← Джавами‘

Джавами‘ · id 13295

النكت الجياد المنتخبة من كلام شيخ النقاد

إبراهيم بن سعيد الصبيحي

Полный текст (2 321 стр.). Показаны 106–145 · переход к 111.

стр. 106

صفحتين، وحديث "الأبدال" بلغ تعليقه عليه ثلاث صفحات، وحديث "إذا دخل أحدكم بيته فلا يجلس حتى يركع" بلغ تعليقه عليه صفحتين، وحديث "اطلبوا الخير عند حسان الوجوه" بلغ تعليقه عليه ثلاث صفحات، وحديث "ما حسن الله خلق رجل وخلقه فأطعم لحمه النار" بلغ تعليقه عليه صفحتين. صحح الكتاب عن نسخة خطية واحدة ونسخة مطبوعة بالهند". اهـ. ٥/ ٧٢ - المنار المنيف في الصحيح والضعيف: للإمام ابن قيم الجوزية. طبعته مطبعة السنة المحمدية بتحقيق محمد حامد الفقي، وطبعه المكتب الإسلامي. ثم أعدّه وأخرجه -بتحقيق المعلمي- منصور السماري، ونشرته "دار العاصمة" (١٤١٩ هـ) - (١٩٩٨ م). وقد بدأه الشيخ المعلمي بمقدمة أوضح فيها قصة الحصول على نسخة الكتاب، وكيف طبع، وسبب تحقيقه للكتاب بعد ما طبع، وذلك لكثرة الأخطاء في المطبوع، ثم فصّل منهجه في تصحيح الكتاب، وله بعض التعليقات في نقد بعض الأخبار الواردة في الكتاب. * * *

стр. 107

القسم السادس: في التفسير الفصل الأول: المطبوع: ٦/ ٧٣ - بحث حول تفسير الرازي: وهو مطبوع ضمن "المجموع" الذي أعدّهُ الزيادي وعلق عليه وأصله عبارة عن (١٣) ورقة، في كل ورقة (٢٠) سطر، مقاس (٢٦ × ١٥). قال الشيخ المعلمي في أوله: "أفادني فضيلة العلامة الجليل الشيخ محمد بن عبد العزيز بن مانع -حفظه الله- أن صاحب كشف الظنون ذكر أن تفسير الفخر المسمى بمفاتيح الغيب لم يكمله الفخر، وأنه أكمله نجم الدين أحمد بن محمد القمولي، وأن في ترجمة القمولي من طبقات ابن السبكي ومن الدرر الكامنة أن له تكملة لتفسير الفخر الرازي، وكأن فضيلة الشيخ -حفظه الله- ندبني لتحقيق هذه القضية؛ لأن هذا التفسير مطبوع بكماله منسوبًا إلى الفخر الرازي، وليس فيه تمييز بين أصله وتكملته، وآخره على طريقة أوله .. ". وقد قال الدكتور الذهبي في كتابه "التفسير والمفسرون" (١/ ٢٦٢): "والحق أن هذه المشكلة لم نوفق إلى حلِّها حلًّا حاسمًا لتضارب أقوال العلماء في هذا الموضوع .. ". وقد بحث الشيخ المعلمي هذه المشكلة بحثًا متأنيًا، اعتمد فيه على استقراء تفسير الفخر استقراءً هادئًا، قال في نتيجته: "الأصل من هذا الكتاب وهو القدر الذي هو من تصنيف الفخر الرازي وهو من: أول الكتاب إلى: آخر تفسير سورة القصص، ثم من: أول تفسير الصافات إلى: آخر تفسير سورة الأحقاف، ثم تفسير سورة الحديد والمجادلة والحشر، ثم من أول تفسير سورة الملك إلى آخر الكتاب. وما عدا ذلك فهو من تصنيف أحمد بن خليل الخوئي، وهو من التكملة المنسوبة

стр. 108

إليه، فإن تكملته تشمل زيادة على ما ذكر تعليقًا على الأصل، هذا ما ظهر لي، والله أعلم" اهـ. ٦/ ٧٤ - تحقيق كتاب: إعراب ثلاثين سورة من القرآن الكريم لابن خالويه: جاء في خاتمة الطبع: ملاحظات شعبة التصحيح لدائرة المعارف: "لا ريب أن الدكتور سالم الكرنكوي قد بذل جهده في استنساخ هذا الكتاب ومقابلته على النسختين المذكورتين والضبط والتصحيح على الألفاظ واللغات فرتّبهُ وعلّق عليه الهوامش بأجمل أسلوب وإن حصلت له صعوبة شديدة في القراءة والمقابلة والمراجعة لكنه استوفى العمل. ثم استقصى النظر في هذا الكتاب: حضرة الفاضل الأديب الشيخ عبد الرحمن بن يحيى اليماني أحد رفقاء الجمعية، ونبّه في الحواشي على بعض الخطأ من جهة النسخ بعلامة. ع. ى. فشكر الله سعيهما. كمل طبع كتاب "إعراب ثلاثين سورة من القرآن الكريم لابن خالويه بمطبعة دار الكتب المصرية في يوم الثلاثاء (٢٢) محرم سنة (١٣٦٠ هـ) (١٨) فبراير سنة (١٩٤١ م) كتبه: محمد نديم ملاحظ المطبعة بدار الكتب المصرية. والكتاب قد صححه سالم الكرنكوى والمعلمي على ثلاث نسخ، أكملها النسخة المحفوظة في المتحفة البريطانية، ورمزها (ب) وهي أصل الطبعة، ونسخة في خزانة رامفور، إلا أن ناسخها أسقط الفوائد اللغوية وذكر القراءات الشاذة، حتى لم يبق إلا الربع من النسخة الكاملة ورمزها (ر) ونسخة محفوظة في خزانة آيا صوفيا في الآستانة، لا تشتمل إلا على عشر ورقات، اختصرت اختصارًا مفرطًا. ثم قابل ذلك كله الأستاذ عبد الرحيم محمود مصحح دار الكتب المصرية على نسخة خطية بدار الكتب، ورمزها (م) فأكمل النقص وصحح ما بقي من الخطأ، وطبع الكتاب على نفقة الجمعية العلمية بدائرة المعارف العثمانية وقام بطباعته مكتبة "المتنبي" بالقاهرة.

стр. 109

٦/ ٧٥ - الردُّ والتعقيب على حميد الدين الفراهي: قال في أولها: " .. أما بعد: فإني قد كنت وقفت على بعض مؤلفات العلامة المحقق المُعلم عبد الحميد الفراهي تغمده الله برحمته كـ "الإمعان في أقسام القرآن"، و"الرأي الصحيح فيمن هو الذبيح"، و"تفسير سورة الشمس"، وانتفعت بها، وعرفت عبقرية مؤلفها، ثم وقفت أخيرًا على تفسير لسورة الفيل، فألفيته قد جرى على سنته من الإقدام على الخلاف إذا لاح له دليل، وتلك سيرة يحمدها الإسلام ويدعو إليها أولي الأفهام، غير أن الخلاف هنا ليس لقول مشهور، ولا لقول الجمهور ولكنه لقول رجح به الجماهير ولم ينقل خلافه عن كبير ولا صغير، ومثل هذا القول إن جاز خلافه في بعض المواضع فإنّه لا يكفي للإقدام على الخلاف فيه لائحة دليل، ولا رائحة تعليل، بل لا يغني فيه إلّا حجة تزداد وضوحًا بتكرار النظر، ولا يلين لتأويل مقبول، حتى يلين لضرس المقانع الحجر". نقله الزيادي، وقال: وقد تكلمت على هذه الرسالة في مقدمة تحقيقي لها، وهي قيد الطبع. الفصل الثاني: المخطوط. ٦/ ٧٦ - الكلام حول البسملة: قال في أولها: " .. أما بعد فقد أكثر الكلام على هذه الكلمة الشريفة "بسم الله الرحمن الرحيم" وألفت فيها الرسائل، ولا يكاد يخلو شرح من شروح الكتب عن الكلام عليها، ولكنني مع ذلك لم أجد كلامًا عليها يقتصر على إيضاح معناها إيضاحًا تامًا يسهل على الطالب الإحاطة به، ليستحضره عند ذكرها، فسمت بي الهمة إلى محاولة ذلك فإذا يسر الله ﵎ لي الوفاء بذلك فمن محض فضله العظيم، وإلا فعذري القصور والتقصير، وقلة العلم الذي يتوقف عليه التحقيق، وقلة العلم المقتضي لحسن التوفيق". نقله الزيادي.

стр. 110

٦/ ٧٧ - رسالة في قوله تعالى: ﴿إِنَّ الظَّنَّ لَا يُغْنِي مِنَ الْحَقِّ شَيْئًا﴾: ذكرها في كتابه "الأنوار الكاشفة" حيث يقول: "أما قوله تعالى ﴿إِنَّ الظَّنَّ لَا يُغْنِي مِنَ الْحَقِّ شَيْئًا﴾ [النجم: ٢٨]، فلي فيه بحث طويل حاصله: أن تدبر مواقع "يغني" في القرآن وغيره، وتدبر سياق الآية يقضي بأن المعنى: إن الظن لا يدفع شيئًا من الحق. وبعبارة أهل الأصول: الظني لا يعارض القطعي" قال السماري: ولم أعثر عليها. * * *

стр. 111

القسم السابع: في النحو . وكله مخطوط ٧/ ٧٨ - اللطيفة البكرية والنتيجة الفكرية في المهمات النحوية: كتب المؤلف على طرة الأصل: إعلان: "كل ما حررته فمستفاد من "الهمع" للسيوطي وشرح "الكافية" للرضي وحاشيتي الصبان والخضري على شرحي الألفية ورسالة للسيد أحمد دحلان في "المبنيات". أفاض الله على الجميع غيوث كرمه وغمرهم بحلل نعمه فمن توهم خللًا فليتثبت ويطالع الكتب المذكورة وغيرها، فإن وجد التصريح بما قلنا أو الإيماء إليه، وإلّا فلينظر منصفًا لا متعسفًا ... ". ٧/ ٧٩ - تلخيص الثمرات الجنية في الأسئلة النحوية: للشيخ محمد جمال بن محمد الأمير بن حسين مفتي السادة المالكية. قال في أولها: " .. قد لخصت أكثر عباراتها، وحذفت بعض إشاراتها، لا لأني رجحت عن ذلك الفائدة أو لتفضيلي ما فعلته على أصلها، ولكن تعمدًا للاختصار، ولتقريبها إلى ذكري، وتقليل ألفاظها -وأستغفر الله العظيم من جرأتي على ذلك .. ". ٧/ ٨٠ - تعليقات على متن الأجرومية: قال في أولها: " .. أعلم أيها القارىء أن لكل قوم لغة يخاطب بها بعضهم بعضًا ويكاتب بها بعضهم بعضًا ..... جاعلين ذلك تعليقات متن الأجرومية يقرب على المبتدىء غير متعرضن للدقائق غالبًا .. ". ذكر ذلك كله وتفضل بنقله ماجد الزيادي. * * *

стр. 112

القسم الثامن: في الأدب والشعر الفصل الأول: المطبوع: النوع الأول: التحقيق: ٨/ ٨١ - كتاب المعاني الكبير في أبيات المعاني. لابن قتيبة الدينوري: طبعته دائرة المعارف العثمانية، وهو في ثلاثة أجزاء، وختم المعلمي مقدمته للكتاب بتاريخ: " ٩ ذي الحجة الحرام سنة (١٣٦٨ هـ). وقد قال فيها: وقسمنا الكتاب إلى ثلاثة مجلدات، قد تم طبع مجلدين منها ..... والمجلد الثالث تحت الطبع". وطبعته أيضًا دار الكتب العلمية. وقال الشيخ المعلمي في مقدمة الكتاب: "كان العرب قبل الإسلام أمة أمية، كتابهم الطبيعةُ، مدرستهم الحياةُ، أقلامُهم ألسنتهم، ودفاترهم قلوبهم، وكان كل من أراد منهم تقييد فكرة، أو تخليد حكمة، أو تثبيت مأثرة، أو إظهار عبقرية في دقة الإحساس ولطف التصوُّر وإتقان التصوير، أنشأ في ذلك أبياتًا أو قصيدة، فلا تكاد تجاوز شفتيه حتى يتلقفها الرواة فيطيروا بها كل مطار، فكان الشعر وحده هو مؤلفاتهم، وهو تاريخهم، وهو مظهر نبوغ مفكريهم. ثم جاء الإسلام فنقلهم من الأمية إلى العلم والحضارة، ومن العزلة عن الأمم إلى مخالطتها، فكان من جرّاء تلك المخالطة مع ما أفادوا بها من المصالح أن أخذت السليقة تضعف، وأخذ اللحن والخطأ يتسرّب إلى ألسنتهم، وأخذ الخطر يهدد اللغة وآثار السلف ويتطاول إلى الدين نفسه؛ فإن مداره على الكتاب والسنة وهما باللسان العربي الفصيح. فنهض العلماء لمقاومة ذاك الخطر، فدونوا اللغة وأسسوا قواعدها، وقيدوا شواردها، وكان من أهم ما اعتنوا بحفظه، أشعار القدماء؛ لعلمهم أنها تراثهم

стр. 113

وتاريخهم، وأنها المنبع المعين لمعرفة اللغة وقواعدها، وأنها هي المحك الذي يتيسّر به نقد الحكايات والقصص عن أحوال الجاهلية، فكان العلماء لا يكادون يصغون لحكاية لا تتضمن شعرًا، فإن تضمنته بدأوا بنقده، فإن وجدوه كما يعهدون من الشعر الجاهلي وكما يعرفون من طراز من نُسب إليه وثقوا به، وكان عندهم من أصدق الشواهد على صحة تلك الحكاية، وإلا نبذوه وقالوا "شعر مصنوع" وجعلوا ذلك دليلًا على اختلاق ذاك الخبر .. ". اهـ. والمقصود بـ: أبيات المعاني: الأبيات التي تحتاج إلى أن يُسأل عن معانيها؛ لغرابة أسلوبها، وبُعْد مأخذها، وطرافة استعارتها. ٨/ ٨٢ - الأمالي اليزيدية: لأبي عبد الله محمد بن العباس بن محمد بن أبي محمد يحيى بن المبارك اليزيدي. وهى عبارة عن مراثٍ وأشعار وأخبار ولغة وغيرها. قال السماري: جاء في مقدمة الكتاب للمصحح الحبيب عبد الله بن أحمد العلوي الحسيني الحضرمي: " .. فشرعنا في طبعه بمساعدة العلامة المحقق الشيخ عبد الرحمن بن يحيى اليماني مصحح دائرة المعارف". التعليقات شاملة للكتاب وتبلغ ربع الصفحة وربما بلغت ثلثي الصفحة، ويتميز تعليق الشيخ بأنه يختمه بحرف (ح) وهو ملاحظ وكثير جدًّا. الفصل الثاني: المخطوط. النوع الأول: التأليف: ٨/ ٨٣ - ديوان الشعر: قال الزيادي: "الديوان يقع في مجلد كبير ضخم، موجود في مكتبة عبد الله الحكمي الخاصة، قيل: إنه أوصى بحرقه، ولا أظنه يصح". وقال السماري: لم أقف عليه.

стр. 114

القسم التاسع: اللغة - مخطوط ٩/ ٨٤ - له انتقادات على طبعة لسان العرب في مجلدين. موجودة في بعض المكتبات الخاصّة بمكة المكرمة: ذكره الزيادي في حاشية "المجموع" ص (٨٢). ٩/ ٨٥ - تلخيص علامات الترقيم من كتاب "الاملاء والترقيم" لأحمد زكي والمطالع النصرية: ذكره الزيادي في حاشية المجموع (ص ٥٠). * * *

стр. 115

القسم العاشر: متفرقات ١٠/ ٨٦ - صفة الارتباط بين العلماء في القديم والحديث - مطبوع: عبارة عن محاضرة ألقاها الشيخ في الحفل السنوي الذي أقامته دائرة المعارف العثمانية. ١٠/ ٨٧ - الاستدراك على بعض المواطن في معجم البلدان لياقوت الحموي - مخطوط: ذكره الزيادي (ص ٤٨) وهو استدراك بعض الرجال المنسوبين للبلدان ممن لم يذكرهم ياقوت. ١٠/ ٨٨ - تنقيح المناظر لذوي الأبصار والبصائر - في الفلك: مطبوع: لكمال الدين أبي الحسن الفارسي. جاء في خاتمة الطبع: " .. باشرنا طبعه، وتولى ذلك .. والمكرم الشيخ عبد الرحمن اليماني .. ". التعليقات نادرة، وغالبها إثبات فروق النسخ، يرمز الشيخ لتعليقه بحرف (ح). عن السماري ص (٨٥). ١٠/ ٨٩ - مفتاح دار السعادة ومصباح السيادة في موضوعات العلوم. مطبوع: لأحمد بن مصطفى المعروف بطاش كبرى زاده - طبعة أولى. "عن ترجمة عبد الله بن عبد الرحمن بن عبد الرحيم المعلمي المثبتة في مقدمة التنكيل". ولم يقف السماري على تلك الطبعة. ١٠/ ٩٠ - نزهة الخواطر وبهجة المسامع والنواظر: لعبد الحي بن فخر الدين الحسيني. وهو كسابقه تمامًا.

стр. 116

١٠/ ٩١ - رسالة فيما على المتصدين لطبع الكتب القديمة فعله. أو تصحيح الكتب القديمة. كما سمّاها السماري: رسالة عدد أوراقها الموجودة (٤٠) وعدد أسطرها (١٥) ومقاسها (٢٤ × ١٠)، ولم تكمل وهى الرسالة الأولى من "مجموع" الزيادي المطبوع. بيّن فيها الشيخ: التصحيف وأسبابه، ثم الأعمال التي تكون قبل التصحيح وبعده، ومعنى التصحيح، وأغراض الناس في طباعة الكتب، والأمور المعتبرة لطبع الكتب، والشروط التي تجب أن تتوفر في النسخة والناسخ، وما يلزم الناسخ أثناء النسخ، وشروط المقابلين بين النسخ، وبعض النصائح لهم. ١٠/ ٩٢ - أصول التصحيح. مطبوع: لم يعثر الزيادي منها إلا على عشر ورقات، وهي الرسالة الثانية من "مجموعه". يقول الشيخ في أولها: "أما بعد فإني منذ بضع سنين مُشتغل بتصحيح الكتب العلمية في مطبعة "دائرة المعارف العثمانية" وتبين لي بعد الممارسة قيمةُ التصحيح العلمية والعملية، وما ينبغي للمصحح أن يتحقق به أولًا ثم ما يلزمه أن يعمل به ثانيًا. ورأيت غالب الناس في غفلة عن ذلك أو بعضه، فمن لم يشتغل بقراءة الكتب العلمية ومقابلتها وتصحيحها، يبخس التصحيح قيمته، ويظنه أمرًا هينًا لا أهمية له ولا صعوبة فيه .. ". ثم بيّن الشيخ طرق الناس في التصحيح المطبعي والعلمي وعيوب كل طريقة. ١٠/ ٩٣ - إغاثة العلماء من طعن صاحب الوارثة في الإسلام - مخطوط: ذكره عبد الله بن عبد الرحمن بن عبد الرحيم المعلمي في ترجمة الشيخ المذكورة في مقدمة "التنكيل" ضمن مؤلفات الشيخ المخطوطة. قال السماري: ولم أعثر عليها. وقال الزيادي ص (٥٧): لعله هو كتاب "الأنوار الكاشفة".

стр. 117

أقول: الظاهر أنه غيره، فقد ذكره عبد الله المعلمي في مخطوطات "الشيخ" مع ذكره "الأنوار" في مؤلفاته المطبوعة، والله تعالى أعلم. ١٠/ ٩٤ - النقد البريء: ذكرها في رسالة "الاستبصار في نقد الأخبار" (ص ٥٩) فقال: " ... فأما الجارح فشرطه أن يكون عدلًا عارفًا بما يوجب الجرح، إن جرح ولم يفسر قلنا بقبوله، واشترط بعضهم أيضًا أن لا يكون بينه وبين المجروح عداوة دنيوية شديدة فإنها ربما أوقعت في التحامل ولا سيما إذا كان الجرح غير مفسر، وزاد غيره العداوة الدينية كما يقع بين المختلفين في العقائد، وقد بسطت القول في ذلك في النقد البريء". قال السماري: ولم أعثر عليها. أضاف الزيادي ص (٥٨) أن للشيخ تعليقات وإفادات على بعض أمهات الكتب، مثل تعليقه على .. و"تعجيل المنفعة" و"اللباب" و"العلل" قال: وقد جمع طرفًا منها في جزء مستقل، ورأيت مؤخرًا "كنّاش" صغير جمع فيه جملة كثيرة من هذه الفوائد. قال: بالإضافة إلى الكتب التي قام بنسخها وتنميقها بخطه الجميل المتقن، منها: "التحفة الوردية" في النحو، و"القواعد الصغرى" لابن هشام، وقد نظمها المعلمي ﵀، و"الزنجانية" في التصريف، و"مقدمة في الوضع" و"أسماء جبال تهامة" لعرام. هذا آخر ما نما إلى علمي من مؤلفات الشيخ وتحقيقاته. ثم إنه بعد انقضاء ما أردتُّ من البيان لموضوع الكتاب، والهدف منه، وخطة العمل فيه، ثم ترجمة الشيخ المعلمي وآثاره، أبعثُ برسالةٍ إلى كل من يطالع هذا الكتاب وغيره من كتب الفنّ المعنيّة بعلم الحديث والأثر، إلى كُلِّ من يرُومُ سلوك سبيل أهل النقد، أو ينظر في كلامهم، لكي يعلم هؤلاءِ وأولئك قدر أئمة هذا العلم وفرسانِه، فيقع كلامهم في قلوب الناظرين فيه الموقع اللائق به، فيقدّمُ كلامُ من يستحق التقديم، ويُؤخّرُ كلامُ من دونهم. والله الهادي إلى سواء السبيل

стр. 118

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ تمهيد في تعْظيمِ قدْرِ أئِمّةِ النّقْد إن الحمد لله، نحمدُه ونستعينُه ونستغفره، ونعوذُ بالله من شُرُور أنفسِنا ومن سيِّئات أعمالنا، من يهْده الله فلا مُضِلّ لهُ، ومن يُضْلِلْ فلا هادِى له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحْدهُ لا شريك لهُ، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله. ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلَا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ﴾ [آل عمران: ١٠٢] ﴿يَاأَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالًا كَثِيرًا وَنِسَاءً وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالْأَرْحَامَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيبًا﴾ [النساء: ١]، ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَقُولُوا قَوْلًا سَدِيدًا (٧٠) يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَالَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزًا عَظِيمًا﴾ [الأحزاب: ٧٠، ٧١]. أما بعْدُ: فإنّ الله تعالى قد أحْكم كتابهُ، وتكفّل بحفظه، فامتلأت به الصُّدُورُ قبل أن يُدوّن في السُّطُورِ، لا يسْقطُ منه حرفٌ، ولا يُخْتلفُ فيه على شيءٍ، يُقْرأُ غضًّا طرِيًّا، فلا يخْلقْ على كثْرة الرّدِّ، ولا تنْقضِي عجائِبُهُ. قال تعالى: ﴿إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ﴾ [الحجر: ٩]. وإن الله تعالى قد أوْحى إلى عبده ورسوله محمدٍ ﷺ بِسُنّةٍ ماضيةٍ، وهدْيٍ يُقْتدى به، وأمرنا الله بالتمسُّكِ بِسُنّتِه واتِّباعِ هدْيِهِ، وكُلِّ ما جاء به. قال تعالى: ﴿وَأَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الذِّكْرَ لِتُبَيِّنَ لِلنَّاسِ مَا نُزِّلَ إِلَيْهِمْ وَلَعَلَّهُمْ يَتَفَكَّرُونَ﴾ [النحل: ٤٤]. وقال تعالى ﴿وَمَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا﴾ [الحشر: ٧]. وقال تعالى ﴿لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ﴾ [الأحزاب: ٢١].

стр. 119

وبيّن الله سبحانه أن النبي ﷺ : ﴿وَمَا يَنْطِقُ عَنِ الْهَوَى (٣) إِنْ هُوَ إِلَّا وَحْيٌ يُوحَى﴾ [النجم: ٣، ٤]. فكان رسول الله ﷺ هو المُبيِّنُ عن الله سبحانه أمْرهُ، وعن كتابِهِ معانِي ما خُوطِب به النّاسُ، وما أراد الله سبحانه به، وما شرع من معاني دينهِ وأحْكامِه وفرائضِهِ، وموجباتِهِ، وآدابهِ، ومندوبهِ، وسُننِه التي سنّها، وأحْكامِهِ التي حكم بها. فلبِث ﷺ بمكة والمدينةِ ثلاثًا وعشرين سنةً، يُقِيمُ للناسِ معالم الدِّينِ، يفْرِضُ الفرائض، ويسُنُّ السُّنن، ويُمْضِي الأحكام، ويُحِّرمُ الحرام، ويُحِلُّ الحلال، ويُقِيمُ النّاس على مِنْهاجِ الحقِّ بالقولِ والفِعل، صلواتُ الله عليْهِ وعلي آلهِ، أفضل صلاةٍ وأزْكاها وأكْملها. فثبّت ﵊ حُجّة الله سبحانه على خلْقِهِ، بما أدّى عنهُ وبيّن من مُحكمِ كتابهِ ومُتشابِهه، وخاصِّهِ وعامِّهِ، وناسِخِه ومنْسُوخِه، ونحو ذلك. ولذا فقد أمر الله تعالى بطاعته فقال: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُولِي الْأَمْرِ مِنْكُمْ فَإِنْ تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ إِنْ كُنْتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ ذَلِكَ خَيْرٌ وَأَحْسَنُ تَأْوِيلًا﴾ [النساء: ٥٩]. وحذّر من مُخالفتِهِ فقال: ﴿فَلْيَحْذَرِ الَّذِينَ يُخَالِفُونَ عَنْ أَمْرِهِ أَنْ تُصِيبَهُمْ فِتْنَةٌ أَوْ يُصِيبَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾ [النور: ٦٣]. وطاعةُ الرسولِ ﷺ : في اتِّباعِ سُنّتِهِ؛ إِذْ هِى النُّورُ البهِيُّ، والأمْرُ الجِليُّ، والحُجّةُ الواضِحةُ والمحجّةُ اللّائِحةُ، منْ تمسّك بها اهْتدى، ومنْ عدل عنها ضلّ وغوى. وإِذْ أمرنا الله سُبحانه باتِّباعِ سُنّتِهِ وهدْيِه وكُلِّ ما جاء بِه، فقد كان مِنْ لازِم ذلك أن يحْفظ الله لنا تلك السُّنّة -كما حفِظ الكتاب- فتصِل إلينا من طريقٍ تُقامُ بها علينا الحجةُ، ﴿لِئَلَّا يَكُونَ لِلنَّاسِ عَلَى اللَّهِ حُجَّةٌ بَعْدَ الرُّسُلِ﴾ [النساء: ١٦٥].

стр. 120

ولذا فقد أمِنّا -ولله الحمدُ- أن تكون شريعةٌ أمر بها رسولُ الله ﷺ ، أو ندب إليها، أو فعلها ﵇، فتضيع، ولم تبلغْ إلى أحدٍ من أُمّتِه. وأمِنّا أيضًا أن يكون الله تعالى يُفْرِدُ بِنقْلِها منْ لا تقومُ بنقلِه الحجةُ. وكذا أن تكون شريعةٌ يُخطِىءُ فيها راويها الثقةُ، ولا يأتي من الدلائل أو القرائن أو الشواهد ما يُبيِّنُ خطأهُ فيه. ولذلك فإنّه يمتنعُ أن يريد الله تعالى تشريع حُكْمٍ، ثم يقطع على الأُمّةِ الطريق الموصِّلة إليه. وهذا القطعُ إما أن يكون بعدم وُصُوله إليهم وكِتْمانِه عنهم أصْلًا، وإما بِإيصالِه إليهم من طريق لا تقومُ عليهم به حجةٌ. فالأوّلُ ممنوعٌ شرعًا وعقلًا، والثاني مردودٌ لعدم فائدته. "ولمّا كان ثابتُ السُّننِ والآثارِ، وصِحاحُ الأحاديثِ المنقولةِ والأخبارِ، ملْجأ المسلمين في الأحوالِ، ومرْكز المؤمنين في الأعمالِ؛ إِذْ لا قِوام للإسلامِ إلا بِاسْتِعْمالِها، ولا ثبات للإيمانِ إلا بِانْتِحالهِا، وجب الاجتهادُ فِي عِلْمِ أُصُولها، ولزِم الحْثُّ على ما عاد بِعِمارةِ سبِيلِها". (١). فإِذْ قدْ أقام الله تعالى الحُجّة بِحِفْظِ فينهِ، وكان الكتابُ لا يُخْتلفُ في سبيلِ وُصُوله، وضمِن الله تعالى لنا حِفْظ سُنةِ نبيِّهِ، فقد وجب علينا معرفةُ السبيلِ الذي ارْتضاهُ الله سبحانه ليكون حُجّةً علينا في معْرفِة معانِي كتابه، ومعالِم دِينه، وأحْكاِم شرِيعتِه. وهذا السّبيلُ هو: "النقْلُ والرِّوايةُ". فقد اختار الله سبحانه لِصُحْبةِ نبيِّهِ قومًا، شرّفهُم، وأعْلى قدْرهم، ورفع منزلتهُمْ، ورضِى عنهم، فحفظُوا على الأُمّةِ أحكام الرسولِ، وأخبروا عن أنْباءِ التنزيل، ونقلوا أقوال النبي ﷺ وأفعاله، وضبطُوا على اختلافِ الأموِر أحوالهُ، في: يقظتِهِ ومنامهِ، وقُعُودهِ وقيامهِ، وملْبسهِ ومرْكبِه، ومأْكلِه ومشْربِهِ، وهم الذين شهدوا

стр. 121

الوحْى والتنزيل، وعرفوا التفسير والتأويل، ففقهوا في الدين، وعلِمُوا أمر الله ونهيه ومراده، بمعاينةِ رسول الله ﷺ ، ومشاهدتِهم منه تفسير الكتاب وتأويله، وتلقفِهم منه واستنباطِهم عنه، فشرفهم الله سبحانه بما منّ عليهم وأكرمهم به من وضْعِهِ إياهم موْضع القُدْوة، فنفى عنهم الشك والكذب والرِّيبة، وسماهم عُدُول الأمة، فكانوا أئمة الهُدى، وحُجج الدينِ، ونقلة الكتابِ والسُّنّةِ. فهذا هو أصل المحجّةِ التي ارْتضاها الله سبحانه لهذه الأُمّةِ في معرفةِ دينهِ، ألا وهو نقْلُ الصحابةِ الكرامِ عن النبي ﷺ بالمُشاهدِة والمُعاينة للوحْي والتنزيلِ. ثُمّ إِنّ النّبيّ ﷺ قدْ حضّ صحابتهُ على التبليغ عنْهُ في أخبار كثيرة، فقال: "بلِّغُوا عنِّي ولوْ آيةً". وقال في خطبته: "فلْيُبلِّغ الشّاهِدُ منكم الغائب". ودعا لِمنْ بلّغ عنه فقال: "نضّر الله امْرءًا سمِع مقالتي فحفظها ووعاها حتّى يُبلِّغها غيرهُ". "ثمّ تفرّقتِ الصحابةُ ﵃ في النّواحي والأمْصار والثُّغُورِ، وفي فتوحِ البُلْدانِ والمغازي والإِمارة والقضاء، فبثّ كُلُّ واحدٍ منهم في ناحيته وبالبلد الذي هو به: ما وعاهُ وحفِظهُ عن رسول الله ﷺ ، وحكمُوا بِحُكْمِ الله سبحانه، وأمْضوُا الأمور على ما سنّ رسولُ الله ﷺ ، وأفْتوْا فيما سُئلوا عنه مما حضرهم مِنْ جوابِ رسول الله ﷺ -عن نظائرها من المسائل، وجرّدُوا أنفسهم لتعليم الناس الفرائض والأحكام والسنن والحلال والحرام حتى قبضهم الله سبحانه، رضوانُ الله ومغفرته ورحمته عليهم أجمعين. ثم خلف بعدهم التابعون الذي اختارهم الله سبحانه لإقامة دينه، وخصهم بحفظ فرائضه وحدوده وأمره ونهيه وأحكامه وسُنن رسول الله ﷺ وآثاره، فحفظوا عن صحابته ما نشروه وبثوه من العلم، فأتقنوه وعلموه وفقهوا فيه، فكانوا من الإسلام والدين ومراعاة أمر الله سبحانه ونهيه بحيث وضعهم الله سبحانه، ونصبهم له، إذ يقول الله سبحانه: ﴿وَالَّذِينَ اتَّبَعُوهُمْ بِإِحْسَانٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ وَرَضُوا عَنْهُ﴾ [التوبة: ١٠٠]. فصاروا -برضوانِ الله سبحانه لهم وجميلِ ما أثنى عليهم- بالمنزلةِ التي نزههم الله بها عن أن يلحقهُم مغمزٌ أو تُدْرِكهُم وصمةٌ؛ لِتيقُّظِهِم وتحرّزِهم وتثبُّتِهم -رحمةُ الله

стр. 122

ومغفرتُه عليهم أجمعين- إلا ما كان مِمّنْ ألحْق نفسه بهم، ودلّسها بينهم مِمّنْ ليْس يلحقُهم، ولا هو في مِثْلِ حالهم، لا في فقهٍ ولا علمٍ ولا حفطٍ ولا إتقانٍ، مِمّنْ بيّن أهلُ النّقْدِ حالهُم، وميّزُوهم عنْ غيرهم مِنْ أقْرانِهم لِيُعْرفوا. ثم خلفهُم تابعو التابعين، وهم خلفُ الأخْيارِ، وأعلامُ الأمصارِ في دين الله سبحانه، ونقْلِ سُننِ رسول الله ﷺ ، وحِفْظِه وإتقانِه، والعلماءُ بالحلالِ والحرامِ، والفقهاءُ في أحكامِ الله سبحانه وفُروضِه وأمره ونهيه" (١). وهُمْ على مراتب في الورعِ والضبطِ والإتقانِ، وقد جعل الله سبحانه لكل شيء قدرًا. ومنهم أيضًا -وهم في هذه الطبقة أكثر من التي قبلها- منْ ألْصق نفْسهُ بهم، ودلّسها بينهم، مِمّنْ ليس مِنْ أهْلِ الصِّدقِ والأمانةِ، ومنْ قد ظهر للنُّقّادِ العلماءِ بالرجالِ منهم الكذبُ، فبيّنُوا أمْرهُم. هكذا حمل المتأخُر عن المتقدمِ، واللاحقُ عن السابقِ، وتناقلتِ الرواةُ الأخبار والسُّنن، وزادتِ الوسائطُ المُبلِّغةُ لدين الله ، وسُمِّيتْ هذه الوسائطُ بـ: "الإسناد". ولما كان الله سبحانه قد ارْتضى أن يكون "النّقْلُ" هو السبيل إلى تعرُّفِ هذه الأُمّةِ على دِينه وشرْعِه، وقد ضمن الله لنا حِفْظ الدِّين، فقد دلّ ذلك أن السبيل إلى هذا التعرف -ألا وهو النقل الذي تقوم به الحُجّةُ- محفوظٌ أيضًا. فكيف إذا حفِظ الله سبحانه هذا "النّقْل"؟ والجواب: أن الله تعالى كما اخْتار لصُحْبِة نبِيِّهِ أعلامًا أكْفاء، إئتمنهم على تبليغ دينه، فقدِ اخْتار أيضًا رِجالًا صنعهُم على عيْنِهِ، وخصّهُمْ بهذه الفضِيلة، ورزقهُم

стр. 123

هذه المعرفة، وهيّأ لهم من الأحوالِ، ما جعلهم علمًا للإسلامِ، وقدوةً في الدين، ونُقّادًا لناقلة الأخبار، فاجتهدوا في حفظ هذا الدين، ونفْي تحريف الغالين، وانتحالِ المبطلين، وبيانِ خطأ المخطئين، ولو كانوا من الثقاتِ المتقنين. وميّز هؤلاء بْين عُدول النّقلةِ والرواةِ وثقاتهم وأهلِ الحفظِ والثبت والإتقانِ منهم، وبْين أهلِ الغفلةِ والوهم وسوءِ الحفظِ والكذبِ واختراعِ الأحاديث الكاذبة. "وقد جعلهمُ الله تعالى أركان الشّرِيعةِ، وهدم بهم كُلّ بِدْعةٍ شنِيعةٍ، فهمْ أُمناءُ الله من خليقتِهِ، والواسطةُ بْين النَّبي ﷺ وأُمّتِهِ، والمجتهدون في حِفْظِ مِلّتِهِ. أنْوارُهم زاهرةٌ، وفضائلهم سائرةٌ، وآياتهم باهرة، ومذاهبهم ظاهرة، وحُججُهُم قاهرةٌ. وكُلُّ فِئةٍ تتحيّزُ إلى هوًى ترجعُ إليه، أو تستحسنُ رأيًا تعكُفُ عليه -سِواهم؛ فإن الكتاب عُدّتُهُم، والسُّنّة حُجّتُهم، والرسول فِئتُهم، وإليه نسبتُهم، لا يُعرِّجُون على الأهْواء، ولا يلتفتون إلى الآراء. يُقْبلُ منهم ما رووْا عن الرسولِ، وهم المأمونون عليه والعدولُ، حفظةُ الدين وخزنتُهُ، وأوْعِيةُ العِلْم وحملتُهُ. إذا اخْتُلِف في حديثٍ، كان إليهم الرجوعُ، فما حكموا به فهو المقبولُ المسموعُ. وهم الجمهورُ العظيم، وسبيلُهم السبيلُ المستقيم، منْ كادهُمْ قصمهُ الله، ومنْ عاندهمْ خذلهُ الله، لا يضرهم منْ خذلهم، ولا يُفْلِحُ من اعتزلهم. المُحْتاطُ لدينه إلى إرشادهم فقيرٌ، وبصرُ النّاظِرِ بالسوءِ إليهم حسِيرٌ، وإِنّ الله على نصْرِهِم لقدِيرٌ. قد جعلهم الله سبحانه حُرّاس الدين، وصرف عنهم كيْد المعاندين، لِتمسُّكِهم بالشرعِ المتينِ، واقتفائِهم آثار الصحابة والتابعين.

стр. 124

فشأنُهم حفظُ الآثارِ، وقطعُ المفاوزِ والقفارِ، وركوبُ البراري والبحارِ، اقتفاءً لحديث النَّبي المختارِ. قبِلُوا شريعتهُ قولًا وفعلًا، وحرسُوا سُنّتهُ حفظًا ونقلًا، حتى ثبّتُوا بذلك أصْلها، وكانوا أحقّ بها وأهلها. وكمْ مِنْ مُلْحِدٍ يرُومُ أن يخلط بالشريعة ما ليس منها، والله تعالى يذبُّ بهم عنها، فهم الحفاظُ لأركانها، والقوّامُون بأمرها وشأنها، ﴿أُولَئِكَ حِزْبُ اللَّهِ أَلَا إِنَّ حِزْبَ اللَّهِ هُمُ الْمُفْلِحُونَ﴾ [المجادلة: ٢٢] (١). ولولا هؤلاء الأئمة الجهابذة النُّقّاد الذين اصطفاهم الله سبحانه لحفظِ دينه، لاندرس الإسلامُ، ولغابتْ شمسُ الشريعة عن الأنام، ولأصبح الناس في ظُلْمةٍ دهْماء، وحْيرةٍ عمْياء، لا يميزون بين الحق والباطل، ولا الصحيح من السقيم، ولارتفع صوت الإلحاد، ولضاع حديث رسول الله ﷺ بين كيدِ كائدٍ، وحقدِ حاقدٍ. فاللهم انفعْنا بمحبتهم، واحْشُرْنا في زُمْرتهم، ولا تفْتِنّا بعدهم، ولا تحْرِمْنا أجرهم، واجعلْنا من أتباعِهم، وحملةِ لوائهم، وبلّغْنا شرف منزلتهم، وحُسْن سيرتهم، وأمِتْنا على مِلّتِهم، إنك بنا خبيرٌ بصيرٌ. فهؤلاء النّقاد -لما انتشرتْ روايةُ الأحاديثِ الضعيفة بِحُسْنِ نِيّةٍ من الرواة الصالحين الموصوفين بكثرة الغلط وغلبة الوهم، وبِسُوء نِيّةٍ من أصحاب الأهواء وغيرهم- شمّروا عن ساعِدِ الجِدِّ، وتأهّبُوا للقيام بالمُهِمّةِ التي أنِيطتْ بهم، وعزمُوا على تنْقِيةِ السُّنّةِ الشريفةِ مِنْ كُلِّ ما خالطها مِن الأباطيل والأكاذيب. وأرْسى هؤلاءِ القواعد لحفظِ الأسانيدِ والمتون من الوضْعِ والتحريف والتصحيف والأوهام؛ كما اشترطوا شُروطًا وضوابط لقبُول الحدِيثِ أو ردِّهِ، غايةً في الإتقانِ.

стр. 125

فقد بلغ هؤلاءِ من البراعةِ في الدّقّةِ، والتّثبُّتِ، والاحْتياطِ ما يُحِّيرُ العُقُول، حتى لقدْ حدا ببعضِ منْ لم يعْرِفْ لهم قدْرهُم، ولم يطّلِعْ على إمكاناتهم، ولم يضْبِطْ قواعد فنِّهِم، أنْ رأى أحكامهُم على الأخْبارِ تصْحِيحًا وتضْعِيفًا، بكلامٍ مجملٍ، فظنّ أنّهم يدّعُون الغيْب، أو أنّهم يتكهّنُون! قال أبو حاتم الرازي (١): "جاء رجلٌ من جلّة أصحابِ الرأي، مِنْ أهلِ الفهْم مِنْهم، ومعهُ دفْترٌ، فعرضهُ عليّ، فقلتُ في بعْضِها: هذا حديث خطأٌ، دخل لصاحبه حديثٌ في حديثٍ. وقلتُ في بعْضِه: هذا حديثٌ باطلٌ. وقلتُ في بعْضِه: هذا حديثٌ منكرٌ. وقلتُ في بعْضِه: هذا حديثٌ كذبٌ، وسائر ذلك أحاديثُ صِحاح. فقال لي: مِنْ أيْن علِمْت أنّ هذا خطأٌ، وأنّ هذا باطلٌ، وأنّ هذا كذِبٌ؟ أخْبرك راوِي هذا الكتابِ بِأنِّي غلطتُ وأنِّى كذبتُ فِي حديثِ كذا؟. فقلتُ لا، وما أدري هذا الجزء مِنْ رواية منْ هو؟ غير أني أعلمُ أنّ هذا خطأ، وأنّ هذا الحديث باطلٌ، وأن هذا الحديث كذبٌ. فقال: تدّعِي الغيْب؟ قلتُ: ما هذا ادِّعاءُ الغيْبِ. قال: فما الدليلُ على ما تقولُ؟ قلتُ: سلْ عما قلتُ منْ يُحسِنُ مثل ما أُحْسِنُ، فإِنِ اتّفقْنا، علمت أنا لم نُجازفْ، ولم نقُلْهُ إلا بِفهْمٍ. قال: منْ هُو الذي يُحْسِنُ مثل ما تحسنُ؟ قلتُ: أبو زرعة.

стр. 126

قال: ويقول أبو زرعة مثل ما قلت؟ قلتُ: نعم. قال: هذا عجبٌ. فأخذ، فكتب في كاغدٍ ألفاظي في تلك الأحاديث، ثم رجع إليّ، وقد كتب ألفاظ ما تكلم به أبو زرعة في تلك الأحاديث. فما قلتُ إنه باطلٌ، قال أبو زرعة: هو كذبٌ. قلتُ: الكذبُ والباطلُ واحدٌ. وما قلتُ إنه كذبٌ قال أبو زرعة: هو باطلٌ. وما قلتُ إنه منكر، قال: هو منكرٌ، كما قلتُ. وما قلتُ إنه صحاحٌ، قال أبو زرعة: هو صحاحٌ. فقال: ما أعْجب هذا! تتفقانِ مِنْ غير مُواطأةٍ فيما بينكما؟ فقلتُ: فقد (١) ذلك أنا لم نُجازفْ، وإنما قُلْناهُ بعلمٍ ومعرفةٍ قد أُوتينا، والدليلُ على صحةِ ما نقولُه بأنّ دينارًا نبهرجًا (٢) يُحْملُ إلى الناقد (٣)، فيقول: هذا دينار نبهرج، ويقول لدينار: هو جيِّدٌ، فإن قيل له: مِنْ أيْن قلت أن هذا نبهرج؟ هل كنت حاضرًا حين بُهْرج هذا الدينار؟ قال: لا. فإن قيل له: فأخبرك الرجلُ الذي بهْرجهُ أني بهرجتُ هذا الدينار؟ قال: لا، قيل: فمِنْ أيْن قلت إن هذا نبهرج؟ قال: علمًا رزقتُ. وكذلك نحنُ، رُزِقْنا عِلْما لا يتهيّأُ لنا أن نُخْبِرك كيْف علِمْنا بأن هذا الحديث كذبٌ، وهذا حديثٌ منكرٌ إلا بما نعْرِفُهُ". اهـ. قلت: معْنى كلامِ أبي حاتم رحمه الله تعالى أنه قد صارتْ لهُ ولأبي زرعة وغيرهما من النُّقادِ -وهم قليلٌ كما سيأتي- "ملكةٌ" قويةٌ و"سجِيّةٌ" و"غرِيزةٌ"، يكشفون بها زيف الزائفِ، ووهم الواهِم وغيْر ذلك.

стр. 127

أسبابُ تحصيلِ تلك "الملكة": وهذه "الملكةُ" لم يُؤْتوْها من فراغٍ، وإنما هِى حصادُ رِحْلةٍ طويلةٍ من الطلبِ، والسماعِ، والكتابة، وإحصاءِ أحاديثِ الشُّيُوخ، وحفظِ أسماء الرجال، وكُناهُم، وألقابِهم، وأنسابِهم، وبُلدانِهم، وتواريخِ ولادةِ الرواةِ ووفياتِهم، وابتدائهم في الطلب والسماعِ، وارتحالِهم من بلدٍ إلى آخر، وسماعِهم من الشيوخ في البلدان، منْ سمع في كل بلدٍ؟ ومتى سمِع؟ وكيْف سمِع؟ ومع من سمع؟ وكيف كتابُه، ثم معرفةِ أحوالِ الشُّيوخ الذين يحدث الراوي عنهم، وبلدانِهم، ووفياتهم، وأوقاتِ تحديثهم، وعادتهِم في التّحْديثِ، ومعرفةِ مروياتِ الناس عن هؤلا الشيوخ، وعرْضِ مرويات هذا الراوي عليها، واعتبارِها بها، إلى غير ذلك مما يطولُ شرْحُه. هذا مع سعة الاطِّلاع على الأخبارِ المرويّةِ، ومعْرفِة سائرِ أحوالِ الرُّواةِ التفصِيِليّةِ، والخِبْرة بِعوائِدِ الرواة ومقاصدِهم وأغراضِهم، وبالأسبابِ الدّاعِية إلى التّساهُلِ والكذب، وبِمظِنّاتِ الخطأ والغلطِ، ومداخِلِ الخللِ. هذا مع اليقظة التامّة، والفهْمِ الثّاقِبِ، ودقيقِ الفِطْنةِ، وامتلاكِ النّفْسِ عند الغضب، وعدمِ الميْلِ مع الهوى، والإنصافِ مع الموافقِ والمخالفِ، وغير ذلك. وهذه المرتبةُ بعيدةُ المرامِ، عزيزةُ المنالِ، لم يبْلُغْها إلا الأفْذادُ، وقد كانوا من القِلّةِ بحيث صاروا رُؤُوس أصحابِ الحديثِ فضْلًا عن غيرهم، وأضْحتِ الكلمةُ إليهم دُون منْ سواهم. نُدْرةُ أهْلِ النَّقْدِ ودِقّةُ منْهجِهم: وليس ذاك الرجلُ الذي حكى أبو حاتم مجِيئهُ إليه، وعرْضهُ دفْترهُ عليه -وقد كان من أهل الفهْم من أصحابِ الرّأْيِ- بأحسن حالًا من كثيرٍ من أهل بلده وعصره فضلًا عمن بعدهم.

стр. 128

قال أبو حاتم (١): "جرى بيْنِي وبْين أبي زُرْعة يومًا تمييزُ الحديثِ ومعرفتُه، فجعل يذْكُرُ أحاديث ويذكرُ عِللها، وكذلك كنتُ أذكرُ أحاديث خطأ وعِللها، وخطأ الشُّيُوخ، فقال لي: يا أبا حاتم، قلّ منْ يفْهمُ هذا، ما أعزّ هذا، إذا رفعت هذا من واحدٍ واثنين فما أقلّ منْ تجد منْ يُحْسِنُ هذا. ورُبّما أشُكُّ في شيءٍ أو يتخالجُنِي شيءٌ في حديثٍ، فإِلى أن ألْتِقى معك لا أجد منْ يشْفِيني منه. قال أبو حاتم: وكذاك كان أمْرِي. فقال ابنُ أبي حاتم: قلتُ لأبي. محمد بن مسلم [يعني: ابن وارة]؟ قال: يحفظُ أشياء عن مُحدِّثِين يُؤدِّيها، ليس معرفتُه للحديث غرِيزةً". اهـ. وابنُ وارة حافظٌ ثبتٌ، قال ابن أبي حاتم: ثقةٌ صدوقٌ، وجدتُّ أبا زرعة يُجِلُّه ويُكْرِمُهُ. وقال أبو بكر بن أبي شيبة: أحفظُ من رأيتُ: ابنُ الفراتِ، وابنُ وارة، وأبو زُرْعة. وقال النسائي: ثقةٌ صاحبُ حديثٍ. وقال الطحاوي: ثلاثةٌ بالرّيّ لم يكن في الأرض مثلُهم في وقتهم: أبو حاتم وأبو زرعة وابن وارة. ومع ذلك يقول عنه أبو حاتم: ليس معرفتهُ للحديث غريِزةً. فأنت ترى عِزّة هؤلاءِ النّفرِ ونُدْرتهُم بيْن أهلِ زمانهم، ووُعُورة طريقتهم على أكثر الخلْقِ -وفيهم جملةٌ من المُشْتغِلين بالحديث وروايتِه- مع اطِّلاع الكثيرِ على أحْوالهم، وسعةِ حفظهم، وتوفرِ المقتضى الداعِي لفهم منهجهم، مِن القُرْبِ منهم، وإمكانيةِ الرجُوعِ إليهم، مع مشاهدة ميْدانِ الروايةِ، ومجالسِ التحديث، وأحوالِ الرواة تحمّلًا وأداءً، ودرجاتِهم في التّثبُّتِ والاحْتِياط، وغير ذلك من المجالات التي تدُورُ عليها تعْليلاتُ هؤُلاء النُّقّادِ. فإذا كان الأمُر على نحو ما ذكرتُ، فليس مِنْ عجبٍ أن تزداد تلك الوُعُورةُ على من بعدهم، وتزداد الهُوّةُ بينهم، إلى سائر الأزمان المتأخرة، وهلُمّ جرّا إلى زماننا هذا.

стр. 129

رأْسُ مالِ النّاقِدِ: فمِمّا ينْبِغي أن يستحضرهُ النّاظرُ في كلام النّاقد: هذا الاطِّلاع الواسع الذي سبق التنبيهُ عليه إجمالًا، ولكني هاهنا أخصُّ بالذِّكر "رأس مالِ النّاقدِ" في هذا الشأن، ألا وهو: "الإِحْصاءُ والحِفْظ" فأقول: كان النّاقدُ يسْتوْعِبُ أولًا ما عند شيوخ بلده من الحديثِ فيسمعُه، ويكتبُه على الوجْه، مُحْصِيًا أحاديث كُلّ شيخِ عن شيوخه، حافِطًا لتلك الأسانيِد برُواتها ومُتُونها، ورُبّما كان بعضُهم يُصنِّفُ أحاديث الشيوخ على: الأبْوابِ، كالإيمان والطهارة والصلاة ونحوها، أوْ على المسانيد، كحديث أبي هريرة، وابن عمر، وابن عباس وهكذا. فيصير الحديثُ الواحدُ عنده مخُرجًا في أكثر من باب. ولا شكّ أن في شيوخِ هذا الناقدِ من أهل بلده منْ رحلُوا، ورووْا عن شُيوخهم مِنْ هُنا وهُناك، فأصبح عند النّاقِدِ أحاديثُ بعضِ شُيوخ البلدان والأمصار. ثم يبدأُ الناقدُ الرحلة في سماع الحديثِ والأثرِ، ويصنعُ بأحاديثِ كُلِّ شيخٍ مِمّنْ سمعهم في الرحلة مثلما صنع في أحاديث شُيوخ بلده، ولا شك أن في سماعه الجديد أشياء يسْمعُها من شيوخ شيوخ بلده، فيقارنها بما سمعه من شيوخ بلده عنهم، فمِن النُّقّادِ من يكتُبها مرّة أُخْرى، ومنهم من ينتخبُ ما يجد فيها خلافًا عما سمِعهُ من شيوخ بلده أو غيرهم، سواءٌ كان هذا الاختلافُ في الإسناد أو في المتن، وكان من أمثلة النوع الأول من هؤلاء النقاد: أبو زرعة، ومن النوع الثاني: أبو حاتم رحمهما الله تعالى.

стр. 130

قال ابنُ أبي حاتم (١): سمعتُ أبي ﵀ يقول: "كنا إذا اجتمعنا عند محدثٍ أنا وأبو زرعة، كنتُ أتولّى الانْتِخاب، وكنتُ إذا كتبتُ حديثًا عن ثقةٍ لم أُعِدْهُ، وكنتُ أكتبُ ما ليس عندي. وكان أبو زرعة إذا انتخب يُكثر الكتابة، كان إذا رأى حديثًا جيدًا قد كتبهُ عن غيره أعادهُ". اهـ. وكان الناقدُ ربما سمع من الشيخ الواحِدِ عِدّة مراتٍ بينها فتراتٌ؛ الْتِماسًا لسماعِ ما لم يسمعْه منه مِنْ قبْلُ، وكان ينتخبُ أيضًا ما فاته سماعُه فقط، فيكتبه، أما المُعادُ، فإنَّهُ يعْرِضُهُ على ما كتبه عنه أولًا؛ لاخْتِبار حالِ الشيخ في الضّبْط. قال ابن أبي حاتم (٢): سمعت أبي يقول: "كنتُ أتولّى الانْتِخاب على أبي الوليد (٣)، وكنتُ لا أنتخبُ ما سمعتُ من أبي الوليد قديمًا .. فلما تيسّر لي الخروج من البصرة، قلتُ لأبي زرعة: تخرجُ؟ فقال: لا، إنك تركت أحاديث من حديثِ أبي الوليد مما كتبت عنه سمعت منه قديمًا، فكرهتُ أن أسأل في شيءٍ يكونُ عليك مُعادًا، فأنا أُقيمُ بعدك حتى أسْمع". اهـ. وقال أبو الوليد الطَّيالسيُّ (٤): قال حماد بن زيد: ما أُبالي من خالفني إذا وافقني شعبةُ؛ لأنّ شعبة كان لا يرْضى أن يسمع الحديث مرة يُعاوِدُ صاحبه مرارًا، ونحن كنا إذا سمعناه مرّةً اجتزينا به". اهـ. وقال أبو داود الطيالسي (٥): سمعتُ شعبة يقول: سمعتُ من طلحة بن مُصرِّفٍ حديثًا واحدًا، وكنتُ كما مررتُ به سألتُه عنه، فقيل له: لِم يا أبا بِسْطام؟ قال: أردتُ أن انظر إلى حِفظه، فإن غيّر فيه شيئًا تركتُه". اهـ.

стр. 131

أمثلةٌ لما "يُحْصِيهِ" النّاقِدُ: فالنّاقِدُ يدْأبُ في التِّرْحالِ، والسماع، والكتابة، والتصنيفِ، والانتخابِ، على نحو ما سبق، ويُولِي عنايتهُ أثناء ذلك لأمور: منها: ١ - حصْرُ أحاديث من تدورُ عليهم الأسانيدُ في البلدان . وذلك بأن يجمع الناقدُ أحاديث كُلِّ واحدٍ منهم، مُبوِّبًا ذلك على شيوخه وتلاميذه. قال عليّ بن المديني (١): "نظرت فإذا الإسناد يدور على ستة: الزهري، وعمرو ابن دينار، وقتادة، ويحيى بن أبي كثير، وأبي إسحاق -يعني الهمداني- وسليمان الأعمش. ثم صار علمُ هؤلاء الستةِ إلى أصحاب الأصْنافِ، فمِمّنْ صنّف من أهل الحجاز: مالكُ بن أنس، وابنُ جريج، ومحمدُ بن إسحاق، وسفيان بن عيينة. ومن أهل البصرة: شعبةُ، وسعيدُ بن أبي عروبة، وحمادُ بن سلمة، ومعْمر، وأبو عوانة. ومن أهل الكوفة: سفيانُ الثوري. ومن أهل الشام: الأوزاعيُّ. ومن أهل واسط: هُشيمٌ. ثم صار علمُ هؤلاء الاثني عشر إلى ستةٍ: إلى يحيى بن سعيد -يعني القطان- وعبد الرحمن بن مهدي، ووكيع بن الجراح، ويحيى بن أبي زائدة، ويحيى بن آدم، وعبد الله بن المبارك". اهـ. فكان الناقدُ يحفظ أحاديث كُلٍّ من هؤلاء، من طريق تلامذتهم الملازمين لهم، المعروفين بهم، وكان لبعض هؤلاء نسخٌ وصحائفُ بأحاديثهم التى حدّثُوا بها، بحيثُ يستطيع الناقدُ عن طريق هذا "الإحصاء" الدقيق لحديث كُلٍّ منهم أن يقُول

стр. 132

فيما يُعْرضُ عليه: هذا ليس من حديث فلان -أو هو غريب من حديث فلان- أو لا يجيء من حديث فلان. أو هو من حديث فلان لكن بإسناد آخر، أو بهذا الإسناد لكن بمتنٍ آخر، وهكذا. ويحكمُ الناقدُ بهذا على راوي ذاك الحديث بالوهم في روايته، وقد يكون هذا الراوي ثقة، ولكنّ حفظ الناقد -وهو فوق الثقة بلا شك- أوْلى من حفظ غيره، لأنه يعتمد على "الحصر" و"الإحصاء". قال أبو حاتم (١): "صليت بجنب يحيى بن معين فرأيت بين يديه جزءًا. فطالعته، فإذا: "ما روى الأعمش عن يحيى بن وثاب أو عن خيثمة -شك أبو حاتم- فظننتُ أنه صنف حديث الأعمش". اهـ. معنى ذلك أن ابن معين كانت عنده أحاديث الأعمش مصنفةً بحسب مشايخه، وهذا "حصْرٌ" لأحاديث الأعمش بصورة دقيقةٍ مُتْقنةٍ، وقِسْ على ذلك أحاديث غيره، وكذا صنيع غالب النُّقّادِ. وقال علي بن الحسين بن الجنيد (٢): ما رأيتُ أحدًا أحفظ لحديث مالك بن أنس لمسنده ومنقطعه من أبي زرعة. فقال له ابن أبي حاتم: ما في الموطأ والزيادات التي ليست في الموطأ؟ فقال: نعم". اهـ. وقال أبو زرعة (٣): "نظرت في نحو من ثمانين ألف حديث من حديث ابن وهب بمصر وفي غير مصر ما أعلم أني رأيت له حديثًا لا أصل له". اهـ.

стр. 133

وقال أبو زرعة أيضًا (١): "خرجتُ من الرّيِّ المرّة الثانية سنة سبع وعشرين ومائتين، ورجعتُ إلى مصر، فأقمت بمصر خمسة عشر شهرًا، وكنت عزمتُ في بدو قدومي مصر أني أُقِلُّ المُقام بها، لما رأيتُ كثرة العلم بها وكثرة الاستفادة، عزمتُ على المُقام، ولم أكن عزمتُ على سماع كتب الشافعيِّ، فلما عزمتُ على المُقام وجهتُ إلى أعْرفِ رجل بمصر بِكُتُبِ الشافعي، فقبلتُها منه بثمانين درهمًا أن يكتبها كلها، وأعطيتُه الكاغِد، وكنتُ حملتُ معي ثوبين. لأقطعهما لنفسي، فلما عزمتُ على كتابتها، أمرتُ ببيعهما، فبِيعا بستين درهمًا، واشتريتُ مائة سرقة كاغد بعشرة دراهم، كتبتُ فيها كُتُب الشافعي .. ". فانظر إلى نفقته في "إحصاءِ" كُتُبِ الشافعي. وقال ابن أبي حاتم (٢): "سمعنا من محمد بن عُزيْز الأيلي الجزء السادس من مشايخ عُقيْل، فنظر أبي في كتابي، فأخذ القلم فعلّم على أربعةٍ وعشرين حديثًا؛ خمسة عشر حديثًا منها متصلة بعضها ببعض، وتسعة أحاديث في آخر الجزء متصلة، فسمعته يقول: ليست هذه الأحاديث من حديث عُقيْل عن هؤلاء المشْيخةِ، إنما ذلك من حديث محمد بن إسحاق عن هؤلاء المشْيخةِ. ونظر إلى أحاديث عن عُقيْل عن الزُّهريّ، وعُقيْل عن يحيى بن أبي كثير، وعُقيْل عن عمرو بن شعيب ومكحول، وعُقيل عن أسامة بن زيد الليثي فقال: هذه الأحاديث كلها من حديث الأوزاعي عن يحيى بن أبي كثير، والأوزاعي عن نافع، والأوزاعي عن أسامة بن زيد، والأوزاعي عن مكحول، وإن عُقيْلًا لم يسمع من هؤلاء المشْيخةِ هذه الأحاديث". اهـ. فتدبّرْ قول أبي حاتم: "ليست هذه الأحاديث من حديث عُقيْل عن هؤلاء المشيخة .. " مِنْ أين كان يتأتى له أن يجزم بذلك إن لم تكن أحاديثُ عُقيل مجموعةً

стр. 134

عنده، مُصنّفةً على أسماء شيوخه، فلم يجد فيها ما رآه في كتاب ابن أبي حاتم المشار إليه، وكانت تلك الأحاديث فيما أحصاه أبو حاتم من حديث محمد ابن إسحاق عن هؤلاء الشيوخ، فعلِم أن خطئًا طرأ على ذاك الكتاب لعله من التحويل أو غير ذلك من أسباب الخلل، فأُبْدل اسمُ ابن إسحاق بعُقيْل، وكذلك أُبْدل اسم الأوزاعي به في سائر الأحاديث؛ لأنّ أمثال هؤلاء: عُقيل، وابن إسحاق، والأوزاعي ممن "يحصرُ" النقادُ أحاديثهم فلا يغيبُ عنهم منها شىءٌ. وقيل لأبي حاتم (١): إن عبد الجبار بن العلاء روى عن مروان الفزاري عن ابن أبي ذئب، فقال: قد نظرتُ في حديث مروان بالشام الكثير، فما رأيتُ عن ابن أبي ذئب أصلًا". وكذلك استنكر أبو زرعة هذه الرواية، فاتفقا من غير تواطُؤ بينهما؛ لمعرفتهما بهذا الشّأْنِ، كما قال ابن أبي حاتم. فمِنْ أيْن لهما الجزمُ بذلك إن لم تكن أحاديثُ مروان نصب أعينهما، يعُدّانِها عدًّا، ويُحْصِيانها إِحْصاءً؟. فقِسْ على هذا "حصْر" النقادِ أحاديث منْ تدور عليهم الأسانيد في البلدان. ٢ - ومنها: معرفة طبقات الرواة عن أولئك الحفاظ ، ودرجاتهم في الثقة، والضبط، والتثبت، والصحبة، والملازمة، والإكثار وغير ذلك، وهذا النوع من المعرفة يتوقف عليه تقديم الناقد رواية بعض الرواة على بعض (٢). ٣ - ومنها: حصْرُ أحاديثِ الضعفاء ونُسخِهم وصُحُفِهم ، حتى لا تختلط بأحاديث الثقات، فإذا أُبْدِل اسمُ الضعيفِ بثقةٍ، لم يرُجْ ذلك عليهم.

стр. 135

قال الأثرم (١): رأى أحمد بن حنبل يحيى بن معين بصنعاء في زاويةٍ، وهو يكتبُ صحيفة معمر عن أبان (٢) عن أنس، فإذا طلع عليه إنسانٌ كتمهُ. فقال له أحمدُ بن حنبل: تكتبُ صحيفة معمر عن أبان عن أنس، وتعلمُ أنها موضوعةٌ، فلو قال لك قائل: إنك تتكلمُ في أبان ثم تكتبُ حديثهُ على الوجْه؟ فقال: رحمك الله يا أبا عبد الله، أكتبُ هذه الصحيفة عن عبد الرزاق عن معمر على الوجه فأحفظها كلها، وأعلمُ أنها موضوعةٌ، حتى لا يجيء بعده إنسانٌ فيجعل بدل: "أبان" "ثابتًا" (٣)، ويرويها عن معمر عن ثابت عن أنس بن مالك، فأقول له: كذبت، إنما هي عن معمر عن أبيان، لا عن ثابت". اهـ. وانظر كتاب "الجامع" للخطيب (٢/ ١٩٢)، فقد بوّب على هذا المعنى وذكر لهذه الحكاية نظائر عن بعض الأئمة. ٤ - السؤالُ عن أحوالِ من لم يعرفْهم من رجالِ الأسانيد التي يسمعُها ، وجمعُ أحاديث المُقِلِّين منهم، ومعرفةُ المجاهيلِ من الرواة، ومن لم يُرْو عنهم إلا القليلُ، والوقوفُ على الأحاديث التي لا ترِدُ إلا من طريقهم، وكشْفُ الشّواذِّ والمناكير من الآثار، بِعرْضِها على أصولِ الكتاب والسنة، وعلي سائر ما صحّ من الأخبار، ويكون ذلك وغيره باستعمال "ملكته" الخاصة، وبالمذاكراة بينه وبن سائر النقاد الأحْبار. والناقد يحفظ تلك الغرائب للمعرفة، لا لروايتها ولا للاحتجاج بها، وإنما يهجرها الأئمة ولا يُعوِّلون عليها، لثبوت الوهم فيها خطًا أو عمدًا، وللأسف يأتي منْ بعْدهُم فيقِفُون عليها، فيظنُّون بأنفسهم خيرًا، ولا يُحْرِكُون ما فيها من الشُّذُوذِ والغرابة -سندًا أو متنًا-، فلا يقْنعُون بِهجْرِ الأوائلِ لها، ولا بتركهم لروايتها، ولا بتنبيه بعضهم على

стр. 136

نكارتها، فتجدُهم يُقوُّون بها أحاديث ضعيفةً، ويُضمِّدُون بها أخبار جريحةً، ويتبارى القاصروُن في تصحيح تلك المناكير، غيرُ مُلْتفِتِين إلى أنّ الناقد خبيرٌ. وقد كان للنُّقّادِ عنايةٌ خاصّةٌ بالتعرفِ على غرائب الحديث، وأوهامِ الرواةِ، وكانت جُلُّ مذاكراتهم إنما تدورُ حوْل هذا النوع من الحديث، فيتذاكرون عِلل الأحاديث، وأخطاء الرواة، ويقومون بالفحْصِ عنها والتفتيشِ عن مظانها، حتى إنهم ليتنافسون في معرفتها والوقوف عليها. وقد سبق إيرادُ قولِ أبي حاتمِ: "جرى بيني وبين أبي زرعة يومًا تمييزُ الحديث ومعرفتُه، فجعل يذكرُ أحاديث ويذكرُ عللها، وكذلك كنتُ أذكرُ أحاديث خطأ وعللها وخطأ الشُّيوخ .. " وكان لأصحاب الحديث لُغةٌ يُعبِّرُون بها عن تلك الغرائب، قال الإمام أحمد: "إذا سمعت أصحاب الحديث يقولون: هذا الحديث غريبٌ أو فائدةٌ، فاعلم أنه خطأٌ، أو دخل حديثٌ في حديثٍ، أو خطأٌ من المحدِّثِ، أو حديثٌ ليس له إسنادٌ، وإن كان قد روى شعبةُ وسفيانُ. فإذا سمعتهم يقولون: لا شيء فاعلم أنه حديثٌ صحيحٌ" (١). وقوله "لا شيء" أى ليس هو من جنس ما يعتنون بتحصيله ومعرفته، وإنما هو حديث صحيح مشهور. وقد كان النقادُ -مع معرفتهم بتلك الغرائب- يمدحُون المشهور من الحديث، ويذمُون الغريب منه؛ خشية أن يتتبعها من لا علم له، فيسقط فيها. قال عبد الله بن المبارك: "العلم هو الذي يجيئك من هاهنا ومن هاهنا" يعني المشهور. وقال الإمام مالك: "شرُّ العلم الغريب، وخير العلم الظاهر الذي قد رواه الناس". وقال الإمام أحمد: "شرُّ الحديث الغرائبُ التى لا يُعملُ بها ولا يُعْتمدُ عليها". وقال أيضًا: "تركوا الحديث وأقبلوا على الغرائب، ما أقلّ الفقه فيهم! ".

стр. 137

وقال شعبة: "لا يجيئك الحديث الشاذ إلا من الرجل الشاذ" (١). يقول الخطيب البغدادي (٢): "أكثر طالبي الحديث في هذا الزمان يغلبُ على إرادتهم كتْبُ الغريبِ دُون المشهور، وسماعُ المنكرِ دُون المعروفِ، والاشتغال بما وقع فيه السهو والخطأ من روايات المجروحين الضعفاء، حتى لقد صار الصحيحُ عند أكثرهم مُجْتنبًا، والثابتُ مصْدُوفًا عنه مُطّرحا، وذلك كله لعدم معرفتهم بأحوال الرواة ومحلهم، ونقصان علمهم بالتمييز، وزهدهم في تعلمه، وهذا خلاف ما كان عليه الأئمة من المحدثين، والأعلام من سلفنا الماضين". نقل ذلك ابنُ رجب في "شرح العلل" (١/ ٤٠٩)، ثم قال: "وهذا الذي ذكره الخطيب حقٌّ، ونجدُ كثيرًا ممن ينتسب إلى الحديث لا يعتني بالأصولِ الصِّحاحِ كالكتبِ الستِة ونحوها، ويعتني بالأجزاء الغريبة، وبمثل مسند البزار، ومعاجم الطّبرانيّ، أو أفراد الدارقطني، وهى مجمعُ الغرائب والمناكير". اهـ. ويلتحق بما ذكره ابن رجب: كتبُ الضعفاء، ككتاب العقيلي، وابن حبان، وابن عدي، وكتاب "الحلية" لأبي نعيم، و"مسند الفردوس" للديلمي، وأغلب ما يُساق في تراجم الرواة من كتب التواريخ مثل: تاريخ الخطيب، والحاكم، وابن عساكر، وغيرها، وكتابيّ أبي الشيخ وأبي نعيم في "الأصبهانيين" وغيرها من كتب تواريخ البلدان، وطبقات الرواة، وكتب "الفوائد"، والأجزاء الحديثية. وهؤلاء وغيرهم إنما قصدوا جمع غرائب الأحاديث، وأوهام الرواة، وراموا جمع ما لم يكن مخرجًا في كتب الصِّحاحِ والأُصُولِ المعروفة، وإنما كانت تلك الأحاديث متداولةً على ألسنةِ من لم يكْتُبْ حديثهُ المحدثون، فهجروها عمدًا ولم يخرجوها في

стр. 138

كتبهم، وقد كانت تدور تارةً بين الوعاظ المتشدقين، وتارةً بين المتفقهين، وتارةً بين أهل الأهواء والبدع في الدين، وتارةً بين الضعفاء والمجروحين، وربما كان أصلُ تلك الأحاديث: آثارًا لبعض الصحابة والتابعين، أو كلامًا لبعض الحكماء والواعظين، أو قواعد مستنبطاتٍ من الفقه في الدين، أو أخبارًا لبني إسرائيل، أو معانيَ محتملاتٍ أو مفهوماتٍ من بعض أدلة الكتاب والسنة، فرواها قوم لا يعرفون غوامض الرواية، فجعلوها أحاديث مستقلةً برأسها عمدًا أو خطًا، وربما كانت جُملًا شتى في أحاديث مختلفة، جعلوها حديثًا واحدًا بنسقٍ واحدٍ. وهذه الأحاديث لا تخلو عن أمرين: إما أن المتقدمين تفحصوا عنها ولم يجدوا لها أصولًا حتى يشتغلوا بروايتها. وإما أنهم وجدوا لها أصولًا ولكن صادفوا فيها قدحًا أو علة موجبةً لترك روايتها فتركوها (١). وعلي كل حالٍ فليست تلك الأحاديث صالحةً للاعتماد عليها، حتى يُتمسّك بها في عقيدةٍ أو عملٍ. وقد أضلّ هذا القسمُ قومًا مِمّنْ لم يتدبروا ما سلف من مناهج الأئمة والمصنِّفين، فاغْترُّوا بكثرة الطُّرقِ الواردةِ في تلك المصنفاتِ، وحسِبُوا أنهم وقفوا على ما لم يقفْ عليه المتقدمون، فسمُّوا تلك الطرق "متابعاتٍ" و"شواهد" فجعلوا الغرائب والمناكير عواضِد يشدُّون بها ما اسْتقرّ أهلُ النّقْدِ على طرْحِهِ ووهنِهِ. ولم يفْطِنْ هؤلاءِ القومُ إلى أن عُصُور الرواية قد انقضتْ وتلك الأحاديثُ في عُيون النقاد غريبةٌ منكرةٌ مهجورةٌ.

стр. 139

فلم ينصفْ هؤلاءِ أسلافهم ولم يقدرُوهم قدرهم، بل دلّ صنيعهم على اعتقاد أنهم قصّرُوا في تحصيلِ تِلْك الطرق، ولم يفطنوا إلى منهج أولئك المصنِّفين في أنهم ما أخرجوا تلك الطرق للاحتجاج ولا للاعتبار. وهذا المبحث يحتاج إلى بسطٍ، ليس هذا موضعه، ولعلّ فيما ذكرتُ إشارة إلى ما أردنا منه. ولعلّنا في قسم القواعد، ومناهج الأئمة والمصنفين، نتناوله بشيء من التوسع إن شاء الله تعالى. والأئمةُ لا يِقفُون عند نقْدِهم لغرائبِ الضعفاء والمجاهيل فحسْبُ، بل كان البارعون منهم ينتخبون الأحاديث الغريبة والروايات المنكرة من أصولِ شيوخ ثقات لهم أو لغيرهم، وحِرْصًا منهم على تمييز تلك الأحاديث، كان يرسمُ كُلٌّ منهم أمام الأحاديث علامةً خاصّةً به ليتميز بها عن علامات أصحابه. وقد عقد أبو بكر الخطيب في كتابه "الجامع لأخلاق الراوي وآداب السامع" بابًا خاصًا بعنوان: "رسم الحافظ العلامة على ما ينتخبه" (١). ومن الواضح مما هناك أن أكثر النُّقادِ لا ينتخبون من الأصولِ إلا الأحاديث الغريبة والروايات المنكرة، وذلك أنهم يريدون به لفت انتباهِ منْ ينظرُ فيها إلى غرابتها ونكارتها، وهذا الصنيعُ لا يقدر عليه إلا فحولُ النقاد وفرسانُهم. وقد أورد الخطيب هناك أمثلةً، منها حديث قتيبة بن سعيد عن الليث عن يزيد ابن أبي حبيب عن أبي الطفيل عن معاذ بن جبل مرفوعًا، وفيه جمع التقديم في غزوة تبوك. هذا الحديث قد أعلّهُ أئمةُ النقدِ قائلين بأن قتيبة تفرّد به عن الليث بهذا الإسناد، وأن هذا الحديث لا يُعرف عن الليث، ولم يروه عنه أهلُ مصر، ولا هو عند أصحابه، ولا في أصوله المعروفة، مِنْ هؤلاء النقاد ممن صرّحُوا بإعلاله: الإمام

стр. 140

البخاري، وأبو حاتم، وأبو داود، والترمذي، وابن يونس، والحاكم والبيهقي وغيرهم، كما سيأتي. قال الحاكم في "معرفة علوم الحديث" (ص ١٢٠): "هذا حديثٌ رواتُه أئمةٌ ثقاتٌ، وهو شاذُّ الإسنادِ والمتن .. وقد حدثونا عن أبي العباس الثقفي قال: كان قتيبةُ بن سعيد يقول لنا: على هذا الحديثِ علامةُ أحمد بن حنبل، وعلي بن المديني، ويحيى بن معين، وأبي بكر ابن أبي شيبة، وأبي خيثمة، حتى عدّ قتيبةُ أسامي سبعةٍ من أئمة الحديثِ، كتبُوا عنه هذا الحديث. وقد أخبرناه أحمد بن جعفر القطيعي قال: ثنا عبد الله ابن أحمد بن حنبل قال حدثني أبي قال: ثنا قتيبة فذكره. قال الحاكم: فأئمة الحديث إنما سمعوه من قتيبة تعجُّبًا من إسناده ومتنه .. " وقد اتفق أصحاب "الملكةِ" من النقاد على إعلال هذا الحديث، وأنه خطأ ولا أصل له، مع اختلافهم في تحديد المخطىء فيه، وهذا لا يؤثر في الاتفاق المذكور (١). ولم يجْرِ على ظاهر إسنادِ هذا الحديث فصحّحهُ إلا نفرٌ من المتأخرين والمعاصرين، وهذا مظهرٌ من مظاهر تلك الهُوّةِ التى لا تبرحُ في زيادة بين النقاد ومن بعدهم، والتى أشرنا إليها آنفًا. ولم يسعِ الحافظ ابن حجر رحمه الله تعالى بعد عرْضِ مذاهب النقاد في إعلال هذا الحديث إلا أن يُسجِّل شهادتهُ الخالدة، فيقول (٢): "وبهذا التقرير يتبينُ عِظمُ موقعِ كلامِ المتقدمين، وشدةُ فحْصِهم، وقوةُ بحْثِهم، وصِحّةُ نظرهم، وتقدمُهم بما يوجبُ المصير إلى تقليدهم في ذلك، والتسليم لهم فيه، وكُلُّ من حكم بصحةِ الحديث مع ذلك إنما مشى على ظاهر الإسناد". اهـ.

стр. 141

٥ - ومنها: معرفة منْ ضعُف حديثه من الثقات في بعض الأوقات دون بعض ، وهم منْ اختلطوا أو تغيروا أو ذهب بصرهم، أو كتابهم، في آخر عمرهم (١). ٦ - ومنها: معرفة منْ ضعُف حديثُه في بعض الأمكنة دون بعض (٢). ٧ - ومنها: معرفة منْ ضعُف حديثُه عن بعض الشيوخ دون بعض (٣). ٨ - ومنها: المعرفة الناشئة عن كثرة الممارسة لأحاديث الرواة ، بحيث يصير للناقد فهم خاصّ يدرك به أن هذا الحديث يُشْبِهُ حديث فلان، ولا يشبهُ حديث فلان، فيعلل الأحاديث بذلك، وهذا إنما يكون لأهل الحذق من صيارفة النقاد (٤). ملكة "الحفظ": ولم يكن الأمر متوقفًا عند مجرد "الحصر"، وإنما كانوا يحفظون ما حصروه عن ظهر قلبٍ، يمثل أمام أعينهم متى احتاجوا إليه. قال أبو زرعة (٥): "سمعتُ من بعضِ المشايخ أحاديث، فسألني رجلٌ من أصحابِ الحديث فأعطيتُه كتابي، فردّ عليّ الكتاب بعد سِتّةِ أشهرٍ، فأنظرُ إلى الكتاب، فإذا إنه قد غيرّ في سبعة مواضع. فأخذتُ الكتاب وصِرتُ إلى عنده، فقلتُ: ألا تتّقِي الله، تفعلُ مثل هذا؟ فأوقفتُه على موضعٍ موضعٍ، وأخبرتُه، وقلتُ له: أمّا هذا الذي غيرّت فإنّه هذا الذي جعلت عن ابن أبي فديك، فإنّه عن أبي ضمرة مشهور، وليس هذا من حديث ابن أبي فديك، وأمّا هذا فإنّه كذا وكذا، فإنّه

стр. 142

لا يجيء عن فلان، وإنما هذا كذا، فلم أزل أخبره حتى أوقفتُه على كُلِّهِ، ثم قلتُ له: فإني حفظتُ جميع ما فيه في الوقت الذي انتخبتُ على الشيخ، ولو لم أحفظه لكان لا يخفى علىّ مثل هذا، فاتق الله سبحانه يارجُل". اهـ. فانظر إلى هذا الحفظِ العجيب، يحفظُ ما انتخبه على الشيخ ساعة انتخابِه له، ثم يفارقُه الكتابُ قبل أن يعاود النظر فيه، إلى ستة أشهر، ثم هُو لا يخْرِمُ منه حرفًا! وتدبّرْ قوله: "ليس هذا من حديث ابن أبي فديك .. فإنّه لا يجيء عن فلان" وتذكر ما أشرنا إليه من حقيقة "الإحصاء". وأدق من ذلك "أن رجلًا دفع إلى أبي زرعة حديثًا فقال اقرأ، فلما نظر أبو زرعة في الحديث قال: مِنْ أيْن لك هذا؟ قال: وجدتُه على ظهْرِ كتابٍ ليوسف الوراق. قال أبو زرعة: هذا الحديث من حديثي، غير أنِّي لم أحدِّثْ به. قيل له: وأنت تحفظُ ما حدثت به مما لم تحدث به؟ قال: بلى، ما في بيتي حديثٌ إلا وأنا أفهمُ موْضِعهُ" (١). فكمْ من حديثٍ سمِعهُ الناقد أو كتبه، ثم أعرض عنه ولم يحدثْ به، لمِا علِم من شُذوذه، أو خطأ راويه، ولذا فإنّ عدم تداولِ أهلِ النقد لحديث بالروايةِ ليُشِيُر إلى حاله واستحقاقه للترك والهجر. وأكثر بيانًا في "الحفظ" ما ذكره ابن أبي حاتم (٢) قال: حضر عند أبي زرعة: محمد ابن مسلم "بن وارة" والفضل بن العباس المعروف بالصائغ، فجرى بينهم مذاكرة، فذكر محمد بن مسلم حديثًا فأنكر فضلٌ الصائغ .. فقال محمد بن مسلم لأبي زرعة: ايش تقول، أيُّنا المُخْطِىءُ؟ فسكت أبو زرعة .. وجعل يتغافل -فألحّ عليه محمد بن مسلم- فقال أبو زرعة: هاتوا أبا القاسم ابن أخي فدعى به، فقال: اذهب وادخل بيت الكُتُب، فدعِ القمطر الأول، والقمطر الثاني، والقمطر الثالث، وعدّ ستة عشر

стр. 143

جزءًا، وائتني بالجزء السابع عشر، فذهب فجاء بالدفتر فدفعه إليه، فأخذ أبو زرعة فتصفح الأوراق وأخرج الحديث، ودفعه إلى محمد بن مسلم، فقرأه محمد بن مسلم، فقال: نعم غلطنا فكان ماذا؟ ". اهـ. واستقصاءُ هذا وشرحُ عجائبه يطول جدًّا، وإنما هذا غيضٌ مِنْ فيضٍ. ولم يقف الأمر عند مجرد "الإحصاء" و"الحفظ للأحاديث"، بل كانوا يُحصُون على الرواة -لا سيما المدلسين- صِيغ الأداءِ في الرواية. قال شعبة (١): "نصصْتُ على قتادة سبعين حديثًا كلها يقول: سمعت من أنس، إلا أربعة". اهـ. بل كانوا يُحْصُون ما أخذه الراوي عن شيخه سماعًا، وما أخذه عنه من كتاب بغير سماع. قال ابن المديني (٢): سمعت يحيى بن سعيد قال: كان شعبة يقول: أحاديثُ الحكم عن مقْسم كتابٌ إلا خمسة أحاديث. قلت ليحيى: عدّها شعبةُ؟ قال: نعم: حديث الوتر، وحديث القنوت، وحديث عزمة الطلاق، وحديث جزاء مثل ما قتل ما النعم، والرجل يأتي امرأته وهى حائض". اهـ. ولذا فلا تعجبْ إذا حكم الأئمةُ الجهابذةُ على روايةٍ فيها تصريحٌ بالسماع أو ما يدل عليه بالخطأ والوهم، ولو كان الإسناد ظاهره الصحة، لأن الأئمة ليسوا كما يظن البعض "حملة أسفار" بل هم "نقدة أخبار". والناقد يضبطُ حال السماع والكتابة صيغ الأداء، بل ويوقف عليها الشيوخ، فيكشف بعد ذلك عن أوهامِ الرواة وأخطائهم.

стр. 144

قال أبو داود (١) -وهو الطيالسي-: نا شعبة عن الأعمش عن إبراهيم أن عليًّا كان يجعل للإخوة من الأم - يعني في المشتركة. قلت للأعمش: سمعته من إبراهيم؟ فقال برأسه أي: نعم". اهـ. فانظر إلى توقيف شعبة للأعمش في سماعه هذا من إبراهيم وهو ابن يزيد النخعي، مع أن إبراهيم من شيوخ الأعمش الذين كبر عنهم، حتى قال بعض الحفاظ المتأخرين -وهو الذهبي ﵀ أنه لا يقبل من الأعمش -لتدليسه- إلا ما صرح فيه بالسماع، إلا في شيوخ قد كبر عنهم، كإبراهيم، وأبي وائل -شقيق بن سلمة- وأبي صالح السمان، قال (٢): "فإن روايته عن هذا الصِّنْفِ محمولةٌ على الاتصال". فبان بإيقاف شعبة للأعمش أن الأمر ليس بهذا الإطلاق، وإنما هو للغالب، والله تعالى أعلم (٣). وهذا حجّاجُ بن أرطاة أحد المكثرين من التدليس، قال غير واحدٍ من النقاد أنه لم يسمع من الزهري شيئًا. قال الترمذي (٤): فقلت له يعني للبخاري-: فإنهم يروون عن الحجاج قال: سألت الزهري. قال: لا شيء، يُروى عن هشيم قال: قال لي الحجاج: صِفْ لي الزهري". اهـ. وقال أبو زرعة (٥): لم يسمع الحسن البصري من أبي هريرة ولم يرهُ، قيل له: فمنْ قال: ثنا أبو هريرة؟ قال: يخطىء". اهـ.

стр. 145

وقال ابن أبي حاتم (١): سألت أبي: سمع الحسن من جابر؟ قال: ما أرى، ولكن هشام بن حسان يقول عن الحسن: ثنا جابر بن عبد الله، وأنا أُنِكْرُ هذا، إنما الحسن عن جابر كتابٌ، مع أنه أدرك جابرًا". اهـ. وقال ابن المديني (٢): سمعت يحيى -يعني القطان- وقيل له: كان الحسن يقول: سمعت عمران بن حصين؟ فقال: أمّا عن ثِقةٍ فلا". اهـ. بل ترك يحيى بن سعيد القطان أسامة بن زيد الليثي، لمّا روى عن الزهري قال: سمعت سعيد بن المسيب، مع اتفاق أصحاب الزهري على روايته عن سعيد بالعنعنة (٣). وأمثلةُ هذا الضّرْبِ من النّقْد أكثرُ من أنْ تُحْصى. وبالجملة فهذا الباب يحتمل كتابًا مستقلًا، ولعلي أُفرده بالتصنيف إن شاء الله تعالى، في رسالة مستقلة. والمقصود هاهنا التذكيرُ بِعِظمِ قدر أئمة النّقْدِ، والتقريبِ لما كانوا يتمتعون به من ملكاتٍ فذّةٍ، وغرائز حديثيةٍ متميزةٍ، وحافطةٍ ثاقبةٍ، وأفهامٍ دقيقةٍ، ويقظةٍ عاليةٍ، وهِمّةٍ سامِقةٍ، وصبْرٍ على شظفِ العيش لا يُوصف، وتحملٍ لمشقات الرِّحلة لا يُبارى. هذا مع اعتقادِ أن الكمال لله وحده، وأن لا عصمة إلا لمن عصمهُ الله تعالى، ولكنّ الحقّ لا يغيبُ عن جماعةِ أهْلِ النّقْدِ، فمنِ الناسُ بعدهم؟. ولعلّ فيما ذكرته هاهنا مقنعٌ لمن درجُوا على الاستقلالِ بِنقْدِ الأحاديث تصحيحًا وتضعيفًا، اغترارًا بظواهر الأسانيد، دون الاستبصار بنقد أصحاب "الملكة" وهم أهل "التخصص"، ومنْ حباهم الله سبحانه -مما سبق الإشارةُ إليه- ما أهّلهُم
следующие страницы →