← Шархи хадиса

Шархи хадиса · id 13282

الإفهام في شرح عمدة الأحكام

ابن باز

Полный текст (893 стр.). Показаны 631–670 · переход к 636.

стр. 631

صحيحة (١)، وهذا هو الصواب، لا بأس من لبس الخاتم من الحديد للرجل والمرأة؛ لهذا الحديث الصحيح: «الْتَمِسْ وَلَوْ خَاتَماً مِنْ حَدِيدٍ». ويدل على جواز تزويج المرأة بتعليمها من القرآن إذا ما تيسر مال، يعلمها سورة من القرآن، أو سوراً من القرآن، أو آيات من القرآن، أو أحاديث، أو صنعة تنفعها، فتكون حلالاً له، وإن تيسر المال تزوجها بالمال، لقوله تعالى: ﴿أَن تَبْتَغُوا بِأَمْوَالِكُم﴾ (٢)؛ فإن لم يتيسر مال، أصدقها بتعليم آيات، أو سورة، أو سور من القرآن لهذا الحديث: «زوجتكها بما معك من القرآن»، وفي اللفظ الآخر: «فَعَلِّمْهَا مِنَ الْقُرْآنِ» (٣). وهذا من محاسن الشريعة، فإن النكاح خيره عظيم، ومصالحه كثيرة، إذا كان الرجل فقيراً جاز أن يتزوج بأن يُعلِّم المرأة ما ينفعها من القرآن أو السنة، أو الصنعات النافعة المفيدة. وفي حديث عبدالرحمن بن عوف الدلالة على أنه يجوز الصداق، ولو بالقليل، قال: «ما أصدقتها؟» قال: نواة من ذهب، قال:

стр. 632

«بارك اللَّه لك أولم ولو بشاة»، فدل هذا على أنه لا بأس أن يكون الصداق قليلاً، ولا يُشترط أن يكون كثيراً. وفي الحديث: أنه تُشرع الوليمة ولو بشاة, السُّنة في العرس أن يكون هناك وليمة شاة، أو شاتين، أو أكثر، لكن من دون تكلف، ولا إسراف، بل يصنع وليمة تلائم المقام، على حسب الحاجة للزوج، وأهل الزوج، ومن يشاركهم في الوليمة. وفيه الدعاء بالبركة «بارك اللَّه لك»، وفي الآخر: «بارك اللَّه لك وعليك وجمع بينكما بخير» (١)، [...] (٢).

стр. 633

١٠ - كتاب الطلاق ٣٢٣ - عن عبد اللَّه بن عمر ﵄، «أَنَّهُ طَلَّقَ امْرَأَتَهُ وَهِيَ حَائِضٌ، فَذَكَرَ ذَلِكَ عُمَرُ لِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ ، فَتَغَيَّظَ فيهِ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ ، ثُمَّ قَالَ: «لِيُرَاجِعْهَا، ثُمَّ يُمْسِكْهَا حَتَّى تَطْهُرَ، ثُمَّ تَحِيضَ فَتَطْهُرَ، فَإِنْ بَدَا لَهُ أَنْ يُطَلِّقَهَا فَلْيُطَلِّقْهَا طاهراً (١) قَبْلَ أَنْ يَمَسَّهَا، فَتِلْكَ الْعِدَّةُ، كَمَا أَمَرَ اللَّهُ » (٢). وفي لفظٍ «حَتَّى تَحِيضَ حَيْضَةً أخرى (٣) مُسْتَقْبَلَةً، سِوَى حَيْضَتِهَا الَّتِي طَلَّقَهَا فِيهَا» (٤). وفي لفظٍ، «فَحُسِبَتْ مِنْ طَلاقِهَا، وَرَاجَعَهَا عَبْدُ اللَّهِ بن عمر (٥) كَمَا أَمَرَهُ (٦) رَسُولُ اللَّهِ ﷺ » (٧). ٣٢٤ - عن فاطمة بنت قيس ﵂، «أَنَّ أَبَا عَمْرِو بْنَ حَفْصٍ طَلَّقَهَا الْبَتَّةَ، وَهُوَ غَائِبٌ ــ وفي روايةٍ: طَلَّقَهَا ثَلاثاً ــ فَأَرْسَلَ إلَيْهَا وَكِيلُهُ بِشَعِيرٍ،

стр. 634

فَسَخِطَتْهُ، فَقَالَ: وَاَللَّهِ مَا لَكِ عَلَيْنَا مِنْ شَيْءٍ، فَجَاءَتْ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ ، فَذَكَرَتْ ذَلِكَ لَهُ، فَقَالَ: «لَيْسَ لَكِ عَلَيْهِ نَفَقَةٌ» ــ وفي لفظٍ: «وَلا سُكْنَى» ــ فَأَمَرَهَا أَنْ تَعْتَدَّ فِي بَيْتِ أُمِّ شَرِيكٍ، ثُمَّ قَالَ: «تِلْكِ امْرَأَةٌ يَغْشَاهَا أَصْحَابِي، اعْتَدِّي عِنْدَ ابْنِ أُمِّ مَكْتُومٍ، فَإِنَّهُ رَجُلٌ أَعْمَى، تَضَعِينَ ثِيَابَكِ، فَإِذَا حَلَلْتِ فَآذِنِينِي» قَالَتْ: فَلَمَّا حَلَلْتُ ذَكَرْتُ لَهُ: أَنَّ مُعَاوِيَةَ بْنَ أَبِي سُفْيَانَ، وَأَبَا جَهْمٍ خَطَبَانِي. فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : «أَمَّا أَبُو جَهْمٍ: فَلا يَضَعُ عَصَاهُ عَنْ عَاتِقِهِ. وَأَمَّا مُعَاوِيَةُ: فَصُعْلُوكٌ لا مَالَ لَهُ. انْكِحِي أُسَامَةَ بْنَ زَيْدٍ» فَكَرِهْتُهُ، ثُمَّ قَالَ: «انْكِحِي أُسَامَةَ بْنَ زَيْدٍ» فَنَكَحْتُهُ، فَجَعَلَ اللَّهُ فِيهِ خَيْراً، وَاغْتَبَطْتُ (١)» (٢). ٩٢ - قال الشارح ﵀: هذان الحديثان في الطلاق، والطلاق: حلّ عقدة النكاح، والطلاق شرعه اللَّه لحل عقدة النكاح حتى لا تبقى المرأة غُلاً (٣) في عنق الزوج [...] (٤)، فاللَّه جل وعلا قد أباح له طلاقها، وهو تدخله الأحكام الخمسة: قد يُباح، قد يُستحب, قد يجب, قد يكره, قد يحرم، فتدخله الأحكام الخمسة.

стр. 635

فإذا دعت الحاجة إلى الطلاق لكونها ما ناسبته أُبيح له الطلاق، فإذا كان إمساكها يضره شُرِعَ له الطلاق، وإذا كان هناك أسباب تقتضي الطلاق كالإيلاء وعدم الفيئة، وجب عليه الطلاق حتى لا يضارّها، وإذا كانت في حيض، أو نفاس، أو طهر جامعها فيه حرم عليه الطلاق، حتى تكون في حالة حمل، أو في طهر لم يجامعها فيه، هذا هو الطلاق الشرعي، ويكره الطلاق إذا كان من غير حاجة، وبلا أسباب يكره. وفي هذا الحديث أن ابن عمر طلق امرأته وهي حائض، فغضب النبي ﷺ وتغيَّظ وأنكر عليه ذلك، وأمره أن يراجعها، ويمسكها حتى تطهر، ثم تحيض، ثم تطهر، ثم إذا شاء طلقها، وإن شاء أمسكها، هذا يبين لنا أنه لا يجوز لنا الطلاق في حال الحيض، وهكذا في النفاس، وهكذا في طهر جامعها فيه، ليس له أن يطلق. بل يطلق في حال الحمل، أو في طهر قبل أن يمسها، والحكمة في ذلك ــ واللَّه أعلم ــ أنها في حالة الحيض، وفي حال النفاس في حالة لا يجوز له جماعها، وقد يسهل عليه طلاقها، فمنع من ذلك، حتى لا يطلقها من غير بأس، وكذلك في طهر جامعها فيه، قد قضى شهوته، فقد يسهل عليه طلاقها بعد ذلك، فمُنع من ذلك، حفاظاً على الزوجيَّة، ورأفةً بالعباد، وقيل: لأنها إذا طُلقت في الحيض، أو النفاس، أو في طهر جامعها فيه طالت عليها العدة، والحكمة الأولى أظهر. وفي لفظ «فحسبت عليه تطليقة» جاء أن ابن عمر حسبها، ولم يحسبها النبي ﷺ إنما ابن عمر حسبها على نفسه.

стр. 636

وظاهر الحديث: أنها لا تُحسب، لأن الرسول أنكر عليه، وقال: «أمسكها حتى تطهر، ثم تحيض، ثم تطهر ثم إن شاء طلقها بعد ذلك»، فدلّ ذلك على أن الطلقة الأولى لم تُحسب، وإنما تقع الطلقة بعد ذلك إذا طلقها بعد الطهر، قبل أن يمسها، هذا هو ظاهر الحديث؛ ولهذا في حديث [...] (١)، «فَرَدَّهَا عَلَيَّ وَلَمْ يَرَهَا شَيْئًا» (٢)، [...] (٣). فهذا الحديث فيه الدلالة على أنه لا يجوز أن يطلق زوجته في حالة كونها حائضاً، أو نفساء، ولا في حال كونها طاهرة طهراً قد جامعها فيه، هذه الأحوال الثلاث لا يطلق خلاف السنة، وإنما الطلاق الشرعي في حالين: إحداهما في حال الحمل، والثانية في حال طهرٍ لم يجامعها فيه. الحديث الثاني: حديث فاطمة بنت قيس القرشية الفهرية أن زوجها أبا عمرو بن حفص طلقها البتة وهو في اليمن طلقها ثلاثاً الطلقة الأخيرة، فأرسل إليها وكيله بشعير فسخطته، فاشتكت إلى النبي ﷺ ، فقال: «ليس لكِ عليه نفقة ولا سكنى»، فدل ذلك على أن المرأة إذا طُلقت طلقة أخيرة ثالثة بائنة لا يكون لها سكن، ولا نفقة على زوجها، وإنما لها النفقة، والسكنى إذا كانت رجعيَّة له رجعتها إذا طلقها واحدة، أو اثنتين، فله رجعتها، ولها النفقة حتى تعتدّ.

стр. 637

أما إذا طلقها الطلقة الأخيرة وهي بائنة، إذا أبانها: أي ليس له رجعة؛ فإنه لا نفقه لها ولا سكنى. وفيه من الفوائد: أنه لا مانع من الجلوس عند الأعمى غير متحجبة، لأنه قال: «اعتدّي عند ابن أم مكتوم، فإنه رجل أعمى، تضعين ثيابك» يعني لا يراك، فدلّ ذلك أنه لا حجاب عن الأعمى، إنما الحجاب عن البصير، ولهذا قال ﷺ : «إِنَّمَا الِاسْتِئْذَانُ مِنْ أَجْلِ الْبَصَرِ» (١)، أما حديث «أوعمياوان أنتما [...] (٢)» (٣)، فهو حديث شاذ غير صحيح، يخالف الأدلة الشرعية، والصواب أن الحجاب إنما يجب عن البصير لا عن الأعمى، كما في حديث فاطمة بنت قيس هذا، وهو من أصح الأحاديث عن النبي ﷺ .

стр. 638

٥٦ - باب العِدَّة ٣٢٥ - عن سُبَيْعَةَ الأَسْلَمِيَّةِ ﵂، أَنَّهَا كَانَتْ تَحْتَ سَعْدِ بْنِ خَوْلَةَ ــ وَهُوَ مِنْ (١) بَنِي عَامِرِ بْنِ لُؤَيٍّ ــ وَكَانَ مِمَّنْ شَهِدَ بَدْراً ــ فَتُوُفِّيَ عَنْهَا فِي حَجَّةِ الْوَدَاعِ، وَهِيَ حَامِلٌ، فَلَمْ تَنْشَبْ أَنْ وَضَعَتْ حَمْلَهَا بَعْدَ وَفَاتِهِ، فَلَمَّا تَعَلَّتْ مِنْ نِفَاسِهَا: تَجَمَّلَتْ لِلْخُطَّابِ. فَدَخَلَ عَلَيْهَا أَبُو السَّنَابِلِ بْنُ بَعْكَكٍ ــ رَجُلٌ مِنْ بَنِي عَبْدِ الدَّارِ ــ فَقَالَ لَهَا: مَا لِي أَرَاك مُتَجَمِّلَةً؟ لَعَلَّكِ تَرْجِينَ النِّكَاحَ، وَاَللَّهِ مَا أَنْتِ بِنَاكِحٍ حَتَّى تَمُرَّ عَلَيْك أَرْبَعَةُ أَشْهُرٍ وَعَشْرٌ، قَالَتْ سُبَيْعَةُ: فَلَمَّا قَالَ لِي ذَلِكَ، جَمَعْتُ عَلَيَّ ثِيَابِي حِينَ أَمْسَيْتُ، فَأَتَيْتُ رَسُولَ ﷺ ، فَسَأَلْتُهُ عَنْ ذَلِكَ؟ فَأَفْتَانِي بِأَنِّي قَدْ حَلَلْتُ حِينَ وَضَعْتُ حَمْلِي، وَأَمَرَنِي بِالتَّزْوِيجِ، إنْ بَدَا لِي». قال ابن شهاب: ولا أَرى بَاساً أَنْ تَتَزَوَّجَ حينَ وضَعَتْ، وإِنْ كَانَتْ في دَمِها، غَيْرَ أَنَّهُ (٢) لايَقْرَبُها زَوْجُها حتَّى تَطْهُرَ (٣). ٣٢٦ - عن زينب بنت أُمِّ سلمة ﵄ قالت: تُوُفِّيَ حَمِيمٌ لأُمِّ حَبِيبَةَ

стр. 639

، فَدَعَتْ بِصُفْرَةٍ، فَمَسَحَتْ (١) بِذِرَاعَيْهَا، فَقَالَتْ (٢): إنَّمَا أَصْنَعُ هَذَا لأَنِّي سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ: «لا يَحِلُّ لامْرَأَةٍ تُؤْمِنُ بِاَللَّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ، أَنْ تُحِدَّ عَلَى مَيِّتٍ (٣) فَوْقَ ثَلاثٍ، إلَاّ عَلَى زَوْجٍ أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ وَعَشْراً» (٤). (٥). ٣٢٧ - عن أم عطية ﵂، أن رسولَ اللَّه ﷺ قَال: «لا تُحِدُّ امْرَأَةٌ عَلَى مَيِّتِ فَوْقَ ثَلاثٍ، إلا عَلَى زَوْجٍ، أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ وَعَشْراً، وَلا تَلْبَسُ ثَوْباً مَصْبُوغاً، إلَاّ ثَوْبَ عَصْبٍ، وَلا تَكْتَحِلُ، وَلا تَمَسُّ طِيباً، إلَاّ إذَا طَهُرَتْ: نُبْذَةً مِنْ قُسْطٍ أَوْ أَظْفَارٍ» (٦). العَصْب: ثياب من اليمن، فيها بياض وسواد. والنبذة: الشيء اليسير. والقسط: العود، أو نوع من الطيب تُبَخَّر به النفساء. والأظفار: جنس من الطيب، لا واحد له من لفظه. وقيل: هو عطر أسود، القطعة منه تشبه الظُّفُر (٧).

стр. 640

٣٢٨ - وعن أم سلمة ﵂ قالت: «جَاءَتِ امْرَأَةٌ إلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ ، فَقَالَتْ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، إنَّ بْنَتِي (١) تُوُفِّيَ عَنْهَا زَوْجُهَا، وَقَدِ اشْتَكَتْ عَيْنَهَا، أَفَنُكَحِّلُهَا؟ فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : «لا» ــ مَرَّتَيْنِ، أَوْ ثَلاثَاً ــ كل ذلك يقول: «لا»، ثُمَّ قَالَ: «إنَّمَا هِيَ أَرْبَعَةُ أَشْهُرٍ وَعَشْرٌ، وَقَدْ كَانَتْ إحْدَاكُنَّ فِي الْجَاهِلِيَّةِ تَرْمِي بِالْبَعْرَةِ عَلَى رَاسِ الْحَوْلِ» فَقَالَتْ زَيْنَبُ: كَانَتِ الْمَرْأَةُ إذَا تُوُفِّيَ عَنْهَا زَوْجُهَا دَخَلَتْ حِفْشاً، وَلَبِسَتْ شَرَّ ثِيَابِهَا، وَلَمْ تَمَسَّ طِيباً وَلا شَيْئاً حَتَّى تَمُرَّ عليهَا (٢) سَنَةٌ، ثُمَّ تُؤْتَى بِدَابَّةٍ ــ حِمَارٍ، أَوْ طَيْرٍ، أَوْ شَاةٍ (٣) - فَتَفْتَض بِهِ. فَقَلَّمَا تَفْتَضُّ بِشَيْءٍ إلَاّ مَاتَ، ثُمَّ تَخْرُجُ، فَتُعْطَى بَعْرَةً فَتَرْمِي بِهَا، ثُمَّ تُرَاجِعُ بَعْدُ، مَا شَاءَتْ مِنْ طِيبٍ أَوْ غَيْرِهِ» (٤). الْحِفش: البيت الصغير الحقير (٥). و «تفتض» تدلك به جسدها.

стр. 641

٩٣ - قال الشارح ﵀: هذه الأحاديث الأربعة كلها تتعلق بالعدة: عدة الوفاة، بيّن النبي ﷺ في الحديث الأول: أن المرأة إذا كانت حاملاً ثم وضعت فإنها تخرج من العدة بوضع الحمل، ولو بعد وفاته بدقائق أو ساعات، لقوله جل وعلا: ﴿وَأُولَاتُ الْأَحْمَالِ أَجَلُهُنَّ أَنْ يَضَعْنَ حَمْلَهُنَّ﴾ (١)، فهذا يعمُّ المتوفى عنها، ويعمّ غيرها, ولها أن تتزوج متى شاءت بعد وضع الحمل، ولو في النفاس، لكن لا يقربها الزوج إذا تزوجت إلا بعد الطهر، وهكذا في الطلاق، إذا طلقها وهي حامل، ثم وضعت، خرجت من العدة، ولو بعد الطلاق بيوم أو يومين، ولها أن تتزوج بعد ذلك: كالمتوفى عنها؛ لأن وضع الحمل خروج من العدة. وفي حديث زينب عن أم سلمة، وحديث أم عطية، وحديث أم سلمة أيضاً الدلالة على أن المحادة، وهي المتوفى عنها زوجها، لا تمسُّ طيباً، ولا تكتحل، ولا تلبس جميل الثياب، حتى تخرج من العدة وبعد الإحداد، وهو ترك الزينة، والتجمل، والطيب، والكحل، حتى تخرج من العدة: عدة الوفاة، وهي أربعة أشهر وعشر، إلا إذا كانت حاملاً، فعدتها بوضع الحمل إذا وضعت، ولو بعد يوم أو يومين، أو ساعة خرجت من العدة، وليس لها أن تكتحل، ولا أن تمسّ طيباً، ولا أن تلبس جميل الثياب، ولا الحلي: الذهب والفضة

стр. 642

والماس، ونحو ذلك، لا تلبس شيئاً في أثناء العدة، أما غير الزوج: كالأخ، والعم، والأب، فلها أن تحد عليه ثلاثة أيام فقط، كما قال الرسول ﷺ : «لا تحدُّ امرأةٌ فوق ثلاث ليالٍ إلا على زوج» (١). فدل على أنه لا بأس أن تحد ثلاثة أيام على أبيها، أو أخيها بترك الزينة والطيب، ثلاثة أيام فأقل، ولمّا تُوفي أبو سفيان حادت عليه أم حبيبة زوجة النبي ﷺ ثلاثة أيام (٢)، وفي لفظ: «قريب لها» (٣)، فلما مضت ثلاثة الأيام جاءت بصفرة، ومسحت ذراعيها، وفي بعض الروايات: «طيب» (٤)، وقالت: إنها ليس لها حاجة إلا أنها تبيّن أنها ليس لها إحداد فوق ثلاثة أيام، فإذا مات أبوها، أو عمها، أو

стр. 643

أخوها، أو ولدها [حدّت عليه ثلاثة أيام إن شاءت] (١)، [والمحادة الحامل] (٢) تعتد مدة الحمل، ولو زادت على أربعة أشهر وعشر، فلا تلبس الجميل من الثياب، ولا الحلي، ولا تطيب، ولا تكتحل، حتى تنتهي من العدة، لكن لها أن تمسَّ البخور عند طهرها من الحيض إذا طهرت من الحيض [...] (٣) فلا بأس أن تتعاطى بعض البخور: من قسط (٤)، أو أظفار (٥)، أو عود، تفعل ذلك عند طهرها من الحيض فقط، وإذا أصابها وجع في العين لا تكتحل بجمال، ولكن تداويها، من باب الدواء: بصبر (٦) [...] (٧) تداوي عينها لا بأس، أما الكحل الذي هو للجمال لا تفعله ما دامت في العدة، لكن لها أن تداوى: تداوي عينها، تداوي بدنها [...] (٨) عند مرضها، ومن ذلك التقطير في العين، أو وضع الصبر في العين [...] (٩)، لا بأس بذلك من باب العلاج، أما تعاطي كحل الزينة، فلا، ما دامت في عدة الوفاة.

стр. 644

١١ - كتاب اللعان ٣٢٩ - عن عبد اللَّه بن عمر ﵄، «أَنَّ فُلانَ ابْنَ فُلانٍ، قَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، أَرَأَيْتَ (١) لَوْ وَجَدَ أَحَدُنَا امْرَأَتَهُ عَلَى فَاحِشَةٍ، كَيْفَ يَصْنَعُ؟ إنْ تَكَلَّمَ تَكَلَّمَ بِأَمْرٍ عَظِيمٍ، وَإِنْ سَكَتَ سَكَتَ عَلَى مِثْلِ ذَلِكَ. قَالَ: فَسَكَتَ النَّبِيُّ ﷺ ، فَلَمْ يُجِبْهُ، فَلَمَّا كَانَ بَعْدَ ذَلِكَ أَتَاهُ، فَقَالَ: إنَّ الَّذِي سَأَلْتُكَ عَنْهُ قَدِ ابْتُلِيتُ بِهِ، فَأَنْزَلَ اللَّهُ هَؤُلاءِ الآيَاتِ فِي سُورَةِ النُّورِ ﴿وَاَلَّذِينَ يَرْمُونَ أَزْوَاجَهُمْ﴾ (٢) فَتَلاهُنَّ عَلَيْهِ، وَوَعَظَهُ وَذَكَّرَهُ، وَأَخْبَرَهُ، أَنَّ عَذَابَ الدُّنْيَا أَهْوَنُ مِنْ عَذَابِ الآخِرَةِ، فَقَالَ: لا، وَاَلَّذِي بَعَثَكَ بِالْحَقِّ نبياً (٣)، مَا كَذَبْتُ عَلَيْهَا، ثُمَّ دَعَاهَا، وَوَعَظَهَا، وَأَخْبَرَهَا (٤)، أَنَّ عَذَابَ الدُّنْيَا أَهْوَنُ مِنْ عَذَابِ الآخِرَةِ، فَقَالَتْ (٥): لا، وَاَلَّذِي بَعَثَكَ بِالْحَقِّ، إنَّهُ لَكَاذِبٌ، فَبَدَأَ بِالرَّجُلِ، فَشَهِدَ أَرْبَعَ شَهَادَاتٍ بِاَللَّهِ إنَّهُ لَمِنَ الصَّادِقِينَ، وَالْخَامِسَةُ، أَنَّ لَعْنَةَ اللَّهِ عَلَيْهِ إنْ كَانَ مِنَ الْكَاذِبِينَ، ثُمَّ ثَنَّى بِالْمَرْأَةِ، فَشَهِدَتْ أَرْبَعَ شَهَادَاتٍ بِاَللَّهِ إنَّهُ لَمِنَ الْكَاذِبِينَ، وَالْخَامِسَةَ، أَنَّ غَضَبَ اللَّهِ عَلَيْهَا إنْ كَانَ مِنَ الصَّادِقِينَ، ثُمَّ فَرَّقَ بَيْنَهُمَا، ثُمَّ قَالَ: «اللَّهُ

стр. 645

يَعْلَمُ أَنَّ أَحَدَكُمَا كَاذِبٌ، فَهَلْ مِنْكُمَا تَائِبٌ؟ ــ ثَلاثاً ــ» (١). وفي لفظٍ «لا سَبِيلَ لَكَ عَلَيْهَا» فقَالَ (٢): يَا رَسُولَ اللَّهِ، مَالِي؟ قَالَ: «لا مَالَ لَكَ، إنْ كُنْتَ صَدَقْتَ عَلَيْهَا، فَهُوَ بِمَا اسْتَحْلَلْتَ مِنْ فَرْجِهَا، وَإِنْ كُنْتَ كَذَبْتَ عليها، فَهُوَ أَبْعَدُ لَكَ مِنْهَا» (٣). ٣٣٠ - وعنه ﵄، «أَنَّ رَجُلاً رَمَى امْرَأَتَهُ، وَانْتَفَى مِنْ وَلَدِهَا فِي زَمَانِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ ، فَأَمَرَهُمَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ ، فَتَلاعَنَا، كَمَا قَالَ اللَّه تَعَالَى، ثُمَّ قَضَى بِالْوَلَدِ لِلْمَرْأَةِ، وَفَرَّقَ بَيْنَ الْمُتَلاعِنَيْنِ» (٤). ٣٣١ - عن أبي هريرة ﵁ قال: «جَاءَ رَجُلٌ مِنْ بَنِي فَزَارَةَ إلَى النَّبِيِّ ﷺ ، فَقَالَ: إنَّ امْرَأَتِي وَلَدَتْ غُلاماً أَسْوَدَ، فَقَالَ النَّبِيُّ ﷺ : «هَلْ لَك إبِلٌ (٥)؟» قَالَ: نَعَمْ. قَالَ: «فَمَا أَلْوَانُهَا»؟ قَالَ: حُمْرٌ. قَالَ: «فَهَلْ (٦) فِيهَا مِنْ أَوْرَقَ؟» قَالَ: إنَّ فِيهَا لَوُرْقاً، قَالَ: «فَأَنَّى أَتَاهَا ذَلِكَ؟» قَالَ: عَسَى

стр. 646

أَنْ يَكُونَ نَزَعَهُ عِرْقٌ، قَالَ: «وَهَذَا، عَسَى أَنْ يَكُونَ نَزَعَهُ عِرْقٌ» (١). ٩٤ - قال الشارح ﵀: هذه الأحاديث الثلاثة الثابتة عن رسول اللَّه ﷺ تتعلق باللعان، واللعان مصدر لاعن يلاعن لعاناً وملاعنةً إذا لاعن زوجته بسبب تُهمتِه إيَّاها بالزنى، وهي: أن يشهد أربع شهادات أنها زانية، والخامسة أن لعنة اللَّه عليه إن كان كاذباً، ثم تشهد أربع شهادات هي باللَّه أنه كاذب، والخامسة أن عليها غضب اللَّه إن كان صادقاً، ثم يُفرق بينهما، فإذا ادَّعى الرجل عند الحاكم، أو القاضي: أنه رأى امرأته تزني، فهو بين أمرين: إما أن يُحضر شهوداً أربعة لذلك، ويسلم من حد القذف، ويثبت عليها الحد هي، وهو الرجم إذا كانت محصنة، وإما أن تُقرّ هي، إذا أقرت سلم من الحد: حد القذف [ورجمت] (٢) هي بإقرارها، وإن أنكرت ولم يكن عنده شهود، فهو بين أمرين: إمَّا أن يرضى بحد القذف إذا طلبت ذلك، وهو أن يجلد ثمانين جلدة عن قذفه لها. وإما أن يلاعنها كما قال جل وعلا: ﴿وَالَّذِينَ يَرْمُونَ أَزْوَاجَهُمْ

стр. 647

وَلَمْ يَكُنْ لَهُمْ شُهَدَاءُ إِلَّا أَنْفُسُهُمْ فَشَهَادَةُ أَحَدِهِمْ أَرْبَعُ شَهَادَاتٍ بِاللَّهِ إِنَّهُ لَمِنَ الصَّادِقِينَ * وَالْخَامِسَةُ أَنَّ لَعْنَتَ اللَّهِ عَلَيْهِ إِنْ كَانَ مِنَ الْكَاذِبِينَ * وَيَدْرَأُ عَنْهَا الْعَذَابَ أَنْ تَشْهَدَ أَرْبَعَ شَهَادَاتٍ بِاللَّهِ إِنَّهُ لَمِنَ الْكَاذِبِينَ * وَالْخَامِسَةَ أَنَّ غَضَبَ اللَّهِ عَلَيْهَا إِنْ كَانَ مِنَ الصَّادِقِينَ﴾ (١). هذا هو اللِّعَان، وقد حدث لبعض الأنصار ذلك، وحضر عند النبي ﷺ ، وسأله عن ذلك، قال: يا رسول اللَّه الرجل يرى مع امرأته رجلاً- يعني يزني بها- فماذا يفعل؟ إن تكلم تكلم بأمر عظيم، وإن سكت سكت على مثل ذلك، فسكت النبي ﷺ حتى جاءه الرجل مرة أخرى، وقال: إن الذي سألتك عنه قد ابتليت به، يعني قد وقعت فيه، فأنزل اللَّه الآيات من سورة النور: ﴿وَالَّذِينَ يَرْمُونَ أَزْوَاجَهُمْ وَلَمْ يَكُنْ لَهُمْ شُهَدَاءُ إِلَّا أَنْفُسُهُمْ﴾ الآيات، فأحضره النبي ﷺ ، وامرأته، ووعظهما، وذكرهما، وأخبرهما أن عذاب الدنيا أهون من عذاب الآخرة، لعلهما يرجعان، لعله يرجع عن قوله، أو هي ترجع وتقّر، فصمَّما على قولهما، فشهد الرجل أربع شهادات باللَّه أنه صادق، والخامسة أن لعنة اللَّه عليه إن كان كاذباً، وهي شهدت أربع شهادات أنه كاذب، والخامسة أن غضب اللَّه عليها إن كان صادقاً، فلما شهدا هذه الشهادات، فرق النبي ﷺ بينهما، وقال: «اللَّه يعلم أن أحدكما كاذب، فهل منكما تائب» حثهما على التوبة، فقال

стр. 648

الرجل: يا رسول اللَّه مالي، قال «لا مال لك» يعني المهر «إن كنت صادقاً - صدقت عليها - فهو بما استحللت من فرجها، وإن كنت كذبت عليها فهو أبعد لك منها»، فَفَرَّق بينهما النبي ﷺ ، ولم يعطه المهر: كالذي طلقها بعد الدخول، ليس له مهر، مهرها بما استحل من فرجها، وتحرم عليه أبداً، أبد الآباد، ما تحلّ له أبداً، ولو بعد زوج تحريماً مؤبداً. وهكذا حديث ابن عمر: في الذي لاعن امرأته وهي حامل: وانتفى من ولدها: فأمرهما النبي ﷺ بالملاعنة: وفرق بينهما: ونسب الولد إلى أمه: فإذا لاعنها على أن الولد ليس منه، وأنه من الزاني، ولاعنها على هذا، فإن الولد للأم ينسب إليها، ويكون بريئاً منه الزوج، وتقع الفرقة بينهما، فرقة مؤبدة إذا كان بينهما ولد، فيصرح بأنها زانية، وأن الولد ليس منه، فإذا كمل اللعان على هذا تمت الفرقة بينهما، وصار الولد لها، وبرئ من الولد؛ لأنه قذفها بالزنى، ولاعنها, وليس عنده بينة ولم تقر، فهذا هو اللعان. وفي الحديث الثالث: أن رجلاً قال: يا رسول اللَّه إن امرأتي ولدت غلاماً أسود، وهو يعرِّض بأن ينفيه، يستنكر، استنكره، يعني [...] (١) الزوج والزوجة ليسا بأسودين، فجاء الولد أسود فاستنكره، وهو يُعرِّض بأن ينفيه ويتبرأ منه، فقال له النبي ﷺ : «هل لك من إبل» قال: نعم. قال: «فما ألوانها» قال: حمر. قال: «فهل فيها من أورق» يعني أسود، قال: إن فيها

стр. 649

لورقاً، يعني فيها جماعة ورق: سود، وأمهاتها وآباؤها حمر، قال: «فأنى أتاها ذلك؟!». قال لعله نزعه عرق، لعل في إبلنا السابقة شيء أسود، فنزع هذا الولد, فقال النبي ﷺ : «لعل ولدك هذا نزعه عرق» يعني ما ينفَى الولد من أجل اللون، فهذا صار على جد له قديم، أو خال، أو عم، أو عم عم، قد يُنزع الولد إلى بعض أقربائه في الشبه من أجداده، أو أعمامه، فإذا كان اللون غير لون الزوج ما يقذفها ولا يلاعنها من أجل هذا، فاللون قد يتغير، قد يكون لون الولد على غير لون أبيه، وقد كان زيد بن حارثة أبيض، وأُسامة بن زيد أسود ما كان على لون أبيه، وهذا يقع كثيراً، يكون لون الأب غير لون الولد، وغير لون الأم، فلا يُوجِبُ هذا التهمة، ولا يوجب لعاناً كما بينه النبي ﷺ : «لعله نزعه عرق ...» (١). ٣٣٢ - عن عائشة ﵂ (٢) قالت: «اخْتَصَمَ سَعْدُ بْنُ أَبِي وَقَّاصٍ، وَعَبْدُ بْنُ زَمْعَةَ فِي غُلامٍ، فَقَالَ سَعْدٌ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، هَذَا ابْنُ أَخِي عُتْبَةَ بْنِ أَبِي وَقَّاصٍ، عَهِدَ إلَيَّ، أَنَّهُ ابْنُهُ، اُنْظُرْ إلَى شَبَهِهِ، وَقَالَ عَبْدُ بْنُ زَمْعَةَ: هَذَا أَخِي يَا رَسُولَ اللَّهِ، وُلِدَ عَلَى فِرَاشِ أَبِي مِنْ وَلِيدَتِهِ، فَنَظَرَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ إلَى شَبَهِهِ، فَرَأَى شَبَهًا بَيِّنًا بِعُتْبَةَ، فَقَالَ: «هُوَ لَك يَا عَبْدُ بْنَ زَمْعَةَ، الْوَلَدُ لِلْفِرَاشِ، وَلِلْعَاهِرِ الْحَجَرُ، وَاحْتَجِبِي مِنْهُ يَا سَوْدَةُ، فَلَمْ يَرَ

стр. 650

(١) سَوْدَةَ قَطُّ» (٢). ٣٣٣ - عن عائشة لأنها قالت: إنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ دَخَلَ عَلَيَّ مَسْرُوراً، تَبْرُقُ أَسَارِيرُ وَجْهِهِ، فَقَالَ: «أَلَمْ تَرَيْ؟ أَنَّ مُجَزِّزاً نَظَرَ آنِفاً إلَى زَيْدِ بْنِ حَارِثَةَ، وَأُسَامَةَ بْنِ زَيْدٍ، فَقَالَ: إنَّ بَعْضَ هَذِهِ الأَقْدَامِ لَمِنْ بَعْضٍ» (٣). وفي لفظٍ «وَ (٤) كَانَ مُجَزِّزٌ قَائِفاً» (٥). ٣٣٤ - عن أبي سعيد الخُدْرِي ﵁ قال: ذُكِرَ الْعَزْلُ لِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ ، فَقَالَ: «وَلِمَ يَفْعَلُ (٦) أَحَدُكُمْ؟» وَلَمْ يَقُلْ: فَلا يَفْعَلْ ذَلِكَ أَحَدُكُمْ ــ «فَإِنَّهُ لَيْسَتْ نَفْسٌ مَخْلُوقَةٌ إلَاّ اللَّهُ خَالِقُهَا» (٧).

стр. 651

٩٥ - قال الشارح ﵀: هذه الأحاديث الصحيحة الثابتة .. الحديث الأول: في قصة عبد بن زمعة، وسعد بن أبي وقاص بفي قصة ابن زمعة، فيها أن سعداً ادّعى أنه ابن أخيه عتبة من وليدة زمعة، وأن أخاه اعتدى عليها، وجامعها، فهو ولده, وقال عبد: إنه أخوه، ولد على فراش أبيه من وليدته، فحكم بينهما النبي ﷺ بأنه لعبد بن زمعة، يعني بأنه ولدٌ لابن زمعة، وقال: «الْوَلَدُ لِلْفِرَاشِ، وَلِلْعَاهِرِ الْحَجَرُ»، مع وجود الشبه البيّن في عتبة، فدلّ ذلك على أن المولود على فراش الزوج من زوجته، أو من سُرّيته، فهو له، ولو وطئت، ولو زنى بها أحد، ولو صار الشبه للثاني، فلا عبرة بوطء الزنى، ولا بالشبه بالزاني، فصاحب الفراش أحق به، وهو ولده، سواء شابهه، أو لم يشبهه، وهذا يدل على أن الفراش بينةٌ قوية، لا تعارض بالشبه، ولا تلحق بالزنى! الزاني ظالم معتد، ليس له إلا العقوبة، وليس له النسب، صاحب الفراش هو الأحق بالنسب مطلقاً، ومع هذا قضى النبي ﷺ أن سودة لا تكشف له من أجل الشبه، هذا حكم بينهم كما قال بعض أهل العلم راعى الحكم الشرعي اللازم وقضى به، وأمر سودة بأمر احتياطي درءاً للشبهة، قال: «احتجبي عنه يا سودة»؛ للشبه البيِّن في عتبة؛ فهذا فيه تنفيذ الأحكام اللازمة، والعمل بالحيطة

стр. 652

في مسائل الاشتباه وأمهات المؤمنين لهن شأن في وجوب الحفاظ على حرمتهن، وبعدهن عن أسباب الرِّيب وعن كل ما قد يتنزه عنه؛ لأنهن خير النساء، وأكمل النساء مع النساء اللاتي فضلن: كمريم، وفاطمة، وآسية ابنة مزاحم، فعائشة من جملة النساء المفضلات، وهي من أُمهات المؤمنين [وقديرة إلى ذلك] (١) فالحاصل أنهن خيرة النساء ولهن من الحيطة ما هو أكمل من غيرهن. والحديث الثاني: حديث مُجَزِّز فيه: أن الشبه يعتبر إذا لم يكن هناك بينة، الذي معه بينة، أو الفراش، فلا يُلتفت إليه، فالفراش مقدم، وهكذا البينة، العادلة، فاثنان فأكثر في إثبات النسب مقدمة. فإذا لم يكن بينة، ولا فراش استعمل الشبه، وأُخذ به، لئلا تضيع الأنساب، ومما يدل على اعتبار الشبه حديث عبد بن زمعة كما تقدم؛ فإن النبي راعاه في قصة سودة، وراعاه في قصة أسامة بن زيد، وأبيه؛ فإنه كان مما يقال فيه شيء؛ لأنه أسود، وأبوه أبيض، وإن كان النسب ثابتاً، لكن لما قال مجزز: إن هذه الأقدام بعضها من بعض، كان هذا مما يؤيد ما وقع من الحكم الشرعي، وأن السواد والبياض لا يؤثر شيئاً في النسب، اختلاف اللون لا يؤثر، وتقدم قصة الرجل الذي ولدت امرأته غلاماً أسود، وهو يعرِّض بأن ينفيه، فقال له النبي ﷺ : «هل لك من إبل؟» قال: نعم. فقال: «ما ألوانها؟»، فقال: حمر. قال: «فهل فيها من أورق؟»، قال: نعم، إن فيها لوُرقاً، قال: «فأنى أتاها

стр. 653

ذلك؟» قال: لعله نزعها عرق، قال: «فلعل ولدك هذا نزعه عرق»، وهو السواد، فهكذا مسألة أسامة وأبيه، نسبهما ثابت، ولكن كلام مجزز مما يؤيد الحكم الشرعي، ومما يبطل شبهة المشبِّهين، والملبِّسين، والشاكِّين، قال: إن هذه الأقدام بعضها من بعض، كانا مستورَين، وقد بدت أقدامهما، فلما رأى الأقدام مجزز قال: إن هذه الأقدام بعضها من بعض، فسُرّ النبي بهذا ﵊. كذلك حديث أبي سعيد في العزل، فحديث أبي سعيد يدل على أن العزل لا يمنع ما أمر اللَّه بقضائه من النفوس، فقال: «فَإِنَّهُ لَيْسَتْ نَفْسٌ مَخْلُوقَةٌ إلَاّ اللَّهُ خَالِقُهَا»، ولهذا قال: «وَلِمَ يَفْعَلُ أَحَدُكُمْ ذلك؟» يعني أن قدر اللَّه ماضٍ، ولكنهم يفعلونه من باب تعاطي الأسباب في عدم النسل في ذلك الوقت، أو تأجيله، أو من جهة المرأة، فلم ينههم، لم يقل لا يفعل. وأقرهم النبي ﷺ على العزل، فدل على جوازه، ولكن يظهر من كلامه ﷺ أن تركه أفضل؛ لأنه يَحرِمُ لذَّة الجماع على التمام، فينبغي تركه، إلا إذا دعت الحاجة إليه، فلا بأس، والعزل معناه: أنه إذا جامع المرأة، وأحس بخروج المني أخرج ذكره، وألقى منيه خارجاً، حتى لا تحمل، وغالب ما يُفعل هذا في الجواري، يخشون أن تحمل، حتى يمتنع بيعهن، قد يريد بيعها، فإذا ولدت امتنع من بيعها، فغالب ما يفعله الناس مع الجواري المملوكات، وقد يفعلونه مع الحرة لأسباب: إما لمرضها، أو لكثرة أولادها؛ أو لأنه يرغب فراقها، أو ما أشبه ذلك من

стр. 654

الأسباب، فتركه أولى، وإن فعله فلا حرج للمصلحة. ٣٣٥ - عن جابر بن عبد اللَّه ﵄ قال: «كُنَّا نَعْزِلُ وَالْقُرْآنُ يَنْزِلُ» (١). قَالَ سُفْيَان (٢): «لَوْ كَانَ شَيْئاً يُنْهَى عَنْهُ، لَنَهَانَا عَنْهُ الْقُرْآنُ» (٣). ٣٣٦ - عن أبي ذَرٍّ ﵁: أنه سمع رسولَ اللَّه ﷺ يقول: «لَيْسَ مِنْ رَجُلٍ ادَّعَى لِغَيْرِ أَبِيهِ وَهُوَ يَعْلَمُهُ، إلَاّ كَفَرَ، وَمَنِ ادَّعَى مَا لَيْسَ لَهُ فَلَيْسَ مِنَّا، وَلْيَتَبَوَّا مَقْعَدَهُ مِنَ النَّارِ، وَمَنْ دَعَا رَجُلاً بِالْكُفْرِ، أَوْ قَالَ: يا عَدُوَّ اللَّهِ (٤)، وَلَيْسَ كَذَلِكَ إلَاّ حَارَ عَلَيْهِ». كذا عند مسلم، وللبخاري نحوه (٥). و «حار» بمعنى رجع (٦).

стр. 655

٩٦ - قال الشارح ﵀: هذه الأحاديث فيما يتعلق بالعزل عن المرأة وفي مسائل أخرى. تقدم حديث أبي سعيد ﵁ عن النبي ﷺ أنه قال لما ذكروا له العزل قال: «لم يفعل أحدكم ذلك؟» ولم يقل: (فلا يفعل أحدكم ذلك) ثم قال: «إِنَّهُ لَيْسَ نَفْسٌ مَخْلُوقَةٌ إلَاّ اللَّهُ خَالِقُهَا» (١)، ويقول جابر ﵁: «كنا نعزل والقرآن ينزل ولو كان شيئاً يُنهى عنه ــ أي العزل ــ لنهانا عنه القرآن». وفي لفظ لمسلم: فبلغ ذلك النبي ﷺ فلم ينهنا, هذا يدل على أنه لا بأس بالعزل، إذا رأوا مصلحة في ذلك، بإذن المرأة الحرة، ولا بأس أن يعزل عن جاريته مملوكته، وهو إخراج ذكره عند الإحساس بنزول المني، حتى يقذفه في الخارج، لئلا تحمل، هذا هو العزل، كونه ينزع ذكره من فرجها عند الإحساس بخروج المني حتى يلقيه خارج الفرج؛ كراهة أن تحمل لأسباب توجب ذلك، فإذا كانت الزوجة راضية بذلك، أو كان العزل عن مملوكته فلا بأس، وتَرْكُه أفضل؛ ولهذا قال ﷺ : «لم يفعل أحدكم ذلك؟؛ فإنه ليس من نفس مخلوقة إلا اللَّه خالقها»، يعني ما كتب اللَّه أنه يقع يقع، وهو من جملة الأسباب لعدم الحمل، لكن اللَّه إذا أراد الحمل يسر ذلك،

стр. 656

إما بسبق المني، ولا يستطيع إخراجه؛ لأنه سبقه، ونزل، أو سبق بعضه؛ لأن الولد ليس من كل المني، بل من بعض المني؛ فإذا أراد اللَّه وقوع الولد، والحمل سبق المني، أو سبق بعض المني، فكان الحمل، فليس من كل المني يكون الحمل، بل من بعضه. ومن ذلك تعاطي الحبوب المانعة من الحمل، إذا كان لحاجة، ومصلحة، أو إبر تمنع للحاجة، للمصلحة، إذا كانت المرأة مريضة، أو يضرها الحمل، أو معها صبية صغار كثيرون، يشق عليها التربية، فتريد أن تمنع الحمل إلى وقت آخر، كسنة أو سنتين، حتى تستطيع أن تربي أولادها، أو حتى تبرأ من المرض، فلا بأس بذلك: كالعزل. أما حديث أبي ذر ﵁، فيقول فيه النبي ﷺ : «لَيْسَ مِنْ رَجُلٍ يدَّعي لِغَيْرِ أَبِيهِ وَهُوَ يَعْلَمُهُ، إلَاّ كَفَرَ» ما يجوز للإنسان أن يقول: أنا ولد فلان، وهو يكذب ما يحل له أن ينتسب لغير أبيه، بل يجب عليه أن ينتسب إلى أبيه، رضي أو كره، ولو كان أبوه كافراً، ولو كان أبوه فاسقاً، فيجب عليه أن يقول: أنا ولد فلان ﴿وَلَا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى﴾ (١)، ولو كان أبوه كافراً، أو عاصياً، فذنبه عليه، ولا يحل له أن ينتسب إلى غير أبيه، هذا من المحرمات ومن الكبائر،. قوله: «إلا كفر» يعني كفراً دون كفر، كفراً أصغر، إذا لم يستحل ذلك، أما إذا استحل ذلك، وجعله أن اللَّه ما حرمه يكون كفراً أكبر، نسأل اللَّه

стр. 657

العافية، وهكذا ليس له أن ينتسب إلى غير مواليه، أو إلى غير قبيلته، ولا إلى غير من أعتقه، لما جاء من النهي عن ذلك وتحريم ذلك. ويقول ﷺ : «مَنِ ادَّعَى مَا لَيْسَ لَهُ فَلَيْسَ مِنَّا، وَلْيَتَبَوَّا مَقْعَدَهُ مِنَ النَّارِ» (١) هذا فيه تحذير من الدعاوى الباطلة، وفي الحديث الآخر: «مَنِ ادَّعَى دَعْوَى يَستَكَثر منهَا , لَمْ يَزِدْهُ اللَّهُ إِلَّا قِلَّة» (٢)، وفي اللفظ الآخر: «مَنِ ادَّعَى مَا لَيْسَ لَهُ فَلْيَتَبَوَّا مَقْعَدَهُ مِنَ النَّارِ» (٣). فليس للإنسان أن يخاصم في شيء لا حق له فيه، يدعي هذا ظلماً بغير حق، في أرض ما له فيها حق، في ميراث ما له فيه حق، في غير ذلك، ليس له أن يدعي في شيء يعلم أنه لا حق له فيه، وهذا من كبائر الذنوب, ولهذا قال ﷺ : «مَنِ ادَّعَى مَا لَيْسَ لَهُ فَلَيْسَ مِنَّا، وَلْيَتَبَوَّا مَقْعَدَهُ مِنَ النَّارِ» (٤). والمسألة الثالثة: قال: «ومن قال لأخيه: يا عدو اللَّه. أو يا كافر.

стр. 658

وليس كذلك إلا باء بها أحدهما». إذا قال لأخيه: يا عدو اللَّه. أو يا كافر. أو يا فاجر؛ فإنها ترجع عليه، ويكون هو الأولى بهذه الكلمة، إن كان المقول له ليس أهلاً لذلك، فالواجب الحذر إذا قال: يا عدو اللَّه، أو: يا كافر، أو: يا فاجر، أو: يا خبيث، وهو ليس كذلك بريءٌ مما قال، رجعت كلماته عليه وصار إثمه عليه. فينبغي للمؤمن أن يصون لسانه، وأن يحفظ لسانه إلا من الخير، ولهذا قال ﵊ في الحديث الصحيح: «مَنْ كَانَ يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ فَلْيَقُلْ خَيْرًا، أَوْ لِيَصْمُتْ» (١)، العاقل الحازم القوي الإيمان يحفظ لسانه، ويصون لسانه إلا من الخير.

стр. 659

١٢ - كتاب الرضَاع ٣٣٧ - عن ابن عباس ﵄ قال: «قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ فِي بِنْتِ حَمْزَةَ: «لاتَحِلُّ لِي، يَحْرُمُ مِنَ الرَّضَاعِ مَا يَحْرُمُ مِنَ النَّسَبِ، وَهِيَ ابْنَةُ أَخِي مِنَ الرَّضَاعَةِ» (١). ٣٣٨ - عن عائشة ﵂ قالت: قال رسولُ اللَّه ﷺ : «إنَّ الرَّضَاعَةَ تُحَرِّمُ مَا يَحْرُمُ مِنَ الْوِلادَةِ» (٢). ٣٣٩ - وعنها قالت: «إنَّ أَفْلَحَ أَخَا أَبِي الْقُعَيْسِ، اسْتَاذَنَ عَلَيَّ بَعْدَمَا أُنْزِلَ الْحِجَابُ، فَقُلْت: وَاَللَّهِ لا آذَنُ لَهُ، حَتَّى أَسْتَاذِنَ النَّبِيَّ ﷺ (٣)، فَإِنَّ أَخَا أَبِي الْقُعَيْسِ لَيْسَ هُوَ أَرْضَعَنِي، وَلَكِنْ أَرْضَعَتْنِي امْرَأَةُ أَبِي الْقُعَيْسِ، فَدَخَلَ عَلَيَّ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ ، فَقُلْت: يَا رَسُولَ اللَّهِ، إنَّ الرَّجُلَ لَيْسَ هُوَ أَرْضَعَنِي، وَلَكِنْ أَرْضَعَتْنِي امْرَأَتُهُ، فَقَالَ: «ائْذَنِي لَهُ، فَإِنَّهُ عَمُّك، تَرِبَتْ يَمِينُك». قَال عروة بن الزبير (٤): فَبِذَلِكَ كَانَتْ عَائِشَةُ تَقُولُ: حَرِّمُوا مِنَ الرَّضَاع (٥)

стр. 660

مَا يَحْرُمُ مِنَ النَّسَبِ (١). وفي لفظٍ، اسْتَاذَنَ عَلَيَّ أَفْلَحُ، فَلَمْ آذَنْ لَهُ، فَقَالَ: أَتَحْتَجِبِينَ مِنِّي، وَأَنَا عَمُّك؟ فَقُلْت: كَيْفَ (٢) ذَلِكَ؟ قَالَ: أَرْضَعَتْك امْرَأَةُ أَخِي بِلَبَنِ أَخِي، قَالَتْ: فَسَأَلْت رَسُولَ اللَّهِ ﷺ ؟ فَقَالَ: «صَدَقَ أَفْلَحُ، ائْذَنِي لَهُ، تَرِبَتْ (٣) يَمِينُك» (٤). (٥) ٩٧ - قال الشارح ﵀: هذه الأحاديث فيما يتعلق بالرضاع، والرضاعة: هي مصُّ الطفل للثدي، أو ما يقوم مقام ذلك في حال الحولين، قبل أن يُفطَم، هذه يقال لها رضاعة، حكمها حكم النسب في التحريم والخلوة، لما ثبت عن النبي ﵊ أنه قال: «يحرم من الرضاع ما يحرم من

стр. 661

النسب» (١)، وأصله في كتاب اللَّه , قال اللَّه سبحانه في المحرمات: ﴿وَأُمَّهَاتُكُمُ اللَّاتِي أَرْضَعْنَكُمْ وَأَخَوَاتُكُم مِّنَ الرَّضَاعَةِ﴾ (٢)، فذكر سبحانه صنفين من الأمهات والأخوات، وجاءت السنة بالأصناف الأخرى: «... يحرم من الرضاع ما يحرم من النسب» (٣)، فيدخل في ذلك: البنات، والعمات، والخالات، وبنات الأخ، وبنات الأخت، وزوجة الأب، وزوجة الجد، وزوجة الابن، وزوجة أبناء البنين، وزوجة أبناء البنات، كلهم داخلون في الرضاع كالنسب؛ ولهذا لما قيل له ﷺ : ألا تنكح ابنة حمزة بنت عمه حمزة بن عبدالمطلب؟ قال: «إنها ابنة أخي من الرضاعة» (٤)، يحرم من الرضاعة ما يحرم من النسب, عمه حمزة كان أخاً له من الرضاعة وبيّن الرسول ﷺ أن ابنته لا تحل له، لأنها ابنة أخيه من الرضاعة. وهكذا حديث عائشة في قصة أفلح أخي أبي القعيس كانت عائشة ارتضعت من زوجة أبي القعيس، فاستأذن عليها أخوه: عمها وهو أفلح فلم تأذن له؛ لأنها تظن أن هذا الرضاع لا يؤثر، قالت:

стр. 662

إنما أرضعتني امرأة أبي القعيس: ولم يرضعني الرجل، فبيّن الرسول ﷺ أن الرضاعة كالنسب، وأن أبا القعيس يكون أباً لها من الرضاع، وأن أخاه عم لها من الرضاع كالنسب، فدل ذلك على أن الرضاع يحرم من جهة الفحل، ومن جهة الأنثى، فالفحل وهو الزوج، يكون أباً، وآباؤه أجداداً، وإخوته أعماماً، وأخواته عمات، وأمه جدة، وأخواتها خالاتها، وهكذا كالنسب، وهكذا المرأة تكون أُمّاً للرضيع، وإخوتها الذكور والإناث: أخوال وخالات الرضيع إلى آخره من النسب، ولهذا قال: «ائذني له؛ فإنه عمك تربت يمينك» (١)، وبذلك يظهر معنى يحرم من الرضاع ما يحرم من النسب، وإذا سُقِيَ اللبن بالرضاعة لبن المرأة فهو كالرضاع: كالذي ارتضعه، سُقي منه خمس مرات، كل مرة تصل إلى جوفه كالرضاع، وهكذا إذا حلبت في فمه ولم يمصَّه، لِعلِّةٍ من العلل، حتى كمَّل خمس رضعات أو أكثر، فالمقصود أنه إذا وصله اللبن إليه من المرأة في حال الحولين، خمس مرات فأكثر، كل مرة مستقلة، يصل فيها اللبن إلى جوفه، يكون له حكم الرضاع إذا بلغ خمساً فأكثر في حال الحولين، تكون أُماً له، وصاحب اللبن الزوج أو السيد أباً له، والفروع: معروف: من الأخوة وغيرهم كالنسب سواء.

стр. 663

٣٤٠ - وعنها ﵂ قالت: «دَخَلَ عَلَيَّ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ (١): وَعِنْدِي رَجُلٌ، فَقَالَ: «يَا عَائِشَةُ، مَنْ هَذَا»؟ قُلْت: أَخِي مِنَ الرَّضَاعَةِ، فَقَالَ: «يَا عَائِشَةُ، اُنْظُرْنَ مَنْ إخْوَانُكُنَّ؟ فَإِنَّمَا الرَّضَاعَةُ مِنَ الْمَجَاعَةِ» (٢). ٣٤١ - عن عقبة بن الحارث ﵁، «أَنَّهُ تَزَوَّجَ (٣) أُمَّ يَحْيَى بِنْتَ أَبِي إهَابٍ، فَجَاءَتْ أَمَةٌ سَوْدَاءُ فَقَالَتْ: قَدْ أَرْضَعْتُكُمَا، فَذَكَرْتُ ذَلِكَ لِلنَّبِيِّ ﷺ ، قَالَ (٤): فَأَعْرَضَ عَنِّي، قَالَ (٥): فَتَنَحَّيْتُ، فَذَكَرْتُ ذَلِكَ لَهُ، فقَالَ (٦): «وكَيْفَ؟ وَقَدْ زَعَمَتْ أَنْ قَدْ أَرْضَعَتْكُمَا فنهاه عنها (٧)» (٨). ٣٤٢ - عن البَراء بن عازِب ﵄ قال: «خَرَجَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ ــ

стр. 664

يَعْنِي مِنْ مَكَّةَ ــ فَتَبِعَتْهُمُ ابْنَةُ حَمْزَةَ، تُنَادِي: يَا عَمُّ، يا عم (١)، فَتَنَاوَلَهَا عَلِيٌّ، فَأَخَذَ بِيَدِهَا، وَقَالَ لِفَاطِمَةَ: دُونَكِ ابْنَةَ عَمِّك، فَاحْتَمَلَتْهَا (٢)، فَاخْتَصَمَ فِيهَا عَلِيٌّ، وَزَيْدٌ، وَجَعْفَرٌ فَقَالَ عَلِيٌّ: أَنَا أَحَقُّ بِهَا، وَهِيَ ابْنَةُ عَمِّي، وَقَالَ جَعْفَرٌ: ابْنَةُ عَمِّي، وَخَالَتُهَا تَحْتِي، وَقَالَ زَيْدٌ: بْنَتُ (٣) أَخِي، فَقَضَى بِهَا النبي ﷺ لِخَالَتِهَا، وَقَالَ: «الْخَالَةُ بِمَنْزِلَةِ الأُمِّ» وَقَالَ لِعَلِيٍّ: «أَنْتَ مِنِّي، وَأَنَا مِنْك» وَقَالَ لِجَعْفَرٍ: «أَشْبَهْتَ خَلْقِي وَخُلُقِي» وَقَالَ لِزَيْدٍ: «أَنْتَ أَخُونَا وَمَوْلانَا» (٤). ٩٨ - قال الشارح ﵀: هذه الأحاديث الثلاثة كلها تتعلق بالرضاع، وتقدم أن الرضاع كالنسب فيما يتعلق بالمحرمية، والخلوة بالمرأة، والسفر بها، ونحو ذلك. كالنسب، تحرم كما قال ﷺ : «يحرم من الرضاع ما يحرم من النسب» (٥)، في حق الرجل والمرأة جميعاً، من جهة الرجل، ومن

стр. 665

جهة المرأة. في هذا الحديث: حديث عائشة أن الرسول ﷺ رأى عندها رجلاً، فقال: «من هذا يا عائشة؟» قالت: أخي من الرضاعة. قال: «يا عائشة انظرن من إخوانكن، فإنما الرضاعة من المجاعة»، أي إنما الرضاعة تعتبر من المجاعة في حال حاجة الطفل إلى الرضاعة، وذلك في الحولين، فإذا جاوز الحولين، فقد استغنى عن الرضاعة، وصار في الغالب يأكل، ويعيش بغير الرضاعة، ولهذا في الحديث الآخر يقول ﷺ : «لا رضاع إلا في الحولين» (١)، وفي اللفظ الآخر: «لا رضاع إلا ما فتق الأمعاء، وكان قبل الفَطَام» (٢).

стр. 666

والرضاع الشرعي الذي يحصل به التحريم هو ما كان في الحولين، قبل أن يُفطم؛ لهذا الحديث الصحيح: «إنما الرضاعة من المجاعة»، والأحاديث: «لا رضاع إلا في الحولين» , «لا رضاع إلا ما فتق الأمعاء وكان قبل الفطام»، والواجب التثبت في الرضاع, وأن لا يتساهل الرجل والمرأة في ذلك إلا بعد ثبوت الرضاعة، والتأكد من وجود الرضاع الشرعي، الذي يحصل به التحريم، وذلك بأمرين: أحدهما: أن يكون في الحولين. الأمر الثاني: أن يكون خمس رضعات فأكثر، فلا يتم الرضاع، ولا يحصل به التحريم، ولا تثبت به الأحكام الشرعية، إلا بالأمرين: أحدهما: كونه في الحولين. والأمر الثاني أو الشرط الثاني: أن يكون الرضاع خمس رضعات فأكثر، كل رضعة يحصل بها وصول اللبن إلى الجوف جوف الطفل، لقوله ﷺ لامرأة أبي حذيفة [...] (١): «أرضعيه خمس رضعات تحرمي عليه» (٢). ويقول ﷺ في حديث عائشة: «كَانَ فِيمَا

стр. 667

أُنْزِلَ: عَشْرُ رَضَعَاتٍ مَعْلُومَاتٍ، ثُمَّ نُسِخْنَ بِخَمْسٍ مَعْلُومَاتٍ»، فَتُوُفِّيَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ ، وَهُنَّ فِيمَا يُقْرَأُ مِنَ الْقُرْآنِ (١)، فلابد من خمس رضعات. وقال لامرأة أبي حذيفة في قصة سالم: «أرضعيه خمس رضعات تحرمي عليه». وقال: «لَا تُحَرِّمُ الرَّضْعَةُ ولا الرَّضْعَتَانِ» (٢)، فلا بد من خمس معلومة مؤكدة أو أكثر. حديث عقبة بن الحارث أبي سِروعة أنه تزوج امرأة يقال لها ابنة أبي إهاب، فجاءت امرأة سوداء فقالت: قد أرضعتكما، فسأل النبي ﷺ عن ذلك، فقال: «كيف أرضعتيه» (٣)، وفي اللفظ الآخر: «دعها عنك» (٤). هذا يدل (٥) [على أن الرضاع يثبت ولو بشهادة امرأة واحدة؛ ولهذا: امرأة سوداء جاءت إلى عقبة وزوجته] (٦)،

стр. 668

وزعمت (١) أنها أرضعتهما، فأمره النبي بفراقها، يدل على أنه رضاع ثابت، والأحاديث المجملة في الرضاعة تُفسَّر بالأحاديث المفصلة، لأن السنة يفسر بعضها بعضاً، كالقرآن يفسر بعضه بعضاً. والحديث الثالث: حديث البراء بن عازب في قصة حمزة لما خرج من مكة عام عمرة القضاء في سنة سبع للهجرة: تبعته ابنة حمزة بمكة: حمزة بن عبدالمطلب عم النبي ﵊: تنادي: «يا عم يا عم» تريد أن يأخذوها، فأخذها علي وسلمها لفاطمة، وقال: دونك ابنة عمِّك، ثم اختصموا في حضانتها: من يتولاها. فقال عليٌّ: «أنا أحق بها، وهي ابنة عمي»، وقال جعفر: «أنا أحق بها، وخالتها تحتي»، وقال زيد بن حارثة: «هي ابنة أخي»، فقضى بها النبي ﷺ عند خالتها، قال: «الخالة بمنزلة الأم» , وقال لعلي: «أنت مني، وأنا منك»، وقال لجعفر: «أشبهت خلقي وخلقي»، وقال لزيد: «أنت أخونا ومولانا»، فطيب نفوسهم بكلمات طيبة ﵊، وحكم بها لخالتها، فدلّ على أن الخالة في الحضانة مقدمة على أولاد العم، وأنها بمنزلة الأم، هي أولى بحضانة البنت الصغيرة حتى تبلغ، هي أولى بها، وأرفق بها، وأعطف عليها من بني عمها، وأضمن عليها أيضاً؛ لأنه قال: «الخالة بمنزلة الأم»، وفي هذا فضل علي، وجعفر، وزيد ﵃، فالنبي قال لعلي: «أنت مني، وأنا منك»، هو ابن عمه، وأخوه في الإسلام، وقال لجعفر: «أشبهت خلقي وخلقي»،

стр. 669

وهو ابن عمه أيضاً، وهم من خيرة الناس في الإسلام، وهو أخو علي، وأكبر من علي، وقال لزيد بن الحارثة مولى النبي ﷺ وعتيقه: «أنت أخونا ومولانا»، فخاطبهم بكلمات طيبة؛ لترفع من شأنهم، وتطيب نفوسهم، وأعطى الحكم الحق لأهله.

стр. 670

١٣ - كتاب القِصَاص ٣٤٣ - عن عبد اللَّه بن مسعود ﵁ قال: قال النبي ﷺ (١): «لا يَحِلُّ دَمُ امْرِئٍ مُسْلِمٍ يَشْهَدُ أَنْ لا إلَهَ إِلَاّ اللَّهُ، وَأَنِّي رَسُولُ اللَّه إلَاّ بِإِحْدَى ثَلاثٍ: الثَّيِّبُ الزَّانِي، وَالنَّفْسُ بِالنَّفْسِ، وَالتَّارِكُ لِدِينِهِ الْمُفَارِقُ لِلْجَمَاعَةِ» (٢). ٣٤٤ - عن عبد اللَّه بن مسعود ﵁ قال: قال رسول اللَّه ﷺ : «أَوَّلُ مَا يُقْضَى بَيْنَ النَّاسِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ فِي الدِّمَاءِ» (٣). ٣٤٥ - عن سهل بن أبي حَثْمةَ ﵁ قال: «انْطَلَقَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ سَهْلٍ، وَمُحَيِّصَةُ بْنُ مَسْعُودٍ، إلَى خَيْبَرَ ــ وَهِيَ يَوْمَئِذٍ صُلْحٌ ــ فَتَفَرَّقَا، فَأَتَى مُحَيِّصَةُ إلَى عَبْدِ اللَّهِ بْنِ سَهْلٍ، وَهُوَ يَتَشَحَّطُ فِي دَمِهِ قَتِيلاً، فَدَفنه ثُمَّ قَدِمَ الْمَدِينَةَ، فَانْطَلَقَ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ سَهْلٍ، وَمُحَيِّصَةُ وَحُوَيِّصَةُ ابْنَا مَسْعُودٍ إلَى النَّبِيِّ ﷺ ، فَذَهَبَ عَبْدُالرَّحْمَنِ يَتَكَلَّمُ، فَقَالَ ﷺ : «كَبِّرْ، كَبِّرْ» ــ وَهُوَ أَحْدَثُ الْقَوْمِ ــ فَسَكَتَ، فَتَكَلَّمَا، فَقَالَ: «أَتَحْلِفُونَ
следующие страницы →