لما اعترفت ولم يجلدها، ورجم ماعزاً ولم يجلده، ورجم الغامدية ولم يجلدها، وهكذا في هذا الحديث جيء إليهم بيهوديين قد زنيا، وشهد عليهما بذلك واعترفا بذلك، فرجمهما حتى ماتا بحكم القرآن الكريم، وبيّن الحديث أن التوراة قد اشتملت على ذلك, وأن حكم القرآن صار مطابقاً لحكم التوراة في أن من زنى وهو مُحصن يُرجم، وهي عقوبة عظيمة شديدة، وهي أشنع قتلة: أشنع قتلة: الرجم، لكونه أتى ما حرم اللَّه عليه بعدما منّ اللَّه عليه بالزواج، وهو يرجم وإن كان قد طلقها، وإن كانت قد ماتت الزوجة، مادام تزوج ودخل بالمرأة فإنه يُرجم بالحجارة، ولو كانت زوجته قد ماتت أو طُلقت، لأنه يُسمى ثيباً، وإن كان قد طلقها أو ماتت عنه.
وفيه من الفوائد: كذب اليهود وبُهتهم وأنهم حرفوا التوراة، وكذبوا على اللَّه، ومن ذلك أنهم أنكروا أن يكون الرجم في التوراة، وصاروا يحكمون بمن زنى منهم وهو مُحصن، يفضحونه ويجلدونه ولا يرجمونه، فلما أتوا بالتوراة اتضح أن فيها الرجم، وأنهم قد كتموه عن عامتهم، مداهنةً وبيعاً للآخرة بالدنيا، نسأل اللَّه السلامة.
وفي الحديث الأخير يقول ﷺ : «لو أن امرءاً اطلع عليك بغير إذنك فخذفته بحصاة ففقأت عينه، ما كان عليك جناح» المشهور رواية: «خذفته»، ويروى «حذفته» بالحاء، والمشهور رواية: «خذفته» بحصاة بالخاء.
هذا يفيد تحريم النظر إلى بيوت الناس، وأنه لا يجوز النظر إلى
стр. 702
عورات الناس، لا من [الأحذية] (١)، ولا من خلال الباب، ولا من الطاقات، التي تكون على البيوت، ولا من المانورات، ولا من أي ناحية، لا يجوز للناس أن ينظروا إلى عورات الناس في بيوتهم، وأن من تعمد ذلك، ونظر من خلال الباب، أو الخرم، أو غير ذلك إلى عورات الناس، فلهم أن يرجموه، وإن أصابوا عينه، فهي هدر؛ لظلمه وعدوانه على الناس.
٥٧ - باب حدِّ السرقة
٣٥٩ - عن عبد اللَّه بن عمر ﵄، «أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَطَعَ فِي مِجَنٍّ، قِيمَتُهُ ــ وَفِي لَفْظٍ: ثَمَنُهُ ــ ثَلاثَةُ دَرَاهِمَ» (٢).
٣٦٠ - عن عائشة ﵂، أنها سمعتْ رسولَ اللَّه ﷺ يقول: «تُقْطَعُ الْيَدُ فِي رُبْعِ دِينَارٍ، فَصَاعِداً» (٣).
٣٦١ - عن عائشة ﵂، «أَنَّ قُرَيْشاً أَهَمَّهُمْ شَانُ الْمَخْزُومِيَّةِ الَّتِي سَرَقَتْ، فَقَالُوا: مَنْ يُكَلِّمُ فِيهَا رَسُولَ اللَّهِ ﷺ ؟ فَقَالُوا: وَمَنْ يَجْتَرِئُ
стр. 703
عَلَيْهِ إلَاّ أُسَامَةُ بْنُ زَيْدٍ، حِبُّ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ ؟ فَكَلَّمَهُ أُسَامَةُ، فَقَالَ: «أَتَشْفَعُ فِي حَدٍّ مِنْ حُدُودِ اللَّهِ؟» ثُمَّ قَامَ، فَاخْتَطَبَ فَقَالَ: «إنَّمَا أَهْلَكَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ، أَنَّهُمْ كَانُوا إذَا سَرَقَ فِيهِمُ الشَّرِيفُ تَرَكُوهُ، وَإِذَا سَرَقَ فِيهِمُ الضَّعِيفُ أَقَامُوا عَلَيْهِ الْحَدَّ، وَأيْمُ اللَّهِ، لَوْ أَنَّ فَاطِمَةَ بِنْتَ مُحَمَّدٍ سَرَقَتْ لَقَطَعْتُ يَدَهَا» (١).
وفي لفظ: «كَانَتِ امْرَأَةٌ تَسْتَعِيرُ الْمَتَاعَ وَتَجْحَدُهُ، فَأَمَرَ النَّبِيُّ ﷺ بِقَطْعِ يَدِهَا» (٢).
١٠٥ - قال الشارح ﵀:
هذه الأحاديث الثلاثة الثابتة عن رسول اللَّه عليه الصلاة
والسلام تدل على بعض أحكام السرقة، والسرقة محرمة وظلم وعدوان، وهي أخذ المال من الغير على طريق الخفاء، يقال
لها سرقة, المال الذي يأخذه الإنسان على طريق الخفية، لا على طريق المجاهرة، فإن كان على طريق المجاهرة، فهو نهب،
وغصب، لا يُسمى سرقة، وإذا كان على طريق الخفاء، وعدم الظهور، فهذا يسمى سرقة، وقد قال اللَّه جل وعلا: ﴿وَالسَّارِقُ وَالسَّارِقَةُ (٣)
стр. 704
فَاقْطَعُوا أَيْدِيَهُمَا جَزَاء بِمَا كَسَبَا نَكَالاً مِّنَ اللَّهِ وَاللَّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ﴾ (١)، (٢) [...] (٣)، فجعل الرب (٤) سبحانه عقوبتها عظيمة، ردعاً للناس عن ظلم الناس، وحسماً لمادة العدوان على أموال الناس، واللَّه يزع بالسلطان ما لا يزع بالقرآن، فالعقوبات روادع وزواجر في الدنيا قبل الآخرة, وجعل لذلك حداً، وهو ربع دينار، قالت عائشة ﵂ عن النبي ﷺ أنه قال: «تُقْطَعُ الْيَدُ فِي رُبْعِ دِينَارٍ»، وفي اللفظ الآخر: «لا تقطع اليد إلا في ربع دينار» (٥)، وفي اللفظ الآخر: «اقْطَعُوا فِي رُبُعِ دِينَارٍ وَلَا تَقْطَعُوا فِيمَا هُوَ أَدْنَى مِنْ ذَلِكَ» (٦).
والدينار مثقال من الذهب، معناه ربع مثقال من الذهب، وكان الدينار في عهد النبي ﷺ سعره اثنا عشر درهماً، وربعه ثلاثة دراهم؛ ولهذا في حديث ابن عمر «أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَطَعَ فِي مِجَنٍّ، قِيمَتُهُ ثَلاثَةُ دَرَاهِمَ» (٧)، يعني ربع دينار، والمجنّ الترس الذي يتقى به السلاح، وهي الدرقة، يقال لها: مجنّ؛ لأنها تُجنُّ الناس، تسترهم، فسرقه
стр. 705
إنسان فقطع؛ لأن قيمته صارت ثلاثة دراهم: ربع دينار، فالنصاب الذي بيّنه الرسول ﷺ وهو منضبط بربع دينار، وكل ما بلغ ربع دينار تقطع فيه اليد، سواء كان متاعاً مما يلبس، أو مما يؤكل، أو غير ذلك، إذا كان من حرز، أما إذا كان من غير حرز كالبساتين المفتوحة للناس، يأكل منها: يمرّ ويأخذ منها شيئاً من الرطب، وكالغنم المهملة، هذا لا يقطع فيه، يُعزَّر ويؤدب، لابد أن تكون من حرز: كالبيت المغلق، أو الصندوق المغلق، أو الحوش المغلق في المُراح المعتاد، وما أشبه ذلك.
وفي حديث المخزومية: الدَّلالة على أن الشفاعة لا تُقبل في الحدود، فلا يجوز أن يشفع الإنسان في الحدود، ولهذا لما سرقت امرأة من بني مخزوم في مكة، ورُفِعَ أمرها إلى النبي ﷺ في مكة عام الفتح أمر أن تقطع, فشق أمرها على قريش، وطلبوا من يشفع فيها، فطلبوا أُسامة بن زيد بن حارثة حِب رسول اللَّه أن يشفع؛ لأن الرسول كان يقدره، ويقدر أباه، فشفع أُسامة بأن لا تقطع، فغضب النبي ﷺ ، وقال: «أتشفع في حدٍ من حدود اللَّه!!؟» ثم خطب الناس ﵊، وقال: «إنما أهلك من كان قبلكم أنهم كانوا إذا سرق فيهم الشريف تركوه، وإذا سرق فيهم الضعيف أقاموا عليه الحد، وايم اللَّه لو أن فاطمة بنت محمد سرقت لقطعت يدها» (١)
стр. 706
- ﵊.
هذا يدل على أنه يجب أن تُقام الحدود على: الأغنياء، والفقراء، والأشراف، وغير المعروفين، يجب أن تُقام الحدود على الجميع.
ودل الحديث على أن المداهنة من أسباب عذاب اللَّه، ومن أسباب الهلاك، فلا تجوز المداهنة في ذلك: ﴿وَدُّوا لَوْ تُدْهِنُ فَيُدْهِنُونَ﴾ (١)، فلا يجوز أن يُعامل في الحدود الضعفاء دون الأغنياء، دون الأشراف، بل يجب أن تُطبق على الجميع في السرقة، وفي الزنى، وشرب الخمر، وفي غير ذلك.
وفي لفظ: «أنها كانت تستعير المتاع وتجحده»: فأمر النبي بقطع يدها، يفيد أن التي تستعير المتاع وتجحده، حكمها حكم السارق, الذي يستعير أموال الناس، ثم يجحد ما استعار، إذا ثبت عليه الأمر، وصار نصاباً تقطع يده به، على أصح قولي العلماء؛ لأنه في حكم السرقة؛ ولأن التحرز من هذا متعب ما كلٌ يستطيع التحرز من هذا العمل السيئ.
وفيه إنكار المنكر على من فعله، والدَّلالة على أنه لا تجوز الشفاعة في الحدود.
وفي الحديث الآخر قال: «مَنْ حَالَتْ شَفَاعَتُهُ دُونَ حَدٍّ مِنْ حُدُودِ اللَّهِ فَقَدْ ضَادَّ اللَّهَ فِي أَمْرِهِ» (٢).
стр. 707
وفي الحديث الآخر: «إِذَا بَلَغْت الحدود السُّلْطَانَ فَلَعَنَ اللَّهُ الشَّافِعَ وَالْمُشَفِّعَ» (١)،
فإذا رُفعت الحدود إلى ولي الأمر، إلى الأمير، إلى الملك، إلى المحكمة لا تجوز الشفاعة، بل يجب أن يُقام الحد، أما إذا تعارفوا بينهم، فلم يرفعها، مثلما سرق إنسان وعلم صاحبه واستسمحه وأعطاه السرقة، ولم يرفع بأمره، فلا حد عليه، إذا لم يُرفع للسلطان، إذا سامحه صاحب الحق وعفا عنه، فإنه يسقط الحد، لأنها ما رُفعت للسلطان، ولما سُرِق من صفوان بن أمية رداؤه وأتى به النبي ﷺ وأمر بقطعه، قال صفوان: قد عفوت،
стр. 708
قال له النبي ﷺ : «فَهَلَّا كَانَ هَذَا قَبْلَ أَنْ تَاتِيَنِي بِهِ، إذا بلغت الحدود السلطان، فلعن اللَّه الشافع والمشفوع» (١)،
العفو يكون قبل المجيء، فإذا سُرِق من إنسان دراهم أو غيرها مما يوجب القطع، وعفا عنه صاحبها، سقط الحد قبل أن يرفع، فأما إذا رفع للسلطان، وجب أن يقام الحد، ردعاً للناس عن الفساد, وحماية لأموال المسلمين من المجرمين، الذين يتعدَّوْن عليها بالسرقة.
٥٨ - باب حدِّ الخمر
٣٦٢ - عن أنس بن مالك ﵁، «أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ أُتِيَ بِرَجُلٍ قَدْ شَرِبَ الْخَمْرَ, فَجَلَدَهُ بِجَرِيدَةٍ نَحوَ أَرْبَعِينَ، قال: وفعله أبو بكر، فلما كان عمر: استشار الناس، فقال عبد الرحمن بن عوف (٢): أخف الحدود
стр. 709
ثمانون (١)، فأمر به عمر ﵁» (٢).
٣٦٣ - وعن أبي بُرْدة هاناء بن نِيار البلَوِيِّ الأنصاري (٣) ﵁، أنه سمع رسول اللَّه ﷺ يقول: «لا يُجْلَدُ فَوْقَ عَشَرَةِ أَسْوَاطٍ، إلَاّ فِي حَدٍّ مِنْ حُدُودِ اللَّهِ» (٤).
١٠٦ - قال الشارح ﵀:
هذان الحديثان فيما يتعلق في حد الخمر، وعدم الزيادة في الجلد على عشرة أسواط، إلا في حدٍّ من حدود اللَّه.
الخمر يُطلق على كل ما يخامر العقل، ويغيّره من أي جنس كان من عنب، أو من تمر، أو من غير ذلك، كل ما اشتدّ، وغيّر العقل، يُسمّى خمراً، كما في الحديث الصحيح: «كل مسكر خمر, وكل مسكر حرام» (٥) قال عمر ﵁: الخمر ما خامر العقل (٦): يعني ما
стр. 710
خالطه وغيره من أي جنس.
واللَّه جل وعلا حرم الخمر، وحذر منها، لما فيها من امتهان العقول والفساد الكثير، قال تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنّمَا الخَمْرُ والميسِرُ والأَنصَابُ والأَزْلامُ رِجس من عَمَلِ الشَّيْطانِ فاجْتَنِبُوهُ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ * إِنَّمَا يُرِيدُ الشَّيْطَانُ أَنْ يُوقِعَ بَيْنَكُمُ الْعَدَاوَةَ وَالْبَغْضَاءَ فِي الْخَمْرِ وَالْمَيْسِرِ وَيَصُدَّكُمْ عَنْ ذِكْرِ اللَّهِ وَعَنِ الصَّلَاةِ فَهَلْ أَنْتُمْ مُنْتَهُونَ﴾ (١)، والميسر هو القمار، وهو المغالبة بالمال، والمخاطرة بالمال، وقد لعن رسول اللَّه ﷺ «الخمر، وشاربها، وساقيها، وعاصرها، ومعتصرها، وحاملها، والمحمولة إليه، وبائعها، ومشتريها، وآكل ثمنها» (٢)
, فهي من الكبائر، وقال ﵊: «إن على اللَّه عهداً لمن مات وهو يشرب الخمر أن يسقيه من طينة الخبال» قيل: يا رسول اللَّه وما طينة الخبال؟ قال: «عصارة أهل النار» أو قال: «عرق أهل النار» (٣)، نسأل اللَّه العافية, وكان النبي ﷺ
стр. 711
يعاقب فيه بالجلد: بالجريد، وبالنعال، والثياب، ثم استقر حدُّه بأربعين جلدة، فعله النبي ﷺ ، وفعل ذلك أبو بكر أيضاً، كما في حديث أنس السابق، فلما كان في عهد عمر توسَّع الناس في شرب الخمر جمع الصحابة، واستشارهم ﵃ في أن يُزاد، فأشار عبدالرحمن بن عوف بأن يُجعل ثمانون، يجعل حدّ الخمر ثمانين جلدة كالقذف، ووافقه على ذلك؛ لأن هذا أنكى (١)، وأشد في الزجر؛ ولأن الرسول ﷺ لم يحد فيه حداً لا يزاد، فجلد فيه بالجريد والنعال، وهكذا علي ﵁ لم يحد فيه حداً.
فصار أشبه بالتعزير، فلهذا رأى عمر ﵁ ومن معه الزيادة في الردع وزاد عمر فيه أيضاً النفي إذا رأى المصلحة في ذلك، فالواجب على ولي الأمر أن يعاقب شارب الخمر بما يردعه، ومن ذلك جلده ثمانين جلدة، وإذا رأى مع ذلك أن يسجن، أو ينفى من بلده إلى بلدٍ أخرى، فلا بأس بذلك إذا لم ينزجر بهذا الحد؛ لأن التساهل في ذلك يفضي إلى فساد كبير في الأمة، فشارب الخمر لا يتورع عن شيء لذهاب عقله، قد يقتل، قد يزني، قد يتعدَّى على حرمات أخرى، فهي أم
стр. 712
الخبائث، شرها عظيم؛ فلذلك وجب على ولاة الأمور العناية بما يحسم شرها، ويقطع دابرها، ويمنع من الإقدام عليها.
حديث أبي بردة بن نيار البلوي دلالة على أنه لا يجلد فوق عشرة أسواط، إلا في حدٍ من حدود اللَّه، وأحسن ما قيل في ذلك أن المراد بالحدّ هنا هو المعصية؟، كما قال تعالى: ﴿تِلْكَ حُدُودُ اللَّهِ فَلَا تَقْرَبُوهَا﴾ (١)، وهي المعاصي، يعني أن تأديب الإنسان زوجته، أو ولده، أو خادمه يكون عشرة فأقل؛ لأنه حق آدمي فلا يزاد على العشرة في ذلك، ولكن في حدود اللَّه في المعاصي، لا بأس أن يزاد للردع، أما في حدود المخلوق فيما بين المخلوق والمخلوق كما بين الرجل وابنه، أو زوجته، أو خادمه، أو نحو ذلك، فيكون الجلد في عشرة فأقل؛ ولهذا قال: «إلا في حدٍّ من حدود اللَّه»: يعني إلا في معصية من معاصي اللَّه.
стр. 713
١٥ - كتاب الأيمان والنذور
٣٦٤ - عن عبد الرحمن بن سَمُرة ﵁ قال: قال رسولُ اللَّه ﷺ : «يَا عَبْدَ الرَّحْمَنِ بْنَ سَمُرَةَ، لا تَسْأَلِ الإِمَارَةَ، فَإِنَّكَ إنْ أُعْطِيتَهَا عَنْ مَسْأَلَةٍ: وُكِلْتَ إلَيْهَا، وَإِنْ أُعْطِيتَهَا عَنْ غَيْرِ مَسْأَلَةٍ: أُعِنْتَ عَلَيْهَا، وَإِذَا حَلَفْتَ عَلَى يَمِينٍ، فَرَأَيْتَ غَيْرَهَا خَيْراً مِنْهَا، فَكَفِّرْ عَنْ يَمِينِكَ، وَائْتِ الَّذِي هُوَ خَيْرٌ» (١).
٣٦٥ - عن أبي موسى ﵁ قال: قال رسول اللَّه ﷺ : «إنِّي وَاَللَّهِ ــ إنْ شَاءَ اللَّهُ ــ لا أَحْلِفُ عَلَى يَمِينٍ، فَأَرَى غَيْرَهَا خَيْراً مِنْهَا، إلَاّ أَتَيْتُ الَّذِي هُوَ خَيْرٌ منها (٢)، وَتَحَلَّلْتُهَا» (٣).
٣٦٦ - عن عمر بن الخطاب ﵁ قال: قال رسولُ اللَّه ﷺ : «إنَّ اللَّهَ يَنْهَاكُمْ أَنْ تَحْلِفُوا بِآبَائِكُمْ» (٤).
стр. 714
ولمسلمٍ: «فَمَنْ كَانَ حَالِفاً فَلْيَحْلِفْ بِاَللَّهِ، أَوْ لِيَصْمُت» (١).
وفي رواية قال عمر: فَوَاَللَّهِ مَا حَلَفْتُ بِهَا مُنْذُ سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَنْهَى عَنْهَا، ذَاكِراً وَلا آثِراً (٢).
يَعني (٣): حاكِياً عَنْ غَيْرِي: أَنَّهُ حَلَفَ بهِا.
١٠٧ - قال الشارح ﵀:
هذه الأحاديث الثلاثة الثابتة عن رسول اللَّه ﵊ فيها أحكام تتعلق بالإمارة وبالأيمان.
الحديث الأول: يقول ﷺ لعبد الرحمن بن سمرة: «لا تسأل الإمارة»، يعني الولاية «فإنك إن أُعطيتها عن مسألة وكلت إليها، وإن أُعطيتها عن غير مسألة أُعنت عليها».
هذا يدل على أنه ما يجوز للإنسان أن يسأل الإمارة، يعني يكون أميراً على كذا، وأميراً على كذا، يقول: لا، ومثلها القضاء، وما أشبه ذلك من الولايات، التي يخشى منها الخطر، ولكن متى كُلِّف بها فيستعين باللَّه، إذا كان يرى نفسه أهلاً لذلك، وإن كان يرى نفسه ليس أهلاً لذلك فليعتذر، ولا يوافق على هذا التكليف؛ لأنه يضره
стр. 715
ذلك، إذا كان يعلم من نفسه أنه ليس أهلاً لذلك، لكن يستثنى من ذلك إذا كان السائل أهلاً لذلك، ويرى أن في السؤال مصلحة للمسلمين، ورفعاً للظلم عنهم، كما فعل يوسف ﵊، حيث قال لملك مصر: ﴿اجْعَلْنِي عَلَى خَزَائِنِ الْأَرْضِ إِنِّي حَفِيظٌ عَلِيمٌ﴾ (١)، وأراد أن يرفع الظلم عن الناس، وأن يحكم بينهم بالعدل فمدحه اللَّه بهذا، وهكذا عثمان بن أبي العاص الثقفي الطائي لما أسلم، قال: يا رسول اللَّه اجعلني إمام قومي. قال: «أَنْتَ إِمَامُهُمْ وَاقْتَدِ بِأَضْعَفِهِمْ واتخذ مؤذناً لا يأخذ على أذانه أجراً» (٢).
فوافقه على طلبه ولم ينكر عليه؛ لأنه أراد المصلحة لأهل البلد ولجماعته، وليحكم فيهم بالعدل، فإذا رأى الإنسان في عشيرته، أو في بلده ضياعاً، وفساداً، وأن تركهم هكذا يضرهم، ورأى من نفسه القوة على تنفيذ أمر اللَّه، والإصلاح لأحوال المجتمع، ولم يقصد بذلك رياءً ولا مالاً، وإنما قصد وجه اللَّه في ذلك، فلا بأس عليه، فهذا مستثنى، وهو حريٌ بالتوفيق والإعانة إذا صلحت نيته، ولم يقصد من وراء ذلك حظاً عاجلاً.
أما ما يتعلق بالأيمان مثل ما قال النبي ﷺ : «إذا حلفت على يمين
стр. 716
فرأيت غيرها خيراً منها: فكفّر عن يمينك: وائت الذي هو خير» (١).
وفي حديث أبي موسى قال: ««إنِّي وَاَللَّهِ ــ إنْ شَاءَ اللَّهُ ــ لا أَحْلِفُ عَلَى يَمِينٍ، فَأَرَى غَيْرَهَا خَيْراً مِنْهَا، إلَاّ أَتَيْتُ الَّذِي هُوَ خَيْرٌ، وَتَحَلَّلْتُهَا» (٢)،
وفي اللفظ الآخر: «إلَاّ أَتَيْتُ الَّذِي هُوَ خَيْرٌ، وَكَفَّرْتُ عَنْ يَمِينِي» (٣)،
هذا يدل على أنه إذا حلف أنه ما يفعل هذا الشيء، أو أنه يفعل هذا الشيء، ثم بان له بالتأمل أن اليمين ليست في محلها، وأن الأولى أن يفعل هذا الشيء، أو لا يفعل هذا الشيء، فإنه يكفر عن يمينه، ويفعل الأصلح، ولا يلجّ (٤) في يمينه، لا يلج فيها حلف باللَّه أنه
стр. 717
ما يزور فلاناً، أو ما يسافر إلى بلد كذا، أو ما يُجيب دعوة فلان، ثم تبين أنه غلطان، وأن كونه يزوره، أو يجيب دعوته، أو يسافر أصلح، فإنه يكفِّر عن يمينه بالكفارة المعروفة: إطعام عشرة مساكين، أو كسوتهم، أو عتق رقبة، كما نصّ اللَّه على هذا الشأن في سورة المائدة، فإن عجز صام ثلاثة أيام، ولا يقول: حلفت وبس (١)، لا، إذا رأى المصلحة فليكفر، وليعمل المصلحة، ومن ذلك أنه ﷺ جاءه قوم يطلبون الحُملان، ما عندهم مركوب في بعض الغزوات، أو السرايا، فقال: «واللَّه ما عندي ما أحملكم عليه»، ثم جاءته إبل، فدعاهم وحملهم، فقالوا: إنك حلفت أن لا تحملنا، قال: «ما حملتكم، ولكن اللَّه حملكم، ما أنا حملتكم، ولكن اللَّه حملكم»، يعني: يسّر اللَّه الأمر، «وإني واللَّه لا أحلف على يمين فأرى غيرها خيراً منها، إلا كفرت عن يميني، وأتيت التي هي خير» (٢)، هكذا قال ﵊؛ فلهذا حملهم، وكفّر عن يمينه ﵊.
وفي الحديث الثالث: الدلالة على أنه لا يجوز الحلف بغير اللَّه، يقول ﷺ : «إن اللَّه ينهاكم أن تحلفوا بآبائكم»، كانت الجاهلية تحلف
стр. 718
بآبائها، يقول أحدهم: بأبي ما أفعل كذا، بأبي ما فعلت كذا، بأمي ما فعلت كذا، هذا من عمل الجاهلية، وكان الناس يفعلون هذا في أول الإسلام على طريقتهم السابقة، ثم نهاهم النبي عن ذلك، قال: «لا تحلفوا بآبائكم ولا بأمهاتكم ولا بالأنداد، ولا تحلفوا باللَّه إلا وأنتم صادقون» (١)،
وقال: «من كان حالفاً فليحلف باللَّه أو ليصمت» (٢)، وقال: «من حلف بشيء دون اللَّه فقد أشرك» (٣)، وقد أجمع أهل العلم على أنه لا يجوز الحلف بغير اللَّه، فلا يقول: بأبي، ولا بأمي، ولا باللات والعزى، ولا بالصنم الفلاني، ولا بالرأس الفلاني، ولا شرف فلان، ولا حياة فلان. كل هذا لا يجوز، إما أن يحلف باللَّه، أو يسكت، يقول: واللَّه، أو وربي، أو عزة اللَّه، أو بعزة اللَّه، أو ما أشبه ذلك. يقسم باللَّه أو بصفاته ، أما بغيره فلا، لا بالأنبياء، ولا بغيرهم، ولا يقول بالنبي، ولا والنبي، ولا بالأمانة ولا والأمانة، ولا برأسك، ولا بشرفك، ولا بحياة أبي، ولا غير ذلك، كل هذا منكر
стр. 719
من أنواع الشرك الأصغر، وقد يكون أكبر، إذا عظمه كما يُعظم اللَّه، فالواجب الحذر من ذلك، وأن يعوّد نفسه، يمرنها على الحلف باللَّه، إذا كان قد اعتاد الحلف بغير اللَّه، وأن يجاهد نفسه في ذلك، حتى يعتاد الحلف باللَّه، وحتى يسلم من الحلف بغير اللَّه .
٣٦٧ - عن أبي هريرة ﵁، عن النَّبيِّ ﷺ قال: «قَالَ سُلَيْمَانُ بْنُ دَاوُد ﵉: لأَطُوفَنَّ اللَّيْلَةَ عَلَى تسعينَ (١) امْرَأَةً، تَلِدُ كُلُّ امْرَأَةٍ مِنْهُنَّ غُلامًا، يُقَاتِلُ فِي سَبِيلِ اللَّهِ، فَقِيلَ لَهُ: قُلْ: إنْ شَاءَ اللَّهُ، فَلَمْ يَقُلْ، فَطَافَ (٢) بِهِنَّ، فَلَمْ تَلِدْ مِنْهُنَّ إلَاّ امْرَأَةٌ وَاحِدَةٌ نِصْفَ إنْسَانٍ، قَالَ: فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : «لَوْ قَالَ: إنْ شَاءَ اللَّهُ لَمْ يَحْنَثْ، وَكَانَ ذلك (٣) دَرَكاً لِحَاجَتِهِ» (٤).
قوله: «قيل له: قل إن شاء اللَّه» يعني: قال له الملَك (٥).
٣٦٨ - عن عبد اللَّه بن مسعود ﵁ قال: قال رسولُ اللَّه ﷺ : «مَنْ
стр. 720
حَلَفَ عَلَى يَمِينِ صَبْرٍ يَقْتَطِعُ بِهَا مَالَ امْرِئٍ مُسْلِمٍ، هُوَ فِيهَا فَاجِرٌ، لَقِيَ اللَّهَ وَهُوَ عَلَيْهِ غَضْبَانُ، وَنَزَلَتْ ﴿إنَّ الَّذِينَ يَشْتَرُونَ بِعَهْدِ اللَّهِ وَأَيْمَانِهِمْ ثَمَناً قَلِيلاً﴾ إلَى آخِرِ الآيَةِ» (١).
٣٦٩ - عن الأشعث بن قيس ﵁ قال، «كَانَ بَيْنِي وَبَيْنَ رَجُلٍ خُصُومَةٌ فِي بِئْرٍ، فَاخْتَصَمْنَا إلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : «شَاهِدَاكَ أَوْ يَمِينُهُ»، قُلْت: إذاً يَحْلِفُ وَلا يُبَالِي، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : «مَنْ حَلَفَ عَلَى يَمِينِ صَبْرٍ يَقْتَطِعُ بِهَا مَالَ امْرِئٍ مُسْلِمٍ، هُوَ فِيهَا فَاجِرٌ، لَقِيَ اللَّهَ وَهُوَ عَلَيْهِ غَضْبَانُ» (٢).
١٠٨ - قال الشارح ﵀:
في هذه الأحاديث الدَّلالة على التحذير من الأيمان الفاجرة، وأنه لا يجوز للمسلم أن يحلف على غير حق، لا في النفي ولا في الإثبات، بل يجب أن يتحرَّى الحق، ويحلف عليه، أما أن يحلف
стр. 721
على الباطل والزور، فهذا من أعظم الكبائر، ومن أسباب غضب اللَّه ودخول النار، نسأل اللَّه السلامة، كما أنه إذا حلف ينبغي له أن يستثني، وهكذا إذا وعد أن يستثني في المستقبل، فإذا قال لأفعلن كذا يقول: إن شاء اللَّه لأزورن فلاناً، يقول: إن شاء اللَّه لأفعل كذا إن شاء اللَّه؛ لأنه لا يدري، ليس الأمر بيده، الأمر بيد اللَّه، هو الذي يقلب القلوب، ويعينها على ما يشاء، ويثبطها عما يشاء : ﴿إِنَّ رَبَّكَ فَعَّالٌ لِمَا يُرِيدُ﴾ (١)،
في هذا الحديث: أن سليمان بن داود عليهما وعلى نبينا الصلاة والسلام، فهما نبيان كريمان، رسولان كريمان: سليمان وداود، قال: لأطوفن الليلة على تسعين امرأة ــ كانت شريعة التوراة فيها التوسعة في كثرة النساء، كان أبوه داود عنده مائة امرأة، كانت شريعة التوراة ليس فيها تشديد بجمع النساء، فيها الإباحة بالعدد الكثير، أما في شريعة محمد ﷺ ففيها الحصر على أربع، بأمر النبي ﷺ ، لا يزيد على أربع، وفي شريعة التوراة أكثر من ذلك؛ ولهذا قال سليمان: لأطوفن الليلة على تسعين امرأة، ومعنى الطواف عليهن، يعني الاتصال بهن وجماعهن، يعني لأطوفن عليهن وأُجامعهن، هذا هو المقصود، تلد كل امرأة منهن غلاماً، يُقاتل في سبيل اللَّه، ولم يقل: إن شاء اللَّه، كأنه حمله على ذلك ما يعلمه من حُسن ظنه باللَّه، وأنه سوف يُعينه على هذا
стр. 722
الشيء، وسوف يسهِّل له ما طلب، فترك المشيئة، فلم تلد إلا امرأة واحدة نصف إنسان، شق إنسان، أراه اللَّه العبرة، فينبغي للمؤمن أن يستثني، ليس الأمر بيده، ولو كان عازماً على اللَّه، ولو كان كريماً على اللَّه، ربنا يُعلِّم عباده من طريق الرسل بالفعل والقول (١) [والإنسان لا يدري ماذا يكسب غداً] (٢).
ولم يكن (٣) عنده علم؛ لأنه ينبغي في هذا [أن يرد المشيئة إلى اللَّه] (٤)، وقد نزل القرآن الكريم: ﴿وَلَا تَقُولَنَّ لِشَيْءٍ إِنِّي فَاعِلٌ ذَلِكَ غَدًا * إِلَّا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ﴾ (٥)، فالإنسان إذا أراد أن يفعل شيئاً يقول: إن شاء اللَّه، واللَّه لأزورن فلاناً إن شاء اللَّه, واللَّه لأجاهدن في سبيل اللَّه إن شاء اللَّه, لأساعدن فلاناً إن شاء اللَّه، لأنه لا يدري هو في المستقبل يتيسر له ذلك أم لا، فيستثني، يقول: إن شاء اللَّه, وقال النبي ﷺ : «أما إنه لو قال إن شاء اللَّه لكان دركاً لحاجته، ولولدت كل واحدة منهن غلاماً،
стр. 723
يُقاتل في سبيل اللَّه»، لكنه لم يقل لحكمة بالغة، قد مضى في علم اللَّه أنه لا يقع إلا هذا؛ فلهذا لم يُقدَّر له أن يقول: إن شاء اللَّه، ولو قالها لم يحنث، يعني لولدت كل واحدة منهن غلاماً يقاتل في سبيل اللَّه، ولكنه لم يُقدَّر له ذلك؛ لما سبق في علم اللَّه أن هذا الجنين لا يتحقق، ولو كان من رسول كريم على اللَّه .
وفي حديث ابن مسعود والأشعث بن قيس الدلالة على أن اليمين الفاجرة من أسباب غضب اللَّه، يقول ﷺ : «من حلف على يمين صبر ــ يعني يحبس نفسه عليها ــ يقتطع بها مال امرئ مسلم بغير حق، وهو فيها فاجر، لقي اللَّه وهو عليه غضبان». يعني من حلف على يمين كاذباً فيها، يقتطع بها مال أخيه بغير حق، قد ظلم وتعدى، فيستحق بهذا غضب اللَّه .
وفي حديث أبي أُمامة الحارثي يقول ﷺ : «من اقتطع حق امرئ مسلم بيمين، فقد أوجب اللَّه له النار، وحرم عليه الجنة» قيل: يا رسول اللَّه، وإن كان شيئاً يسيراً؟ قال: «وإن كان قضيباً من أراك» رواه مسلم (١).
فالمقصود من هذا التحذير من الظلم والأيمان الفاجرة، وأن عاقبتها وخيمة، وأنها من أسباب غضب اللَّه ودخول النار، وهذا لما ادعى الأشعث على إنسان في بئر بأن البئر بئره، وصاحب البئر أنكر ذلك. قال بئري ليست بئرك. حكم به النبي لصاحبها، لمن هي تحت يده، وقال الرسول للأشعث: «شاهداك أو يمينه» أحضر من يبين أنها لك بإرث أو بيع أو غير ذلك، أو أنه لا حق لك فيها. فقال الأشعث: إذاً يحلف ولا يبالي. فقال ﵊: «من اقتطع حق
стр. 724
امرئ مسلم بيمين وهو فيها فاجر لقي اللَّه وهو عليه غضبان»، فلا يجوز للمؤمن أن يتساهل في الأيمان الفاجرة؛ لأن خطرها عظيم.
وفي هذا الحديث الدلالة على أن من كان بيده الشيء هو أولى به، وأحق به: أرض, أو بيت, أو سيارة, أو دار, أو مزرعة، فإذا جاء واحد ينازعه فيها، وهي تحت يده يتصرف فيها، يقال: للمدعي شاهداك، البينة. كما في حديث ابن عباس: «الْبَيِّنَةَ عَلَى الْمُدَّعِي وَالْيَمِينَ عَلَى مَنْ أَنْكَرَ» (١)، «شاهداك أو يمينه» أي أحضر شاهدين على أن الأرض أرضك، والسيارة سيارتك، وأن المزرعة مزرعتك، وأن البئر بئرك، شاهداك يعني عدلان أو يمينه، يعني ليس لك إلا هذا، إما أن تحضر شاهدين عدلين بما ادعيت، أو لك يمينه: أن دعواك لا أساس لها: هذا هو الحكم الشرعي في هذه الدعاوى.
ومعنى هذا: ولو أن المدعي فاجر، ولو أنه كافر، ما لك إلا يمينه، ولو أن المدعي مسلم، والمدعى عليه كافر، لا ينزع ماله إلا بحق، وفي بعض الروايات: إنه رجل فاجر لا يبالي بما حلف عليه،
стр. 725
قال: «لَيْسَ لَكَ إِلَّا ذَلِكَ» (١)، فالمُدَّعى عليه ليس عليه إلا اليمين، سواء كان عدلاً، أو فاجراً، أو كافراً، ليس للمدعى عليه إلا اليمين، والمدعي هو الذي يحضر البينة.
٣٧٠ - عن ثابت بن الضحاك الأنصاري ﵁، أَنَّهُ بَايَعَ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ تَحْتَ الشَّجَرَةِ، وَأَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ: «مَنْ حَلَفَ عَلَى يَمِينٍ بِمِلَّةٍ غَيْرِ الإِسْلامِ، كَاذِباً مُتَعَمِّداً، فَهُوَ كَمَا قَالَ، وَمَنْ قَتَلَ نَفْسَهُ بِشَيْءٍ، عُذِّبَ بِهِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ، وَلَيْسَ عَلَى رَجُلٍ نَذْرٌ فِيمَا لا يَمْلِكُ» (٢).
وفي روايةٍ: «وَلَعْنُ الْمُؤْمِنِ كَقَتْلِهِ» (٣).
стр. 726
وفي رواية: «ومَنِ ادَّعَى دَعْوَى كَاذِبَةً، لِيَتَكَثَّرَ بِهَا، لَمْ يَزِدْهُ اللَّهُ (١) إلَاّ قِلَّةً» (٢).
٥٩ - باب النذر
٣٧١ - عن عمر بن الخطاب ﵁ قال: قُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، إنِّي كُنْتُ (٣) نَذَرْتُ فِي الْجَاهِلِيَّةِ، أَنْ أَعْتَكِفَ لَيْلَةً ــ وَفِي رِوَايَةٍ: يَوْماً ــ فِي الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ؟ قَالَ: «فَأَوْفِ بِنَذْرِكَ» (٤).
٣٧٢ - عن عبد اللَّه بن عمر ﵄، عن النَّبيِّ ﷺ ، «أَنَّهُ نَهَى عَنِ النَّذْرِ، وَقَالَ: إنَّه لا يَاتِي بِخَيْرٍ، وَإِنَّمَا يُسْتَخْرَجُ بِهِ مِنَ الْبَخِيلِ» (٥).
١٠٩ - قال الشارح ﵀:
هذه الأحاديث فيها أحكام تتعلق بالنذر، وبالأيمان على غير ملة الإسلام، وبقتل النفس، وبالدعاوى الباطلة.
يقول ﷺ : «من حلف على يمين بملة غير الإسلام كاذباً متعمداً،
стр. 727
فهو كما قال» هذا وعيد شديد، دل على وجوب الحذر من ذلك، كأن يقول: هو يهودي أو نصراني أو مجوسي إن فعل كذا أو فعل كذا. هذا لا يجوز، لأنه إعلان لكفره إن فعل كذا وكذا، ولا يجوز أيضاً أن يحلف بغير اللَّه كائناً من كان، لا بالأنبياء، ولا بالصالحين، ولا بالملائكة، ولا بالأصنام، وإنما الحلف باللَّه وحده، أما إذا حلف بملة الإسلام صادقاً فلا حرج عليه، لأنه قال بملة غير الإسلام كاذباً متعمداً، ملة غير الإسلام تدخل فيها اليهودية، والنصرانية، والمجوسية، والوثنية، وغير ذلك، فإذا كان كاذباً متعمداً فهو كما قال، أي فهو يهودي أو نصراني، على ما قال، هذا من باب الوعيد، والتحذير، فالواجب الحذر من ذلك، وأن لا يحلف إلا باللَّه وحده، وإذا كان بملة الإسلام، فليقل ما يدل على حلفه باللَّه، كـ: والذي شرع ملة الإسلام. والذي أوجب علينا الدخول في الإسلام. أو والذي أمر بالإسلام. أو والذي بعث رسوله بالإسلام. هذه اليمين الشرعية، كما يقول: واللَّه، أو باللَّه، أو تاللَّه، أو بالرحمن، أو وعزة اللَّه، كل هذه أيمان شرعية.
ومن قتل نفسه بشي عُذِب به يوم القيامة، هذا وعيد عظيم، من قتل نفسه بشيء عذب به يوم القيامة، قتل نفسه: بسيف، أو بسكين، أو بسُم، أو بخنق، أو غير ذلك، يُعذب به يوم القيامة؛ لأن اللَّه حرم على الإنسان أن يقتل نفسه أن ينتحر، وهي من المحرمات العظيمة، ومن الكبائر الشنيعة، فالواجب الحذر من ذلك.
стр. 728
كذلك التحذير من الدعاوى الباطلة، يقول ﷺ : «مَنِ ادَّعَى مَا لَيْسَ لَهُ فَلْيَتَبَوَّا مَقْعَدَهُ مِنَ النَّارِ» (١)، الذي يدعي على الناس أشياء لا صحة لها قد تعرض للنار، لوعيد اللَّه بالنار، لظلمه وعدوانه على الناس، يدعي عليهم أشياء لا صحة لها، يقول: إن فلاناً عنده لي كذا, فلان أقرضته كذا, فلان استدان مني كذا, فلان أخذ مني كذا, وهو يكذب, هذا فيه الوعيد الشديد: ««مَنِ ادَّعَى مَا لَيْسَ لَهُ فَلْيَتَبَوَّا مَقْعَدَهُ مِنَ النَّارِ»، يعني فليتخذ مقعده من النار، والمعنى أنه يستحق دخول النار بهذا العمل السيئ، إلا أن يعفو اللَّه عنه أو يتوب.
ومن ادعى دعوى ليستكثر بها، لم يزده اللَّه إلا قلةً، ادعى دعوى باطلة للاستكثار، فهو متوعد بالنار، ومع ذلك لا تزيده إلا قلةً، إلا فقراً، فهذا وعيد شديد للدعاوى الباطلة، التي ليست له، ويقصد منها أن يستكثر بها، فهو متوعد بالنار، وبأنها لا تزيده الدعوى إلا قلةً.
وليس للإنسان نذرٌ بما لا يملك، ليس له أن ينذر شيئاً لا يملكه، كأن يقول: للَّه عليه أن يعتق عبد فلانٍ، أو يتصدق ببيت فلان، كل هذا نذر باطل، ليس له النذر بما لا يملك, ينبغي عليه أن ينذر شيئاً يملكه يستطيعه, للَّه عليَّ أن أعتق عبدي فلاناً, إذا فعلت كذا، للَّه عليَّ أن أتصدق ببيتي أو بأرضي أو ما أشبه ذلك, أما أن يذكر أشياء ليست في ملكه. هذا نذر باطل، ليس له النذر بما لا يملك, وليس له أن ينذر بشيء من معاصي اللَّه.
стр. 729
حديث عمر ﵁ يقول: إنه قال: يا رسول اللَّه بعدما أسلم قال: إني نذرت أن أعتكف ليلة في المسجد الحرام، قال له النبي ﷺ : «أوف بنذرك»، هذا يدل على أن الكافر إذا أسلم، وعنده نذور شرعية يوفي بها؛ فإن الإسلام لا يزيده إلا خيراً، وأسلم على ما أسلف من خير، فإذا كان عنده نذور: صدقات، أو اعتكاف، أو حج يوف بنذره، يقول ﷺ : «أوفِ بنذرك».
وفي حديث ابن عمر الدَّلالة على أنه لا ينبغي النذر؛ لأنه تكليف للنفس، وإلزام لها بشيء ليس بلازم، وقد يندم؛ ولهذا قال ﷺ : «لَا تَنْذِرُوا، فَإِنَّ النَّذْرَ لَا يَرُدُّ مِنَ قَدَرِ اللَّهِ شَيْئًا، وَإِنَّمَا يُسْتَخْرَجُ بِهِ مِنَ الْبَخِيلِ» (١)، فالنذر يُستخرج من البخيل، الذي لا يريد النفقة، ينذر حتى يجاهد نفسه بإخراج النفقة, فالرسول نهى عن النذر، وقال: «إنه لا يأتِ بخير، وإنما يُستخرج به من البخيل» , فلا ينبغي للمؤمن أن ينذر، لكن إن نذر طاعة لزمه الوفاء، إن كان نذر طاعة, لزمه الوفاء بها, لقوله ﷺ : «مَنْ نَذَرَ أَنْ يُطِيعَ اللَّهَ فَلْيُطِعْهُ، وَمَنْ نَذَرَ أَنْ يَعْصِيَ اللَّهَ فَلَا يَعْصِهِ» (٢)؛ فإذا قال: للَّه عليه أن يتصدق بكذا, أو
стр. 730
يصوم كذا, أو يصلي صلاة الضحى, أو يصلي ركعتين من الليل, أو ما أشبه ذلك, يلزمه الوفاء حسب طاقته, لأنه نذر لطاعة اللَّه , لكن لو قال: للَّه عليَّ أن أشرب الخمر، أو يقتل فلاناً بغير حق، أو يزني، أو ما أشبه ذلك.
هذا نذر لا يجوز؛ لأنه نذر معصية، فليس له أن يعصي اللَّه، وعليه كفارة يمين عن ذلك.
٣٧٣ - عن عقبة بن عامر ﵁ قال: نَذَرَتْ أُخْتِي: أَنْ تَمْشِيَ إلَى بَيْتِ اللَّهِ الْحَرَامِ حَافِيَةً، فَأَمَرَتْنِي: أَنْ أَسْتَفْتِيَ لَهَا رَسُولَ اللَّهِ ﷺ ، فَاسْتَفْتَيْتُهُ، فَقَالَ: «لِتَمْشِ، وَلْتَرْكَبْ» (١).
٣٧٤ - عن عبد اللَّه بن عباس ﵄، أنه قال: اسْتَفْتَى سَعْدُ بْنُ عُبَادَةَ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ فِي نَذْرٍ كَانَ عَلَى أُمِّهِ ــ تُوُفِّيَتْ قَبْلَ أَنْ تَقْضِيَهُ ــ قَالَ (٢) رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : «فَاقْضِهِ عَنْهَا» (٣).
٣٧٥ - عن كعب بن مالك ﵁ قال: قُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، إنَّ مِنْ تَوْبَتِي، أَنْ أَنْخَلِعَ مِنْ مَالِي، صَدَقَةً إلَى اللَّهِ وَإِلَى رَسُولِهِ، فَقَالَ رَسُولُ
стр. 731
اللَّهِ ﷺ : «أَمْسِكْ عَلَيْكَ بَعْضَ مَالِكَ، فَهُوَ خَيْرٌ لَكَ» (١).
١١٠ - قال الشارح ﵀:
هذه الأحاديث تتعلق بالنذر وما يشبهه, بيَّن فيها ﷺ ما ينبغي شرعاً، من ذلك قصة أخت عقبة ﵁: أنها نذرت أن تمشي إلى بيت اللَّه الحرام حافية، وفي بعض الروايات: ولا تختمر. فقال النبي ﷺ : «إِنَّ اللهَ لَا يَصْنَعُ بِشَقَاءِ أُخْتِكَ شَيْئًا، مُرْهَا فَلْتَمْشِ، وَلْتَرْكَبْ» (٢). وفي اللفظ الآخر: «وَلْتَخْتَمِرْ، وَلْتَصُمْ ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ» (٣)،
هذا يدل على أن الواجب على من نذر نذر معصية أن لا يفي به، وأن يدع المعصية، وأن يكفر كفارة اليمين،
стр. 732
فإن نزعها الخمار معصية؛ ولهذا أمرها أن تختمر، كذلك وهي تمشي، فيه مشقة من طريق بعيد، ما بين المدينة ومكة، وهي امرأة، فقال النبي ﷺ : «لتمشِ ولتركب»، فعليها كفارة اليمين عن النذر المخالف للشرع، فإن الركوب في الطريق أفضل من المشي؛ لما فيه من المشقة العظيمة، لما في المشي من المشقة، والنبي حج راكباً ﵊ , ولعلها كانت لا تستطيع الإطعام والكسوة؛ ولهذا قال: «لتصم ثلاثة أيام»؛ لأن من نذر نذراً يوجب الكفارة كصاحب اليمين يُبدأ أولاً بإطعام عشرة مساكين، أو كسوتهم، أو إعتاق رقبة، فإن عجز صام ثلاثة أيام، فلعلها كانت عاجزة، ولهذا أمرها أن تصوم.
كذلك حديث سعد بن عبادة لأجل أمه نذرت نذر عبادة، نذر طاعة، فتوفيت قبل أن تقضي نذرها، فأمره النبي أن يقضيه عنها, فإن نذر إنسان شيئاً لطاعة اللَّه ثم مات، يقضى عنه، إن نذر أن يحج، ومات ولم يحج، يحج عنه, إن نذر أن يعتمر، ولم يعتمر, يعتمر عنه, إن نذر أن يتصدق بكذا ثم توفي قبل أن يُنفِّذ, تُنفَّذ الصدقة من تركته, وهكذا؛ ولهذا سئل ﷺ غير مرة عن نذور مشابهة، بعضهم قال: يا رسول اللَّه إن أمي نذرت أن تحج فلم تحج حتى ماتت، قال: «حج عن أمك» (١) , وذكر أن أباه نذر أن يحج، قال: «حج عن أبيك» (٢)، مات ولم يحج,
стр. 733
هذه قاعدة, إذا نذر الإنسان نذر طاعة وتوفي قبل أن يوفي [تخرج] (١) من تركته، وإن كان صوماً صام عنه بعض أوليائه, كما قال ﷺ : «من مات وعليه صيام صام عنه وليه» (٢)، وإن كان مال أُخِذ من التركة، وإن كان حجاً استؤجر من يحج عنه, وهكذا.
والحديث الثالث: حديث كعب بن مالك الأنصاري ﵁ كان ممن تأخر في غزوة تبوك مع شخصين آخرين، فأمر النبي بهجرهم، وهجروا خمسين ليلة، لأنهم تأخروا عن الغزوة دون عذر شرعي, [والواجب] (٣) خروجهم، ثم تاب اللَّه عليهم تابوا، وأنزل فيهم قوله تعالى: ﴿وَعَلَى الثَّلَاثَةِ الَّذِينَ خُلِّفُوا حَتَّى إِذَا ضَاقَتْ عَلَيْهِمُ الأَرْضُ بِمَا رَحُبَتْ وَضَاقَتْ عَلَيْهِمْ أَنْفُسُهُمْ وَظَنُّوا أَنْ لَا مَلْجَأَ مِنَ اللَّهِ إِلَاّ إِلَيْهِ ثُمَّ تَابَ عَلَيْهِمْ لِيَتُوبُوا إِنَّ اللَّهَ هُوَ التَّوَّابُ الرَّحِيمُ﴾ (٤).
فقال كعب عند ذلك: «إن من توبتي أن أنخلع من مالي صدقة
стр. 734
إلى اللَّه وإلى رسوله»، فقال له النبي ﷺ : «أمسك عليك بعض مالك، فهو خير لك»، هذا فيه أن للإنسان خيراً له أن لا يتصدق بكل ماله، فليبقِ له بعض الشيء، حتى يستعين به في حاجاته وحاجات أهل بيته، وهذا ليس فيه نذر، وإنما يشاور النبي ﷺ ، فيقول: يا رسول اللَّه إن من توبتي أن أنخلع من مالي صدقة. فقال له النبي: «أمسك بعض مالك فهو خير لك»، وفي حديث أبي لبابة قال: «أمسك الثلث» (١)، هذا يدل على أن الإنسان يُشرع له أن لا يتصدق بجميع ماله، حتى لا يبقى فقيراً، بل يُمسك بعض ماله، هو خير له.
قال جماعة من أهل العلم: إلا أن يكون له سبب يستغني به كالتجارة، والصناعة، تقوم بحاله، فلا بأس أن يتصدق بكل ماله، كما فعل الصديق ﵁، فإن أبا بكر الصديق ﵁ أنفق جميع ماله في نصرة الرسول ﷺ ، والدفاع عن دين اللَّه، وأثنى اللَّه عليه في ذلك وأثنى عليه، رسوله ﵊، وكان يتَّجر بالكسب، يستغني به، فإذا كان الإنسان عنده مال، وعنده كسب تجارة، أو صناعة، أو نجارة، أو حدادة، أو شبه ذلك، مما يدرُّ عليه، من المبيعات، وأراد أن يُنفق المال الموجود، ويكتفي بالكسب اليومي أو الشهري الذي
стр. 735
يغنيه، فلا بأس في سبيل اللَّه كما فعل الصديق ﵁، أما إذا كان ما له سبب، ما له كسب، فإن السُّنة والمشروع أن يُبقي له ما يعينه على نفقات الأهل. «أمسك عليك بعض مالك فهو خير لك» فإذا أمسك الثلث، فالثلث كثير، كما في حديث [أبي لبابة] (١)، والباقي يتصدق به إذا كان [يريد الصدقة] (٢)، واللَّه المستعان.
نَارٍ (١) فَلْيَحْمِلْهَا، أَوْ يَذَرْهَا» (٢).
١١١ - قال الشارح ﵀:
هذه الأحاديث تتعلق بالقضاء، والقضاء هو فصل الخصومات بين الناس، تارةً بالحكم الشرعي، وتارةً بالإصلاح عند اشتباه الأمور، وهو عملٌ عظيم، وفيه أجرٌ عظيم، لمن أخلص النية، وبذل الوسع واجتهد, وفيه خطر عظيم على من تساهل؛ ولهذا جاء في الحديث الصحيح يقول ﵊: «الْقُضَاةُ ثَلَاثَةٌ [يعني ثلاثة أقسام]: اثْنَانِ فِي النَّارِ، وَوَاحِدٌ فِي الْجَنَّةِ، [أما اللذان في النار]: فَرَجُلٌ قَضَى لِلنَّاسِ عَلَى جَهْلٍ [يعني على غير علم] وَرَجُلٌ قضى للناس على جَورَ [عرف الْحُكْمَ فجار] هذان فِي النَّارِ, [نعوذ باللَّه]، أما الذي في الجنة فهو الذي عَرفَ الْحَقَّ وَقَضَى بِهِ بين الناس، هذا الذي هُوَ فِي الْجَنَّةِ» (٣).
стр. 738
يقول النبي ﷺ : «من أحدث في أمرنا هذا ما ليس منه فهو رد» (١)، وفي اللفظ الآخر: «من عمل عملاً ليس عليه أمرنا فهو رد» (٢)، أي فهو مردود، ويدخل في هذا الحكم بغير ما أنزل اللَّه، من حكم بغير ما أنزل اللَّه، فهو مردود؛ لأنه ليس على أمر الرسول، وليس على شرعه، كالذي يحكم بين الناس بحكم جائر، يخالف الشرع أو بالقوانين الوضعية، يكون حكمه باطلاً مردوداً، وعليه أن يحكم بشرع اللَّه، وأن يتحرَّى الحق، وأن يعمل بما يوجبه الشرع للقضاء بين الناس.
وفي حديث عائشة في قصة هند بنت عُتبة بن الربيعة؛ زوجة أبي سفيان، جاءت إلى النبي ﷺ تستشيره في أمرها مع زوجها، قالت: إن أبا سفيان رجل شحيح. أي بخيل، لا يعطيني ما يكفيني ويكفي بني، أي من النفقة، فهل عليَّ من جُناح إن أخذت من ماله ما يكفيني ويكفي بني؟ قال لها النبي ﷺ : «خذي من ماله بالمعروف ما يكفيك وما يكفي بنيك» (٣) , هذا احتج به بعض أهل العلم على
стр. 739
الحكم على الغائب, وأنه لا بأس أن يحكم على الغائب إذا توفرت الأدلة الشرعية، ولم يتيسر حضوره، يُحكم عليه، وهو على دعواه إذا كان له حجة، وجاء يقدم حجته، والصواب أن هذا الحديث ليس في القضاء، إنما هو في الفتوى، فتوى من النبي ﷺ ، وليس من باب القضاء، بل هذا ردها إلى ما تعلم: خذي من ماله بالمعروف ما يكفيك ويكفي بنيك. هذه فتوى يعني إن كنت صادقة فافعلي, دل ذلك على أن المرأة إذا كان زوجها لا يعطيها كفايتها، فإنها تأخذ من ماله بالمعروف، ولو لم يعلم. ما يكفيها ويكفي أولادها، وهم تحت يدها من دون إسراف ولا تبذير، وتتحرَّى الحق، وتجتهد في أن تكون النفقة مقتصدة، ليس فيها إسراف.
أما الحكم على الغائب فله شروط، إذا ادعي على الغائب فلا بد من إحضاره، حتى يُسمع كلامه، فإن لم يتيسر [فإحضار] (١) وكيله، فإن لم يتيسر لا هو ولا وكيله حكم على الغائب بالبيِّنة، وهو على دعواه.
والحديث الثالث: حديث أم سلمة ﵂: أن النبي ﷺ سمع جلبة خصومة عند الباب ــ جلبة يعني أصوات خصومة عند الباب ــ فخرج إليهم، وقال: «إنما أنا بشر، وإنما أقضي على نحو ما أسمع، ولعل بعضكم يكون ألحن في حجته من بعض، فمن قضيت له بحق أخيه، فإنما هي قطعة من النار، فليحملها أو يذرها».
والمعنى أن الحاكم ما يُحل الحرام، القاضي ما يحل الحرام،
стр. 740
إذا كذب المدعي، وأتى بشهود زور، أو حلف على باطل، فحكم القاضي لا يحل له الحرام، بل هو قطعة من النار يحملها, القاضي ليس له إلا الظاهر، يحكم بما ظهر، فإذا قال زيد: أقرضت فلاناً مائة ريال. وقال المدعى عليه: ما أقرضني، ما عندي له شيء. وحلف، وذاك ما عنده بينة، فهذه قطعة من النار، يحملها الحالف، لأنه حلف وهو كاذب: أنه ما اقترض وهو مقترض، فأخذ مال أخيه بغير حق، أو مدعٍ ادعى مائة ريال، أو ألف ريال، وأقام بينة كاذبة، شهود زور، وظنهم القاضي عدولاً زُكوا عنده، وثبت عنده عدالتهم في الظاهر، وحكم بقولهم بهذا القرض، فهذا الذي حُكم له إنما يحمل قطعة من النار، لأنه يعرف أنه كاذب، يكون القاضي حكم له بالشهود الزور، الذين لم يعرفهم القاضي، من عُدِّلوا عنده، ما يحلُّ لهذا المدَّعي يأكل حراماً؛ لأنه أخذه بغير حق بالبينة الكاذبة (١).
٣٧٩ - عن عبد الرحمن بن أبي بَكَرة (٢) ﵁ قال «كَتَبَ أَبِي ــ وكَتَبْتُ لَهُ إلَى ابْنِهِ عُبيدِ اللَّهِ بْنِ أَبِي بَكْرَةَ، وَهُوَ قَاضٍ بِسِجِسْتَانَ ــ أَنْ لا تَحْكُمْ بَيْنَ اثْنَيْنِ وَأَنْتَ غَضْبَانُ، فَإِنِّي سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ: «لايَحْكُمْ أَحَدٌ بَيْنَ اثْنَيْنِ وَهُوَ غَضْبَانُ».
وفي رواية: «لا يقضيَنَّ حَكَمٌ بين اثنين وهو غضبان» (٣).