← Джавами‘

Джавами‘ · id 13295

النكت الجياد المنتخبة من كلام شيخ النقاد

إبراهيم بن سعيد الصبيحي

Полный текст (2 321 стр.). Показаны 1051–1090 · переход к 1056.

стр. 1051

الأمر الأول ذكره الأحاديث في ترجمة الرجل مع أن الحمل فيها على غيره واعتذار المعلمي عنه في بعض المواضع تقدمة: قال أبو أنس: مِنْ عادةِ ابن عدي في كتابه "الكامل" أن يُخرجَ الأحاديثَ التي أُنكرت على الثقة أو على غير الثقة، فقد قال في مقدمته: " ... وذاكرٌ في كتابي هذا كُلَّ مَن ذُكِرَ بضرْبٍ من الضَّعف، ومن اختلف فيهم، فجرحه البعضُ وعدَّلَهُ البعضُ الآخر ... وذاكرٌ لِكُلِّ رجلٍ منهم مِمَّا رواه ما يُضَعَّفُ مِن أجله ... لحاجةِ الناسِ إليها؛ لِأُقَرَّبَهُ على الناظر فيه". اهـ. فهذا هو الأصل في وضع الكتاب, ومقتضاه أن الأحاديث التي يوردها ابن عدي في تراجم كتابه تشتمل على أوهامٍ للرُّواةِ في الأسانيد والمتون، وأصنافٍ من العلل الخفية, وبالتالي فما يُورَدُ في مثل كتاب ابن عدي هو أشد ما يُنْكَر على الراوي، وما سواه فهو دون ذلك. ويَنْبَنِي على هذا عدمُ صلاحيةِ ما يورده ابنُ عدي فيه للاعتبار: متابعةً أو استشهادا، خلافا لصنيعِ مَنْ لم يَلتفتْ إلى ذلك مِنَ المُتَهافِتين على تقوية الأحاديثِ بالطرق المنكرةِ والمُعَلَّةِ, وهو ذهولٌ عن مناهج الأئمة في كتبهم، وسقوطٌ في بَراثنِ شهوة التصحيح والتحسين.

стр. 1052

نَعَمْ، قد يُختلفُ مع ابنِ عديٍّ فيمن تُعْصَبُ به جنايةُ حديثٍ بعينه، أو مَنْ يُلصقُ به الوهمُ مِن رجال الإسناد، وقد اخْتَلف معه في بعض ذلك أئمةٌ بعده, كما سيأتي، لكنِ الذي لا يتجهُ بحالٍ هو: النظر إلى تلك الطرق نظرات مجردة وكأنَّها محفوظةُ المتنِ والإسناد، واستعمالُها في تقوية الواهي والضعيف من الروايات. ولهذا المعنى نظائرُ في التعامل مع كتب أخرى، راجع مقدمة القسم الأول من هذا الكتاب. ونعود إلى نُكَتِ المعلمي في ذلك، وبالله تعالى التوفيق: فأقول: ذكر الشيخ المعلمي في ترجمة: مطرف بن عبد الله الأصم من "التنكيل" (١/ ٤٨٠) قول ابن عدي فيه: "يروي المناكير عن ابن أبي ذئب ومالك". فقال المعلمي: "أقول: فسَّر ابنُ عدي كلمتَه بأن ذكر أحاديث مناكير رواها ابن عدي عن أحمد ابن داود بن عبد الغفار، عن أبي مصعب, فَرَدَّ الذهبي وغيره على ابن عدي بأن الحمل في تلك الأحاديث على أحمد بن داود، وأحمد بن داود كذبه الدارقطني، ورماه العقيلي وابن طاهر بالوضع. أقول: قد وقع لابن عدي شبيه بهذا في: غالب القطان؛ قال ابن حجر في "مقدمة الفتح": "وأما ابن عدي فذكره في "الضعفاء" وأورد له أحاديث الحمل فيها على الراوي عنه عمر بن مختار البصري، وهو من عجيب ما وقع لابن عدي، والكمال لله". ويظهر لي أن لابن عدي هنا عذرًا ما؛ ففي ترجمة أحمد بن داود من "اللسان": "قال أبو سعيد بن يونس: حدَّث عن أبي مصعب بحديث منكر، فسألته عنه فأخرجه من كتابه كما حدث به"، وفيه بعد ذلك: ذكر حديثه عن أبي مصعب، عن عبد الله بن عمر،

стр. 1053

عن سهيل، عن أبيه, عن أبي هريرة مرفوعًا: "من رأى مبتلى فقال: الحمد لله ... "، إلخ، قال: "قال ابن عدي: لما حدث أحمد بهذا الحديث عن مطرف: كانوا يتهمونه ... فظلموه لأنه قد رواه عن مطرف: علي بن عمر وعباس الدوري والربيع ... ". فقد يكون الحديث الذي ذكره ابن يونس هو هذا الحديث: من رأى مبتلى ... إلخ؛ رآه ابن عدي في أصل أحمد بن داود، وعرف أن غيره قد رواه عن مطرف، ورأى أن الحمل فيه على مطرف البتة، فقاس بقية الأحاديث عليه، وقد يكون الحديث الذي ذكره ابن يونس غير هذا الحديث، ويكون ابن عدي رأى الأحاديث في أصل أحمد بن داود فاعتقد براءته منها للدليل الظاهر وهو ثبوتها في أصله فحملها كلها على مطرف، فإن كان الأمر على هذا الوجه الثاني فذاك الدليل -وهو ثبوت الأحاديث في أصله- يحتمل الخلل؛ ففي "لسان الميزان" (١/ ٢٥٣): "أحمد بن محمد بن الأزهر ... قال ابن حبان: كان ممن يتعاطى حفظ الحديث ويجري مع أهل الصناعة فيه ولا يكاد يُذكر له باب إلا وأغرب فيه عن الثقات، ويأتي فيه عن الأثبات بما لا يتابع عليه، ذاكرتُه بأشياء كثيرة فأغرب عليَّ فيها، فطاولته على الانبساط، فأخرج إليَّ أصولَ أحاديث ... فأخرج إليَّ كتابه بأصلٍ عتيقٍ ... قال ابن حبان: فكأنه كان يعملها في صباه ... ". فهذا رجلٌ رَوى أحاديث باطلة وأبرز أصله العتيق بها، فإما أن يكون كان دجالا من وقت طلبه، كان يسمع شيئًا ويكتب في أصله معه أشياء يعملها، وإما أن يكون كان معه وقتَ طلبِه بعضُ الدجالين, فكان يُدخل عليه ما لم يَسمع، كما وقع لبعض المصريين مع خالد بن نجيح، كما تراه في ترجمة عثمان بن صالح السهمي من "مقدمة الفتح". وفي ترجمة محمد بن غالب تمتام من "الميزان" أنه أُنكر عليه حديث فجاء بأصله إلى إسماعيل القاضي، فقال له إسماعيل: "ربما وقع الخطأ للناس في الحداثة".

стр. 1054

وفي "الكفاية" (ص ١١٨ - ١١٩) عن حسين بن حبان: "قلت ليحيى بن معين: ما تقول في رجلٍ حدث بأحاديث منكرة فردها عليه أصحاب الحديث، إن هو رجع وقال: ظننتها، فأما إذ أنكرتموها علي فقد رجعت عنها؟ فقال: لا يكون صدوقًا أبدًا ... فقلت ليحيى: ما يبرئه؟ قال: يخرج كتابًا عتيقًا فيه هذه الأحاديث، فإذا أخرجها في كتاب عتيق فهو صدوق، فيكون شُبِّهَ له وأخطأ كما يخطىء الناس فيرجع عنها". فأنت ترى ابن معين لم يجعل ثبوتها في الأصل العتيق دليلا على ثبوتها عمن رواها صاحب الأصل عنهم، بل حمله على أنه شُبه له وأخطأ في أيام طلبه. إذا تقرر هذا فلعلَّ الأحاديث التي ذكرها ابن عدي عن أحمد بن داود عن أبي مصعب رآها ابنُ عديّ في أصلٍ عتيقٍ لأحمد بن داود، فبنى على أن ذلك دليل ثبوتها عن أبي مصعب، وهذا الدليل لا يوثَقُ به كما رأيت، لكن في البناء عليه عذر ما لابن عدي يخف به تعجب الذهبي إذ يقول: هذه أباطيل حاشا مطرفا من روايتها، وإنما البلاء من أحمد بن داود، فكيف خفي هذا على ابن عديّ؟! ". اهـ. تنبيه: مِنْ عجيب ما بَيَّنَ الذهبي خطأ ابن عدي فيه، ما قاله الذهبي في ترجمة: عبد الله ابن نافع الصائغ من "السير" (١٠/ ٣٧٣) إذ قال: "وقد أخطأ الإمام أبو أحمد بن عدي في ترجمته خطأ لا يحتمل منه، وذلك أنه لم يرو في ترجمته سوى حديث واحد، فساقه بإسناده إلى عبد الوهاب بن بُخت المكي، عن عبد الله بن نافع، عن هشام بن عروة، عن أبيه، فذكر حديثا، ثم إنه قال: وإذا روى عن عبد الله مثل عبد الوهاب بن بُخت، يكون ذلك دليلا على جلالته، وهو من رواية الكبار عن الصغار.

стр. 1055

قلت: من أين يمكن أن يروي عبد الله بن نافع الصائغ عن هشام، ولم يأخذ عن أحد حتى مات هشام؟ ومن أين يمكن أن يحدث عبد الوهاب عن الصائغ وإنما ولد الصائغ بعد موت عبد الوهاب بأعوام عديدة، وإنما عبد الله بن نافع المذكور في الحديث مولى ابن عمر، مات قديما في دولة أبي جعفر المنصور". اهـ. * * *

стр. 1056

الأمر الثاني النظر في جواب المعلمي على رمي ابن عدي رجلا بالسرقة من أجل حديث واحد لا يتبين الحمل فيه عليه قال ابن عدي في: محمد بن يونس الجمال: "ممن يسرق حديث الناس". فقال الشيخ المعلمي في ترجمة الجمال من "التنكيل" (١/ ٤٧٥): "ابن عديّ إنما رماه بالسرقة لحديثٍ واحدٍ، رواه عن ابن عيينة، فذكر ابن عديّ أنه حديثُ حسين الجعفي، عن ابن عيينة، يعني أنه معروف عندهم أنه تفرد به حسين الجعفي، عن ابن عيينة، وحسن الجعفي ثقة ثبت، فالحديث ثابت عن ابن عيينة، وقد سمع الجمال من ابن عيينة، فالحكم على الجمال بأنه لم يسمعه وإنما سرقه ليس بالبَيِّن. لكن لم أر من وثق الجمال (١)، فهو ممن يستشهد به في الجملة, والله أعلم". اهـ. قال أبو أنس: قد علَّقْتُ هاهنا في قسم التراجم (ص ٦١٧) بقولي: "قد ذكر ابنُ عدي للجمّال حديثين سوى هذا، قد رواهما الجمَّال بإسنادين وصفهما ابن عدي بأنهما غير محفوظين، أوَّلُهما: الذي رواه عنه محمد بن الجهم السمري وقال عقبه المقالة السابقة.

стр. 1057

ثم قال ابن عدي: ولمحمد بن يونس أحاديث أخر من طراز ما ذكرت، وهو ممن يسرق حديث الناس. وابن عديّ من نقاد هذا الفن، وعبارته: "له أحاديث أخر من طراز ما ذكرت" تعني أن الجمال يروي أحاديث سوى ما ذكره بأسانيد غير محفوظة، فمن أين له بها؟ إما أنه يسرقها ويفتعلها، وإما أنها تُدخل عليه، أو غير ذلك. فلما روى عن ابن عيينة ما عَلم ابن عدي أنه إنما ينفرد به حسين الجعفي، انقدح في ذهن ابن عدي -مع اتهام السمري له وهو من الآخذين عنه- أنه قد سرق هذا الحديث وغيره من الأحاديث التي يرويها بأسانيد غير محفوظة. ولا يُعرف مخالفٌ لابن عدي فيما رَمى به الجمَّال، فمع نَصْب ابن عديّ الشواهد على ما قال فلا محيصَ من إعمال قوله، وعدم الاعتبار بما رواه الجمال رأسًا، والله تعالى أعلم. * * *

стр. 1058

الأمر الثالث معنى قوله في التراجم: أرجو أنه لا بأس به قال السيوطي في: درست بن زياد: "وثَّقَه ابن عديّ، فقال: أرجو أنه لا بأس به". فقال الشيخ المعلمي في "الفوائد" (ص ٤٥٩): "ليس هذا بتوثيق، وابن عدي يذكر منكرات الراوي، ثم يقول: "أرجو أنه لا بأس به" يعني بالبأس: تعمد الكذب، ودرست واهٍ جدًّا". اهـ. * * *

стр. 1059

الدارقطني (ت ٣٨٥ هـ)

стр. 1060

يشتمل هذا الموضع على: التنبيه على منهج الدارقطني في عدم تقيّده بمذاهب المتقدمين في اشتراط إمعان الراوي في موافقة الثقات من أجل توثيقه، وقبول تفرداته. في "الأنوار الكاشفة" (ص ١١٢ - ١١٤) خبرٌ أخرجه الخطيب عن مالك: "أن عمر دخل على أم كلثوم بنت علي وهي زوجته فوجدها تبكي، فقال: ما يبكيك؟ قالت: هذا اليهودي -أي كعب الأحبار- يقول إنك من أبواب جهنم، فقال عمر: ما شاء الله, ثم خرج فأرسل إلى كعب، فجاءه فقال: يا أمير المؤمنين، والذي نفسي بيده لا ينسلخ ذو الحجة حتى تدخل الجنة، فقال عمر: ما هذا؟ مرّة في الجنة ومرّة في النار! قال كعب: إنا لنجدك في كتاب الله على باب من أبواب جهنم، تمنع الناس أن يقتحموا فيها، فإذا متّ اقتحموا. وقد صدقت يمينه ... فقد قتل عمر في ذي الحجة سنة ٢٣ هـ" (١). تناول الشيخ المعلمي ما في هذه الحكاية مما يُستنكر من بيان وقت موت عمر على التحديد، فقد كان عمر في شهر ذي الحجة سنة ٢٣ حاجًّا ... إلى آخر ما قال ﵀، ثم قال:

стр. 1061

"وبَعْدُ فسند الحكاية غير صحيح، تفرد بها عن مالك رجل يقال له: "عبد الوهاب ابن موسى" لا يكاد يعرف، وليس من رجال شيء من كتب الحديث المشهورة، ولا ذُكر في تاريخ البخاري، ولا كتاب ابن أبي حاتم، بل قال الذهبي في "الميزان": "لا يُدرى من ذا الحيوان الكذاب" (١). وفي مقدمة "صحيح مسلم": "الذي نعرف من مذهبهم في قبول ما يتفرد به المحدث من الحديث أن يكون قد شارك الثقاتِ من أهل العلم والحفظ في بعض ما رووا، وأمعن في ذلك على الموافقة لهم، فإذا وجد كذلك، ثم زاد بعد ذلك شيئًا ليس عند أصحابه، قُبل منه ... " (٢). وهذا الرجل لم يُمعن في المشاركة، فضلا عن أن يكون ذلك على الموافقة. لكن هذا الشرط لا يتَقَيَّدُ به بعض المتأخرين كابن حبان والدارقطني، ومن ثَمَّ -والله أعلم- وَثَّق الدارقطني عبد الوهاب هذا، وزعم أن الخبر صحيح عن مالك. أما بقية سنده عن مالك فهو عن عبد الله بن دينار عن سعد الجاري، وسعد الجاري غير مشهور ولا موثق، ولا يُدرى أدركه عبد الله بن دينار أم لا؟

стр. 1062

ومقطع الحق أن ليس بيد من يتهم كعبًا بالمؤامرة غير كلمات يروى أن كعبًا قالها لعمر، وقد كان عمر والصحابة أعلم بالله ورسوله وكتبه منا، وأعلم بعد أن طعن عمر بالمؤامرة وقد انكشفت وهو حي، وأعلم بحال كعب لأنه صحبهم وجالسهم. والمعقول أنه لو كان فيما خطب به عمر ما يوجب اتهامه لاتهموه، وقد علمنا أنهم لم يتهموه، لا قبل انكشاف المؤامرة ولا بعده، فوجب الجزم بأنه لم يقع منه ما يقتضي اتهامه. اهـ. قال أبو أنس: يؤيد ما ذكره المعلمي ما ذُكر في مذهب الدارقطني في رفع الجهالة وإثبات العدالة: قال السخاوي في "فتح المغيث": "عبارة الدارقطني: من روى عنه ثقتان، فقد ارتفعت جهالته وثبتت عدالته، وقال أيضًا في الديات نحوه. وكذا اكتفى بمجرد روايتهما ابنُ حبان، بل توسع كما تقدم في مجهول العين، وقيل: يفصل، فإن كانا لا يرويان إلا عن عَدْلٍ قُبِلَ، وإلا فلا". اهـ. * * *

стр. 1063

البيهقي (ت ٤٥٨ هـ)

стр. 1064

يتعلق به هاهنا ثلاثة أمور: الأول: بيان عذر البيهقي في إخراج أحاديث البخاري وغيره بإسناد البيهقي إليهم ونسبتها إليهم مع وجود خلاف في اللفظ. الثاني: جواب الشيخ المعلمي عن قول البيهقي في حماد بن سلمة. الثالث: مقارنة البيهقي بابن حبان والخطيب في معرفة دقائق هذا الفن. * * *

стр. 1065

الأمر الأول بيان عذر البيهقي في إخراج أحاديث البخاري وغيره بإسناد البيهقي إليهم، ونسبتها إليهم مع وجود خلاف في اللفظ نقل الشيخ المعلمي في "الأنوار" (ص ٨٦)، عن أبي رية قوله: "وبلغ من أمرهم أنهم كانوا يروون الحديث بألفاظهم وأسانيدهم، ثم يعزونه إلى كتب السنة ... ". فقال: "حاصله أن البيهقي يروي في كتبه الأحاديثَ بأسانيده إلى شيخ البخاري أو شيخ شيخه ومن فوقه, ويقع في لفظه مخالفة للفظ البخاري مع اتفاق المعنى، ومع ذلك يقول: "أخرجه البخاري عن فلان"، ولا يبين اختلاف اللفظ, وكذا يصنع البغوي. وأقول: العذر في هذا واضح، وهو اتفاق المعنى، مع جريان العادة بوقوع الاختلاف في بعض الألفاظ، وكتاب البخاري متواتر، فأقلّ طالب حديث يشعر بالمقصود". اهـ. * * *

стр. 1066

الأمر الثاني جواب الشيخ المعلمي عن قول البيهقي في حماد بن سلمة ذكر الشيخ المعلمي في ترجمة حماد بن سلمة من "التنكيل" رقم (٨٥) ما قيل فيه من الكلام، وهي أربعة أوجه، قال: ... الوجه الثاني: أنه تغيَّر بأخرة، وهذا لم يذكره إلا البيهقي، والبيهقي أَرْعَبَتْهُ شقاشقُ أستاذه ابن فُورك المتجهم الذي حذا حذو ابن الثلجي في كتابه الذي صنفه في تحريف أحاديث الصفات والطعن فيها. وإنما قال البيهقي: "هو أحد أئمة المسلمين، إلا أنه لما كبر ساء حفظه، فلذا تركه البخاري، وأما مسلم فاجتهد وأخرج من حديثه عن ثابت ما سمع منه قبل تغيره، وما سوى حديثه عن ثابت لا يبلغ اثني عشر حديثًا أخرجها في الشواهد". أقول: أما التغير فلا مستند له (١)، ونصوص الأئمة تبين أن حمادًا أثبت الناس في ثابت وحميد مطلقًا، وكأنه كان قد أتقن حفظ حديثهما، فأما حديثه عن غيرهما فلم يكن يحفظه، فكان يقع له فيه الخطأ إذا حدث من حفظه أو حين يحول إلى الأصناف التي جمعها كما مرَّ.

стр. 1067

ولم يتركه البخاري، بل استشهد به في مواضع من "الصحيح" (١)، فأما عدم إخراجه له في الأصول فلا يوجب أن يكون عنده غير أهل لذلك (٢)، ولذلك نظائر؛ هذا سليمان بن المغيرة الذي تقدم أنه من أثبت الناس في ثابت، وأنه أثبت فيه من حماد بن زيد، وقد ثبَّتَه الأئمة جدًّا، قال أحمد: "ثبت ثبت"، وقال ابن معين: "ثقة ثقة" والثناء عليه كثير ولم يغمزه أحد، ومع ذلك ذكروا أن البخاري لم يحتج به ولم يخرج له إلا حديثًا واحدًا مقرونًا بغيره (٣). وقد عتب ابن حبان على البخاري في شأن حماد بن سلمة، وذكر أنه قد أخرج في غير الشواهد لمن هو دون حماد بكثير كأبي بكر بن عياش، وفليح، وعبد الرحمن بن عبد الله بن دينار. اهـ. * * *

стр. 1068

الأمر الثالث مقارنة البيهقي بابن حبان والخطيب في معرفة دقائق هذا الفن في "التنكيل" رقم (٢٤٤) قال الكوثري: "مسلم بن أبي مسلم عبد الرحمن الجرمي، وثَّقَهُ الخطيب، لكن في "اللسان": "أنه ربما يخطىء". وقال البيهقي: "غير قوي". وقال أبو الفتح الأزدي: "حدَّثَ بأحاديث لا يتابع عليها"". فقال الشيخ المعلمي: "ذكره ابن حبان في "الثقات": "مسلم بن أبي مسلم الجرمي سكن بغداد، يروي عن يزيد بن هارون ومخلد بن الحسين، ثنا عنه الحسن ابن سفيان وأبو يعلى، ربما أخطأ، مات سنة أربعين ومائتين"". وقد قَدَّمنا في ترجمة ابن حبان أن توثيقه لمن قد عرفه من أثبت التوثيق، وقوله: "ربما أخطأ" لا ينافي التوثيق، وإنما يظهر أثر ذلك إذا خالف من هو أثبت منه. فأما أبو الفتح محمد بن الحسين الأزدي فليس في نفسه بعمدة, حتى لقد اتهموه بوضع الحديث. ومع ذلك فليس من شرط الثقة أن يتابَع في كل ما حدث به، وإنما شرطه أن لا يتفرد بالمناكير عن المشاهير فيُكثر. والظاهر أن الأزدي إنما عنى الحديث الذي ذكره البيهقي، وهو ما رواه مسلم هذا عن مخلد بن الحسين، عن هشام بن حسان، عن ابن سيرين، عن أبي هريرة مرفوعًا: "لا يقل أحدكم زرعته، ولكن ليقل حرثته"، قال أبو هريرة: ألم تسمع إلى قول الله: ﴿أَفَرَأَيْتُمْ مَا تَحْرُثُونَ (٦٣) أَأَنْتُمْ تَزْرَعُونَهُ أَمْ نَحْنُ الزَّارِعُونَ﴾.

стр. 1069

وهذا الحديث أخرجه ابن جرير في تفسير الواقعة عن أحمد بن الوليد القرشي عن مسلم. وفي "اللسان" أن البيهقي أخرجه في "شعب الإيمان" من وجهين [عنه] وقال: إن مسلمًا غير قوي. ولَعَلَّ ابن حبان إنما أشار بقوله: "ربما أخطأ" إلى هذا الحديث، على أن الصواب موقوف، وأخطأ مسلم في رفعه. ومسلم مكثر في التفسير كما يعلم من: "تفسير ابن جرير" فإن ترجح خطؤه في هذا الحديث الواحد لم يضره ذلك إن شاء الله، وابن حبان والخطيب أعرف بالفن ودقائقه من البيهقي. اهـ. * * *

стр. 1070

ابن قانع (ت ٣٥١ هـ)

стр. 1071

وصفه الشيخ المعلمي في غير موضع من "التنكيل" بـ: حافظ الحنفية. لكن قال في "حاشية الموضح" (١/ ٢٢٥): "كثير الوهم". اهـ. أقول: قال الخطيب في "تاريخ بغداد" (١١/ ٨٨): سألت البرقاني عن عبد الباقي بن قانع، فقال: في حديثه نكرة، وسُئل وأنا أسمع عنه، فقال: أما البغداديون فيوثقونه، وهو عندنا ضعيف. قلت: لا أدري لأي شيء ضعفه البرقاني، وقد كان عبد الباقي من أهل العلم والدراية والفهم، ورأيت عامة شيوخنا يوثقونه، وقد كان تغير في آخر عمره. حدثني الأزهري عن أبي الحسن بن الفرات، قال: كان عبد الباقي بن قانع قد حَدَثَ به اختلاطٌ قَبْلَ أن يموت بمدة نحو سنتين، فتركنا السماع منه، وسمع منه قوم في اختلاطه. حدثني علي بن محمد بن نصر الدينوري، قال: سمعت حمزة بن يوسف السهمي يقول: سألت أبا بكر بن عبدان عن عبد الباقي بن قانع، فقال: لا يدخل في الصحيح. قال حمزة: وسأل أبو سعد الإسماعيلي أبا الحسن الدارقطني عن أبي الحسين بن قانع، فقال: كان يحفظ ويعلم، ولكنه كان يخطىء ويُصِرُّ على الخطأ. قرأت في كتاب أبي عمر محمد بن علي بن عمر بن الفياض: عرفني عبد الباقي بن قانع أنه ولد في ذي القعدة لخمس ليالٍ بقين منه، من سنة خمس وستين ومائتين. أخبرنا السمسار، حدثنا الصفار، قال: مات عبد الباقي بن قانع لسبعٍ خلون من شوال سنة إحدى وخمسين وثلاثمائة". اهـ.

стр. 1072

• وقال الذهبي في "السير" (١٥/ ٥٢٦): "الإمام، الحافظ، البارع، الصدوق إن شاء الله ... صاحب كتاب "معجم الصحابة" الذي سمعناه. ... وكان واسع الرحلة، كثير الحديث، بصيرا به". ثم نقل ما في "تاريخ بغداد". • ونقله أيضًا في "الميزان" (٤٧٣٥). • وقال ابن حزم في "المحلى" (٦/ ١٦٨): "اختلط ابن قانع قبل موته بسنة، وهو منكر الحديث، تركه أصحاب الحديث جملة". اهـ. فأجاب ابن حجر في "اللسان" (٤/ ٣٧٩ - ٣٨٠) بقوله: "قلت: ما أعلم أحدا تركه، وإنما صح أنه اختلط فتجنبوه". اهـ. • وقال ابن حزم أيضًا فيه (٩/ ٥٧): "وابن شعبان (١) في المالكيين نظير عبد الباقي بن قانع في الحنفيين، قد تأملنا حديثهما، فوجدنا فيه البلاء البين، والكذب البحت، والوضع اللائح، وعظيم الفضائح، فإما تَغَيَّرَ ذِكْرُهُمَا، أو اختلطت كتبهما، وإما تعمدا الرواية عن كل من

стр. 1073

لا خير فيه من كذاب ومغفل يقبل التلقين، وأما الثالثة -وهي ثالثة الأثافي- أن يكون البلاء من قِبَلِهِمَا، ونسأل الله العافية". اهـ. نقله ابن حجر في "اللسان" ووقع في المطبوع منه تصحيفات، فجاء فيه: "ابن سفيان"، و"ثالثة الأثاني" وكلاهما خطأ. وزاد ابن حجر: "وقال ابن أبي الفوارس في "تاريخه": قيل إنه سمع منه قوم في اختلاطه، قال: وكان من أصحاب الرأي، وكان مولده سنة ست وستين ومائتين. ... وقال ابن فتحون في "ذيل الاستيعاب": لم أر أحدا ممن يُنسب إلى الحفظ أكثر أوهاما منه، ولا أظلم أسانيد، ولا أنكر متونا، وعلى ذلك فقد روى عنه الجلة, ووصفوه بالحفظ، منهم أبو الحسن الدارقطني، فمن دونه. قال: وكنت سألت الفقيه أبا علي -يعني الصدفي- في قراءة "معجمه" عليه, فقال لي: فيه أوهام كثيرة, فإن تفرغت إلى التنبيه عليها فافعل. قال: فخرجت ذلك، وسميته "الإعلام والتعريف مما لابن قانع في معجمه من الأوهام والتصحيف". اهـ. • وقال الحافظ في الإصابة (٢/ ١٥٠) ترجمة (٣٩٠١): "ابن قانع ليس بعمدة في النسب ولا السند". اهـ. قال أبو أنس: هذه نماذج مما تعقب فيه ابنُ حجر ابنَ قانع: ١ - في "تهذيب التهذيب" (١/ ٣١٨): "الأغر بن يسار المزني، ويقال الجهني، روى عن النبي ﷺ : "إنه ليغان على قلبي". وروى عن أبي بكر، وعنه أبو بردة بن أبي موسى الأشعري، ومعاوية بن قرة.

стр. 1074

قلت: أنكر ابن قانع على من جعله مزنيا، وإنكاره هو المنكر". اهـ. ٢ - وفيه (٢/ ١٤١): "الحارث بن زياد الأنصاري الساعدي، قيل إنه شهد بدرا، يعد في الكوفيين، روى عن النبي ﷺ ، وعنه حمزة بن أبي أسيد الساعدي، له حديث واحد في فضل الأنصار. قلت: قال أبو القاسم البغوي: لا أعلم له غيره. وزعم ابن قانع أنه خال البراء بن عازب، وهو من أوهامه، وإنما خال البراء هو: الحارث بن عمرو". اهـ. ٣ - وفيه (٢/ ١٦٧): "حازم بن حرملة الغفاري، معدود في الصحابة، روى عن النبي ﷺ ، وعنه مولاه أبو زينب، أخرج له ابن ماجه حديثا واحدا في الأمر بالإكثار من الحوقلة. قلت: ذكره ابن أبي حازم والطبراني وغيرهما في الحاء المهملة. وذكره ابن قانع في الخاء المعجمة، فصحف". اهـ. وفي "الإصابة" نماذج عدة على ذلك، انظر: • أوس بن حارثة الطائي (١/ ١٤٧). • أوس المزني (١/ ٢٦٠). • سهل بن مالك بن أبي كعب بن القين الأنصاري (٣/ ٢٠٥). • شبل بن مالك (٣/ ٣٩٣). • شداد بن أسيد (٣/ ٣١٨). • شرحبيل العبسي (٣/ ٣٩٥). • شرحبيل والد عمرو (٣/ ٣٩٦).

стр. 1075

• شيبان بن محرز الحنفي (٣/ ٤٠). • شيبة المهري (٣/ ٤٠٠). • الصامت الأنصاري (٣/ ٤٦٥). • الضحاك بن عبد الرحمن الأشعري (٣/ ٥٠٢). • عامر بن مالك بن صفوان (٥/ ١٧٦). • عبد الله الصنابحي (٤/ ٢٧١). • عبيد الله بن ثعلبة العذري (٥/ ٢٥٣). • عبيد الذهلي (٥/ ٢٥٥). • عقيل بن مقرن المزني أبو حكيم (٤/ ٥٣٢). • عمرو بن سعيد الثقفي (٥/ ٢٩٤). • عمرو بن سليمان المزني (٥/ ٢٩٧). • غرفة بن الحارث اليماني (٥/ ٣١٨). • غرقدة والد شبيب (٥/ ٣٤٣). • فضيل بن فضالة التابعي (٥/ ٣٩٩). • كعب بن علقمة (٥/ ٦٦٣). • كليب بن شهاب الجرمي (٥/ ٦٦٨). • معاوية بن معبد (٦/ ٣٦٤). * * *

стр. 1076

الدولابي (ت ٣١٠ هـ)

стр. 1077

(١) تعرض الشيخ المعلمي للكلام في الدولابي في ترجمة نعيم بن حماد من "التنكيل" (١/ ٤٩٤) حيث قال الدولابي: "نعيم يروي عن ابن المبارك. قال النسائي: ضعيف، وقال غيره: كان يضع الحديث في تقوية السنة وحكايات في ثلب أبي حنيفة كلها كذب". فقال الشيخ المعلمي: "فأما الدولابي فهو محمد بن أحمد بن حماد، له ترجمة في "الميزان"، و"اللسان" قال ابن يونس: "من أهل الصنعة، حسن التصنيف، وكان يُضَعَّف". وقال الدارقطني: "تكلموا فيه لما تبين من أمره الأخير" (١). وذكر ابن عدي قول الدولابي في معبد الجهني الذي روى أبو حنيفة عن منصور ابن زاذان عن الحسن عنه, أنه معبد بن هوذة الذي ذكره البخاري في "تاريخه". قال ابن عدي: "هذا الذي قاله غير صحيح، وذلك أن معبد بن هوذة أنصاري فكيف يكون جهنيًّا؟ ومعبد الجهني معروف ليس بصحابي، وما حمل الدولابي على ذلك إلا ميله لمذهبه". وقال ابن عدي أيضًا: "ابن حماد متهم فيما قاله في نعيم بن حماد؛ لصلابته في أهل الرأي".

стр. 1078

وفي ترجمة نعيم من "مقدمة الفتح" بعد الإشارة إلى حكاية الدولابي: "وتعقب ذلك ابن عدي بأن الدولابي كان متعصبًا عليه لأنه كان شديدًا على أهل الرأي. وهذا هو الصواب" وقال في "التهذيب": "حاشى الدولابي أن يُتَّهَم، وإنما الشأن في شيخه الذي نقل ذلك عنه فإنه مجهول متهم". أقول: لا أرى الدولابي يبرأ من عهدة ذاك النقل المريب؛ فإن ابن عدي قال (١) كما في "التهذيب": "قال لنا ابن حماد - يعني الدولابي: نعيم يروي عن ابن المبارك، قال النسائي: ضعيف، وقال غيره: كان يضع الحديث في تقوية السنة وحكايات في ثلب أبي حنيفة كلها كذب. قال ابن عدي: وابن حماد متهم ... ". فلا يحتمل أن يكون الدولابي سمع تلك الكلمة ممن يعتد به، وإلا لصرح به وصرخ به صراخا. فإن كان سمعها ممن لا يعتد به, فلم يكن له أن يحكيها على هذا الوجه، بل كان عليه أن يُعرض عنها لعدم الاعتداد بقائلها، أو على الأقل أن يصرح باسمه. وإن كان لم يسمعها من أحد -وإنما اختلق ذلك- فأمره أسوأ، وإن كان كنى بقوله: "غيره" عن نفسه -كأنه أراد: "وقلت أنا"- فالأمر في هذا أخف، وقد عُرف تعصب الدولابي على نعيم، فلا يقبل قوله فيه بلا حجة، مع شذوذه عن أئمة الحديث الذين لا يكاد هو يذكر معهم". اهـ.

стр. 1079

(٢) ذكر الشيخ المعلمي أوجه الطعن في حماد بن سلمة في "التنكيل" رقم (٨٥) والجواب عنها، وقال في الوجه الثالث منها: "زعم بعضهم أنه كان له ربيب يُدخل في كتبه وقيل ربيبان، وصحَّف بعضهم" ربيب حماد إلى "زيد بن حماد" راجع "لسان الميزان" (٢/ ٥٠٦). ومدار هذه التهمة الفاجرة على ما يأتي: قال الذهبي في "الميزان": "الدولابي: حدثنا محمد بن شجاع بن الثلجي، حدثنا إبراهيم بن عبد الرحمن بن مهدي، قال: كان حماد بن سلمة لا يُعرف بهذه الأحاديث -يعني التي في الصفات- حتى خرج مرة إلى عَبَّادان، فجاء وهو يرويها فلا أحسب إلا شيطانًا خرج إليه من البحر يحفظ، وكانوا يقولون إنها دُسَّت في كتبه, وقد قيل: إن ابن أبي العوجاء كان ربيبه فكان يدس في كتبه". قال الذهبي: "قلت: ابن الثلجي ليس بمصدق على حماد وأمثاله، وقَدِ اتُّهِم نسأل الله السلامة". أقول: الدولابي حافظ حنفي (١) له ترجمة في "لسان الميزان" (٤/ ٤١)، وهو بريء من هذه الحكاية إن شاء الله، إلا في قبوله لها من ابن الثلجي وروايتها عنه. اهـ. ثم ذكر المعلمي محمد بن شجاع بن الثلجي هذا وما يتعلق به من اتهامه ورميه بالكذب ووضع الحديث -وترى ذلك في ترجمته من قسم التراجم (٢)، ثم ذكر

стр. 1080

الأمارات الدالة على كذبه في هذه الحكاية بالنظر في إمكانية سماعه من إبراهيم بن عبد الرحمن بن عوف، وكذا في معرفة إبراهيم هذا بحماد بن سلمة، وحكايته عنه ما غاب عن أبيه وكبار الأئمة!! * * *

стр. 1081

العقيلي (ت ٣٢٢ هـ)

стр. 1082

قال الشيخ المعلمي في ترجمته من "التنكيل" (١/ ٤٦٥): "قد كان في العقيلي تَشَدُّدٌ ما، فينبغي التثبتُ فيما يقول من عند نفسه في مَظَانِّ تَشَدُّدِه". اهـ. فائدة: قول العقيلي في بعض التراجم: يخالف في حديثه، أو: في بعض حديثه. ذكر العقيلي: صباح بن محارب الكوفي، في كتابه "الضعفاء" (٢/ ٢١٤) وقال: "يخالف في حديثه" وذكر له حديثا فيه خلاف كثير. وذكره الذهبي في الميزان (٢/ ٣٠٦) وقال: "صالح الحديث، أثنى عليه أبو زرعة وأبو حاتم فقالا: صدوق ... وذكره العقيلي فقال: يخالف في بعض حديثه. قلت: هكذا سائر الثقات يتفردون". اهـ. * * *

стр. 1083

مسلمة بن القاسم الأندلسي (ت ٣٥٣ هـ)

стр. 1084

هو مسلمة بن القاسم بن إبراهيم أبو القاسم الأندلسي قال الذهبي في "السير" (١٦/ ١١٠): "لم يكن بثقة. قال ابن الفرضي: سمعت من ينسبه إلى الكذب، وقال لي محمد بن أحمد بن يحيى ابن مفرج: لم يكن كذابا، بل كان ضعيف العقل، قال: وحُفظ عليه كلام سوء في التشبيه". اهـ. وفي "الميزان" (٨٥٢٨): "ضعيف، وقيل كان من المشبهة". اهـ. فتعقبه ابن حجر في "اللسان" (٧/ ٩٥) بقوله: "هذا رجل كبير القدر، ما نسبه إلى التشبيه إلا من عاداه, وله تصانيف في الفن، وكانت له رحلة لقي فيها الأكابر. قال أبو جعفر المالقي في "تاريخه": "فيه نظر". وهو مسلمة بن قاسم بن إبراهيم بن عبد الله بن حاتم، جمع تاريخا في الرجال، شرط فيه أن لا يذكر إلا من أغفله البخاري في "تاريخه"، وهو كثير الفوائد في مجلد واحد. وقال أبو محمد بن حزم: يكنى أبا القاسم، كان أحد المكثرين من الرواية والحديث، سمع الكثير بقرطبة, ثم رحل إلى المشرق قبل العشرين وثلاثمائة, فسمع بالقيروان وأطرابلس والإسكندرية وأقريطش ومصر والقلزم وجدة ومكة والمدينة واليمن والبصرة وواسط والأيلة وبغداد والمدائن وبلاد الشام، وجمع علما كثيرا، ثم رجع إلى الأندلس، فكف بصره ... وكان قوم بالأندلس يتحاملون عليه، وربما كذبوه, وسئل القاضي محمد بن يحيى بن مفرج عنه، فقال: لم يكن كذابا، ولكن كان ضعيف العقل.

стр. 1085

وقال عبد الله بن يوسف الأزدي -يعني ابن الفرضي: كان مسلمة صاحب رقى ونيرنجات، وحُفظ عليه كلام سوء في التشبيهات". اهـ. قول الشيخ المعلمي في كلام مسلمة في الرجال: قال الشيخ المعلمي في ترجمة محمد بن سعد العوفي من "التنكيل" (١/ ٤٤٤) جوابا على توثيق مسلمة له: "أما مسلمة بن القاسم فقد جعل لكل شيء قدرًا، حَدُّهُ أن يُقبل منه توثيق من لم يجرحه مَنْ هو أجلُّ منه ونحو ذلك، فأما أن يعارض بقوله نصوص جمهور الأئمة فهذا لا يقوله عاقل". اهـ. قال أبو أنس: مما قد يُختلف فيه مع المعلمي -في ضوء هذا الكلام- قولُه في: ١ - أحمد بن محمد بن الحجاج بن رشدين بن سعد أبي جعفر المصري. قال المعلمي فيه في ترجمة نعيم بن حماد رقم (٢٥٨) من "التنكيل": "فيه كلام، وقد وثقه مسلمة". اهـ. فَعَلَّقْتُ في ترجمة أحمد من القسم الأول من هذا الكتاب رقم (١٦٣) فقلت: قال ابن أبي حاتم: سمعت منه بمصر، ولم أحدث عنه لِمَا تكلموا فيه. وحكى ابن عديّ قصةً فيها تكذيب أحمد بن صالح المصري له، ثم ساق له ابن عديّ حديثًا، وقال: هذا الحديث بهذا الإسناد ليس بمحفوظ، وهو محتمل، وابن رشدين هذا صاحب حديث كثير، يحدث عنه الحفاظ بحديث مصر، أُنكرت عليه أشياء مما رواه، وهو ممن يكتب حديثه مع ضعفه. اهـ.

стр. 1086

وفي "اللسان" عن ابن عديّ: وكأن آل بيت رشدين خُصوا بالضعف، من أحمد إلى رشدين. وفي "اللسان" أيضًا: وقال ابن يونس: توفي ليلة عاشوراء سنة (٢٩٢) وكان من حفاظ الحديث وأهل الصنعة. وقال عبد الغنى بن سعيد: سمعت حمزة بن محمد يقول: هو أَدْخَل على أحمد بن سعيد الهمداني حديث بكير بن الأشج، عن نافع، عن ابن عمر ﵄ حديث "الغار". وسمعت الفقيه أبا بكر بن الحداد يقول: سمعت النسائي يقول: لو رجع أحمد بن سعيد عن حديث الغار عن بكير لحدثت عنه. وفيه أيضًا: قال مسلمة في "الصلة": "حدثنا عنه غير واحد، وكان ثقة عالمًا بالحديث". قلت: أما كونه عالمًا بالحديث، فقد وصفه ابن يونس بأنه من حفاظ الحديث وأهل الصنعة، لكنه لم يصرح بتوثيقه، ومسلمة بن قاسم مجروح، فلا يقبل منه تفرده بهذا التوثيق، وتوثيقه مُعارَضٌ بتضعيف ابن عديّ، بل وتكذيب أحمد بن صالح -فيما حكاه ابن عدي- ثم إن الرجل له مناكير يتفرد بها، ولم يوثقه مُعْتَبَرٌ، فقول ابن أبي حاتم مما يُقَوِّي الحُكْمَ عليه بالضعف، والله تعالى أعلم. ٢ - وقوله في: علي بن زيد بن عبد الله أبي الحسن الفرائضي من "التنكيل" رقم (١٥٩): "قال ابن يونس: "تكلموا فيه"، ولم يبين من المتكلم ولا ما هو الكلام، وقد قال مسلمة بن قاسم: "ثقة"، والتوثيق مقدم على مثل هذا الجرح كما لا يخفى". اهـ. وقد علقْتُ على هذه الترجمة هناك، فنقلت كلام ابنَ الفرضي، والمالقي، والذهبي، وابن حجر، ثم قلت: فمثل هذا ليس بعمدة أصلًا، ولا يُعتد بقوله في الجرح والتعديل، لاسيما إذا انفرد أو خالف.

стр. 1087

وقد قال الشيخ المعلمي نفسه في ترجمة: محمد بن سعد العوفي، من "التنكيل": أما مسلمة بن قاسم فقد جعل الله لكل شيء قدرًا ... وقول ابن يونس: "تكلموا فيه" ظاهره الجرح بلا شك، لكن إذا ثبت توثيق من قيل فيه هذا توثيقا معتبرا، تطمئن النفس إليه، فيقال حينئذ: التوثيق مقدم، والجرح غير مفسر - فلعله تُكلم فيه بكلام لا يضر، أما إذا لم يوثق توثيقا يعتد به، كما في هذه الحالة، صار الجرح وإن كان غير مفسر، محلا للاعتبار والقبول، والله تعالى أعلم". * * *

стр. 1088

أبو الفتح الأزدي صاحب كتاب "الضعفاء" (ت ٢٧٤ هـ)

стр. 1089

• قال الشيخ المعلمي في "التنكيل" (١/ ٤٧٦): "ليس في نفسه بعمدة, حتى لقد اتهموه بوضع الحديث". اهـ. • وفيه (١/ ٤٩٥): "هو في نفسه على يديّ عدلٍ، وترجمته في "تاريخ بغداد" و"الميزان" و"اللسان" تبين ذلك". اهـ. • وفيه (١/ ٢٢١): "أما الأزدي فقد تكلموا فيه حتى اتهموه بالوضع، راجع ترجمته في "لسان الميزان" (ج ٧) رقم (٤٦٤) مع الرقم الذي يليه من: "قال الخطيب"، إلى آخر الترجمة، فإنه كله متعلق بالأزدي، وقال ابن حجر في ترجمة أحمد بن شبيب في الفصل التاسع من مقدمة "الفتح": "لا عبرة بقول الأزدي؛ لأنه هو ضعيف، فكيف يعتمد في تضعيف الثقات"، وذكر نحو ذلك في ترجمة خثيم بن عراك وغيرها، وقال في ترجمة علي بن أبي هاشم: "قدَّمت غير مرة أن الأزدي لا يعتبر تجريحه؛ لضعفه هو". اهـ. قال أبو أنس: ومع ما سبق من ذِكْرِ المعلمي له بالضعف والتهمة، فقد أقام له وزنا ما لمَّا ذكر الأزدي مستنده في تضعيف من ضعفه. ففي ترجمة: مهنأ بن يحيى -وهو من كبار أصحاب الإمام أحمد بن حنبل- من "التنكيل" رقم (٢٥٥): "قال الكوثري: قال أبو الفتح الأزدي ... منكر الحديث ...

стр. 1090

فقال الشيخ المعلمي: الأزدي نفسه متكلم فيه، حتى رُمي بالوضع، وقد رَدَّ ابن حجر في مواضع من: "مقدمة الفتح" جَرْحَهُ وبيَّن أنه لا يُعتد به. ... ثم ذكر المعلمي - في أثناء رَدِّهِ على ابن الجوزي: أن الأزدي ذكر مُتَمَسَّكَهُ، فلا يسوغُ ردُّ قولِه إلا ببيان سُقُوطِ حُجَّتِهِ. قال: أما متمسك الأزدي فهو أن مهنأ روى عن زيد بن أبي الزرقاء, عن سفيان الثوري، عن علي بن زيد بن جدعان، عن سعيد بن المسيب، عن جابر حديثًا في الجمعة. ولا يُعلم رواه أحدٌ غيره عن زيد بن أبي الزرقاء، ولا عن غيره عن سفيان الثوري. فلا يُعرف عن الثوري إلا بهذا الإسناد. وإنما يُعرف من رواية عبد الله بن محمد العدوي التميمي رواه عن علي بن زيد، والعدوي طعنوا فيه، وقال وكيع: يضع الحديث، وحكى ابن عبد البر عن جماعة أهل العلم بالحديث أنهم يقولون: إن هذا الحديث من وضعه، كذا في ترجمة العدوي من "التهذيب". وفي ترجمة مهنأ من "اللسان" عن ابن عبد البر: لهذا الحديث طرق ليس فيها ما يقوم به حجة، إلا أن مجموعها يدل على بطلان قول من حمل على العدوي أو على مهنأ بن يحيى. ... وعلى كل حالٍ، فغاية ما في الباب أن يكون مهنأ أخطأ في سند هذا الحديث، فكان ماذا؟!
следующие страницы →