← Шархи хадиса

Шархи хадиса · id 13282

الإفهام في شرح عمدة الأحكام

ابن باز

Полный текст (893 стр.). Показаны 666–705 · переход к 671.

стр. 666

والرضاع الشرعي الذي يحصل به التحريم هو ما كان في الحولين، قبل أن يُفطم؛ لهذا الحديث الصحيح: «إنما الرضاعة من المجاعة»، والأحاديث: «لا رضاع إلا في الحولين» , «لا رضاع إلا ما فتق الأمعاء وكان قبل الفطام»، والواجب التثبت في الرضاع, وأن لا يتساهل الرجل والمرأة في ذلك إلا بعد ثبوت الرضاعة، والتأكد من وجود الرضاع الشرعي، الذي يحصل به التحريم، وذلك بأمرين: أحدهما: أن يكون في الحولين. الأمر الثاني: أن يكون خمس رضعات فأكثر، فلا يتم الرضاع، ولا يحصل به التحريم، ولا تثبت به الأحكام الشرعية، إلا بالأمرين: أحدهما: كونه في الحولين. والأمر الثاني أو الشرط الثاني: أن يكون الرضاع خمس رضعات فأكثر، كل رضعة يحصل بها وصول اللبن إلى الجوف جوف الطفل، لقوله ﷺ لامرأة أبي حذيفة [...] (١): «أرضعيه خمس رضعات تحرمي عليه» (٢). ويقول ﷺ في حديث عائشة: «كَانَ فِيمَا

стр. 667

أُنْزِلَ: عَشْرُ رَضَعَاتٍ مَعْلُومَاتٍ، ثُمَّ نُسِخْنَ بِخَمْسٍ مَعْلُومَاتٍ»، فَتُوُفِّيَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ ، وَهُنَّ فِيمَا يُقْرَأُ مِنَ الْقُرْآنِ (١)، فلابد من خمس رضعات. وقال لامرأة أبي حذيفة في قصة سالم: «أرضعيه خمس رضعات تحرمي عليه». وقال: «لَا تُحَرِّمُ الرَّضْعَةُ ولا الرَّضْعَتَانِ» (٢)، فلا بد من خمس معلومة مؤكدة أو أكثر. حديث عقبة بن الحارث أبي سِروعة أنه تزوج امرأة يقال لها ابنة أبي إهاب، فجاءت امرأة سوداء فقالت: قد أرضعتكما، فسأل النبي ﷺ عن ذلك، فقال: «كيف أرضعتيه» (٣)، وفي اللفظ الآخر: «دعها عنك» (٤). هذا يدل (٥) [على أن الرضاع يثبت ولو بشهادة امرأة واحدة؛ ولهذا: امرأة سوداء جاءت إلى عقبة وزوجته] (٦)،

стр. 668

وزعمت (١) أنها أرضعتهما، فأمره النبي بفراقها، يدل على أنه رضاع ثابت، والأحاديث المجملة في الرضاعة تُفسَّر بالأحاديث المفصلة، لأن السنة يفسر بعضها بعضاً، كالقرآن يفسر بعضه بعضاً. والحديث الثالث: حديث البراء بن عازب في قصة حمزة لما خرج من مكة عام عمرة القضاء في سنة سبع للهجرة: تبعته ابنة حمزة بمكة: حمزة بن عبدالمطلب عم النبي ﵊: تنادي: «يا عم يا عم» تريد أن يأخذوها، فأخذها علي وسلمها لفاطمة، وقال: دونك ابنة عمِّك، ثم اختصموا في حضانتها: من يتولاها. فقال عليٌّ: «أنا أحق بها، وهي ابنة عمي»، وقال جعفر: «أنا أحق بها، وخالتها تحتي»، وقال زيد بن حارثة: «هي ابنة أخي»، فقضى بها النبي ﷺ عند خالتها، قال: «الخالة بمنزلة الأم» , وقال لعلي: «أنت مني، وأنا منك»، وقال لجعفر: «أشبهت خلقي وخلقي»، وقال لزيد: «أنت أخونا ومولانا»، فطيب نفوسهم بكلمات طيبة ﵊، وحكم بها لخالتها، فدلّ على أن الخالة في الحضانة مقدمة على أولاد العم، وأنها بمنزلة الأم، هي أولى بحضانة البنت الصغيرة حتى تبلغ، هي أولى بها، وأرفق بها، وأعطف عليها من بني عمها، وأضمن عليها أيضاً؛ لأنه قال: «الخالة بمنزلة الأم»، وفي هذا فضل علي، وجعفر، وزيد ﵃، فالنبي قال لعلي: «أنت مني، وأنا منك»، هو ابن عمه، وأخوه في الإسلام، وقال لجعفر: «أشبهت خلقي وخلقي»،

стр. 669

وهو ابن عمه أيضاً، وهم من خيرة الناس في الإسلام، وهو أخو علي، وأكبر من علي، وقال لزيد بن الحارثة مولى النبي ﷺ وعتيقه: «أنت أخونا ومولانا»، فخاطبهم بكلمات طيبة؛ لترفع من شأنهم، وتطيب نفوسهم، وأعطى الحكم الحق لأهله.

стр. 670

١٣ - كتاب القِصَاص ٣٤٣ - عن عبد اللَّه بن مسعود ﵁ قال: قال النبي ﷺ (١): «لا يَحِلُّ دَمُ امْرِئٍ مُسْلِمٍ يَشْهَدُ أَنْ لا إلَهَ إِلَاّ اللَّهُ، وَأَنِّي رَسُولُ اللَّه إلَاّ بِإِحْدَى ثَلاثٍ: الثَّيِّبُ الزَّانِي، وَالنَّفْسُ بِالنَّفْسِ، وَالتَّارِكُ لِدِينِهِ الْمُفَارِقُ لِلْجَمَاعَةِ» (٢). ٣٤٤ - عن عبد اللَّه بن مسعود ﵁ قال: قال رسول اللَّه ﷺ : «أَوَّلُ مَا يُقْضَى بَيْنَ النَّاسِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ فِي الدِّمَاءِ» (٣). ٣٤٥ - عن سهل بن أبي حَثْمةَ ﵁ قال: «انْطَلَقَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ سَهْلٍ، وَمُحَيِّصَةُ بْنُ مَسْعُودٍ، إلَى خَيْبَرَ ــ وَهِيَ يَوْمَئِذٍ صُلْحٌ ــ فَتَفَرَّقَا، فَأَتَى مُحَيِّصَةُ إلَى عَبْدِ اللَّهِ بْنِ سَهْلٍ، وَهُوَ يَتَشَحَّطُ فِي دَمِهِ قَتِيلاً، فَدَفنه ثُمَّ قَدِمَ الْمَدِينَةَ، فَانْطَلَقَ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ سَهْلٍ، وَمُحَيِّصَةُ وَحُوَيِّصَةُ ابْنَا مَسْعُودٍ إلَى النَّبِيِّ ﷺ ، فَذَهَبَ عَبْدُالرَّحْمَنِ يَتَكَلَّمُ، فَقَالَ ﷺ : «كَبِّرْ، كَبِّرْ» ــ وَهُوَ أَحْدَثُ الْقَوْمِ ــ فَسَكَتَ، فَتَكَلَّمَا، فَقَالَ: «أَتَحْلِفُونَ

стр. 671

وَتَسْتَحِقُّونَ قَاتِلَكُمْ، أَوْ صَاحِبَكُمْ؟» قَالُوا: وَكَيْفَ نَحْلِفُ، وَلَمْ نَشْهَدْ، وَلَمْ نَرَ؟ قَالَ: «فَتُبْرِئُكُمْ يَهُودُ بأيَمِان خَمْسِينَ منهم (١)». فقَالُوا: كَيْفَ نأخذ بِأَيْمَانِ قَوْمِ كُفَّارٍ؟ فَعَقَلَهُ النَّبِيُّ ﷺ مِنْ عِنْدِهِ» (٢). ٩٩ - قال الشارح ﵀: هذه الأحاديث الثلاثة كلها تتعلق بالدماء والقصاص (٣) والقسامة. في الحديث الأول: يقول ﵊: «لا يحل دم امرئ مسلم يشهد أن لا إله إلا اللَّه، وأني رسول اللَّه، إلا بإحدى ثلاث» ثم فسرها، فقال: «الثيب الزاني، والنفس بالنفس، والتارك لدينه المفارق للجماعة»، يجوز الرفع، ويجوز الجر، النفس بالنفس، بدل من الثلاث، والرفع خبر لمبتدأ آخر محذوف. فهذه الخصال الثلاث تجوِّز سفك الدم، قتل صاحبها: الثيب الزاني، معناه الذي قد تزوج ووطئَ الزوجة، يقال له: ثيب، فإذا زنى يقتل، يرجم بالحجارة حتى يموت، إذا ثبت زناه بأربعة شهود عدول

стр. 672

أو بإقراره، والنفس بالنفس هذا القصاص، وهذا الشاهد في الترجمة كتاب القصاص: والقصاص مصدر قاص قصاصاً، وهو الأخذ بالمقابل، المقاصة المماثلة، قال اللَّه جل وعلا: ﴿وَكَتَبْنَا عَلَيْهِمْ فِيهَا أَنَّ النَّفْسَ بِالنَّفْسِ وَالْعَيْنَ بِالْعَيْنِ وَالْأَنْفَ بِالْأَنْفِ وَالْأُذُنَ بِالْأُذُنِ وَالسِّنَّ بِالسِّنِّ وَالْجُرُوحَ قِصَاصٌ﴾ (١)، فاللَّه شرع المقاصة: النفس بالنفس، والعين بالعين، والأُذن بالأُذن، واليد باليد، والرجل بالرجل، وهكذا إذا تمت الشروط والمكافأة بينهما، فإذا قتل إنسانٌ آخر عمداً عدواناً وجب القصاص، إلا أن يعفو ولي القتيل، إذا عفا من الدية، أو عفا مطلقاً، سقط القصاص؛ فإن لم يعفُ، وطالب بالقصاص، وجب القصاص، وجب أن يُقتل به، إذا كان مكافئاً له، المسلم يقتل بالمسلم، أما إذا كان كافراً؛ فإنه لا يُقتل به المسلم، ولكن يؤدي الدية ويعزر ويؤدب، أو كان رقيقاً مملوكاً لا يقتل به الحر، ولكن يعزر ويؤدي الدية وهي قيمته، ويقتل الرجل بالمرأة، والمرأة بالرجل إذا قتلها عمداً عدواناً قتل بها، أو قتلته قُتلت به. والتارك لدينه المفارق للجماعة: المرتد الناقض للإسلام إذا فعل ما يوجب ردته قُتِل؛ لقول النبي ﷺ : «من بدل دينه فاقتلوه» (٢)، فإذا أشرك: عَبدَ غير اللَّه، كأن يستغيث بالأصنام، أو بالنجوم، أو بالأموات، أو بالجن، أو يدعو غير اللَّه, يُستتاب؛ فإن تاب، وإلا قُتِل ردة, أو يترك

стр. 673

الصلاة يُستتاب؛ فإن تاب وإلا قُتِل ردة, أو سبَّ اللَّه, أو يسبُّ الرسول، أو يستهزئ بالدين ردة يُقتل: «من بدل دينه فاقتلوه». وقد ذكر العلماء في كل مذهب باب حكم المرتد، وهو المسلم يكفر بعد إسلامه, فإذا ارتد عن دينه، فهذا حكمه القتل بعد الاستتابة, وبعض النواقض لا يُستتاب بها، كالذي يسب اللَّه، ويسب الرسول، هذا يقتل بغير استتابة عند جمع من أهل العلم لعظم جريمته. الحديث الثاني: يقول ﷺ : «أول ما يقضى بين الناس يوم القيامة في الدماء»، هذا يدل على عظم شأن الدماء, وأنه أول ما يقضى بين الناس في الدماء, لما بينهم من الحقوق، فهذا فيه الحذر من سفك الدم الحرام، والعدوان على الناس، فيجب على المؤمن أن يحذر العدوان على الناس وسفك الدم بغير الحق؛ لأن جريمة القتل عظيمة, قال تعالى: ﴿وَمَنْ يَقْتُلْ مُؤْمِنًا مُتَعَمِّدًا فَجَزَاؤُهُ جَهَنَّمُ خَالِدًا فِيهَا وَغَضِبَ اللَّهُ عَلَيْهِ وَلَعَنَهُ وَأَعَدَّ لَهُ عَذَابًا عَظِيمًا﴾ (١)، وفي الحديث يقول ﷺ : «لا يَزَالُ الرَّجُلُ فِي فُسْحَةٍ مِنْ دِينِهِ مَا لَمْ يُصِبْ دَمًا حَرَامًا» (٢) , نسأل اللَّه السلامة. والحديث الثالث: قصة عبداللَّه بن سهل الأنصاري توجه إلى

стр. 674

خيبر لحاجة مع أخيه ابن عمه مُحيصة فقُتل، وجدوه قتيلاً، ولم يعلموا من قتله في خيبر، وخيبر تسكنها اليهود ذاك الوقت، وهم أعداء المسلمين بعدما فتحها النبي ﷺ ، وصالحهم على أنهم يبقوا فيها عمالاً فلاحين بالنصف، سافر عبداللَّه بن سهل إليها لحاجة فوجدوه قتيلاً, فلم يعرفوا من قتله، فاشتكوا اليهود إلى النبي ﷺ ، واشتكاهم عبدالرحمن بن سهل أخو عبداللَّه بن سهل، وابنا عمه محيصة وحُويصة ابنا مسعود أبناء عم القتيل، فتقدموا إلى النبي ﷺ يشتكون، أراد عبدالرحمن أن يتكلم وكان أصغر القوم، وقال له النبي: «كبّر كبّر»، فتكلم حُويِّصة، ثم تكلم محيصة، فقال لهم النبي ﷺ : «عندكم بيّنة» قالوا: لا. قال: «تحلفون» خمسين يميناً على قاتله، قالوا: لم نشهده، ولم نره، كيف نحلف! قال: «فتبرئكم يهود بخمسين يميناً» قالوا: قوم كفار كيف نقبل أيمانهم، فعقله النبي ﷺ من عنده وداه النبي ﷺ من عنده صلحاً بين الجميع، وسَدَّدهم مائة من الإبل ﵊ دية لعبد اللَّه بن سهل، وحقناً للفتنة والدماء. هذا يدل على فوائد: منها أن الخصومة إذا كانت بين جماعة، فإنه يتكلم الأكبر «كبّر, كبّر»، وكان الخصوم جماعة يتكلم الأكبر، ثم يُكمِّل الباقون، إن كان لهم زيادة يكملون، ثم تُسمع دعوى المدعى عليه بعد ذلك، المدعي يتكلم أولاً، ويتكلم الأكبر، ثم ينظر في دعوى المدعى عليه. وفيه من الفوائد: أنه إذا كان القتيل عند قوم يُتهمون به: فإنه

стр. 675

يُدَّعى عليهم فيه: ويطلب من المدعين البينة: فإن وجدوا بينة، وإلا فلهم القسامة، لهم: أن يحلفوا على واحد منهم بسبب اللَّوث، بسبب العداوة والبغضاء، أو لأسباب أخرى، تدل على أنهم قتلوه، كأن يوجد جماعة يشهدون أنهم قتلوه، لكن لا تطبق فيهم الشروط: إما لأنهم غير عدول، أو نساء أو صبيان، فإذا توافر عند أولياء القتيل ما يدل على أن القاتل فلان فيحلفون عليه؛ ولهذا قال: يُقسم خمسون منكم على رجل منهم، فيدُفع برمته، فإذا كان الخصوم يدعون على واحد معين بينه وبين القتيل عداوة، أو عندهم ما يدل على أنه قاتله؛ لأنهم رأوه قائماً عليه بسكين، أو معه السيف، أو آثار الدم في سكينه، أو شهد عليه نساء، أو صبيان، أو فساق، واقتنع أولياء الدم أنه هو قاتله، فلهم أن يحلفوا خمسين يميناً إذا كانت العصبةُ خمسين كل واحد يحلف يميناً؛ فإن كانت العصبةُ خمساً وعشرين، كل واحد يحلف يمينين، فإن كانوا عشرة كل واحد يحلف خمساً: خمسة أيمان على عددهم ويدفع إليهم برمته (١). فإذا لم يحلفوا، حلف أولئك المدعى عليهم، حلفوا خمسين أنهم لم يقتلوا، ولم يعرفوا قاتله، فيبرؤوا فإن أصلح بينهم ولي الأمر، ودفع الدية ولي الأمر، وأصلح بينهم، أو أصلح بينهم بنصف

стр. 676

الدية، أو بأقل أو بأكثر، فلا بأس، فالصلح جائز؛ ولهذا أصلح النبي ﷺ بأن دفع الدية عن اليهود، دفعها من بيت المال، وأنهى الدعوى بينهم عن الفتنة، وهذه يقال لها قسامة، وهي أن يدعي قوم على شخص أنه قتل موروثه، ويحتجون على ذلك بأشياء، تُغلِّب على الظن أنه قتله: لعداوة بينهما، أو شهادة من لا يكتمل به النصاب، أو غير هذا من القرائن والدلائل، التي تدل على أنه قتله، هذه يقال لها: قسامة، فيطالبون بخمسين يميناً من العصبة، فإن لم يحلفوا فلهم أيمان المدعى عليهم، إلا إذا لم يوجد بينة علامة تشهد بالقتل. وفي حديث حماد بن زيد: فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ «يُقْسِمُ خَمْسُونَ مِنْكُمْ عَلَى رَجُلٍ مِنْهُمْ، فَيُدْفَعُ بِرُمَّتِهِ»؟ قَالُوا: أَمْرٌ لَمْ نَشْهَدْهُ، كَيْفَ، نَحْلِفُ؟ قَال: «فَتُبْرِئُكُمْ يَهُودُ بِأَيْمَانِ خَمْسِينَ مِنْهُمْ؟»، قَالُوا: يَا رَسُولَ اللَّهِ، قَوْمٌ كُفَّارٌ فوداه رسول اللَّه ﷺ من قبله (١)» (٢). وفي حديث سعيد بن عبيد: «فَكَرِهَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ أَنْ يُبْطِلَ دَمَهُ، فَوَدَاهُ بِمِائَةٍ مِنْ إبِلِ الصَّدَقَةِ» (٣). ٣٤٦ - عن أنس بن مالك ﵁، «أَنَّ جَارِيَةً وُجِدَ رَاسُهَا مَرْضُوضاً

стр. 677

بَيْنَ حَجَرَيْنِ، فَقِيلَ: مَنْ فَعَلَ هَذَا بِك: فُلانٌ، فُلانٌ؟ حَتَّى ذُكِرَ يَهُودِيٌّ، فَأَوْمَأَتْ بِرَاسِهَا، فَأُخِذَ الْيَهُودِيُّ، فَاعْتَرَفَ، فَأَمَرَ رسول اللَّه ﷺ أَنْ يُرَضَّ رَاسُهُ بَيْنَ حَجَرَيْنِ» (١). ٣٤٧ - ولمسلم والنسائي عن أنس، «أَنَّ يَهُودِيّاً قَتَلَ جَارِيَةً عَلَى أَوْضَاحٍ، فَأَقَادَهُ بها (٢) رَسُولُ اللَّهِ ﷺ » (٣). ٣٤٨ - عن أبي هريرة ﵁ قال: «لَمَّا فَتَحَ اللَّهُ تَعَالَى عَلَى رَسُولِهِ ﷺ مَكَّةَ، قَتَلَتْ خُزَاعَةُ (٤) رَجُلاً مِنْ بَنِي لَيْثٍ بِقَتِيلٍ كَانَ لَهُمْ فِي الْجَاهِلِيَّةِ، فَقَامَ النبي ﷺ ، فَقَالَ: «إنَّ اللَّهَ قَدْ حَبَسَ عَنْ مَكَّةَ الْفِيلَ،

стр. 678

وَسَلَّطَ عَلَيْهَا رَسُولَهُ وَالْمُؤْمِنِينَ، أَلا (١) وَإِنَّهَا لَمْ تَحِلَّ لأَحَدٍ (٢) قَبْلِي، وَلا تَحِلُّ لأَحَدٍ بَعْدِي، وَإِنَّمَا أُحِلَّتْ لِي سَاعَةً مِنْ نَهَارٍ، وَإِنَّهَا سَاعَتِي هَذِهِ حَرَامٌ، لا يُعْضَدُ شَجَرُهَا، وَلا يُخْتَلَىُ شَوْكُهَا، وَلا تُلْتَقَطُ سَاقِطَتُهَا إلَاّ لِمُنْشِدٍ، وَمَنْ قُتِلَ لَهُ قَتِيلٌ فَهُوَ بِخَيْرِ النَّظَرَيْنِ: إمَّا أَنْ يُقْتَلَ، وَإِمَّا أَنْ يفدى» فَقَامَ رَجُلٌ مِنْ أَهْلِ الْيَمَنِ ــ يُقَالُ لَهُ أَبُو شَاهٍ ــ فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، اُكْتُبُوا لِي، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : «اُكْتُبُوا لأَبِي شَاهٍ»، ثُمَّ قَامَ الْعَبَّاسُ، فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، إلَاّ الإِذْخِرَ، فَإِنَّا نَجْعَلُهُ فِي بُيُوتِنَا وَقُبُورِنَا، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : «إلَاّ الإِذْخِرَ» (٣). ١٠٠ - قال الشارح ﵀: هذه بقية حديث عبداللَّه بن سهل الذي قتله اليهود في خيبر، تقدم في حديث الدرس الماضي، وهذه بقيته كان ينبغي أنها قرئت مع أوله، لأنه بقية الحديث، والنبي ﷺ كما تقدم خيَّرهم: إما أن يثبتوا عليهم أنهم قتلوه، فإن لم يثبتوا فعليهم أن يحلفوا خمسين يميناً على قاتلهم ويُعيِّنوه، فإن لم يقيموا بذلك، فلهم أيمان خمسين من اليهود، على أنهم ما قتلوه، ولا عرفوا قاتله، وتقدم الكلام في هذا، وأن الأنصار اعتذروا، وقالوا: لم نشهد، ولم نرَ، فكيف نحلف؟ وليس

стр. 679

عندهم بينة وقالوا أيضاً: كيف نقبل أيمان قوم كفار؟! فعند هذا عقله النبي ﷺ من عنده، حسماً للنزاع، وإنهاءً للفتنة، وحقناً للدماء، وتقدم أن هذا يُسمَّى القسامة، هذا الحكم يسمى حكم القسامة، وهي أن يدعي قومٌ على قوم قتلاً بدون بينة تشهد لذلك، ويكون هناك لَوَث وهو عداوة، أو ما يقوم مقامها من الدلائل على أنهم قتلوه، كأن يشهد عليهم من لا تُقبل شهادته كالنساء والصبيان والفساق، فيحصل لأهل القتيل طمأنينة إلى أن قاتلهم فلان، فيحلفون بموجب ما دل عليه شهادة من ذُكر، أو العداوة البينة بينهم وبين القتيل، فإن لم يحلفوا فلهم أيمان المتهمين، يحلف المتهمون أنهم ما قتلوه، وما عرفوا قاتلاً، فيبرأوا منه، وهذا يقال له حكم القسامة، وهي معروفة في الجاهلية، وأقرها الإسلام. الحديث الثاني: حديث أنس: أن يهودياً قتل جارية على أوضاح لها: فرضَّ رأسها بحجر، وأخذ أوضاحها، وهي الحلي من الذهب والفضة، فجيء إليها [بالمتهمين] (١) في الجريمة، وكانت قد عجزت عن الكلام بسبب الجريمة العظيمة، رضّ رأسها، فعرض عليها جماعة من اليهود المتهمين، فأشارت برأسها بالنسبة إلى أحدهم: أنه هو القاتل، أومأت برأسها أي هذا هو الذي رضّ رأسها، فلما أخذوه اعترف بأنه هو الذي فعل الجريمة، فأمر النبي ﷺ أن يُرضّ رأسه بين حجرين، جزاءً وفاقاً، وهذا هو القصاص.

стр. 680

وفي هذا فوائد منها: أنه يقتل الرجل بالمرأة, وقوله جل وعلا: ﴿الأُنْثَى بِالأُنْثَى﴾ (١)، لا مفهوم له، بل تقتل الأنثى بالرجل، والرجل بالأنثى. ومنها أن الإشارة يعمل بها في تعيين المتهم، وفي المسائل الأخرى التي لا يترتب عليها التعدي على آخر؛ ولهذا كان يشير في صلاته [بيده] (٢) ﷺ في أشياء كثيرة، كما أشار في صلاته ﵊ لما سلموا عليه، أشار بيده ﵊، وأشار إليهم لما صلوا قياماً وهو جالس، أي اجلسوا (٣). والإشارة لا بأس بها عند الحاجة إليها، يعمل بها ما لم يكن فيها دعوى على أحد، فلا يكتفى بالإشارة، وإنما تقتضي الدعوى: أي لا بد مع الدعوى من بينةٍ، أو إقرارٍ؛ ولهذا لما أشارت مدعية على اليهودي، لم يكتفِ النبي ﷺ بإشارتها، ولكنها تضمنت الدعوى على هذا الشخص، فأخذوه فاعترف، فلما اعترف حُكِمَ عليه بالقصاص باعترافه، لا بمجرد إشارتها، بل باعترافه، وهذا يُسمَّى غِيلة، قتل غيلة، وفي الصحيح: أن قتل الغيلة يجب فيه القود (٤)، ولا يُستشار فيه

стр. 681

الورثة (١) حقناً للدماء، وحسماً لمادة الفساد في الأرض؛ فلهذا قتله النبي ﷺ ، ولم يسأل ورثة الجارية، ولم يستشرهم؛ لأنه خدعها فقتلها. وفي حديث أبي هريرة الدلالة على أن القتيل لأهله الخيرة: إن شاءوا قتلوا، وإن شاءوا أخذوا الدية، وإن شاءوا عفوا؛ ولهذا قال رسول ﷺ : «ومن قُتل له قتيل فهو بخير النظرين: إما أن يقتل، وإما أن يُفدَى»، فهذا هو الحكم في القتل العمد، الذي يوجب القصاص بين المتكافئَين، فأهله لهم الخيرة في ثلاثة أشياء: القصاص، والدية والعفو. وفيه من الفوائد: أن البلد الحرام محرم لا يحل فيه القتال، لا قبل النبيّ ﷺ ، ولا بعده، وإنما أُحل للنبي ﷺ ساعة من نهار. وفيه من الفوائد: أنه لا يعضد شجره، ولا شوكه، ولا ينفّر صيده، ولا يختلى خلاها، وهو الحشيش الأخضر، ولا تُلتقط ساقطته، إلا للمنشد، إلا لمعرِّف. وفي حديث أنس من الفوائد أيضاً: أن القاتل يُقتل بمثل ما قتل، فإن قتل بالرضّ في الرأس يرض رأسه، وإن قتل بالتغريق غُرِّق في

стр. 682

الماء، وإن كان قتل بالسيف قتل بالسيف: الجروح قصاص، القصاص: المماثلة، والنبي ﷺ قتله بمثل ما فعل، فرض رأسه بين حجرين، فيقتل بمثل ما قتل، إلا أن يكون قتله بمعصية فلا، كأن يكون قتله بسقي الخمر، أو باللواط، فلا يقتل بذلك بمعصية اللَّه، وأما إن كان قتله بغير معصية: بالسيف، بالرض، بالتغريق، بغير ذلك من أسباب القتل، يُقتل قصاصاً. ٣٤٩ - عن عمر بن الخطاب ﵁، «أَنَّهُ اسْتَشَارَ النَّاسَ فِي إمْلاصِ الْمَرْأَةِ، فَقَالَ الْمُغِيرَةُ بْنُ شُعْبَةَ: «شَهِدْت النَّبِيَّ ﷺ قَضَى فِيهِ بِغُرَّةٍ: عَبْدٍ، أَوْ أَمَةٍ، فَقَالَ: ائْتِنِي (١) بِمَنْ يَشْهَدُ مَعَك، فَشَهِدَ مَعَهُ (٢) مُحَمَّدُ بْنُ مَسْلَمَةَ» (٣). إملاص المرأة: أن تُلْقيَ جنينها ميتاً (٤). ٣٥٠ - عن أبي هريرة ﵁ قال: «اقْتَتَلَتِ امْرَأَتَانِ مِنْ هُذَيْلٍ، فَرَمَتْ إحْدَاهُمَا الأُخْرَى بِحَجَرٍ، فَقَتَلَتْهَا وَمَا فِي بَطْنِهَا، فَاخْتَصَمُوا إلَى رسول اللَّه ﷺ ، فَقَضَى رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : أَنَّ دِيَةَ جَنِينِهَا غُرَّةٌ: عَبْدٌ، أَوْ

стр. 683

وَلِيدَةٌ، وَقَضَى بِدِيَةِ الْمَرْأَةِ عَلَى عَاقِلَتِهَا، وَوَرَّثَهَا وَلَدَهَا وَمَنْ مَعَهُمْ، فَقَامَ حَمَلُ بْنُ النَّابِغَةِ الْهُذَلِيُّ فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، كَيْفَ أَغْرَمُ مَنْ لا شَرِبَ، وَلا أَكَلَ، وَلا نَطَقَ وَلا اسْتَهَلَّ، فَمِثْلُ ذَلِكَ يُطَلُّ؟ فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : «إنَّمَا هُوَ مِنْ إخْوَانِ الْكُهَّانِ» مِنْ أَجْلِ سَجْعِهِ الَّذِي سَجَعَ (١). ٣٥١ - عن عمران بن حُصين ﵁، «أَنَّ رَجُلاً عَضَّ يَدَ رَجُلٍ، فَنَزَعَ يَدَهُ مِنْ فَمِهِ، فَوَقَعَتْ ثَنِيَّتاهُ، فَاخْتَصَمَا (٢) إلَى النَّبِيِّ ﷺ ، فَقَالَ: «يَعَضُّ أَحَدُكُمْ أَخَاهُ (٣) كَمَا يَعَضُّ الْفَحْلُ؟ لا دِيَةَ لَك» (٤). ٣٥٢ - وعن الحسن بن أبي الحسن البصري قال: حدّثنا جُنْدُبٌ ﵁ في هذا المسجد، وما نسينا منه حديثاً، وَمَا نَخْشَى أَنْ يَكُونَ جُنْدُبٌ كَذَبَ عَلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ ــ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : «كَانَ فِيمَنْ كَانَ قَبْلَكُمْ، رَجُلٌ بِهِ جُرْحٌ فَجَزِعَ، فَأَخَذَ سِكِّيناً، فَحَزَّ بِهَا يَدَهُ، فَمَا رَقَأَ الدَّمُ حَتَّى مَاتَ، قَالَ اللَّهُ -

стр. 684

عز وجل -: (عَبْدِي بَادَرَنِي بِنَفْسِهِ، حَرَّمْتُ (١) عَلَيْهِ الْجَنَّةَ)» (٢). ١٠١ - قال الشارح ﵀: هذه الأحاديث الأربعة الثابتة عن رسول اللَّه ﷺ تتعلق بأحكام، كلها تتعلق بالقتل، وبإملاص المرأة، وبالعدوان, أما الإملاص فإملاصها: إسقاطها جنينها ميتاً، يقال: أملصت، يعني أسقطت، والعامة (٣) (تعوّرت)، يعني أسقطت جنيناً قبل أن يتم ميتاً, سأل عمر الناس عن حكمه، فشهد عنده المغيرة بن شعبة الثقفي: أن النبي ﷺ قضى فيه بالغُرَّة عبد أو أَمة، قال: من يشهد معك؟ قال محمد بن سلمة، هذا فيه الدلالة على أن المرأة إذا أسقطت بضربة أحد ضربها، فإن الولد يُؤدى بغرة عبد أو أمة، إذا سقط ميتاً بسبب العدوان عليه. قال العلماء: قيمتها خمس من الإبل: عُشر الدية خِنصر بِنصر خمسٌ من الإبل عشر دية أمّه أم الطفل. فإذا أسقطت جنيناً في هذا الوقت مثلاً ميتاً بالعدوان على أمّه (٤) [ففيه غرة: عبد أو أمة: قيمتها خمس من الإبل] (٥).

стр. 685

وقول عمر للمغيرة: من يشهد معك؟ من باب التثبت والحرص، وإلا فالواحد (١) يكفي كما تقدم، لما سأل ابن عمر سعد بن أبي وقاص عن مسح الخفين، قال ابن عمر: إذا قال لك سعد شيئاً فلا تسأل غيره. فالقاعدة أن الواحد من الصحابة تقوم به الحجة، وهكذا الثقات من الرواة، الواحد الثقة، تقوم به الحجة، ولكن إذا جاء من طريق ثان يكون أثبت وأكمل، وهذه عادة عمر في بعض الأحيان يتثبت ويطلب شاهداً ثانياً من باب التثبت في الأمور، كما قال لأبي سعيد لما سُئل أن الرسول ﷺ لما قال أبو موسى لعمر أنه استأذن ثلاثاً، فلم يؤذن له فانصرف، وقال: إني سمعت النبي ﷺ يقول: «إِذَا اسْتَاذَنَ أَحَدُكُمْ ثَلَاثًا فَلَمْ يُؤْذَنْ لَهُ فَلْيَنْصَرِفْ» قال: ائتني بمن يشهد معك، فشهد معه أبو سعيد الخدري (٢)، هذا من باب التثبت في الأمور، وإلا فالواحد يكفي، إذا ثبت عن النبي ﷺ من طريق واحدة، أنه قال كذا أو فعل كذا كفى.

стр. 686

وهكذا حديث حمل بن النابغة عن أبي هريرة في قصة المرأتين اللتين اقتتلتا، وأسقطت إحداهما المضروبة جنيناً، فقضى فيه النبي ﷺ بغرة قضى بالدية: دية المقتولة على عاقلة القاتلة. لأنه قتل شبه عمد، وليس فيه عمد، بل هو ملحق بالخطأ؛ فلهذا قضى فيه النبي ﷺ بالدية على العاقلة، ولم يحكم فيه بالقصاص، فدل ذلك على أن القتل إذا كان شبه عمد، مثل أن ضرب أحدهما الآخر بعصاً، أو ضربت إحداهما الأخرى بعصاً، وصار في ذلك موت المضروب، هذا يكون شبه عمد، ما فيه إلا الدية والكفارة، إذا كان مثله لا يقتل، إذا كانت الآلة التي تضرب بها مثلها لا يقتل غالباً، فهذا هو شبه العمد، وفيه الدية، وفيه الكفارة، وإن كان هناك جنين سقط، فهذا فيه الغرة عبد أو أمة، ولما قضى النبي ﷺ بذلك، قال حمل بن النابغة الهذلي: كيف أغرم من لا شرب، ولا أكل، ولا نطق، ولا استهل، فمثل ذلك يطل! يعني يهدر، فأنكر عليه النبي ﷺ وقال: «إنما هو سجعٌ من سجع الكهان». هذا يدل على أنه ما يجوز معارضة الحق بالسجع، أو غير السجع، وأن السجع مذموم إذا كان فيه معارضة للحق، أما إذا كان سجعاً لا يعارض الحق، ولا فيه تكلف، فلا بأس به [...] (١). السجع الذي ليس فيه تكلف، وينصر الحق، ويعين على الحق، لا بأس به، أما إذا كان السجع يعارض الحق، ويقف في طريق

стр. 687

الحق، هذا لا يجوز، وهو من سجع الكهان، الذين يلبّسون به على الناس، ويخدعون به الناس. وهكذا حديث عمران الذي عضّ يد أخيه حتى نزع يده من فمه، فسقطت ثنيته، فقال فيه النبي ﷺ : «إنها هدر، أيدع يده في فمه يقضمها كما يقضم الجمل»، فأهدر ثنيته, هذا يفيد أن الإنسان إذا عض أخاه، وانتزع المعضوض يده، فسبب سقوط شيء من العاض يكون هدراً؛ لأنه ظالم، الظالم لا يستحق العوض عما جرى بظلمه، فإذا عض يده وانتزعها منه، وسقطت بعض أسنانه، فإنها تكون هدراً، كما قال النبي: «يعض أحدكم أخاه كما يعض الفحل ــ يعني الجمل ــ اذهب، فلا دية لك»، هذه عقوبةٌ له على عدوانه وظلمه. وهكذا لو أمسكه ظلماً وعدواناً، فدفعه حتى سقط فمات بسبب ذلك لا شيء عليه؛ لأنه هو المعتدي، بسبب ظلمه لأخيه، وعدوانه عليه، فالحاصل أنه إذا كانت الجناية سبب الدفاع عن إنسان مثل دفاع الصائل، أراد أن يقتلك فامتنعت منه فقتلته، أو أراد أن يتعدَّى على أهلك فدفعته بالقتل؛ لأنه لا يندفع إلا بالقتل ظالم، وهكذا بالكلام والوعيد، ولا يندفع عن أهلك بالعدوان عليهم بالزنى وغيره إلا بالقتل، والطعن، فليس له قصاص لعدوانه وظلمه إذا ثبت مثلما أهدر النبي سن هذا الذي اعتدى، والمعتدي في حكم الصائل [...] (١). وهكذا حديث جندَب، يقال جندَب بفتح الدالـ وجندُب بضم

стр. 688

الدال: لغتان، ذكر النبي ﷺ أنه كان فيمن كان قبلنا رجل به جرح، فلما آلمه جَزِع، فأخذ سكيناً فقطع يده، فما رقأ الدم حتى مات، فقال اللَّه : «بادرني عبدي بنفسه، فحرمت عليه الجنة»، هذا يفيد أن الذي يقتل نفسه متوعد بالنار نعوذ باللَّه ــ يعني إذا كان في يده جراح أو آلام وانتحر، يكون متوعداً بالنار، نعوذ باللَّه من الحرمان من الجنة، فلا يجوز للإنسان أن ينتحر، فالإنسان الذي فيه مرض، في بطنه في يده, في رأسه, لا يجوز أن ينتحر، يعالج، يسأل ربه العافية، ويصبر ويتحمل، أما أنه ينتحر، يطعن نفسه بالسكين، أو يقتل نفسه بمسدس، أو يلقي نفسه في الغرق: في البحر، أو في الماء، أو في النار، هذا ما يجوز، هذا يسمى انتحار، قتل للنفس، ما يجوز، عليه أن يصبر ويتحمل ويتعاطى العلاج، حتى يفرّج اللَّه، حتى يشفيه اللَّه أو يموت دون إيذاءٍ منه. أما أن يتعمد قتل نفسه بزعم أنه أذاه هذا الألم، هذا لا يجوز.

стр. 689

١٤ - [كتاب الحدُود (١) ٣٥٣ - عن أنس بن مالك ﵁ قال: «قَدِمَ نَاسٌ مِنْ عُكْلٍ ــ أَوْ عُرَيْنَةَ ــ فَاجْتَوَوُا الْمَدِينَةَ، فَأَمَرَ لَهُمُ النَّبِيُّ ﷺ بِلِقَاحٍ، وَأَمَرَهُمْ: أَنْ يَشْرَبُوا مِنْ أَبْوَالِهَا وَأَلْبَانِهَا، فَانْطَلَقُوا، فَلَمَّا صَحُّوا، قَتَلُوا رَاعِيَ النَّبِيِّ ﷺ ، وَاسْتَاقُوا النَّعَمَ، فَجَاءَ الْخَبَرُ فِي أَوَّلِ النَّهَارِ، فَبَعَثَ فِي آثَارِهِمْ، فَلَمَّا ارْتَفَعَ النَّهَارُ جِيءَ بِهِمْ، فَأَمَرَ (٢) فَقَطَعَ (٣) أَيْدِيَهمْ وَأَرْجُلَهُمْ، وَسُمِرَتْ أَعْيُنُهُمْ، وَتُرِكُوا فِي الْحَرَّةِ يَسْتَسْقُونَ، فَلا يُسْقَوْنَ. قال أبو قلابة: «فَهَؤُلاءِ سَرَقُوا، وَقَتَلُوا، وَكَفَرُوا بَعْدَ إيمَانِهِمْ، وَحَارَبُوا اللَّهَ وَرَسُولَهُ» (٤). أخرجه الجماعة (٥). ٣٥٤ - عن عبيد اللَّه بن عبد اللَّه بن عُتْبة بن مسعود، عن أبي هريرة، وزيد بن خالد الْجُهَني ﵄، أنهما قالا: «إنَّ رَجُلاً مِنَ

стр. 690

الأَعْرَابِ أَتَى النَّبيَّ ﷺ (١)، فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، أَنْشُدُك اللَّهَ إلَاّ قَضَيْتَ بَيْنَنَا بِكِتَابِ اللَّهِ، فَقَالَ الْخَصْمُ الآخَرُ، وَهُوَ أَفْقَهُ مِنْهُ: نَعَمْ، فَاقْضِ بَيْنَنَا بِكِتَابِ اللَّهِ، وَاذَنْ لِي، فَقَالَ رسولُ اللَّه ﷺ : «قُلْ» قَالَ: إنَّ ابْنِي كَانَ عَسِيفاً عَلَى هَذَا، فَزَنَى بِامْرَأَتِهِ، وَإِنِّي أُخْبِرْت: أَنَّ عَلَى ابْنِي الرَّجْمَ، فَافْتَدَيْت مِنْهُ بِمِائَةِ شَاةٍ وَوَلِيدَةٍ، فَسَأَلْتُ أَهْلَ الْعِلْمِ؟ فَأَخْبَرُونِي: أَنَّمَا عَلَى ابْنِي جَلْدُ مِائَةٍ وَتَغْرِيبُ عَامٍ وَأَنَّ عَلَى امْرَأَةِ هَذَا: الرَّجْمَ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : «وَاَلَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ لأَقْضِيَنَّ بَيْنَكُمَا بِكِتَابِ اللَّهِ، الْوَلِيدَةُ وَالْغَنَمُ، رَدٌّ، وَعَلَى ابْنِك: جَلْدُ مِائَةٍ، وَتَغْرِيبُ عَامٍ، وَاغْدُ يَا أُنَيْسُ ــ لِرَجُلٍ مِنْ أَسْلَمَ ــ إلى امْرَأَةِ هَذَا، فَإِنِ اعْتَرَفَتْ فَارْجُمْهَا» فَغَدَا (٢) عَلَيْهَا فَاعْتَرَفَتْ، فَأَمَرَ بِهَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ فَرُجِمَتْ» (٣). العَسِيف: الأجير. ١٠٢ - قال الشارح ﵀: هذان الحديثان الصحيحان يتعلقان بالحدود: الحديث الأول: حديث أنس ﵁ أن ناساً من عكل أو عرينة اجتووا (٤) المدينة، فأمر لهم النبي ﷺ بلقاح، وأمرهم أن يشربوا من

стр. 691

أبوالها، وألبانها، فانطلقوا، فلما صحُّوا قتلوا راعي النبي ﷺ ، واستاقوا النعم، فجاء الخبر النبي ﷺ ، فبعث في آثارهم، فلما ارتفع النهار جيءَ بهم، فأمر بقطع أيديهم، وأرجلهم، وسَمر أعينهم (١)] (٢)، وعدم حسمهم، فتركوا في الحرة يستسقون فلا يسقون حتى ماتوا؛ لأنهم قتلوا الراعي، واستاقوا الإبل، وسملوا أعين (٣) الراعي أيضاً، يعني أساءوا إليه: مثَّلوا به؛ فلهذا سمر أعينهم النبي ﷺ جزاءً وفاقاً، وقطع أيديهم وأرجلهم من خلاف، وتركهم حتى ماتوا، عملاً بقوله تعالى: ﴿إِنَّمَا جَزَاءُ الَّذِينَ يُحَارِبُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَيَسْعَوْنَ فِي الْأَرْضِ فَسَادًا أَنْ يُقَتَّلُوا أَوْ يُصَلَّبُوا أَوْ تُقَطَّعَ أَيْدِيهِمْ وَأَرْجُلُهُمْ مِنْ خِلَافٍ أَوْ يُنْفَوْا مِنَ الْأَرْضِ﴾ (٤)، فقطع أيديهم، وأرجلهم من خلاف، وتركهم حتى ماتوا، فصار بذلك قتلهم، وحسم فتنتهم، وشرهم، فدل ذلك على أنه من فعل مثل فعلهم، يعامل بمثل هذا العمل، لردَّته وعدوانه وتعديه على

стр. 692

الراعي، فهم قتلوا، ومثَّلوا، واعتدوا على المال، أي الإبل، فجمعوا بين: القتل، والعدوان، والسرقة: النهب، فاستحقوا العقوبة. والقاعدة أن ولي الأمر له الخيار في مثل هؤلاء، إن رأى قتلهم قتلهم، وإن رأى تصليبهم صلَّبهم، وإن رأى قطع أيديهم وأرجلهم من خلاف فعل ذلك، وإن رأى نفيهم نفاهم، على حسب اختلاف جرائمهم. وقال بعض أهل العلم: إن قتلوا قُتِلوا، وإن أخذوا المال مع القتل قُتِلوا، وصُلبوا، وإن أخذوا المال، ولم يقتلوا قطعت أيديهم وأرجلهم من خلاف، وإن لم يقتلوا ولم يأخذوا مالاً نُفُوا بأن يشرَّدوا، فلا يتركون يأوون إلى بلد. وقال آخرون: معنى ينفون، أي يحبسون، حتى يزولوا من الأرض، ونفيهم حبسهم، كما قاله جماعة من أهل العلم أيضاً. والصواب في هذا أن (أو) للتخيير، وأن ولي الأمر ينظر للأصلح، والأردع فيفعله، لا بالهوى، ولكن ينظر للأصلح، فإذا رأى قتله وحده قتله، وإن رأى قتله مع التقطيع، كما فعل النبي مع هؤلاء قطعهم، وتركهم يموتون، وإن رأى صلبهم صَلَبهم مع القتل، حتى يشتهر أمرهم، نسأل اللَّه السلامة والعافية. والحديث الثاني في قصة الأعرابي، الذي اشتكى عند النبي ﷺ ، وقال: إن ابنه كان عسيفاً: يعني أجيراً عند بعض الناس، فزنى الولد بامرأة المستأجر، فقيل: إن عليك مائة شاة، ووليدة بدلاً من عمل ولدك، تعطيه زوج المرأة، تدفع إليه مائة شاة ووليدة، بدل زنى ولدك

стр. 693

بامرأته، ثم سأل أهل العلم، فقالوا: لا, هذا فيه جلد مائة وتغريب عام, وعلى المرأة الرجم؛ لأنها مُحصنة, فطلب من النبي ﷺ أن يقضي بينه وبين خصمه في ذلك بحكم اللَّه: فقال الخصم: نعم يا رسول اللَّه، احكم بيننا بكتاب اللَّه وائذن لي, فأذِن له النبي ﷺ فأخبره بالقصة، فقال: «على ابنك جلد مائة، وتغريب عام، والوليدة، والغنم ردٌّ عليك، وعلى زوجة هذا الرجم إذا اعترفت» وبعث إليها أنيساً من بني أسلم، فاعترفت فرجمها, فدّل ذلك على أن هذا هو الحكم الشرعي. الحكم الشرعي إذا زنى بكر بمحصنة؛ فإن البكر الذي لم يتزوج يجلد مائة، ويغرب سنة كاملة للحديث، وكما في الحديث الآخر حديث عبادة: «الْبِكْرُ بِالْبِكْرِ، جَلْدُ مِئَةٍ وَتَغْريب عَام» (١). وأما المحصن من الرجال والنساء؛ فإنه يرجم بالحجارة حتى يموت، إذا ثبت زناه بالبينة، أو مع الشهود العدول، أو بإقرار الزاني أنه زنى، وهو محصن تزوج، ودخل بالزوجة, وهي كذلك قد أُحصنت، يعني قد تزوجت ودُخل بها كامرأة هذا الرجل. والصواب أنها ترجم بدون جلد، وهكذا الرجل يرجم بدون جلد, كان أول يرجم ويجلد جميعاً، ثم النبي ﷺ رجم بدون جلد، فالرجم فيه الكفاية، فهو قتل بشر قِتلة، بشر حالة، نسأل اللَّه السلامة,

стр. 694

إيذاءً له على ما فعل من قضاء وطره بالحرام، وهو قد أُحصن، قد تزوج، أو تزوجت هي كذلك. وهكذا فعل النبي ﷺ بماعز رجل من أسلم زنى واعترف فأمر برجمه (١). وهكذا امرأة من غامد زنت وهي مُحصنة، فاعترفت فأمر برجمها (٢). وهكذا يهوديان تحاكما إلى النبي ﷺ واعترفا بالزنى، وهما محصنان فرجمهما ﵊ (٣)، وهذا هو الحكم الشرعي في ذلك.

стр. 695

٣٥٥ - وعنه، عنهما ﵄ قالا: «سُئِلَ رسولُ اللَّه ﷺ (١) عَنِ الأَمَةِ إذَا زَنَتْ، وَلَمْ تُحْصَنْ؟ قَالَ: «إنْ (٢) زَنَتْ فَاجْلِدُوهَا، ثُمَّ إنْ زَنَتْ فَاجْلِدُوهَا، ثُمَّ إنْ زَنَتْ فَاجْلِدُوهَا، ثُمَّ بِيعُوهَا، وَلَوْ بِضَفِيرٍ». قال ابن شِهاب: ولا (٣) أدري: أبعد الثالثة، أو الرابعة؟ (٤). والضفير: الحبل. ٣٥٦ - عن أبي هريرة ﵁ أنه (٥) قال: «أَتَى رَجُلٌ مِنَ الْمُسْلِمِينَ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ ــ وَهُوَ فِي الْمَسْجِدِ ــ فَنَادَاهُ، فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، إنِّي زَنَيْتُ، فَأَعْرَضَ عَنْهُ، فَتَنَحَّى تِلْقَاءَ وَجْهِهِ فَقَالَ (٦): يَا رَسُولَ اللَّهِ، إنِّي زَنَيْت، فَأَعْرَضَ عَنْهُ، حَتَّى ثَنَّى ذَلِكَ عَلَيْهِ أَرْبَعَ مَرَّاتٍ، فَلَمَّا شَهِدَ عَلَى نَفْسِهِ أَرْبَعَ شَهَادَاتٍ، دَعَاهُ رَسُولُ اللَّهِ، فَقَالَ: «أَبِكَ جُنُون؟» قَالَ: لا. قَالَ: «فَهَلْ أُحْصِنْت»؟ قَالَ: نَعَمْ. فَقَالَ رَسُولُ اللَّه ﷺ : «اذْهَبُوا بِهِ فَارْجُمُوهُ». قَال ابْنُ شِهَابٍ: فَأَخْبَرَنِي أَبُو سَلَمَةَ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ: أنه سَمِعَ جَابِرَ بْنَ عَبْدِ اللَّهِ يَقُولُ: «كُنْت فِيمَنْ رَجَمَهُ، فَرَجَمْنَاهُ بِالْمُصَلَّى، فَلَمَّا

стр. 696

أَذْلَقَتْهُ الْحِجَارَةُ هَرَبَ، فَأَدْرَكْنَاهُ بِالْحَرَّةِ، فَرَجَمْنَاه (١). الرَّجُلُ: هُوَ مَاعِزُ بْنُ ماَلِكٍ، وروى قصته جابر بن سَمُرة (٢)، وعبداللَّه بن عباس (٣)، وأبو سعيد الخدري (٤)، وبُريدة بن الْحُصَيْب الأسلمي ﵃ (٥). ١٠٣ - قال الشارح ﵀: هذان الحديثان عن رسول اللَّه ﷺ فيما يتعلق بحد الزنى من الأمة والعبد ومن الحر. الحديث الأول: في زنى الأَمة، ومثلها العبد المملوك، قال النبي ﷺ : «إِذَا زَنَتْ أَمَةُ أحدكُمْ فَاجْلِدوهَا، ثُمَّ إِذا زَنَتْ فَاجْلِدُوهَا، ثُمَّ إذا زنت فاجلدوها، ثم بِيعُوهَا وَلَوْ بِحَبْلٍ مِنْ شَعَرٍ» (٦) , والعبد مثل ذلك في الحكم، ليس فيه رجم، إنما هو حد نصف ما على المحصنات من النساء والمحصن من الرجال، من باب قوله تعالى: ﴿فَإِذَا أُحْصِنَّ فَإِنْ

стр. 697

أَتَيْنَ بِفَاحِشَةٍ فَعَلَيْهِنَّ نِصْفُ مَا عَلَى الْمُحْصَنَاتِ مِنَ الْعَذَابِ﴾ (١)، يعني الجلد، فالجلد مائة في حق الحر، وفي حق الأَمة، والعبد النصف، وهو خمسون جلدة، ثم يباع، ولو بحبل من شعر بعد الثالثة، أو الرابعة؛ لأنه اتضح من التكرار أن الزنى خلق له، وطريقة له، وسجيَّة له، فصار بقاؤه غير مناسب، بل ينبغي إبعاده، ولعله حين انتقاله إلى سيد آخر تتغير حاله، ولعله يتوب فيتوب اللَّه عليه. والخلاصة: أن المملوك لا يرجم ولو كان ثيباً، إنما يجلد، سواءً كان بكراً أو ثيباً، يجلد نصف حد الحر خمسين جلدة، سواء كان ذكراً أو أنثى، ثيباً أو بكراً، وبعد الثالثة يبيعه سيده أو يبيعها سيدها، أو بعد الرابعة، شكٌّ من الراوي، والاحتياط تكون في الرابعة؛ لأنه لم يوجد رواية تعيِّن الثالثة دون شك، تباع ولو بضفير، والضفير، وهو الحبل، يعني يباع، ولو بالشيء القليل، ولو بالثمن القليل، وهذا يبيِّن أنه لابد أن يبيِّن البائع: أنني بعته من أجل أنه زنَّاء: يزني، لا يغش يبيِّن للمشتري أني بعته من أجل كذا وكذا، لأنه إذا ما بين سوف يُشترى بثمن جيد، ثمن أمثاله، لكن إذا بين سوف تكون قيمته رخيصة، فيباع ولو بضفير. فالحاصل: أنه يباع لكن مع البيان حتى لا يغش به أحداً، ولو كان الثمن قليلاً.

стр. 698

وفي هذا من الفوائد: أنه [لا] يرفعه لولي الأمر يكفي هو، يجلده سيده، ولا حاجة إلى المحكمة, ولا حاجة إلى الأمير، متى علم سيده منه الزنى جلده بنفسه أو بخادمه أو بولده يجلدونه الحد، ويكفي من غير حاجة إلى الرفع إلى ولاة الأمور؛ ولهذا قال: فاجلدوها، وفي اللفظ الآخر: «فليجلدها أحدكم»، ولم يقل: فارفعوها للسلطان. والحديث الرابع: حديث أبي هريرة في قصة ماعز، حديث ماعز جاء من طرق كثيرة، حديث أبي هريرة، وحديث جابر، وحديث ابن عباس، أحاديث كثيرة. ماعز رجل أسلمي زنى، فأتى النبي ﷺ فاعترف أربع مرات، فأمر النبي برجمه، وكان جاء تائباً نادماً مقلعاً، أراد من النبي ﷺ أن يطهره، فأعرض عنه النبي ﷺ لعله يتوب، فيتوب اللَّه عليه؛ لأن التائب إذا تاب بينه وبين اللَّه، ولم يتقدم للسلطان، فلا حرج عليه، يستتر بستر اللَّه، ويتوب بينه وبين اللَّه، ولا حاجة إلى أن يتقدم للسلطان، والتوبة تَجُب ما قبلها, لكنَّ ماعزاً من شدة ما أصابه من الخوف تقدم للنبي ﷺ ليطهِّره، وليقيم عليه الحد، فأعرض عنه النبي ﷺ ، لعله يرجع فيتوب فيتوب اللَّه عليه فلما كرر ذلك أمر برجمه «أبك جنون؟»؛ لأنه استنكر كونه يُلحّ بهذا الإلحاح، وهو سليم العقل، قال له: «فهل أُحصنت؟» يعني: تزوجت؟ قال: نعم, فأمر به النبي فرُجم حتى مات ﵁ ورحمه وصُلي عليه، فدل ذلك على أن

стр. 699

التائب إذا أقر عند السلطان يُرجم إن كان محصناً، وإن كان بكراً يجلد مائة جلدة، ويُغرب عاماً كما تقدم في قصة العسيف، فالبكر يجلد مائة، ويُغرب عاماً، والمرأة كذلك، والثيب من الرجال والنساء الأحرار يرجم حتى يموت. ٣٥٧ - وعن عبد اللَّه بن عمر ﵄ أنه قال: «إنَّ الْيَهُودَ جَاءُوا إلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ ، فَذَكَرُوا لَهُ: أَنَّ امْرَأَةً مِنْهُمْ وَرَجُلاً زَنَيَا، فَقَالَ لَهُمْ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : «مَا تَجِدُونَ فِي التَّوْرَاةِ، فِي شَانِ الرَّجْمِ؟» فَقَالُوا: نَفْضَحُهُمْ، وَيُجْلَدُونَ، قَالَ عَبْدُاللَّهِ بْنُ سَلامٍ: كَذَبْتُمْ، إن فِيهَا الرَّجْمَ، فَأَتَوْا بِالتَّوْرَاةِ فَنَشَرُوهَا، فَوَضَعَ أَحَدُهُمْ يَدَهُ عَلَى آيَةِ الرَّجْمِ، فَقَرَأَ مَا قَبْلَهَا وَمَا بَعْدَهَا، فَقَالَ لَهُ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ سَلامٍ: ارْفَعْ يَدَك، فَرَفَعَ يَدَهُ، فَإِذَا فِيهَا آيَةُ الرَّجْمِ، فَقَالَ: صَدَقَ يَا مُحَمَّدُ، فَأَمَرَ بِهِمَا النَّبِيُّ ﷺ فَرُجِمَا، قَالَ: فَرَأَيْت الرَّجُلَ يَجْنَأُ عَلَى الْمَرْأَةِ، يَقِيهَا الْحِجَارَةَ» (١). «يجنأ» ينحني (٢). الرجل الذي وضع يده على آية الرجم: هو (٣) عبد اللَّه بن صُوريا. ٣٥٨ - وعن أبي هريرة ﵁، أن رسولَ اللَّه ﷺ قال: «لَوْ أَنَّ

стр. 700

رَجُلاً ــ أَوْ قَالَ (١): امْرَأً ــ اطَّلَعَ عَلَيْكَ بِغَيْرِ إذْنِكَ (٢)، فَخَذَفْتَهُ (٣) بِحَصَاةٍ، فَفَقَاتَ عَيْنَهُ، مَا كَانَ عَلَيْك من (٤) جُنَاحٌ» (٥). ١٠٤ - قال الشارح ﵀: قد سبق في الأحاديث السابقة: أن اللَّه جل وعلا أوجب في حد الزنى حدين: أحدهما جلد مائة وتغريب عام في حق البكر إذا زنى، وقامت عليه البينة أربعة شهود عدول: أنهم رأوه فعل الفاحشة، أو اعترف بذلك، يُجلد مائة جلدة، ويُغرب عاماً عن وطنه، سواءً كان رجلاً أو امرأة. أما إذا كان ثيباً قد تزوج ودخل بالمرأة أو كانت المرأة ثيبة قد تزوجت ودخل بها الزوج، يعني وطئها؛ فإن كلاً منهما يُرجم بالحجارة حتى يموت, كان في أول الأمر يجلد مائة ويرجم بالحجارة بعد ذلك، ثم إن اللَّه جل وعلا عفا عن الجلد، وصار الرجم كافياً. وسبق أن الرسول ﵊ رجم زوجة صاحب العسيف

стр. 701

لما اعترفت ولم يجلدها، ورجم ماعزاً ولم يجلده، ورجم الغامدية ولم يجلدها، وهكذا في هذا الحديث جيء إليهم بيهوديين قد زنيا، وشهد عليهما بذلك واعترفا بذلك، فرجمهما حتى ماتا بحكم القرآن الكريم، وبيّن الحديث أن التوراة قد اشتملت على ذلك, وأن حكم القرآن صار مطابقاً لحكم التوراة في أن من زنى وهو مُحصن يُرجم، وهي عقوبة عظيمة شديدة، وهي أشنع قتلة: أشنع قتلة: الرجم، لكونه أتى ما حرم اللَّه عليه بعدما منّ اللَّه عليه بالزواج، وهو يرجم وإن كان قد طلقها، وإن كانت قد ماتت الزوجة، مادام تزوج ودخل بالمرأة فإنه يُرجم بالحجارة، ولو كانت زوجته قد ماتت أو طُلقت، لأنه يُسمى ثيباً، وإن كان قد طلقها أو ماتت عنه. وفيه من الفوائد: كذب اليهود وبُهتهم وأنهم حرفوا التوراة، وكذبوا على اللَّه، ومن ذلك أنهم أنكروا أن يكون الرجم في التوراة، وصاروا يحكمون بمن زنى منهم وهو مُحصن، يفضحونه ويجلدونه ولا يرجمونه، فلما أتوا بالتوراة اتضح أن فيها الرجم، وأنهم قد كتموه عن عامتهم، مداهنةً وبيعاً للآخرة بالدنيا، نسأل اللَّه السلامة. وفي الحديث الأخير يقول ﷺ : «لو أن امرءاً اطلع عليك بغير إذنك فخذفته بحصاة ففقأت عينه، ما كان عليك جناح» المشهور رواية: «خذفته»، ويروى «حذفته» بالحاء، والمشهور رواية: «خذفته» بحصاة بالخاء. هذا يفيد تحريم النظر إلى بيوت الناس، وأنه لا يجوز النظر إلى

стр. 702

عورات الناس، لا من [الأحذية] (١)، ولا من خلال الباب، ولا من الطاقات، التي تكون على البيوت، ولا من المانورات، ولا من أي ناحية، لا يجوز للناس أن ينظروا إلى عورات الناس في بيوتهم، وأن من تعمد ذلك، ونظر من خلال الباب، أو الخرم، أو غير ذلك إلى عورات الناس، فلهم أن يرجموه، وإن أصابوا عينه، فهي هدر؛ لظلمه وعدوانه على الناس. ٥٧ - باب حدِّ السرقة ٣٥٩ - عن عبد اللَّه بن عمر ﵄، «أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَطَعَ فِي مِجَنٍّ، قِيمَتُهُ ــ وَفِي لَفْظٍ: ثَمَنُهُ ــ ثَلاثَةُ دَرَاهِمَ» (٢). ٣٦٠ - عن عائشة ﵂، أنها سمعتْ رسولَ اللَّه ﷺ يقول: «تُقْطَعُ الْيَدُ فِي رُبْعِ دِينَارٍ، فَصَاعِداً» (٣). ٣٦١ - عن عائشة ﵂، «أَنَّ قُرَيْشاً أَهَمَّهُمْ شَانُ الْمَخْزُومِيَّةِ الَّتِي سَرَقَتْ، فَقَالُوا: مَنْ يُكَلِّمُ فِيهَا رَسُولَ اللَّهِ ﷺ ؟ فَقَالُوا: وَمَنْ يَجْتَرِئُ

стр. 703

عَلَيْهِ إلَاّ أُسَامَةُ بْنُ زَيْدٍ، حِبُّ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ ؟ فَكَلَّمَهُ أُسَامَةُ، فَقَالَ: «أَتَشْفَعُ فِي حَدٍّ مِنْ حُدُودِ اللَّهِ؟» ثُمَّ قَامَ، فَاخْتَطَبَ فَقَالَ: «إنَّمَا أَهْلَكَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ، أَنَّهُمْ كَانُوا إذَا سَرَقَ فِيهِمُ الشَّرِيفُ تَرَكُوهُ، وَإِذَا سَرَقَ فِيهِمُ الضَّعِيفُ أَقَامُوا عَلَيْهِ الْحَدَّ، وَأيْمُ اللَّهِ، لَوْ أَنَّ فَاطِمَةَ بِنْتَ مُحَمَّدٍ سَرَقَتْ لَقَطَعْتُ يَدَهَا» (١). وفي لفظ: «كَانَتِ امْرَأَةٌ تَسْتَعِيرُ الْمَتَاعَ وَتَجْحَدُهُ، فَأَمَرَ النَّبِيُّ ﷺ بِقَطْعِ يَدِهَا» (٢). ١٠٥ - قال الشارح ﵀: هذه الأحاديث الثلاثة الثابتة عن رسول اللَّه عليه الصلاة والسلام تدل على بعض أحكام السرقة، والسرقة محرمة وظلم وعدوان، وهي أخذ المال من الغير على طريق الخفاء، يقال لها سرقة, المال الذي يأخذه الإنسان على طريق الخفية، لا على طريق المجاهرة، فإن كان على طريق المجاهرة، فهو نهب، وغصب، لا يُسمى سرقة، وإذا كان على طريق الخفاء، وعدم الظهور، فهذا يسمى سرقة، وقد قال اللَّه جل وعلا: ﴿وَالسَّارِقُ وَالسَّارِقَةُ (٣)

стр. 704

فَاقْطَعُوا أَيْدِيَهُمَا جَزَاء بِمَا كَسَبَا نَكَالاً مِّنَ اللَّهِ وَاللَّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ﴾ (١)، (٢) [...] (٣)، فجعل الرب (٤) سبحانه عقوبتها عظيمة، ردعاً للناس عن ظلم الناس، وحسماً لمادة العدوان على أموال الناس، واللَّه يزع بالسلطان ما لا يزع بالقرآن، فالعقوبات روادع وزواجر في الدنيا قبل الآخرة, وجعل لذلك حداً، وهو ربع دينار، قالت عائشة ﵂ عن النبي ﷺ أنه قال: «تُقْطَعُ الْيَدُ فِي رُبْعِ دِينَارٍ»، وفي اللفظ الآخر: «لا تقطع اليد إلا في ربع دينار» (٥)، وفي اللفظ الآخر: «اقْطَعُوا فِي رُبُعِ دِينَارٍ وَلَا تَقْطَعُوا فِيمَا هُوَ أَدْنَى مِنْ ذَلِكَ» (٦). والدينار مثقال من الذهب، معناه ربع مثقال من الذهب، وكان الدينار في عهد النبي ﷺ سعره اثنا عشر درهماً، وربعه ثلاثة دراهم؛ ولهذا في حديث ابن عمر «أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَطَعَ فِي مِجَنٍّ، قِيمَتُهُ ثَلاثَةُ دَرَاهِمَ» (٧)، يعني ربع دينار، والمجنّ الترس الذي يتقى به السلاح، وهي الدرقة، يقال لها: مجنّ؛ لأنها تُجنُّ الناس، تسترهم، فسرقه

стр. 705

إنسان فقطع؛ لأن قيمته صارت ثلاثة دراهم: ربع دينار، فالنصاب الذي بيّنه الرسول ﷺ وهو منضبط بربع دينار، وكل ما بلغ ربع دينار تقطع فيه اليد، سواء كان متاعاً مما يلبس، أو مما يؤكل، أو غير ذلك، إذا كان من حرز، أما إذا كان من غير حرز كالبساتين المفتوحة للناس، يأكل منها: يمرّ ويأخذ منها شيئاً من الرطب، وكالغنم المهملة، هذا لا يقطع فيه، يُعزَّر ويؤدب، لابد أن تكون من حرز: كالبيت المغلق، أو الصندوق المغلق، أو الحوش المغلق في المُراح المعتاد، وما أشبه ذلك. وفي حديث المخزومية: الدَّلالة على أن الشفاعة لا تُقبل في الحدود، فلا يجوز أن يشفع الإنسان في الحدود، ولهذا لما سرقت امرأة من بني مخزوم في مكة، ورُفِعَ أمرها إلى النبي ﷺ في مكة عام الفتح أمر أن تقطع, فشق أمرها على قريش، وطلبوا من يشفع فيها، فطلبوا أُسامة بن زيد بن حارثة حِب رسول اللَّه أن يشفع؛ لأن الرسول كان يقدره، ويقدر أباه، فشفع أُسامة بأن لا تقطع، فغضب النبي ﷺ ، وقال: «أتشفع في حدٍ من حدود اللَّه!!؟» ثم خطب الناس ﵊، وقال: «إنما أهلك من كان قبلكم أنهم كانوا إذا سرق فيهم الشريف تركوه، وإذا سرق فيهم الضعيف أقاموا عليه الحد، وايم اللَّه لو أن فاطمة بنت محمد سرقت لقطعت يدها» (١)
следующие страницы →