← Джавами‘

Джавами‘ · id 13295

النكت الجياد المنتخبة من كلام شيخ النقاد

إبراهيم بن سعيد الصبيحي

Полный текст (2 321 стр.). Показаны 1226–1265 · переход к 1231.

стр. 1226

قال سالم الكرنكوي في ترجمة ابن خالويه من آخر كتاب الأخير: "إعراب ثلاثين سورة من القرآن الكريم" (ص ٢٤٦): "قد يظهر من كتابه هذا أنه كان شيعيًّا؛ فإنه ذكر فيه أشياء لا يقولها أحدٌ من أهل السنة، مثل الحكاية الركيكة في أكل النبي ﷺ السفرجلة التي لا أصل لها في الحديث النبوي (١)، وغير ذلك مما لا يخفى على القارىء". اهـ. عَلَّق الشيخ المعلمي هاهنا بقوله: "لكن في هذا الكتاب عَيْيه ما ينفي عنه الرفض انظر كلامه على "الصراط المستقيم" في تفسير الفاتحة، وعبارته في تفسير "أن لن يقدر عليه أحد". إلا أن عبارته في نسخة رامفور قد تناقض ذلك. فأما ما قاله في تفسير "اهدنا" من الفاتحة استطرادًا، واقتصاره في الصلاة على الآل، وقوله عند ذكر علي: "﵇" أو: "صلوات الله عليه" ونحو ذلك، فليس فيه دلالة على رفضه". اهـ. قال أبو أنس: كلامه في "الصراط المستقيم" هو في (ص ٢٩)، قال: "حدثني محمد بن أبي هاشم، عن ثعلب، عن ابن الأعرابي قال: سئل الحسن البصري عن الصراط المستقيم، فقال: هو والله أبو بكر وعُمر وعثمان وعليٌّ الحجة بعد النبي ﷺ .

стр. 1227

وقال أبو العالية في قوله: (اهدنا الصراط المستقيم) قال: أبو بكر وعُمر. فسئل الحسن عن ذلك، فقال: صدق أبو العالية ونصح". اهـ. وعبارته في تفسير (أن لن يقدر عليه أحد) هي في (ص ٨٩): قال: "وقوله جل وعز (وما لأحد عنده من نعمة تجزى) فالهاء كناية عن أبي بكر الصديق. اهـ. وفي الحاشية: "الذي في م، ر: فأحد هاهنا أبو بكر الصديق". اهـ. وبينهما بون شاسع. التعريف بابن خالويه: • قال الذهبي في الطبقة السابعة والثلاثين من "تاريخ الإسلام": "الحسن بن أحمد بن حمدان بن خالويه أبو عبد الله الهمذاني، النحوي، اللغوي، قدم بغداد، ثم إنه قدم الشام، وصحب سيف الدولة بن حمدان، وأدب بعض أولاده، ونفق سوقه بحلب، واشتهر ذكره، وقصده الطلاب من الآفاق. وكان صاحب سنة، وصنف في اللغة: كتاب "ليس" (١)، وكتاب "شرح الممدود والمقصور"، وكتاب "أسماء الأسد" ذكر له خمسمائة اسم، وكتاب "البديع" في القراءات، و"الجُمَل" في النحو، وكتاب "الاشتقاق"، وكتاب "غريب القرآن"، وله مصنفات سوى ما ذكرنا ... اهـ.

стр. 1228

• وذكره ابن حجر في "اللسان" (٣/ ٩٣) وزاد: "وسمع على أبي العباس بن عقدة وغيره. قال ابن أبي طي (١): كان إماميًّا، عالما بالمذهب. قلت: وقد ذكر في كتاب "لَيْسَ" ما يدل على ذلك. وقال الذهبي في "تاريخه": كان صاحب سنة. قلت: كان يُظْهِرُ ذلك تقربا لسيف الدولة صاحب حلب؛ فإنه كان يعتقد ذلك، وقد قرأ أبو الحسين النصيبي -وهو من الإمامية- عليه كتابه في الإمامة. ... وكان يقال له: ذو النونين؛ لأنه كان يكتب في آخر كتبه: الحسين بن خالويه، فيغرق النونين. ... ووقع بينه وبين المتنبي منازعات عند سيف الدولة". اهـ. * * *

стр. 1229

أبو الحسن الأشعري (ت ٣٢٤ هـ. وقيل بقي إلى ٣٣٠ هـ)

стр. 1230

قال الشيخ المعلمي في "التنكيل" (١/ ١٢٦ - ١٢٧): "الذي شهره المتعمقون عن الأشعري التأويل، وإن كان آخر مصنفاته "كتاب الإبانة" أعلن فيه اعتماده مذهب الإمام أحمد وأهل الحديث". اهـ. * * *

стр. 1231

الدميري وكتابه: "حياة الحيوان" (٨٠٨ هـ)

стр. 1232

قال الشيخ المعلمي في "الأنوار الكاشفة" (ص ١٠٠): "ثم ذكر -يعني أبا رَيَّة- حكايةً عن "حياة الحيوان"، وحَسْبها أنه لم يجد لها مصدرًا إلا "حياة الحيوان"". اهـ. قال أبو أنس: النقد لا يتجزأ، وربما احتاجتِ الحكاياتُ إلى احتياطٍ أبلغَ من الروايات؛ لِمَا يكثرُ فيها من التساهل في النقل والرواية بالمعنى، وتأثر ذلك بمعتقدات الناقلين وأهواءهم ومشاربهم، فضلا عن الثقة والضبط، هذا مع وجود الأسانيد، فما بالك بالحكايات المنقطعة والمعضلة والمرسلة؟ والدميري هو كمال الدين محمد بن عيسى الدميري الشافعي. • في "كشف الظنون" (١/ ٦٩٦): "حياة الحيوان للشيخ كمال الدين محمد بن عيسى الدميري الشافعي المتوفى سنة ٨٠٨ ثمان وثمانمائة وهو كتابٌ مشهورٌ في هذا الفن، جامعٌ بين الغَثِّ والسَّمينِ؛ لأن المصنفَ فقيهٌ فاضلٌ، محققٌ في العلوم الدينية، لكنه ليس من أهل هذا الفن كالجاحظ، وإنما مقصده تصحيح الألفاظ وتفسير الأسماء المبهمة. وذكر أنه ألفه من خمسمائة وستين كتابا ومائة وتسعة وتسعين ديوانا من دواوين شعراء العرب، وجعله نسختين كبرى وصغرى، في كُبراه زيادة "التاريخ" و"تعبير الرؤيا"، وفرغ من مسودته في شهر رجب سنة ٧٧٣ ثلاث وسبعين وسبعمائة ... ولهذا الكتاب مختصرات منها: مختصر الشيخ شمس الدين محمد بن أبي بكر الدماميني المتوفى سنة ٨٢٨ ثمان وعشرين وثمانمائة، ذكر فيه أن كتاب شيخه هذا كتاب حسن في بابه، جمع بين أحكام شرعية، وأخبار نبوية، ومواعظ نافعة، وفوائد بارعة،

стр. 1233

وأمثال سائرة، وأبيات نادرة، وخواص عجيبة، وأسرار غريبة، لكنه طَوَّل في بعض أماكنه، ووقع في بعضه ما لا يليق بمحاسنه ... قال السخاوي في حق الأصل: وهو نفيس، مع كثرة استطراده فيه من شيء إلى شيء، وأتوهم أن فيها ما هو مدخول؛ لما فيها من المناكير، وقد جردها الفاسي، ونبه على أشياء مهمة يحتاج الأصل إليها انتهى ... ومختصر علي القاري نزيل مكة المكرمة المتوفى سنة ١٠١٦ ست عشرة وألف سماه "بهجة الإنسان في مهجة الحيوان" ... * * *

стр. 1234

أبو جعفر الإسكافي (ت ٢٤٠ هـ)

стр. 1235

قال الشيخ المعلمي في "الأنوار" (ص ١٥٢): "من دُعاة المعتزلة والرفض في القرن الثالث، ولا يُعرف له سند". قلت: • قال السمعاني في "الأنساب" (١/ ٢٤٥): "أما الإسكافية، فهم طائفة من المعتزلة، وهم أصحاب أبي جعفر الإسكافي الذي زعم أن الله تعالى لا يقدر على ظلم العقلاء وإنما يقدر على ظلم المجانين والأطفال، وهذا تدقيق منه في الكفر بديع! ". • وقال الذهبي في "السير" (١٠/ ٥٥٠) -تلخيصا لما في "الفهرست لابن النديم" المعتزلي أيضًا: "هو العلامة أبو جعفر محمد بن عبد الله السمرقندي ثم الإسكافي المتكلم وكان أعجوبة في الذكاء وسعة المعرفة، مع الدين والتصون والنزاهة، وكان في صباه خياطا، وكان يحب الفضيلة فيأمره أبواه بلزوم المعيشة، فضمه جعفر بن حرب إليه، وكان يبعث إلى أمه في الشهر بعشرين درهما بدلا من كسبه، فبرع في الكلام، وبقي المعتصم معجبا به كثيرا، فأدناه وأجزل عطاعما وكان إذا ناظر أصغى إليه وسكت الحاضرون، ثم ينظر المعتصم إليهم ويقول: من يذهب عن هذا الكلام والبيان، ويقول: يا محمد، اعرض هذا المذهب على الموالي، فمن أبى فعَرِّفْنِي خبره؛ لأنكل به. ذكر له النديم (١) مصنفاتٍ عدةٍ: منها: "نقض كتاب حسين النجار"، وكتاب "الرد على من أنكر خلق القرآن"، وكتاب "تفضيل علي"، وكان يتشيع، مات سنة أربعن ومئتين". اهـ.

стр. 1236

الثعالبي (ت ٤٢٩ هـ)

стр. 1237

قال الشيخ في "الأنوار" (ص ١٥٠): "ومن هو الثعالبي حتى يُقبل قولُه بغير سند؟ " (١). تعريف بالثعالبي: • في "سير أعلام النبلاء" (١٧/ ٣٤٧): "العلامة شيخ الأدب أبو منصور عبد الملك بن محمد بن إسماعيل النيسابوري الشاعر، مصنف كتاب "يتيمة الدهر في محاسن أهل العصر"، وله كتاب "فقه اللغة"، وكتاب "سحر البلاغة"، وكان رأسا في النظم والنثر، مات سنة ثلاثين وأربعمائة، وله ثمانون سنة". اهـ. • وفي "أبجد العلوم" (٣/ ٧١): "صاحب كتاب "يتيمة الدهر في محاسن أهل العصر"، وهو أكبر كتبه وأحسنها وأجمعها، والثعالبي نسبة إلى خياطة جلود الثعالب وعملها. وله كتاب "فقه اللغة"، و"سحر البلاغة وسر البراعة". * * *

стр. 1238

الملك عيسى بن أبي بكر بن أيوب (ت ٦٢٤ هـ)

стр. 1239

١ - قال الشيخ المعلمي في "التنكيل" (١/ ١٣٦): "يلقبه الكوثري": عالم الملوك الملك المعظم "فإن هذا الملك كان أهله شافعية فتحنف وتعصب. قال فيه الملا علي القاري الحنفي كما في"الفوائد البهية في مناقب الحنفية" (ص ١٥٢): "كان متغاليًا في التعصب لمذهب أبي حنيفة. قال له والده يومًا: كيف اخترت مذهب أبي حنيفة وأهلك كلهم شافعية؟ فقال: أترغبون عن أن يكون فيكم رجل واحد مسلم"! وهذا الملك قد أثنى عليه خليله السبط في "المرآة" ومع ذلك ذكره في مواضع متفرقة بفظائع، وقد سبق له ذكر في ترجمة أحمد بن الحسن بن خيرون، وذكرت المانع من تتبع هفواته". اهـ. ٢ - وقال في الموضع المشار إليه (١/ ١٠٨): "أما الملك عيسى فحسبك أن تتبع ما يحكيه عنه خليله في المجلد الأخير من تاريخه "مرآة الزمان" في مواضع متعددة، ويمنعني من نقل ذلك هنا أنه كان له مشاهد في قتال الكفار، وأنه حكى عنه ما يدل على محافظته على الصلاة حتى في مرض موته والله أعلم". اهـ. * * *

стр. 1240

ابن دحية (ت ٦٣٣ هـ)

стр. 1241

"صاحب مجازفات". قاله الشيخ المعلمي في حاشية "الأنساب" (٢/ ٨١)، (٣/ ٢٨٤). تعريفٌ مُجْمَلٌ بابن دحية: • قال الذهبي في "سير أعلام النبلاء" (٢٢/ ٣٨٩): "قال أبو عبد الله الأبار: كان بصيرا بالحديث، معتنيا بتقييده، مكبا على سماعه، حسن الخط، معروفا بالضبط، له حظ وافر من اللغة، ومشاركة في العربية وغيرها، روى عنه ابن الدبيثي، فقال: كان له معرفةٌ حسنةٌ بالنحو واللغة، وأَنَسَةٌ بالحديث، فقيها على مذهب مالك، وكان يقول إنه حفظ "صحيح مسلم" جميعه، وإنه قرأه على شيخ بالمغرب من حفظه ويدير أشياء كثيرة ... قلت: كان هذا الرجل صاحب فنون وتوسع ويد في اللغة، وفي الحديث على ضعفٍ فيه ... قال الضياء: لقيته بأصبهان، ولم أسمع منه، ولم يعجبني حاله؛ كان كثير الوقيعة في الأئمة، وأخبرني إبراهيم السنهوري بأصبهان أنه دخل المغرب وأن مشايخ المغرب كتبوا له جرحه وتضعيفه. قال الضياء: وقد رأيت منه غير شيء مما يدل على ذلك. وقال ابن نقطة: كان موصوفا بالمعرفة والفضل ولم أره، إلا أنه كان يدعي أشياء لا حقيقة لها، ذكر في أبو القاسم بن عبد السلام ثقة قال: نزل عندنا ابن دحية فكان يقول: أحفظ "صحيح مسلم" و"الترمذي" قال: فأخذت خمسة أحاديث من الترمذي، وخمسة من المسند، وخمسة من الموضوعات، فجعلتها في جزء، ثم عرضت عليه حديثا من الترمذي فقال: ليس بصحيح. وآخر فقال: لا أعرفه. ولم يعرف منها شيئا.

стр. 1242

وقال ابن واصل الحموي: كان ابن دحية مع فرط معرفته بالحديث، وحفظه الكثير له، متهما بالمجازفة في النقل، وبلغ ذلك الملك الكامل، فأمره أن يعلق شيئا على كتاب الشهاب فعلق كتابا تكلم فيه على أحاديثه وأسانيده، فلما وقف الكامل على ذلك خلاه أياما وقال: ضاع ذاك الكتاب فعلق لي مثله ففعل، فجاء الثاني فيه مناقضة للأول، فعلم السلطان صحة ما قيل عنه، ونزلت مرتبته عنده، وعزله من دار الحديث التي أنشأها آخرا وولاها أخاه أبا عمرو ... قلت: وكان ممن يترخص في الإجازة، ويطلق عليها "حدثنا"، وقد سمع منه أبو عمرو بن الصلاح الموطأ بُعيد سنة ستمائة ... ولمتأخري المغاربة مذهب في إطلاق "حدثنا" على الإجازة، وهذا تدليس. ... قال ابن النجار: قدم علينا، وأملى من حفظه وذكر أنه سمع من ابن الجوزي، وسمع بأصبهان "معجم الطبراني" من الصيدلاني، وسمع بنيسابور وبمرو وواسط، وأنه سمع من جماعة بالأندلس، غير أني رأيت الناس مجمعين على كذبه وضعفه، وادعائه ما لم يسمعه، وكانت أمارات ذلك لائحة على كلامه وفي حركاته، وكان القلب يأبى سماع كلامه، سكن مصر وصادف قبولا من السلطان الكامل، وأقبل عليه إقبالا عظيما، وسمعت أنه كان يسوأنه المداس حين يقوم ... إلى أن قال: ونسبه ليس بصحيح، وكان حافظا ماهرا، تام المعرفة بالنحو واللغة، ظاهري المذهب، كثير الوقيعة في السلف، أحمق شديد الكبر، خبيث اللسان، متهاونا في دينه، وكان يخضب بالسواد. حكى ابن النجار في "تاريخه" وابن العديم في "تاريخ حلب" وأبو صادق محمد ابن العطار وابن المستوفي في "تاريخه" عنه أشياء تُسقطه". اهـ. * * *

стр. 1243

محمد بن مخلد أبو عبد الله العطار (ت ٣٣١ هـ)

стр. 1244

كتابه: "ما رواه الأكابر عن مالك" (١). قال الشيخ المعلمي في "التنكيل" (١/ ١٨٧): "ابن مخلد لم يشترط في ذاك الجزء الصحة، وإنما اكتفى بما قد روي". اهـ. تعريف به: • قال الخطيب في "تاريخ بغداد" (٣/ ٣١٠): "كان أحد أهل الفهم، موثوقا به في العلم، متسع الرواية مشهورًا بالديانة، موصوفًا بالأمانة، مذكورًا بالعبادة. ... حدثني علي بن محمد بن نصر، قال: سمعت حمزة بن يوسف يقول: سألت الدارقطني عن أبي عبد الله محمد بن مخلد العطار، فقال: ثقة مأمون". اهـ. • وزاد الذهبي في "السير" (١٥/ ٢٥٦): "كتب ما لا يوصف كثرة مع الفهم والمعرفة وحسن التصانيف ... وكان موصوفًا بالعلم والصلاح والصدق والاجتهاد في الطلب، طال عمره واشتهر اسمه، وانتهى إليه العلو مع القاضي المحاملي ببغداد". اهـ. * * *

стр. 1245

ابن أبي الحديد (ت ٦٥٦ هـ)

стр. 1246

قال الشيخ المعلمي في "الأنوار" (ص ١٥٢): "من دعاة الاعتزال والرفض والكيد للإسلام، وحاله مع ابن العلقمي الخبيث معروفة". قال أبو أنس: هو عز الدين أبو حامد بن هبة الله بن محمد بن محمد بن الحسين بن أبي الحديد المدائني. صاحب "شرح نهج البلاغة" للإمام علي. طبعة/ دار إحياء الكتب الغربية -القاهرة- سنة ١٣٧٨ هـ. لمحققه: محمد أبي الفضل إبراهيم. • قال محققه في ترجمته: "أحد جهابذة العلماء، وأثبات المؤرخين، ممن نجم في العصر العباسي الثاني، أزهى العصور الإِسلامية إنتاجا وتأليفا، وأحفلها بالشعراء والكتاب والأدباء والمؤرخن واللغويين وأصحاب المعاجم والموسوعات، كان فقيهًا أصوليا، وله في ذلك مصنفات معروفة مشهورة، وكان متكلما جدليا نظارا، اصطنع مذهب الاعتزال، وعلى أساسه جادل وناظر. وحاجَّ وناقش. وفي "شرح النهج" وكثير من كتبه آراء منثورة مما ذهب إليه، وله مع الأشعري والغزالي والرازي كتب ومواقف. وكان أديبا ناقدًا، ثاقب النظر، خبيرا بمحاسن الكلام ومساوئه، وكتابه "الفلك الدائر على المثل السائر" دليل على بعد غوره، ورسوخ قدمه في نقد الشعر وفنون البيان، ثم كان أديبا متضلعا في فنون الأدب، متقنًا لعلوم اللسان، عارفًا بأخبار العرب، مطلعا على لغاتها، جامعًا لخطبها ومنافراتها، راويًا لأشعارها وأمثالها، حافظًا لمُلحها وطرفها، قارئًا مستوعبا لكل ما حوته الكتب والأسفار في زمانه.

стр. 1247

وكان وراء هذا شاعرا عذب المورد، مشرق المعنى، متصرفا مجيدا، كما كان كاتبا بديع الإنشاء حسن الترسل ناصع البيان. ولد بالمدائن في غرة ذي الحجة سنة ست وثمانن وخمسمائة، ونشأ بها، وتلقى عن شيوخها، ودرس المذاهب الكلامية فيها، ثم مال إلى مذهب الاعتزال منها، وكان الغالب على أهل المدائن التشيع والتطرف والمغالاة، فسار في دربهم، وتقبل مذهبهم، ونظم القصائد المعروفة بالعلويات السبع على طريقتهم، وفيها غالَى وتَشَيَّعَ، وذهب به الإسراف في كثير من أبياتها كل مذهب. وحينما انقضت أيام صباه، وطوى رداء شبابه، خَفَّ إلى بغداد، حاضرة الخلافة، وكعبة القُصَّاد، وعشّ العلماء، وكانت خزائنها بالكتب معمورة، ومجالسها بالعلم والأدب مأهولة، فقرأ الكتب واستزاد من العلم، وأوغل في البحث، ووعى المسائل، ومحَّص الحقائق، واختلط بالعلماء من أصحاب المذاهب، ثم جنح إلى الاعتزال. وأصبح كما يقول صاحب "نسمة السحر": معتزليا جاحظيا ... في أكثر شرحه للنهج - بعد أن كان شيعيا غاليا. وفي بغداد أيضًا نال الحظوة عند الخلفاء من العباسيين ومدحهم، وأخذ جوائزهم، ونال عندهم سني المراتب ورفيع المناصب، فكان كاتبا في دار التشريقات، ثم في الديوان، ثم ناظرا للبيمارستان، وأخيرا فوض إليه أمر خزائن الكتب في بغداد ... وذكر ابن الفوطي في كتاب "مجمع الألقاب" أنه أدرك سقوط بغداد، وأنه كان ممن خلص من القتل في دار الوزير مؤيد الدين العلقمي مع أخيه موفق الدين. كما ذكر أيضًا في كتابه الحوادث الجامعة في وفيات سنة ٦٥٦: "توفي فيها الوزير مؤيد الدين محمد بن العلقمي في جمادى الآخرة ببغداد ... والقاضي موفق الدين أبو المعالي القاسم بن أبي الحديد المدائني في جمادى الآخرة، فرثاه أخوه عز الدين عبد الحميد بقوله ... ".

стр. 1248

• وفي "البداية والنهاية" لابن كثير (١٧/ ٣١٣): "ثم دخلت سنة ٦٤٩ ... وفيها كمل شرح الكتاب المسمى بـ "نهج البلاغة" في عشرين مجلدا مما ألفه عبد الحميد بن داود بن هبة الله بن أبي الحديد المدائني الكاتب للوزير مؤيد الدين بن العلقمي، فأطلق له الوزير مائة دينار وخلعة وفرسا وامتدحه عبد الحميد بقصيدة لأنه كان شيعيا معتزليا". اهـ. • وفي "مرآة الجنان" (٤/ ١٤٧): "في حوادث ٦٥٦ فيها دخلت التتار بغداد وسبب دخولهم أن الملك المؤيد ابن العلقمي كاتَبَهم وحرضهم على قصد بغداد؛ لأجل ما جرى على إخوانه الرافضة من النهب والخزي، وظن أن الأمر يتم ويبقى خليفةً علويا، فأشار على المستعصم أني أخرج إليهم لتقرير الصلح، فخرج الخبيث، وتوثق لنفسه بالأمان ورجع، وقال للخليفة: إنهم يريدون أن يكون الأمر كما كان لأجدادك مع السلجوقية، فخرج المستعصم مع عدة فقتلوا" ثم قال اليافعي: "وفيها توفي الوزير الرافضي ابن العلقمي، ولي وزارة العراق ١٤ سنة، وكان ذا حقد على أهل السنة، فصار سبب دخول التتار بغداد، ثم انعكس حالة، وكل يده ندما، وبقي بعد تلك الرتبة الرفيعة في حالة وضيعة، وولي مع غيره وزارة التتار على بغداد بطريق الشركة، ثم مرض غما ومات بعد قليل". اهـ. * * *

стр. 1249

محمد رشيد رضا صاحب مجلة المنار (ت ١٣٥٤ هـ)

стр. 1250

يتعلق به هاهنا أربعة أمور: الأول: مناقشته في قضية خطيرة، نسبها إلى أبي حامد الغزالي وهو منها براء. الثاني: الردّ عليه في قوله أن النهي عن كتابة الأحاديث متأخر عن الإذن بالكتابة. الثالث: الجواب عما زعمه أن النبي ﷺ كان يصدق المنافقين والكفار في أحاديثهم لعدم علمه بالغيب. الرابع: البحث في: هل السنة تنسخ القرآن أم لا؟ * * *

стр. 1251

الأمر الأول مناقشته في قضية خطيرة نسبها إلى أبي حامد الغزالي، وهو منها براء نقل أبو رية عن صاحب المنار قوله: "والعمدة في الدين: كتاب الله تعالى في المرتبة الأولى، والسُّنَّة العملية المتفق عليها في المرتبة الثانية وما ثبت عن النبي ﷺ وأحاديث الآحاد فيها رواية ودلالة في الدرجة الثالثة". فقال العلامة المعلمي في "الأنوار" (ص: ٢٤): "أقول (١): قد سبق أن المعروف بين أهل العلم ذكر الكتاب والسنة، ثم يُقسمون السنة إلى متواتر وآحاد وغير ذلك. قال -يعني صاحب "المنار": "ومن عمل بالمتفق عليه كان مسلمًا ناجيًا في الآخرة مقربًا عند الله تعالى وقد قرر ذلك الغزالي". علق أبو رية في الحاشية: "قرر الغزالي ذلك في كتاب "القسطاس المستقيم". وعبارة صاحب المنار في مقدمته لمغني ابن قدامة: "فَمِنْ مقتضى أصولهم كلهم وجوب ترك أسباب كل هذا التفرق والاختلاف (٢) حتَّى قال الغزالي في "القسطاس المستقيم" بالاكتفاء بالعمل بالمجمع عليه، وعد المسائل الظنية المختلف فيها كأن لم تكن".

стр. 1252

كذا قال، والذي في "القسطاس المستقيم" خلاف هذا، فإن فيه (ص ٨٩) فما بعدها أنه: "يعظ العامِّي الطالب الخلاص من الخلاف في الفروع بأن يقول له: لا تشغل نفسك بمواقع الخلاف ما لم تفرغ من جميع المتفق عليه، فقد اتفقت الأمة على أن زاد الآخرة هو التقوى والورع، وأن الكسب الحرام والمال الحرام والغيبة والنميمة والزنا والسرقة والخيانة ... حرام، والفرائض كلها واجبة، فإن فرغت من جميعها علمتك طريق الخلاص من الخلاف". قال: "فإن هو طالبني بها قبل الفراغ من هذا كده فهو جَدَلي وديس بعامِّي ... نعم لو رأيتم صالحًا قد فرغ من حدود التقوى كلها، وقال: ها أنا تشكل عليَّ مسائل ... فأقول له: إن كنت تطلب الأمان في طريق الآخرة فاسلك سبيل الاحتياط وخذ بما يتفق عليه الجميع، فتوضأ من كل ما فيه خلاف، فإن كل من لا يوجبه يستحبه ... فإن قال: هو ذا يثقل عليَّ ... فأقول له: الآن اجتهد مع نفسك وانظر إلى الأئمة أيهم أفضل ... فمن غلب على ظنك أنه الأفضل فأتبعه". حاصل هذا أن الغزالي كان يعلم أن العامَّة في زمانه ينتسب كل منهم إلى مذهب ويتعصب له، فإن فرض أن أحدهم سأل عن الخلاف وكيف يتخلص منه فلن يكون إلا أحد رجلين: إما فارغًا متلهيًا، وإما ورعًا تقيًا، والتقي الورع لا بد أن يكون قد شغل فكره المحافظة على الفرائض المتفق عليها وتجنب المحرمات المتفق عليها، وعمل بذلك على مذهبه قبل أن يشغله الخلاف. فإذا كان السائل مقصرًا مفرطًا وجاء يسأل عن الخلاف فلن يكون إلا متلهيًا، فيقال له: ابدأ بالعمل بما تعلمه يقينًا ثم سَلْ، فإن أَبَى فهو جَدليَ يتعنت في السؤال ولا يهمه العمل، والإعراض عن مثله أَوْلى.

стр. 1253

فأما من أتى بما عليه بحسب مذهبه، وسأل عن الخلاص من الخلاف، فالظاهر أنه يَسأل ليعلم ويعمل، قال الغزالي: "فأقول له: إن كنت تطلب الأمان في طريق الآخرة فاسلك سبيل الاحتياط وخذ بما يتفق عليه الجميع". وفَسَّر ذلك بما بعده، وذلك يوضح قطعًا أن مراده بما يتفق عليه الجميع أن يلتزم أن يكون وضوءه الذي يصلي به وضوءًا يتفق العلماء على صحته، يتوضأ من كل ما قال عالم إنه ينقض الوضوء، وهكذا في سائر عمله، يأخذ بالأشد الأشد من أقوال المختلفن، وفهم منها صاحب المنار أن لا يتوضأ من شيء قال عالم إنه لا ينقض الوضوء، وهكذا في سائر عمله، يأخذ بالأخف الأخف من أقوال المختلفين، فلينظر العالم أين هذا من ذاك؟ على أنه إن لم يتوضأ إلا مما اتفقوا على أنه ينقض الوضوء قد يكون وضوءه باطلًا باتفاقهم؛ وذلك أن بعض العلماء يوجب الوضوء بمس الذكر ولا يوجبه من خروج الدم، وبعضهم يعكس، فإذا وقع لعامي هذا وهذا ولم يتوضأ، فوضوءه الأول باطل باتفاق الفريقين. ومع أن مراد الغزالي الاحتياط الأكيد، اقتصر على أن فيه الأمان في طريق الآخرة، ومع أن صاحب المنار قلبه إلى التفريط الشديد لم يقتصر على أن صاحبه يكون ناجيًا في الآخرة بل زاد مقربًا عند الله تعالى. وبعد فلندع الغزالي وصاحب المنار، ولنرجع إلى الحجة. إننا نعلم أن لكثيرٍ من علماء الفرق زلاتٍ وشواذ مخالفة لدلالات واضحة من القرآن ولأحاديث تبلغ درجة التواتر المعنوي أو درجة القطع عند من يعرف الرواية والرواة، ومثل هذا غير قليل، فالمقتصر على ما اتُّفِق عليه على ما فهمه صاحب المنار

стр. 1254

لا بد أن يخالف الكتاب والسنة حتمًا في كثير من القضايا، هذا في المخالفة القطعية، فأما الظنية فحدِّث عن كثرتها ولا حرج. ومن جهةٍ أخرى فمن المحال عادة أن يكون الحق دائمًا من المسائل الخلافية مع المرخصين، فالترخص فيها كلها ترك متيقن لكثير من الحق. ولنفرض أن جماعةً تتبعوا أقوال علماء المسلمين من جميع الفرق ثم جمعوا كتابًا ضمنوه ما اتفق المسلمون على أنه واجب أو حرام أو باطل (١) وأهملوا ما عدا ذلك، فهل يقال: إن من حافظ على ما في ذاك الكتاب بدون نظر إلى غيره كان مسلمًا ناجيًا في الآخرة مقربًا عند الله تعالى ثم يستغني الناس بذاك الكتاب عن كتاب الله وتفسيراته وعن كتب السنة وشروحها ومتعلقاتها وعن كتب الفقه كلها، ثم لا يعدم المشذبون مقالا يشكك فيما ضمَّه ذاك الكتاب كالشك في تحقق الإجماع وفي حجيته، ولتغير الأحكام بتغير الزمان، وحينئذ يستريح الذين يدعون أنفسهم بالمصلحين من كل أثرٍ للإسلام. وقال ابن حزم في "الأحكام" (٣/ ١١٤): "وبالجملة فهذا مذهبٌ لم يُخلق له معتقدٌ قطُّ، وهو أن لا يقول القائل بالنص حتَّى يوافقه الإجماع، بل قد صح الإجماع على أن قائل هذا القول معتقدًا له كافر بلا خلاف؛ لرفضه القول بالنصوص التي لا خلاف في وجوب طاعتها". هذا وقد برئت ذمةُ الغزالي من ذاك القول كما علمتَ.

стр. 1255

وأنا أُجِلُّ السيدَ محمد رشيد رضا عن أن يقول به متصوِّرًا حقيقته، وإنما هذا شأن الإنسان؛ كَمَن يكون على جسر غير محجر، فتستولي على ذهنه خشية السقوط من جانب، فيتأخر عنه ويتأخر حتَّى يسقط بغير اختياره من الجانب الآخر. بلى، من عمل بالمتفق عليه كان مسلمًا ناجيًا في الآخرة مقربًا عند الله تعالى، وهذا المتفق عليه هو العمل بالدلائل القطعية والظنية من كتاب الله تعالى ومن سنة رسوله الثابتة قطعًا أو ظنا، فالعالم يتحرَّى ذلك بالنظر في الأدلة، فإن اشتبهت عليه أو تعارضت أَخذ باحسنها مع تجنب خرق الإجماع الصحيح. والعامِّي يسأل العلماء ويأخذ بفتواهم، فإن اختلفوا عليه احتاط أو طلب ترجيحًا ما، وإذا علم الله حسن نيته فلابد أن ييسر له ذلك، فأما تقليد الأئمة فمهما قيل فيه فلا ريب أنه خيرٌ بكثير من تتبع الرخص. وراجع "الموافقات" (٤/ ٧٢ - ٨١). اهـ. * * *

стр. 1256

الأمر الثاني الرَّدُّ عليه في قوله إن النهي عن كتابة الأحاديث متأخر عن الإذن بالكتابة قضية كتابة الحديث في عهد النبي ﷺ قد أشبع الشيخ المعلمي القولَ فيها في "الأنوار الكاشفة" (ص ٣١ - ٣٥)، وسأفردها بالذكر إن شاء الله تعالى في قسم "القواعد" من كتابنا هذا. وأكتفي هنا بإيراد ما يتعلق بردِّه المجمل على "صاحب المنار". قال الشيخ المعلمي في "الأنوار" (ص ٤٣): "ثم نقل أبو رية (ص ٢٥ - ٢٧) عن مجلة المنار كلامًا بُدِىءَ فيه بمحاولة الجمع بين حديث النهي (١) وقصة "اكتبوا لأبي شاه" بأن ما أمر بكتابته لأبي شاه من الدين العام، وأن النهي كان عن كتابة سائر الأحاديث التي هي من الدين الخاص. أقول: نظرية "دين عام ودين خاص" مردودة عليه، وقد تقدمت الإشارة إليها (ص ١٥) (٢)، وحديث الإذن لعبد الله بن عمرو قاطع لشغبه البتَّة. قال صاحب المنار: "ولنا أن نستدل على كون النهي هو المتأخر بأمرين: أحدهما: استدلال من روى عنهم من الصحابة الامتناع عن الكتابة ومنعها بالنهي عنها وذلك بعد وفاة النبي ﷺ ".

стр. 1257

أقول: لم يثبت استدلال أحد منهم بنهي النبي ﷺ ، فالمرويُّ عن زيد بن ثابت متفق على ضعفه وعن أبي سعيد روايتان: إحداهما: فيها الرفع إلى النبي ﷺ ، ولم يذكر فيها امتناع أبي سعيد، ونحن لم نقل في هذا إنه منسوخ، إنما قلنا إنه إما خطأ والصواب عن أبي سعيد من قوله، كما قال البخاري وغيره، وإما محمول على أمر خاص تقدم بيانه. وثانيتهما: رواية أبي نضرة عن أبي سعيد امتناعه هو، وليس فيها أن النبي ﷺ نهى، وقد بقيت صحيفة عليّ عنده إلى زمن خلافته، وكذلك بقيت صحيفة عبد الله ابن عمرو عنده، ثم عند أولاده كما مَرَّ، فلو كان هناك نسخ لكان بقاء الصحيفتين دليلا واضحًا جدًّا على أن الإذن هو المتأخر، وتقدم أن عُمر عزم على الكتابة، وأشار عليه الصحابة بها ثم تركها لمعنى آخر، ولم يذكروا نهيًا كان من النبي ﷺ وذلك صريح فيما قلنا، وقد أجاز الكتابةَ من الصحابة: عبد الله بن عمرو، وأبو هريرة، وأبو أُمامة، وأنس ﵄، وروى هارون بن عنترة عن أبيه أن ابن عباس رخص فيها ثم أجمعت عليها الأمة". اهـ. * * *

стр. 1258

الأمر الثالث الجواب عما زعمه هو وأبو رية من تصديق النبي للمنافقين والكفار في أحاديثهم لعدم علمه بالغيب نقل الشيخ المعلمي في "الأنوار" (ص ٢٩ - ٣٠) عن أبي رية قوله: "وقد ثبت أن النبي ﷺ كان يصدّق بعض ما يفتريه المنافقون كما وقع في غزة تبوك وغيرها، وصدَّق بعض أزواجه، وتردد في حديث الإفك ... حتَّى نزل عليه آيات البراءة". وذكر (ص ١٤٢) عن صاحب المنار: " ... والنبي ﷺ ما كان يعلم الغيب، فهو كسائر البشر يحمل كلام الناس على الصدق إذا لم تَحُفَّ به شبهة وكثيرًا ما صدَّق المنافقين والكفار في أحاديثهم، وحديث العرنيين وأصحاب بئر معونة مما يدل على ذلك ... إذ أذن لبعض المعتذرين من المنافقين في التخلف عن غزوة تبوك، وما علَّلَه به وهو قوله تعالى: ﴿عَفَا اللَّهُ عَنْكَ لِمَ أَذِنْتَ لَهُمْ حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَكَ الَّذِينَ صَدَقُوا وَتَعْلَمَ الْكَاذِبِينَ﴾ وإذا جاز على الأنبياء والمرسلين أن يصدّقوا الكاذب فيما لا يخل بأمر الدين ... ". وذكر (ص ٢٢) عن عياض حديث: "فلعل بعضكم أن يكون أبلغ من بعض، فأحسب أنه صادق فاقضي له" وفي رواية: "لعل بعضكم أن يكون ألحن بحجته من بعض فأقضي له على نحو ما أسمع ... ". فقال العلَّامة المعلمي: أقول: لم يكن ﷺ يعلم من الغيب ما لم يُعلمه الله تعالى به ولم يكن -بأبي وأمي- مغفلا، ولم يصدق المنافقين أي يعتقد صدقهم، بل ولا ظَنَّه وإنما كان الأمر عنده على الاحتمال، ولهذا عاتبه الله على الإذن لهم، هذا واضح بحمد الله.

стр. 1259

والعُرَنيون لم يتحقق منهم كذب، فلعلهم كانوا صادقن في إسلامهم، وإنما بدا لهم أن يرتدّوا لما وجدوا أنفسهم منفردين بالإبل والراعي بعيدًا عن المدينة. وقصة بئر معونة اختلف فيها فلم يتحقق فيها شاهد على ما نحن فيه. راجع "فتح الباري" (٧/ ٢٩٦). وقصته مع بعض أزواجه أراها في "الصحيحين"عن عائشة: "أن النبي ﷺ كان يمكث عند زينب بنت جحش ويشرب عندها عسلا، فتواصيت أنا وحفصة أن أيَّنَنَا دخل عليها النبي ﷺ فلتقل: إنِّي لأجد منك ريح مغافير، أكلتَ مغافير؟ فدخل على إحديهما، فقالت له ذلك فقال: لا بل شربتُ عسلا عند زينب بنت جحش، ولن أعود له، فنزلت: ﴿يَاأَيُّهَا النَّبِيُّ لِمَ تُحَرِّمُ مَا أَحَلَّ اللَّهُ لَكَ﴾، إلى ﴿إِنْ تَتُوبَا إِلَى اللَّهِ﴾ لعائشة وحفصة ... ". وتمام الآية ﴿لِمَ تُحَرِّمُ مَا أَحَلَّ اللَّهُ لَكَ تَبْتَغِي مَرْضَاتَ أَزْوَاجِكَ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ ولو كان النبي ﷺ صدَّق المرأة أن لذاك العسل رائحة كريهة، لكان امتناعه لكراهيتها، وكذلك كان خلقه الكريم المطلوب منه شرعًا، وسياق الآية يخالف ذلك كما هو واضح. فالذي يظهر أنه ﷺ فطن للحيلة، وعلم أن قائلة ذلك إنما غارت لطول مكثه عند ضرتها وانفرادها بسقيه العسل الذي يحبه، فحملتها شدة المغيرة، فتكرم فلم يكاشفها، وامتنع من شرب العسل عند ضرتها تطييبًا لنفسها. وأما تردده في قصة الإفك فليس فيه ما يوهم التصديق ولا ظن الصدق. وأما قوله: "فأحسب أنه صادق" فالحسبان هو الظن، ولينظر سند هذه الحكاية. اهـ. * * *

стр. 1260

الأمر الرابع هل السنة تنسخ القرآن أم لا ؟ نقل أبو رية عن صاحب المنار قوله: "والنبي ﷺ مبين للقرآن بقوله وفعله، ويدخل في البيان التفصيلُ والتخصيصُ والتقييدُ، لكن لا يدخل فيه إبطال حكم من أحكامه أو نقض خبر من أخباره، ولذلك كان التحقيق أن السنة لا تنسخ القرآن". فقال الشيخ المعلمي في "الأنوار الكاشفة" (ص ٢٣): "أقول: أما الإبطال ونقض الخبر بمعنى تكذيبه فهذا لا يقع من السنة للقرآن ولا من بعض القرآن لبعض، فالقرآن كله حق وصدق ﴿لَا يَأْتِيهِ الْبَاطِلُ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَلَا مِنْ خَلْفِهِ تَنْزِيلٌ مِنْ حَكِيمٍ حَمِيدٍ﴾ (١). وأما التخصيص والتقييد ونحوهما والنسخ فليست بإبطال ولا تكذيب، وإنما هي بيان. فالتخصيص مثلًا إن اتصل بالخطاب العام كأن نزلت آيةٌ فيها عموم ونزلت معها آية من سورة أخرى فيها تخصيص للآية الأولى، أو نزلت الآية فتلاها النبي ﷺ وبيَّن ما يخصصها فالأمر واضح؛ إذ البيان متصل بالمبيَّن، فكان معه كالكلام الواحد.

стр. 1261

وإن تأخر المخصِّص عن وقت الخطاب بالعام، ولكنه تبعه قبل وقت العمل بالعام أو عنده، فهذا كالأول عند الجمهور، وهذا مرجعه إلى عُرْف العرب في لغتهم كما بيَّنه الشافعي في "الرسالة" (١). أما إذا جاء بعد العمل بالعام ما صورته التخصيص فإنما يكون نسخًا جزئيا، لكن بعضهم يُسَمِّي النسخ تخصيصًا جزئيا كان أو كليًا؛ نظرًا إلى أن اقتضاء الخطاب بالحكم لشموله لما يستقبل من الأوقات عموم، والنسخ إخراج لبعض تلك الأوقات، وهو المستقبل بالنسبة إلى النص الناسخ، وهذا مما يَحتج به من يُجيز نسخ بعض أحكام الكتاب بالسنة". اهـ. * * *

стр. 1262

المدعو مسعود بن شيبة وكتابه المزعوم "كتاب التعليم"

стр. 1263

قال الشيخ المعلمي في "التنكيل" (١/ ٣٩٦): " ... وإذا بحنفي آخر محترق يكتب كتيبًا يضمنه أشياء في فضل أبي حنيفة، وعيب سائر الأئمة، ولا سيما الشافعي، وخوفًا من الفضيحة نَحل الكتابَ من لا وجود له، فكتب عنوانه "كتاب التعليم" لشيخ الإسلام عماد الدين مسعود بن شيبة ابن الحسين السندي، ثم رمى بالكتاب في بعض الخزائن، فعثر الناس عليه بعد مدة، فتساءل العارفون: من مسعود بن شيبة؟ لا يجدون له خبرًا ولا أثرًا إلا في عنوان ذاك الكتيب. القضية مكشوفة، إلا أنها صادفت هوى في نفوس بعض الحنفية، فصار بعض مؤرخيهم وجامعي طبقاتهم ومناقبهم يذكرون مسعود بن شيبة، وينقلون من ذاك الكتيب، فاضطر الحافظ ابن حجر إلى أن يقيم لذلك وزنًا ما، فقال في "لسان الميزان": "مسعود بن شيبة ... مجهول لا يُعرف عمن أخذ العلم، ولا من أخذ عنه، له مختصر سماه" التعليم "كذب فيه على مالك وعلى الشافعي كذبًا قبيحًا ... ". فيجيء الأستاذ الذي يصف نفسه كما في لوح كتابه الذي طبع بتصحيحه ومراجعته بأنه: "الإِمام الفقيه المحدث والحجة الثقة المحقق العلامة الكبير صاحب الفضيلة مولانا الشيخ محمد زاهد بن الحسن الكوثري، وكيل المشيخة الإِسلامية في الخلافة العثمانية سابقًا". فيحتج بذاك الكتيب المسمى بـ "التعليم"، ويذكر مسعود بن شيبة كعالمٍ حقيقي، ويزيد لي ذلك فيقول في حاشية (ص ٣) من التأنيب: "وابن شيبة هذا جهله ابن حجر فيما جهل، مع أنه معروف عند الحافظ عبد القادر القرشي، وابن دقاق المؤرخ، والتقي

стр. 1264

المقريزي، والبدر العيني، والشمس ابن طولون الحافظ، وغيرهم (١) فنَعُدُّ صنيعَ ابن حجر هذا من تجاهلاته المعروفة -لحاجةٍ في النفس- وقانا الله اتباع الهوى". كذا يقول هذا الظالم لنفسه، وهو يعلم حق العلم أن هؤلاء الذين سماهم - وكلهم متأخرون، لم يعرفوا إلا ذاك الكتيب، فتجاهلوا حالة، وذكروا مسعود بن شيبة بما أخذوه من ذاك الكتيب، فإن كانت هذه معرفة فالحافظ ابن حجر لم ينكرها، بل أثبتها في تلك الترجمة، والداهية الدهياء أن يختم الأستاذ عبارته بقوله: "وقانا الله اتباع الهوى" أفليس هذا أشنع وأفظع وأدل على المكروه من قول شارب الخمر حين يشربها: باسم الله؟! * * *

стр. 1265

مَوْسُوعَةُ المُعَلِّمِي اليَمَانِي وَأَثَرُهُ فِي عِلْمِ الحَدِيْثِ المُسَمَّاة النكت الْجِيَاد المنتخبة من كَلَام شيخ النقاد إِعدَاد أَبِي أَنَس إِبْرَاهِيَم بنْ سَعِيْد الصبَيْحي الْقسم الثالث «القواعد النظرية والاستقرائية التي بنى عليها المعلمي منهجه في النقد» دَارُ طَيْبَة
следующие страницы →