← Джавами‘

Джавами‘ · id 13295

النكت الجياد المنتخبة من كلام شيخ النقاد

إبراهيم بن سعيد الصبيحي

Полный текст (2 321 стр.). Показаны 1296–1335 · переход к 1301.

стр. 1296

الفصل الثاني في منزلة السنة من الدين قال المعلمي في "الأنوار الكاشفة" (ص ٢١): * فأما منزلة السنة جُمْلَةً من الدين فلا نزل بين المسلمين ن ما ثبت عن النبي ﷺ من أمر الدين فهو ثابت عن الله ، ونصوص القرآن في ذلك كثيرة، منها: ﴿مَنْ يُطِعِ الرَّسُولَ فَقَدْ أَطَاعَ اللَّهَ﴾ [النساء: ٨٠]. وكل مسلم يعلم أن الإيمان لا يحصل إلا بتصديق الرسول فيما بلغه عن ربه، وقد بلغ الرسول بسنته كما بلغ كتاب الله . * ثم تكلم الناس في الترتيب بالنظر إلى التشريع، فمِنْ قائلٍ: السنة قاضية على الكتاب، وقائلٍ: السنة تُبين الكتاب، وقائل: السنة في المرتبة الثَّانية بعد الكتاب، وانتصر الشاطبي في "الموافقات" لهذا القول وأطال. ومما استدل به هو وغيره قول الله : ﴿وَيَوْمَ نَبْعَثُ فِي كُلِّ أُمَّةٍ شَهِيدًا عَلَيْهِمْ مِنْ أَنْفُسِهِمْ وَجِئْنَا بِكَ شَهِيدًا عَلَى هَؤُلَاءِ وَنَزَّلْنَا عَلَيْكَ الْكِتَابَ تِبْيَانًا لِكُلِّ شَيْءٍ وَهُدًى وَرَحْمَةً وَبُشْرَى لِلْمُسْلِمِينَ (٨٩)﴾ [النحل: ٨٩]. ﴿إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالْإِحْسَانِ وَإِيتَاءِ ذِي الْقُرْبَى وَيَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنْكَرِ وَالْبَغْيِ يَعِظُكُمْ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ (٩٠)﴾ [النحل: ٩٠]. قالوا: فقوله ﴿تِبْيَانًا لِكُلِّ شَيْءٍ﴾ واضح في أن الشريعةَ كلَّها مُبَيَّنَةٌ في القرآن، ووجدنا الله تعالى قد قال في هذه السورة ﴿وَأَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الذِّكْرَ لِتُبَيِّنَ لِلنَّاسِ مَا نُزِّلَ إِلَيْهِمْ وَلَعَلَّهُمْ يَتَفَكَّرُونَ﴾. [النحل: ٤٤].

стр. 1297

فعلمنا أن البيان الذي في قوله ﴿تِبْيَانًا لِكُلِّ شَيْءٍ﴾ غير البيان الموكول إلى الرسول. ففي القرآن سوى البيان المفصل الوافي بيانٌ مجملٌ، وهو ضربان: الأول: الأمر بالصلاة والزكاة والحج والعدل والإحسان وإيتاء ذي القربى، والنهي عن الفحشاء والنكر والبغي، وتحريم الخبائث وأكل أموال الناس بالباطل وغير ذلك. الثاني: الأمر باتباع الرسول وطاعته وأخذ ما آتى، والانتهاء عما نهى ونحو ذلك. وفي "الصحيحين" وغيرهما من علقمة بن قيس النخعي -وكان أعلم أصحاب عبد الله بن مسعود أو من أعلمهم- قال: "لعن عبد الله الواشمات والمتنمصات والمتفلجات للحسن المغيرات خلق الله". فقالت أم يعقوب: ما هذا؟ قال عبد الله: وما لي لا ألعن من لعن رسول الله ﷺ وفي كتاب الله؟ قالت: والله لقد قرأت ما بين اللوحين فبها وجدته. قال: والله لئن قرأتيه لقد وجدتيه ﴿وَمَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ (٧)﴾ (١) [الحشر: ٧]. * ظاهر صنيع ابن مسعود أن الاعتماد في كون القرآن مبينًا لكل ما بينته السنة على الضرب الثاني. وتعقيب آية التبيان بالتي تليها كأنه يشير إلى أن الاعتماد على الضربين مجتمعين، ورجحه الشاطبي، وزعم أن الاستقراء يوافقه، فعلى هنا لا يكون للخلاف ثمرة. * ثم قال قوم: جميع ما بيَّنَهُ الرسول عَلِمَهُ بالوحي. وقال آخرون: منه ما كان باجتهادٍ، أَذِنَ الله له فيه وأقره عليه.

стр. 1298

ذكرهما الشافعي في "الرسالة" ثم قال (ص ١٠٤): "وأي هذا كان فقد بين الله أنه فرض فيه طاعة رسوله ... ". وبالغ بعضهم فقال: كل ما بلَّغه الرسول فَهِمَهُ من القرآن، ونسبه بعض المتأخرين إلى الشافعي. فعلى هذا كان القرآن في حق الرسول تبيانا لكل شيء وتفصيلًا، فأما في حق غيره فعلى ما مر، والله الموفق. اهـ. ثم تعقب المعلمي (ص ٢٣) قولَ بعض المتأخرين: "والنبي مبين للقرآن بقوله وفعله، ويدخل في البيان: التفصيل والتخصيص والتقييد، لكن لا يدخل فيه إبطال حكم من أحكامه أو نقض خبر من أخباره، ولذلك كان التحقيق أن السنة لا تنسخ القرآن". فقال: أقول: * أما الإبطال ونقض الخبر بمعنى تكذيبه فهذا لا يقع من السنة للقرآن ولا من بعض القرآن لبعض. فالقرآن كله حق وصدق ﴿لَا يَأْتِيهِ الْبَاطِلُ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَلَا مِنْ خَلْفِهِ تَنْزِيلٌ مِنْ حَكِيمٍ حَمِيدٍ (٤٢)﴾ [فصلت: ٤٢]. * وأما التخصيص والتقييد ونحوهما والنسخ فليست لإبطال ولا تكذيب، وإنما هي بيان: ١ - فالتخصيص مثلًا إن اتصل بالخطاب بالعام؛ كأن نزلت آية فيها عموم ونزلت معها آية من سورة أخرى فيها تخصيص للآية الأولى، أو نزلت الآية فتلاها النبي ﷺ ، وبيَّن ما يخصصها: فالأمر واضح؛ إذ البيان متصل بالمبيَّن، فكان معه كالكلام الواحد.

стр. 1299

٢ - وإن تأخر المخصِّصُ عن وقت الخطاب بالعام ولكنه تبعه قبل وقت العمل بالعام أو عنده: فهذا كالأول عند الجمهور، وهذا مرجعه إلى عُرف العرب في لغتهم كما بيَّنه الشافعي في "الرسالة". ٣ - أما إذا جاء بعد العمل بالعام ما صورته التخصيص: فإنما يكون نَسخا جزئيا، لكن بعضهم يُسمي النَّسخ تخصيصا جزئيا كان أو كليا؛ نظرًا إلى أن اقتضاء الخطاب بالحكم لشموله لما يستقبل من الأوقات: عموم، والنسخ إخراج لبعض تلك الأوقات وهو المستقبل بالنسبة إلى النص الناسخ، وهذا مما يحتج به من يُجيز نَسْخَ بعض أحكام الكتاب بالسنة. اهـ. * * *

стр. 1300

الفصل الثالث كتابة الحديث في العهد النبوي، وأسباب عدم انتشار ذلك حينئذٍ، والاستدلال بحفظ الله تعاله للسنة على دحض شبهات المخالف قال العلامة المعلمي في "الأنوار الكاشفة" (ص ٣١): "كتابة الحديث في عهد النبي ﷺ ". ونقل عن أبي رية قوله: "تضافرت الأدلة ... على أن أحاديث الرسول صلوات الله عليه لم تُكتب في عهد النبي ﷺ كما كان يُكتب القرآن، ولا كان لها كُتَّابٌ يقيدونها عند سماعها منه وتلفظه بها ... ". فقال ﵀: أقول: قد وقعت كتابةٌ في الجملة كما يأتي، لكن لم تشمل ولم يؤمر بها أمرًا. * أما حِكْمَة ذلك فمنها: أن الله ﵎ كما أراد لهذه الشريعة البقاء، أراد سبحانه أن لا يكلف عبادة من حفظها إلا بما لا يشق عليهم مشقة شديدة، ثم هو سبحانه يحوطها ويحفظها بقدرته. * كان النبي ﷺ إذا نزل عليه الوحي يعجل بقراءة ما يوحى إليه قبل فراغه خشية أن ينسع شيئًا منه، فأنزل الله عليه: ﴿وَلَا تَعْجَلْ بِالْقُرْآنِ مِنْ قَبْلِ أَنْ يُقْضَى إِلَيْكَ وَحْيُهُ وَقُلْ رَبِّ زِدْنِي عِلْمًا﴾ [طه: ١٤]. وقوله: ﴿لَا تُحَرِّكْ بِهِ لِسَانَكَ لِتَعْجَلَ بِهِ (١٦) إِنَّ عَلَيْنَا جَمْعَهُ وَقُرْآنَهُ (١٧) فَإِذَا قَرَأْنَاهُ فَاتَّبِعْ قُرْآنَهُ (١٨) ثُمَّ إِنَّ عَلَيْنَا بَيَانَهُ (١٩)﴾ [القيامة: ١٦ - ١٩].

стр. 1301

وقوله: ﴿سَنُقْرِئُكَ فَلَا تَنْسَى (٦) إِلَّا مَا شَاءَ اللَّهُ إِنَّهُ يَعْلَمُ الْجَهْرَ وَمَا يَخْفَى (٧) وَنُيَسِّرُكَ لِلْيُسْرَى﴾ [الأعلى: ٦ - ٨]. * وكانت العرب أمة أمية يندر وجود من يقرأ أو يكتب منهم، وأدوات الكتابة عزيزة ولا سيما ما يكتب فيه. * وكان الصحابة محتاجين إلى السعي في مصالحهم، فكانوا في المدينة: منهم من يعمل في حائطه، ومنهم من يبايع في الأسواق، فكان التكليف بالكتابة شاقًّا، فاقتصر منه على كتابة ما ينزل من القرآن شيئًا فشيئا ولو مرة واحدة في قطعة من جريد النخل أو نحوه تبقى عند الذي كتبها. وفي "صحيح" البخاري (١) وغيره من حديث زيد بن ثابت في قصة جمعه للقرآن بأمر أبي بكر: "فتتبعت القرآن أجمعه من العُسُبِ والِّلخافِ وصدور الرجال، حتَّى وجدت آخر سورة التربة مع أبي خزيمة الأنصاري لم أجدها مع أحد غيره ﴿لَقَدْ جَاءَكُمْ رَسُولٌ مِنْ أَنْفُسِكُمْ عَزِيزٌ عَلَيْهِ مَاعَنِتُّمْ﴾ حتَّى خاتمة سورة براءة. وفي "فتح الباري": إن العُسُبَ جريدُ النخل، وإن الِّلخاف الحجارةُ الرقاق، وإنه وقع في روايةٍ: القصب والعُسُب والكرانيف وجرائد النخل، ووقع في روايات أُخر ذكر الرقاع وقطع الأديم والصحف. * وكان النبي ﷺ يلقن بعض أصحابه ما شاء الله من القرآن، ثم يلقن بعضهم بعضًا، فكان القرآن محفوظًا جملة في صدورهم، ومحفوظًا بالكتابة في قطع مفرقة عندهم. والمقصود أنه اقتصر من كتابة القرآن على ذلك القدر؛ إذ كان كر منه (٢) شاقًّا عليهم، وتكفَّل الله بحفظه في صدورهم وفي تلك القطع، فلم يتلف منها شيء، حتَّى جُمعت في عهد أبي بكر، ثم لم يتلف شيء حتَّى كُتبت عنها المصاحف في عهد عثمان.

стр. 1302

وقد قال تعالى: ﴿إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ (٩)﴾ [الحجر: ٩]. وتَكَفُّلُهُ سبحانه بحفظه لا يعفي المسلمين أن يفعلوا ما يمكنهم كما فعلوا -بتوفيقه لهم- في عهد أبي بكر ثم في عهد عثمان. فأما السنة: * فقد تكفل الله بحفظها أيضا؛ لأن تكفله بحفظ القرآن يستلزم تكفله بحفظ بيانه وهو السنة، وحفظ لسانه وهو العربية، إذ المقصود بقاء الحجة قائمة والهداية باقية بحيث ينالها من يطلبها؛ لأن محمدًا خاتم الأنبياء وشريعته خاتمة الشرائع، بل دلَّ على ذلك قوله ﴿ثُمَّ إِنَّ عَلَيْنَا بَيَانَهُ﴾. * فحفظ الله السنة في صدور الصحابة والتابعن حتى كُتبت ودُونت كما يأتي، وكان التزام كتابتها في العهد النبوي شاقًّا جدا؛ لأنها تشمل جميع أقوال النبي ﷺ وأفعاله وأحواله وما يقوله غيره بحضرته أو يفعله وغير ذلك. * والمقصود الشرعي منها معانيها، ليست كالقرآن المقصود لفظه ومعناه؛ لأنه كلام الله بلفظه ومعناه، ومعجز بلفظه ومعناه، ومتعبد بتلاوته بلفظه بدون أدنى تغيير. لا جرم خفف الله عنهم واكتفى من تبليغ السنة غالبًا بأن يطلع عليها بعض الصحابة، ويكمل الله تعالى حفظها وتبليغها بقدرته التي لا يعجزها شيء. * فالشأن في هذا الأمر هو العلم بأن النبي ﷺ قد بلَّغ ما أُمر به التبليغ الذي رضيه الله منه، وأن ذلك مظنَّهُ بلوغِهِ إلى من يحفظه من الأمة، ويبلغه عند الحاجة ويبقى موجودًا بين الأمة. وتَكَفُّلُ الله تعالى بحفظ دينه يجعل تلك المظنَّة مَئِنَّة، فتمَّ الحفظُ كما أراد الله تعالى. وبهذا التكفُّل يُدفع ما يتطرق إلى تبليغ القرآن كاحتمال تلف بعض القطع التي كُتبت فيها الآيات، واحتمال أن يغير فيها من كانت عنده ونحو ذلك.

стр. 1303

* ومن طالع تراجم أئمة الحديث من التابعين فمن بعدهم وتدبر ما آتاهم الله تعالى من قوة الحفظ والفهم والرغبة الأكيدة في الجدِّ والتشمير لحفظ السنة وحياطتها بأن له ما يحير عقله، وعلم أن ذلك ثمرة تكفل الله تعالى بحفظ دينه، وشأنهم في ذلك عظيم جدًّا، أو هو عبادة من أعظم العبادات وأشرفها. * وبذلك يتبين أن ذلك من المصالح المترتبة على ترك كتابة الأحاديث كلها في العهد النبوي، إذ لو كُتبت لانْسَدَّ باب تلك العبادة، وقد قال الله تعالى: ﴿وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنْسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ (٥٦)﴾ [الذاريات: ٥٦]. وثَمَّ مصالح أخرى: * منها: تنشئة علوم تحتاج إليها الأمة. فهذه الثروة العظيمة التي بيد المسلمين من تراجم قدمائهم إنما جاءت من احتياج المحدثين إلى معرفة أحوال الرواة فاضطروا إلى تتبع ذلك، وجمع التواريخ والمعاجم، ثم تبعهم غيرهم. * ومنها: الإسناد الذي يُعرف به حال الخبر. كان بدؤه في الحديث ثم سرى إلى التفسير والتاريخ والأدب، هذا والعالِم الراسخ هو الذي إذا حصل له العلم الشافي بقضيةٍ لزمها ولم يبال بما قد يشكك فيها، بل إما أن يعرض عن تلك المشككات، وإما أن يتأملها في ضوء ما قد ثبت. * فهاهنا، من تدبر كتاب الله وتتبع هدي رسوله ونظر إلى ما جرى عليه العمل العام في عهد أصحابه وعلماء أمته بوجوب العمل بأخبار الثقات عن النبي ﷺ ، وأنها من صُلْب الدين، فمن أعرض عن هذا وراح يقول: لماذا لم تُكتب الأحاديث؟ بماذا؟ لماذا؟ ويتبع قضايا جزئية -إما أن لا تثبت، وإما أن تكون شاذة، وإما أن يكون لها محمل لا يخالف المعلوم الواضح- من كان هذا شأنه فلا ريب في زَيْغِه .. اهـ.

стр. 1304

وفي موضع آخر من "الأنوار" (ص ٢٣٨ - ٢٣٩) أوضح الشيخ المعلمي أسباب عدم اعتناء الصحابة بجمع الحديث في كتابٍ كما فعلوا مع القرآن الكريم، فقال: "بين القرآن والسنة فرقٌ من وجوه: وبيان ذلك أن الله ﵎ تكفل بحفظ الشريعة مما فيه الكتاب والسنة كما مَرَّ، ومع ذلك كَلَّف الأمةَ القيام بما يتيسر لها من الحفظ. ولما كان القرآن مقصودًا حفْظ لفظِه ومعناه، وفي ضياع لفظة واحدة منه فواتُ مقصود ديني، وهو مقدار محصور يسهل على الصحابة حفظه في الصدور وكتابته في الجملة - كُلِّفوا بحفظه بالطريقتين. وبذلك جرى العمل في حياة النبي ﷺ ، فتوفاه الله ﵎ والقرآنُ كلُّه محفوظٌ في الصدور مفرقًا، إلا أن معظمَه عند جماعةٍ معروفين، وإنما حفظه جميعَه بضعةُ أشخاص، ومحفوظ كله بالكتابة مفرقًا في القِطع التي بأيدي الناس كما مَرَّ. فلما استحَرَّ القتل بالقُرَّاء في اليمامة، وخشي أن يستحرَّ بهم في كل موطن، ومن شأن ذلك -مع صرف النظر عن حفظ الله تعالى- أن يؤدي إلى نقصٍ في الطريقة الأولى - رأى الصحابة أنهم إذا تركوا تلك القطع -كما هي مفرقة بأيدي الناس- كان من شأن ذلك احتمال أن يتلف بعضها، فيقع النقص في الطريقة الثَّانية أيضًا، ورأوا أنه يمكنهم الاحتياط للطريقة الثَّانية بجمع تلك القطع وكتابة القرآن كله في صحف تُحفظ عند الخليفة، وإذ كان ممكنًا بدون مشقة شديدة -وهو من قبيل الكتابة التي ثبت الأمر بها ولا مفسدة فيه البتة- علموا أنه من جملة ما كُلفوا به، فوفقهم الله تعالى للقيام به. أما السنة: فالمقصود منها معانيها، وفوات جملة من الأحاديث لا يتحقق به فوات مقصود ديني؛ إذ قد يكون في القرآن وفيما بقي من الأحاديث ما يفيد معاني الجملة التي فاتت، وهي مع ذلك منتشرة لا تتيسر كتابتها كما تقدم.

стр. 1305

فاكتفى النبي ﷺ من الصحابة بحفظها في الصدور كما تيسر، بأن يحفظ كل واحد ما وقف عليه، ثم يبلغه عند الحاجة، ولم يأمرهم بكتابتها، ولم يكن حفظ معظمها مقصورًا على القُرَّاء، بل كان جماعةٌ ليسوا من القراء عندهم من السنة أكثر مما عند بعض القراء. فالدلائل والقرائن التي فهم منها الصحابة أن عليهم أن يصنعوا ما صنعوا من جمع القرآن لم يتوفر لهم مثلها ولا ما يقاربها لكي يفهموا منه أن عليهم أن يجمعوا السنة ... وتوقفهم عن الجمع كما تقدم لا يعني عدم العناية بالأحاديث، فقد ثبت بالتواتر تدينهم بها وانقيادهم لها وبحثهم عنها كما تقدم في مواضعه، ولكنهم كانوا يؤمنون بتكفل الله تعالى بحفظها ويكرهون أن يعملوا من قِبَلِهم غيرَ ما وضح لهم أنه مصلحة محضة (١) ويعلمون أنه سيأتي زمان تتوفر فيه دواعي الجمع وتزول الموانع عنه، وقد رأوا بشائر ذلك من انتشار الإسلام وشدة إقبال الناس على تلقي العلم وحفظه والعمل به، وقد أتم الله ذلك كما اقتضته حكمته". اهـ. وأفاض المعلمي: في بيان هذا المعنى (ص ٤٤ - ٤٥) فقال: "أعلم أن الله ﵎ تكفل بحفظ القرآن وبيانه وهو السنة كما مر، وما تكفل الله بحفظه فلا بد أن يُحفظ. وقد علمنا من دين الله أن على عبادة مع إيمانهم بحفظ ما تكفل بحفظه أن يعملوا ما من شأنه في العادة حفظ ذاك الشيء وأنه لا تنافي بين الأمرين. وفي "جامع" الترمذي و"المستدرك" وغيرهما عن أبي خزامة عن أبيه قال: "قلت يا رسول الله: أرأيت رقى نسترقي بها ودواء نتداوى به وتُقاة نتقيها هل تَردُّ من قدر الله شيئًا؟ قال: هو من قدر الله" (٢).

стр. 1306

فأما القرآن فأمروا بحفظه بطريقين: الأولى: حفظ الصدور، وعليها كان اعتمادهم في الغالب. الثانية: بالكتابة، فكان يُكتب في العهد النبوي في قطع صغيرة من جريد النخل وغيرها، قلما غزا المسلمون اليمامة بعد وفاة النبي ﷺ بقليل، استحرَّ القتل بالقرَّاء قبل أن يأخذ عنهم التابعون، فكان ذلك مظنَّة نقصٍ في الطريق الأولى، فرأى عمر المبادرة إلى تعويض ذلك بتكميل الطريق الثانية، فأشار عَلَى أبي بكر بجمع القرآن في صحف، فنفر منها أبو بكر وقال: "كيف نفعل ما لم يفعله رسول الله ﷺ ؟ ". فقال عمر: "هو والله خير" يريد أنه عملٌ يتم به مقصود الشرع من حفظ القرآن، وعدم فعل النبي ﷺ له إنما كان لعدم تحقق المقتضى وقد تحقق، ولا يترتب على الجمع محذور، فهو خيرٌ محضٌ. فجمع القرآن في صحف بقيت عند أبي بكر، ثم عند عمر، ثم عند ابنته حفصة أم المؤمنين حتى طلبها عثمان في خلافته وكتب المصاحف. ومعنى هذا أنه طول تلك المدة التي لم تَبْدُ حاجةٌ إلى تلك الصحف، بل بقي القراء يبلغون القرآن من صدورهم، ومنهم من كتب من صدره مصحفًا لنفسه، فلما كان في زمن عثمان احتيج إلى تلك الصحف لاختيار الوجه الذي دعت الحاجة إلى قصر الناس على القراءة به دون غيره - وكتب عثمان بضعة مصاحف وبعث بها إلى الأمصار، لا لتبليغ القرآن، بل لمنع أن يقرأ أحد بخلاف ما فيها.

стр. 1307

هذا شأن القرآن، فأما السنة فمخالِفةٌ لذلك في أمور: الأول: أن النبي ﷺ لم يُعْنَ بكتابتها، بل اكتفى بحفظهم في صدورهم وتبليغهم منها، أي بنحو الطريق الأولى في القرآن. الثاني: أنها كانت منتشرة، لا يمكن جمعها كلها بيقين. الثالث: أنه لم يتفق لها في عهد الصحابة ما اتفق للقرآن؛ إذ استحر القتل بحفاظه من الصحابة قبل أن يتلقاه التابعون، فإن الصحابة كانوا كثيرا، ولم يتفق أن استحر القتل بحفاظ السنة منهم قبل تلقي التابعين. الرابع: أنهم كانوا إذا هَمُّوا بجمعها رأوا أنه لن يكون كما قال عمر في جمع القرآن: "هو والله خير" أي خيرٌ محضٌ لا يترتب عليه محذور. كانوا يرون أنه يصعب جمعها كلها، وإذا جمعوا ما أمكنهم خشوا أن يكون ذلك سببًا لرد من بعدهم ما فاتهم منها. وقد مَرَّ (ص ٢٤) عن أبي بكر في سبب تحريقه ما كان جمعه منها: "أو يكون قد بقي حديث لم أجده فيقال: لو كان قاله رسول الله ﷺ ما خفي على أبي بكر". وخشوا أيضًا من جمعها في الكتب قبل استحكام أمر القرآن أن يُقبل الناسُ على تلك الكتب ويدعوا القرآن لما مَرَّ (ص ٢٥) عن عمر و (ص ٢٧) عن أبي موسى، فلذلك رأوا أن يكتف وابن شرها بطريق الرواية، ويَكِلُوها إلى حفظ الله تعالى الذي يؤمنون به. اهـ. وأجاب المعلمي: عن شبهات المستشرقين ومن نحا نحوهم في التشكيك في السنة جملة بسبب وقوع "الوضع" في الحديث، فقال (ص ٨٩): "هو واقع في الجملة، ولكن المستشرقين والمنحرفين عن السنة يُطوِّلُون في هذا ويُهوِّلُون ويهملون ما يقابله، ومثلهم مثل من يحاول منع الناس من طلب الحقيقي الخالص من الأقوات والسمن والعسل والعقاقير والحرير والصوف والذهب والفضة

стр. 1308

واللؤلؤ والياقوت والمسك والعنبر وغير ذلك بذكر ما وقع من التزوير والتلبيس والتدليس والغش في هذه الأشياء، ويطيل في ذلك. والعاقل يعلم أن الحقيقي الخالص من هذه الأشياء لم يُرفع من الأرض، وأن في أصحابها وتجارها أهلَ صدق وأمانة، وأن في الناس أهلَ خبرة ومهارة، يميزون الحقيقي الخالص من غيره، فلا يكاد يدخل الضرر إلا على من لا يرجع إلى أهل الخبرة من جاهل ومقصر ومن لا يبالي ما أخذ. والمؤمن يعلم أن هذه ثمرة عناية الله بعبادة في دنياهم، فما الظن بعنايته بدينهم؟ لا بد أن تكون أتم وأبلغ. ومن تتبع الواقع وتدبره وأنعم النظر تبين له ذلك غاية البيان. اهـ. * * *

стр. 1309

الفصل الرابع تحقيق المقال في الأحاديث الواردة في النهى عن كتابة الحديث قال أبو رية (ص ٢٣): "وقد جاءت أحاديث صحيحة وآثار ثابتة تنهى كلها عن كتابة أحاديثه ﷺ ". فقال الشيخ المعلمي: "أما الأحاديث فإنما هي حديث يختلف في صحته، وآخر متفق على ضعفه. فالأول: حديث مسلم وغيره عن أبي سعيد الخدري مرفوعًا: "لا تكتبوا عني، ومن كتب عني غير القرآن فليمحه، وحدثوا عني ولا حرج، ومن كذب عليّ -قال همام: أحسبه قال: متعمدًا- فليتبوأ مقعده من النَّار" هذا لفظ مسلم. وذكره أبو رية مختصرًا، وذكر لفظين آخرين، وهو حديث واحد. والثاني: ذكره بقوله: "ودخل زيد بن ثابت على معاوية فسأله عن حديث وأمر إنسانًا أن يكتبه فقال له زيد: إن رسول الله ﷺ أمرنا أن لا نكتب شيئًا من حديثه، فمحاه"، وقد كان ينبغي لأبي رية أن يجري على الطريقة التي يطريها وهي النقد التحليلي: فيقول: معقول أن لا يأمر رسول الله ﷺ بكتابة أحاديثه؛ لقلة الكَتَبة، وقلة ما يكتب فيه، والمشقة، فأما أن ينهى عن كتابتها ويأمر بمحوها فغير معقول، كيف وقد أذن لهم في التحديث فقال: "وحدثوا عني ولا حرج". أقول: أما حديث أبي سعيد ففي "فتح الباري" (١/ ١٨٥): "منهم -يعني الأئمة- من أعلّ حديث أبي سعيد وقال: الصواب وقفه على أبي سعيد، قاله البخاري

стр. 1310

وغيره" أي الصواب أنه من قول أبي سعيد نفسه، وغلط بعض الرواة فجعله عن أبي سعيد عن النبي ﷺ ، وقد أورد ابن عبد البر في كتاب العلم (١/ ٦٤) قريبًا من معناه موقوفًا على أبي سعيد من طرقالم يذكر فيها النبي ﷺ (١). وأما حديث زيد بن ثابت فهو من طريق كثير بن زيد عن المطلب بن عبد الله بن حنطب قال: دخل زيد بن ثابت الخ. وكثير غير قوي، والمطلب لم يدرك زيدًا (٢). أما البخاري فقال في "صحيحه": "باب كتابة العلم" (٣) ثم ذكر قصة الصحيفة التي كانت عند علي ﵁ (٤).

стр. 1311

ثم خطبة النبي ﷺ زمن الفتح وسؤال رجل أن يكتب له، فقال النبي ﷺ : "اكتبوا لأبي فلان" (١) وفي غير هذه الرواية "لأبي شاه". ثم قول أبي هريرة: "ما من أصحاب النبي ﷺ أحد أكثر حديثًا عنه مني إلا ما كان من عبد الله بن عمرو، فإنه كان يكتب وأنا لا أكتب" (٢). ثم حديث ابن عباس في قصة مرض النبي ﷺ ، وقوله: "ائتوني بكتاب أكتب لكم كتابًا لا تضلوا بعده" (٣). وفي بعض روايات حديث أبي هريرة في شأن عبد الله بن عمرو: "استأذن رسول الله ﷺ أن يكتب بيده ما سمع منه فأذن له" رواه الإمام أحمد والبيهقي. قال في "فتح الباري" (١/ ١٨٥): "إسناده حسن، وله طريق أخرى ... ". وله شاهد من حديث عبد الله بن عمرو نفسه جاء من طرق، راجع "فتح الباري" و"المستدرك" (١/ ١٠٤) و"مسند" أحمد بتحقيق الشيخ أحمد محمد شاكر: الحديث: (٦٥١٠) وتعليقه. وقد اشتهرت صحيفة عبد الله بن عمرو التي كتبها عن النبي ﷺ ، وكان يغتبط بها ويسميها: "الصادقة"، وبقيت عند ولده يروون منها، راجع ترجمة عمرو بن شعيب في "تهذيب التهذيب". أما ما زعمه أبو رية أن صحيفة عبد الله بن عمرو إنما كانت فيها أذكار وأدعية فباطل قطعًا. وأما زيادة ما انتشر عن أبي هريرة من الحديث عما انتشر عن عبد الله بن عمرو؛ فلأن عبد الله لم يتجرد للرواية تجرد أبي هريرة، وكان أبو هريرة بالمدينة وكانت دار

стр. 1312

الحديث؛ لعناية أهلها بالرواية، ولرحلة الناس إليها لذلك، وكان عبد الله تارة بمصر، وتارة بالشام، وتارة بالطائف، مع أنه كان يكثر من الأخبار عما وجده من كتبٍ قديمةٍ باليرموك، وكان الناس لذلك كأنهم قليلو الرغبة في السماع منه، ولذلك كان معاوية وابنه قد نهياه عن التحديث. فهذه الأحاديث وغيرها مما يأتي إن لم تدل على صحة قول البخاري وغيره: إن حديث أبي سعيد غير صحيح عن النبي ﷺ ، فإنَّها تقضي بتأويله، وقد ذكر في "فتح الباري" أوجها للجمع، والأقرب ما يأتي: قد ثبت في حديث زيد بن ثابت في جمعه القرآن: "فتتبعت القرآن أجمعه من العسب واللخاف"، وفي بعض رواياته ذكر القصب وقطع الأديم. وقد مَرَّ قريبًا (ص ٢٠)، وهذه كلها قطع صغيرة، وقد كانت تنزل على النبي ﷺ الآية والآيتان فكان بعض الصحابة يكتبون في تلك القطع فتتجمع عند الواحد منهم عدة قطع في كل منها آية أو آيتان أو نحوها، وكان هذا هو المتيسر لهم، فالغالب أنه لو كتب أحدهم حديثًا لكتبه في قطعة من تلك القطع، فعسى أن يختلط عند بعضهم القطع المكتوب فيها الأحاديث بالقطع المكتوب فيها الآيات، فنهوا عن كتابة الحديث سدًّا للذريعة. أما قول أبي رية (ص ٢٧): "هذا سبب لا يقتنع به عاقل عالم ... اللهم [إلا] إذا جعلنا الأحاديث من جنس القرآن في البلاغة وأن أسلوبها في الإعجاز من أسلوبه". فجوابه: أن القرآن إنما تحدَّى أن يُؤتَى بسورة من مثله، والآية والآيتان دون ذلك. ولا يشكل على هذا الوجه صحيفةُ علي؛ لأنه جمع فيها عدة أحكام، وكان علي لا يُخشى عليه الالتباس. ولا قصة أبي شاه؛ لأن أبا شاه لم يكن ممن يكتب القرآن، وإنما سأل أن تكتب له تلك الخطبة.

стр. 1313

ولا قوله ﷺ في مرض موته: "ائتوني بكتاب" الخ؛ لأنه لو كتب لكان معروفًا عند الحاضرين وهم جمع كثير. ولا قضية عبد الله بن عمرو، فإنه فيما يظهر حصل على صحيفة فيها عدة أوراق، فاستأذن أن يكتب فيها الأحاديث فقط. وكذلك الكتب التي كتبها النبي ﷺ لعماله وفيها أحكام الصدقات وغيرها، وكان كلها أو أكثرها مُصدرًا بقوله: "من محمد رسول الله" الخ، هذا كله على فرض صحة حديث أبي سعيد. أما على ما قاله البخاري وغيره من عدم صحته عن النبي ﷺ فالأمر أوضح، وسيأتي ما يشهد لذلك. قال أبو رية (ص ٢٣): وروى الحاكم بسنده عن عائشة قالت: جمع أبي الحديث عن رسول الله ﷺ فكانت خمسمائة حديث، فبات يتقلب ... فلما أصبح قال: أي بنية هلمي الأحاديث التي عندك، فجئته بها فأحرقها، وقال: خشيت أن أموت وهي عندك فيكون فيها أحاديث عن رجل ائتمنته ووثقت به ولم يكن كما حدثني فأكون قد تقلدت ذلك، زاد الأحوص بن المفضل في روايته: أو يكون قد بقي حديث لم أجده فيقال: لو كان قاله رسول الله ﷺ ما خفي على أبي بكر. أقول: لو صح هذا لكان حجة على ما قلناه، فلو كان النبي ﷺ نهى عن كتابة الأحاديث مطلقًا لما كتب أبو بكر، فأما الإحراق فلسبب أو سببين آخرين كما رأيت، لكن الخبر ليس بصحيح، أحال به أبو رية على "تذكرة الحفاظ" للذهبي، و"جمع الجوامع" للسيوطي ولم يذكر طعنهما فيه، ففي التذكرة عقبة: "فهذا لا يصح" (١).

стр. 1314

وفي "كنز العمال" (٥/ ٢٣٧) -وهو ترتيب جمع الجوامع ومنه أخذ أبو رية: "قال ابن كثير هذا غريب من هذا الوجه جدًّا، وعلي بن صالح أحد رجال سنده لا يعرف". أقول: وفي السند غيره ممن فيه نظر (١). ثم وجهه ابن كثير على فرض صحته. قال أبو رية (ص ٢٤): "وروى حافظ المغرب ابن عبد البر والبيهقي في "المدخل" عن عروة: أن عمر أراد أن يكتب السنن فاستفتى أصحاب رسول الله ﷺ في ذلك -ورواية البيهقي: فاستشار- فأشاروا عليه أن يكتبها، فطفق عمر يستخير الله شهرًا، ثم أصبح يومًا وقد عزم الله له فقال: إنِّي كنت أريد أن أكتب السنن، وإني ذكرت قومًا كانوا قبلكم كتبوا كتبًا فأكبوا عليها وتركوا كتاب الله، وإني والله لا أشوب كتاب الله بشيء أبدًا. ورواية البيهقي: لا ألبس بكتاب الله بشيء أبدًا" (٢). أقول: وهذا وإن صح حجة لما قلناه، فلو كان النبي ﷺ نهى عن كتابة الأحاديث مطلقًا لما هَمَّ بها عمر وأشار بها عليه الصحابة، فأما عدوله عنها فلسبب آخر كما رأيت. لكن الخبر منقطع؛ لأن عروة لم يدرك عمر، فإن صح فإنما كانت تلك الخشية في عهد عمر ثم زالت، وقد قال عروة نفسه كما في ترجمته من تهذيب التهذيب: "وكنا نقول: لا نتخذ كتابًا مع كتاب الله، فمحوت كتبي، فوالله لوددت أن كتبي عندي وإن كتاب الله قد استمرت مريرته" يعني قد استقر أمره وعلمت مزيته وتقرر في

стр. 1315

أذهان الناس أنه الأصل، والسنة بيانٌ له، فزال ما كان يخشى من أن يؤدي وجود كتاب للحديث إلى أن يكب الناس عليه، ويدعوا القرآن. قال أبو رية: "وعن يحيى بن جعدة أن عمر بن الخطاب أراد أن يكتب السنة، ثم بدا له أن لا يكتبها، ثم كتب إلى الأمصار: من كان عنده شيء فليمحه" (١). أقول: وهذا منقطع أيضًا، يحيى بن جعدة لم يدرك عمر، عروة أقدم منه وأعلم جدًّا، وزيادة يحيى منكرة، لو كتب عمر إلى الأمصار لاشتهر ذلك، وعنده علي وصحيفته، وعند عبد الله بن عمرو صحيفة كبيرة مشهورة. قال أبو رية: "وروى ابن سعد عن عبد الله بن العلاء قال: سألت القاسم بن محمد أن يعلى على أحاديث فقال: إن الأحاديث كثرت على عهد عمر بن الخطاب فأنشد الناس أن يأتوه بها، فلما أتوه بها أمر بتحريقها: مثناة كمثناة أهل الكتاب. قال فمنعني القاسم بن محمد يومئذ أن أكتب حديثًا" (٢). أقول: وهذا منقطع أيضا؛ إنما وُلد القاسم بعد وفاة عمر ببضع عشرة سنة. ثم ذكر خبر زيد بن ثابت وقد مَرَّ. ثم قال: "وعن جابر بن عبد الله بن يسار قال: سمعت عليًّا يخطب يقول: أعزم على كل من عنده كتاب إلا رجع فمحاه فإنما هلك الناس حي تتبعوا أحاديث علمائهم وتركوا كتاب ربهم". أقول: ذكره ابن عبد البر من طريق شعبة عن جابر (٣)، ولم أجد لجابر بن عبد الله ابن يسار ذكرًا، وقد استوعب صاحب التهذيب مشايخ شعبة في ترجمته، ولم يذكر

стр. 1316

فيهم من اسمه جابر إلا جابر بن يزيد الجعفي، فلعل الصواب "جابر عن عبد الله ابن يسار" وجابر الجعفي ممقوت كان يؤمن برجعة علي إلى الدنيا، وقد كذبه جماعة في الحديث منهم أبو حنيفة، وصدقه بعضهم في الحديث خاصة بشرط أن يصرح بالسماع. ولم يصرح هنا، وعبد الله بن يسار لا يعرف (١). وقد كان عند علي نفسه صحيفة فيها أحاديث عن النبي ﷺ كما مَرَّ، فإن صحت هذه الحكاية فإنما قال: "أحاديث علمائهم" ولم يقل: "أحاديث أنبيائهم"، وكلمة "حديث" بمعنى "كلام" واشتهارها فيما كان عن النبي ﷺ اصطلاح متأخر، وقد كان بعض الناس يثبتون كلام علي في حياته. وفي مقدمة "صحيح مسلم" (٢) عن ابن عباس ما يُعلم منه أنه كان عنده كتاب فيه قضايا علي، منها ما عرفه ابن عباس ومنها ما أنكره، ولفظه: "فدعا بقضاء علي فجعل يكتب منه أشياء، ويمر به الشيء فيقول: والله ما قضى بهذا علي إلا أن يكون ضل"، ثم ذكر عن طاوس قال: "أُتي ابنُ عباس بكتاب فيه قضاء علي ... ". فإن صحت هذه الحكاية فكأن بعض الناس كتب شيئًا من كلام علي أو غيره من العلماء، فتناقله الناس، فبلغ عليًّا ذلك، فقال ما قال. قال أبو رية: "وعن الأسود بن هلال قال: أُتي عبد الله بن مسعود بصحيفة فيها حديث، فدعا بماء فمحاها ثم غسلها ثم أمر بها فأحرقت".

стр. 1317

ثم قال: "أذكر الله رجلًا يعلمها عند أحد إلا أعلمني به، والله لو أعلم أنها بدير هند لبلغتها، بهذا هلك أهل الكتاب قبلكم حين نبذوا كتاب الله وراء ظهورهم كأنهم لا يعلمون" (١). أقول: روى الدارمي (٢) هذه القصة من وجه آخر (٣) عن الأشعت [بن أبي الشعثاء سليم بن أسود] عن أبيه - وكان من أصحاب عبد الله قال: "رأيت مع رجل صحيفة فيها: سبحان الله والحمد لله ولا إله إلا الله والله أكبر. فقلت له: أنسخنيها، فكأنه بخل بها، ثم وعدني أن يعطينيها، فأتيت عبد الله فإذا هي بين يديه فقال: إن ما في هذا الكتاب بدعة وفتنة وضلالة ... أقسم لو أنها ذكرت له بدار الهند (٤) (كذا) -أراه يعني مكانًا بالكوفة بعيدًا- إلا أتيته ولو مشيًا". لا ريب أنه لم يكن في الصحيفة تلك الكلمات فقط وإلا ما طلب استنساخها لأنه قد حفظها فيمكنه أن يكتبها إن شاء من حفظه. وعند الدارمي قصة أخرى تفسر لنا هذه، ذكرها في باب كراهية أخذ الرأي (٥)، وفيها: "إن قومًا تحلقوا في المسجد في كل حلقة رجل وفي أيديهم حصى فيقول: كبروا مائة، فيكبرون، فيقول: هللوا مائة فيهللون ... "، وذكر إنكار ابن مسعود عليهم، فكأنه كان في تلك الصحيفة وصفُ طريقةٍ للذكر بتلك الكلمات ونحوها

стр. 1318

بعدد مخصوص وهيئة مخصوصة كما يبينه قول ابن مسعود: "إن ما في هذا الكتاب بدعة وفتنة وضلالة". وقد ذكر الدارمي (١) رواية أخرى في صحيفة جيء بها من الشام فمحاها ابن مسعود، وفيها: "فقال مُرَّة [ابن شرحبيل الهمداني أحد كبار أصحاب ابن مسعود]: أما إنه لو كان من القرآن أو السنة لم يمحه، ولكن كان من كتب أهل الكتاب". ثم قال أبو رية (ص ٢٥): "هناك غير ذلك أخبار كثيرة ... ". أقول: ذكر ابن عبد البر (٢) عن مالك: "أن عمر أراد أن يكتب الأحاديث، أو كتبها، ثم قال: لا كتاب مع كتاب الله"، وهذا معضل، وقد مرت رواية عروة عن عمر وبيان وجهها. وذكر (٣) عن أبي بردة بن أبي موسى أنه كتب من حديث أبيه، فعلِمَه أبوه، فدعا بالكتاب فمحاه. وقد أخرج الدارمي (٤) نحوه، ثم أخرج (٥) عن أبي بردة عن أبيه "أن بني إسرائيل كتبوا كتابًا فتبعوه وتركوا التوراة"، وهذا كما مَرَّ عن عمر. وذكر (٦) عن أبي نضرة قال: قيل: لأبي سعيد [الخدري] لو أكتبتنا الحديث فقال: لا نكتبكم، خذوا عنا كما أخذنا عن نبينا ﷺ ، ثم ذكره من وجه آخر في سنده من لم

стр. 1319

أعرفه (١) وفيه: "أتريدون أن تجعلوها مصاحف" ثم من وجه ثالث بنحوه (٢). وهذا من أبي سعيد بمعنى ما مَرَّ عن عمرو أبي موسى. وذكر (٣) عن سعيد بن جبير قال: "كنا نختلف في أشياء، فكتبتها في كتاب، ثم أتيت بها ابن عمر أسأله عنها خفيًا، فلو علم بها كانت الفيصل بيني وبينه". في رواية (٤): "كتب إليَّ أهل الكوفة مسائل ألقى بها ابنَ عمر، فلقيتُه، فسألته عن الكتاب، ولو علم أن معي كتابًا لكانت الفيصل بيني وبينه". وهذا ليس مما نحن فيه؛ إنما هو باب كراهية الصحابة أن تكتب فتاواهم وما يقولونه برأيهم. وذكر (٥) عن ابن عباس أنه قال: "إنا لا نكتب العلم ولا نكتبه". وقد ذكر (٦) عن هارون بن عنزة عن أبيه أن ابن عباس أرخص له أن يكتب. هذا وقد أخرج الدارمي (٧) بسند رجاله ثقات عن أنس أنه كان يقول لبنيه: "يا بني قيدوا هذا العلم" وذكره ابن عبد البر (٨) ولفظه: "قيدوا العلم بالكتاب"، وروي هذا من قول النبي ﷺ ومن قول عمرو من قول ابن عمر، وإنما يصح من قول أنس ﵁.

стр. 1320

وروى الدارمي (١) وابن عبد البر (٢) وغيرهما بسند حسن أن أبا أمامة الباهلي ﵁ سئل عن كتاب العلم فقال: لا بأس به. وأخرج الدارمي (٣) وغيره بسند رجاله ثقات عن بشير بن نهيك وهو ثقة قال: "كنت أكتب ما أسمع من أبي هريرة، فلما أردت أن أفارقه أتيته بكتابه فقرأته عليه وقلت له: هذا ما سمعت منك؛ قال: نعم". فالحاصل أن ما روي عن عمر وأبي موسى من الكراهة إنما كان كما صرحا به خشية أن يكب الناس على الكتب ويدَعُوا القرآن، وأما من عاش بعدهما من الصحابة فمنهم أبو سعيد بقي على الامتناع، ومنهم ابن عباس امتنع ورخص، ومنهم من رأى أنه قد زال المانع كما قال عروة الراوي امتناع عمر: "إن كتاب الله قد استمرت مريرته" وقد مَرَّ ذلك ورأوا أن الحاجة إلى الكتابة قد قويت؛ لأن الصحابة قد قلوا وبقاء الأحاديث تتناقل بالسماع والحفظ فقط لا يؤمن معه الخلل فرأوا للنَّاس الكتابة كما مَرَّ عن أبي هريرة وأبي أُمامة وأنس ﵃. وأما التابعون فغلبت فيهم الكتابة، إلا أن من كان ذا حافظة نادرة كالشعبي والزهري وقتادة كانوا لا يرون إبقاء الكتب، لكن يكتب ما يسمع ثم يتحفظه فإذا أتقنه محاه. وأكثرهم كانت كتبه باقية عنده كسعيد بن جبير والحسن البصري وعَبيدة السلماني ومُرَّة الهمداني وأبي قلابة الجرمي وأبي المليح وبشير بن نهيك وأيوب السختياني ومعاوية بن قرة ورجاء بن حيوة وغيرهم (٤).

стр. 1321

ثم قال أبو رية (ص ٢٥): "ولئن كانت هناك بعض أحاديث رويت في الرخصة بكتابة الأحاديث فإن أحاديث النهي أصح، بَلْهَ ما جرى عليه العمل في عهد الصحابة والتابعين". أقول: قد علمت أنه ليس في النهي غير حديثين؛ أحدهما متفق على ضعفه وهو المروي عن زيد بن ثابت، والثاني مختلف في صحته وهو حديث أبي سعيد، فأما أحاديث الإذن فلو لم يكن منها إلا حديث أبي هريرة في الإذن لعبد الله بن عمرو لكان أصح مما جاء في النهي. أما الصحابة والتابعون فقد تقدم ويأتي ما فيه كفاية. ثم نقل أبو رية (ص ٢٥ - ٢٧) عن مجلة المنار كلامًا بدىء فيه بمحاولة الجمع بين حديث النهي وقصة "اكتبوا لأبي شاه" بأن ما أمر بكتابته لأبي شاه من الدين العام وأن النهي كان عن كتابة سائر الأحاديث التي هي من الدين الخاص. أقول: نظرية "دين عام ودين خاص" مردودة عليه، وقد تقدمت الإشارة إليها (ص ١٥). وحديث الإذن لعبد الله بن عمرو قاطع لشغبه البتة. قال صاحب المنار: "ولنا أن نستدل على كون النهي هو المتأخر بأمرين: أحدهما: استدلال من روي عنهم من الصحابة الامتناع عن الكتابة ومنعها بالنهي عنها وذلك بعد وفاة النبي ﷺ ". أقول: لم يثبت استدلال أحد منهم بنهي النبي ﷺ ، فالمروي عن زيد بن ثابت متفق على ضعفه، وعن أبي سعيد روايتان، إحداهما: فيها الرفع إلى النبي ﷺ ، ولم يذكر فيها امتناع أبي سعيد، ونحن لم نقل في هذا إنه منسوخ، إنما قلنا: إنه إما خطأ والصواب عن أبي سعيد من قوله، كما قال البخاري وغيرها، وإما محمول على أمر خاص تقدم بيانه. وثانيتهما: رواية أبي نضرة عن أبي سعيد امتناعه هو، وليس فيها أن النبي ﷺ نهى.

стр. 1322

وقد بقيت صحيفة علي عنده إلى زمن خلافته، وكذلك بقيت صحيفة عبد الله بن عمرو عنده وعند أولاده كما مَرَّ، فلو كان هناك نسخ لكان بقاء الصحيفتن دليلًا واضحًا جدًّا على أن الإذن هو المتأخر، وتقدم أن عمر عزم على الكتابة، وأشار عليه الصحابة بها ثم تركها لمعنى آخر، ولم يذكروا نهيًا كان من النبي ﷺ وذلك صريح فيما قلنا. وقد أجاز الكتابة من الصحابة: عبد الله بن عمرو وأبو هريرة وأبو أُمامة وأنس ﵃، وروى هارون بن عنترة عن أبيه، أن ابن عباس رخص فيها ثم أجمعت عليها الأمة. قال (ص ٢٦): "وثانيهما عدم تدوين الصحابة الحديث ونشره". أقول: أما النشر فقد نشروه بحمد الله تعالى، وبذلك بلغنا. وأما التدوين فيعني به الجمع في كتاب كما جمعوا القرآن، فاعلم أن الله ﵎ تكفل بحفظ القرآن وبيانه وهو السنة كما مر، وما تكفل الله بحفظه فلا بد أن يحفظ وقد علمنا من دين الله أن على عبادة مع إيمانهم بحفظ ما تكفل بحفظه أن يعملوا ما من شأنه في العادة حفظ ذاك الشيء، وأنه لا تنافي بين الأمرين، وفي جامع الترمذي و"المستدرك" وغيرها عن أبي خزامة عن أبيه قال: "قلت: يا رسول الله، أرأيت رقى نسترقي بها ودواء نتداوى به وتقاة نتقيها هل ترد من قدر الله شيئًا؟ قال: هو من قدر الله". فأما القرآن فأمروا بحفظه بطريقين: الأولى: حفظ الصدور، وعليها كان اعتمادهم في الغالب. الثانية: بالكتابة، فكان يكتب في العهد النبوي في قطع صغيرة من جريد النخل وغيرها، فلما غزا المسلمون اليمامة بعد وفاة النبي ﷺ بقليل استحر القتل بالقراء قبل أن يأخذ عنهم التابعون، فكان ذلك مظنة نقص في الطريق الأولى، فرأى عمر المبادرة إلى تعويض ذلك بتكميل الطريق الثانية، فأشار على أبي بكر بجمع القرآن في صحف، فنفر منه أبو بكر وقال: "كيف تفعل ما لم يفعله رسول الله ﷺ ؟ " فقال عمر: "هو والله خير" يريد أنه عمل يتم به مقصود الشرع من حفظ القرآن، وعدم

стр. 1323

فعل النبي ﷺ له إنما كان لعدم تحقق المقتضى وقد تحقق، ولا يترتب على الجمع محذور، فهو خير محض. فجمع القرآن بها صحف بقيت عند أبي بكر ثم عند عمر ثم عند ابنته حفصة أم المؤمنين حتى طلبها عثمان في خلافته وكتب المصاحف. ومعنى هذا أنه طول تلك المدة لم تبد حاجة إلى تلك الصحف بل بقي القراء يبلغون القرآن من صدورهم ومنهم من كتب من صدره مصحفًا لنفسه، فلما كان في زمن عثمان احتيج إلى تلك الصحف لاختيار الوجه الذي دعت الحاجة إلى قصر الناس على القراءة به دون غيره - وكتب عثمان بضعة مصاحف وبعث بها إلى الأمصار لا لتبليغ القرآن بل لمنع أن يقرأ أحد بخلاف ما فيها. هذا شأن القرآن. فأما السنة فمخالفة لذلك في أمور: الأول: أن النبي ﷺ لم يعن بكتابتها بل اكتفى بحفظهم في صدورهم وتبليغهم منها أي بنحو الطريق الأولى في القرآن. الثاني: أنها كانت منتشرة لا يمكن جمعها كلها بيقين. الثالث: أنه لم يتفق لها في عهد الصحابة ما اتفق للقرآن إذ استحر القتل بحفاظه من الصحابة قبل أن يتلقاه التابعون، فإن الصحابة كانوا كثيرًا ولم يتفق أن استحر القتل بحفاظ السنة منهم قبل تلقي التابعين. الرابع: أنهم كانوا إذا هَمُّوا بجمعها رأوا أنه لن يكون كما قال عمر في جمع القرآن: "هو والله خير" أي خير محض لا يترتب عليه محذور. كانوا يرون أنه يصعب جمعها كلها، وإذا جمعوا ما أمكنهم خشوا أن يكون ذلك سببًا لرد من بعدهم ما فاتهم منها، وقد مَرَّ (ص ٢٤) عن أبي بكر في سبب تحريقه ما كان جمعه منها: "أو يكون قد بقي حديث لم أجده فيقال: لو كان قاله رسول الله ﷺ ما خفي على أبي بكر".

стр. 1324

وخشوا أيضًا من جمعها في الكتب قبل استحكام أمر القرآن أن يقبل الناس على تلك الكتب ويدَعُوا القرآن لما مَرَّ (ص ٢٥) عن عمر و (ص ٢٧) عن أبي موسى، فلذلك رأوا أن يكتفوا بنشرها بطريق الرواية ويأكلوها إلى حفظ الله تعالى الذي يؤمنون به. ثم ذكر (ص ٢٦) أشياء قد تقدم الجواب عنها. ثم قال: "وكون التابعين لم يدونوا الحديث إلا بأمر الأمراء". أقول: وجمع القرآن إنما كان بأمر الأمراء أبي بكر وعمر وعثمان، فإن قيل: هم أمراء المؤمنين وأئمة في العلم وأئمة في التقوى، قلنا: فعمر بن عبد العزيز كذلك في هذا كله وهو الآمر بالتدوين، وتبعه الخلفاء بعده. قال: "يؤيد ما ورد أنهم كانوا [قبل ذلك] يكتبون الشيء لأجل حفظه ثم يمحونه". أقول: هذه حال بعضهم، وقد تقدم (ص ٢٧ - ٢٨) أن جماعة كانوا يكتبون ويبقون كتبهم. قال: "وإذا أضفت إلى هذا ما ورد في عدم رغبة كبار الصحابة في التحديث بل في رغبتهم عنه". أقول: سيأتي رد هذا مفصلًا، والتحقيق أن بعض كبار الصحابة يرون أن تبليغ الأحاديث إنما يتعين عند وقت الحاجة، ويرون أنهم إذا بلغوا بدون حضور حاجة فقد يكون منهم خطأ ما قد يؤاخذون به، بخلاف ما إذا بلغوا عند حضور الحاجة فإن ذلك متعين عليهم، فإما أن يحفظهم الله تعالى من الخطأ، وإما أن لا يؤاخذهم، ولهذا رويت الأحاديث عنهم كلهم، ولم ينقل عن أحد منهم أنه كان عنده حديث فتحققت الحاجة إلى العمل به فلم يحدث به.

стр. 1325

وكان جماعة آخرون من الصحابة يحدثون وإن لم تتحقق حاجة، يرون أن التبليغ قبل وقت الحاجة مرغب فيه لقول النبي ﷺ : "حدثوا عني ولا حرج" وغير ذلك من الأدلة الداعية إلى نشر العلم وتبليغ السنة. ولكل وجهة، وكلهم على خير، على أنه لما قَلَّ الصحابة رجحت كفة الفريق الثاني. قال: "بل في نهيهم عنه". أقول: لم ينهوا، وكيف ينهون وما من أحد منهم إلا وقد حدث بعدد من الأحاديث، أو سأل عنها، وإنما جاء عن عمر أنه نهى عن الإكثار، ومرجع ذلك إلى أمرين: الأول: استحباب أن لا يكون التحديث إلا عند حضور الحاجة. الثاني: ما صرح به من إيثار أن لا يشغل الناس -يعني بسماع الأحاديث دون حضور حاجة- عن القرآن. وجاء عنه كما يأتي: "أقلوا الرواية عن رسول الله ﷺ إلا فيما يعمل به" والعمل في كلامه مطلق، يَعُمُّ العبادات والمعاملات والآداب، لا كما يهوى أبو رية. قال: "قوي عندك ترجيح كونهم لم يريدوا أن يجعلوا الأحاديث (كلها) دينًا عامًّا دائمًا كالقرآن". أقول: هذه نظريته القائلة: "دين عام ودين خاص" والذي يظهر من كلماته أن الدين العام الدائم هو الدين الحقيقي اللازم وأنه كما عبر عنه فيما مضى (ص ١٥) "المتفق عليه" وعلى هذا فمقصوده أن ما ذكر هنا يقوي عند مخاطبه أن الصحابة كانوا لا يوجبون العمل بالأحاديث الثابتة عندهم عن رسول الله ﷺ إلا قدرًا يسيرًا هو الذي اتفقوا ووافقهم بقية الأمة بعدهم على العمل به، وأن ما زاد على ذلك فالأمر فيه على الاختيار من شاء أخذ، ومن شاء ترك، بل إنهم كانوا يرون من الخير إماتة تلك الأحاديث!

стр. 1326

فإن كان هذا مراده فبطلانه معلوم من الدين قطعًا. وحسبك أنه لم يجد أحدًا من علماء الأمة ينسب إليه هذا القول بحق أو باطل سوى ما مَرَّ (ص ١٥) من نسبته أو نحوه إلى الغزالي، وقدمنا بيان بطلان تلك النسبة. هذا ونصوص الكتاب والسنة والمتواتر عن الصحابة وإجماع علماء الأمة، كل ذلك يبطل قوله هذا قطعًا، على أن نظريته هذه لا تقتصر على إهمال الأحاديث الصحيحة بل تتضمن كما تقدم (ص ١٥) إهمال دلالات القرآن التي نقل ما يخالفها عن بعض من نسب إلى العلم ولو واحدًا فقط، فعلى زعمه: دلالات القرآن الظاهرة والأحاديث الصحيحة ولو رواها عدد من الصحابة لا يلزم المسلم أن يعمل بشيء منها قد نُقل عن منسوب إلى العلم ما يخالفه وإن كان الجمهور على وفق ذلك الدليل، كأن عنده أن العالم إن خالف الدليل فهو معصوم من أن يغلط أو يغفل أو يزل أو يضل، وإن وافق الدليل فليس بمعصوم، هذا حكمهم غير متفقين، فأما إذا اتفقوا فهم معصومون إلا في مخالفتهم لنظريته هذه. قال: "ولو كانوا فهموا من النبي ﷺ ذلك لكتبوا أو لأمروا بالكتابة ولجمع الراشدون ما كتب وضبطوا ما وثقوا به ولم يكتفوا بالقرآن والسنة المتبعة المعروفة للجمهور بجريان العمل بها". أقول: قد بينا أن النبي ﷺ ما لم يكتب مصحفًا، وأن أبا بكر وعمر وعثمان مدة من ولايته لم يكتبوا إلا مصحفًا واحدًا بقي عندهم لا يكاد يصل إليه أحد، فما بالك بالإرسال إلى العمال، وإن عثمان إنما كتب وبعث بضعة مصاحف إلى بعض الأقطار لمنع الناس من القراءة بخلاف ما فيها، وقد علمنا أنه لم يحفظ القرآن كله في عهد النبي ﷺ إلا نفر يسير، أربعة أو نحوهم، وذكر ابن سعد وغيرهم أن أبا بكر وعمر ماتا قبل أن يحفظا القرآن كله.

стр. 1327

وقد بعث النبي ﷺ ثم أبو بكر ثم عمر جماعة من العمال لم يحفظ كل منهم القرآن كله ولا كان عنده مصحف، فهل يقال لهذا: إن القرآن لم يكن حينئذ من الدين العام؟ نعم كان العامل يحفظ طائفة من القرآن ويعلم جملة من السنة، فكان يبلغ هذا وهذا. ومن عرف وضع الشريعة عرف الحقيقة: إن وضع الشريعة عدم الإعنات، وتوجيه معظم العناية إلى التقوى. كان كثير من أصحاب النبي ﷺ هاجروا من مكة إلى الحبشة، ونزل بعدهم قرآن وأحكام، وجعلت كل من الظهر والعصر والعشاء أربعًا بعد أن كانت ركعتين، وحولت القبلة وغير ذلك، فلم ينقل أن النبي ﷺ كان عقب تجدد حكم من هذه وغيرها يبعث رسلًا إلى من بالحبشة أو إلى غيرهم ممن بعد عنه يبلغهم ذلك، بل كان يدعهم على ما عرفوا حتى يبلغهم ما تجدد اتفاقًا. وجاء أنه صلى الظهر إلى الكعبة أول ما صلى إليها، فخرج ممن كان معه لحاجته فمَرَّ وقت العصر ببني حارثة -وهم في بعض أطراف المدينة- وهم يصلون إلى بيت المقدس، فأخبرهم فاستداروا إلى الكعبة فأتموا صلاتهم. وهكذا تحريم الكلام في الصلاة وتحريم الخمر. ومن المتفق عليه فيما أعلم أنه ليس واجبًا على الأعيان حفظ القرآن سوى الفاتحة، ولا تعلم القراءة والكتابة واتخاذ مصحف، ولا يجب على الرجل أن يتعلم الفريضة إلا قرب العمل بها، وإنما الواجب أن يكون في الأمة علماء ثم على العامي أن يسأل عالمًا ويعمل بفتواه، وكان في عهد النبي ﷺ وخلفائه يكتفى في العامل أن يكون -مع حفظه لما شاء الله من القرآن- عارفًا بطائفة حسنة من السنة ثم يقال له: إذا لم تجد الحكم في الكتاب والسنة فأسأل من ترجو أن يكون عنده علم، فإن لم تجد فاجتهد رأيك، وقد كان أبو بكر وعمر إذا لم يجدا الحكم في الكتاب ولا فيما يعلمانه من السنة سألا الصحابة فإذا أُخبرا بحديث أخذا به، وربما أخبرهما من هو دونهما في العلم والفضل بكثير.

стр. 1328

وترى في رسالة الشافعي عدة قضايا لعمر من هذا القبيل. وإذ كان الواجب على الأمة أن يكون فيها علماء، كل منهم عارف بالقرآن، عارف بجملة حسنة من السنة؛ ليعمل ويفتي ويقفيى بما علم، ويسأل من تيسر له من العلماء عما لم يعلم، فإن لم يجد اجتهد: فقد كان الصحابة يعلمون أن منهم عددًا كثيرًا هكذا، وأن من تابعيهم عددًا كثيرًا كذلك لا يزالون في ازدياد، وأن حال من بعدهم سيكون كذلك، وأن القرآن والسنة موجودان بتمامهما عند أولئك العلماء، ما فات أحدهم منهما فموجود عند غيره، رأوا أن هذا كافٍ في أداء الواجب عليهم مع الإيمان التام بأن الله تعالى حافظ لشريعته. نعم، فكَّروا في الاحتياط لجمع السنة فعرض لهم خشية أن يؤدي ذلك إلى محذور كما مَرَّ فكفّوا عنه؛ مكتفين بما ظهر لهم من حرص المسلمين وما آمنوا به من حفظ رب العالمين. وغاية ما يُخشى بعد هذا أن يجهل العالم شيئًا من السنة ولا يتيسر له من يخبره بها فيجتهد فيخطىء، وهذا في نظر الشرع ليس بمحذور كما علم مما مَرَّ في حال من كان من المسلمين بعيدًا عن المدينة؛ إذ بقوا مدة يصلون الرباعية ركعتين، ويتكلمون في الصلاة، ويصلون إلى بيت المقدس، ويستحلون الخمر بعد نزول الأحكام المخالفة لذلك حتى بلغتهم. وكما أذن الله تعالى أن يبني المسلم على ظنه وإن اتفق له أن ينكح أخته وهو لا يدري، وأن يقتل مسلمًا يحسبه كافرًا، وأن يأكل لحمًا يظنه حلالًا فبان لحم خنزير أو ميتة وغير ذلك، إنما المحذور أن تدع الدليل الشرعي عمدًا اتباعًا منك لقول عالم قد يجهل ويذهل ويغفل ويغلط ويزل. وأشد من ذلك وأضر وأدهى وأمَرّ ما يقول صاحب تلك النظرية: إن الدليل الشرعي إذا وُجد قولٌ لعالمٍ يخالفه ينزل بذلك عن الدين العام اللازم إلى الدين الخاص

стр. 1329

الاختياري، من شاء أخذ ومن شاء ترك، ومن خالف كل دليل من هذا القبيل مع علمه بها وعقله لها واقتصر على ما لم يخالفه أحد "كان مسلمًا ناجيًا في الآخرة مقربًا عند الله تعالى" كما تقدم عنه (ص ١٦)، فهذا هو المحذور عند من يعقل. قال: "وبهذا يسقط قول من قال: إن الصحابة كانوا يكتفون في نشر الحديث بالرواية". أقول: قد عرفت الحقيقة ولله الحمد، وعرفت ما هو الساقط. قال: "وإذا أضفت إلى ذلك حكم عمر بن الخطاب على أعين الصحابة بما يخالف بعض تلك الأحاديث". أقول: كان عليه أن يبينها، فإن كان يريد مطاعن الرافضة في أمير المؤمنين عمر فجوابها في "منهاج السنة" وغيره، ويكفينا هنا أن نسأله: هل علمت عمر ثبت عنده حديث فتركه لغير حجة قائلًا: لا يلزمنا الأخذ بالأحاديث؟ قال: "ثم ما جرى عليه علماء الأمصار في القرن الأول والثاني من اكتفاء الواحد منهم كأبي حنيفة بما بلغه ووثق به من الحديث وإن قَلَّ، وعدم تعنيه في جمع غيره إليه ليفهم دينه ويبين أحكامه". أقول: لزم أبو حنيفة حماد بن أبي سليمان يأخذ عنه مُدَّة، وكان حماد كثير الحديث، ثم أخذ عن عدد كثير غيره كما تراه في مناقبه، وقلة الأحاديث المروية عنه لا تدل على قلة ما عنده؛ ذلك أنه لم يتصد للرواية، وقد قدمنا أن العالم لا يُكلَّف جمع السنة كلها، بل إذا كان عارفًا بالقرآن وعنده طائفة صالحة من السنة بحيث يغلب على اجتهاده الصواب كان له أن يفتي، وإذا عرضت قضية لم يجدها في الكتاب والسنة سأل من عنده علم بالسنة، فإن لم يجد اجتهد رأيه. وكذلك كان أبو حنيفة يفعل، وكان عنده في حلقته جماعة من المكثرين في الحديث كمسعر وحبان ومندل، والأحاديث التي ذكروا أنه خالفها قليلة بالنسبة إلى ما وافقه، وما

стр. 1330

من حديث خالفه إلا وله عذر لا يخرج إن شاء الله عن أعذار العلماء، ولم يَدَّعِ هو العصمةَ لنفسه ولا ادعاها له أحد، وقد خالفه كبار أصحابه في كثير من أقواله. وكان جماعة من علماء عصره ومن قرب منه ينفرون عنه وعن بعض أقواله، فإن فرض أنه خالف أحاديث صحيحة بغير حجة بينة فليس معنى ذلك أنه زعم أن العمل بالأحاديث الصحيحة غير لازم، بل المتواتر عنه ما عليه غيره من أهل العلم أنها حجة، بل ذهب بلى أن القهقهة في الصلاة تنقض الوضوء اتباعًا لحديث ضعيف (١) ومن ثم ذكر أصحابه أن من أصله تقديم الحديث الضعيف -بله الصحيح- على القياس. قال: "قوي عندي ذلك الترجيح". أقول: أما عند من يعرف دينه فهيهات. قال: "بل تجد الفقهاء بعد اتفاقهم على جعل الأحاديث أصلًا من أصول الأحكام الشرعية، وبعد تدوين الحفاظ لها في الدواوين وبيان ما يحتج به وما لا يحتج به لم يتفقوا على تحرير الصحيح والاتفاق على العمل به، فهذه كتب الفقه في المذاهب المتبعة -ولا سيما كتب الحنفية فالمالكية فالشافعية- فيها مئات من المسائل المخالفة للأحاديث المتفق على صحتها، ولا يعد أحد منهم مخالفًا لأصول الدين". أقول: أما ما اعترفت به من اتفاقهم على أن الأحاديث الصحيحة أصل من أصول الأحكام الشرعية، فحجة عليك وعليهم مضافة إلى سائر الحجج. وأما عدم اتفاقهم على تحرير الصحيح وعدم اتفاقهم على العمل به فإنما حاصله أنهم يختلفون في صحة بعض الأحاديث، وذلك قليل بالنسبة إلى ما اتفقوا عليه، ويتوقف بعضهم عن الأخذ ببعضها بدعوى أنه منسوخ أو مؤول أو مرجوح، وليس في ذلك مخالفة للأصل الذي اتفقوا عليه.

стр. 1331

فإن قيل: منهم من يتعمد رد الصحيح بدعوى ضعفه أو نسخه أو تأويله أو رجحان غيره عليه وهو يعلم أنه لا شيء من ذلك. قلنا: لنا الظاهر والله يتولى السرائر - على أنهم قد تراموا بهذا زمنًا طويلًا وجرت فتن وحروب ثم ملوا فمالوا إلى التجامل وحسن الظن غالبًا. وعلى كل حال فلا متشبث لك فيما ذكر، والفرق واضح بين من يستحل معلنًا قتل المؤمنين بغير حق، ومن يقول: قتل المؤمن حرام، ثم يتفق له أن يقتل مؤمنًا قائلًا: حسبته كافرًا حربيًّا، وإن فرض دلالة القرائن على كذبه. قال: "وقد أورد ابن القيم في "إعلام الموقعين" شواهد كثيرة جدًّا من رد الفقهاء للأحاديث الصحيحة عملًا بالقياس ولغير ذلك". أقول: القياس في الجملة دليل شرعي، وعلى كل حال فلا متنفس لك في ذلك كما مَرَّ. قال: "ومن أغربها أخذهم ببعض الحديث الواحد دون باقيه، وقد أورد لهذا أكثر من ستين شاهدًا". أقول: نصف عليك، ونصف ليس لك. ثم ذكر أبو رية (ص ٢٧ - ٢٨) كلامًا قد تقدم جوابه مستوفى ولله الحمد. اهـ. هذا آخر ما حرره الشيخ المعلمي في هذه القضية، والحمد لله الذي بنعمته تتم الصالحات. * * *

стр. 1332

الفصل الخامس عناية الأئمة بحفظ السنة واحتياطهم البالغ في نقد الرواة والأخبار قال العلامة المعلمي في "الأنوار" (ص ٩٠): "كان أهل العلم يشددون في اختيار الرواة أبلغ التشديد، جاء عن بعضهم -أظنه الحسن بن صالح بن حي- أنه قال: كنا إذا أردنا أن نسمع الحديث من رجل سألنا عن حالة حتى يقال: أتريدون أن تزوجوه؟ وجاء جماعة إلى شيخٍ ليسمعوا منه فرأوه خارجًا وقد انفلتت بغلته وهو يحاول إمساكها وبيده مخلاة يريها إياها، فلاحظوا أن المخلاة فارغة، فرجعوا ولم يسمعوا منه، قالوا: هذا يكذب على البغلة فلا نأمن أن يكذب في الحديث. وذكروا أن شعبة كان يتمنى لقاء رجل مشهور ليسمع منه، فلما جاءه وجده يشتري شيئًا ويسترجح في الميزان، فامتنع شعبة من السماع منه. وتجد عدة نظائر لهذا ونحوه في "كفاية" الخطيب (ص ١١٠ - ١١٤). وكان عامة علماء القرون الأولى -وهي قرون الحديث- مقاطعين للخلفاء والأمراء، حتى كان أكثرهم لا يقبل عطاء الخلفاء والأمراء ولا يرضى بتولي القضاء، ومنهم من كان الخلفاء يطلبونهم ليكونوا بحضرتهم ينشرون العلم، فلا يستجيبون، بل يفرون ويستترون. وكان أئمة النقد لا يكادون يوثقون محدثا يداخل الأمراء أو يتولى لهم شيئًا. وقد جرحوا بذلك كثيرًا من الرواة ولم يوثقوا ممن داخل الأمراء إلا أفرادا علم الأئمة

стр. 1333

علمًا يقينًا سلامة دينهم وأنه لا مغمز فيهم البتة (١). وكان محمد بن بشر الزنبري (٢) محدثا يسمع منه الناس، فاتفق أن خرج أمير البلد لسفر، فخرج الزنبري يُشَيِّعُه، فنقم أهل الحديث عليه ذلك وأهانوه ومزقوا ما كانوا كتبوا عنه. وكثيرا ما كانوا يُكذبون الرجل ويتركون حديثه لخبر واحد يتهمونه فيه، وتجد من هذا كثيرًا في "ميزان" الذهبي وغيره. وكذلك إذا سمعوه حدث بحديث ثم حدث به بعد مدة على وجه ينافي الوجه الأول. وفي "الكفاية" (ص ١١٣) عن شعبة قال: "سمعت من طلحة بن مصرف حديثًا واحدًا وكنت كما مررت به سألته عنه ... أردت أن انظر إلى حفظه، فإن غَّير فيه شيئًا تركته". وكان أحدهم يقضي الشهر والشهرين يتنقل في البلدان يتتبع رواية حديث واحد، كما وقع لشعبة في حديث عبد الله بن عطاء عن عقبة بن عامر (٣)، وكما وقع لغيره في الحديث الطويل في فضائل السور. ومن تتبع كتب التراجم وكتب العلل بأن له من جدهم واجتهادهم ما يحير العقول. وكان كثير من الناس يحضرون أولادهم مجالس السماع في صغرهم ليتعودوا ذلك، ثم يكبر أحدهم فيأخذ في السماع في بلده، ثم يسافر إلى الأقطار ويتحمل السفر الطويل والمشاق الشديدة، وقد لا يكون معه إلا جراب من خبز يابس يجعله على ظهره، يصبح فيأخذ كسرة ويبلها بالماء ويأكلها ثم يغدو للسماع، ولهم في هذا قصص كثيرة.

стр. 1334

فلا يزال أحدهم يطلب ويكتب إلى أن تبلغ سنه الثلاثين أو نحوها فتكون أمنيته من الحياة أن يقبله علماء الحديث ويأذنوا للناس أن يسمعوا منه، وقد عَرف أنهم إن اتهموه في حديث واحد أسقطوا حديثه وضاع مجهوده طول عمره وربح سوء السمعة واحتقار الناس. وتجد جماعة من ذرية أكابر الصحابة قد جرحهم الأئمة، وتجدهم سكتوا عن الخلفاء العباسيين وأعمامهم لم يرووا عنهم شيئًا مع أنهم قد كانوا يروون أحاديث. ومن تتبع أخبارهم وأحوالهم لم يعجب من غلبة الصدق على الرواة في تلك القرون، بل يعجب من وجود كذابين منهم. ومن تتبع تشدد الأئمة في النقد لم يعجب من كثرة من جرحوه وأسقطوا حديثه، بل يعجب من سلامة كثير من الرواة وتوثيقهم لهم مع ذلك التشديد. وبالجملة فهذا الباب يحتمل كتابًا مستقلًا، وأرجو أن يكون فيما ذكرته ما يدفع ما يرمي إليه المستشرقون وأتباعهم -بإفاضتهم في ذكر الوضع- من تشكيك المسلمين في دينهم وإيهامهم أن الله تعالى أحل بما تكفل به من حفظ دينه، وأن سلف الأمة لم يقوموا بما عليهم أو عجزوا عنه فاختلط الحق بالباطل، ولم يبق سبيل إلى تمييزه، كلا بل حجة الله تعالى لم تزل ولن تزال قائمة، وسبيل الحق مفتوحا لمن يريد أن يسلكه ولله الحمد. وفي "تهذيب التهذيب" (١/ ١٥٢): "قال إسحاق بن إبراهيم: أخذ الرشيد زنديقا فأراد قتله، فقال: أين أَنْتَ من ألف حديث وضعتها؟ فقال له: أين أَنْتَ يا عدو الله من أبي إسحاق الفزاري وابن المبارك ينخلانها حرفًا حرفًا". وفي "فتح المغيث" (ص ١٠٩): "قيل لابن المبارك: هذه الأحاديث المصنوعة؟ قال: تعيش لها الجهابذة، ﴿إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ﴾ ". اهـ.

стр. 1335

• قال المعلمي: في "التنكيل" (١/ ٤٨): "لا ريب أن فيمن يتسم بالصلاح من المبتدعة وكذا من أهل السنة من يقع في الكذب إما تقحما في الباطل، وإما على زعم أنه لا حرج في الكذب في سبيل تثبيت الحق، ولا يختص ذلك بالعقائد، بل وقع فيما يتعلق بفروع الفقه وغيرها كما يعلم من مراجعة كتب الموضوعات. وأعداء الإسلام وأعداء السنة يتشبثون بذلك في الطعن في السنة كأنهم لا يعلمون أنه لم يزل في أخبار الناس في شئون دنياهم الصدق والكذب، ولم تكن كثرة الكذب بمانعة من معرفة الصدق إما بيقين وإما بظن غالب يجزم به العقلاء ويبنون عليه أمورًا عظامًا. ولم يزل الناس يغشون الأشياء النفيسة، ويصنعون ما يشبهها كالذهب والفضة والدر والياقوت والمسك والعنبر والسمن والعسل والحرير والخز وغيرها. ولم يَحُلْ ذلك دون معرفة الصحيح، والخالق الذي هيأ لعبادة ما يحفظون به مصالح دنياهم هو الذي شرع لهم دين الإسلام وتكفل بحفظه إلى الأبد، وعنايته بحفظ الدين أشد وآكد؛ لأنه هو المقصود بالذات من هذه النشأة الدنيا. قال الله : ﴿وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنْسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ (٥٦)﴾ [الذاريات: ٥٦]. ومن مارس أحوال الرواية وأخبار رواة السنة وأئمتها علم أن عناية الأئمة بحفظها وحراستها ونفي الباطل عنها، والكشف عن دخائل الكذابين والمتهمين كانت أضعاف عناية الناس بأخبار دنياهم ومصالحها. قيل لابن المبارك: "هذه الأحاديث المصنوعة؟ قال: تعيش لها الجهابذة". وتلا قول الله : ﴿إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ (٩)﴾ [الحجر: ٩]. والذِّكْرُ يتناول السنة بمعناه إن لم يتناولها بلفظه، بل يتناول العربية وكل ما يتوقف عليه معرفة الحق، فإن المقصود من حفظ القرآن أن تبقى الحجة قائمة والهداية دائمة إلى
следующие страницы →