← Шархи хадиса

Шархи хадиса · id 13282

الإفهام في شرح عمدة الأحكام

ابن باز

Полный текст (893 стр.). Показаны 596–635 · переход к 601.

стр. 596

والميت له ولد وهو الابن، فالأم تأخذ السدس: واحداً من ستة، والأب واحداً من ستة، والباقي للابن، فإذا كان وراءه ستة آلاف ريال: تُعطى الأم ألف ريال، والأب ألف ريال، والباقي للابن. وإذا كان وراءه ستين ألف ريال: تُعطى الأم عشرة (١)، والأب عشرة (٢)، والباقي يدفعونه للابن، أو ابن الابن (٣). [٢] ومثال آخر: مات ميت عن زوج: امرأة ماتت عن زوجها، وعن أمِّها، وعن أخٍ شقيق: فالزوج صاحب فرض، والأم صاحبة فرض، والأخ صاحب عصبة: فيُعطى الزوج النصف فرضاً؛ لأن اللَّه يقول: ﴿وَلَكُمْ نِصْفُ مَا تَرَكَ أَزْوَاجُكُمْ إِنْ لَمْ يَكُنْ لَهُنَّ وَلَدٌ﴾ (٤)، وتُعطى الأم فرضها ثلثاً؛ لأن اللَّه أعطى الأم الثلث، كما قال تعالى: ﴿فَإِنْ لَمْ يَكُنْ لَهُ وَلَدٌ وَوَرِثَهُ أَبَوَاهُ فَلِأُمِّهِ الثُّلُثُ﴾ (٥)، والباقي للأخ العاصب؛ لأنه ليس من أهل الفروض, فإذا كان وراءها ستة آلاف، فيُعطى الزوج ثلاثة, النصيف، والأم تعطى ألفين، وهو الثلث، ويبقى ألف واحد وهو السادس للعصبة للأخ الشقيق، أو الأخ لأب (٦)، أو ابن الأخ (٧)، أو ابن

стр. 597

العم (١)، يعطى هذا الباقي، هذا حقه؛ لأن الرسول قال: «ألحقوا الفرائض بأهلها فما بقي فهو لأولى رجل ذكر» أعطينا الزوج ثلاثة: النصف، وأعطينا الأم الثلث، اثنين من ستة، وبقي واحد للعاصب. [٣] مثال آخر: مات ميت عن أخت شقيقة، وعن جدة، وعن أخٍ لأب, الأخت الشقيقة من أهل الفرائض، والجدة من أهل الفرائض لها السدس، والأخت الشقيقة لها النصف، كما قال تعالى: ﴿يَسْتَفْتُونَكَ قُلِ اللَّهُ يُفْتِيكُمْ فِي الْكَلَالَةِ إِنِ امْرُؤٌ هَلَكَ لَيْسَ لَهُ وَلَدٌ وَلَهُ أُخْتٌ فَلَهَا نِصْفُ مَا تَرَكَ﴾ (٢)، [و] قد حكم النبي ﷺ بأن الجدة لها السدس، فالميت يُجعل ماله ستة سهام، نصفها للأخت ثلاثة، والرابع، وهو السدس للجدة أم أمه، أو أم أبيه، والباقي اثنان لأخ الميت، سواء شقيق أو لأب أو عم، أو ابن عم، يعطى الباقي اثنان من ستة؛ لأن الأخت أخذت النصف، سواء كانت شقيقة أو لأب، وأخذت الجدة السدس، سواء كانت أم أبيه، أو أم أمه، والباقي اثنان من ستة للعصبة، لأخ الميت، أو عم الميت، أو ابن عم الميت أو معتق الميت هذا معنى الحديث: «ألحقوا الفرائض بأهلها، فما بقي فهو لأولى رجلٍ ذكر» وفي اللفظ الآخر: «اقسموا المال بين أهل الفرائض على كتاب اللَّه، فما أبقت الفرائض فهو لأولى رجل ذكر».

стр. 598

الحديث الثاني يقول النبي ﷺ : «لَا يَرِثُ الْمُسْلِمُ الْكَافِرَ، وَلَا الْكَافِرُ الْمُسْلِمَ» متفق على صحته (١)، معناه إذا كان الأقارب مختلفين في الدين، فإنهم لا يتوارثون، فإذا مات إنسان مسلم عن أخٍ مسلم، وعن أبٍ كافر، فالميراث لأخيه المسلم، والأب ليس له شيء؛ لأنه كافر، إذا مات ميت مسلم عن أخيه المسلم، أو ابن عمه المسلم، وراءه كافر (٢)، فالميراث للمسلم، ولو أنه ابن عمٍ بعيد، يعطى الميراث، وأبوه الكافر ليس له شيء، لقول النبي ﷺ : «لَا يَرِثُ الْمُسْلِمُ الْكَافِرَ، وَلَا الْكَافِرُ الْمُسْلِمَ»، كذلك لو مات شخص كافر عن ابن له كافر، وابن له مسلم، فَوِرْثه للكافر الذي مثله على دينه، وابنه المسلم لا يرث شيئاً؛ لأن الميت الكافر لا يرثه إلا الكافر، مثلما إذا مات نصراني عن ابن له نصراني، وله ابن ثانٍ مسلم قد هداه اللَّه وأسلم، ما يرث من أبيه النصراني، لقول النبي ﷺ : «لَا يَرِثُ الْمُسْلِمُ الْكَافِرَ، وَلَا الْكَافِرُ الْمُسْلِمَ» لا يتوارثون لاختلاف الدين, هذا على دين، وهذا على دين، فلا يتوارثان. الحديث الثالث: يقول ابن عمر: إن الرسول ﷺ «نهى عن بيع الولاء وعن هبته»، الرسول ﷺ نهى عن بيع الولاء، وعن هبته, لا يباع الولاء، ولا هبته كالنسب، لا يباع ولا يوهب، وفي اللفظ

стр. 599

الآخر: «الْوَلاءُ لُحْمَةٌ كَالنَّسَبِ: لا يُبَاعُ، وَلا يُوهَبُ، ولا يُورَثُ» (١). فالولاء مثل النسب لا يباع، فلو أن إنساناً باع نسبه من أخيه ما يصلح البيع، أو باع نسبه من ولده ما يصلح البيع، أو باع نسبه من ابن عمه لا يصح البيع، النسب لا يباع، وهكذا الولاء، والولاء هو ولاء العتق، فلو أنك أعتقت زيداً، فأنت الوارث له عصبته، فلو بعته هذا الولاء ولائي من زيد أبيعه، اشتره مني يا فلان بكذا، أنت تكون وليه بدلاً مني، ما يصح، أو وهبته إيَّاه، تقول: أنا وهبتك إياه، الولاء ما يصح، ما يكون صحيحاً، لا يرثه إلا أنت وعصبتك، فبيعك للولاء، أو هبتك باطلة مثل لو بعت قرابتك من أخيك، أو من أبيك، ما يصح البيع, فالقرابة لا تباع، ثابتة تبقى, ولو بعتها فالبيع باطل، فهكذا الولاء ولاء العتاق، إذا أعتقت إنساناً أعتقت رجلاً، أو أعتقت امرأةً، فأنت وليها، إذا ما صار لها ورثة إلا أنت، ما لها أقارب، أنت وليها، وعصبتك، فلا تبيع ولاءك، ولا تهبه، فلو بعت هذا الولاء، أو وهبته لأحد، فالهبة باطلة، والبيع باطل، لأن الرسول ﷺ نهى عن بيع الولاء وعن هبته، لأنه كالنسب. ٣٠٦ - عن عائشة ﵂ قالت (٢): «كَانَتْ فِي بَرِيرَةَ ثَلاثُ سُنَنٍ: خُيِّرَتْ عَلَى زَوْجِهَا حِينَ عَتَقَتْ، وَأُهْدِيَ لَهَا لَحْمٌ، فَدَخَلَ عَلَيَّ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ ، وَالْبُرْمَةُ عَلَى النَّارِ، فَدَعَا بِطَعَامٍ، فَأُتِيَ بِخُبْزٍ وَأُدْمٍ مِنْ أُدْمِ الْبَيْتِ، فَقَالَ: «أَلَمْ أَرَ الْبُرْمَةَ عَلَى النَّارِ فِيهَا لَحْمٌ؟» فقَالُوا: بَلَى، يَا رَسُولَ اللَّهِ، ذَلِكَ لَحْمٌ تُصُدِّقَ بِهِ عَلَى بَرِيرَةَ، فَكَرِهْنَا أَنْ نُطْعِمَكَ مِنْهُ، فَقَالَ: «هُوَ عَلَيْهَا صَدَقَةٌ، وَهُوَ لَنَا مِنْهَا (٣) هَدِيَّةٌ»، وَقَالَ النَّبِيُّ ﷺ (٤): «إنَّمَا الْوَلاءُ لِمَنْ أَعْتَقَ» (٥).

стр. 600

٩ - كتاب النكاح ٣٠٧ - عن عبد اللَّه بن مسعود ﵁ قال: قال (١) رسول اللَّه ﷺ : «يَا مَعْشَرَ الشَّبَابِ، مَنِ اسْتَطَاعَ مِنْكُمُ الْبَاءَة فَلْيَتَزَوَّجْ، فَإِنَّهُ أَغَضُّ لِلْبَصَرِ، وَأَحْصَنُ لِلْفَرْجِ. وَمَنْ لَمْ يَسْتَطِعْ فَعَلَيْهِ بِالصَّوْمِ. فَإِنَّهُ لَهُ وِجَاءٌ» (٢). ٨٦ - قال الشارح ﵀ هذان الحديثان الصحيحان عن رسول اللَّه ﵊: أحدهما: حديث عائشة من جهة من جهات بريرة. والثاني حديث ابن مسعود في الحث على الزواج. أما حديث عائشة في قصة بريرة، فهو حديث عظيم له شأن، وقد ذكرت عائشة ﵂: أن فيه ثلاث سنن، يعني أن من جملة فوائده ثلاث سنن، وأحاديث النبي ﷺ كلها فوائد، وكلها من نعم اللَّه العظيمة على العباد، لما فيها من التوجيه، والتشريع, فقصة بريرة فيها سنن كثيرة، منها الثلاث التي ذكرت عائشة.

стр. 601

إحداها: أنها خُيِّرت على زوجها لمّا عتقت، فدل ذلك على أن الجارية المملوكة إذا عتقت وهي تحت زوج مملوك يكون لها الخيار، إن شاءت بقيت معه، وإن شاءت اختارت نفسها، وبانت منه بينونةً صغرى؛ لأنها ملكت نفسها. وكان زوجها عبداً أسود رقيقاً، فدل ذلك على أن الحكم هو هكذا، إذا عتقت جارية تحت زوج رقيق، فإنها بالخيار إن شاءت بقيت معه، وإن شاءت اختارت نفسها، وقد كان زوجها يحبها كثيراً، ويُسمَّى مغيثاً، وكان يبكي عليها كثيراً، لأنها عافته، وامتنعت منه، فجاءها النبي ﷺ يشفع في قبولها زوجها وعدم فراقه، فقالت: يا رسول اللَّه تأمرني؟ قال: «لا, ولكن أشفع». قالت: لا حاجة لي فيه (١). هذه من الفوائد أيضاً: أن الشفاعة ما تلزم، ولو كانت شفاعة النبي ﷺ ؛ لأنها غير الأمر، فإذا شفع ﵊ إلى إنسان ليسقط ديناً عن فلان، أو يسقط بعضه، أو يسقط القصاص، أو ما أشبه ذلك، فالمشفوع إليه إن شاء فعل، وإن شاء ترك: ما يلزمه؛ لأن الرسول ﷺ لما قالت بريرة: «تأمرني أم تشفع؟»، قال: «بل أشفع» , فقالت: «لا حاجة لي فيه» , ولم يلمها، ولم يُنكر عليها عدم قبول الشفاعة.

стр. 602

ومن الفوائد: أن بريرة أُهدي إليها لحم، وكان النبي ﷺ لا يقبل الصدقة, وهكذا بنو هاشم، لا يقبلون الصدقة, فدعا بطعام، فأُتي بخبز وأُدم من البيت، فقال: «ألم أر البرمة على النار، فيها لحم؟!» قالوا: بلى، ولكنه تصدق به على بريرة، فكرهنا أن نطعمك منه, فقال ﵊: «هو عليها صدقة، وهو لنا منها هدية»، هذا يدل على أن الصدقة، إذا وصلت للفقير بلغت محلها, فإذا دفعها إلى من تحرم عليه الصدقة، جاز له الأكل؛ لأنها ليست صدقة عليه, هدية من الفقير, الفقير يهديها إذا بلغت محلها، وتأدّى الواجب بها, فإذا أهدى الفقير منها إلى غني، أو دعا الأغنياء، وأكلوا من طعامه، وإن كان من الصدقة لا حرج عليهم؛ لأن الصدقة بلغت محلَّها، فإذا أولم الفقير وليمة، ودعا إليها جيرانه وأقاربه من الأغنياء، وغيرهم, فلا بأس أن يأكلوا منها، وإن كانت صدقة عليه؛ لأنها بلغت محلها، فهي لهم هدية، ليست صدقة عليهم؛ لأنه ليس هو المزكي, المزكي غيره, وإنما هو فقير أخذها، وبلغت محِلَّها. الفائدة الثالثة أو السُّنة الثالثة: أنها اشترت نفسها من أهلها بأقساط، كل سنة أُوقية في تسع سنين، كل سنة أوقية تساوي ثلاثمائة وستين درهماً، الأوقية أربعون درهماً، فجاءت إلى عائشة تطلب العون، أي تسديد الثمن، فقالت عائشة: «إن شاء أهلك عددت لهم الدراهم وأعتقتك». فقالت لهم قالوا: لا بأس، إن كان الولاء لنا يعني ولاءها, فسألت عائشة النبي ﷺ قال: «لا, الولاء لمن أعتق» , قال: «اشتريها

стр. 603

واشترطي لهم الولاء، فإنما الولاء لمن أعتق» (١). وثبت بهذا أن الولاء يكون كالعصوبة تكون لمن أعتق، فإذا أعتق إنسان إنساناً، فالولاء للمعتق, يرثه، ويكون له الولاء، والعصب؛ لأنه المعتق, ولو كان الولاء لغير المعتق بطل الشرط، يقول النبي ﷺ : «كُلُّ شَرْطٍ لَيْسَ فِي كِتَابِ اللَّهِ: فَهُوَ بَاطِلٌ، وَإِنْ كَانَ مِائَةَ شَرْطٍ، قَضَاءُ اللَّهِ أَحَقُّ، وَشَرْطُ اللَّهِ أَوْثَقُ، وَإِنَّمَا الْوَلاءُ لِمَنْ أَعْتَقَ» (٢). وفيه من الفوائد: جواز البيع بالتقسيط؛ لأنها اشترت نفسها بالتقسيط ثلاثمائة وستون درهماً كل سنة تعطيهم أربعين درهماً (٣)، فدل ذلك على أن التقسيط جائز، لو باع الإنسان بيتاً، أو أرضاً، أو سيارةً بأقساط معلومة، إلى آجال معلومة، فلا بأس بذلك، لصحة بيع بريرة بأقساط لآجال معلومة، إذا كان المبيع في ملك البائع وحوزته, إذا كان في ملك، وحوزة البائع، فلا بأس بأقساط، أو بثمن معجَّل، أما إذا كان ليس في حوزته ليس له البيع، يقول النبي ﷺ : «لا تبع ما ليس عندك» (٤) , «لا يحل سلف وبيع، ولا بيع ما ليس

стр. 604

عندك» (١)، الإنسان لا يبيع شيئاً عند الناس، أما إذا ملكه، أو حازه بالشراء، ثم باعه بعد ذلك، فلا بأس. وفي حديث ابن مسعود: دلالة على تأكيد الشباب التعجيل على الزواج، وأنه ما ينبغي التأخير لمن قدر، بل يجب البدار بالزواج، لما فيه من العفة للفرج، وغض البصر، وتكثير النسل، يقول ﷺ : «يا معشر الشباب من استطاع منكم الباءة فليتزوج» الباءة أي مؤنة الباءة، يعني مؤونة الزواج؛ فإنه أغض للبصر، وأحصن للفرج، يعني النكاح فيه غض للبصر، وإحصان للفرج، فيه إعانة على ذلك, ومن لم يستطع يعني المؤنة، فعليه بالصوم؛ فإنه له وجاء. الرسول ﷺ بين أن الواجب البدار بالزواج على الشباب إذا قدروا، فإن عجزوا، شُرع لهم الصوم، واتخاذ أسباب السلامة، فالصوم يضيِّق مجاري الدم، ومجاري الشيطان، فيضعف سلطان الشهوة، ولكن متى استطاع الزواج فليبادر، ولو بالاستدانة والقرض، ونحو ذلك, فاللَّه جل وعلا يعينه للحديث الصحيح: «ثلاثة حق على اللَّه عونهم»، منهم: «المتزوج يريد العفاف» (٢)، وذكر الشباب

стр. 605

ليس قيداً، ولكنه تعبير بالأغلب، يعني أن الأغلب، أن الشباب يكونون أقوى من الشيبان في حاجة الزواج, وإلا فلو كان كبيراً، ويحتاج إلى الزواج يبادر، ليس له أن يترك الزواج، ولو أنه كبير إذا كان فيه شهوة ويقدر، فالواجب أن يبادر ويتزوج، ولا يترك الزواج؛ لما فيه من إحصان الفرج، وغض البصر، ومصالح كثيرة، لكن عبّر بالشباب، نظراً لأن الأغلب أن الحاجة لهم أكثر. ٣٠٨ - عن أنس بن مالك ﵁، «أَنَّ نَفَراً مِنْ أَصْحَابِ النَّبِيِّ ﷺ سَأَلُوا أَزْوَاجَ النَّبِيِّ ﷺ عَنْ عَمَلِهِ فِي السِّرِّ؟ فَقَالَ بَعْضُهُمْ: لا أَتَزَوَّجُ النِّسَاءَ، وَقَالَ بَعْضُهُمْ: لا آكُلُ اللَّحْمَ، وَقَالَ بَعْضُهُمْ: لا أَنَامُ عَلَى فِرَاشٍ. فَبَلَغَ النَّبِيَّ ﷺ ذَلِكَ (١) فَحَمِدَ اللَّهَ. وَأَثْنَى عَلَيْهِ، وَقَالَ: «مَا بَالُ أَقْوَامٍ قَالُوا كَذَا وَكَذَا (٢)؟ لَكِنِّي أُصَلِّي وَأَنَامُ، وَأَصُومُ وَأُفْطِرُ، وَأَتَزَوَّجُ النِّسَاءَ، فَمَنْ رَغِبَ عَنْ سُنَّتِي فَلَيْسَ مِنِّي» (٣). ٣٠٩ - عن سعد بن أبي وقاص ﵁ قال: «رَدَّ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ عَلَى

стр. 606

عُثْمَانَ بْنِ مَظْعُونٍ التَّبَتُّلَ، وَلَوْ أَذِنَ لَهُ لاخْتَصَيْنَا» (١). «التبتل» ترك النكاح، ومنه قيل لمريم: البَتُول (٢). ٨٧ - قال الشارح ﵀ هذان الحديثان الشريفان عن رسول اللَّه ﷺ فيهما الدلالة على أنه لا يجوز للمؤمن أن ينقطع للعبادة، ويدع ما شرع اللَّه له، أو يتنطَّع، فيزيد في دين اللَّه ما لم يشرعه اللَّه، بل عليه أن يلزم الشرع، وأن يقف عند حدوده، فلا يبتدع، ولا يجفو، ولكن بين ذلك، فشرع اللَّه وسط بين الطرفين، وحقٌّ بين باطلين, فلا جفاء ولا إفراط وغلو، ولكن بين ذلك. وفي حديث أنس أن جماعةً من الصحابة سألوا أزواج النبي ﷺ عن عمله في السر، يعني عمله في البيت، فلما أخبرنهم أزواج النبي ﷺ كأنهم تقالّوا ذلك، وقالوا: أين نحن من رسول اللَّه، قد غفر اللَّه له ما تقدم من ذنبه، وما تأخر، كما في الرواية الأخرى: ونحن على خطر؛ فلهذا قال بعضهم: «أما أنا، فلا أتزوج النساء»، يعني أتفرغ للعبادة وأنقطع للعبادة، وقال الآخر: «أما أنا فلا آكل اللحم، وقال

стр. 607

الآخر: أما أنا فلا أنام على فراش» (١)، وفي رواية أخرى: قال آخر: «أما أنا، فأصلي، ولا أنام، وآخر قال: أما أنا، فأصوم، ولا أفطر» (٢)، يعني أرادوا التكلف في العبادة، وإتعاب أنفسهم بما لم يشرعه اللَّه، فلما بلغ النبي ﷺ ذلك خطب ﵊ الناس، كعادته في التنبيه على الأمور المهمة في الخطبة ﵊، فحمد اللَّه وأثنى عليه، ثم قال: «ما بال أقوام قالوا كذا وكذا؟!»، وهذه عادته أيضاً، لا يُسمي الناس، يقول: ما بال أقوام؟ ولا يُعيِّن فلاناً وفلاناً؛ لأن ذلك أستر لهم، ما بال أقوام قالوا كذا وكذا؟ يعني قال بعضهم كذا، وقال بعضهم كذا, ذكر أقوالهم، قال بعضهم: أما أنا فأصلي ولا أنام، والآخر: قال: أنا أصوم ولا أفطر، وقال آخر: لا آكل اللحم، وقال آخر: لا أتزوج النساء ...» إلى آخره، ثم قال: «لكني أُصلي وأنام، وأصوم وأفطر، وأتزوج النساء»، وفي الرواية الأخرى: «وآكل اللحم، وأنام على الفراش، فمن رغب عن سنتي فليس مني»، بيّن لهم ﷺ أن من رغب عن السنة، وشدّد على نفسه، وألزمها بما لم يلزمها اللَّه وتنطّع (٣) [أنه ليس منه] (٤).

стр. 608

وفي حديث سعد أن النبي ﷺ (١) ردَّ على عثمان بن مظعون التبتل لما أراد عثمان أن يتبتل في العبادة وينقطع ردَّ عليه النبي ﷺ ، وأنكر عليه ذلك، قال سعد: «ولو أذن له لاختصينا»، لو أذن له في التبتل والانقطاع عن الزوجات، وعن كل أحد لاختصينا، حتى نسلم من شر الشهوة، لكن الرسول ﵊ أنكر ذلك, وأخبر أنه يأتي النساء، ويتزوج النساء، فمن رغب عن سنتي فليس مني, فدل ذلك على وجوب التقيد بالشرع، وأنه لا يجوز للمسلم أن يتنطع، ويزيد في دين اللَّه ما لم يأذن به اللَّه، وقد ذم اللَّه قوماً فعلوا ذلك فقال: ﴿أَمْ لَهُمْ شُرَكَاءُ شَرَعُوا لَهُمْ مِنَ الدِّينِ مَا لَمْ يَاذَنْ بِهِ اللَّهُ﴾ (٢)، وقال ﵊: «من رغب عن سنتي فليس مني» , وقال: «من عمل عملاً ليس عليه أمرنا فهو رد» (٣)، وقال: «من أحدث في أمرنا هذا ما ليس منه فهو رد» (٤) , وقال: «شَرُّ الأُمُورِ مُحْدَثَاتُهَا، وَكُلُّ بِدْعَةٍ ضَلَالَةٌ» (٥).

стр. 609

فليس للناس أن يحدثوا في الدين ما لم يأذن به اللَّه، ولا يكون للَّه متعبداً بهذا يتنطع، أو لا ينام على الأرض أو على التراب، أو لا يتزوج النساء، أو يصوم دائماً ولا يفطر، أو يصلي الليل كله ولا ينام، كل هذا تنطع لا يجوز وتكلف, واللَّه يقول للرسل وهم أفضل الناس: ﴿يَا أَيُّهَا الرُّسُلُ كُلُوا مِنَ الطَّيِّبَاتِ وَاعْمَلُوا صَالِحًا﴾ (١) , ويقول لأهل الإيمان: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُلُوا مِنْ طَيِّبَاتِ مَا رَزَقْنَاكُمْ﴾ (٢) , والنبي هو سيد المتوكلين، وسيد الزاهدين، وسيد أهل التقوى، ينام على سرير، وينام على الفراش، ويأكل اللحم، ويتزوج النساء، وعنده تسع (٣)، ﵊، ويصوم ويُفطر، ويقوم بعض الليل وينام، فالخير كله في اتباعه ﵊، وفي السير على منهاجه, أما الزيادة على ذلك والتنطع والتكلف وتعذيب النفس هذا لا يجوز، كذلك الجفاء, الإنسان يجفو، ويتساهل، ويرتكب المعاصي، هذا أيضاً لا يجوز, ولكن الوسط الوسط الوسط، كما قال تعالى: ﴿كَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطًا﴾ (٤)، يعني عدلاً خياراً، لا جفاةً متساهلين، ولا متنطعين متكلفين مبتدعين، ولكن الوسط هو لزوم الحق، الذي جاء به النبي ﵊ قولاً وعملاً.

стр. 610

٣١٠ - عن أم حبيبة بنت أبي سفيان بأنها قالت: يا رسول اللَّه، انْكِحْ أُخْتِي ابْنَةَ أَبِي سُفْيَانَ، فقَالَ: «أَوَتُحِبِّينَ ذَلِكِ؟» فَقُلْتُ: نَعَمْ، لَسْتُ لَكَ بِمُخْليَةٍ، وَأَحَبُّ مَنْ شَارَكَنِي فِي خَيْرٍ: أُخْتِي، فَقَالَ النَّبيُّ ﷺ : «إنَّ ذَلِكِ لا يَحِلُّ لِي» قَالَتْ: فإنَّا نُحَدَّثُ أَنَّك تُرِيدُ أَنْ تَنْكِحَ بِنْتَ أَبِي سَلَمَةَ، قَالَ: «بِنْتَ أُمِّ سَلَمَةَ؟!» قُلْت: نَعَمْ، فقَالَ (١): «إنَّهَا لَوْ لَمْ تَكُنْ رَبِيبَتِي فِي حِجْرِي، مَا حَلَّتْ لِي، إنَّهَا لابْنَةُ أَخِي مِنَ الرَّضَاعَةِ، أَرْضَعَتْنِي وَأَبَا سَلَمَةَ ثُوَيْبَةُ، فَلا تَعْرِضْنَ عَلِيَّ بَنَاتِكُنَّ، وَلا أَخَوَاتِكُنَّ» (٢). «قَالَ عُرْوَةُ: وَثُوَيْبَةُ مَوْلاةٌ لأَبِي لَهَبٍ، كان أَبُو لَهَبٍ أَعْتَقَهَا فَأَرْضَعَتِ النَّبِيَّ ﷺ ، فَلَمَّا مَاتَ أَبُو لَهَبٍ أُرِيَهُ بَعْضُ أَهْلِهِ بِشَرِّ حِيبَةٍ، قال (٣): مَاذَا لَقِيتَ؟ قَالَ (٤) أَبُو لَهَبٍ: لَمْ أَلْقَ بَعْدَكُمْ خَيْراً، غَيْرَ أَنِّي سُقِيتُ مِنْ هَذِهِ (٥) بِعَتَاقَتِي ثُوَيْبَةَ» (٦). «الحِيبةُ» بكسر الحاء المهملة: الحال (٧).

стр. 611

٣١١ - عن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول اللَّه ﷺ : «لا يَجْمَع الرَّجُلُ (١) بَيْنَ الْمَرْأَةِ وَعَمَّتِهَا، وَلا بَيْنَ الْمَرْأَةِ وَخَالَتِهَا» (٢). ٣١٢ - عن عُقْبة بن عامر ﵁ قال: قال رسولُ اللَّه ﷺ : «إنَّ أَحَقَّ الشُّرُوطِ أَنْ تُوفُوا بِهِ مَا اسْتَحْلَلْتُمْ بِهِ الْفُرُوجَ» (٣). ٨٨ - قال الشارح ﵀ هذه الأحاديث الثلاثة كلها تتعلق بالنكاح. الحديث الأول: حديث أم حبيبة بنت أبي سفيان بن حرب أم المؤمنين ﵂ وعن أبيها، أنها قالت: يا رسول اللَّه انكح أختي ابنة أبي سفيان, فقال لها ﵊: «أو تحبين ذلك؟» يعني استغرب النبي ﷺ ، لأن المرأة في الغالب ما ترضى أن يكون لها جارة، فأجابت بقولها: لست لك بمُخْليَة، أي لست لك بمتروكة، لا بد من جارات,

стр. 612

وإذا كان لا بد من جارات، فأحب من شاركني في خير أختي ــ معناه: لو كنت أسلم من الجارات ما أحببت أن تنكح أختي، لكن إذا كان لا بد من جارات، فأختي أولى من غيرها، وهذا يدل على عقلها وفضلها, ولهذا قالت: «وأحبُّ من شاركني في خيرٍ أختي»؛ لأن زواج النبي ﷺ من أعظم الخير لها، قال لها رسول اللَّه: «إن ذلكِ»، يخاطب المرأة بكسر الكاف «إنّ ذلكِ لا يحلُّ لي» يعني جمعه بين المرأة وأختها لا يحل له، لأن اللَّه قال: ﴿وَأَنْ تَجْمَعُوا بَيْنَ الْأُخْتَيْنِ﴾ (١)، فلا يحل للرجل أن يجمع بين أختين في نكاح، ولا بين المرأة وعمتها، كما في الحديث الثاني، ولا بين المرأة وخالتها؛ لأن الرسول ﷺ «نهى عن الجمع بين المرأة وعمتها، وبين المرأة وخالتها»، والحكمة من ذلك، واللَّه أعلم، كما قال جمع من أهل العلم: إنه وسيلة للقطيعة؛ لأن من عادة النساء فيما بينهن بغض الجارة، فإذا كانت أختها ضرةً لها، أو عمتها، وخالتها يسبب القطيعة، فمن رحمة اللَّه أن حرم نكاح المرأة على أختها، أو عمتها، أو خالتها. أما بنت العم، فلا بأس، وبنت الخال؛ لأنها قرابة بعيدة، فلا بأس أن يجمع بين المرأتين من بنات العم، أو بنات الخال، أو بنات الخالة، لا حرج في ذلك. قالت: فإنا نُحدّث أنك تريد أن تنكح بنت أبي سلمة، ابن عبد الأسد، قال: «بنت أم سلمة؟» قالت: قلت نعم. قال

стр. 613

- ﵊: «إنها لو لم تكن ربيبتي في حجري ما حلت لي إنها ابنة أخي من الرضاعة»، واللَّه حرم بنت الأخ من الرضاعة، كما حرم بنت الأخ من النسب في المحرمات التي ذكرها اللَّه سبحانه في النساء: بنات الأخ، والنبي؛ قال: «يَحْرُمُ مِنَ الرَّضَاعِ مَا يَحْرُمُ مِنَ النَّسَبِ» (١)، فدل ذلك على أن بنت الأخ من الرضاع حرام، كما أن بنت الأخ من النسب كذلك. «أرضعتني وأبا سلمة ثويبة مولاة لأبي لهب»، دل على أنها محرمة من جهتين: محرمة من جهة أنها ابنة أخيه من الرضاع، ومحرمة من جهة أنها بنت أم سلمة ربيبته، وقد دخل بأمها، واللَّه يقول: ﴿وَرَبَائِبُكُمُ اللَّاتِي فِي حُجُورِكُمْ مِنْ نِسَائِكُمُ اللَّاتِي دَخَلْتُمْ بِهِنَّ﴾ (٢)، فصارت بنت أم سلمة محرمة من جهتين: من جهة أنها بنت زوجته، ومن جهة أنها بنت أخيه من الرضاعة؛ ولهذا قال: «فلا تعرضن عليَّ بناتكن ولا أخواتكن» تعرضن خطاب للنساء بناتكن يعني بنت الزوجة المدخول بها ما تصلح «ولا أخواتكن»، لكن فرق بينهما، بنت الزوجة محرمة إلى الأبد، إذا دخل بأمها تحريماً أبدياً، أما تحريم الأخت، فهو تحريم أمدي له أمد, فإذا فارق أختها، أو ماتت أختها حلت أختها، فتحريم الأخت والعمة والخالة ليس مؤبداً، بل مؤمَّداً له أمد محدود، وهو موت الزوجة، إذا ماتت الزوجة أو طلقت، وانتهت عدتها، حلّت

стр. 614

أختها وعمتها وخالتها، وقوله في حديث أبي هريرة: «إنه نهى عن الجمع بين المرأة وعمتها وخالتها» هذا يعمّ النسب والرضاع، عمتها وخالتها من الرضاع، ومن النسب، وكذلك المرأة وخالتها من النسب، ومن الرضاع، لا يجوز الجمع بينهما بالنص من السنة، أما الجمع بين الأخوات، فهذا محرم بالإجماع، وبالنص من القرآن، أما الجمع بين المرأة وعمتها، وبين المرأة وخالتها، فهذا محرم بالنص من السنة، وبإجماع أهل العلم، فلا يجوز أن يجمع بين المرأة وعمتها، ولا بين المرأة وخالتها، لا من النسب، ولا من الرضاع. الحديث الثالث: حديث عقبة بن عامر الجهني ﵁، عن النبي ﷺ أنه قال: «إن أحق الشروط أن يوفى به ما استحللتم به الفروج» متفق على صحته (١)، وهذا حديث عظيم يدل على أن الشروط التي تقع في عقود النكاح من أولى الشروط بالوفاء، بل هي أحق الشروط؛ لأنه يتعلق بها استباحة الفروج، فهي أعظم من شروط البيع، وشروط الإجارة ونحوها، ولهذا قال: «إن أحق الشروط أن يوفى به ما استحللتم به الفروج»، يدخل فيها شروط الزوجة، وشروط الأمة التي يجوز لها (٢) التسرِّي بها، الشروط فيها مهمة، فدلّ ذلك على أنه إذا شُرِطَ على الرجل لحل الزوجة شرطاً يجب أن يهتم بذلك، فإذا تزوجها على أنه

стр. 615

يعطيها مثلاً عشرة آلاف ريال، فالواجب عليه الوفاء؛ لأنه ما استحل فرجها إلا بهذا, إذا تزوجها على أن يسكنها في بيت مستقل، فيوفي لها بالشرط، إذا تزوجها على أن ينقلها إلى بلد آخر، اتفق على أنه ينقلها إلى مكة إلى المدينة إلى الرياض شرط لم ترض إلا بهذا، فليوفِ لها بالشرط إلا أن تسمح، تزوجها على أنه لا يتزوج عليها غيرها، كونها تبقى معه من دون جارة، يوفي لها بالشرط، فإذا أحب أن يتزوج جارة شاورها، إن سمحت وإلا فلا يتزوج، فإن تزوج فلها الخيار؛ لأنه مشروط عليه إذا تزوج فلها الخيار، إن شاءت بقيت، وإن شاءت فارقها؛ لأن المسلمين على شروطهم، وهكذا إذا اشترطت شروطاً جائزة شروطاً شرعية، فإن لها شرطها، والنبي ﷺ يقول: «أحق الشروط أن يوفى به ما استحللتم به الفروج»، وهو لم يستحل فرجها إلا بهذه الشروط التي رضيت بها، والواجب عليه أن يأتي بها إلا إذا سمحت عن شيء، فالحق لها، إذا أسقطت حقها من الشروط بأن شرطت عليه أن يعطيها عشرة آلاف، وسمحت عن خمسة، أو سمحت عن الجميع، أو شرطت أنه ينقلها إلى مكة، أو المدينة، أو الرياض، أو الخرج، أو الحوطة [...] (١) بهذا ينقلها، فإذا سمحت سقط الشرط، وهكذا لو شَرطت عليه بيتاً، إنه ينقلها عن أهله [ويجعلها] (٢) في بيت، قد لايرون

стр. 616

أن يجعلها عند أهله لا بد من بيت مستقل [اشترطوا ذلك] (١) , ثم سمحت قالت: لا بأس أن أسكن عند أهلك أو عند أهلي، يسقط الشرط إذا سمحت له؛ لأن هذا حق لها فإذا أسقطته سقط. ٣١٣ - عن ابن عمر ﵄، «أَنَّ رسول اللَّه ﷺ نَهَى عَنْ نِكَاحِ (٢) الشِّغَارِ»، وَالشِّغَارُ: أَنْ يُزَوِّجَ الرَّجُلُ ابْنَتَهُ عَلَى أَنْ يُزَوِّجَهُ الآخَرُ (٣) ابْنَتَهُ، وَلَيْسَ بَيْنَهُمَا صدَاقٌ (٤). ٣١٤ - عن عليّ بن أبي طالب ﵁، «أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ نَهَى عَنْ نِكَاحِ الْمُتْعَةِ يَوْمَ خَيْبَرَ، وَعَنْ لُحُومِ الْحُمُرِ الأَهْلِيَّةِ» (٥). ٣١٥ - عن أبي هريرة ﵁، أن رسول اللَّه ﷺ قال: «لا تُنْكَحُ الأَيِّمُ

стр. 617

حَتَّى تُسْتَامَرَ، وَلا تُنْكَحُ الْبِكْرُ حَتَّى تُسْتَاذَن». قَالُوا: يَا رَسُولَ اللَّهِ، وكَيْفَ (١) إذْنُهَا؟ قَالَ: «أَنْ تَسْكُتَ» (٢). ٨٩ - قال الشارح ﵀ هذه الأحاديث الثلاثة كلها تتعلق بأحكام النكاح. في الحديث الأول: الدلالة على تحريم نكاح الشغار؛ لأن الرسول ﵊ نهى عنه، وجاء في هذا عدة أخبار عن النبي ﷺ كلها دالة على تحريم نكاح الشغار، حديث ابن عمر، وحديث جابر، وحديث أبي هريرة وغيرها، ومنها «لَا شِغَارَ فِي الإِسْلَامِ» (٣)، والشغار (٤) هو أن يشترط كل واحد من الوليين نكاح الثانية هذا يقول: أزوجك على أن تزوجني أو تزوج ابني أختك، أو بنتك، والآخر كذلك، يتفقان على هذه المشارطة، قيل: سمي شغاراً؛ لأنه

стр. 618

في الغالب يخلو من المهر، يقال: شغرت البلد إذا خلت من أهلها, شغر المكان إذا خلا من الساكن فيه. وقيل: إنه يشبه عمل الكلب إذا شغر برجله ليبول، كأنه يقول: لا ترفع رجلها حتى أرفع رجل موليتك؛ أو لأنه إذا شغر برجله خلا مكانها. فالحاصل أن الشغار هو كون كل واحد يشرط على الآخر نكاح الأخرى، يتزوجها على اشتراط كونه يزوجه موليَّته الأخرى, فهذا يقول: أنا أزوجك بنتي على أن تزوجني ابنتك، أو تزوج ابني أو أخي، والآخر يقول كذلك: أزوج بنتي على كذا وكذا، فيشارطان، ونهي عن هذا؛ لأنه وسيلة إلى ظلم النساء، وجبرهن على النكاح؛ ولأنه عقد في عقد، فأشبه بيعتين في بيعة؛ ولأنه في الغالب يكون تزويجاً بغير مهر، فكأنه زوج المرأة بالمرأة دون مهر، واللَّه يقول: ﴿أَنْ تَبْتَغُوا بِأَمْوَالِكُمْ﴾ (١)، فسد الشارع الذريعة لذلك، فهو محرم لعدة علل، ولعدة حِكم، سواء سُمّي فيه مهر، أو لم يُسمَّ فيه مهر، هذا هو الصواب. وأما قول الراوي: والشغار أن يزوج الرجل ابنته على أن يزوجه الآخر ابنته، وليس بينهما صداق، فهذا من كلام بعض الرواة، وليس من كلام النبي ﷺ ، وإنما هو من كلام نافع الراوي عن ابن عمر، وقيل من كلام مالك ﵀، والخلاصة أنه ليس من كلام النبي ﵊؛ ولهذا جاء في حديث أبي هريرة: أن الرسول: «نَهَى

стр. 619

عَنِ الشِّغَارِ، قال: وَالشِّغَارُ: أَنْ يَقُولَ الرَّجُلُ لِلرَّجُلِ: زَوِّجْنِي ابْنَتَكَ، وَأُزَوِّجُكَ ابْنَتِي، وَزَوِّجْنِي أُخْتَكَ، وَأُزَوِّجُكَ أُخْتِي» (١). فظاهره أنه كلام النبي ﷺ ، وأنه أن يقول كل واحد هذا الكلام: زوجني أختك، وأزوجك أختي، أو بنتك وأزوجك بنتي، أو زوج ابني، أو أخي. وفي حديث معاوية ﵁ أنه كتبوا إليه أهل المدينة عن رجل تزوج امرأة على أن يزوجه الآخر امرأة أخرى، وقد سميا صداقاً فكتب معاوية إلى أمير المدينة، فرق بينهما, وقال: هذا هو الشغار الذي نهى عنه النبي ﷺ (٢)، مع أنهما قد سميا مهراً، وبهذا يُعلم أن نكاح الشغار محرم مطلقاً، ولو سُمِّي فيه مهر، ما دامت المشارطة أو التواطؤ قد حصل. والحديث الثاني: حديث علي ﵁ في النهي عن نكاح المتعة،

стр. 620

وعن لحوم الحمر الأهلية، هذا الحديث الصحيح يدل على تحريم نكاح المتعة، وعلى تحريم أكل لحوم الحمر الأهلية، ولحوم الحمر الأهلية هي التي الآن موجودة، التي يقال لها: الإنسية، التي يستعملها الناس في الركوب وفي السَّني (١) عليها، وغير ذلك، احترازاً من الحمر الوحشية؛ لأن الحمر الوحشية صيد، لها صفة، ولها لون غير صفة ولون الحمر الأهلية، وقد أمر النبي ﷺ بإكفاء القدور لما ذبحها الناس يوم خيبر، أمر بإكفاء القدور، وقال: «إنها رجس» (٢)، وقد أجمع العلماء على تحريمها، إلا خلافاً شاذاً لا يُعوُّل عليه في ذلك. وأما نكاح المتعة، فهو أن يقول: زوجني فلانة لمدة كذا، أو يتفق معها على الزواج لمدة معينة، أو بالعقد عليها شهراً أو شهرين, وهو النكاح المؤقت شهراً، أو شهرين، أو سنة، أو سنتين, يقال له: نكاح المتعة يستمتع بها، ثم يدعها، والعادة في هذا عند الجاهلية دون أن يحتاج إلى طلاق، ولا غيره؛ لأنه مدة معينة، إذا انتهت انتهى النكاح، وهو باطل عند أهل العلم؛ لأن النكاح الشرعي يكون عن رغبة، وعن قصد البقاء معها إذا ناسبته أبداً، ليس المقصود أن يستمتع بها مدة معينة؛ فلهذا نهى اللَّه عن نكاح المتعة [على لسان] (٣)

стр. 621

رسوله ﵊، فإذا اتفقا على أن يبقى معها شهراً، أو شهرين، أو سنة، أو سنتين، أو أقل، أو أكثر، ثم ينتهي النكاح، فهذا هو نكاح المتعة الممنوع. والحديث الثالث: يقول الرسول ﷺ : «لا تنكح الأيم حتى تُستأمر، ولا تنكح البكر حتى تستأذن» قالوا: يا رسول اللَّه كيف إذنها قال: «أن تسكت». فهذا يدل على أنه يجب استئذان المرأة في نكاحها، وأن لا تجبر إن كانت أيماً، وهي التي قد تزوجت وطلقت، أو مات عنها زوجها، لابد من تصريحها بالإذن، أي تقول: نعم أوافق على هذا الشيء، أما إن كانت بكراً لم تتزوج، فيكفي السكوت، إن تكلمت فلا بأس، وإن سكتت كفى السكوت، إذا قال لها وليها: أزوجك فلاناً، وشرح لها الواقع، وسكتت كفى، ولو كان أبوها ليس له تزويجها إلا بإذنها حتى ولو كان الأب لقوله ﷺ : «البكر يستأذنها أبوها وإذنها سكوتها» (١)، إلا إذا كانت أقل من تسع، صغيرة، أقل من تسع سنين، ورأى وليها أن يزوجها؛ لأنه صالح، للمصلحة لها، لا لقصد الطمع، إذا رأى أنه يزوجها وهي صغيرة لقصد المصلحة؛ لكون الزوج صالحاً مختاراً طيباً، يرغب أن تكون عنده، فزوجها وهي صغيرة، فلا بأس، إذا كان أبوها خاصة، الأب خاصة، كما زوج الصديق

стр. 622

- ﵁ عائشة من النبي ﷺ ، وهي دون التسع، بنت ست سنين، أو سبع سنين للمصلحة العظيمة للبنت، فإذا كانت صغيرة دون التسع، فلا بأس أن يزوجها أبوها خاصة بالشخص الذي يرضاه لها ديناً وخلقاً، لا للطمع. ٣١٦ - عن عائشة (١) ﵂ قالت: «جَاءَتِ امْرَأَةُ رِفَاعَةَ الْقُرَظِيِّ إلَى النَّبِيِّ ﷺ ، فَقَالَتْ: كُنْتُ عِنْدَ رِفَاعَةَ الْقُرَظِيِّ فَطَلَّقَنِي، فَبَتَّ طَلاقِي، فَتَزَوَّجْتُ بَعْدَهُ عَبْدَ الرَّحْمَنِ بْنَ الزَّبِيرِ، وَإِنَّمَا مَعَهُ مِثْلُ هُدْبَةِ الثَّوْبِ، فَتَبَسَّمَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ . وَقَالَ: «أَتُرِيدِينَ أَنْ تَرْجِعِي إلَى رِفَاعَةَ؟ لا، حَتَّى تَذُوقِي عُسَيْلَتَهُ، وَيَذُوقَ عُسَيْلَتَكِ» قَالَتْ: وَأَبُو بَكْرٍ عِنْدَهُ، وَخَالِدُ بْنُ سَعِيدٍ بِالْبَابِ يَنْتَظِرُ أَنْ يُؤْذَنَ لَهُ، فَنَادَى: «يَا أَبَا بَكْرٍ، أَلا تَسْمَعُ إلَى (٢) هَذِهِ مَا تَجْهَرُ بِهِ عِنْدَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ ؟» (٣). ٣١٧ - عن أنس بن مالك ﵁ قال: «مِنَ السُّنَّةِ، إذَا تَزَوَّجَ الْبِكْرَ عَلَى الثَّيِّبِ، أَقَامَ عِنْدَهَا سَبْعاً، ثُمَّ (٤) قَسَمَ، وَإِذَا تَزَوَّجَ الثَّيِّبَ (٥)، أَقَامَ عِنْدَهَا ثَلاثاً، ثُمَّ قَسَمَ».

стр. 623

قال أبو قِلابة: «وَلَوْ شِئْتُ لَقُلْتُ: إنَّ أَنَساً رَفَعَهُ إلَى النَّبِيِّ ﷺ » (١). ٣١٨ - عن ابن عباس ﵄ قال: قال رسولُ اللَّه ﷺ : «لَوْ أَنَّ أَحَدَكُمْ (٢) ــ إذَا أَرَادَ أَنْ يَاتِيَ أَهْلَهُ ــ قَالَ: بِسْمِ اللَّه، اللَّهُمَّ جَنِّبْنَا الشَّيْطَانَ، وَجَنِّبِ الشَّيْطَانَ مَا رَزَقْتَنَا، فَإِنَّهُ إنْ يُقَدَّرْ بَيْنَهُمَا وَلَدٌ فِي ذَلِكَ: لَمْ يَضُرَّهُ الشَّيْطَانُ أَبَداً» (٣). ٩٠ - قال الشارح ﵀: [الحديث الأول حديث عائشة ﵂ فيه من الفوائد: أن] (٤) المرأة إذا طلقت طلاقاً بائناً بالثلاث، فإنها لا تحل لزوجها الأول حتى تنكح زوجاً غيره نكاح رغبة، ويدخل بها، يعني يطأها. لقوله تعالى: ﴿فَإِنْ

стр. 624

طَلَّقَهَا فَلَا تَحِلُّ لَهُ مِنْ بَعْدُ حَتَّى تَنْكِحَ زَوْجًا غَيْرَهُ﴾ (١)، يعني الثالثة؛ ولحديث عائشة هذا في قصة زوجة رفاعة القرظي، تزوجها فبت طلاقها، وفي رواية أخرى: أنه طلقها الطلقة الأخيرة الثالثة (٢)، فجاءت للنبي ﷺ تستفتيه، فأخبرته أنها نكحت بعد رفاعة شخصاً يقال له عبدالرحمن بن الزَّبير بفتح الزاي، وليس عنده إلا مثل هدبة الثوب. أي ليس عنده إلا ذكر ضعيف، ما استطاع أن يجامعها، فلما سمع كلامها تبسم ﵊، وقال: «أتريدين أن ترجعي إلى رفاعة؟ لا حتى تذوقي عسيلته ويذوق عسيلتك» (٣) يعني حتى يجامعك الزوج الجديد. والعُسيلة كناية عن حلاوة الجماع، والمعنى أنها لا تحل للزوج الأول المطلق الطلقة الأخيرة الثالثة حتى يجامعها الزوج الثاني بنكاح صحيح، ثم يفارقها بالطلاق، وتنتهي من العدة. وفيه من الفوائد: أنه لا بأس بالسؤال في مثل هذا، ولا حياء في هذا [تطالب تريد الحق] (٤)، ولا بأس أن تسأل وعند المفتي من يسمع من الرجال ليستفيد الجميع، فإنها استفتت والصديق حاضر يسمع، وخالد بن سعيد يسمع. وفي الحديث الثاني من الفوائد: أن الرجل إذا تزوج بكراً على

стр. 625

ثيِّب قسم لها سبعاً، ثم دار على نسائه، وإذا تزوج ثيباً قسم ثلاثاً، ثم دار، فإذا كان عنده زوجة أو أكثر، ثم تزوج بكراً، فإنه يقسم لها سبعاً متوالية، ثم يذهب إلى الزوجة الثانية، ثم يدور بينهما، كل واحدة لها ليلتها، أما إن كانت الجديدة ثيباً، فإنه يقسم لها ثلاثاً، هكذا فعل النبي ﷺ مع أم سلمة عندما تزوجها، وهي ثيب، قسم لها ثلاثاً، ثم دار. وفي الحديث الثالث: الدلالة على أن السنة عند الجماع التسمية، عندما يريد جماع زوجته يقول: «بِسْمِ اللَّه، اللَّهُمَّ جَنِّبْنَا الشَّيْطَانَ، وَجَنِّبِ الشَّيْطَانَ مَا رَزَقْتَنَا» (١)، وأنه لو قدر بينهما ولد في ذلك الجماع الذي فيه التسمية لم يضره الشيطان أبداً، هذه فائدة عظيمة، وخيرٌ عظيم، فينبغي للزوج عند الجماع أن يقول هذا الكلام، عندما يريد الجماع يقول: «بسم اللَّه، اللَّهم جنبنا الشيطان وجنب الشيطان ما رزقتنا» دعوات قليلة والفائدة عظيمة. ٣١٩ - عن عقبة بن عامر ﵁، أن رسولَ اللَّه ﷺ قال: «إيَّاكُمْ وَالدُّخُولَ عَلَى النِّسَاءِ» فَقَالَ رَجُلٌ مِنَ الأَنْصَارِ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، أَفَرَأَيْتَ الْحَمْوَ؟ قَالَ: «الْحَمْوُ الْمَوْتُ» (٢). ولمسلمٍ عن أبي الطاهر، عن ابن وهب قالَ: «سَمِعْتُ اللَّيثَ يقولُ:

стр. 626

الحَمْوُ، أَخو الزَّوْجِ، ومَا أَشْبَهَهُ منْ أَقاربِ الزَّوْجِ: ابنِ العَمِّ ونَحْوِهِ» (١). ٥٥ - باب الصداق ٣٢٠ - عن أنس بن مالك ﵁، «أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ : أَعْتَقَ صَفِيَّةَ، وَجَعَلَ عِتْقَهَا صَدَاقَهَا» (٢). ٣٢١ - عن سَهْلِ بنِ سعدٍ الساعديِّ ﵁، «أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ جَاءَتْهُ امْرَأَةٌ، فَقَالَتْ: إنِّي وَهَبْتُ نَفْسِي لَكَ، فَقَامَتْ طَوِيلاً، فَقَالَ رَجُلٌ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، زَوِّجْنِيهَا، إنْ لَمْ يَكُنْ لَكَ بِهَا حَاجَةٌ، فَقَالَ: «هَلْ عِنْدَكَ مِنْ شَيْءٍ تُصْدِقُهَا»؟ فَقَالَ: مَا عِنْدِي إلا إزَارِي هَذَا، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : «إنْ أَعْطَيْتَهَا إزَارَكَ جَلَسْتَ (٣)، وَلا إزَارَ لَكَ، فَالْتَمِسْ غير هذا (٤)» قَالَ: مَا أَجِدُ، قَالَ: «فالْتَمِسْ وَلَوْ خَاتَماً مِنْ حَدِيدٍ»، فَالْتَمَسَ، فَلَمْ يَجِدْ شَيْئاً. فَقَالَ: رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : «هَلْ مَعَكَ شَيْءٌ مِنَ الْقُرْآنِ؟» قَالَ: نَعَمْ (٥). فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : «زَوَّجْتُكَهَا بِمَا مَعَك مِنَ الْقُرْآنِ» (٦).

стр. 627

٣٢٢ - عن أنس بن مالك ﵁، «أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ رَأَى عَبْدَ الرَّحْمَنِ بْنَ عَوْفٍ، وَعَلَيْهِ رَدْعُ زَعْفَرَانٍ. فَقَالَ النَّبِيُّ ﷺ : «مَهْيَمْ؟» فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ،

стр. 628

تَزَوَّجْتُ امْرَأَةً، فَقَالَ (١): «مَا أَصْدَقْتَهَا»؟ قَالَ: وَزْنَ نَوَاةٍ مِنْ ذَهَبٍ، قَالَ رسول اللَّه ﷺ (٢): «بَارَكَ (٣) اللَّهُ لَكَ، أَوْلِمْ وَلَوْ بِشَاةٍ» (٤). (٥). ٩١ - قال الشارح ﵀: هذه الأحاديث الأربعة: الأول في وجوب الحذر من الخلوة

стр. 629

بالنساء، وأن ذلك خطره عظيم، حتى سُمِّي الموت، والأحاديث الثلاثة ما يتعلق بالصداق وأنه لابد منه في النكاح. يقول ﷺ : «إياكم والدخول على النساء» هذا معناه التحذير من الدخول على النساء دون محرم الخلوة بالنساء، لأن ذلك من أسباب الفتنة، ووقوع الفاحشة؛ ولهذا في الحديث يقول ﷺ : «لا يَخْلُوَنَّ رَجُلٌ بِامْرَأَةٍ، فَإِنَّ الشَّيْطَانَ ثَالِثُهُمَا» (١)، وفي اللفظ الآخر: «لَا يَخْلُو رَجُلٌ بِامْرأةٍ إِلَاّ وَمَعَهَا ذُو مَحْرَمٍ» (٢)، فلا يجوز الخلوة بالمرأة، ولا الدخول على المرأة، التي ليس عندها أحد من محارمها؛ لأن ذلك يفضي إلى الفاحشة، والتهمة بها، فقيل: يا رسول اللَّه أفرأيت الحمو؟ قال: «الحمو الموت» (٣)، والحمو أخو الرجل الزوج، وعمه، وابن عمه، يقال له: حمو، يعني إذا خلا بزوجة أخيه، أو بزوجة عمه، كان الشيطان ثالثهما، فالواجب الحذر، وألا يدخل عليها إلا

стр. 630

ومعها ذو محرم، مما يزيل التهمة، فيحصل بذلك طمأنينة كعمها، أو أخيها، أو خالها، أو زوجته معه، أو زوجة أخيه هي المقصود لا يخلو بها حتى لا يقع الشر. حديث أنس أن النبي ﷺ أعتق صفية، وجعل عتقها صداقها، هذا يدل على أنه لا مانع من إعتاق الجارية، على أن يكون عتقها صداقها بدلاً من أن تكون سرِّية تكون زوجة، إذا كان عنده جارية مملوكة، وأعتقها، وجعل عتقها صداقها، فلا بأس، كما فعله النبي ﷺ مع صفية بنت حيي، فيقوم عِتقها مقام المهر المبذول لها، وتكون زوجة بدلاً من أن تكون سرِّية، ويشهد على ذلك، يكون ذلك بحضرة شاهدين، وبذلك تكون السُّرّيَّة زوجة له. في حديث سهل بن سعد الدلالة على (١) أنه (٢) يجوز للمرأة أن تهب نفسها للرجل، فإذا قبلها تزوجها الزواج الشرعي، لا بالهبة، بل بالزواج الشرعي، فإذا لم يقبلها فلا بأس، وإذا زوجها على غيره بإذنها، بواسطة وليها إن كان لها ولي جاز ذلك، وإذا لم يكن لها ولي؛ فإن وليها السلطان، وهو ولي الأمر، أو نائبه القاضي يزوجها على من ترضى، كما فعل النبي ﷺ بهذه المرأة. وفيه الدلالة على جواز لبس الخاتم من الحديد، وأنه لا حرج في ذلك، بل إن الأحاديث الواردة في ذلك في النهي عنه أحاديث شاذة غير

стр. 631

صحيحة (١)، وهذا هو الصواب، لا بأس من لبس الخاتم من الحديد للرجل والمرأة؛ لهذا الحديث الصحيح: «الْتَمِسْ وَلَوْ خَاتَماً مِنْ حَدِيدٍ». ويدل على جواز تزويج المرأة بتعليمها من القرآن إذا ما تيسر مال، يعلمها سورة من القرآن، أو سوراً من القرآن، أو آيات من القرآن، أو أحاديث، أو صنعة تنفعها، فتكون حلالاً له، وإن تيسر المال تزوجها بالمال، لقوله تعالى: ﴿أَن تَبْتَغُوا بِأَمْوَالِكُم﴾ (٢)؛ فإن لم يتيسر مال، أصدقها بتعليم آيات، أو سورة، أو سور من القرآن لهذا الحديث: «زوجتكها بما معك من القرآن»، وفي اللفظ الآخر: «فَعَلِّمْهَا مِنَ الْقُرْآنِ» (٣). وهذا من محاسن الشريعة، فإن النكاح خيره عظيم، ومصالحه كثيرة، إذا كان الرجل فقيراً جاز أن يتزوج بأن يُعلِّم المرأة ما ينفعها من القرآن أو السنة، أو الصنعات النافعة المفيدة. وفي حديث عبدالرحمن بن عوف الدلالة على أنه يجوز الصداق، ولو بالقليل، قال: «ما أصدقتها؟» قال: نواة من ذهب، قال:

стр. 632

«بارك اللَّه لك أولم ولو بشاة»، فدل هذا على أنه لا بأس أن يكون الصداق قليلاً، ولا يُشترط أن يكون كثيراً. وفي الحديث: أنه تُشرع الوليمة ولو بشاة, السُّنة في العرس أن يكون هناك وليمة شاة، أو شاتين، أو أكثر، لكن من دون تكلف، ولا إسراف، بل يصنع وليمة تلائم المقام، على حسب الحاجة للزوج، وأهل الزوج، ومن يشاركهم في الوليمة. وفيه الدعاء بالبركة «بارك اللَّه لك»، وفي الآخر: «بارك اللَّه لك وعليك وجمع بينكما بخير» (١)، [...] (٢).

стр. 633

١٠ - كتاب الطلاق ٣٢٣ - عن عبد اللَّه بن عمر ﵄، «أَنَّهُ طَلَّقَ امْرَأَتَهُ وَهِيَ حَائِضٌ، فَذَكَرَ ذَلِكَ عُمَرُ لِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ ، فَتَغَيَّظَ فيهِ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ ، ثُمَّ قَالَ: «لِيُرَاجِعْهَا، ثُمَّ يُمْسِكْهَا حَتَّى تَطْهُرَ، ثُمَّ تَحِيضَ فَتَطْهُرَ، فَإِنْ بَدَا لَهُ أَنْ يُطَلِّقَهَا فَلْيُطَلِّقْهَا طاهراً (١) قَبْلَ أَنْ يَمَسَّهَا، فَتِلْكَ الْعِدَّةُ، كَمَا أَمَرَ اللَّهُ » (٢). وفي لفظٍ «حَتَّى تَحِيضَ حَيْضَةً أخرى (٣) مُسْتَقْبَلَةً، سِوَى حَيْضَتِهَا الَّتِي طَلَّقَهَا فِيهَا» (٤). وفي لفظٍ، «فَحُسِبَتْ مِنْ طَلاقِهَا، وَرَاجَعَهَا عَبْدُ اللَّهِ بن عمر (٥) كَمَا أَمَرَهُ (٦) رَسُولُ اللَّهِ ﷺ » (٧). ٣٢٤ - عن فاطمة بنت قيس ﵂، «أَنَّ أَبَا عَمْرِو بْنَ حَفْصٍ طَلَّقَهَا الْبَتَّةَ، وَهُوَ غَائِبٌ ــ وفي روايةٍ: طَلَّقَهَا ثَلاثاً ــ فَأَرْسَلَ إلَيْهَا وَكِيلُهُ بِشَعِيرٍ،

стр. 634

فَسَخِطَتْهُ، فَقَالَ: وَاَللَّهِ مَا لَكِ عَلَيْنَا مِنْ شَيْءٍ، فَجَاءَتْ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ ، فَذَكَرَتْ ذَلِكَ لَهُ، فَقَالَ: «لَيْسَ لَكِ عَلَيْهِ نَفَقَةٌ» ــ وفي لفظٍ: «وَلا سُكْنَى» ــ فَأَمَرَهَا أَنْ تَعْتَدَّ فِي بَيْتِ أُمِّ شَرِيكٍ، ثُمَّ قَالَ: «تِلْكِ امْرَأَةٌ يَغْشَاهَا أَصْحَابِي، اعْتَدِّي عِنْدَ ابْنِ أُمِّ مَكْتُومٍ، فَإِنَّهُ رَجُلٌ أَعْمَى، تَضَعِينَ ثِيَابَكِ، فَإِذَا حَلَلْتِ فَآذِنِينِي» قَالَتْ: فَلَمَّا حَلَلْتُ ذَكَرْتُ لَهُ: أَنَّ مُعَاوِيَةَ بْنَ أَبِي سُفْيَانَ، وَأَبَا جَهْمٍ خَطَبَانِي. فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : «أَمَّا أَبُو جَهْمٍ: فَلا يَضَعُ عَصَاهُ عَنْ عَاتِقِهِ. وَأَمَّا مُعَاوِيَةُ: فَصُعْلُوكٌ لا مَالَ لَهُ. انْكِحِي أُسَامَةَ بْنَ زَيْدٍ» فَكَرِهْتُهُ، ثُمَّ قَالَ: «انْكِحِي أُسَامَةَ بْنَ زَيْدٍ» فَنَكَحْتُهُ، فَجَعَلَ اللَّهُ فِيهِ خَيْراً، وَاغْتَبَطْتُ (١)» (٢). ٩٢ - قال الشارح ﵀: هذان الحديثان في الطلاق، والطلاق: حلّ عقدة النكاح، والطلاق شرعه اللَّه لحل عقدة النكاح حتى لا تبقى المرأة غُلاً (٣) في عنق الزوج [...] (٤)، فاللَّه جل وعلا قد أباح له طلاقها، وهو تدخله الأحكام الخمسة: قد يُباح، قد يُستحب, قد يجب, قد يكره, قد يحرم، فتدخله الأحكام الخمسة.

стр. 635

فإذا دعت الحاجة إلى الطلاق لكونها ما ناسبته أُبيح له الطلاق، فإذا كان إمساكها يضره شُرِعَ له الطلاق، وإذا كان هناك أسباب تقتضي الطلاق كالإيلاء وعدم الفيئة، وجب عليه الطلاق حتى لا يضارّها، وإذا كانت في حيض، أو نفاس، أو طهر جامعها فيه حرم عليه الطلاق، حتى تكون في حالة حمل، أو في طهر لم يجامعها فيه، هذا هو الطلاق الشرعي، ويكره الطلاق إذا كان من غير حاجة، وبلا أسباب يكره. وفي هذا الحديث أن ابن عمر طلق امرأته وهي حائض، فغضب النبي ﷺ وتغيَّظ وأنكر عليه ذلك، وأمره أن يراجعها، ويمسكها حتى تطهر، ثم تحيض، ثم تطهر، ثم إذا شاء طلقها، وإن شاء أمسكها، هذا يبين لنا أنه لا يجوز لنا الطلاق في حال الحيض، وهكذا في النفاس، وهكذا في طهر جامعها فيه، ليس له أن يطلق. بل يطلق في حال الحمل، أو في طهر قبل أن يمسها، والحكمة في ذلك ــ واللَّه أعلم ــ أنها في حالة الحيض، وفي حال النفاس في حالة لا يجوز له جماعها، وقد يسهل عليه طلاقها، فمنع من ذلك، حتى لا يطلقها من غير بأس، وكذلك في طهر جامعها فيه، قد قضى شهوته، فقد يسهل عليه طلاقها بعد ذلك، فمُنع من ذلك، حفاظاً على الزوجيَّة، ورأفةً بالعباد، وقيل: لأنها إذا طُلقت في الحيض، أو النفاس، أو في طهر جامعها فيه طالت عليها العدة، والحكمة الأولى أظهر. وفي لفظ «فحسبت عليه تطليقة» جاء أن ابن عمر حسبها، ولم يحسبها النبي ﷺ إنما ابن عمر حسبها على نفسه.
следующие страницы →