممشى واحداً، يعني يحصل له ضرر، فإذا كانت الطرق قد اتضحت كل واحد له طريق مختص، واستقل من ماله، فلا شفعة حينئذ. ٢٨٩ - عن عبد اللَّه بن عمر بقال: «أَصَابَ عُمَرُ أَرْضاً بِخَيْبَرَ، فَأَتَى النَّبِيَّ ﷺ يَسْتَامِرُهُ فِيهَا، فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، إنِّي أَصَبْتُ أَرْضاً بِخَيْبَرَ، لَمْ أُصِبْ مَالاً قَطُّ هُوَ أَنْفَسُ عِنْدِي مِنْهُ، فَمَا تَامُرُنِي بِهِ؟ قَالَ: «إنْ شِئْتَ حَبَّسْتَ أَصْلَهَا، وَتَصَدَّقْتَ بِهَا» قَالَ: فَتَصَدَّقَ بِهَا عمر، غَيْرَ أَنَّهُ لا يُبَاعُ أَصْلُهَا، وَلا يُورَثُ، وَلا يُوهَبُ، قَالَ: فَتَصَدَّقَ بها (٢) عُمَرُ فِي الْفُقَرَاءِ، وَفِي الْقُرْبَى، وَفِي الرِّقَابِ وَفِي سَبِيلِ اللَّهِ، وَابْنِ السَّبِيلِ، وَالضَّيْفِ، لا جُنَاحَ عَلَى مَنْ وَلِيَهَا: أَنْ يَاكُلَ مِنْهَا بِالْمَعْرُوفِ، أَوْ يُطْعِمَ صَدِيقاً، غَيْرَ مُتَمَوِّلٍ فِيهِ» (٣).

стр. 569

وفي لفظٍ «غَيْرَ مُتَأَثِّلٍ» (١). ٢٩٠ - عن عمر ﵁ قال: «حَمَلْتُ عَلَى فَرَسٍ فِي سَبِيلِ اللَّهِ، فَأَضَاعَهُ الَّذِي كَانَ عِنْدَهُ، فَأَرَدْتُ أَنْ أَشْتَرِيَهُ، وَظَنَنْتُ أَنَّهُ يَبِيعُهُ بِرُخْصٍ، فَسَأَلْتُ النَّبِيَّ ﷺ ؟ فَقَالَ: «لا تَشْتَرِهِ، وَلا تَعُدْ فِي صَدَقَتِكَ، وَإِنْ أَعْطَاكَهُ بِدِرْهَمٍ، فَإِنَّ الْعَائِدَ فِي هِبَتِهِ كَالْعَائِدِ فِي قَيْئِهِ» (٢). ٢٩١ - وعن ابن عباس ﵄: أن رسول اللَّه ﷺ (٣) قال: «العَائِد في هِبَتِهِ، كالعائِدِ في قَيْئِهِ» (٤). وفي لفظٍ (٥): «فإِنَّ الَّذِي يَعُودُ في صَدَقَتِهِ كالْكلْبِ يَقيءُ ثمَّ (٦) يَعُودُ في قَيْئِهِ» (٧).

стр. 570

٨٠ - قال الشارح ﵀ هذه الأحاديث الثلاثة: الأول منها يتعلق بالوقف، والثاني والثالث يتعلقان بالعود في الصدقة. في قصة عمر أنه: أصاب أرضاً بخيبر, لما فُتحت خيبر قسَّمها النبي ﷺ بين المسلمين، صار لعمر نصيبه من ذلك، فاستشار النبي ﷺ ماذا يفعل بنصيبه؟ وهو نصيبٌ نفيس، فقال له النبي ﷺ : «إنْ شِئْتَ حَبَّسْتَ أَصْلَهَا، وَتَصَدَّقْتَ بِهَا»، حبَّست أصلها، أي جعلت أصلها حبيساً، ووقفاً، لا يباع، ولا يشترى، ولا يوهب، ولا يورث، وغلّته في سبيل اللَّه، وهذا هو الوقف. فالوقف هو تحبيس الأصل، وتسبيل المنفعة في وجوه الخير، من عقارٍ، أو منقولٍ، ففعل عمر ﵁ ذلك، فحبَّس الأرض، وجعل غلتها للفقراء والمساكين والقربى وابن السبيل والضيف، يعني جعله على وجوه البر، وأعمال الخير، وهذا من الأوقاف الصالحة الطيبة، وورد في الحديث: «إِذَا مَاتَ ابْنُ آدَمَ انْقَطَعَ عَمَلُهُ إِلَّا مِنْ ثَلَاثٍ: صَدَقَةٍ جَارِيَةٍ - فهذا من الصدقة الجارية -، أَوْ عِلْمٍ يُنْتَفَعُ بِهِ، أَوْ وَلَدٍ صَالِحٍ يَدْعُو لَهُ» (١)، فإذا حبَّس أرضاً، أو نخلاً، أو منزلاً، أو دُكَّاناً:

стр. 571

حانوت (١)، أو غير ذلك على أنه يتصدق بغلّته بأجرة البيت، أجرة الأرض: ثمرة النخل: ثمرة البستان، بما فيه من أنواع الأشجار، هذا صدقة، قربة، والأصل يبقى، ويعود أيضاً للمنقول، لو وقف دابة، ناقة، إسبالة (٢)، ويتصدق: بنسلها، بذريتها، ولبنها، وصوفها كذلك أو بقرة، أو شاة صح ذلك؛ لأنه مما يُحبّس أصله، ويتصدق بغلّته. ثم قال: «لا جُنَاحَ عَلَى مَنْ وَلِيَهَا: أَنْ يَاكُلَ مِنْهَا بِالْمَعْرُوفِ، غَيْرَ مُتَأَثِّلٍ: غَيْرَ مُتَمَوِّلٍ»، يعني يأكل بالمعروف من غير إسراف، ولا يتخذ له عقاراً منهاً، ولا أموالاً منها، بل يأكل في مقابل تعبه وعمله، ويجوز أن يُعطى شيئاً معيناً عن تعبه، هذا الناظر الوكيل من جهة الواقف المسبِّل، أو من جهة الحاكم الشرعي؛ لأن الأوقاف، والعناية بها تحتاج إلى تعب، فإذا رضي بأن يأكل منها كفى، وإن طلب أجرة جاز له أن يُعطى أجرة على تعبه كخمسة في المائة, عشرة في المائة،

стр. 572

أو شيء معين في مقابل التعب, لا بأس أن يُهدِي منها للفقراء، والمساكين، والأقارب، على حسب ما ينص عليه الموصي الواقف, يلتزم بما نص عليه الواقف، وبيَّنه في مصاريفها، ويؤدي الأمانة، ويحرص على النصح في أن يحفظ أصلها، وينمِّيها، ويكثرها ويتقي اللَّه في ذلك، يكون له أجرة معيَّنة، أو المشاركة في الأكل منها. الحديث الثاني والثالث حديث قصة عمر، حمل عمر على فرس في سبيل اللَّه، فالإنسان إذا وهب شيئاً تصدق بشيء ليس له الرجوع فيه، فإذا أعطى إنساناً فرساً يجاهد عليها في سبيل اللَّه، أو تصدق عليه ببستان، أو بأرض، أو ببيت، فلا يرجع في ذلك، ولو بالثمن؛ لأنه إذا اشتراه في الغالب أن البائع ينزِّل له في الثمن، يستحيي منه، وينزل له، ولا يبيع له بالمماكسة والمكاسرة، فلا يبيعه؛ ولهذا قال ﷺ : «لا تَشْتَرِهِ، وَلوأَعْطَاكَهُ بِدِرْهَمٍ، فَإِنَّ الْعَائِدَ فِي هِبَتِهِ كَالْعَائِدِ فِي قَيْئِهِ» وفي اللفظ الآخر: «كالْكلْبِ يَقيءُ ثمَّ يَعُودُ في قَيْئِهِ» شبه بالكلب تنفيراً لنا من العودة، وتقبيحاً لها، فلا يرجع في هبته ولا في صدقته؛ لأنه جاء في الحديث: «الْعَائِد فِي هِبَتِهِ كَالْعَائِدِ فِي قَيْئِهِ»، والعائد في صدقته كذلك, وفي الحديث الآخر: «لَا يَحِلُّ لِلْمُسْلِمِ أَنْ يُعْطِيَ عَطِيَّةً ثُمَّ يَرْجِعُ فِيهَا، إِلَاّ الْوَالِدَ فِيمَا يُعْطِي وَلَدَهُ» (١).

стр. 573

فالحاصل أنه إذا أعطى عطية، أو تصدق بصدقة ليس له الرجوع فيها؛ لأنه أخرجه للَّه، وإن كانت هبة كذلك لا يرجع فيها, وهذا واللَّه أعلم؛ لأن النفوس ميَّالة للدنيا، فإذا أعطاه من دون عوض قد يندم ويرجع، فمنعه الشارع من ذلك، وحرّم عليه الرجوع، حتى لا يحصل التلاعب، فإذا وهب، وقبضها الموهوب له، انتهى الوهب، فليس له الرجوع، وهكذا في الصدقة من باب أولى؛ لأنه أخرجها للَّه، فلا يرجع فيها، لكن الوالد له الرجوع على ولده في العطية (١). ٢٩٢ - وعن النعمان (٢) بن بشير ﵄ قال: «تَصَدَّقَ عَلَيَّ أَبِي بِبَعْضِ مَالِهِ، فَقَالَتْ أُمِّي عَمْرَةُ بِنْتُ رَوَاحَةَ: لا أَرْضَى حَتَّى تُشْهِدَ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ ، فَانْطَلَقَ أَبِي إلَى النبي ﷺ (٣) لِيُشْهِدَهُ عَلَى صَدَقَتِي، فَقَالَ لَهُ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : «أَفَعَلْتَ هَذَا بِوَلَدِكَ كُلِّهِمْ؟» قَالَ: لا، قَالَ: «اتَّقُوا اللَّهَ، وَاعْدِلُوا فِي (٤) أَوْلادِكُمْ» فَرَجَعَ أَبِي، فَرَدَّ تِلْكَ الصَّدَقَةَ» (٥).

стр. 574

وفي لفظٍ، قال: «فَلا تُشْهِدْنِي إذاً، فَإِنِّي لا أَشْهَدُ عَلَى جَوْرٍ» (١). وفي لفظٍ: «فَأَشْهِدْ عَلَى هَذَا غَيْرِي» (٢). ٢٩٣ - وعن عبد اللَّه بن عمر ﵄، «أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ عَامَلَ أَهْلَ خَيْبَرَ على شَطْرِ (٣) مَا يَخْرُجُ مِنْهَا مِنْ تَمْرٍ أَوْ زَرْعٍ» (٤). ٢٩٤ - عن رافع بن خديج ﵁ قال: «كُنَّا أَكْثَرَ الأنْصَارِ حَقْلاً، قال (٥): كُنَّا (٦) نُكْرِي الأرْضَ عَلَى أَنَّ لَنَا هَذِهِ، وَلَهُمْ هَذِهِ، فَرُبَّمَا أَخْرَجَتْ هَذِهِ، وَلَمْ تُخْرِجْ هَذِهِ، فَنَهَانَا عَنْ ذَلِكَ، وَأَمَّا (٧) الْوَرِقُ: فَلَمْ يَنْهَنَا» (٨). ٢٩٥ - ولمسلم عن حَنْظَلة بن قيس قال: «سَأَلْتُ رَافِعَ بْنَ خَدِيجٍ عَنْ كِرَاءِ الأَرْضِ بِالذَّهَبِ وَالْوَرِقِ؟ فَقَالَ: لا بَاسَ بِهِ، إنَّمَا كَانَ النَّاسُ

стр. 575

يُؤَاجِرُونَ عَلَى عَهْدِ النبي ﷺ (١) بِمَا عَلَى الْمَاذِيَانَاتِ، وَأَقْبَالِ الْجَدَاوِلِ، وَأَشْيَاءَ مِنَ الزَّرْعِ، فَيَهْلِكُ هَذَا، وَيَسْلَمُ هَذَا، ويسلم هذا ويهلك هذا، فَلَمْ (٢) يَكُنْ لِلنَّاسِ كِرَاءٌ إلَاّ هَذَا، فَلِذَلِكَ زَجَرَ عَنْهُ. فَأَمَّا شَيْءٌ مَعْلُومٌ مَضْمُونٌ: فَلا بَاسَ بِهِ» (٣). «الماذيانات» الأنهار الكبار. والجدول: نهر صغير (٤). ٨١ - قال الشارح ﵀ هذه الأحاديث الثلاثة تتعلق بجملة من الأحكام. الأول فيما يتعلق بالتعديل بين الأولاد، وأنه لا يجوز للأب، ولا للأم أن يفضلا بعضهم على بعض في العطية، أما النفقة ينفق عليهم؛ لأنهم صغار ينفق عليهم كل بقدر حاجته؛ أو لأنهم فقراء ينفق عليهم والدهم على قدر حاجاتهم، الصغير له نفقته، والكبير له نفقته على حسب أحوالهم، أما أن يخصهم بعطية يخص بعضهم دون بعض، فلا يجوز له أن يخص بعضهم دون بعض؛ ولهذا لما وهب بشير بن سعد الأنصاري ﵁ ابنه النعمان بغلام، أعطاه غلاماً، وأراد أن يُشهد النبي ﵊ على هذا قال له ﷺ : «أكل ولدك

стр. 576

أعطيتهم مثل هذا» قال: لا. قال «فأرجعه» يعني فرده, قال: «أشهد على هذا غيري، فإني لا أشهد على جور»، فدل ذلك على أن تخصيص بعض الأولاد دون بعض من الجور، ولا يجوز، بل إما أن يؤتيهم كلهم، وإما أن يدعهم كلهم، إلا إذا كان التخصيص لأجل الفقر، هذا فقير، وهذا غني ينفق على الفقير قدر حاجته، أو هذا صغير ما له شيء، وهذا كبير له أسباب، وله نفقة ينفق على الصغير حتى يتيسر له ما يقوم بحاله؛ لأن الوالد ينفق على عياله، كما قال : ﴿وَعَلَى الْمَوْلُودِ لَهُ رِزْقُهُنَّ وَكِسْوَتُهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ﴾ (١)، فالمقصود أن الولد الفقير على والده الغني أن ينفق عليه حتى يجد غِنىً يغنيه أما أن يخص بعضهم بعطية، هذا يعطيه بيتاً هذا يعطيه غلاماً، هذا يعطيه سيارة، والآخر ما يعطى؟ لا، يعدل بينهم: «اتقوا اللَّه واعدلوا بين أولادكم». والحديث الثاني حديث ابن عمر بعن النبي ﷺ أنه عامل أهل خيبر على ما عندهم من النخيل والأراضي، بالشطر، يزرعون الأرض، ويسقون النخل بالنصف. هذا يدل على جواز المزارعة والمساقاة بالنصف، أو بالثلث، أو بالربع، أو بأقل، أو بأكثر جزء مشاع، لا بأس بهذا؛ لأنهم شركاء في الغُنْمِ، والغُرْم، فإذا أعطاه أرضه يزرعها بالنصف، أو بالربع، أو بالثلث، أو بالخمس، أو أعطاه النخل، يسقي النخل، وما فيه من

стр. 577

الأشجار يسقيها بالنصف، أو بالثلث، أو بالربع، أو ما أشبه ذلك، فلا بأس به، يقال له: المزارعة، ويقال لها: مساقاة إذا كانت على النخل، أما أن يزارعهم على أن له ما نبت على الجداول (١)، والسواقي، والأنهار، والباقي للآخر، لا يجوز؛ لأن هذا فيه خطر، قد يُنبت هذا أكثر من هذا، وقد [يهلك] (٢) هذا، ويسلم، هذا زجر عنه النبي ﷺ ، لا يجوز كونه يقول مثلاً: أعطيك أرضي على أنك تزرعها، فالزرع الشمالي لي، والزرع الجنوبي لك، أو الشرقي لي، والغربي لك، أو الذي حول السواقي لي، أو الأنهار، والبعيد لك، هذا ما يصح؛ لأن فيه غرراً، قد يسلم هذا، ويهلك هذا, ما يجوز، هذا نهى عنه النبي ﷺ . أو بجزء مجهول، قال لي مثلاً: ما أريد، أو لي جزء من الزرع، أو جزء من الثمرة من غير معيَّن، أو دراهم معلومة أصواع معلومة من الثمرة، أو من التمر، ما يصلح، لكن إذا أجر له الأرض بقيمة معلومة، قال: استأجر مني أرضي بالدراهم المعلومة، أو بأصواع معلومة، فلا بأس بذلك. كذلك حديث رافع بن خديج هو في هذا إذا كان أجرٌ معلوم

стр. 578

فلا بأس من: الذهب، والفضة، والورق، لا بأس، أما أن يقول لي ما أنبتت السواقي وما حولها والأنهار والباقي لك هذا لا يصح كما تقدم لما فيه من الغرر والجهالة لابد أن تكون الأجرة إما في جزء مشاع (نصف, ربع, ثلث) أو دراهم معلومة أو أصواع معلومة عن شراءه الأرض. ٢٩٦ - عن جابر بن عبد اللَّه ﵄ قال: «قَضَى النَّبيُّ ﷺ بِالْعُمْرَى لِمَنْ وُهِبَتْ لَهُ» (١). وفي لفظٍ «مَنْ أُعْمِرَ عُمْرَى لَهُ وَلِعَقِبِهِ، فَإِنَّهَا لِلَّذِي أُعْطِيَهَا، لا تَرْجِعُ للَّذِي (٢) أَعْطَاهَا، لأَنَّهُ عَطَاءً (٣) وَقَعَتْ فِيهِ الْمَوَارِيثُ» (٤). وقال جابر: «إنَّمَا الْعُمْرَى الَّتِي أَجَازَهَا (٥) رَسُولُ اللَّهِ ﷺ أَنْ يَقُولَ: هِيَ لَكَ وَلِعَقِبِكَ، فَأَمَّا إذَا قَالَ: هِيَ لَك مَا عِشْتَ: فَإِنَّهَا تَرْجِعُ إلَى صَاحِبِهَا» (٦). وفي لفظٍ لمسلم «أَمْسِكُوا عَلَيْكُمْ أَمْوَالَكُمْ، وَلا تُفْسِدُوهَا، فَإِنَّهُ

стр. 579

مَنْ أَعْمَرَ عُمْرَى فَهِيَ لِلَّذِي أُعْمِرَهَا، حَيّاً وَمَيِّتاً، وَلِعَقِبِهِ» (١). ٢٩٧ - عن أبي هريرة ﵁، أنَّ رسولَ اللَّه ﷺ قالَ: «لا يَمْنَعْ (٢) جَارٌ جَارَهُ أَنْ يَغْرِزَ خَشَبَهُ فِي جِدَارِهِ» ثُمَّ يَقُولُ أَبُو هُرَيْرَةَ: مَا لِي أَرَاكُمْ عَنْهَا مُعْرِضِينَ؟ وَاَللَّهِ لأَرْمِيَنَّ بِها بَيْنَ أَكْتَافِكُمْ» (٣). ٢٩٨ - عن عائشة ﵂، أَنَّ رسولَ اللَّه ﷺ قال: «مَنْ ظَلَمَ مِنَ الأَرْضِ قِيدَ شِبْرٍ (٤)، طُوِّقَهُ مِنْ سَبْعِ أَرَضِينَ» (٥). ٨٢ - قال الشارح ﵀ هذه الأحاديث في مسائل تتعلق بالعمرى والجوار يقول النبي ﷺ : «من أعمر عُمرى فهي للذي أعمرها (٦)»، وفي اللفظ الآخر:

стр. 580

«قضى النبي ﷺ بالعمرى لمن وهبت له». وفي اللفظ الآخر: «من أعمر عمرى فهي للذي أعمرها: حياً وميتاً، ولعقبهِ» قال جابر: إنما العمرى التي أجازها رسول اللَّه ﷺ أن يقول: هي لك ولعقبك، فأما إذا قال: هي لك ما عشت، فإنها تردّ إلى صاحبها، أما إذا قال: هي لك ولعقبك، فإنها تنتقل من المعِمر إلى المعمَر، وتكون هبة لازمة مستمرة له ولعقبه، وليس فيها رجوع إذا قبضها المُعْمَر. أما إذا قال: هي لك ما عشت، فهذه محل خلاف بين أهل العلم، قال جابر: «إنها ترجع لصاحبها»، وذهب جمعٌ من أهل العلم إلى أنها للمُعمَر، إلا إذا قال لك: سكناها لك الانتفاع بها، أما إذا قال: قد أعمرتكها فإنها تكون له ولعقبه، ومعنى كلام جابر شيءٌ فهمه جابر؛ لأنه لم يقل: قال رسول اللَّه، وإنما أخبر عن فهمه، أن هذا هو مراد النبي ﷺ . والأحاديث تدل على أنه متى أعمر فإنها تكون له ولعقبه، وإذا قال: هي لك ولعقبك، فهذا من باب التأكيد، ومن باب الإيضاح؛ لأن الإنسان إنما يملك مدة حياته، فإذا مات زال ملكه إلى ورثته؛ ولهذا قال: «أمسكوا عليكم أموالكم، ولا تفسدوها، فإنه من أعمر عمرى، فهي للذي أعمرها حياً وميتاً ولعقبه»، دل ذلك على أن

стр. 581

العُمرى تنقل الأموال، وتذهب بأموالهم إلى غيرهم، فأخبرهم النبي ﷺ : أن الواجب أن يكونوا على بينة، وعلى بصيرة، وأن يمسكوا عليهم أموالهم، حتى لا تخرج عنهم إلا عن علم وعن بصيرة بانتقالها عنهم. وفي الحديث الثاني عن أبي هريرة ﵁ عن النبي ﷺ أنه قال: «لا يمنعن جار جاره أن يضع خُشُبَه في جداره»، وفي رواية: «خشبةً في جداره»، ثم يقول أبو هريرة: «ما لي أراكم عنها معرضين، واللَّه لأرمين بها بين أكتافكم»، معنى هذا: أن الجار إذا احتاج إلى جاره في وضع الخشب على جداره، فإنه لا يُمنع إذا كان الجدار يستطيع ذلك، وكان الناس إلى حدٍ قريب تتلاصق دورهم في الغالب بجدران، ويحتاج بعضهم إلى بعض، فإذا احتاج جارك إلى أن يضع خشبةً في جدارك، أو خشبه في جدارك، فلا تمنعه من ذلك، فالجار له حق كبير على جاره، قال النبي ﷺ : «مَا زَالَ جِبْرِيلُ يُوصِينِي بِالْجَارِ حَتَّى ظَنَنْتُ أَنَّهُ سَيُوَرِّثُهُ» (١)، واللَّه أوصى به في كتابه العظيم: ﴿وَالْجَارِ ذِي الْقُرْبَى وَالْجَارِ الْجُنُبِ﴾ (٢)، فإذا احتاج جارك إلى وضع خشبه في جدارك لحجرة يقيمها أو دهليز (٣) يقيمه وما أشبه

стр. 582

ذلك، فإنك لا تمنعه إذا كان الجدار قوياً يستطيع أن يحمل تلك الخشبة، أما إذا كان ضعيفاً لا يستطيع فأنت معذور، وقوله: «واللَّه لأرمين بها بين أكتافكم» ــ يعني السُّنة ــ وإن لم ترضوا بها، سوف أصرِّح بها وأبينها، براءةً للذمة؛ لمَّا رآهم عنها معرضين، لأن من طبيعة البشر عدم التحمل في إلزامه بشيءٍ لغيره، ولكن أبا هريرة ﵁ بيّن لهم أنَّ هذه سنة أمضاها النبي ﷺ ، فلا وجه لإعراضكم، بل الواجب الالتزام بها. وقال بعض أهل العلم في تفسيره: يعني إن لم ترضوا بها في الجدار، فضعوها على أكتافكم من باب الزجر، ومن باب الوعيد، من باب التشديد عليهم، ليقبلوا السنة، والأظهر هو المعنى الأول، يعني لأصرحن بالسنة، وأوضحها؛ لأن الخشب لا يوضع على الأكتاف، وإنما يوضع على الجدران، فأراد بهذا بيان السنة، وأنه سوف يصرح بها، ويعيدها، ويكررها حتى يعلمها المسلمون، فينقادوا لها، ويرتبط بعضهم ببعض؛ لأن الجار في حاجة إلى جاره، وفي منعه من ذلك نوع من الوحشة، وربما سبب المصارمة والمقاطعة، وفي تمكينه من الانتفاع بجاره ما يسبب الوئام، والمحبة، والتعاون على الخير، وهكذا ما يحتاجه الجيران فيما بينهم، ينبغي أن يكون بينهم المودة، والمحبة، والتعاون بالهدايا،

стр. 583

والدعوة إلى ما قد يقع من ولائم عندهم، والمبادرة بالسلام والتَّحفِّي (١)، وعيادة المريض، إلى غير هذا ينبغي أن يكون بينهم عناية بأسباب المحبة، والوئام، والتعاون على الخير، وهذا من حق الجار على أخيه، وهكذا مواساته إذا كان فقيراً، وجاره غني، يعتني بمواساته والحرص على سدّ خَلَّته. والحديث الثالث يقول ﷺ : «من ظلم شبراً من الأرض طوقه اللَّه إياه من سبع أرضين». هذا وعيد عظيم في الظلم، وأن الواجب الحذر من الظلم في الأرض، وغير الأرض، قال النبي ﷺ : «الظُّلْمَ ظُلُمَاتٌ يَوْمَ الْقِيَامَةِ» (٢)، واللَّه سبحانه يقول: ﴿وَمَنْ يَظْلِمْ مِنْكُمْ نُذِقْهُ عَذَابًا كَبِيرًا﴾ (٣). الظلم شره عظيم، وعاقبته وخيمة، ويقول اللَّه : «يَا عِبَادِي إِنِّي حَرَّمْتُ الظُّلْمَ عَلَى نَفْسِي، وَجَعَلْتُهُ بَيْنَكُمْ مُحَرَّمًا، فَلَا تَظَالَمُوا» (٤)، هذا يعم الأبدان، ويعم الأراضي، ويعم الأعراض, كما قال ﵊: «إِنَّ دِمَاءَكُمْ وَأَمْوَالَكُمْ وَأَعْرَاضَكُمْ عَليْكُمْ حَرَامٌ كَحُرْمَةِ يَوْمِكُمْ هَذَاـ يوم النحر ـ فِي شَهْرِكُمْ هَذَا ــ يعني شهر ذي

стр. 584

الحجة ــ فِي بَلَدِكُمْ هَذَا ــ يعني مكة ــ» (١) يبين شدة الأمر ﵊، وإذا كان من الأراضي، فإنه يطوق يوم القيامة من سبع أرضين, وهذا أيضاً وعيد شديد، وعقوبة عظيمة، أي يُجعل ما ظلم به من الأرض طوقاً له يعذب به يوم القيامة، هذا أيضاً من باب التشديد والتحذير والعاقبة الوخيمة، نسأل اللَّه السلامة. ٥٤ - بابُ اللُّقَطة ٢٩٩ - عن زيد بن خالد الْجُهَنِيِّ ﵁ قال: «سُئِلَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ عَنْ لُقَطَةِ (٢) الذَّهَبِ، أَوِ الْوَرِقِ؟ قَالَ (٣): «اعْرِفْ وِكَاءَهَا وَعِفَاصَهَا، ثُمَّ عَرِّفْهَا سَنَةً، فَإِنْ لَمْ تُعْرَفْ فَاسْتَنْفِقْهَا، وَلْتَكُنْ وَدِيعَةً عِنْدَكَ، فَإِنْ جَاءَ طَالِبُهَا يَوْماً مِنَ الدَّهْرِ فَأَدِّهَا إلَيْهِ» وَسَأَلَهُ عَنْ ضَالَّةِ الإِبِلِ؟ فَقَالَ: «مَا لَك وَلَهَا؟ دَعْهَا، فَإِنَّ مَعَهَا حِذَاءَهَا وَسِقَاءَهَا، تَرِدُ الْمَاءَ، وَتَاكُلُ الشَّجَرَ، حَتَّى يَجِدَهَا رَبُّهَا» وَسَأَلَهُ عَنِ الشَّاةِ؟ فَقَالَ: «خُذْهَا، فَإِنَّمَا هِيَ لَكَ، أَوْ لأَخِيك، أَوْ لِلذِّئْبِ» (٤).

стр. 585

٨٣ - قال الشارح ﵀ هذا الحديث الصحيح يتعلق باللُقطة والضوال، والنبي ﷺ بيّن أحكام اللُقطة، وأحكام الضوال في هذا الحديث، وفي أحاديث أخرى. أما اللُّقطة: فهي ما عدا الضوال من الحيوانات، من النقود وغيرها، من قطع الأموال: كالملابس والمفارش، وأشباه ذلك من اللقطات: هذه أخبر النبي ﷺ أن اللاقط يعرِّفها سنة، فإن عُرِفت سلَّمها لصاحبها، وإلا صارت ملكاً له: كالوديعة متى جاء طالبها يوماً من الدهر، وعَرَفَها أدَّاها إليه، وعليه أن يعرف عِفاصها: ووكاءها، عفاصها: وعاؤها، ووكاؤها: رباطها إن كانت مربوطة، وعددها إن كانت معدودة، وهكذا بقية الصفات إذا كان لها صفات أخرى، يكفي أن يعرف صفاتها، حتى يكتبها عنده، ويحفظها عنده، ويُشهد عليها، متى جاء طالبها يوماً من الدهر أعطاها إياه، وبين أهل العلم: أن التعريف يكون في مجامع الناس، مثل الأسواق، إن كان فيها اجتماع، وأبواب الجوامع والمحلات، التي يكون فيها اجتماع: من له لقطة، من له دراهم, من له الذهب، من له قطعة كذا، من دون أن يبين الصفات، فإذا جاء من يطلب، سأله عن الصفات الدقيقة، والخفية، فإذا عرفها، وضبطها، أو جاء بالبينة عليها، أعطاه إياه، ويكون ذلك في الشهر مرتين, ثلاثاً أو أكثر، وكلما كان أكثر، فهو أبرأ للذمة، وأحسن حتى تكمل السنة, وبعد كمال السنة تكون له اللقطة كسائر ماله، لكنها لا تكون مالاً كلياً، بل مالاً في حكم

стр. 586

الوديعة، يعني في حكم الدَّين الذي عليه، متى جاء صاحبها يوماً من الدهر، وعَرَفَها أدَّاها إليه، كأنها أمانة، وما نما منها كأولاد، كما نما من الربح، أو من أولاد الشاة، ونحوها، فهو له، وليس لصاحبها إلا الأصل بعد السنة. ما نما بعد السنة من أرباح، أو أولاد للشاة، أو نحوها، فهو للملتقط، لا لصاحبها؛ لأنها ملكه ونموها له. وهكذا الشاة حكمها حكم النقود، يعرِّفها سنة، كما في الحديث الآخر: «مَنْ آوَى ضَالَّةً فَهُوَ ضَالٌّ، مَا لَمْ يُعَرِّفْهَا» (١) يعرفها سنة؛ لأنها لا تدفع عن نفسها، فهي بمنزلة السجادة، والوسادة، وأشباه ذلك، لابد من تعريفها، فإن عُرِفت، وإلا فهي له، ثم هو بالخيار، إن شاء باعها، وحفظ صفاتها، وإن شاء جعلها عند من يرعاها، كعند من يرعى غنماً جعلها مع غنمه [...] (٢) تبقى مع الغنم، وإن شاء ثمَّنها قيمة عدل بواسطة أهل الخبرة، وَأَكَلَها إن كان أصلح من بيعها. ويضبط الصفات، ويحفظها، متى جاء طالبها يوماً من الدهر أداها إليه، والتعريف سنة كاملة، كالنقود؛ لأن الشاة ونحوها لا تدفع عن نفسها، سواء كانت من الماعز، أو من الضأن ذكراً أو أنثى، لا تدفع عن نفسها، فهي له، أو لأخيه، أو للذئب، فيأخذها إن شاء إذا أمن نفسه عليها، وإن لم يأمن نفسه تركها، لكن الأفضل له أن يأخذها، لقول النبي: «خذها». لئلا تضيع.

стр. 587

أما الإبل ونحوها، فهذه لا يلتقطها، بل يدعها؛ لأنها ترد الماء، وتأكل الشجر، حتى يجدها ربها، تدفع عن نفسها من ذئب ونحوه، فلا عليها خطر، فإن كانت في محل فيه خطر، ذكر أهل العلم أنها تؤخذ، وتسلَّم لولي الأمر، حتى يحفظها مع إبل المسلمين، وإن كانت في محل ليس فيه خطر، فيه الشجر، وفيه الماء، وليس فيه خطر، تركها؛ لأن الرسول قال: «دعها» , وكلام النبي ﷺ محمول على أنها في أرض تستطيع أن تعيش فيها، فيها الماء، وفيها الشجر، أما في أرض مسبعة، فيها الأسود والنمور، أو فيها سُرَّاق لا يُؤمَن عليها في أرض لا تؤمن، فإن قواعد الشرع تقتضي أنه يأخذها، ويسلمها لولي الأمر: أمير البلد، أو حاكم المسلمين [...] (١)، حتى يجعلها مع إبل المسلمين، أو يبيعها، ويحفظ ثمنها لمن يعرفها، ويعرف صفاتها، أو أوسامها. ومثل الإبل: البقر، وأشباهها ممن يدفع عن نفسه, أما الذي لا يدفع عن نفسه، كالحمار، وأشباه ذلك، فإنه له حكم كحكم الشاة يباع، أو يُجعل مع الرعية التي عنده [...] (٢)، حتى يجدها ربها، أو يباع، ويحفظ الثمن والصفات، فإذا جاء طالبها، أعطاه إياه ويعرفها: كالشاة.

стр. 588

٧ - كتاب الوصَايا (١) ٣٠٠ - عن عبد اللَّه بن عمر ﵄ (٢)، أَنَّ رسولَ اللَّه ﷺ قال: «مَا حَقُّ امْرِئٍ مُسْلِمٍ لَهُ شَيْءٌ يُوصِي فِيهِ، يَبِيتُ ليلةً، أَوْ لَيْلَتَيْنِ (٣)، إلَاّ وَوَصِيَّتُهُ مَكْتُوبَةٌ عِنْدَهُ» (٤). زاد مسلم، قال ابن عمر: «فَوَاللَّهِ (٥) مَا مَرَّتْ عَلَيَّ لَيْلَةٌ مُنْذُ سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ ذَلِكَ، إلَاّ وَوَصِيَّتِي عِنْدِي (٦)» (٧). ٣٠١ - عن سعد بن أبي وَقَّاص ﵁ قال: «جَاءَني رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يَعُودُنِي عَامَ حَجَّةِ الْوَدَاعِ مِنْ وَجَعٍ اشْتَدَّ بِي، فَقُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، قَدْ بَلَغَ بِي مِنَ الْوَجَعِ مَا تَرَى، وَأَنَا ذُو مَالٍ، وَلا يَرِثُنِي إلَاّ ابْنَةٌ، أَفَأَتَصَدَّقُ بِثُلُثَيْ مَالِي؟ قَالَ: «لا». قُلْتُ: فَالشَّطْرُ يَا رَسُولَ اللَّهِ؟ قَالَ: «لا». قُلْت: فَالثُّلُثُ؟ قَالَ: «الثُّلُثُ، وَالثُّلُثُ كَثِيرٌ، إِنَّكَ إِنْ تَذَر ورَثَتَكَ أَغنياءَ خيرٌ منْ أَنْ تَذَرَهمْ عالَةً يَتَكَفَّفونَ النَّاسَ، وإنَّكَ لَنْ تُنْفِقَ نَفَقَةً تَبْتَغِي بِهَا وَجْهَ اللَّهِ إلَاّ أُجِرْتَ بِهَا، حَتَّى مَا تَجْعَلُ فِي فِي امْرَأَتِكَ». قَالَ:

стр. 589

فقُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، أُخَلَّفُ بَعْدَ أَصْحَابِي؟ قَالَ: «إنَّكَ لَنْ تُخَلَّفَ، فَتَعْمَلَ عَمَلاً تَبْتَغِي بِهِ وَجْهَ اللَّهِ، إلَاّ ازْدَدْت بِهِ دَرَجَةً وَرِفْعَةً، وَلَعَلَّكَ أَنْ تُخَلَّفَ حَتَّى يَنْتَفِعَ بِكَ أَقْوَامٌ وَيُضَرَّ بِكَ آخَرُونَ، اللَّهُمَّ أَمْضِ لأَصْحَابِي هِجْرَتَهُمْ، وَلا تَرُدَّهُمْ عَلَى أَعْقَابِهِمْ، لَكِنِ الْبَائِسُ سَعْدُ بْنُ خَوْلَةَ» يَرْثِي لَهُ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ أَنْ مَاتَ بِمَكَّةَ» (١). ٣٠٢ - عن عبد اللَّه بن عباس ﵄ قال: «لَوْ أَنَّ النَّاسَ غَضُّوا مِنَ الثُّلُثِ إلَى الرُّبُعِ؟ فَإِنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ: «الثُّلُثُ، وَالثُّلُثُ كَثِيرٌ» (٢). ٨٤ - قال الشارح ﵀ هذا الباب في الوصايا، وغير ذلك، كل الثلاثة متعلقة بالوصايا. الحديث الأول يقول ﷺ : «مَا حَقُّ امْرِئٍ مُسْلِمٍ لَهُ شَيْءٌ يريد أن يُوصِي فِيهِ، يَبِيتُ لَيْلَتَيْنِ، إلَاّ وَوَصِيَّتُهُ مَكْتُوبَةٌ عِنْدَهُ»، هذا يدل على تأكد الوصية إذا كان له شيء يريد أن يوصي فيه، فما حق امرئ مسلم، أي: ليس من حقه هذا، فينبغي له أن يبادر، وهذا يختلف، قد يكون سنةً فقط، وقد يكون واجباً, فإذا أحب أن يوصي بالثلث أو بالربع أو بصدقات استُحب له أن يكتب ذلك، حتى لا ينسى، ويُضيع، أما إن كان الذي عليه شيء واجباً، كالديون للناس، ليس عليها وثائق، أو

стр. 590

رهون، أو حقوق أخرى لازمة له، وليس عليها وثائق فيلزم أن يوصي بها، حتى لا تضيع من أجل وجوب أداء الحقوق، إما أن يعجل بقضائها، وهو حي، وإما أن يوصي بها حتى تُسلَّم لأهلها بعد وفاته. وهذا من محاسن الإسلام، ومن محاسن الشريعة: الحث على العناية بما [يريد] (١) المؤمن أن ينتفع به بعد وفاته، وأن لا يتساهل؛ لأن الموت يأتي بغتة، فينبغي أن يأخذ بالحيطة بما يحب أن يتقرب به إلى اللَّه، وما يحب أن يوصي به لأقاربه، أو للفقراء، أو غير ذلك، ومن ذلك ما يتعلق بالديون، والرهون التي عليه للناس؛ فإن هذه أمور لازمة، يجب عليه أن يؤديها، وأن يفعل الأسباب التي تقتضي أداءها: من الوصية بذلك، أو إنجازها إذا صار فيها نهايات، وتسليمها لأهلها. وفيه فضل ابن عمر، ومسارعته إليها، فمنذ أن سمع الحديث [ما مرت عليه ليلة] (٢) إلا ووصيته مكتوبة عنده، هذا يدل على فضله ﵁، كان سبَّاقاً لما سمع من الخير، وكان من أكثر الناس اجتهاداً في العبادة، وحرصاً عليها ﵁. والوصية: ما يَعْهَدُ به الإنسان إلى غيره بعد الموت، يقال له: وصية، وهي الشيء المقرر المؤكد، وقد أوصى بهذا، أي أكد فيه؛ لأنه وصاهم به، وأكد عليهم به، وألزمهم به، فالوصية الأمر المؤكد من الإنسان بعد وفاته، ويعهد به بعد وفاته إلى غيره.

стр. 591

والحديث الثاني حديث سعد بن أبي وقاص ﵁، وهو أحد العشرة المشهود لهم بالجنة ﵃ (١). قال (٢): يا رسول اللَّه أنا ذو مال، ولا يرثني إلا ابنة واحدة -كان في ذاك الوقت ما عنده إلا بنت، [لم يأت له ذكور بعد] (٣)، ولا إناث أخريات - فأتصدق بثلثي مالي؟ قال: «لا»، قلت: فالشطر؟ قال: «لا»، قلت: الثلث؟ قال: «الثلث، والثلث كثير». هذا يدل على أنه ينبغي للموصي أن لا يتجاوز الثلث، بل الثلث فأقل، هذا حقه، والزائد لا حق له فيه, فإذا أوصى كانت الوصية مقيدة بالثلث فأقل؛ لهذا الحديث الصحيح، وبين النبي ﷺ العلة والحكمة في ذلك، قال: «إنك إن تذر ورثتك أغنياء، خير لك من أن تذرهم عالة يتكففون الناس»: كون المؤمن يذر ورثته أغنياء، قد وسَّع اللَّه عليهم بأسبابه، أولى من أن يدعهم عالة يتكففون الناس. ففي هذا دلالة على أنه إذا أراد الخير، واحتسب الخير في ورثته، أنه يؤجر على ذلك، وبين له النبي ﷺ قال: «إنك لن تنفق نفقة تبتغي بها وجه اللَّه: إلا أُجرت بها، حتى ما تجعل في فيِ امرأتك» ــ يعني إذا احتسب الأجر فيما [يُقَرِّبه] (٤) وفيما ينفقه فله

стр. 592

ذلك، حتى ما يعطي امرأته من النفقة إن احتسب ذلك فهو له أجره، يكون هذا لأجل الواجب. وفيه من الفوائد: أن المؤمن ليس له أن يوصي بأكثر من الثلث. وفيه من الفوائد شرعية عيادة المريض، وأنه يعود المرضى ﵊، دل ذلك على شرعية عيادة المرضى. وفي حديث ابن عباس: «لو أن الناس غضوا من الثلث إلى الربع ــ يعني لكان أولى ــ؛ لأن الرسول قال: «الثلث، والثلث كثير» ــ كما أوصى الصديق بالخمس، فإذا أوصى بالخمس أو الربع كان أفضل، لقوله ﷺ : «الثلث، والثلث كثير»، ولهذا قال ابن عباس: «لو أن الناس غضوا من الثلث إلى الربع»، يعني لهذا الحديث. وفي حديث سعد في آخره الدلالة على فضل من أطال اللَّه عمره في صالح الإسلام والمسلمين, كما قال: أُخلَّف بعد أصحابي؟ قال: «إنك لن تخلف فتعمل عملاً تبتغي به وجه اللَّه، إلا ازددت به درجة ورفعة: ولعلك أن تُخلَّف حتى ينتفع بك أقوام، ويُضرّ بك آخرون». وقد خُلِّف ﵁، وطالت حياته، إلى أواخر العقد السادس يعني، سنة ست وخمسين من الهجرة، فعاش بعد النبي ﷺ ستاً وأربعين سنة، وقد نفع اللَّه به الجهاد بعد النبي ﷺ ، وحصل على الخير الكثير في جهاد الفرس، فانتفع به أقوام، وانضرَّ به آخرون، كما قال النبي ﷺ ، ثم قال: «اللَّهم أمض لأصحابي هجرتهم، ولا تردهم على

стр. 593

أعقابهم ...» دعاءٌ لهم بأن اللَّه يعطيهم هجرتهم، ويمضيها لهم، ولا يردهم على أعقابهم، فالإنسان يسأل ربه: أن اللَّه يمضي هجرته، ويتقبلها، وأن لا يردّه عن ذلك خاسئاً خائفاً، بل يسأل ربه أن يبلغه في الهجرة، وأن يخرجه عليها، ويتقبلها منه، مع سؤال اللَّه حُسن الختام، والعافية من مضلات الفتن؛ فإن الرد على العقب يوقع في الباطل، ولا حول ولا قوة إلا باللَّه، ثم قال: «لكن البائس سعد بن خولة» يرثي له أن مات بمكة، يعني يتوجَّعُ له، هذا يدل على أن المهاجر إذا مات في غير البلد الذي هاجر منها يكون أولى، والموت في بلد هجرته غير مرغوب فيه، يعني: شيء تركه للَّه، فينبغي أن لا يعود إليه، ولهذا بقي الصحابة في المدينة بعد فتح مكة، وسكنوا فيها، حتى مات من مات فيها، أو انتقل إلى الجهاد من انتقل إلى الجهات الأخرى، ولم يعودوا إليها؛ لأنهم تركوها للَّه، فلا ينبغي أن يعودوا فيما تركوه للَّه؛ ولهذا توجَّع النبي ﷺ لسعد بن خولة؛ لأنه مات في مكة، في محل الهجرة، ومعلوم أن ذلك لا يضر إذا كان بغير اختياره، لكن يُبين النبي ﷺ أنّ كونه يموت في محل هجرته، أولى من موته في محله الذي هاجر منه، تحريضاً للمسلم على عدم البقاء في محله، المحل الذي هاجر منه، وأنه يبقى فيه بقدر الحاجة، وأنه يرخّص له ثلاثة أيام بعد الحج، ثم ينصرف إلى المدينة، فالمهاجر ينبغي له إذا أتى القرية التي هاجر منها، أو البلد لحاجة، أن لا يطوِّل فيها، ثلاثة أيام فأقل.

стр. 594

٨ - كتاب الفرائض (١) ٣٠٣ - عن عبد اللَّه بن عباس ﵄، عن النبيِّ ﷺ قال: «أَلْحِقُوا الْفَرَائِضَ بِأَهْلِهَا، فَمَا بَقِيَ فَهُوَ لأَوْلَى رَجُلٍ ذَكَرٍ» (٢). وفي رواية: «اقْسِمُوا الْمَالَ بَيْنَ أَهْلِ الْفَرَائِضِ عَلَى كِتَابِ اللَّهِ، فَمَا تَرَكَتِ الْفَرَائِضُ فَلأَوْلَى رَجُلٍ ذَكَرٍ» (٣). ٣٠٤ - عن أسامة بن زيد ﵄ قال: «قُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، أَتَنْزِلُ غَداً فِي دَارِكَ بِمَكَّةَ؟ قَالَ: «وَهَلْ تَرَكَ لَنَا عَقِيلٌ مِنْ رِبَاعٍ، أَوْ دُورٍ؟ (٤)»، ثمَّ قال: «لَا يَرِثُ المُسْلِمُ الْكَافِرَ، ولا الكافرُ المسْلِمَ (٥)» (٦). ٣٠٥ - عن عبد اللَّه بن عمر ﵄، «أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ : نَهَى عَنْ بَيْعِ الْوَلاءِ وَهِبَتِهِ» (٧).

стр. 595

٨٥ - قال الشارح ﵀ هذه الأحاديث الثلاثة كلها تتعلق بالمواريث، وأحكامها. يخبر النبي ﷺ أن الفرائض يبدأ بها قبل أهل التعصيب، وما بقي بعدها فهو لأهل التعصيب، يعني في المواريث؛ ولهذا قال ﷺ : «ألحقوا الفرائض بأهلها»، والفرائض هي الأشياء المقدرة، الأنصبة المقدرة، يقال لها فرائض، وغير المقدرة تسمى تعصيباً، فما أبقت الفرائض فلأولى رجل ذكر، معنى أولى: أقرب, أقرب رجل ذكر، وفي اللفظ الآخر: «اقسموا المال بين أهل الفرائض على كتاب اللَّه»، اقسموا المال يعني: المال المُخلَّف من الميت، التركة بين أهل الفرائض على كتاب اللَّه، فما أبقت الفرائض، فهو لأولى رجلٍ ذكر، هذا محل إجماع بين المسلمين، أجمع العلماء على أن الميت إذا خَلَّف أهل فروض، وأهل تعصيب؛ فإنه يبدأ بأهل الفروض، فما بقي فهو للعصبة. [١] مثال ذلك: إنسان مات عن أبيه، وأمه، وعن ابن، فالأب، والأم من أهل الفرائض، فيقسم المال بينهم على ستة سهام، فالأم لها سدس واحد، والأب له سدس واحد، والباقي للابن العصبة، الأربعة الباقية من الستة للابن العصبة، هذا من معنى ألحقوا الفرائض بأهلها، تعطى الأم السدس؛ لأن اللَّه قال: ﴿وَلِأَبَوَيْهِ لِكُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا السُّدُسُ مِمَّا تَرَكَ إِنْ كَانَ لَهُ وَلَدٌ﴾ (١)، فهذا أب وأم،

стр. 596

والميت له ولد وهو الابن، فالأم تأخذ السدس: واحداً من ستة، والأب واحداً من ستة، والباقي للابن، فإذا كان وراءه ستة آلاف ريال: تُعطى الأم ألف ريال، والأب ألف ريال، والباقي للابن. وإذا كان وراءه ستين ألف ريال: تُعطى الأم عشرة (١)، والأب عشرة (٢)، والباقي يدفعونه للابن، أو ابن الابن (٣). [٢] ومثال آخر: مات ميت عن زوج: امرأة ماتت عن زوجها، وعن أمِّها، وعن أخٍ شقيق: فالزوج صاحب فرض، والأم صاحبة فرض، والأخ صاحب عصبة: فيُعطى الزوج النصف فرضاً؛ لأن اللَّه يقول: ﴿وَلَكُمْ نِصْفُ مَا تَرَكَ أَزْوَاجُكُمْ إِنْ لَمْ يَكُنْ لَهُنَّ وَلَدٌ﴾ (٤)، وتُعطى الأم فرضها ثلثاً؛ لأن اللَّه أعطى الأم الثلث، كما قال تعالى: ﴿فَإِنْ لَمْ يَكُنْ لَهُ وَلَدٌ وَوَرِثَهُ أَبَوَاهُ فَلِأُمِّهِ الثُّلُثُ﴾ (٥)، والباقي للأخ العاصب؛ لأنه ليس من أهل الفروض, فإذا كان وراءها ستة آلاف، فيُعطى الزوج ثلاثة, النصيف، والأم تعطى ألفين، وهو الثلث، ويبقى ألف واحد وهو السادس للعصبة للأخ الشقيق، أو الأخ لأب (٦)، أو ابن الأخ (٧)، أو ابن

стр. 597

العم (١)، يعطى هذا الباقي، هذا حقه؛ لأن الرسول قال: «ألحقوا الفرائض بأهلها فما بقي فهو لأولى رجل ذكر» أعطينا الزوج ثلاثة: النصف، وأعطينا الأم الثلث، اثنين من ستة، وبقي واحد للعاصب. [٣] مثال آخر: مات ميت عن أخت شقيقة، وعن جدة، وعن أخٍ لأب, الأخت الشقيقة من أهل الفرائض، والجدة من أهل الفرائض لها السدس، والأخت الشقيقة لها النصف، كما قال تعالى: ﴿يَسْتَفْتُونَكَ قُلِ اللَّهُ يُفْتِيكُمْ فِي الْكَلَالَةِ إِنِ امْرُؤٌ هَلَكَ لَيْسَ لَهُ وَلَدٌ وَلَهُ أُخْتٌ فَلَهَا نِصْفُ مَا تَرَكَ﴾ (٢)، [و] قد حكم النبي ﷺ بأن الجدة لها السدس، فالميت يُجعل ماله ستة سهام، نصفها للأخت ثلاثة، والرابع، وهو السدس للجدة أم أمه، أو أم أبيه، والباقي اثنان لأخ الميت، سواء شقيق أو لأب أو عم، أو ابن عم، يعطى الباقي اثنان من ستة؛ لأن الأخت أخذت النصف، سواء كانت شقيقة أو لأب، وأخذت الجدة السدس، سواء كانت أم أبيه، أو أم أمه، والباقي اثنان من ستة للعصبة، لأخ الميت، أو عم الميت، أو ابن عم الميت أو معتق الميت هذا معنى الحديث: «ألحقوا الفرائض بأهلها، فما بقي فهو لأولى رجلٍ ذكر» وفي اللفظ الآخر: «اقسموا المال بين أهل الفرائض على كتاب اللَّه، فما أبقت الفرائض فهو لأولى رجل ذكر».

стр. 598

الحديث الثاني يقول النبي ﷺ : «لَا يَرِثُ الْمُسْلِمُ الْكَافِرَ، وَلَا الْكَافِرُ الْمُسْلِمَ» متفق على صحته (١)، معناه إذا كان الأقارب مختلفين في الدين، فإنهم لا يتوارثون، فإذا مات إنسان مسلم عن أخٍ مسلم، وعن أبٍ كافر، فالميراث لأخيه المسلم، والأب ليس له شيء؛ لأنه كافر، إذا مات ميت مسلم عن أخيه المسلم، أو ابن عمه المسلم، وراءه كافر (٢)، فالميراث للمسلم، ولو أنه ابن عمٍ بعيد، يعطى الميراث، وأبوه الكافر ليس له شيء، لقول النبي ﷺ : «لَا يَرِثُ الْمُسْلِمُ الْكَافِرَ، وَلَا الْكَافِرُ الْمُسْلِمَ»، كذلك لو مات شخص كافر عن ابن له كافر، وابن له مسلم، فَوِرْثه للكافر الذي مثله على دينه، وابنه المسلم لا يرث شيئاً؛ لأن الميت الكافر لا يرثه إلا الكافر، مثلما إذا مات نصراني عن ابن له نصراني، وله ابن ثانٍ مسلم قد هداه اللَّه وأسلم، ما يرث من أبيه النصراني، لقول النبي ﷺ : «لَا يَرِثُ الْمُسْلِمُ الْكَافِرَ، وَلَا الْكَافِرُ الْمُسْلِمَ» لا يتوارثون لاختلاف الدين, هذا على دين، وهذا على دين، فلا يتوارثان. الحديث الثالث: يقول ابن عمر: إن الرسول ﷺ «نهى عن بيع الولاء وعن هبته»، الرسول ﷺ نهى عن بيع الولاء، وعن هبته, لا يباع الولاء، ولا هبته كالنسب، لا يباع ولا يوهب، وفي اللفظ

стр. 599

الآخر: «الْوَلاءُ لُحْمَةٌ كَالنَّسَبِ: لا يُبَاعُ، وَلا يُوهَبُ، ولا يُورَثُ» (١). فالولاء مثل النسب لا يباع، فلو أن إنساناً باع نسبه من أخيه ما يصلح البيع، أو باع نسبه من ولده ما يصلح البيع، أو باع نسبه من ابن عمه لا يصح البيع، النسب لا يباع، وهكذا الولاء، والولاء هو ولاء العتق، فلو أنك أعتقت زيداً، فأنت الوارث له عصبته، فلو بعته هذا الولاء ولائي من زيد أبيعه، اشتره مني يا فلان بكذا، أنت تكون وليه بدلاً مني، ما يصح، أو وهبته إيَّاه، تقول: أنا وهبتك إياه، الولاء ما يصح، ما يكون صحيحاً، لا يرثه إلا أنت وعصبتك، فبيعك للولاء، أو هبتك باطلة مثل لو بعت قرابتك من أخيك، أو من أبيك، ما يصح البيع, فالقرابة لا تباع، ثابتة تبقى, ولو بعتها فالبيع باطل، فهكذا الولاء ولاء العتاق، إذا أعتقت إنساناً أعتقت رجلاً، أو أعتقت امرأةً، فأنت وليها، إذا ما صار لها ورثة إلا أنت، ما لها أقارب، أنت وليها، وعصبتك، فلا تبيع ولاءك، ولا تهبه، فلو بعت هذا الولاء، أو وهبته لأحد، فالهبة باطلة، والبيع باطل، لأن الرسول ﷺ نهى عن بيع الولاء وعن هبته، لأنه كالنسب. ٣٠٦ - عن عائشة ﵂ قالت (٢): «كَانَتْ فِي بَرِيرَةَ ثَلاثُ سُنَنٍ: خُيِّرَتْ عَلَى زَوْجِهَا حِينَ عَتَقَتْ، وَأُهْدِيَ لَهَا لَحْمٌ، فَدَخَلَ عَلَيَّ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ ، وَالْبُرْمَةُ عَلَى النَّارِ، فَدَعَا بِطَعَامٍ، فَأُتِيَ بِخُبْزٍ وَأُدْمٍ مِنْ أُدْمِ الْبَيْتِ، فَقَالَ: «أَلَمْ أَرَ الْبُرْمَةَ عَلَى النَّارِ فِيهَا لَحْمٌ؟» فقَالُوا: بَلَى، يَا رَسُولَ اللَّهِ، ذَلِكَ لَحْمٌ تُصُدِّقَ بِهِ عَلَى بَرِيرَةَ، فَكَرِهْنَا أَنْ نُطْعِمَكَ مِنْهُ، فَقَالَ: «هُوَ عَلَيْهَا صَدَقَةٌ، وَهُوَ لَنَا مِنْهَا (٣) هَدِيَّةٌ»، وَقَالَ النَّبِيُّ ﷺ (٤): «إنَّمَا الْوَلاءُ لِمَنْ أَعْتَقَ» (٥).

стр. 600

٩ - كتاب النكاح ٣٠٧ - عن عبد اللَّه بن مسعود ﵁ قال: قال (١) رسول اللَّه ﷺ : «يَا مَعْشَرَ الشَّبَابِ، مَنِ اسْتَطَاعَ مِنْكُمُ الْبَاءَة فَلْيَتَزَوَّجْ، فَإِنَّهُ أَغَضُّ لِلْبَصَرِ، وَأَحْصَنُ لِلْفَرْجِ. وَمَنْ لَمْ يَسْتَطِعْ فَعَلَيْهِ بِالصَّوْمِ. فَإِنَّهُ لَهُ وِجَاءٌ» (٢). ٨٦ - قال الشارح ﵀ هذان الحديثان الصحيحان عن رسول اللَّه ﵊: أحدهما: حديث عائشة من جهة من جهات بريرة. والثاني حديث ابن مسعود في الحث على الزواج. أما حديث عائشة في قصة بريرة، فهو حديث عظيم له شأن، وقد ذكرت عائشة ﵂: أن فيه ثلاث سنن، يعني أن من جملة فوائده ثلاث سنن، وأحاديث النبي ﷺ كلها فوائد، وكلها من نعم اللَّه العظيمة على العباد، لما فيها من التوجيه، والتشريع, فقصة بريرة فيها سنن كثيرة، منها الثلاث التي ذكرت عائشة.
следующие страницы →