← Джавами‘

Джавами‘ · id 13295

النكت الجياد المنتخبة من كلام شيخ النقاد

إبراهيم بن سعيد الصبيحي

Полный текст (2 321 стр.). Показаны 1331–1370 · переход к 1336.

стр. 1331

فإن قيل: منهم من يتعمد رد الصحيح بدعوى ضعفه أو نسخه أو تأويله أو رجحان غيره عليه وهو يعلم أنه لا شيء من ذلك. قلنا: لنا الظاهر والله يتولى السرائر - على أنهم قد تراموا بهذا زمنًا طويلًا وجرت فتن وحروب ثم ملوا فمالوا إلى التجامل وحسن الظن غالبًا. وعلى كل حال فلا متشبث لك فيما ذكر، والفرق واضح بين من يستحل معلنًا قتل المؤمنين بغير حق، ومن يقول: قتل المؤمن حرام، ثم يتفق له أن يقتل مؤمنًا قائلًا: حسبته كافرًا حربيًّا، وإن فرض دلالة القرائن على كذبه. قال: "وقد أورد ابن القيم في "إعلام الموقعين" شواهد كثيرة جدًّا من رد الفقهاء للأحاديث الصحيحة عملًا بالقياس ولغير ذلك". أقول: القياس في الجملة دليل شرعي، وعلى كل حال فلا متنفس لك في ذلك كما مَرَّ. قال: "ومن أغربها أخذهم ببعض الحديث الواحد دون باقيه، وقد أورد لهذا أكثر من ستين شاهدًا". أقول: نصف عليك، ونصف ليس لك. ثم ذكر أبو رية (ص ٢٧ - ٢٨) كلامًا قد تقدم جوابه مستوفى ولله الحمد. اهـ. هذا آخر ما حرره الشيخ المعلمي في هذه القضية، والحمد لله الذي بنعمته تتم الصالحات. * * *

стр. 1332

الفصل الخامس عناية الأئمة بحفظ السنة واحتياطهم البالغ في نقد الرواة والأخبار قال العلامة المعلمي في "الأنوار" (ص ٩٠): "كان أهل العلم يشددون في اختيار الرواة أبلغ التشديد، جاء عن بعضهم -أظنه الحسن بن صالح بن حي- أنه قال: كنا إذا أردنا أن نسمع الحديث من رجل سألنا عن حالة حتى يقال: أتريدون أن تزوجوه؟ وجاء جماعة إلى شيخٍ ليسمعوا منه فرأوه خارجًا وقد انفلتت بغلته وهو يحاول إمساكها وبيده مخلاة يريها إياها، فلاحظوا أن المخلاة فارغة، فرجعوا ولم يسمعوا منه، قالوا: هذا يكذب على البغلة فلا نأمن أن يكذب في الحديث. وذكروا أن شعبة كان يتمنى لقاء رجل مشهور ليسمع منه، فلما جاءه وجده يشتري شيئًا ويسترجح في الميزان، فامتنع شعبة من السماع منه. وتجد عدة نظائر لهذا ونحوه في "كفاية" الخطيب (ص ١١٠ - ١١٤). وكان عامة علماء القرون الأولى -وهي قرون الحديث- مقاطعين للخلفاء والأمراء، حتى كان أكثرهم لا يقبل عطاء الخلفاء والأمراء ولا يرضى بتولي القضاء، ومنهم من كان الخلفاء يطلبونهم ليكونوا بحضرتهم ينشرون العلم، فلا يستجيبون، بل يفرون ويستترون. وكان أئمة النقد لا يكادون يوثقون محدثا يداخل الأمراء أو يتولى لهم شيئًا. وقد جرحوا بذلك كثيرًا من الرواة ولم يوثقوا ممن داخل الأمراء إلا أفرادا علم الأئمة

стр. 1333

علمًا يقينًا سلامة دينهم وأنه لا مغمز فيهم البتة (١). وكان محمد بن بشر الزنبري (٢) محدثا يسمع منه الناس، فاتفق أن خرج أمير البلد لسفر، فخرج الزنبري يُشَيِّعُه، فنقم أهل الحديث عليه ذلك وأهانوه ومزقوا ما كانوا كتبوا عنه. وكثيرا ما كانوا يُكذبون الرجل ويتركون حديثه لخبر واحد يتهمونه فيه، وتجد من هذا كثيرًا في "ميزان" الذهبي وغيره. وكذلك إذا سمعوه حدث بحديث ثم حدث به بعد مدة على وجه ينافي الوجه الأول. وفي "الكفاية" (ص ١١٣) عن شعبة قال: "سمعت من طلحة بن مصرف حديثًا واحدًا وكنت كما مررت به سألته عنه ... أردت أن انظر إلى حفظه، فإن غَّير فيه شيئًا تركته". وكان أحدهم يقضي الشهر والشهرين يتنقل في البلدان يتتبع رواية حديث واحد، كما وقع لشعبة في حديث عبد الله بن عطاء عن عقبة بن عامر (٣)، وكما وقع لغيره في الحديث الطويل في فضائل السور. ومن تتبع كتب التراجم وكتب العلل بأن له من جدهم واجتهادهم ما يحير العقول. وكان كثير من الناس يحضرون أولادهم مجالس السماع في صغرهم ليتعودوا ذلك، ثم يكبر أحدهم فيأخذ في السماع في بلده، ثم يسافر إلى الأقطار ويتحمل السفر الطويل والمشاق الشديدة، وقد لا يكون معه إلا جراب من خبز يابس يجعله على ظهره، يصبح فيأخذ كسرة ويبلها بالماء ويأكلها ثم يغدو للسماع، ولهم في هذا قصص كثيرة.

стр. 1334

فلا يزال أحدهم يطلب ويكتب إلى أن تبلغ سنه الثلاثين أو نحوها فتكون أمنيته من الحياة أن يقبله علماء الحديث ويأذنوا للناس أن يسمعوا منه، وقد عَرف أنهم إن اتهموه في حديث واحد أسقطوا حديثه وضاع مجهوده طول عمره وربح سوء السمعة واحتقار الناس. وتجد جماعة من ذرية أكابر الصحابة قد جرحهم الأئمة، وتجدهم سكتوا عن الخلفاء العباسيين وأعمامهم لم يرووا عنهم شيئًا مع أنهم قد كانوا يروون أحاديث. ومن تتبع أخبارهم وأحوالهم لم يعجب من غلبة الصدق على الرواة في تلك القرون، بل يعجب من وجود كذابين منهم. ومن تتبع تشدد الأئمة في النقد لم يعجب من كثرة من جرحوه وأسقطوا حديثه، بل يعجب من سلامة كثير من الرواة وتوثيقهم لهم مع ذلك التشديد. وبالجملة فهذا الباب يحتمل كتابًا مستقلًا، وأرجو أن يكون فيما ذكرته ما يدفع ما يرمي إليه المستشرقون وأتباعهم -بإفاضتهم في ذكر الوضع- من تشكيك المسلمين في دينهم وإيهامهم أن الله تعالى أحل بما تكفل به من حفظ دينه، وأن سلف الأمة لم يقوموا بما عليهم أو عجزوا عنه فاختلط الحق بالباطل، ولم يبق سبيل إلى تمييزه، كلا بل حجة الله تعالى لم تزل ولن تزال قائمة، وسبيل الحق مفتوحا لمن يريد أن يسلكه ولله الحمد. وفي "تهذيب التهذيب" (١/ ١٥٢): "قال إسحاق بن إبراهيم: أخذ الرشيد زنديقا فأراد قتله، فقال: أين أَنْتَ من ألف حديث وضعتها؟ فقال له: أين أَنْتَ يا عدو الله من أبي إسحاق الفزاري وابن المبارك ينخلانها حرفًا حرفًا". وفي "فتح المغيث" (ص ١٠٩): "قيل لابن المبارك: هذه الأحاديث المصنوعة؟ قال: تعيش لها الجهابذة، ﴿إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ﴾ ". اهـ.

стр. 1335

• قال المعلمي: في "التنكيل" (١/ ٤٨): "لا ريب أن فيمن يتسم بالصلاح من المبتدعة وكذا من أهل السنة من يقع في الكذب إما تقحما في الباطل، وإما على زعم أنه لا حرج في الكذب في سبيل تثبيت الحق، ولا يختص ذلك بالعقائد، بل وقع فيما يتعلق بفروع الفقه وغيرها كما يعلم من مراجعة كتب الموضوعات. وأعداء الإسلام وأعداء السنة يتشبثون بذلك في الطعن في السنة كأنهم لا يعلمون أنه لم يزل في أخبار الناس في شئون دنياهم الصدق والكذب، ولم تكن كثرة الكذب بمانعة من معرفة الصدق إما بيقين وإما بظن غالب يجزم به العقلاء ويبنون عليه أمورًا عظامًا. ولم يزل الناس يغشون الأشياء النفيسة، ويصنعون ما يشبهها كالذهب والفضة والدر والياقوت والمسك والعنبر والسمن والعسل والحرير والخز وغيرها. ولم يَحُلْ ذلك دون معرفة الصحيح، والخالق الذي هيأ لعبادة ما يحفظون به مصالح دنياهم هو الذي شرع لهم دين الإسلام وتكفل بحفظه إلى الأبد، وعنايته بحفظ الدين أشد وآكد؛ لأنه هو المقصود بالذات من هذه النشأة الدنيا. قال الله : ﴿وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنْسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ (٥٦)﴾ [الذاريات: ٥٦]. ومن مارس أحوال الرواية وأخبار رواة السنة وأئمتها علم أن عناية الأئمة بحفظها وحراستها ونفي الباطل عنها، والكشف عن دخائل الكذابين والمتهمين كانت أضعاف عناية الناس بأخبار دنياهم ومصالحها. قيل لابن المبارك: "هذه الأحاديث المصنوعة؟ قال: تعيش لها الجهابذة". وتلا قول الله : ﴿إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ (٩)﴾ [الحجر: ٩]. والذِّكْرُ يتناول السنة بمعناه إن لم يتناولها بلفظه، بل يتناول العربية وكل ما يتوقف عليه معرفة الحق، فإن المقصود من حفظ القرآن أن تبقى الحجة قائمة والهداية دائمة إلى

стр. 1336

يوم القيامة؛ لأن محمدًا ﷺ خاتم الأنبياء وشريعته خاتمة الشرائع، والله إنما خلق الخلق لعبادته، فلا يقطع عنهم طريق معرفتها، وانقطاع ذلك في هذه الحياة الدنيا انقطاع لعلة بقائهم فيها. قال العراقي في "شرح ألفيته" (ج ١ ص ٢٦٧): "روينا عن سفيان قال: ما ستر الله أحدًا يكذب في الحديث. وروينا عن عبد الرحمن بن مهدي أنه قال: لو أن رجلًا هَمَّ أن يكذب في الحديث لأسقطه الله. وروينا عن ابن المبارك قال: لو هَمَّ رجل في السَّحَر أن يكذب في الحديث لأصبح والناس يقولون فلان كذاب". اهـ. • وقال المعلمي في "الأنوار" (ص ٨٠ - ٨١): "أما التابعون فقد يتحفظون الحديث كما يتحفظون القرآن، كما جاء عن قتادة أنه: "كان إذا سمع الحديث أخذه العويل والزويل حتى يحفظه" هذا مع قوة حفظه؛ ذكروا أن صحيفة جابر على كِبَرها قرئت عليه مرة واحدة -وكان أعمى- فحفظها بحروفها، حتى قرأ مرة سورة البقرة فلم يخطىء حرفًا ثم قال: لأنا لصحيفة جابر أحفظ مني لسورة البقرة". وكان غالبهم يكتبون ثم يتحفظون ما كتبوه، ثم منهم من يبقي كتبه ومنهم من إذا أتقن المكتوب حفظًا محا الكتاب. وهؤلاء ونفر لم يكونوا يكتبون، غالبهم ممن رُزقوا جودة الحفظ وقوة الذاكرة كالشعبي والزهري وقتادة. وقد عُرف منهم جماعة بالتزام رواية الحديث بتمام لفظه كالقاسم بن محمد بن أبي بكر ومحمد بن سيرين ورجاء بن حيوة. أما أتباع التابعين فلم يكن فيهم راوٍ مكثر إلا كان عنده كتب بمسموعاته يراجعها ويتعاهدها ويتحفظ حديثه منها. ثم منهم من لم يكن يحفظ، وإنما يحدث من كتابه.

стр. 1337

ومنهم من جرب عليه الأئمة أنه يحدث من حفظه فيخطىء، فاشترطوا لصحة روايته أن يكون السماع منه من كتابه. ومنهم من عرف الأئمة أنه حافظ، غير أنه قد يقدم كلمة أو يؤخرها، ونحو ذلك مما عرفوا أنه لا يغير المعنى، فيوثقونه ويبينون أن السماع منه من كتابه أثبت. فأما مَنْ بعدهم فكان المتثبتون لا يكادون يسمعون من الرجل إلا من أصل كتابه. كان عبد الرزاق الصنعاني ثقةً حافظا، ومع ذلك لم يسمع منه أحمد بن حنبل ويحيى بن معين إلا من أصل كتابه. هذا، وكان الأئمة يعتبرون حديثَ كلِّ راو فينظرون كيف حدث به في الأوقات المتفاوتة، فإذا وجدوه يحدث مرة كذا ومرة كذا بخلافٍ لا يُحتمل ضعَّفوه. وربما سمعوا الحديث من الرجل ثم يدعونه مدة طويلة ثم يسألونه عنه، ثم يُعتبر حرف مروياته برواية من روى عن شيوخه وعن شيوخ شيوخه، فإذا رأوا في روايته ما يخالف رواية الثقات حكموا عليه بحسبها. وليسوا يوثقون الرجل لظهور صلاحه في دينه فقط، بل معظم اعتمادهم على حالة في حديثه كما مرَّ، وتجدهم يجرحون الرجل بأنه يخطىء ويغلط، وباضطرابه في حديثه، وبمخالفته الثقات، وبتفرده، وهلم جرا. ونظرهم عند تصحيح الحديث أدق من هذا، نعم، إن هناك من المحدثين من يسهِّل ويخفِّف، لكن العارف لا يخفى عليه هؤلاء من هؤلاء. فإذا رأيت المحققين قد وثقوا رجلًا مطلقًا فمعنى ذلك أنه يروي الحديث بلفظه الذي سمعه، أو على الأقل بنحو لفظه، مع تمام معناه. فإن بأن لهم خلاف ذلك نبهوا عليه كما تقدم (ص ١٨). اهـ. * * *

стр. 1338

الفصل السادس في الانتصار لأصحاب الحديث، وبيان مراعاتهم للعقل في نقد الأسانيد والمتون، وذم ما عليه المتكلمون والمتفلسفون لخوضهم في غوامض المعقول • نقل العلامة المعلمي في "الأنوار" (ص ٥) قول أبي رية: "وعلى أنه -يعني: الحديث النبوي- بهذه المكانة الجليلة والمنزلة الرفيعة، فإن العلماء والأدباء لم يولوه ما يستحق من العناية والحرس، وتركوا أمره لمن يسمون "رجال الحديث" يتداولونه فيما بينهم ويدرسونه على طريقتهم. وطريقة هذه الفئة التي اتخذتها لنفسها قامت على قواعد جامدة لا تتغير ولا تتبدل. فترى المتقدمين منهم وهم الذين وضعوا هذه القواعد قد حصروا عنايتهم في معرفة رواة الحديث والبحث على قدر الوسع في تاريخهم، ولا عليهم بعد ذلك إن كان ما يصدر عن هؤلاء الرواة صحيحًا في نفسه أو غير صحيح، معقولا أو غير معقول، إذ وقفوا بعلمهم عند ما يتصل بالسند فحسب، أما المعنى فلا يعنيهم من أمره شيء ... ". فقال المعلمي: أقول: مراده بقوله "العلماء": المشتغلون بعلم الكلام والفلسفة، ولم يكن منهم أحد في الصحابة والمهتدين بهديهم من علماء التابعين وأتباعهم والذين يلونهم، هؤلاء كلهم ممن سماهم "رجال الحديث" ومنهم عامة المشهورين عند الأمة بالعلم والإمامة من السلف.

стр. 1339

أولئك كلهم ليسوا عند أبي رية "علماء"؛ لأنهم لم يكونوا يخوضون في غوامض المعقول، بل يفرون منها وينهون عنها ويعدونها زيفًا وضلالا وخروجا عن الصراط المستقيم، وقنعوا بعقل العامة. وأقول: مهما تكن حالهم فقد كانوا عقلاء العقل الذي ارتضاه الله لأصحاب رسوله ورضيهم سبحانه لمعرفته ولفهم كتابه، ورضي ذلك منهم، وشهد لهم بأنهم ﴿الْمُؤْمِنُونَ حَقًّا﴾، ﴿الرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ﴾، ﴿كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ﴾ وقال لهم في أواخر حياة رسوله: ﴿الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي﴾. فمن زعم أن عقولهم لم تكن مع تسديد الشرع لها كافية وافية بمعرفة الله تعالى وفهم كتابه ومعرفة ما لا يتم الإيمان ولا يكمل الدين إلا بمعرفته فإنما طعن في الدين نفسه. وكان التابعون المهتدون بهدي الصحابة أقرب الخلق إليهم عقلا وعلما وهديا، وهكذا من اهتدى بهديهم من الطبقات التي بعدهم، وهؤلاء هم الذين سماهم أبو رية "رجال الحديث". قد يقال: أما نفي العلم والعقل عنهم فلا التفات إليه، ولكن هل راعوا العقل في قبول الحديث وتصحيحه؟ أقول: نعم، راعوا ذلك في أربعة مواطن: عند السماع، وعند التحديث، وعند الحكم على الرواة، وعند الحكم على الأحاديث. فالمتثبتون إذا سمعوا خبرا تمتنع صحته أو تبعد لم يكتبوه ولم يحفظوه، فإن حفظوه لم يحدثوا به، فإن ظهرت مصلحة لذكره ذكروه مع القدح فيه وفي الراوي الذي عليه تبعته. قال الإمام الشافعي في "الرسالة" (ص ٣٩٩): "وذلك أن يستدل على الصدق والكذب فيه بأن يحدث المحدث ما لا يجوز أن يكون مثله أو ما يخالفه ما هو أثبت وأكثر دلالات بالصدق منه". أهـ

стр. 1340

وقال الخطيب في "الكفاية في علم الرواية" (ص ٤٢٩): "باب وجوب إخراج المنكر والمستحيل من الأحاديث". وفي الرواة جماعة يتسامحون عند السماع وعند التحديث، لكن الأئمة بالمرصاد للرواة، فلا تكاد تجد حديثا بيِّن البطلان إلا وجدت في سنده واحدا أو اثنين أو جماعة قد جرحهم الأئمة، والأئمة كثيرا ما يجرحون الراوي بخبرٍ واحدٍ منكرٍ جاء به، فضلا عن خبرين أو أكثر. ويقولون للخبر الذي تمتنع صحته أو تبعد "منكر" أو"باطل"، وتجد ذلك كثيرًا في تراجم الضعفاء وكتب العلل والموضوعات. والمتثبتون لا يوثقون الراوي حتى يستعرضوا حديثه وينقدوه حديثا حديثا. فأما تصحيح الأحاديث فَهُم به أَعْنَى وأشدُّ احتياطا. نعم ليس كل من حُكِي عنه توثيق أو تصحيح متثبتا، ولكن العارف الممارس يميز هؤلاء من أولئك. هذا وقد عَرف الأئمة الذين صححوا الأحاديث أن منها أحاديث تثقل على بعض المتكلمين ونحوهم، ولكنهم وجدوها موافقة للعقل المعتد به في الدين، مستكملة شرائط الصحة الأخرى. وفوق ذلك وجدوا في القرآن آيات كثيرة توافقها أو تلاقيها أو هي من قبيلها قد ثقلت هي أيضًا على المتكلمين، وقد علموا أن النبي ﷺ كان يدين بالقرآن يقتدي به، فمن المعقول جدًّا أن يجيء في كلامه نحو ما في القرآن من تلك الآيات. من الحقائق التي يجب أن لا يُغفل عنها أن الفريق الأول وهم الصحابة ومن اهتدى بهديهم من التابعين وأتباعهم ومن بعدهم عاشوا مع الله ورسوله، فالصحابة مع النبي ﷺ وهديه ومع القرآن، والتابعون مع القرآن والصحابة والسنة وهلم جرا. وإن الفريق الثاني وهم المتكلمون والمتفلسفون ونحوهم عاشوا مع النظريات والشبهات والأغلوطات والمخاصمات.

стр. 1341

والمؤمن يعلم أن الهُدى بيد الله، وأنه سبحانه إذا شرع إلى الهدى سبيلا فالعدول إلى غيره لن يكون إلا تباعدًا عنه وتعرضا للحرمان منه، وبهذا جاء القرآن، وعليه تدل أحوال السلف، واعتراف بعض أكابرهم في أواخر أعمارهم. والدقائق الطبيعية شيء والحقائق الدينية شيء آخر، فمن ظن الطريق إلى تلك طريقا إلى هذه فقد ضل ضلالا بعيدا. واعلم أن أكثر المتكلمين لا يردُّون الأحاديث التي صححها أئمة الحديث، ولكنهم يتأولونها كما يتأولون الآيات التي يخالفون معانيها الظاهرة. لكن بعضهم رأى أن تأويل تلك الآيات والأحاديث تعسُّفٌ ينكره العارف باللسان وبقانون الكلام وبطبيعة العصر النبوي، والذي يخشونه من تكذيب القرآن لا يخشونه من تكذيب الأحاديث، فأقدموا عليه وفي نفوسهم ما فيها. ولهم عدَّة مؤلفات في تأويل الأحاديث أو رَدِّها -قد طُبع بعضُها- فلم يهملوا الحديث كما زعم أبو رية. قول أبي رية: "والأدباء" يعني بهم: علماء البلاغة، يريد أنهم لم يتصدوا لنقد الأحاديث بمقتضى البلاغة، قال في (ص ٦): "ولما وصلتُ من دراستي إلى كتب الحديث ألفيتُ فيها من الأحاديث ما يبعد أن يكون في ألفاظه أو معانيه أو أسلوبه من محكم قوله وبارع منطقه صلوات الله عليه .. . ومما كان يثير عجبي أني إذا قرأت كلمةً لأحدِ أجلاف العرب أهتزُّ لبلاغتها، وتعروني أريحية من جزالتها، وإذا قرأت بعض ما يُنسب إلى النبي ﷺ من قولٍ لا أجد له هذه الأريحية ولا ذاك الاهتزاز، وكنت أعجب كيف يصدر عنه صلوات الله عليه مثل هذا الكلام المغسول من البلاغة والعاري عن الفصاحة، وهو أبلغ من نطق بالضاد، أَوَ يأتي منه مثل تلك المعاني السقيمة وهو أحكم من دعا إلى رشاد؟ "!.

стр. 1342

أقول: أما الأحاديث الصحيحة فليست هي بهذه المثابة، والاهتزاز والأريحية مما يختلف باختلاف الفهم والذوق والهوى، ولئن كان صادقًا في أن هذه حاله مع الأحاديث الصحيحة فلن يكون حاله مع كثير من آيات القرآن وسوره إلا قريبا من ذلك. هذا، والبلاغةُ مطابقةُ الكلام لمقتضى الحال، والنبي ﷺ كان همُّه إفهامَ الناس وتعليمَهم على اختلاف طبقاتهم، وقد أمره الله تعالى أن يقول ﴿وَمَا أَنَا مِنَ الْمُتَكَلِّفِينَ﴾. والكلمات المنقولة عن العرب ليست بشيء يُذكر بالنسبة إلى كلامهم كلِّه، وإنما نُقِلَتْ لطرافتها، ومقتضى ذلك أنه لم يُستطرف من كلامهم غيرها. وكذلك المنقول من شِعرهم قليل، وإنما نُقل ما اسْتُجِيدَ، والشِّعْر مظنَّة التصنُّع البالغ، ومع ذلك قد تَقرأ القصيدة فلا تهتز إلا للبيت والبيتين. ثم إن كثيرًا مما نُقل عن النبي ﷺ رُوي بالمعنى كما يأتي. فأما سقم المعنى، فقد ذكر علماء الحديث أنه من علامات الموضوع، كما نقله أبو رية نفسه (ص ١٠٤)، وذكر ابن أبي حاتم في تقدمة "الجرح والتعديل" (ص ٣٥١) في علامات الصحيح: "أن يكون كلاما يصلح أن يكون من كلام النبوة". فإن كان أبو رية يستسقم معاني الأحاديث الصحيحة فمن نفسه أُتِيَ: ومَنْ يَكُ ذا فَمٍّ مُرٍّ مريضِ ... يَجِدْ مُرًّا بِهِ العَذْبَ الزُّلالا قوله: " ... أما المعنى فلا يعنيهم من أمره شيء" كذا قال، وقد أسلفتُ أن رعايتهم للمعنى سابقةٌ، يراعونه عند السماع، وعند التحديث، وعند الحكم على الراوي، ثم يراعونه عند التصحيح. ومنهم من يتسامح في بعض ذلك، وهم معروفون كما تقدم. وقد قال أبو رية (ص ١٠٤): "ذكر المحققون أمورًا كلية يُعرف بها أن الحديث موضوع ... " فذكر جميع ما يتعلق بالمعنى - نقلا عنهم. فإن قال: ولكن مصححي الأحاديث لم يراعوا ذلك.

стр. 1343

قلت: أما المتثبتون كالبخاري ومسلم فقد راعوا ذلك. بلى في كل منهما أحاديث يسيرة انتقدها بعض الحفاظ أو ينتقدها بعض الناس، ومرجع ذلك إما إلى اختلاف النظر، وإما إلى اصطلاح لهما يغفل عنه المنتقد، وإما إلى الخطأ الذي لا ينجو منه بشر. وقد انتُقدت عليهما أحاديثُ من جهة السند، فهل يقال لأجل ذلك إنهما لم يراعيا هذا أيضًا؟. اهـ. • ثم ختم العلامة المعلمي كَشْفَهُ لما في مقدمة أبي رية من التضليل والمجازفة بقوله (ص ١٨): "وبعدُ، فإن أضرَّ الناس على الإسلام والمسلمين هم المحامون الاستسلاميون، يطعن الأعداء في عقيدة من عقائد الإسلام أو حُكم من أحكامه ونحو ذلك فلا يكون عند أولئك المحامين من الإيمان واليقين والعلم الراسخ بالدين والاستحقاق لعون الله وتأييده ما يثبتهم على الحق ويهديهم إلى دفع الشبهة، فيلجئون إلى الاستسلام بنظام، ونظام المتقدمين: التحريف، ونظام المتوسطين: زعْم أن النصوص النقلية لا تفيد اليقين، والمطلوب في أصول الدين اليقين، فعزلوا كتاب الله وسنة رسوله عن أصول الدين. ونظام بعض العصريين التشذيب، وأبو رية يحاول استعمال الأنظمة الثلاثة، ويوغل في الثالث. على أن أولئك الذين سميتُهم محامين كثيرا ما يكونون هم الخصوم، والباطل جشع، وقد قال الله ﵎: ﴿وَلَوِ اتَّبَعَ الْحَقُّ أَهْوَاءَهُمْ لَفَسَدَتِ السَّمَاوَاتُ وَالْأَرْضُ وَمَنْ فِيهِنَّ﴾ [المؤمنون: ٧١]. وقال : ﴿وَلَنْ تَرْضَى عَنْكَ الْيَهُودُ وَلَا النَّصَارَى حَتَّى تَتَّبِعَ مِلَّتَهُمْ قُلْ إِنَّ هُدَى اللَّهِ هُوَ الْهُدَى﴾ [البقرة: ١٢٠]. وقال سبحانه: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ تُطِيعُوا فَرِيقًا مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ يَرُدُّوكُمْ بَعْدَ إِيمَانِكُمْ كَافِرِينَ (١٠٠) وَكَيْفَ تَكْفُرُونَ وَأَنْتُمْ تُتْلَى عَلَيْكُمْ آيَاتُ اللَّهِ وَفِيكُمْ رَسُولُهُ﴾ [آل عمران: ١٠٠، ١٠١]، والرسول فينا بِسُنَّتِهِ.

стр. 1344

وقال تعالى: ﴿وَلَا يَزَالُونَ يُقَاتِلُونَكُمْ حَتَّى يَرُدُّوكُمْ عَنْ دِينِكُمْ إِنِ اسْتَطَاعُوا وَمَنْ يَرْتَدِدْ مِنْكُمْ عَنْ دِينِهِ فَيَمُتْ وَهُوَ كَافِرٌ فَأُولَئِكَ حَبِطَتْ أَعْمَالُهُمْ فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ وَأُولَئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ﴾ [البقرة: ٢١٧]. قال أبو رية (ص ١٥): "وإني لأتوجه بعملي هذا -بعد الله سبحانه وله العزة- إلى المثقفين من المسلمين خاصة، وإلى المهتمين بالدراسات الدينية عامة -يعني المستشرقين من اليهود والنصارى والملحدين؛ ذلك بأن هؤلاء وهؤلاء الذين يعرفون قدره- واللهَ أدعو أن يجدوا فيه جميعًا ما يرضيهم ويرضي العلم والحق معهم". أقول: أما المستشرقون فالذي يرضيهم معروف، وأما المثقفون فيريد أبو رية الثقافة الغربية، ويُطمِع أبا رية فيهم أن يرى أكثرهم عزلا عن الواقيين الإِسلاميين: العلم الديني، والمناعة. وأما علماء المسلمين، وعامتهم وهم مظنة الخير فهم عند أبي رية سفهاء، واقرأ عشرين آية من أول سورة البقرة. اهـ. * * *

стр. 1345

الفصل السابع في بيان بعض ما انتقد على أهل الرأي والكلام والكُتَّاب العصريين في دفع الصحيح من المرويات وقدح الثقات من الرواة وغير ذلك • قال العلامة المعلمي في الفصل الخامس من مقدمة "التنكيل": "الأستاذ -يعني الكوثري- من أهل الرأي، ويظهر أنه من غلاة المقلدين في فروع الفقه، ومن مقلدي المتكلمين، ومن المجارين لكُتَّاب العصر إلى حَدٍّ ما، وكل واحدة من هذه الأربع تقتضي قلة مبالاة بالمرويات، ودُربة على التمحل في ردها، وجرأة على مخالفتها واتهام رواتها. أما أهل الرأي فهذه بدايتهم: في "الصحيح" (١) عن أبي هريرة قال: "إنكم تزعمون أن أبا هريرة يُكثر الحديث عن رسول الله ﷺ ، واللهُ الموعدُ، إني كنت امرأ مسكينا أصحب رسولَ الله ﷺ على ملء بطني، وكان المهاجرون يشغلهم الصفق بالأسواق، وكانت الأنصار يشغلهم القيام على أموالهم ... ". ومن تتبع السيرة والسنة، علم أن النبي ﷺ كان ربما يقضي بالقضية أو يحدث بالحديث أو يفتي في مسألة، وليس عنده من أصحابه إلا الواحد أو الاثنان، ثم كان معظم أصحابه لا يحدثون بالحديث عنه ﷺ إلا عندما تدعو الحاجة، ومِنْ لازِمِ ما تقدم مع احتمال نسيان بعضهم أو موته قبل أن يخبر بالحديث أن يكون كثير من

стр. 1346

السنن ينفرد بسماعها أو بحفظها أو بروايتها آحاد الصحابة، ثم تفرق الصحابة في الأقطار، فمنهم من هو في باديته ومنهم من صار إلى الشام والعراق ومصر واليمن، فكان عند أهل كل جهة أحاديث من السنة لم تكن عند غيرهم في أول الأمر -كما روي عن مالك- ثم اجتهد أصحاب الحديث في جمع السنة من كل وجه. وقد عُلم من الشريعة أنه ليس على العالم الإحاطة بالعلم كله، وأن من شَهد له أهل العلم بأنه عالم، فإنما عليه إذا احتاج إلى قضاءٍ أو فتوى أن ينظر في كتاب الله وفيما يعلمه من السنة، فإن لم يجد فيهما النص على تلك المسألة سأل من يسهل عليه ممن يرجو أن يكون عنده دليل، فإن لم يجد وعَرف أن لبعض الصحابة قولًا في تلك المسألة -لم يعلم له مخالفا- أخذ به، وإن علم خلافًا رَجَّح، فإن لم يجد قول صحابي ووجد قول تابعي ممن تقدمه -لم يعلم له مخالفا فيه- أخذ به، وإن علم خلافا رجح. وكان الغالب في الترجيح أن يرجح العالمُ قولَ من كان ببلده من الصحابة أو التابعين لمزيد معرفته بهم المقتضيةِ لزيادة الوثوق، هذا مع ما لِلإلف والعادة من الأثر الخفي، فإن لم يجد شيئًا مما تقدم اجتهد رأيه وقضى وأفتى بما يظهر له. ثم إذا قضى أو أفتى مستندا إلى شيء مما تقدم ثم وجد دليلًا أقوى مما استند إليه -يخالف ما ذهب إليه سابقا- أخذ من حينئذٍ بالأقوى. على هذا جرى الخلفاء الراشدون وغيرهم كما هو مبسوط في مواضعه ومنها: "إعلام الموقعين". وكان كثير من أهل العلم من الصحابة وغيرهم يتَّقُون النظر فيما لم يجدوا فيها نصا، وكان منهم من يتوسع في ذلك، ثم نشأ من أهل العلم ولا سيما بالكوفة من توسع في ذلك، وتوسع في النظر في القضايا التي لم تقع، وأخذوا يبحثون في ذلك ويتناظرون ويصرفون أوقاتهم في ذلك، واتصل بهم جماعة من طلبة العلم تشاغلوا بذلك، ورأوه

стр. 1347

أشهى لأنفسهم وأيسر عليهم من تتبع الرواة في البلدان والإمعان في جمع الأحاديث والآثار، ومعرفة أحوال الرواة وعاداتهم، والإمعان في ذلك ليعرف الصحيح من السقيم والصواب من الخطأ والراجح من المرجوح، ويعرف العام والخاص والمطلق والمبيَّن، وغير ذلك، فوقعوا فيما روي عن عمر بن الخطاب ﵁ أنه قال: "إياكم والرأي، فإن أصحاب الرأي أعداء السنن، أعيَتْهم الأحاديث أن يعوها، وتفلتت منهم أن يحفظوها، فقالوا في الدين برأيهم". راجع: "إعلام الموقعين" طبعة مطبعة النيل بمصر (ج ١ ص ٦٢) وراجع كتاب "العلم" لابن عبد البر. فوقع فيما ذهبوا إليه وعملوا بعْدُ وأفتوْا مسائل ثبتت فيها السنة مخالفة لما ذهبوا إليه، لم يكونوا اطلعوا عليها، فكان الحديث من تلك الأحاديث إذا بلغهم ارتابوا فيه لمخالفته ما ذهب إليه أسلافهم واستمر عليه عملهم، ورأوا أنه هو الذي يقتضيه النظر المعقول (القياس). فمن تلك الأحاديث ما كان من الثبوت والصراحة بحيث قهرهم فلم يجدوا بُدًّا من الأخذ به، وكثير منها كانوا يردونها ويتلمسون المعاذير، مع أن منها ما هو أثبت وأظهر وأقرب إلى القياس من أحاديث قد أخذوا بها، لكن هذه التي أخذوا بها مع ما فيها من الضعف ومخالفة القياس وردت عليهم قبل أن يذهبوا إلى خلافها فقبلوها اتباعا، وتلك التي ردوها مع قوة ثبوتها إنما بلغتهم بعد أن استقر عندهم خلافها واستمروا على العمل بذلك ومضى عليه أشياخهم، وربما أخذوا بشيء من النقل ثم بلغهم من السنة ما يخالفه فأعجزهم أن ينظروا كما ينظر أئمة الحديث لمعرفة الصحيح من السقيم والخطأ من الصواب والراجح من المرجوح، فقنعوا بالرأي كما ترى أمثلة لذلك في قسم "الفقهيات"، ولا سيما في مسألة ما تُقطع فيه يدُ السارق، وهذا في دَيدَنُهُم وعليه يعتمد الطحاوي وغيره منهم.

стр. 1348

ولهذا بينما تجد الحنفية يتبجحون بأن مذهب أبي حنيفة وسائر فقهاء العراق تقديم الحديث الضعيف على القياس -وقد ذكر الأستاذ ذلك في "التأنيب" (ص ١٦١) - إذا بهم يردُّون كثيرا من الأحاديث الصحيحة لمخالفتها آراء سلفهم وآراءهم التي أخذوا بها، وقد كان الشافعي ينْعي عليهم ذلك. ومن كلامه كما في "سنن" البيهقي (ج ١ ص ١٤٨): "والذي يزعم أن عليه الوضوء في القهقهة يزعم أن القياس أن لا ينتقض، ولكنه يتبع الآثار، فلو كان يتبع منها الصحيح المعروف كان بذلك عندنا حميدا، ولكنه يردُّ منها الصحيح الموصول المعروف ويقبل الضعيف المنقطع". فالحنفية يعرفون شناعة ردِّ السنة بالرأي، ولكنهم يتلمسون المعاذير فيحاولون استنباط أصول يمكنهم إذا تشبثوا بها أن يعتذروا عن الأحاديث التي ردوها بعذر سوى مخالفة القياس وسوى الجمود على اتباع أشياخهم، ولكن تلك الأصول مع ضعفها لا تطَّردُ لهم؛ لأنَّ أشياخهم قد أخذوا بما يخالفها، ولهذا يكثر تناقضهم، وفي مناظرات الشافعي لهم كثير من بيان تناقضهم، بل من تدبر ما كتبوه في أصول الفقه بأن له كثير من التناقض، كما ترى المتأخر منهم يخالف المتقدم. حتى إن الأستاذ الكوثري ذكر في "التأنيب" (ص ١٥٢ - ١٥٣) عدة أصول لمحاربة السنن الثابتة، ومنها ما خالف فيه مَنْ تقدمه منهم. ولما تعقبته في "الطليعة" (ص ١٠٢) في قوله: "عنعنة قتادة متكلم فيها" بأن ذلك الحديث في "صحيح" البخاري وفيه: "حدثنا قتادة حدثنا أنس ... " وفي "مسند" أحمد وفيه: "أنا قتادة أنَّ أنسًا أخبره ... " أجاب في "الترحيب" (ص ٤٩) بقوله: "مِنْ مذهب أبي حنيفة أيضًا كما يقول ابن رجب في شرح "علل الترمذي" ردُّ الزائد إلى الناقص في الحديث متنا وسندا، وهذا احتياطٌ بالغٌ في دين الله ... فهل عرفت الآن يا معلمي مذهب الإمام لتقلع عن نسج الأوهام".

стр. 1349

هذا والأستاذ: يعلم أولًا: أن النسبة إلى أبي حنيفة لا يكفي في إثباتها قولُ رجلٍ حنبلي بينه وبين أبي حنيفة عدة قرون! ويعلم ثانيًا: ما في كتب مذهبه مما يخالف هذا. ويعلم ثالثًا: أن قول الراوي: "قتادة عن أنس" وقوله مرة أخرى أو قول غيره: "قتادة أن أنسًا أخبره" ليس من باب النقص والزيادة، وإنما هو من باب المحتمل والمعين أو المجمل والمبين. ويعلم رابعًا: أن من أصل الحنفية الاحتجاج بالمنقطع، فما لم يتبين انقطاعه بل هو متردد بين الاتصال والانقطاع أَوْلَى، فإذا ثبت مع ذلك اتصاله من وجه آخر فآكَدُ. ويعلم خامسًا: أنه لا ينبغي له أن يدفع عن نفسه بإلقاء التهم على إمامه. فأما الاحتياط البالغ في دين الله الذي يُمَوِّهُ به الأستاذ فالتحري البالغ الذي سبق ما فيه في الفصل الثالث فلا نعيده ... والمقصود هنا أن أصحاب الرأي لهم عادة ودُربة في دفع الروايات الصحيحة، ومحاولة القدح في بعض الرواة حتى لم يسلم منهم الصحابة ﵃، على أن الأستاذ لم يقتصر على كلام أسلافه وما يقرب منه بل أرْبَى عليهم جميعًا كما تراه في "الطليعة" ويأتي بقيته في التراجم إن شاء الله تعالى. وأما غُلاة المقلدين فأَمْرُهم ظاهر؛ وذلك أن المتبوع قد لا تبلغه السنة، وقد يغفل عن الدليل أو الدلالة، وقد يسهو أو يخطىء أو يزِلَّ، فيقع في قولٍ تجيء الأحاديث بخلافه، فيحتاج مقلدوه إلى دفعها والتمحل في ردها، ولو اقتصر الأستاذ على نحو ما عرف عنهم لهان الخطْب، ولكنه يَعُدُّ غلوهم تقصيرًا!.

стр. 1350

وأما المتكلمون فأوَّلُ مَنْ بلَغَنا أنه خاض في ذلك: عمرو بن عبيد، ذُكر له حديثٌ يخالف هواه، رواه الأعمش عن زيد بن وهب عن عبد الله بن مسعود عن النبي ﷺ ، فقال عمرو: "لو سمعت الأعمش يقول هذا لكذَّبْتُه، ولو سمعته من زيد بن وهب لما صدقته، ولو سمعت ابن مسعود يقوله لما قبلته، ولو سمعت رسول الله ﷺ يقول هذا لرددته، ولو سمعت الله يقول هذا لقلت: ليس على هذا أخذت ميثاقنا" وتعدَّى إلى القرآن فقال في: ﴿تَبَّتْ يَدَا أَبِي لَهَبٍ﴾ وقوله تعالى: ﴿ذَرْنِي وَمَنْ خَلَقْتُ وَحِيدًا﴾: "لم يكونا في اللوح المحفوظ" كأنه يريد أن الله ﵎ لم يكن يعلم بما سيكون من أبي لهب ومن الوحيد. ثم كان في القرن الثاني جماعةٌ ممن عُرف بسوء السيرة والجهل بالسنة ورِقَّةِ الدين كثمامة بن أشرس والنظام والجاحظ، خاضوا في ذلك، كما أشار إليه ابن قتيبة وغيره، وجماعة آخرون كانوا يتعاطون الرأي والكلام يردُّون الأخبار كلها، وآخرون يردُّون أخبار الآحاد أي ما دون المتواتر، كسر الله تعالى شوكتهم بالشافعي، حتى إن شيوخه ومن في طبقتهم من الأكابر كيحيى بن سعيد القطان وعبد الرحمن بن مهدي انتفعوا بكتبه. قال الشافعي في "الأم" (ج ٧ ص ٢٥٠): "باب حكاية قول الطائفة التي ردت الأخبار كلها" ثم ذكر مناظرته لهم. ثم قال بعدُ: "باب حكاية قول من رد خبر الخاصة" فذكر كلامه معهم، وبسط الكلام في ذلك في "الرسالة"، وفي كتاب "اختلاف الحديث". ثم كانت المحنة وويلاتها، وكان دعاتُها لا يجرءون على ردِّ الحديث، وسيأتي في ترجمة: علي بن عبد الله بن المديني بعض ما يتعلق بذلك، ثم جاء محمد بن شجاع بن الثلجي فلم يجرؤ على الرد، إنما لَفَّقَ ما حاول به إسقاط حماد بن سلمة، كما يأتي في

стр. 1351

ترجمة حماد إن شاء الله تعالى، وجمع كتابا تكلف فيه تأويل الأحاديث، وتبعه من الأشعرية ابن فورك في كتابه المطبوع. ثم اشتهر بين المتكلمين أن النصوص الشرعية من الكتاب والسنة لا تصلح حجة في صفات الله ونحوها من الاعتقاديات، وصرحوا بذلك في كتب الكلام والعقائد كالمواقف وشرحها، والأمر أشد من ذلك كما يأتي في الاعتقادات إن شاء الله تعالى. والأستاذ يدين بالكلام ويتشدد، ومع هذا كله فغالب أصحاب الرأي وغلاة المقلدين وأكثر المتكلمن لم يُقْدِمُوا على اتهام الرواة الذين وثقهم أهل الحديث، وإنما يحملون على الخطأ والغلط والتأويل، وذلك معروف في كتب أصحاب الرأي والمقلدين، أما الأستاذ فبرز على هؤلاء جميعًا! وأما كُتَّابُ العصر فإنهم مقتدون بكُتَّاب الإفرنج الذين يتعاطون النظر في الإِسلاميات ونحوها، وهم مع ما في نفوسهم من الهوى والعداء للإسلام إنما يعرفون الدواعي إلى الكذب ولا يعرفون معظم الموانع منه. فمن الموانع: التدين والخوف من رب العالمين الذي بيده ملكوت الدنيا والآخرة، وقد قال سبحانه: ﴿إِنَّمَا يَفْتَرِي الْكَذِبَ الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِآيَاتِ اللَّهِ﴾ وفي "الصحيح" عن النبي ﷺ : "علامة المنافق ثلاث وإن صام وصلى وزعم أنه مسلم: إذا حدث كذب وإذا ائتمن خان وإذا وعد أخلف". وإخلاف الوعد أغلب ما يكون إذا كان الوعد كذبا، والخيانة تعمد الكذب كما لا يخفى، وقال أبو بكر الصديق: "الكذب مجانب للإيمان". فأما توهم حِلِّ الكذب في مصلحة الدين فلا يكون إلا من أجهل الناس وأشدهم غفلة؛ لأنَّ حَظْرَ الكذب مطلقا هو من أظهر الأحكام الشرعية.

стр. 1352

وأولئك الكُتَّاب لا يَعرفون هذا المانع؛ لأنهم لا يجدونه في أنفسهم، ولا يجدون فيمن يخالطونه مَنْ تقهرهم سيرتُه على اعتقادِ اتصافِه بهذا المانع؛ لضعف الإيمان في غالب الناس ورقة التدين. ولا يَعرفون من أحوال سلف المسلمين ما يقهرهم على العلم باتصافهم بذلك المانع؛ لأنهم إنما يُطالعون التواريخ وكتب الأدب كـ"الأغاني" ونحوها، وهذه الكتب يكثر فيها الكذب والحكايات الفاجرة. كان فجرة الإخباريين يضعون تلك الحكايات لأغراضٍ: منها: دفع الملامة عن أنفسهم -يقولون ليس هذا العيب خاصًا بنا بل كان من قبلنا كذلك حتى المشهورون بالفضل. ومنها: ترويج الفجور والدعاية إليه ليكثر أهله فيجد الداعي مساعدين عليه ويقوى عذره. ومنها: ترغيب الأمراء والأغنياء في الفجور وتشجيعهم عليه ليجد الدعاة المتأدبون مراعي خصبة يتمتعون فيها بلذاتهم. ومنها: التقرب إلى الأمراء والأغنياء بالحكايات الفاجرة التي يلذُّ لهم سماعُها، إلى غير ذلك. وما يوجد في تلك الكتب من الصدق إنما يصوِّر طائفةً مخصوصةً كالأمراء المترفين والشعراء والأدباء ونحوهم. ولو عكف أولئك الكُتَّاب على كتب السنة ورجالها وأخبارهم، لعلموا أن هذه الطائفة وهي طائفة أصحاب الحديث كان ذلك المانع غالبا فيهم. وقد احتج بعضهم بما في "الأغاني" في أخبار عمر بن أبي ربيعة من طريق عبد العزيز ابن أبي ثابت -وهو عبد العزيز بن عمران- عن محمد بن عبد العزيز عن ابن أبي نهشل عن أبيه قال: قال لي أبو بكر بن عبد الرحمن بن الحارث بن هشام ... ولو راجع تراجم هؤلاء في كتب رجال الحديث وفكَّر في أحوالهم وفي حال القصة لعلم بطلان القصة حتما.

стр. 1353

ومن الموانع: خوف الضرر الدنيوي، وأولئك الكُتَّاب يُعرفون شرط هذا المانع وهو الضرر المادي، فإنهم يعلمون أن أرباب المصانع والمتاجر الكبيرة يتجنبون الخيانة والكذب في المعاملات خوفًا من أن يسقط اعتماد المعاملين عليهم فيعدلوا إلى معاملة غيرهم، بل أصحاب المصانع والمتاجر الصغيرة يجرون على ذلك غالبا، وإلا لكانت الخصومات مستمرة في الأسواق بل لعلها تتعطل الأسواق فليتدبر القارىء ذلك. فأما الشطر المعنوي فان أولئك الكُتَّاب لا يقدرون قدره. فأقول: كان العرب يحبون الشرف، ويرون أن الكذب من أفحش العيوب المسقطة للرجل، وفي أوائل "صحيح" البخاري في قصة أبي سفيان بن حرب: أن هرقل لما جاءه كتاب النبي ﷺ ، دعا بمن كان بالشام من تجار قريش، فأُتِي بأبي سفيان ورهطٍ معه قال: "ثم دعاهم ودعا ترجمانه فقال: أيُّكُم أقربُ نسبا بهذا الرجل الذي يزعم أنه نبي؟ قال أبو سفيان: قلت: أنا أقربهم نسبا، قال: أدنوه مني، وقربوا أصحابه فاجعلوهم عند ظهره، ثم قال لترجمانه: قل لهم: إني سائل هذا عن هذا الرجل، فإن كذبني فكذبوه. قال: فوالله لولا الحياء من أن يأْثِرُوا عليَّ كذبا لكذبت عليه ... ". قال ابن حجر في "فتح الباري": "وفي قوله: يأثروا دون قوله يكذبوا دليل على أنه كان واثقا منهم بعدم التكذيب أن لو كذب؛ لاشتراكهم معه في عداوة النبي ﷺ ، لكنه ترك ذلك استحياءً وأَنفَةً من أن يتحدثوا بعد أن يرجعوا، فيصير عند سامعي ذلك كذابا. وفي رواية ابن إسحاق التصريح بذلك". أقول: وهذا هو الذي أراه هرقل. ثم جاء الإسلام فشدد في تقبيح الكذب جدًّا حتى قال الله : ﴿إِنَّمَا يَفْتَرِي الْكَذِبَ الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِآيَاتِ اللَّهِ﴾. وروي عن النبي ﷺ أن رجلًا كذب عليه فبعث عليا والزبير فقال: "اذهبا فإن أدركتماه فاقتلاه". وتوهَّمَ رجل من صغار الصحابة أمرًا، فأخبر بما توهَّمَهُ وما يقتضيه، ففضحه الله إلى يوم القيامة؛ إذ أنزل فيه ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ جَاءَكُمْ فَاسِقٌ بِنَبَإٍ فَتَبَيَّنُوا﴾.

стр. 1354

ثم كان الصحابي يرى من إكرام التابعين له وتوقيرهم وتبجيلهم ما لا يخفى أثره على النفس، ويعلم أنه إن بان لهم منه أنه كذب كذبة سقط من عيونهم ومقتوه واتهموه بأنه لم يكن مؤمنا وإنما كان منافقا. وقد كان بين الصحابة ما ظهر واشتهر من الاختلاف والقتال ودام ذلك زمانا، ولم يبلغنا عن أحد منهم أنه رمى مخالفَهُ بالكذب في الحديث، وكان التابعون إذا سمعوا حديثا من صحابي سألوا عنه غيره من الصحابة، ولم يبلغنا أن أحدًا منهم كذَّبَ صاحبه، غاية الأمر أنه قد يخطئه، وكان المهلب بن أبي صفرة في محاربته الأزارقة يعمل بما رُخِّصَ فيه للمحارب من التورية الموهمة، فعاب الناسَ عليه ذلك حتى قيل فيه: أنتَ الْفَتَى كُلَّ الْفَتَى ... لَوْ كُنْتَ تَصْدُقُ مَا تَقُولُ ثم كان الرجل من أصحاب الحديث يرشَّحُ لطلب الحديث وهو طفل، ثم ينشأ دائبا في الطلب والحفظ والجمع ليلًا ونهارا، ويرتحل في طلبه إلى أقاصي البلدان، ويقاسي المشاقَّ الشديدة كما هو معروف في أخبارهم، ويصرف في ذلك زهرة عمره إلى نحو ثلاثين أو أربعين سنة، وتكون أمنيته الوحيدة من الدنيا أن يقصده أصحاب الحديث ويسمعوا منه ويرووا عنه. وفي "تهذيب التهذيب" (ج ١، ص ١٨٣): "قال عبد الله بن محمود المروزي: سمعت يحيى بن أكثم يقول: كنت قاضيا وأميرا ووزيرا، ما ولج سمعي أحلى من قول المستملي (١): من ذكر رضي الله عنك؟ ". وفيه (ج ٦، ص ٣١٤): "روي عن عبد الرزاق أنه قال: حججت فمكثت ثلاثة أيام لا يجيئني أصحاب الحديث فتعلقت بالكعبة وقلت: يا رب ما لي أكذاب أنا؟ أمدلس أنا؟ فرجعت إلى البيت فجاءوني".

стр. 1355

وقد علم طالب الحديث في أيام طلبه تشدد علماء الحديث وتعنتهم وشدة فحصهم وتدقيقهم، حتى إن جماعة من أصحاب الحديث ذهبوا إلى شيخٍ ليسمعوا منه فوجدوه خارج بيته يتبع بغلة له قد انفلتت يحاول إمساكها وبيده مخلاة يريها البغلة ويدعوها لعلها تستقر فيمسكها، فلاحظوا أن المخلاة فارغة فتركوا الشيخ وذهبوا وقالوا: إنه كذاب؛ كذب على البغلة بإيهامها أن في المخلاة شعيرا، والواقع أنه ليس فيها شيء. وفي "تهذيب التهذيب" (ج ١١، ص ٢٨٤): "وقال هارون بن معروف: قدم علينا بعض الشيوخ من الشام، فكنت أول من بكَّر عليه، فسألته أن يملي على شيئًا، فأخذ الكتاب يملي فإذا بإنسان يدق الباب فقال الشيخ من هذا؟ ... فإذا بآخر يدق الباب قال الشيخ من هذا؟ قال: يحيى بن معين، فرأيت الشيخ ارتعدت يده ثم سقط الكتاب من يده. وقال جعفر الطيالسي عن يحيى بن معين: قدم علينا عبد الوهاب بن عطاء، فكتب إلى أهل البصرة: وقدِمْتُ بغداد وقَبِلَنِي يحيى بن معين والحمد لله". فمن تدبر أحوال القوم بأن له أنه ليس العجب ممن تحرز عن الكذب منهم طول عمره، وإنما العجب ممن اجترأ على الكذب، كما أنه من تدبر كثرة ما عندهم من الرواية وكثرة ما يقع من الالتباس والاشتباه، وتدبر تعنت أئمة الحديث بان له أنه ليس العجب ممن جرحوه بل العجب ممن وثقوه. ومن العجب أن أولئك الكُتَّاب يلاحظون الموانع في عصرهم هذا، بل في وقائعهم اليومية، فيعلمون من بعض أصحابهم أنه صدوق فيثقون بخبره، ولو كان مخالفًا لبعض ما يظهر لهم من القرآن بحيث لو كان المدار على القرائن لكان الراجح خلاف ما في الخبر، ويعرفون آخر بأنّه لا يتحرز عن الكذب فيرتابون في خبره ولو ساعدته قرائن فلا تكفي وحدها لحصول الظن، وهكذا يصنعون في أخبار مكاتبي الصحف وفي الصحف أنفسها؛ فمن الصحف ما تعوَّد الناس منها أنها لا تكاد تنقل إلا الأخبار الصحيحة، فيميلون إلى الوثوق بما يقع فيها وإن خالف القرائن، وفيها ما هو على خلاف ذلك.

стр. 1356

وبالجملة فلا يرتاب عاقل أن غالب مصالح الدنيا قائما على الأخبار الظنية، ولو التزم الناس أن لا يعملوا بخبر من عرفوا أنه صدوق حتى توجد قرائن تغني في حصول الظن عن خبره لاستغنوا عن الأخبار، بل لفسدت مصالح الدنيا. ولست أجهل ولا أجحد ما في طريقة الكُتَّاب من الحق ولكنني أقول: ينبغي للعاقل أن يفكر في الآراء التي يتظناها العقلاء في عصرهم نفسه بناء على العلامات والقرائن، أليس يكثر فيها الخطأ؟ هذا مع تيسر معرفتهم بعصرهم وطابع أهله وأغراضهم وسهولة الاطلاع على العلامات والقرائن، فما أكثر ما يقع لأحدنا كل يوم من الخطأ يتراءى أن القرائن والأمارات تقتضي وقوع الأمر، ثم لا يقع، وتقتضي أن لا يقع، ثم يقع، فما بالك بالأمور التي مضت عليها قرون، ولا سيما إذا لم يتهيأ للناظر تتبع ما يمكن معرفته من القرائن والأمارات ولم يلاحظ الموانع، فأما إذا كان له هوى فالأمر أوضح. والناظر إنما يشتد حرصه على الإصابة في القضايا العصرية؛ لأنه يخشى انكشاف الحال فيها على خلاف ما زعم، فأما التي مضت عليها قرون -والباحثون عنها قليل- فإنه لا يبالي، اللهم إلا أن يكون متدينا محترسا من الهوى، على أن الأستاذ لم يخلص لطريقة الكُتَّاب، بل كثيرا ما يرمي بالقرائن القوية والدلالات الواضحة خلف ظهره، ويحاول اصطناع خلافها، وسدّ الفراغ بالتهويل والمغالطة، كما سترى أمثلة من ذلك في هذا الكتاب. وأسأل الله لي وله التوفيق. اهـ * * *

стр. 1357

الفصل الثامن في رفع الإشكال عن كلمات في ذم الحديث وطلبته خرجت من أصحابها دون قصد ظاهرها قال الثوري: "لو كان الحديث خيرًا لذهب كما ذهب الخير". • قال المعلمي في "الأنوار": (ص ٢٨٧ - ٢٨٩): أقول: لم يقصد نفي الخير عن الحديثِ نفسِه، كيف والقرآنُ خيرٌ كُلُّهُ ولم يذهب، ولا عن طلب الحديث جملة. فإن المتواتر المعلوم قطعا عن الثوري خلاف ذلك. وإنا قصد أن كثيرًا من الناس يطلبون الحديث لغير وجه الله، وذلك أنه رأى أن الرغبة في الخير المحض لم تزل تَقِلّ، كانت في الصحابة أكثر منها في التابعين، وفي كبار التابعين أكثر منها في صغارهم، وَهَلُمَّ جَرَّا، وفي جانب ذلك رأى رغبة الناس في طلب الحديث لم تنقص، فرأى أنها ليست خيرا على الإطلاق، يعني أن كثيرا ممن يطلب الحديث يطلبه لِيُذْكَر ويشتهر ويقصده الناس ويجتمعوا حوله ويعظموه. وأقول: إن العليم الخبير أحكم الحاكمين كما شرع الجهاد في سبيله لإظهار دينه، ومع ذلك يسَّر ما يرغب فيه من جهة الدنيا، فكذلك شرع حفظ السنة وتبليغها، ومع ذلك يسَّر ما يرغب في ذلك من جهة الدنيا؛ لأنه كما يحصل بالجهاد عن الإسلام -وإن قلَّ- ثوابُ بعض المجاهدين، فكذلك يحصل بطلب الحديث وحفظه حفظُ الدين ونشره -وإن قلَّ- أجرُ بعض الطالبين. وذكر أبو رية (ص ٣٣٠) كلماتٍ لبعض المحدثين في ذم أهل الحديث -يعنون طلابه، التقطها من كتاب (العلم) لابن عبد البر، وقد قال ابن عبد البر هناك (٢/ ١٢٥): "هذا كلام خرج على ضجر، وفيه لأهل العلم نظر". اهـ

стр. 1358

وإيضاح ذلك أن الرغبة في طلب الحديث كانت في القرون الأولى شديدة، وكان إذا اشتهر شيخ ثقة معمِّر مكثر من الحديث، قصده الطلاب من آفاق الدنيا، منهم من يسافر الشهر والشهرين وأكثر ليدرك ذاك الشيخ، وأكثر هؤلاء الطلاب شُبَّان، ومنهم من لا سعة له من المال، إنما يستطيع أن يكون معه من النفقة قدرٌ محدودٌ يتقوَّت منه حتى يرجع أو يلقى تاجرا من أهل بلده يأخذ منه الشيء، وكان منهم مَنْ كل نفقته جراب يحمله، فيه خبز جاف يتقوت كل يوم منه كسرة يبلها بالماء ويجتزىء بها، ولهم في ذلك قصص عجيبة. فكان يجتمع لدى الشيخ جماعة من هؤلاء، كلُّهم حريص على السماع منه، وعلى الاستكثار ما أمكنه في أقل وقت، إذ لا يمكنه إطالة البقاء هناك؛ لقلة ما بيده من النفقة، ولأنه يخاف أن يموت الشيخ قبل أن يستكثر من السماع منه، ولأنه قد يكون شيوخ آخرون في بلدان أخرى يريد أن يدركهم ويأخذ عنهم. فكان هؤلاء الشباب يتكاثرون على الشيخ ويلحُّون عليه ويبرمونه، فيتعب ويضيق بهم ذرعا، وهو إنسان له حاجات وأوقات يجب أن يستريح فيها، وهم لا يَدَعُونَهُ (١). ومع ذلك فكثير منهم لا يرضون أن يأخذوا من الشيخ سلاما بسلام، بل يريدون اختباره ليتبين لهم أضابط هو أم لا. فيوردون عليه بعض الأسئلة التي هي مظنة الغلط، ويناقشونه في بعض الأحاديث، ويطالبونه بأن يبرز أصل سماعه. وإذا عثروا للشيخ على خطأ أو سقط، أو استنكروا شيئًا من حاله، خرجوا يتناقلون ذلك بقصد النصيحة، فكان بعض أولئك الشيوخ إذا ألَحَّ عليه الطلبة وضاق بهم ذرعًا أطلق تلك الكلمات:

стр. 1359

"أنتم سخنة عين". "لو أدركنا وإياكم عمر بن الخطاب لأوجعنا ضربًا". "ما رأيت علمًا أشرف ولا أهلًا أسخف من أهل الحديث". "صرت اليوم ليس شيء أبغض إليَّ من أن أرى واحدًا منهم". "إن هذا الحديث يصدكم عن ذكر الله وعن الصلاة فهل أنتم منتهون". "لأنا أشد خوفًا منهم من الفساق"؛ لأنهم يبحثون عن خطئه وزلَلِه ويُشيعون ذلك. والغريب أن أولئك الطلاب لم يكونوا يدَعون هذه الكلمات تذهب، بل يكتبونها ويروُونها فيما يروون، فيذكرها من يريد عتاب الطلاب وتأديبهم كابن عبد البر، ويهتبلها أبو رية ليعيب بها الحديث وأهله جملة. فأما قول الثوري: "أنا في هذا الحديث منذ ستين سنة، وودت أني خرجت منه كفافًا لا عليّ ولا لي". فهذا كلام المؤمن الشديد الخشية تتضاءل عنده حسناته الكثيرة العظيمة، ويتعاظم في نظره ما يخشى أن يكون عرض له من تقصير أو خالطه من عُجب. وقد قال أمير المؤمنين عمر بن الخطاب نحو هذا فيما كان له بعد رسول الله ﷺ من عمل، وإنما كان عمله ذلك جهادًا في سبيل الله وإعلاء دينه وتمكين قواعده وإقامة العدل التام، وغير ذلك من الأعمال الفاضلة. وقد كان فيها كلها أبعد الناس عن حظ النفس، بل كان يبالغ في هضم نفسه وأهل بيته. وكل عارف بالإيمان وشأنه يعرف لكلمة عمر حقها، ولكن الرافضة عكسوا الوضع، وقفاهم أبو رية في كلمة الثوري وما يشبهها". اهـ * * *

стр. 1360

الفصل التاسع الإشارة إلى إعراض كثير من الناس في العصور المتأخرة عن هذا العلم العظيم، ووجوب تسليم مَن دون أئمة الحديث لهم في معرفة المقبول من المردود تناول العلامة المعلمي في "الأنوار" (ص ٨٧ - ٨٨) معنى التساهل في رواية الفضائل عند المتقدمين والمتأخرين، فقال: "كان من الأئمة من إذا سمع الحديث لم يروه حتى يتبين له أنه صحيح أو قريب من الصحيح أو يوشك أن يصح إذا وجد ما يعضده، فإذا كان دون ذلك لم يروه البتة. ومنهم من إذا وجد الحديث غير شديد الضعف وليس فيه حكم ولا سنة، إنما هو في فضيلة عمل متفق عليه كالمحافظة على الصلوات في جماعة ونحو ذلك، لم يمتنع من روايته، فهذا هو المراد بالتساهل في عباراتهم. غير أن بعض من جاء بعدهم فهم منها التساهل فيما يرد في فضيلةٍ لأمر خاص قد ثبت شرعه في الجملة، كقيام ليليةٍ معينة فإنها داخلة في جملة ما ثبت من شرع قيام الليل، فبنى على هذا جواز أو استحباب العمل بالضعيف. وقد بيَّن الشاطبي في "الاعتصام" خطأ هذا الفهم، ولي في ذلك رسالة لا تزال مسودة (١). على أن جماعة من المحدثين جاوزوا في مجاميعهم ذاك الحد، فأثبتوا فيها كل حديث سمعوه ولم يتبين لهم عند كتابته أنه باطل.

стр. 1361

وأفرط آخرون فجمعوا كل ما سمعوا، معتذرين بأنهم لم يلتزموا إلا أن يكتبوا ما سمعوه ويذكروا سنده، وعلى الناس أن لا يثقوا بشيء من ذلك حتى يعرضوه على أهل المعرفة بالحديث ورجاله. ثم جاء المتأخرون فزادوا الطين بلة بحذف الأسانيد. والخلاص من هذا أسهل، وهو أن تُبَيَّنَ للناس الحقيقة، ويُرجع إلى أهل العلم والتقوى والمعرفة. لكن المصيبة حق المصيبة إعراض الناس عن هذا العلم العظيم، ولم يبق إلا أفراد يلمّون بشيء من ظواهره، ومع ذلك فالناس لا يرجعون إليهم، بل في الناس من يمقتهم ويبغضهم ويعاديهم ويتفنن في سبهم عند كل مناسبة ويدّعي لنفسه ما يدّعي، ولا ميزان عنده إلى هواه لا غير، وما يخالف هواه لا يبالي به ولو كان في "الصحيحين" عن جماعة من الصحابة، ويحتج بما يحلو له من الروايات في أي كتاب وجد، وفيما يحتج به: الواهي والساقط والموضوع، كما ترى التنبيه عليه في مواضع من كتابي هذا، والله المستعان". اهـ • وقال المعلمي في "التنكيل" (٢/ ٣٤): "أئمة الحديث قد يتبين لهم في حديث من رواية الثقة الثبت المتفق عليه أنه ضعيف، وفي حديث من رواية من هو ضعيف عندهم أنه صحيح. والواجب على مَنْ دونهم التسليمُ لهم". اهـ قال أبو أنس: راجع مقدمتي لهذا القسم، ففيها إشارة إلى ذلك. * * *

стр. 1362

الباب الثاني في قواعد نقد الخبر وشرائط قبول الحديث وفيه فصلان: الفصل الأول: القواعد النظرية منزلتها من النقد. الفصل الثاني، مراتب نقد الخبر، وشرائط قبول الحديث. وهي كما ذكرها المعلمي: المرتبة الأولى: النظر في أحوال رجال سنده واحدًا واحدًا. [وتشمل الشروط الواجب توافرها في المُخْبِر "الراوي"، وهي: • الشرط الأول: الإسلام. • الشرط الثاني: البلوغ. • الشرط الثالث: العقل. • الشرط الرابع: العدالة. • الشرط الخامس: الضبط]. المرتبة الثانية: النظر في اتصاله. [وتبحث شرط اتصال السند لقبول الخبر]. المرتبة الثالثة: البحث والنظر في الأمور التي تدل على خطإٍ إن كان. [وتبحث في مسائل الشذوذ والعلة]. المرتبة الرابعة: النظر في الأدلة الأخرى مما يوافقه أو يخالفه.

стр. 1363

الفصل الأول القواعد النظرية ومنزلتها من النقد • قال العَلّامةُ المعلمي في القاعدة "الخامسة" من مقدمة "الفوائد المجموعة" (ص ٩): "القواعد المقررة في مصطلح الحديث: منها ما يُذكر فيه خلاف، ولا يُحقق الحق فيه تحقيقًا واضحًا، وكثيرًا ما يختلف الترجيح باختلاف العوارض التي تختلف في الجزئيات كثيرًا. وإدراك الحق في ذلك يحتاج إلى ممارسة طويلة لكتب الحديث والرجال والعلل، مع حسن الفهم وصلاح النيّة". اهـ. • وقال في "الأنوار الكاشفة": (ص ٢٨٥ - ٢٨٦): "أما القواعد النظرية قديمها وحديثها فحقها أن تضاف بلى القواعد السندية بعد دراسة الناقد لهذه دراسة وافية وإيفائها حقها. فأما الاقتصار على القواعد النظرية أو ترجيح غير القطعي الحقيقي منها على رواية الثقات الأثبات، أو الاستدلال به على صدق الحكايات الواهية، فضرره أكثر من نفعه. كثيرًا ما يبلغنا حدوثُ حادثةٍ في عصرنا هذا، فنرى صحتها؛ لأننا نرى أن الأسباب تستدعيها وتكاد توجب وقوعها، ثم يتبين أنها لم تقع. وتبلغنا واقعةٌ فنرتاب فيها، ونكاد نجزم بتكذيبها، ثم يتبين أنها وقعت، فإن قيل: إنما ذلك لخطئنا في اعتقاد أن هذا سببٌ أو مانعٌ، أو في تقدير قوته، أو لجهلنا بزماننا ومكاننا وبيئتنا، فكيف بما مضى عليه بضعة عشر قرنا؟

стр. 1364

ومما يجب التنبيه له أنه قد يثبت من جهة السند نصٌ يستنكره بعض النقاد، وحَقُّ مثل هذا أن لا يبادَر إلى ردِّه، بل يمعن النظر في أمرين: الأول: معنى النص، فقد يكون المراد منه معنى غير الذي استنكر. الثاني: سبب الاستنكار، فكثيرا ما يجيء الخلل من قِبَلِهِ. وقد تقضي القرائنُ وقوعَ أمرٍ سكتت عنه الروايات الصحيحة، وتَرِد روايةٌ واهيةُ السند فيها ما يؤدى ذاك الأمر في الجملة فيبادر الناقد إلى تثبيتها، وفي هذا ما فيه. ألا ترى أنه قد يجيئك شخصٌ ضربه آخر فتسأله: لم ضربك؟ فيقول: بلا سبب. فترتاب في صدقه، فإذا جاء خصمه فقال: إنما ضربته لأنه سبني سبا شنيعا، قال: كيت وكيت، ظننتَ أنه صادقٌ في الجملة، أي أنه قد كان سبٌّ، ولكنه قد يكون دون ما ذكره الضارب بكثير. فالصواب أن تذكر الرواية، وأنها واهية السند، ثم يقال: ولكن القرائن تقتضي أنه قد كان شيءٌ من ذاك القبيل. هذا هو مقتضى التحقيق والأمانة". اهـ. قال أبو أنس: نطرح هاهنا سؤالًا مُهِمًّا، ونحاول الجواب عنه؛ تَتِمَّةً لهذا الموضوع، وهو: مِنْ أين تُؤْخَذُ القواعدُ النظريةُ في هذا الفن؟ وكيف يُفهم التطبيقُ العَمَليّ لها؟ فأقول، وبالله تعالى التوفيق: أما الشِّقُّ الأول من السؤال؛ فلا يختلف ناظران ولا باحثان في علمٍ من العلوم أو فَنٍّ من الفنون أن لِكُلٍّ رجالًا يُؤْخَذُ عنهم حدودُه وأقسامُه، ومعاني مصطلحاته، وغير ذلك مما لا يقوم إلا به. وهؤلاء الرجال يتعاقبون جيلًا بعد جيلٍ، يضع الأوائل منهم قواعدَه وأصولَه، ويُبَيِّنُون أُسسَهُ ومبادئه، ويحدُّون ضوابطَه، ثم يسير مَن بَعْدهم على خُطاهم.

стр. 1365

ولا شَكَّ أن تلك الأَوَّليَّة مِن بديهياتها أن يكون كلامُ السابقين: منتشرًا في ثنايا الكتب؛ ليس مجموعًا في مكانٍ واحدٍ، قليلًا بحسب ما اقتضاه السؤال والمقام، ليس كثيرًا مُتكلفًا، موجزًا مجملًا في غالب الأحيان، لا مُسهبًا مطولًا مشروحًا، معتمدًا أكثره على إشارات وإيماءات يفهمها أهل الفن في حينها، وهي كاللغة؛ فلا يحتاج الطلبة إلى تفسيرها وشرح المقصود منها. ثم تتابع المعتنون بهذا العلم في تَأمُّل ما ورثوه عن الأوائل، محاولين جمع ما تشتت منه، وتصنيفه وتبويبه، وذكر أنواعه، وشرح ما غمض منه، فكانت الكتب المصنفة في "مصطلح الحديث" على مَرِّ العصور. وأَلْفِتُ النظر هنا إلى أوائل ما كُتب في هذا الشأن كتابةً خاصَّةً؛ إرشادا للطالب إلى مطالعة تلك المصنفات، فهي أصل هذا العلم، وعليها المعوَّل، بالإضافة إلى تصرفات النقاد العملية في ذلك، فأقول وبالله التوفيق: (١) ضَمَّنَ الشافعي رحمه الله تعالى (المتوفَّى سنة ٢٤٠ هـ) كتابه "الرسالة" بعض الأبحاث المتعلقة بعلم المصطلح، منها: الصفات اللازم توفرها في خبر الخاصة كي يكون حجة، فقال: ١ - أن يكون من حدَّث به ثقةً في دينه. ٢ - معروفًا بالصدق في حديثه. ٣ - عاقلًا لما يحدث به. ٤ - عالمًا بما يُحيلُ معاني الحديث من اللفظ. ٥ - أن يكون ممن يؤدي الحديث بحروفه كما سمعه، لا يحدث به على المعنى ... ٦ - حافظًا إن حدَّث به من حفظه.

стр. 1366

٧ - حافظًا لكتابه إن حدَّث من كتابه. ٨ - إذا شرك أهل الحفظ في حديثٍ وافق حديثهم. ٩ - بريًّا من أن يكون مدلسًا يحدث عمن لقي ما لم يسمع منه. ١٠ - و [بريًّا أن] يحدث عن النبي ﷺ ما يحدث الثقات خلافه عن النبي ﷺ . ١١ - ويكون هكذا مَنْ فوقه مِمَّن حدثه. ١٢ - حتى ينتهي بالحديث موصولًا إلى النبي ﷺ أو إلى من انتهى به إليه دونه. اهـ فقد تَضمَّنَ كلامُ الشافعي ما اشتهر بعد ذلك بـ: "شروط صحة الحديث"، وهي: • العدالة (رقم ١، ٢). • الضبط (رقم ٦، ٧). • الاتصال (٩، ١٢). • انتفاء الشذوذ والعلة (٨، ١٠). ويزيد عليها ما عُرف بـ: • "دراية" المحدث لما يحدث به (٣، ٤). • رواية الحديث على اللفظ دون المعنى (٥). ثم ذكر مسألة الرواية بالمعنى بشيء من التفصيل. وذكر قبول عنعنة غير المدلس، وأن من دلّس مَرَّة فقد أبان عورته في روايته. وأن من كثر غلطه من المحدثين، ولم يكن له أصل كتابٍ صحيح، لم يقبل حديثه. وذكر تقديم المعروف بطلب علم الحديث وسماعه وطول مجالسة أهل التنازع فيه على من خالفه من أهل التقصير عنه. وبيَّن طريقة الاستدلال على حفظ الراوي بموافقة أهل الحفظ فيما رَوَوْا.

стр. 1367

وتكلم على الحديث المنقطع والمرسل، وذكر شروط الاحتجاج بالحديث المرسل عنده. وكذا ذكر بعض القضايا الأصولية، كالاحتجاج بخبر الواحد، والفرق بين شروط الرواية والشهادة. (٢) ووَضَعَ مسلمٌ (المتوفَّى سنة ٢٦١ هـ) مقدمةً لصحيحه، أبان فيها شيئًا من قواعد هذا الفن، منها: مراتب ناقلي الأخبار، وبيَّن انقسامهم إلى ثلاثة أو أربعة مراتب: الأولى: أهل الاستقامة في الحديث، والإتقان، وصفتهم: أنه لا يوجد في روايتهم اختلافٌ شديد، ولا تخليطٌ فاحش. الثانية: من لم يوصف بالحفظ والإتقان، لكن اسم السِّتر والصدق وتعاطي العلم يشملهم، وهم أنزل من المرتبة الأولى. الثالثة: قوم عند أهل الحديث أو أكثرهم مُتَّهَمُون. الرابعة: من كان الغالب على حديثه المُنكر أو الغلط. ثم شرح ما يُستدل به على المنكر، فقال: "وعلامةُ المنكر في حديث المحدث: إذا ما عُرِضَتْ روايتُه للحديث على رواية غيره من أهل الحفظ والرضا: خالفتْ روايتُه روايتَهم، أو لم تكد توافقها، فإذا كان الأغلب من حديثه كذلك، كان مهجورَ الحديث، غيرَ مقبوله ولا مستعمله". قال: "فلسنا نعُرج على حديث هذا الضرب ولا نتشاغل به؛ لأنَّ حُكم أهل العلم، والذي نعرف من مذهبهم في قبول ما تفرد به المحدث من الحديث أن يكون قد شارك

стр. 1368

الثقات من أهل العلم والحفظ في بعض ما رَوَوْا، وأمعن في ذلك على الموافقة لهم، فإذا وُجد كذلك، ثم زاد بعد ذلك شيئًا ليس عند أصحابه، قُبلتْ زيادته. فأما مَنْ تراه يعمد لمثل الزهري في جلالته وكثرة أصحابه الحفاظ المتقنين لحديثه وحديث غيره، أو لمثل هشام بن عروة، وحديثُهما عند أهل الحديث مبسوطٌ مشتركٌ قد نقل أصحابهما عنهما حديثهما على الاتفاق منهم في أكثره، فيروي عنهما أو عن أحدهما العَدَد من الحديث، مما لا يعرفُه أحدٌ من أصحابهما، وليس ممن قد شاركهم في الصحيح مما عندهم، فغير جائز قبولُ حديثِ هذا الضرب من الناس". * ثم ذكر أن الواجب على كُلِّ أحدٍ عرف التمييز بين صحيح الروايات وسقيمها، وثقات الغافلين لها من المتهمين، أن لا يروي منها إلا ما عرف صحة مخارجه، والستارة في ناقليه، وأن يتقي منها ما كان منها عن أهل التهم والمعاندين من أهل البدع. ثم ذكر ما يدل على ذلك من القرآن. ثم ذكر أبوابًا في: • تغليظ الكذب على رسول الله ﷺ . • والنهي عن الحديث بكل ما سمع. • والنهي عن الرواية عن الضعفاء والاحتياط في تحملها. • وبيَّن أن الإسناد من الدين. • ووجوب بيان ما في الرواة من الجرح حفظًا للسنة. • والتنبيه على أن صلاح المرء في نفسه ودينه شيء، وثقته في الحديث وأخذه عنه شيء آخر، وأنه يكثر وقوع الكذب -وهو هنا بمعنى الخطأ- على لسان أهل الخير والصلاح -من غير أهل الثبت في الحديث- من غير تعمّد منهم لذلك. • وأهمية التفتيش عن صدق الرواة وكيفية تحديثهم للحديث في الأوقات المختلفة، والنظر في كتب البعض إن احتاج الأمر وحصلت الريبة.

стр. 1369

• وذمّ مجالسة القُصَّاص لكثرة تحديثهم بالغرائب والمناكير. • وذم الرافضة وترك حديثهم. • وكشف الذين يَدَّعون سماعاتٍ كذبًا. • والذين يضعون كلامًا صحيح المعنى، وينسبونه إلى النبي ﷺ كذبًا. • ومن يكذب لِيُرَوِّجَ بدعتَه. • وأن من لا يؤتمن على دينه لا يؤتمن على الحديث. • ومن أطلق الكذب أحيانًا بمعنى مخالفة الرواية للواقع، وإن لم يكن هناك تعمُّد. • وكشف كذب الراوي بروايته عن شيخه ما ثبت عنه خلافه إذا تكرر منه ذلك، وبروايته الحديث الواحد مراتٍ عن شيوخ مختلفين. • وبيان التصحيف في الأسانيد والمتون. • وذم تدليس الشيوخ، فربما دُلِّسَ الكذاب فلا يُعرفُ. • والعناية بمعرفة التاريخ في نقد الروايات. • وأن جرح الرواة ليس بالغيبة المحرمة. • وذِكْر إنصاف أهل الحديث وتقديمهم له على أهليهم، فيجرح الراوي أخاه ويبيِّن ضعفه لئلا يؤخذ عنه الحديث. ثم قال ﵀: "وأشباه ما ذكرنا من كلام أهل العلم في مُتَّهَمي رواة الحديث وإخبارهم عن معايبهم كثيرٌ يطول الكتابُ بذكره على استقصائه، وفيما ذكرنا كفاية لمن تفهَّم وعقل مذهب القوم فيما قالوا من ذلك وبيَّنُوا. وإنما ألزموا أنفسهم الكشفَ عن معايب رواة الحديث وناقلي الأخبار، وأفتوا بذلك حين سُئِلُوا؛ لما فيه من عظيم الخطر؛ إذ الأخبار في أمر الدين إنما تأتي بتحليلٍ

стр. 1370

أو تحريم أو أمرٍ أو نهي أو ترغيبٍ أو ترهيبٍ، فإذا كان الراوي لها ليس بمعدنٍ للصدق والأمانة، ثم أقدم على الرواية عنه من قد عرفه ولم يبيِّن ما فيه لغيره ممن جهل معرفته، كان آثمًا بفعله ذلك، غاشًا لعوام المسلمين؛ إذ لا يؤمن على بعض من سمع تلك الأخبار أن يستعملها أو يستعمل بعضها، ولعلها أو أكثرها أكاذيب لا أصل لها، مع أن الأخبار الصحاح من رواية الثقات وأهل القناعة أكثر من أن يضطر إلى نقل من ليس بثقة ولا مقنع. ولا أحسب كثيرًا ممن يعرج من الناس على ما وصفنا من هذه الأحاديث الضعاف والأسانيد المجهولة، ويعتدّ بروايتها بعد معرفته بما فيها من التوهن والضعف إلا أن الذي يحمله على روايتها والاعتداد بها إرادة التكثر بذلك عند العوام، ولأن يقال: ما أكثر ما جمع فلان من الحديث وألَّف من العَدد. ومَنْ ذهب في العلم هذا المذهب، وسَلك هذا الطريق فلا نصيب له فيه، وكان بأن يُسَمَّى جاهلًا أَوْلى من أن يُنسب إلى علم" اهـ فتأمَّلْ أيها اللبيبُ عناوينَ تلك المسائل، وطالِعْها في تلك المقدمة، تحظى بعلم وافر. ثم انتقل مسلم إلى مناقشة قضية صحة الاحتجاج بالحديث المعنعن، وقد أطال في تقرير مذهبه فيها، ولعلَّ هذه القضية هي ما يستحوذ على الناظر في تلك المقدمة دون غيرها من الفوائد، ويأتي تحقيقها إن شاء الله عند الكلام على شرط الاتصال من شروط صحة الحديث، فلينظر هناك. ولمسلم كتاب "التمييز" وهو كتاب حافلٌ، شرح فيه مسلم أنواعَ العلل والأخطاء الواقعة في الأحاديث، والقطعة التي وُجدت منه تنمُّ عن علمٍ جَمٍّ وتمكُّنٍ بالغٍ، وتعطي إشارة مجملة عن قواعد هذا الفن. وكذا وضع مسلم أصنافًا أخرى من الكتب؛ ككتاب "العلل"، و"أوهام المحدثين"، و"أفراد الشاميين"، و"الوحدان"، و"الأفراد" وغيرها، وإن لم يبلغنا أكثر ذلك.
следующие страницы →