وإن تأخر المخصِّص عن وقت الخطاب بالعام، ولكنه تبعه قبل وقت العمل بالعام أو عنده، فهذا كالأول عند الجمهور، وهذا مرجعه إلى عُرْف العرب في لغتهم كما بيَّنه الشافعي في "الرسالة" (١).
أما إذا جاء بعد العمل بالعام ما صورته التخصيص فإنما يكون نسخًا جزئيا، لكن بعضهم يُسَمِّي النسخ تخصيصًا جزئيا كان أو كليًا؛ نظرًا إلى أن اقتضاء الخطاب بالحكم لشموله لما يستقبل من الأوقات عموم، والنسخ إخراج لبعض تلك الأوقات، وهو المستقبل بالنسبة إلى النص الناسخ، وهذا مما يَحتج به من يُجيز نسخ بعض أحكام الكتاب بالسنة". اهـ.
* * *
стр. 1262
المدعو مسعود بن شيبة
وكتابه المزعوم "كتاب التعليم"
стр. 1263
قال الشيخ المعلمي في "التنكيل" (١/ ٣٩٦):
" ... وإذا بحنفي آخر محترق يكتب كتيبًا يضمنه أشياء في فضل أبي حنيفة، وعيب سائر الأئمة، ولا سيما الشافعي، وخوفًا من الفضيحة نَحل الكتابَ من لا وجود له، فكتب عنوانه "كتاب التعليم" لشيخ الإسلام عماد الدين مسعود بن شيبة ابن الحسين السندي، ثم رمى بالكتاب في بعض الخزائن، فعثر الناس عليه بعد مدة، فتساءل العارفون: من مسعود بن شيبة؟ لا يجدون له خبرًا ولا أثرًا إلا في عنوان ذاك الكتيب.
القضية مكشوفة، إلا أنها صادفت هوى في نفوس بعض الحنفية، فصار بعض مؤرخيهم وجامعي طبقاتهم ومناقبهم يذكرون مسعود بن شيبة، وينقلون من ذاك الكتيب، فاضطر الحافظ ابن حجر إلى أن يقيم لذلك وزنًا ما، فقال في "لسان الميزان": "مسعود بن شيبة ... مجهول لا يُعرف عمن أخذ العلم، ولا من أخذ عنه، له مختصر سماه" التعليم "كذب فيه على مالك وعلى الشافعي كذبًا قبيحًا ... ".
فيجيء الأستاذ الذي يصف نفسه كما في لوح كتابه الذي طبع بتصحيحه ومراجعته بأنه: "الإِمام الفقيه المحدث والحجة الثقة المحقق العلامة الكبير صاحب الفضيلة مولانا الشيخ محمد زاهد بن الحسن الكوثري، وكيل المشيخة الإِسلامية في الخلافة العثمانية سابقًا".
فيحتج بذاك الكتيب المسمى بـ "التعليم"، ويذكر مسعود بن شيبة كعالمٍ حقيقي، ويزيد لي ذلك فيقول في حاشية (ص ٣) من التأنيب: "وابن شيبة هذا جهله ابن حجر فيما جهل، مع أنه معروف عند الحافظ عبد القادر القرشي، وابن دقاق المؤرخ، والتقي
стр. 1264
المقريزي، والبدر العيني، والشمس ابن طولون الحافظ، وغيرهم (١) فنَعُدُّ صنيعَ ابن حجر هذا من تجاهلاته المعروفة -لحاجةٍ في النفس- وقانا الله اتباع الهوى".
كذا يقول هذا الظالم لنفسه، وهو يعلم حق العلم أن هؤلاء الذين سماهم - وكلهم متأخرون، لم يعرفوا إلا ذاك الكتيب، فتجاهلوا حالة، وذكروا مسعود بن شيبة بما أخذوه من ذاك الكتيب، فإن كانت هذه معرفة فالحافظ ابن حجر لم ينكرها، بل أثبتها في تلك الترجمة، والداهية الدهياء أن يختم الأستاذ عبارته بقوله: "وقانا الله اتباع الهوى" أفليس هذا أشنع وأفظع وأدل على المكروه من قول شارب الخمر حين يشربها: باسم الله؟!
* * *
стр. 1265
مَوْسُوعَةُ المُعَلِّمِي اليَمَانِي وَأَثَرُهُ فِي عِلْمِ الحَدِيْثِ
المُسَمَّاة
النكت الْجِيَاد المنتخبة من كَلَام شيخ النقاد
إِعدَاد
أَبِي أَنَس إِبْرَاهِيَم بنْ سَعِيْد الصبَيْحي
الْقسم الثالث
«القواعد النظرية والاستقرائية التي بنى عليها المعلمي منهجه في النقد»
دَارُ طَيْبَة
стр. 1266
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
стр. 1267
مَوْسُوعَةُ المُعَلِّمِي اليَمَانِي
النكت الْجِيَاد المنتخبة من كَلَام شيخ النقاد (٣)
стр. 1268
(ح) دَار طيبَة للنشر والتوزيع، ١٤٣١ هـ
فهرسة مكتبة الْملك فَهد الوطنية أثْنَاء النشر
الصبيحي، إِبْرَاهِيم سعيد إِبْرَاهِيم
موسوعة المعلمي الْيَمَانِيّ وأثره فِي علم الحَدِيث الْمُسَمَّاة (النكت الْجِيَاد المنتخبة من كَلَام شيخ النقاد)./ إِبْرَاهِيم سعيد إِبْرَاهِيم الصبيحي - الرياض، ١٤٣١ هـ
٤ مج.
ردمك: ٠ - ٩٣ - ٨٠٠٣ - ٦٠٣ - ٩٧٨ (مَجْمُوعَة)
٧ - ٩٤ - ٨٠٠٣ - ٦٠٣ - ٩٧٨ (ج ٣)
١ - عُلُوم الحَدِيث.
٢ - الحَدِيث - الْجرْح وَالتَّعْدِيل.
٣ - الحَدِيث - علل.
أ - العنوان
ديوى ٢٣٠ - ١٩/ ١٤٣١
رقم الْإِيدَاع: ١٩/ ١٤٣١
ردمك: ٠ - ٩٣ - ٨٠٠٣ - ٦٠٣ - ٩٧٨ (مَجْمُوعَة)
٧ - ٩٤ - ٨٠٠٣ - ٦٠٣ - ٩٧٨ (ج ٣)
جَمِيعُ الحُقُوق مَحفُوظَةٌ
الطَّبعَةُ الأولى
١٤٣١ هـ - ٢٠١٠ م
دَار طيبَة للنشر والتوزيع
المملكة الْعَرَبيَّة السعودية - الرياض - السويدي
ش. السويدي الْعَام - غرب النفق - ص. ب ٧٦١٢
الرَّمْز البريدي ١١٤٧٢ - هَاتِف ٤٢٥٣٧٣٧ (٦ خطوط) - فاكس ٤٢٥٨٢٧٧
стр. 1269
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
مقدمة
إن الحمدَ لله، نحمدُه ونستعينُه ونستغفره، ونَعوذُ بالله من شُرُور أنفسِنا ومِن سَيِّئاتِ أعمالنا، من يَهْده الله فلا مُضِلَّ لَهُ، ومن يُضْلِلْ فَلَا هَادِيَ له، وأشهد أن لا إله إلا الله وَحْدَهُ لا شريك لَهُ، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله.
﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلَا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ (١٠٢)﴾ [آل عمران: ١٠٢]
﴿يَاأَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالًا كَثِيرًا وَنِسَاءً وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالْأَرْحَامَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيبًا (١)﴾ [النساء: ١].
﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَقُولُوا قَوْلًا سَدِيدًا (٧٠) يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَالَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزًا عَظِيمًا (٧١)﴾ [الأحزاب: ٧٠، ٧١].
أما بعد:
فهذه هي الحلقة الثالثة والأخيرة من سلسلة "النكت الجياد المنتخبة من كلام شيخ النقاد" وقد سبقت حلقتان:
الأولى: في تراجم الرجال الذين تكلم عليهم المعلمي جرحًا وتعديلًا.
والثانية: في تناوله لمناهج وشيء من أحوال وخصائص بعض الأئمة والمصنفين في كتبهم.
стр. 1270
وتتعلق هذه الحلقة الثالثة بعلوم السُنة، وقواعد المصطلح الاستقرائية التي بني عليها العلامة المعلمي منهجه في نقد الرواة والأخبار.
فأما ما يتعلق بعلوم السُنة فيشمل: تعريف السُنة، ومنزلتها من الدين، وحفظ الله تعالى لها، وعناية الأئمة بها، واحتياطهم البالغ في باب النقد، والانتصار لأصحاب الحديث، وذم ما عليه المتكلمون والمتفلسفون لخوضهم في غوامض المعقول، وبيان إعراض كثير من الناس عن هذا العلم، ووجوب تسليم مَنْ دون أئمة الحديث لهم في معرفة الصحيح من المعلول.
وهي فصولٌ نافعةٌ في بابها، على اختصارها وقِلَّةِ مبناها.
وأما علوم المصطلح، فتشمل قواعد نقد الخبر، وشرائط قبول الحديث، بالإضافة إلى مباحث في الجرح والتعديل، وفنون من علم الرجال.
وقَوْلي: "الاستقرائية" أردتُّ به أن كثر مباحث هذا المطلب ليست نقلًا مجردًا من كتب المصطلح المتداولة، بل تظهر فيها -بوضوح- شخصية الشيخ العلمية النقدية التي بناها على ممارسته لكتب الفن، وتخصصه في هذا المجال، كما شهد له بذلك القاصي والداني، والموافق والمخالف، كما ترى شيئًا منه في ثناء أهل العلم عليه في مقدمة القسم الأول من هذا الكتاب.
وقد قال: في مقدمة "الفوائد المجموعة" (ص ٩):
"القواعدُ المقررة في مصطلح الحديث: منها ما يُذكر فيه خلافٌ، ولا يُحقَّقُ الحقُّ فيه تحقيقًا واضحًا، وكثيرًا ما يختلف الترجيحُ باختلاف العوارض التي تختلف في الجزئيات كثيرًا.
وإدراكُ الحق في ذلك يحتاج إلى ممارسةٍ طويلةٍ لكتب الحديث والرجال والعلل، مع حسن الفهم وصلاح النية ... ".
стр. 1271
ثم قال: "صيغ الجرح والتعديل، كثيرًا ما تُطلق على معانٍ مغايرة لمعانيها المقررة في كتب المصطلح، ومعرفة ذلك تتوقف على طول الممارسة واستقصاء النظر".
ثم قال: "ما اشتهر أن فلانًا من الأئمة مُسَهِّل، وفلانًا مشدِّد، ليس على إطلاقه؛ فإن منهم من يسهل تارة، ويشدد أخرى، بحسب أحوال مختلفة. ومعرفة هذا وغيره من صفات الأئمة التي لها أثر في أحكامهم، لا تحصل إلا باستقراءٍ بالغ لأحكامهم مع التدبر التامّ". اهـ.
فوضح من هذه العبارات المنهجُ العام للشيخ المعلمي في باب النقد، وهو اعتماده على البحث المتواصل، والنظر الدءوب، والاستقراء الهادىء لكتب الأئمة، مع شرطين أساسين، وهما: حسن الفهم، وصلاح النية.
أما حُسْن الفهم فيتأتى بتحصيل أدوات هذا العلم وأسبابه المُعينة على تكوين الملكة التي تمدُّ صاحبَها بحسن التصور وجوْدة الفهم. وهذا كله يحتاج إلى ديمومة النظر والتفتيش في تصرفات الأئمة في الأحوال المتشابهة والمختلفة، مع جمع النظائر، وعرض بعضها على بعض.
هذا مع عدم التقيُّد بالأقوال التي يُطلقها بعضُ المتأخرين في مناهج بعض الأئمة أو معاني بعض المصطلحات، مما لا يُساعدُ عليه تقليبُ صفحات كتبهم، إلا في مواضع نادرة، لا يتعذر حملها على الأشهر والأوضح من ذلك.
وأما صلاح النيَّة فيقتضي التجرد عن الهوى والعصبية والمصلحة، ووجودُ أحد هذه الآفات مانعٌ صاحبه من بلوغ الحقِّ مهما أُوتي من علمٍ وفَهْمٍ.
والمتأمِّل في سيرة الشيخ المعلمي؛ مِنْ نشأته، وطلبه للعلم، وما حصَّله من أنواع العلوم والمعارف، واشتغاله بهذا الفَنّ طول حياته، وعنايته بالأصول من كتب أهل العلم، وتصحيحه للمطولات من كتب الرجال والسنن، وإبداعه في التصدي للدفاع عن مثل البخاري في إمامته مما اشتمل عليه كتابا "بيان خطأ البخاري في
стр. 1272
التاريخ" لابن أبي حاتم، و"موضح أوهام الجمع والتفريق" للخطيب، مما يوهم التنقص من البخاري أو وصفه بخلاف مقتضى الإتقان، ولا يُعرف قبل المعلمي -مع كثرة الحفاظ والمحققين الذين اعتنوا بكتب البخاري- مَنْ تجشَّم الجواب عما انتُقِدَ على البخاري في كتابه "التاريخ الكبير" جوابَ دارسٍ وناقدٍ، فكان للمعلمي سَبْقٌ في ذلك، اختصه الله تعالى به، دلَّ على تمكُّنه في هذا الباب.
ومن قلَّبَ صفحاتِ كتاب "الإكمال" لابن ماكولا وتعليقه عليه, طال تعجبه من صبر الشيخ المعلمي على ذكر الزيادات في الأبواب، وعلى ضبط كثير من الأسماء مستعينًا في ذلك بكُلِّ ما أُوتي من علوم الآلة التي حاز فيها نصيبًا وافرًا، حتَّى صار الكتاب بتعليقات المعلمي موسوعة في باب المؤتلف والمختلف، لا يستغني عنها باحثٌ في هذا الفن، بالإضافة إلى احتوائه على خبرات عديدة وفوائد غزيرة في باب ضبط ما يشتبه من الأسماء، تنمُّ عن باعٍ طويل في هذا المجال، وعلى ملكة واسعة في استقراء الكتب المعنية بذلك، مع تدقيق النظر في مناهج أصحابها، وقواعد الضبط فيها بصفة عامة.
والناظر في سيرته: يعلم أنه كان جامعًا بين أصناف العلوم، فقد كان قارئًا مجودًا، وحديثيا بارعًا، وفقيهًا حاذقًا، وأديبًا لغويا شاعرًا، ومُجيدًا لطرفٍ من اللغات الحية، كما كان فَهِمًا لكلام أهل المنطق والفلسفات، مما أعانه على الإبداع في الردّ عليهم والتصدي لهم.
ومن تأمَّل ثَبْت مؤلفات الشيخ، والكتب التي قام بالعناية بها وتصحيحها، وإمعان النظر فيها، على تباين فنونها وتنوع علومها: تبيَّن له أبعاد تلك الملكة المتكاملة التي كان الشيخ يتمتع بها، وأنه كان محصِّلا لكل ما يحتاج إليه الناظر في كلام أهل النقد، وأنه كان من أهل الاستقراء الذين يُرجع لتحقيقاتهم ويُستفاد من تحريراتهم.
стр. 1273
وهذا بَيِّنٌ لكل مُنْصِفٍ، سليمِ الصَّدر، لم يُعْمِهِ الهَوَى، ولم تمنعه العصبية من الاعتراف بالحق لصاحبه، ولذا فقد شهد له كثير من المحققين بما قدمنا، راجع لذلك ترجمة المعلمي من القسم الأول من هذا الكتاب.
ويكفيه شهادةُ مِثْل الكوثري، إذ وصفه في "الترحيب بنقد التأنيب" بـ: "العلامة المفضال المحقق"، وإن حاول بعد ذلك تشويهَ تلك الصورة بطرقٍ شتى، لكن الوصف يدل على ما ذكرنا، و"الحقُّ ما شهدت به الأعداء".
لكن لما كان الشيخ المعلمي ليس محققًا وباحثًا تقليديا، وإنما كان رمزًا من رموز أهل السُنة، والمتمسكين بمنهج السلف الكرام في العقيدة والحديث والفقه، فليس بمستغربٍ أن يظهر بعد حينٍ من الزمن، وفي غفلةٍ من أهل العلم: بعضُ أذيال أهل الهوى والزيغ، الذي يُوكِلُ إليه أسيادُه وأولياءُ نعمته مُهمةَ الإطاحة برموز السُنة ومتبعي السلف، فيتولَّى كِبْرَ هذا الأمر، فيحملُه على كاهله الواهي، ويجلب عليهم بخيله ورَجِلِه، مستعينًا بألوانٍ من التلفيق والتنميق، والتغرير والتبرير، والتحريف والتزييف، مستغلا غُربة هذا العلم، ومدعيا زورا وبهتانا أن المعلمي ليس من أهل الاستقراء؛ ليتسنَّى له ردُّ ما لا يوافق هواه من تحقيقاته.
فهذا كسحابة صَيْفٍ، لا تلبث أن تنقشع مع أول ضوءٍ للشمس، ولا يدري هذا المتهافت ومن يُعينه ويُنفق عليه أن الكرامة والتأييد هما عاقبة أهل السُنة ومن شايعهم، وأن المذلة والخذلان هما شيمة مخالفيهم في الدنيا والآخرة.
هذا تلميحٌ لمن يؤثر السلامةَ، وإلا فعسى الله أن يُقَيِّضَ له ولأمثاله من يهدمُ عليهم (مَعْبَدَهُم) كما هُدمت معابدُ أسلافهم مِن قَبْل، وهي أوهنُ من بيت العنكبوت.
نسأل الله تعالى التوفيق والهداية، وأن يحشرنا في زمرة ناصري السُنة، وخادميها، ومحبي أهلها.
стр. 1274
وأعود إلى هذه الحلقة من حلقات هذا الكتاب، فأقول:
اعتمدت في جمع المادة العلمية لهذا القسم على تصنيفات خاصة للشيخ المعلمي، ويبدو أنه لم يُسعفه عُمره للتصنيف في علوم الحديث كما يحبُّ, وإن كانت له بعض الكتابات التي خصَّصَها لذلك، وهي:
١ - كتاب "الاستبصار في نقد الأخبار"، وهي عبارة عن أربع مقالات، لم يوجد منها إلا المقالة الأولى، وقد طُبعت.
٢ - رسالة في أحكام الجرح والتعديل وحجية خبر الواحد، قال في أولها:
" ... وجدت كلام المتقدمين في أحكام الجرح والتعديل قليلًا ومنتشرًا، وكلام من بعدهم مختلفًا غير وافٍ بالتحقيق، ورأيت لبعض المتأخرين كلامًا حادَ فيه عن الصواب، ويُسِّرَ لي في تحقيق بعض المسائل ما لم أعثر عليه في كتب القوم، فأردت أن أقيد ذلك، ثم رأيت أن أضم إلى ذلك شيئًا من الكلام على أحكام خبر الواحد وشرائطه, فجمعت هذه الرسالة، وقد بنيتها على ثلاثة أبواب، ومن الله تعالى أسأل الإعانة والتوفيق ... "، ذكرها ماجد الزيادي، وسأعتني بها منفردة إن شاء الله.
٣ - رسالة في أحكام الحديث الضعيف. ذكرها منصور السماري، كذلك.
٤ - قسم القواعد من "التنكيل".
٥ - مقدمة "الفوائد المجموعة".
٦ - "الأنوار الكاشفة".
٧ - الأحاديث التي استشهد بها مسلم في بحث الخلاف في اشتراط العلم باللقاء.
٨ - محاضرة: "علم الرجال وأهميته".
وقد شارك الشيخ المعلمي في تصحيح كتاب "الكفاية في علوم الرواية" للخطيب، وهو من أهم ما صُنف في هذا الباب، واعتمد عليه كُل من جاء بعده ممن صنف في ذلك.
стр. 1275
وأما سائر تحقيقات المعلمي وأبحاثه وأطروحاته فهي في ثنايا كتاباته في "التنكيل" وتعليقات "الفوائد المجموعة".
هذا آخر ما أردتُ التقديم به بين يدي هذا القسم من أقسام كتاب "النكت الجياد".
لكن هاهنا تنبيهات:
الأول: حاولتُ عَرْضَ محتويات هذا القسم، لا سيما الباب الثاني منه, على نحو ترتيب كتب المصطلح المشتهرة.
الثاني: سلكتُ في هذا القسم مسلك الاختصار، والتركيز على تبويب وفهرسة كلام المعلمي في هذا الباب، وكان أكثر ذلك التقسيم والتبويب من وضعي واستنباطي، فأردت إبرازَ أقوالِ المعلمي في صورة تلفتُ الانتباه إلى رءوس تلك المسائل المطروحة، مما يُتيحُ للباحث إجراء النظر اللازم لتمحيص تلك القضايا وتحقيق القول فيها.
الثالث: قد يحتملُ كُلُّ بابٍ أو فصلٍ أو مبحثٍ أو نوعٍ أو قاعدةٍ أو فائدةٍ أو مسألةٍ أو فرعٍ مما اشتمل عليه هذا القسم: جزءًا أو رسالةً مستقلةً؛ لإجراء التمحيص المذكور، وقد قمتُ أنا بشيء من ذلك في بعض المواضع، ويحتاج كثير من المباحث إلى استقراءٍ كافٍ لتحقيق القول فيها, ولا يتسعُ هذا المقامُ للاستطراد.
وقد أفردتُّ بعضَ تلك القضايا بالتصنيف في رسائل مستقلة، منها: "ثمرات النخيل في شرح أسباب التعليل"، و"القواعد المهمة في إحياء مناهج الأئمة"، و"إمعان النظر في وجوب التسليم لأئمة الأثر"، و"شحذ الهمة في بيان ألفاظ أعلها الأئمة" وغير ذلك، وهي جميعًا قيد الجمع.
فاكتفيتُ بذلك وغيره عن تَعَنِّ التعليق والبَسْط في كل موضع من مواضع الكتاب.
стр. 1276
الرابع: إمعانًا في تدقيق النظر في عبارات العلامة المعلمي لاستخراج ما يمكن من الفوائد والقواعد، فقد لزم إدراجُ كثير من تحقيقاته في عديد من المواضع بحسب ما تحويه من المعاني والإشارات، فلزم من ذلك وقوعُ التكرار أحيانًا.
الخامس: ربما استطردتُ في بعض المواضع بحسب ما يقتضيه: النشاط أو الاستحضار أو الأهمية؛ تتميمًا لفائدةٍ, أو رَفْعًا لإشكالٍ، أو دَفْعًا لتوهمٍ.
السادس: قد كنتُ قيَّدتُ بعضَ التعليقات على كتاب "إجماع المحدثين على عدم اشتراط العلم بالسماع في الحديث المعنعن بين المتعاصرين" للباحث الدكتور: حاتم العوني؛ لِمَا رأيتُ من اشتماله على أكثر الشُّبَهِ المتعلقة بتلك المسألة، فرأيتُ إلحاقَ ذلك في آخر المبحث الخاص بها من هذا القسم؛ أداءً لبعض الواجب على المشتغلين بهذا الفن، ومشاركةً في إبداء ما يظهر لهم من تحقيقاتٍ في هذا الصَّدَد، لعلَّ تلك التعليقات أن تحوي: إنشاءً لفكرة, أو شرحًا لغامضٍ، أو تصويبا لخطأ، أو دفعًا لوهم، أو إبطالا لشبهة، أو نحو ذلك من المهمات.
أو لعلَّ المشاركَ أن يستفيدَ من: إكمالٍ، أو تعقيبٍ، أو تنبيهٍ, أو تصويبٍ، أو استدراكٍ عليه، يقوم به بعضُ النابهين في هذا الشأن.
والأمرُ دائرٌ حولَ خدمةِ هذا العلم، والغيرةِ عليه, وأداءِ الأمانة، فَمَنْ أصاب فَمِنَ الله التوفيق، ومَنْ أخطأ فَمِنْ قِبَلِهِ أُتِي، والله أعلم بالسرائر، وهو حسبي ونعم الوكيل.
وأخيرًا، فهذه خطواتٌ -أُراها ثابتةً- تَقطعُ مسافاتٍ -وإن قصُرَتْ- على طريقٍ يُثير ما كَمُنَ من أسرار هذا الفنِّ ودقائقه, لعلَّ الله أن يُيَسِّر لنا ولغيرنا متابعةَ الخُطَا على هذا الدرب، يُكمل اللاحقُ عَمَلَ السابق، نُصحًا للسُّنَّة، وأداءً لبعض الواجب، وحملًا للأمانة التي بلَّغها لنا الأوائل.
стр. 1277
أسأله تعالى أن يجعل هذا العمل خالصًا لوجهه، وأن يجعل صوابَه أكثر من خطئه، وأن يكتب له القَبول لدى المُنْصِفِين من أهل العلم، عسى أن يكون فيما سَطَّرْنَاهُ سُلَّمًا إلى مُلتَمَسٍ، أو مَسْلَكًا إلى مَغْزَى، أو وسيلةً إلى غاية، والله ولي التوفيق، وهو الهادي إلى الصواب، وآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين.
وبعد، فيشتمل هذا القسم على تمهيد وثلاثة أبواب:
التمهيد: في بيان منزلة أئمة الحديث ودورهم في حفظ السنة.
الباب الأول: في فصول نافعة في السنة وأهلها، وعناية الأئمة بها، ومدح أصحاب الحديث، وذم مخالفيهم من أهل الكلام والرأي.
الباب الثاني: في قواعد نقد الخبر وشرائط قبول الحديث. وفيه فصلان:
الفصل الأول: القواعد النظرية ومنزلتها من النقد.
الفصل الثاني: مراتب نقد الخبر، وشرائط قبول الحديث.
وهي أربع مراتب، ذكرها الشيخ المعلمي في "الاستبصار"، وشرح الأُولى منها، وسنذكر طرفًا من بقية المراتب -حسبما تيسَّر- على طريقتنا في ذلك:
المرتبة الأولى: النظر في أحوال رجال سنده واحدًا واحدًا. وتشتمل على الشروط الواجب توفرها في المخبِر أو"الراوي"، وهي خمسة:
• الشرط الأول: الإسلام.
• الشرط الثاني: البلوغ.
• الشرط الثالث: العقل.
• الشرط الرابع: العدالة.
• الشرط الخامس: الضبط.
المرتبة الثَّانية: النظر في اتصاله.
المرتبة الثالثة: البحث والنظر في الأمور التي تدل على خطأ إن كان. وتشتمل على:
стр. 1278
• دلائل العلة.
• أسباب التعليل.
• السبر والاعتبار - الشواهد والمتابعات.
• نقد المتن أو النقد الداخلي.
المرتبة الرابعة: النظر في الأدلة الأخرى مما يوافقه أو يخالفه. وتشتمل على قواعد الجمع والترجيح بين الروايات المتعارضة.
الباب الثالث: فوائد وقواعد في الجرح والتعديل وفنون من علم الرجال.
يشتمل هذا الباب على مقدمة وثلاثة فصول:
أما المقدمة فهي محاضرة للعلامة المعلمي ألقاها في أهمية علم الرجال.
وأما الفصول فهي:
الفصل الأول: قواعد النظر في كتب الفن لتعيين الرواة والبحث عن أحوالهم والحكم عليهم.
الفصل الثاني: حدود ومعاني ألفاظ وأوصاف في الجرح والتعديل. ويشتمل هذا الفصل على مطالب:
المطلب الأول: حدود ومعاني ألفاظ وأوصاف عامة.
المطلب الثاني: ألفاظ وأوصاف ظاهرها الجرح، لكنها ربما لا تقتضيه إذا دلت القرائن على ذلك.
المطلب الثالث: ألفاظ وأوصاف ظاهرها التعديل وربما لا تقتضيه.
الفصل الثالث: قواعد ومسائل وفوائد في الجرح والتعديل.
وكتبه
أبو أنس إبراهيم بن سعيد الصبيحي
الدوحة - قطر
٤/ ٨ / ١٤٣٠ هـ الموافق ٢٦/ ٧ / ٢٠٠٩ م
هاتف جوال: ٩٧٤٥٧٨٨١٣٧ +
بريد إلكتروني: ebsaeed_sobihe@yahoo.com
стр. 1279
تمهيد
الحمد لله الذي جعل على رأس كل زمانٍ بقايا من أهل العلم، يَدُلُّونَ مَنْ ضَلَّ إلى الهُدى، ويُبَصِّرُون بنور الله أهلَ العَمى، يَلُمُّون شَعَثَ العِلْم، وَيسُدُّونَ ثَغَراتِه، يُصلحون ما فَسَدَ منه، ويجمعون شَتَاتَهُ.
عَلموا أن الغُرْبَةَ في هذا الفنِّ -أعني عِلْمَ الحديث- مُسْتَحْكِمَةٌ فيه مُنذ نشأته، وبَيْن أهلِه، وفي زمن ازدهاره.
قال أبو حاتم الرازي - كما في تقدمة "الجرح والتعديل" (ص ٣٥٦):
"جرى بيني وبين أبي زرعة يومًا تمييزُ الحديث ومعرفتُه، فجعلَ يَذكرُ أحاديثَ ويذكر عِلَلَها، وكذلك كنتُ أذكر أحاديثَ خطأ، وعِلَلَها، وخطأَ الشيوخ.
فقال لي: يا أبا حاتم، قَلَّ مَنْ يفهمُ هذا، ما أعزَّ هذا، إذا رفعت هذا من واحدٍ واثنين، فما أقلَّ مَنْ تجدُ مَنْ يُحْسِنُ هذا، وربما أشُكُّ في شيء أو يتخالجني شيءٌ في حديثٍ، فإلى أن ألتقيَ معك لا أجدُ من يَشْفِيني منه.
قال أبو حاتم: وكذاك كان أَمْرِي.
فقال ابن أبي حاتم: قلت لأبي: محمد بن مسلم -يعني: ابن وارة-؟ قال: يحفظ أشياءَ عن محُدِّثِين يُؤَدِّيها، ليس معرفتُه للحديث غريزةً". اهـ.
ومحمد بن مسلم بن وارة الرازي حافظٌ ثَبْتٌ، قال ابن أبي حاتم: ثقة صدوق، وجدتُّ أبا زرعة يُجِلُّهُ ويُكْرِمُهُ. وقال أبو بكر بن أبي شيبة: أحفظُ مَنْ رأيتُ: ابنُ الفرات وابنُ وارة، وأبو زرعة. وقال النسائي: ثقةٌ صاحبُ حديثٍ. وقال الطحاوي: ثلاثةٌ بالرّيّ لم يكن في الأرض مثلُهم في وقتهم: أبو حاتم، وأبو زرعة، وابن وارة.
стр. 1280
فقولُ أبي حاتم في ابن وارة -مع ما سبق-: "ليس معرفتُه للحديث غريزةً"، وعدمُ وِجْدان أبي حاتم وأبي زرعة مَنْ يذاكرانه في دقائق هذا الفن، يَدُلَّان على غُربة هذا الشأن في بلدهما حينئذٍ، وقِسْ على هذا سائرَ البلدان.
هذا مع وجود جُملةٍ من حُفاظ الحديث المشتغلين به، المُطلعين علي كثير من أحوال رواته في ميادين الرواية ومجالس السماع، فكيف الحالُ إذًا في ما بعد عصور الرواية؟
ولهذه الغُربة، ربما اتُّهِم بعضُ أولئك النقادِ الصيارفةِ بالكهانةِ وادِّعاءِ عِلم الغيب، أو بالتخمين والحَدَس، أو بالتَّكلُّف والتنطُّع ... ومَن جَهِل شيئًا عاداه.
ولما اختص الله تعالى به هذه الفئةَ من ذلك، فقد عَلموا خطورةَ ما كُلِّفُوا به، فحَمَلُوا أنفسَهم على المتاعب، ورفعوا الأَلْوِيَة وسْط المخاطر، لم يَرُعْهُمُ الوَغَى، ولم يأبهوا بكثرة المخالِف.
هم الأئمة العلماء، والسَّادة الفُهَماء، أهْلُ الفضل والفضيلة، والمرتبة الرفيعة، لولا عنايتُهم بضبطِ السُّنن، وجمعِها، واستنباطِها من معادخها، والنظرِ في طُرُقها، لبطلت الشريعة، وتعطَّلت أحكامُها؛ إذ كانت مستخرجةً من الآثار المحفوظة، ومستفادةً من السنن المنقولة.
فمن عَرِف للإسلام حقَّهُ، وأوجب للدين حُرْمَتَهُ، أَكْبَرَ أن يحتقر مَن عظَّم الله شأَنَهُ، وأَعْلَى مكانه، وأظهر حُجَّتَهُ، وأبان فضيلته، ولم يَرْتَقِ بطعنه إلى حزب الرسول، وأتباع الوحي، وأوعية الدين، وخزنة العلم.
ولم يَألُ أئمةُ هذا الفنِّ ومُؤَسِّسُوهُ جهدًا في بيان قواعده، وشرح أصوله، وكشف غُموض مسائله؛ أداءً للأمانة، وتعليمًا للجاهل، ودلالةً للطالب، إلا أنهم لم يضعوا لذلك مصنفاتٍ خاصة، ولم يسلكوا حيال ذلك سبيلَ البَسْط في كل موضع، بل
стр. 1281
تُؤخذُ قواعدُ هذا الفن وأصولُه من مجموع كلامهم وتصرفاتهم في الأحوال المختلفة، مع فهم ما أجملوه في مواضع في ضوء ما بيَّنُوه في أخرى.
وإذا كان حفظُ السُّنة من حفظِ الكتاب، فكذلك حفظُ ما تُحفظ به السُّنة، فلِلْوسائل أحكامُ المقاصد، لذا فقد حفظ الله تعالى أصولَ هذا العلم؛ لأنه لا يمكن حفظُ السُّنة إلا به، فيه يتميز صحيحُ السُّنة من ضعيفها، ولو لم يُحفظ هذا العلمُ، لما أمكن التوصل إلى معرفة ما صح عن رسول الله ﷺ مما لم يصحّ، ولا يمكن حينئذٍ أن يُقال: إن السُّنة قد حُفظت.
وقد أجرى الله تعالى على أَلْسِنة وبأقلام أئمةِ هذا الشأن من أنواع العلوم، والمسائل، والمباحث، والقضايا المتعلقة بأحوال الراوي والمروي: ما كَفَى الله به مؤنة هذا الفنِّ مَنْ بعدهم، وجعله مَقنعًا لكل مُنصف يريد الحقَّ، ويَعرفه لأهله، فلكل عِلْمٍ "أهلُ ذكرٍ" يُرجع إليهم فيه، فَهُمُ المعيار الذي يُقاس عليه، فلا يُلتفت إلى مَنْ خالفهم.
لكن مع مرور الزمان، وتقادُم العهد، وتتابُع عوامل التغيير: التاريخي، والفقهي، والفكري، والعقائدي، بل والسياسي: وقع انحرافٌ عَمَّا أسَّسَهُ الأوائل من قواعدِ هذا الفن وأصولِه.
وتزداد زاويةُ هذا الانحراف كلما استحكمتْ أمورٌ:
منها: البُعدُ عما خَلَّفَهُ المتقدمون من كتب أحوال الرواة، والتواريخ، والعلل، والسؤالات، ونحو ذلك مما سَطَّرُوا فيه النَّهْجَ السديد الذي يتضح منه اتفاقهم على أصوله العامة وقواعده الأساسية.
стр. 1282
ومنها: هجومُ غير أهل الاختصاص على التصنيف في علوم هذا الفن، يُعلم ذلك بالنظر في قائمة مَنْ صنفوا فيه، فأكثرهم ممن جُلُّ اشتغالهم بالفقه، والأصول، والكلام، لذا تجد هذه الصِّبْغة غالبةً في تناول المسائل والمباحث هناك.
وصار منهجُ المحدثين يُحكَى على أنه مجرد رأي في مقابل مناهج غيرهم من الأصوليين والفقهاء، بل وُيرد قولُ المحدثين -وهم أهل الشأن والاختصاص- بقول غيرهم، أو يُشَوَّشُ عليه.
وهذا ظُلمٌ بَيِّنٌ، وهَضْمٌ لِحَقِّ مَنْ أعلى الله شأنَهم، وأوجب على الناس اتباعهم، ولي في ذلك رسالة؛ أجمع فيها تلك المسائل والقضايا التي أشغب فيها الأصوليون والفقهاء وغيرهم على أهل الحديث، ونازلوهم فيها؛ تنقيةً لهذا العلم من مُداخلة غير أهله فيه، وإعادةً للأمور إلى نصابها، يَسَّرَ الله إتمامها.
ومنها: الاسترواح إلى مذاهب أهل التساهل الذين دَأَبُوا على الميل إلما ترك الاحتياط والاعتماد على حسن الظن في باب الرواة والحكم على الأخبار، وهو خلاف ما قرَّره أئمة هذا الشأن.
ومنها: تطرق الكثير من التجويزات العقلية والاحتمالات المجرَّدة في ردِّ تحقيقات النقاد وتعليلاتهم.
ومنها: تطرق أهل التعصب المذهبي، الذين تدفعهم محاولةُ تقوية ما يَستدل به مذهبُهم من الأحاديث، أو توهينُ ما سوى ذلك: إلى مخالفاتٍ واضحةٍ في تحريف القواعد، ولَيِّ أعناق الأصول، وادعاءِ تقريراتٍ وتحريراتٍ يُصَنِّفون فيها من أَجل هذا المقصد، يتناولون ذلك من قريب ومن بعيد، تصريحًا تارة وتلميحًا أخرى، كاسِينَ ذلك كلَّهُ ثوبَ الكلام في "مصطلح الحديث" مع النقولات المحتملة التي يوجهونها حسبما يتفق مع آرائهم الفقهية أو الحديثية.
стр. 1283
ومنها: تطرق أهل البدع، والمذاهب الفكرية المخالفة للمذهب الحق: مذهب أهل السُنة والجماعة، وهو مذهب أهل الحديث من المتقدمين كثير من المتأخرين.
فهؤلاء نحو الطائفة السابقة في تعاملهم مع السُنة وأهلها، لكنَّ هؤلاء لا يأْلُون في حديثيِّ سُنِّيٍّ إلا ولا ذِمَّةً، يَسْعَون بكل ما أُوتوا من أساليب الحِيل والتلبيس والتغرير إلى محاولة الإطاحة بكل مَنْ يرفعُ لواءَ السُّنة ويدافع عنها وعن أهلها، لا سيما من يكشف زيغَهم ومكائدَهم.
ولا يدري هؤلاء المساكين أن الله تعالى هو ناصرُ السُّنَّةِ وأهلِها، وقامعُ البدعة وأذيالها، على مَرِّ الأيام وتتابع الزمان، وأن هذه السهام الطائشة التي يوجهونها بين الفَيْنَةِ والأخرى لأحد معالم السُّنة ورموز أهلها، إنما ترتد في نحورهم: ﴿فَأَمَّا الزَّبَدُ فَيَذْهَبُ جُفَاءً وَأَمَّا مَا يَنْفَعُ النَّاسَ فَيَمْكُثُ فِي الْأَرْضِ﴾.
ولعل سائلًا يسأل عن سِرِّ اشتغال هذه الطوائف بعلم الحديث، وتصنيفهم فيه، ومزاحمتهم لأهله.
فأقول: احتاج هؤلاء إلى تدعيم آرائهم ومذاهبهم، فرأوا أن كثيرًا من المسائل التي تُبْنَى عليها تلك الآراء، إنما ترجع أصولُها إلى أخبار وآثار، فاحتاجوا إلى تثبيتها وتصحيحها بأيِّ سبيلٍ كان، وكذا الأخبار والآثار التي يَحتج بها المخالف لهم، احتاجوا إلى دَفْعِها وتَوهِينها مَهْمَا كان.
لكنهم رَأَوْا أن التَثْبِيتَ والدَّفْعَ إذا كان بالصَّدْر وبلا حجةٍ: كان أَدَلَّ على الجهل والعصبية، فلم يُقبل منهم، ورُموا بالعجز مع ذلك، فرأوا أنه لا بد لهم من أن يُعْرَفُوا بالمشاركة في علوم الحديث، حتَّى يَسُوغَ لهم الكلامُ فيه كما يشتهون.
ولأنهم لا يرون في كلام أهل النقد حُجَّةً ولا مَقنعًا؛ لمخالفة أكثرة لأهوائهم، عمدوا إلى قواعد هذا الفنّ ومصطلحاته، فحاولوا تمييعَ كثيرٍ منها؛ لتناسب آراءهم،
стр. 1284
وإلى أئمة الجرح والتعديل فأنزلوهم منازلَ تمُكنهم من قبول قولِ هذا، وردّ قول ذاك، حسبما يتفق مع مرادهم.
ولكشف هذه الأمور مواضعُ أخرى، ترى شيئًا منها في رسائل لي، منها: "القواعد المهمة في إحياء مناهج الأئمة" وهي قيد الجمع.
وتأكيدًا لِمَا سبق بيانُه من فضل الأوائل من أئمة هذا الفن في إرساء قواعده، وتحرير مسائله، وشرح غوامضه، نذكر هاهنا عباراتٍ مهمة لبعض المُنْصِفين من الحفاظ والمحققين، سجَّلُوا فيها شهاداتٍ غالية، أعطَوْا فيها كل ذي حق حقه، وسلَّمُوا القوس إلى باريها.
١ - قال الدارقطني:
"من أحب أن يعرف قصور علمه عن علم السلف، فلينظر في "علل حديث الزهري" لمحمد بن يحيى -يعني: الذهلي". "تهذيب التهذيب" (٩/ ٥١٥).
٢ - وقال الذهبي في ترجمة: أبي بكر الإسماعيلي من "تذكرة الحفاظ" (٣/ ٩٤٨):
"صنَّف الصحيح وأشياء كثيرة، من جُملتها مسند عمر ﵁، هذَّبه في مجلدين، طالعتُه، وعلَّقْتُ منه، وابتهرت بحفظ هذا الإِمام، وجزمتُ بأن المتأخرين على إياسٍ من أن يلحقوا المتقدمين في الحفظ والمعرفة". اهـ.
٣ - وفي ترجمة: أحمد بن يوسف بن خلاد بن منصور النصيبي ثم البغدادي العطار من "سير أعلام النبلاء" (١٦/ ٦٩):
"قال الخطيب: كان لا يَعرف شيئًا من العلم، غير أن سماعه صحيح، وقد سأل أبا الحسن الدارقطني، فقال: أيما كبر الصالح أو المُدّ؟ فقال للطلبة: انظروا بلى شيخكم.
وقال أبو نعيم: كان ثقة.
стр. 1285
وكذا وثقه أبو الفتح بن أبي الفوارس، وقال: لم يكن يعرف من الحديث شيئًا.
قال الذهبي:
فمن هذا الوقت، بل وقبله، صار الحفاظ يُطلقون هذه اللفظة على الشيخ الذي سماعُه صحيحٌ بقراءة مُتقنٍ، وإثباتِ عَدْلٍ، وترخَّصُوا في تسميته بالثقة.
وإنما الثقة في عُرْف أئمة النَّقد كانت تقع على العَدل في نفسه، المتقين لما حمله، الضابط لما نَقَل، وله فهمٌ ومعرفةٌ بالفنِّ، فتوسَّعَ المتأخرون.
مات ابن خلَّاد في صفر سنة تسع وخمسن وثلاثمائة. اهـ.
٤ - وقال الذهبي في "تذكرة الحفاظ" (٢/ ٦٢٧ - ٦٢٨):
"فبالله يا شيخ: ارفق بنفسك، والزم الإنصاف، ولا تنظر إلى هؤلاء الحفاظ النظر الشَّزْر، ولا ترمقنَّهم بعين النقص، ولا تعتقد أنهم من جنس محدثي زماننا، حاشا وكلا ... وليس في كبار محدثي زماننا أحدٌ يبلغ رتبة أولئك في المعرفة، فإني أحسبُك لِفَرْطِ هواك تقول بلسان الحال إن أعوزَكَ المقال: مَنْ أحمدُ؟ وما ابن المديني؟ وأي شيء أبو زرعة وأبو داود؟ هؤلاء محُدِّثون ولا يدرون ما الفقه؟ وما أصوله؟ ولا يفقهون الرأي، ولا عِلْمَ لهم بالبيان والمعاني والدقائق، ولا خبرة؟ لهم بالبرهان والمنطق، ولا يعرفون الله تعالى بالدليل، ولا هُم من فقهاء الملة.
فاسكتْ بحِلمٍ، وانطِقْ بعلمٍ، فالعلم النافع هو ما جاء عن أمثال هؤلاء.
ولكن نِسبتك إلى أئمة الفقه كنسبة محدثي عصرنا إلى أئمة الحديث، فلا نحن ولا أَنْتَ، وإنما يَعرف الفضلَ لأهل الفضل ذو الفضل، فمن اتقى الله راقب الله واعترف بنقصه ... ". اهـ.
٥ - وقال الذهبي عند ذكر الخلاف في الاحتجاج بالحديث المعنعن من كتاب
стр. 1286
"الموقظة" (ص ٤٦):
"وهذا في زماننا يَعْسُر نَقْدُهُ على المحدث؛ فإن أولئك الأئمة كالبخاري وأبي حاتم وأبي داود عاينوا الأصول، وعرفوا عللها، وأما نحن فطالت علينا الأسانيد، وفُقدت العباراتُ المتيقنة". اهـ.
٦ - وذكر ابن القيم في "تهذيب السنن" (١/ ١٠٧ - ١٠٩) حديث أنس في تخليل اللحية، وقال:
"رواه الذهلي في كتاب "علل حديث الزهري" عن محمد بن عبد الله بن خالد الصفار، حدثنا محمد بن حرب، حدثنا الزبيدي، عن الزهري، عن أنس بن مالك، به مرفوعًا، ثم قال:
تصحيح ابن القطان لحديث أنس من طريق الذهلي فيه نظر، فإن الذهلي أعلَّهُ، فقال في الزهريات: وحدثنا يزيد بن عبد ربه، حدثنا محمد بن حرب، عن الزبيدي، أنه بلغه عن أنس بن مالك -فذكره- قال الذهلي: هذا هو المحفوظ.
قال ابن القطان: وهذا لا يضره؛ فإنه ليس مَن لم يحفظ حُجَّةً على مَنْ حفظ، والصفَّار قد عيَّنَ شيخَ الزبيدي فيه، وبيَّن أنه الزهري، حتَّى لو قلنا: إن محمد بن حرب حدث به تارة، فقال فيه: عن الزبيدي بلغني عن أنس، لم يضره ذلك، فقد يراجع كتابه، فيعرف منه أن الذي حدّث به: الزهري، فيحدث به عنه، فأخذه عن الصفار هكذا.
قال ابن القيم:
"وهذه التجويزات لا يَلتفتُ إليها أئمةُ الحديث وأطباءُ عِلَلِه، ويعلمون أن الحديث معلول بإرسال الزبيدي له، ولهم ذوقٌ لا يحولُ بينه وبينهم فيه التجويزات والاحتمالات". اهـ.
стр. 1287
٧ - وذكر ابن رجب الحنبلي في "فتح الباري" (١/ ٣٦١) مَنْ رخَّص في نوم الجنب من غير وضوء، ثم قال:
"قد ورد حديثٌ يدل على الرخصة من رواية أبي إسحاق، عن الأسود، عن عائشة، قالت: كان النبي ﷺ ينام وهو جنب، ولا يمسُّ ماءً.
قال: خرجه الإمام أحمد، وأبو داود، والنسائي، وابن ماجه، والترمذي، وقال: قد روى غير واحد عن الأسود، عن عائشة، أن النبي ﷺ كان يتوضأ قبل أن ينام -يعني جنبًا- قال: وهذا أصح من حديث أبي إسحاق عن الأسود، قال: ويرون أن هذا غلط من أبي إسحاق.
... وهذا الحديث مما اتفق أئمة الحديث من السلف على إنكاره على أبي إسحاق، منهم: إسماعيل بن أبي خالد، وشعبة، ويزيد بن هارون، وأَحمد بن حنبل، وأبو بكر ابن أبي شيبة، ومسلم بن الحجاج، وأبو بكر الأثرم، والجوزجاني، والترمذي، والدارقطني ... وقال أحمد بن صالح المصري الحافظ: لا يحلُّ أن يُروى هذا الحديث -يعني أنه خطأ مقطوع جمع فلا تحلُّ روايته من دون بيان علته.
وأما الفقهاء المتأخرون، فكثيرٌ منهم نظر إلى ثقة رجاله فظنَّ صحته، وهؤلاء يظنون أن كُلَّ حديث رواه ثقة، فهو صحيح، ولا يتفطنون لدقائق علم علل الحديث.
ووافقهم طائفة من المحدثين المتأخرين كالطحاوي والحاكم والبيهقي ... اهـ.
٨ - وفي باب: "ما يقول بعد التكبير" من شرح ابن رجب لـ "صحيح" البخاري (٦/ ٣٧٢):
بحث ابن رجب الأحاديث المتعلقة بالجهر بالبسملة، لا سيما حديث أنس في ذلك، ورجح ما جاء صريحًا في بعض روايات أنس من ترك ذكر البسملة في القراءة.
стр. 1288
وأشار ابنُ رجب إلى ما ورد مما يدلُّ على الجهر، وأعلَّها بالاضطراب في الإسناد والمتن، وأنه لا يجوز أن يكون معارضًا لأحاديث أنس الصحيحة الصريحة، ثم قال:
"فمن اتقى وأنصف علم أن حديث أنس الصحيح الثابت لا يُدفع بمثل هذه المناكير والغرائب والشواذ التي لم يرض بتخريجها أصحابُ "الصحاح"، ولا أهل "السنن" مع تساهل بعضهم فيما يخرجه، ولا أهل المسانيد المشهورة مع تساهلهم فيما يخرجونه.
وإنما جُمعتْ هذه الطرق الكثيرة الغريبة والمنكرة لمَّا اعتنى بهذه المسألة من اعتنى بها، ودخل في ذلك نوعٌ من الهوى والتعصُّب، فإنَّ أئمة الإسلام المجتمع عليهم إنما قصدوا اتباعَ ما ظهر لهم من الحق وسُنة رسول الله ﷺ ، لم يكن لهم قصدٌ في غير ذلك ﵃.
ثم حدث بعدهم مَنْ كان قصدُه أن تكون كلمةُ فلانٍ وفلانٍ هي العليا -ولم يكن هذا قصدَ أولئك المتقدمين- فجمعوا، وكثَّرُوا الطرق، والروايات الضعيفة، والشاذة، والمنكرة، والغريبة، وعامَّتها موقوفات، رفعها من ليس بحافظ أو من هو ضعيف لا يُحتج به، أو مرسلات وصلها من لا يحتج به ...
والعجب ممن يعلل الأحاديث الصحيحة المخرجة في "الصحيح" بعلل لا تساوي شيئًا، إنما هي تَعنُّتٌ مَحضٌ، ثم يحتجُّ بمثل هذه الغرائب الشاذة المنكرة، ويزعم أنها صحيحة لا عِلة لها". اهـ.
٩ - وقال ابن كثير عند الكلام على اشتراط بيان السبب في الجرح من كتابه "اختصار علوم الحديث" (ص ٧٩):
стр. 1289
"أما كلام هؤلاء الأئمة المنتصبين لهذا الشأن، فينبغي أن يُؤخذ مُسَلَّمًا من غير ذكر أسباب؛ وذلك للعلم بمعرفتهم واطلاعهم واضطلاعهم في هذا الشأن، واتصافهم بالإنصاف والديانة والخبرة والنصح ... ". اهـ.
١٠ - وقال ابن حجر عند ذكر "معرفة العلل" من كتاب "النكت على كتاب ابن الصلاح" (٢/ ٧١١):
"وهذا الفن أغمضُ أنواع الحديث وأدقُّها مسلكًا، ولا يقوم به إلا مَنْ منحه الله تعالى فهمًا غائصًا، واطلاعًا حاويًا، وإدراكًا لمراتب الرواة، ومعرفةً ثاقبة.
ولهذا لم يتكلم فيه إلا أفراد أئمة هذا الشأن وحُذَّاقهم، وإليهم المرجع في ذلك؛ لِمَا جعل الله تعالى فيهم من معرفة ذلك والاطلاع على غوامضه دون غيرهم ممن لم يمارس ذلك.
وقد تقصر عبارة المعلِّل منهم، فلا يفصح بما استقر في نفسه من ترجيح إحدى الروايتين على الأخرى، كما في نقد الصيرفي سواء، فمتى وجدنا حديثًا قد حكم إمام من الأئمة المرجوع إليهم بتعليله، فالأَوْلى اتباعه في ذلك، كما نتبعه في تصحيح الحديث إذا صححه.
وهذا الشافعي مع إمامته يحيلُ القول على أئمة الحديث في كتبه فيقول: وفيه حديث لا يثبته أهل العلم بالحديث". اهـ.
١١ - ثم قال بعد ذلك (٢/ ٧٢٦) تعقيبًا على تعليل الأئمة لحديث أبي هريرة في كفارة المجلس:
" ... بهذا التقرير يتبين عظمُ موقعِ كلام الأئمة المتقدمين، وشدةُ فحصهم، وقوةُ بحثهم، وصحةُ نظرهم، وتقدمُهم بما يوجب المصيرَ إلى تقليدهم في ذلك، والتسليمَ لهم فيه، وكل من حكم بصحة الحديث مع ذلك إنما مشى على ظاهر الإسناد، كالترمذي،
стр. 1290
وكأبي حاتم ابن حبان، فإنه أخرجه في "صحيحه"، وهو معروف بالتساهل في باب النقد". اهـ.
١٢ - وقال السخاوي عند ذكر "الموضوع" من أنواع الحديث في كتابه "فتح المغيث" (١/ ٢٣٧):
"لذا كان الحكم من المتأخرين عسرًا جدًّا، وللنظر فيه مجالٌ، بخلاف الأئمة المتقدمين، الذين منحهم الله التبحر في علم الحديث، والتوسع في حفظه؛ كشعبة، والقطان، وابن مهدي ونحوهم، وأصحابهم مثل أحمد، وابن المديني، وابن معين، وابن راهويه وطائفة، ثم أصحابهم مثل البخاري، ومسلم، وأبي داود، والترمذي، والنسائي، وهكذا إلى زمن الدارقطني، والبيهقي، ولم يجيء بعدهم مساوٍ لهم ولا مقارب، أفاده العلائي، وقال: متى وجدنا في كلام أحد من المتقدمين الحكم به كان معتمدًا، لما أعطاهم الله من الحفظ الغزير، وإن اختلف النقل عنهم عُدِلَ إلى الترجيح". اهـ.
١٣ - وقال في آخر نوع "المعلل" منه (١/ ٢٢٠):
"هو أمر يهجم على قلوبهم، لا يمكنهم رَدُّه، وهيئة نفسانية لا معدل لهم عنها، ولهذا ترى الجامع بين الفقه والحديث كابن خزيمة، والإسماعيلي، والبيهقي، وابن عبد البر، لا ينكر عليهم، بل يشاركهم، ويحذو حذوهم، وربما يطالبهم الفقيه أو الأصولي العاري عن الحديث بالأدلة.
هذا مع اتفاق الفقهاء على الرجوع إليهم في التعديل والتجريح، كما اتفقوا على الرجوع في كل فَنٍّ إلى أهله.
ومَنْ تَعاطى تحريرَ فَنٍّ غير فَنِّه فهو مُتَعَنّ، فالله تعالى بلطيف عنايته أقام لعلم الحديث رجالًا نقادًا تفرغوا له، وأفنوا أعمارهم في تحصيله، والبحث في غوامضه وعلله ورجاله، ومعرفة مراتبهم في القوة واللين.
стр. 1291
فتقليدهم، والمشي وراءهم، وإمعان النظر في تآليفهم، وكثرة مجالسة حفاظ الوقت، مع الفهم، وجودة التصور، ومداومة الاشتغال، وملازمة التقوى والتواضع، يوجب لك إن شاء الله معرفة السنة النبوية، ولا قوة إلا بالله". اهـ.
قاله أبو أنس:
هذه نماذج مما سَطَّر به مَنْ ذكرنا من الحفاظ شهادتَهم في حَقِّ متقدمي أهل هذا الفَنِّ، وقد قامت الحُججُ على استحقاقهم لتلك المنزلة، وتظاهَر مَنْ ذكرنا من متأخري المحدثين على تأكيد ذلك.
وإذا كان هذا المعنى مستقرًا لدى كُلِّ مُنصف قد ألم بطرفٍ من هذا العلم؛ فإن دلالة ذلك واضحة على ما يلي:
أولًا: وجوب التسليم لهم في باب جرح الرواة وتعديلهم، ولا يُدفع قولهم بقول مَنْ بعدهم ممن لم يبلغوا مبلغهم في العلم والاحتياط والورع.
ثانيًا: وجوب التسليم لهم في باب تصحيح الأخبار وتعليلها، وعدم الالتفات إلى مخالفة غيرهم لهم ممن لم يفطنوا إلى دقائق هذا الفنّ وغوامضه.
ثالثًا: لزوم العناية التامَّة بكتبهم، واستقرائها بتأنٍّ لمن رُزِق أدوات هذا العلم وحَصَّل أسبابه، وذلك مِنْ أَجل الوقوف على أصول هذا الفنّ، وقواعده وحدود ألفاظه، ومعاني مصطلحاته عندهم؛ فَهُمْ قِبلةُ هذا الأمر، فلا يجوز الالتفاتُ عنها لمن أراد القَبُول، فمن ترك كلامهم، وذهب يتلمس ذلك في عبارات المتأخرين التي يخلو كثير منها من التحرير، ويُردد المصنفون فيها كلامَ بعضهم بعضًا مع زيادة كُل منهم شيئًا مما يراه في بعض الأبواب، فلم يأت البيتَ من بابه، ولم يستقبل قبلة هذا العلم.
стр. 1292
وليس في هذه الدلالة غَمْصٌ لكتب المتأخرين في "مصطلح الحديث" فإنهم قد ألموا بمجامع هذا العلم وأطرافه، ورتبوا مسائله، وفي تحقيقات بعضهم قطعُ أشواطٍ طويلة في الوصول إلى حقيقة أصول هذا الفن عند بعض الأئمة.
والمقصود أن علم أصول الحديث لم ينضجْ ويحترقْ كما زعم البعض، بل ما زالت كثير من قضاياه بحاجةٍ إلى تحرير.
وهذا الكتاب الذي نحن بصدده إنما هو خطوة على سبيل محاولة تحرير بعض قضايا المصطلح من خلال تحقيقات العلامة المعلمي، ومما يتيسر لي إضافته أثناء ذلك، والله من وراء القصد، وهو حسبي ونعم الوكيل.
وهذا أوانُ الشُّروع في المقصود، ومِنَ الله تعالى استمِدُّ العَوْنَ والتوفيق.
стр. 1293
الباب الأول
في فصول نافعة في السنة وأهلها، وعناية الأئمة بها، ومدح أصحاب الحديث، وذم مخالفيهم من أهل الكلام والرأي
ويشتمل على تسعة فصول:
الفصل الأول: في تعريف السنة.
الفصل الثاني: في منزلة السنة من الدين.
الفصل الثالث: في كتابة الحديث في العهد النبوي ودحض شبهات حول ذلك وحفظ الله تعالى للسنة.
الفصل الرابع: في عناية الأئمة بحفظ السنة واحتياطهم البالغ في نقد الرواة والأخبار.
الفصل الخامس: في الانتصار لأصحاب الحديث، وبيان مراعاتهم للعقل في نقد الأسانيد والمتون، وذم ما عليه المتكلمون والمتفلسفون لخوضهم في غوامض المعقول.
الفصل السادس: في بيان بعض ما انتقد على أهل الرأي والكلام والكُتاب العصرين في دفع الصحيح من المرويات وقدح الثقات من الرواة - وغير ذلك.
стр. 1294
الفصل السابع: في بيان إعراض كثير من الناس في العصور المتأخرة عن هذا العلم الشريف، ووجوب تسليم من دون أئمة الحديث لهم في معرفة الصحيح من المعلول.
الفصل الثامن: في رفع الإشكال عن كلمات في ذم الحديث وطلبته خرجت من أصحابها دون قصد ظاهرها.
الفصل التاسع: في الإشارة إلى إعراض كثير من الناس في العصور المتأخرة عن هذا العلم العظيم، ووجوب تسليم مَنْ دون أئمة الحديث لهم في معرفة المقبول من المردود.
* * *
стр. 1295
الفصل الأول
في تعريف "السنة "
قال العلامة المعلمي في كتاب "الأنوار الكاشفة" (ص ٢٠):
"تطلق السنة لغة وشرعًا على وجهين:
الوجه الأول: الأمر يبتدئُه الرجل فيتبعه فيه غيره.
ومنه ما في "صحيح" مسلم في قصة الذي تصدق بِصُرَّةٍ، فتبعه النَّاسُ، فتصدقوا، فقال رسول الله ﷺ : "من سَنَّ في الإسلام سنة حسنة فُعُمل بها بعده كُتب له مثل أجر من عمل بها ... " (١).
الوجه الثاني: السيرة العامة.
وسنة النبي ﷺ بهذا المعنى هي التي تقابل الكتاب وتسمى: "الهَدْي".
وفي "صحيح" مسلم أن النبي ﷺ كان يقول في خطبته: "أما بعد، فإن خير الحديث كتاب الله وخير الهدي هدي محمد، وشر الأمور محدثاتها، وكل بدعة ضلالة" (٢).
هذا وكُلُّ شَأْنٍ من شئون النبي ﷺ الجزئية المتعلقة بالدِّين من قول أو فعل أو كَفٍّ أو تقريرٍ: سنةٌ بالمعنى الأول، ومجموعُ ذلك هو السنة بالمعنى الثاني.
ومدلولات الأحاديث الثابتة هو السنة أو من السنة حقيقة، فإن أُطلقت "السنة" على ألفاظها فمجاز أو اصطلاح، وإنما أوضحتُ هذا لأن أبا رية (٣) يتوهم أو يوهم أنه لا علاقة للأحاديث بالسنة الحقيقية. اهـ.
стр. 1296
الفصل الثاني
في منزلة السنة من الدين
قال المعلمي في "الأنوار الكاشفة" (ص ٢١):
* فأما منزلة السنة جُمْلَةً من الدين فلا نزل بين المسلمين ن ما ثبت عن النبي ﷺ من أمر الدين فهو ثابت عن الله ، ونصوص القرآن في ذلك كثيرة، منها: ﴿مَنْ يُطِعِ الرَّسُولَ فَقَدْ أَطَاعَ اللَّهَ﴾ [النساء: ٨٠].
وكل مسلم يعلم أن الإيمان لا يحصل إلا بتصديق الرسول فيما بلغه عن ربه، وقد بلغ الرسول بسنته كما بلغ كتاب الله .
* ثم تكلم الناس في الترتيب بالنظر إلى التشريع، فمِنْ قائلٍ: السنة قاضية على الكتاب، وقائلٍ: السنة تُبين الكتاب، وقائل: السنة في المرتبة الثَّانية بعد الكتاب، وانتصر الشاطبي في "الموافقات" لهذا القول وأطال.
ومما استدل به هو وغيره قول الله : ﴿وَيَوْمَ نَبْعَثُ فِي كُلِّ أُمَّةٍ شَهِيدًا عَلَيْهِمْ مِنْ أَنْفُسِهِمْ وَجِئْنَا بِكَ شَهِيدًا عَلَى هَؤُلَاءِ وَنَزَّلْنَا عَلَيْكَ الْكِتَابَ تِبْيَانًا لِكُلِّ شَيْءٍ وَهُدًى وَرَحْمَةً وَبُشْرَى لِلْمُسْلِمِينَ (٨٩)﴾ [النحل: ٨٩].
﴿إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالْإِحْسَانِ وَإِيتَاءِ ذِي الْقُرْبَى وَيَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنْكَرِ وَالْبَغْيِ يَعِظُكُمْ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ (٩٠)﴾ [النحل: ٩٠].
قالوا: فقوله ﴿تِبْيَانًا لِكُلِّ شَيْءٍ﴾ واضح في أن الشريعةَ كلَّها مُبَيَّنَةٌ في القرآن، ووجدنا الله تعالى قد قال في هذه السورة ﴿وَأَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الذِّكْرَ لِتُبَيِّنَ لِلنَّاسِ مَا نُزِّلَ إِلَيْهِمْ وَلَعَلَّهُمْ يَتَفَكَّرُونَ﴾. [النحل: ٤٤].
стр. 1297
فعلمنا أن البيان الذي في قوله ﴿تِبْيَانًا لِكُلِّ شَيْءٍ﴾ غير البيان الموكول إلى الرسول. ففي القرآن سوى البيان المفصل الوافي بيانٌ مجملٌ، وهو ضربان:
الأول: الأمر بالصلاة والزكاة والحج والعدل والإحسان وإيتاء ذي القربى، والنهي عن الفحشاء والنكر والبغي، وتحريم الخبائث وأكل أموال الناس بالباطل وغير ذلك.
الثاني: الأمر باتباع الرسول وطاعته وأخذ ما آتى، والانتهاء عما نهى ونحو ذلك.
وفي "الصحيحين" وغيرهما من علقمة بن قيس النخعي -وكان أعلم أصحاب عبد الله بن مسعود أو من أعلمهم- قال: "لعن عبد الله الواشمات والمتنمصات والمتفلجات للحسن المغيرات خلق الله".
فقالت أم يعقوب: ما هذا؟ قال عبد الله: وما لي لا ألعن من لعن رسول الله ﷺ وفي كتاب الله؟
قالت: والله لقد قرأت ما بين اللوحين فبها وجدته.
قال: والله لئن قرأتيه لقد وجدتيه ﴿وَمَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ (٧)﴾ (١) [الحشر: ٧].
* ظاهر صنيع ابن مسعود أن الاعتماد في كون القرآن مبينًا لكل ما بينته السنة على الضرب الثاني.
وتعقيب آية التبيان بالتي تليها كأنه يشير إلى أن الاعتماد على الضربين مجتمعين، ورجحه الشاطبي، وزعم أن الاستقراء يوافقه، فعلى هنا لا يكون للخلاف ثمرة.
* ثم قال قوم: جميع ما بيَّنَهُ الرسول عَلِمَهُ بالوحي.
وقال آخرون: منه ما كان باجتهادٍ، أَذِنَ الله له فيه وأقره عليه.
стр. 1298
ذكرهما الشافعي في "الرسالة" ثم قال (ص ١٠٤): "وأي هذا كان فقد بين الله أنه فرض فيه طاعة رسوله ... ".
وبالغ بعضهم فقال: كل ما بلَّغه الرسول فَهِمَهُ من القرآن، ونسبه بعض المتأخرين إلى الشافعي.
فعلى هذا كان القرآن في حق الرسول تبيانا لكل شيء وتفصيلًا، فأما في حق غيره فعلى ما مر، والله الموفق. اهـ.
ثم تعقب المعلمي (ص ٢٣) قولَ بعض المتأخرين:
"والنبي مبين للقرآن بقوله وفعله، ويدخل في البيان: التفصيل والتخصيص والتقييد، لكن لا يدخل فيه إبطال حكم من أحكامه أو نقض خبر من أخباره، ولذلك كان التحقيق أن السنة لا تنسخ القرآن".
فقال: أقول:
* أما الإبطال ونقض الخبر بمعنى تكذيبه فهذا لا يقع من السنة للقرآن ولا من بعض القرآن لبعض.
فالقرآن كله حق وصدق ﴿لَا يَأْتِيهِ الْبَاطِلُ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَلَا مِنْ خَلْفِهِ تَنْزِيلٌ مِنْ حَكِيمٍ حَمِيدٍ (٤٢)﴾ [فصلت: ٤٢].
* وأما التخصيص والتقييد ونحوهما والنسخ فليست لإبطال ولا تكذيب، وإنما هي بيان:
١ - فالتخصيص مثلًا إن اتصل بالخطاب بالعام؛ كأن نزلت آية فيها عموم ونزلت معها آية من سورة أخرى فيها تخصيص للآية الأولى، أو نزلت الآية فتلاها النبي ﷺ ، وبيَّن ما يخصصها: فالأمر واضح؛ إذ البيان متصل بالمبيَّن، فكان معه كالكلام الواحد.
стр. 1299
٢ - وإن تأخر المخصِّصُ عن وقت الخطاب بالعام ولكنه تبعه قبل وقت العمل بالعام أو عنده: فهذا كالأول عند الجمهور، وهذا مرجعه إلى عُرف العرب في لغتهم كما بيَّنه الشافعي في "الرسالة".
٣ - أما إذا جاء بعد العمل بالعام ما صورته التخصيص: فإنما يكون نَسخا جزئيا، لكن بعضهم يُسمي النَّسخ تخصيصا جزئيا كان أو كليا؛ نظرًا إلى أن اقتضاء الخطاب بالحكم لشموله لما يستقبل من الأوقات: عموم، والنسخ إخراج لبعض تلك الأوقات وهو المستقبل بالنسبة إلى النص الناسخ، وهذا مما يحتج به من يُجيز نَسْخَ بعض أحكام الكتاب بالسنة. اهـ.
* * *
стр. 1300
الفصل الثالث
كتابة الحديث في العهد النبوي، وأسباب عدم انتشار ذلك حينئذٍ، والاستدلال بحفظ الله تعاله للسنة على دحض شبهات المخالف
قال العلامة المعلمي في "الأنوار الكاشفة" (ص ٣١):
"كتابة الحديث في عهد النبي ﷺ ".
ونقل عن أبي رية قوله: "تضافرت الأدلة ... على أن أحاديث الرسول صلوات الله عليه لم تُكتب في عهد النبي ﷺ كما كان يُكتب القرآن، ولا كان لها كُتَّابٌ يقيدونها عند سماعها منه وتلفظه بها ... ".
فقال ﵀:
أقول: قد وقعت كتابةٌ في الجملة كما يأتي، لكن لم تشمل ولم يؤمر بها أمرًا.
* أما حِكْمَة ذلك فمنها: أن الله ﵎ كما أراد لهذه الشريعة البقاء، أراد سبحانه أن لا يكلف عبادة من حفظها إلا بما لا يشق عليهم مشقة شديدة، ثم هو سبحانه يحوطها ويحفظها بقدرته.
* كان النبي ﷺ إذا نزل عليه الوحي يعجل بقراءة ما يوحى إليه قبل فراغه خشية أن ينسع شيئًا منه، فأنزل الله عليه: ﴿وَلَا تَعْجَلْ بِالْقُرْآنِ مِنْ قَبْلِ أَنْ يُقْضَى إِلَيْكَ وَحْيُهُ وَقُلْ رَبِّ زِدْنِي عِلْمًا﴾ [طه: ١٤].
وقوله: ﴿لَا تُحَرِّكْ بِهِ لِسَانَكَ لِتَعْجَلَ بِهِ (١٦) إِنَّ عَلَيْنَا جَمْعَهُ وَقُرْآنَهُ (١٧) فَإِذَا قَرَأْنَاهُ فَاتَّبِعْ قُرْآنَهُ (١٨) ثُمَّ إِنَّ عَلَيْنَا بَيَانَهُ (١٩)﴾ [القيامة: ١٦ - ١٩].