٧ - حافظًا لكتابه إن حدَّث من كتابه.
٨ - إذا شرك أهل الحفظ في حديثٍ وافق حديثهم.
٩ - بريًّا من أن يكون مدلسًا يحدث عمن لقي ما لم يسمع منه.
١٠ - و [بريًّا أن] يحدث عن النبي ﷺ ما يحدث الثقات خلافه عن النبي ﷺ .
١١ - ويكون هكذا مَنْ فوقه مِمَّن حدثه.
١٢ - حتى ينتهي بالحديث موصولًا إلى النبي ﷺ أو إلى من انتهى به إليه دونه. اهـ
فقد تَضمَّنَ كلامُ الشافعي ما اشتهر بعد ذلك بـ: "شروط صحة الحديث"، وهي:
• العدالة (رقم ١، ٢).
• الضبط (رقم ٦، ٧).
• الاتصال (٩، ١٢).
• انتفاء الشذوذ والعلة (٨، ١٠).
ويزيد عليها ما عُرف بـ:
• "دراية" المحدث لما يحدث به (٣، ٤).
• رواية الحديث على اللفظ دون المعنى (٥).
ثم ذكر مسألة الرواية بالمعنى بشيء من التفصيل.
وذكر قبول عنعنة غير المدلس، وأن من دلّس مَرَّة فقد أبان عورته في روايته.
وأن من كثر غلطه من المحدثين، ولم يكن له أصل كتابٍ صحيح، لم يقبل حديثه.
وذكر تقديم المعروف بطلب علم الحديث وسماعه وطول مجالسة أهل التنازع فيه على من خالفه من أهل التقصير عنه.
وبيَّن طريقة الاستدلال على حفظ الراوي بموافقة أهل الحفظ فيما رَوَوْا.
стр. 1367
وتكلم على الحديث المنقطع والمرسل، وذكر شروط الاحتجاج بالحديث المرسل عنده.
وكذا ذكر بعض القضايا الأصولية، كالاحتجاج بخبر الواحد، والفرق بين شروط الرواية والشهادة.
(٢)
ووَضَعَ مسلمٌ (المتوفَّى سنة ٢٦١ هـ) مقدمةً لصحيحه، أبان فيها شيئًا من قواعد هذا الفن، منها:
مراتب ناقلي الأخبار، وبيَّن انقسامهم إلى ثلاثة أو أربعة مراتب:
الأولى: أهل الاستقامة في الحديث، والإتقان، وصفتهم: أنه لا يوجد في روايتهم اختلافٌ شديد، ولا تخليطٌ فاحش.
الثانية: من لم يوصف بالحفظ والإتقان، لكن اسم السِّتر والصدق وتعاطي العلم يشملهم، وهم أنزل من المرتبة الأولى.
الثالثة: قوم عند أهل الحديث أو أكثرهم مُتَّهَمُون.
الرابعة: من كان الغالب على حديثه المُنكر أو الغلط.
ثم شرح ما يُستدل به على المنكر، فقال:
"وعلامةُ المنكر في حديث المحدث: إذا ما عُرِضَتْ روايتُه للحديث على رواية غيره من أهل الحفظ والرضا: خالفتْ روايتُه روايتَهم، أو لم تكد توافقها، فإذا كان الأغلب من حديثه كذلك، كان مهجورَ الحديث، غيرَ مقبوله ولا مستعمله".
قال: "فلسنا نعُرج على حديث هذا الضرب ولا نتشاغل به؛ لأنَّ حُكم أهل العلم، والذي نعرف من مذهبهم في قبول ما تفرد به المحدث من الحديث أن يكون قد شارك
стр. 1368
الثقات من أهل العلم والحفظ في بعض ما رَوَوْا، وأمعن في ذلك على الموافقة لهم، فإذا وُجد كذلك، ثم زاد بعد ذلك شيئًا ليس عند أصحابه، قُبلتْ زيادته.
فأما مَنْ تراه يعمد لمثل الزهري في جلالته وكثرة أصحابه الحفاظ المتقنين لحديثه وحديث غيره، أو لمثل هشام بن عروة، وحديثُهما عند أهل الحديث مبسوطٌ مشتركٌ قد نقل أصحابهما عنهما حديثهما على الاتفاق منهم في أكثره، فيروي عنهما أو عن أحدهما العَدَد من الحديث، مما لا يعرفُه أحدٌ من أصحابهما، وليس ممن قد شاركهم في الصحيح مما عندهم، فغير جائز قبولُ حديثِ هذا الضرب من الناس".
* ثم ذكر أن الواجب على كُلِّ أحدٍ عرف التمييز بين صحيح الروايات وسقيمها، وثقات الغافلين لها من المتهمين، أن لا يروي منها إلا ما عرف صحة مخارجه، والستارة في ناقليه، وأن يتقي منها ما كان منها عن أهل التهم والمعاندين من أهل البدع.
ثم ذكر ما يدل على ذلك من القرآن.
ثم ذكر أبوابًا في:
• تغليظ الكذب على رسول الله ﷺ .
• والنهي عن الحديث بكل ما سمع.
• والنهي عن الرواية عن الضعفاء والاحتياط في تحملها.
• وبيَّن أن الإسناد من الدين.
• ووجوب بيان ما في الرواة من الجرح حفظًا للسنة.
• والتنبيه على أن صلاح المرء في نفسه ودينه شيء، وثقته في الحديث وأخذه عنه شيء آخر، وأنه يكثر وقوع الكذب -وهو هنا بمعنى الخطأ- على لسان أهل الخير والصلاح -من غير أهل الثبت في الحديث- من غير تعمّد منهم لذلك.
• وأهمية التفتيش عن صدق الرواة وكيفية تحديثهم للحديث في الأوقات المختلفة، والنظر في كتب البعض إن احتاج الأمر وحصلت الريبة.
стр. 1369
• وذمّ مجالسة القُصَّاص لكثرة تحديثهم بالغرائب والمناكير.
• وذم الرافضة وترك حديثهم.
• وكشف الذين يَدَّعون سماعاتٍ كذبًا.
• والذين يضعون كلامًا صحيح المعنى، وينسبونه إلى النبي ﷺ كذبًا.
• ومن يكذب لِيُرَوِّجَ بدعتَه.
• وأن من لا يؤتمن على دينه لا يؤتمن على الحديث.
• ومن أطلق الكذب أحيانًا بمعنى مخالفة الرواية للواقع، وإن لم يكن هناك تعمُّد.
• وكشف كذب الراوي بروايته عن شيخه ما ثبت عنه خلافه إذا تكرر منه ذلك، وبروايته الحديث الواحد مراتٍ عن شيوخ مختلفين.
• وبيان التصحيف في الأسانيد والمتون.
• وذم تدليس الشيوخ، فربما دُلِّسَ الكذاب فلا يُعرفُ.
• والعناية بمعرفة التاريخ في نقد الروايات.
• وأن جرح الرواة ليس بالغيبة المحرمة.
• وذِكْر إنصاف أهل الحديث وتقديمهم له على أهليهم، فيجرح الراوي أخاه ويبيِّن ضعفه لئلا يؤخذ عنه الحديث.
ثم قال ﵀:
"وأشباه ما ذكرنا من كلام أهل العلم في مُتَّهَمي رواة الحديث وإخبارهم عن معايبهم كثيرٌ يطول الكتابُ بذكره على استقصائه، وفيما ذكرنا كفاية لمن تفهَّم وعقل مذهب القوم فيما قالوا من ذلك وبيَّنُوا.
وإنما ألزموا أنفسهم الكشفَ عن معايب رواة الحديث وناقلي الأخبار، وأفتوا بذلك حين سُئِلُوا؛ لما فيه من عظيم الخطر؛ إذ الأخبار في أمر الدين إنما تأتي بتحليلٍ
стр. 1370
أو تحريم أو أمرٍ أو نهي أو ترغيبٍ أو ترهيبٍ، فإذا كان الراوي لها ليس بمعدنٍ للصدق والأمانة، ثم أقدم على الرواية عنه من قد عرفه ولم يبيِّن ما فيه لغيره ممن جهل معرفته، كان آثمًا بفعله ذلك، غاشًا لعوام المسلمين؛ إذ لا يؤمن على بعض من سمع تلك الأخبار أن يستعملها أو يستعمل بعضها، ولعلها أو أكثرها أكاذيب لا أصل لها، مع أن الأخبار الصحاح من رواية الثقات وأهل القناعة أكثر من أن يضطر إلى نقل من ليس بثقة ولا مقنع.
ولا أحسب كثيرًا ممن يعرج من الناس على ما وصفنا من هذه الأحاديث الضعاف والأسانيد المجهولة، ويعتدّ بروايتها بعد معرفته بما فيها من التوهن والضعف إلا أن الذي يحمله على روايتها والاعتداد بها إرادة التكثر بذلك عند العوام، ولأن يقال: ما أكثر ما جمع فلان من الحديث وألَّف من العَدد.
ومَنْ ذهب في العلم هذا المذهب، وسَلك هذا الطريق فلا نصيب له فيه، وكان بأن يُسَمَّى جاهلًا أَوْلى من أن يُنسب إلى علم" اهـ
فتأمَّلْ أيها اللبيبُ عناوينَ تلك المسائل، وطالِعْها في تلك المقدمة، تحظى بعلم وافر.
ثم انتقل مسلم إلى مناقشة قضية صحة الاحتجاج بالحديث المعنعن، وقد أطال في تقرير مذهبه فيها، ولعلَّ هذه القضية هي ما يستحوذ على الناظر في تلك المقدمة دون غيرها من الفوائد، ويأتي تحقيقها إن شاء الله عند الكلام على شرط الاتصال من شروط صحة الحديث، فلينظر هناك.
ولمسلم كتاب "التمييز" وهو كتاب حافلٌ، شرح فيه مسلم أنواعَ العلل والأخطاء الواقعة في الأحاديث، والقطعة التي وُجدت منه تنمُّ عن علمٍ جَمٍّ وتمكُّنٍ بالغٍ، وتعطي إشارة مجملة عن قواعد هذا الفن.
وكذا وضع مسلم أصنافًا أخرى من الكتب؛ ككتاب "العلل"، و"أوهام المحدثين"، و"أفراد الشاميين"، و"الوحدان"، و"الأفراد" وغيرها، وإن لم يبلغنا أكثر ذلك.
стр. 1371
(٣)
وكتب ابن أبي حاتم (المتوفَّى سنة ٣٢٧ هـ) مقدمةً لكتاب "الجرح والتعديل" له، بَيَّن فيها:
وجوب التمييز بين عدول الرواة وثقاتهم وأهل الحفظ والمثبت والإتقان منهم، وبَيْن أهل الغفلة والوهم وسوء الحفظ والكذب.
ثم بيَّن تمييز طبقات الرواة ومراتبهم إلى خمسٍ:
الأولى: أهل الحفظ والانتقاد والبحث عن الرجال، وهم أهل التزكية والجرح.
الثانية: أهل العدالة والثبت والصدق والورع والحفظ.
الثالثة: الصدوق الورع الثبت الذي يهم أحيانًا، وقد قبله النقاد، فهو يحتج بحديثه.
الرابعة: الصدوق الورع المغفل الغالب عليه الوهم والخطأ، فهذا يكتب من حديثه الترغيب والترهيب ونحوه، ولا يحتج بحديثه في الحلال والحرام.
الخامسة: مَن أَلْصَقَ نفسه بمن سبق، ودلَّسَها بينهم وليس من أهل الصدق والأمانة، فهذا يترك حديثه ويُطرح.
ثم ذكر طبقات العلماء الجهابذة النقاد، وذكر من أحوالهم ما يستدل به على مكانتهم وبراعتهم وحفظهم، وشيء من مناهجهم وطرائقهم في النقد.
ثم ذكر أبوابًا في الجرح والتعديل وشرح أحوال الرواة، منها:
• نفي تهمة الكذب عن الصحابة في الرواية عن رسول الله ﷺ .
• وأن الأخبار من الدين ووجوب التحرز والتوقي فيها.
• وأن للأخبار جهابذة نُقَّادًا. فذكر منهم:
стр. 1372
إبراهيم النخعي، وقتادة، والزهري، وأيوب، ووكيع، والثوري، وشعبة، وحماد ابن زيد، ومالك، وابن عيينة، والأوزاعي، وابن مهدي، ويحيى القطان، وأحمد بن حنبل، وابن معين، وابن المديني، وأبو زرعة.
ثم قال ابن أبي حاتم: قيل لأبي: فغير هؤلاء -يعني آخر أربعة- تعرف اليوم أحدًا؟ قال: لا.
• وأن وصف الرواة بالضعف ليس بغيبة.
• ووجوب تبيين أمر المجروح.
• وأن صحة الأسانيد خير من علوّها.
• واختيار الأسانيد، وتفضيل بعضها على بعض.
• وعدم سقوط عدالة أهل الكوفة بشرب النبيذ.
• وأنه لا يضر الراوي إذا لم يرزق الحفظ إذا اقتصر على ما في كتابه فحدث به، ولم يزد فيه، ولم ينتقص منه، ولم يقبل التلقين، وهو قول الحميدي.
• وبيان صفة من يحتمل منه الرواية في الأحكام والسنن:
١ - فذكر وصية غير واحدٍ بأن لا يؤخذ الحديث إلا من الثقات.
٢ - وذكر قول ابن عون وعبد الرحمن بن يزيد بن جابر: لا يؤخذ العلم إلا ممن شُهد له بالطلب.
٣ - وقول ابن سيرين في الأخذ من أهل السنة وترك أهل البدع.
٤ - وقول يزيد بن هارون: لا يكتب عن الرافضة؛ فإنهم يكذبون.
٥ - وأن وقوع الغلط في حديث الراوي لا يمنع من الكتابة عنه إلا إذا كان غالبًا.
٦ - وقول شعبة: خذوا العلم من المشهورين.
٧ - وقول الشافعي في "الرسالة" والذي سبق نقله قريبًا.
стр. 1373
• وذِكر ما تحتمل الرواية عنه من الضعفاء في الآداب والمواعظ ونحوها.
• وبيان صفة من لا يحتمل الرواية عنه في الأحكام والسنن، فذكر:
١ - قول من نهى عن أخذ الحديث ممن يعتمد على الصحف دون السماع.
٢ - وقول شعبة في صفة مَن يترك حديثه: إذا حدَّث عن المعروفين ما لا يعرفه المعروفون، وإذا أكثر الغلط، وإذا اتُّهم بالكذب وإذا روى حديثًا غلطا مجتمعًا عليه فلم يتهم نفسه فيتركه.
٣ - وقول مالك في الثقة الذي له كتاب إلا أنه لا يحفظ حديثه: أنه لا يؤخذ عنه؛ لأنه لا يؤمن عليه إذا زيد في الحديث شيء لم يعرفه.
٤ - وقوله أيضًا فيمن لا يؤخذ عنه العلم؛ قال:
رجل معلن بالسَّفَه وإن كان أروى الناس، ورجل يكذب في أحاديث الناس إذا حدَّث بذلك وإن لم يتهم أن يكذب على رسول الله ﷺ ، وصاحب هوى يدعو الناس إلى هواه، وشيخ له فضل وعبادة إذا كان لا يعرف ما يحدث به.
٥ - وذم السماع من أهل الأهواء.
٦ - وقول الحميدي في صفة الغفلة التي يرد بها حديث الرجل، قال:
أن يكون في كتابه غلط، فيقال له في ذلك فيترك ما في كتابه ويحدّث بما قالوا، أو يغيره في كتابه بقولهم؛ لا يعقل فرق ما بين ذلك، أو يصحف تصحيفًا فاحشًا فيقلب المعنى لا يعقل ذلك فيكف عنه.
وكذلك من لُقِّنَ فتلقَّن، التلقين يرد حديثه الذي لقّن فيه، وأخذ عنه ما أتقن حفظه، إذا علم أن ذلك التلقين حادثٌ في حفظه لا يعرف به قديمًا، فأما من عرف به قديمًا في جميع حديثه فلا يقبل حديثه ولا يؤمن أن يكون ما حفظ مما لُقِّن.
стр. 1374
• وذكر بابًا في التيقظ في أخذ العلم والتثبت فيه، وفيه:
١ - كلامٌ لهشام بن عروة وشعبة ويحيى بن سعيد القطان في توقيف المحدث على سماع ما يرويه من الحديث: هل سمعه ممن رواه عنه أم لا؟ ويتأكد الأمر في حَقِّ من عرف بالتدليس إذا لم يصرح بالسماع.
٢ - وقول يحيى القطان في ذم من تدفع إليه كتبه فيقرأ منها ولا يحفظها.
٣ - وقول عبد الرحمن بن مهدي: خصلتان لا يستقيم فيهما حسن الظن: الحُكم والحديث - يعني: لا يستعمل حسن الظن في قبول الرواية عمن ليس بمرضي.
٤ - وقوله: لا يكون الرجل إمامًا مَن يسمع مِن كُلِّ أحدٍ، ولا يكون إمامًا في الحديث مَنْ يحدث بكل ما سمع، ولا يكون إمامًا في الحديث من يتبع شواذ الحديث، والحفظ هو الإتقان.
٥ - وقول مروان بن محمد فيمن أخطأه الحفظ، فرجع إلى كتب صحيحة: لم يضره.
• وذكر بابًا في رواية الثقة عن غير المطعون عليه أنها تقويه وعن المطعون عليه أنها لا تقويه.
١ - وقال: سألت أبي عن رواية الثقات عن رجلٍ غير ثقة مما يقويه؟ قال: إذا كان معروفًا بالضعف لم تقوه روايته عنه، وإذا كان مجهولًا نفعه رواية الثقة عنه.
٢ - ونحوه عن أبي زرعة، وتعليله رواية الثوري عن الكلبي مع ضعفه عنده: بأنه كان على وجه الإنكار والتعجب، لا على وجه القبول له.
• وختم بباب في بيان درجات رواة الآثار، فذكر ثمانية مراتب:
١ - ثقة أو متقن ثبت، فهو ممن يحتج بحديثه.
٢ - صدوق أو محله الصدق أو لا بأس به، فهو ممن يكتب حديثه، وينظر فيه.
٣ - شيخ، وهذا يكتب حديثه وينظر فيه، إلا أنه دون المنزلة السابقة.
٤ - صالح الحديث، فهذا يكتب حديثه للاعتبار.
стр. 1375
٥ - لين الحديث، فهو ممن يكتب حديثه، وينظر فيه اعتبارًا.
٦ - ليس بقوي، فهو بمنزلة السابق إلا أنه دونه.
٧ - ضعيف الحديث، فهو دون السابق، لا يطرح حديثه بل يعتبر به.
٨ - متروك الحديث أو ذاهب الحديث أو كذاب، فهذا ساقط الحديث، لا يكتب حديثه.
وهي عنده أربعة منازل:
رقم (١) المنزلة الأولى، ورقم (٢) المنزلة الثانية، ومن (٣) إلى (٧) المنزلة الثالثة وهي متفاوتة، و (٨) المنزلة الرابعة.
ثم ذكر قول ابن مهدي في تقسيم الرواة إلى ثلاث مراتب:
الأولى: الحافظ المتقن، وهذا لا يُختلف فيه.
الثانية: مَنْ يهم والغالب على حديثه الصحة، فهذا لا يترك حديثه.
الثالثة: من يهم والغالب على حديثه الوهم، فهذا يترك حديثه.
(٤)
ثم وضع الرامهرمزي (المتوفى بعد سنة ٣٥٠ هـ) كتاب "المحدث الفاصل بين الراوي والواعي" ذكروا أنه أول كتاب صُنِّفَ في علوم الحديث، مدحه الذهبي وقال: كتاب ينبىءُ بإمامته.
وهذا تلخيصٌ لما تعرَّض له الرامهرمزي في هذا الكتاب:
• السِّنّ الذي يصلح معه طلب الحديث، وعادة أهل الأمصار في ذلك.
• سِنُّ التحديث والامتناع منه.
• العلوّ والنزول في طلب الحديث.
• فضل الجمع بين الرواية والدراية.
стр. 1376
• تقييد العلم وما يتعلق به.
• من كان يحفظ ثم يكتبه بعد ذلك، وليس في المجلس.
• الصفات الواجب توفرها فيمن يؤخذ منه الحديث.
• العرض على المحدث، والإجازة، والمناولة.
• صيغ الأداء الواردة في الأسانيد.
• قولهم: وجدت في كتاب فلان كذا وكذا.
• إصلاح اللحن والخطأ.
• الرواية بالمعنى.
• التقديم والتأخير، واختصار الحديث.
• المعارضة.
• المذاكرة.
• من كان يتهيب الرواية ويتوقاها ويكثر التشكك.
• من كره كثرة الرواية.
• من كره أن يروي أحسن ما عنده - يعني أغرب ما عنده.
• من كان يقول: مثله ونحوه، ومن كره ذلك.
• في الذي يسمع من المحدث ولا يرى وجهه.
• في الجماعة يسأل بعضهم بعضًا، ويستفهم بعضهم بعضًا في المجلس.
• الانتخاب.
• نقل السماع من الكتب أو من الحفظ بعد المجلس.
• الحك والضرب والحواشي والعلامات والنقط والشكل.
• الجمع بين الرواة.
وهي مباحث مفيدة تلفت النظر إلى قضايا حديثية مهمة في دقائق علم الإسناد والمتن.
стр. 1377
(٥)
ثم جاء أبو عبد الله الحاكم (المتوفى سنة ٤٠٥ هـ) فوضع كتاب "معرفة علوم الحديث" وهو أوسع وأشمل ما كُتب في ذلك حتى زمانه، وهو بديعٌ في بابه، محكمٌ في تصنيفه، جوَّده الحاكم، وأكثر من أنواعه، وشرح أجناس العلل الواقعة في الأسانيد والمتون؛ ونقل عن أئمة هذا الشأن وأهل الاختصاص فيه قواعدَ جمَّة، وتقريرات مهمّة في هذا الباب.
إلا أنه: قد عاد فنقض طائفة من تلك التقريرات والتحريرات في كتابه "المستدرك"، لا سيما بعض الأنواع مثل: النوع (التاسع عشر) وهو: "معرفة الصحيح والسقيم"، الذي يقول فيه:
"إن الصحيح لا يُعرف بروايته فقط، إنما يُعرف بالفهم والحفظ وكثرة السماع، وليس لهذا النوع من العلم عونٌ أكثر من مذاكرة أهل الفهم والمعرفة ليظهر ما يخفى من علة الحديث.
فإذا وجد مثل هذه الأحاديث بالأسانيد الصحيحة غير مخرجة في كتابي الإمامين البخاري ومسلم لزم صاحب الحديث التنقير عن علته، ومذاكرة أهل المعرفة به لتظهر علته". اهـ
فقارن هذا بما قاله في صدر كتاب "المستدرك" والذي أسَّس عليه تصنيفه له.
وكذلك النوع (السابع والعشرين) في "معرفة علل الحديث"، فذكر عشرة أجناس للعلة وجعلها كالمثال لغيرها.
وقارن ذلك بما أُخذ عليه في كتابه "المستدرك" من إخراج كثير من الأخبار المعلَّة. وراجع ترجمة "الحاكم" في القسم الثاني من هذا الكتاب.
стр. 1378
(٦)
ثم جاء الخطيب البغدادي (المتوفى سنة ٤٦٣ هـ) فوضع كتبًا شتى في مجالات علوم الحديث، أهمها "الكفاية في علم الرواية" وهو من أجمع ما كُتب في هذا الشأن، وقد اعتمد كل من أتى بعد الخطيب على كتبه المتنوعة في فنون المصطلح.
وكتاب الخطيب: "الكفاية" من أنفع ما وضع في هذا الباب، إلا أن الخطيب قد خلَط أحيانًا أقوال أهل الاختصاص من أئمة النقد بكلام غيرهم من الأصوليين والمتكلمين.
مثال ذلك ما ذكره في مسألة "زيادة الثقة" (ص ٤٢٤)، حيث قال:
"باب القول في حُكم خبر العدل إذا انفرد برواية زيادةٍ فيه لم يروها غيره"، وكذلك ذكر ما اختلف فيه وصلًا وإرسالًا (ص ٤٠٩) ورفعًا ووقفًا (ص ٤١٧) وذكر مذاهب الناس في ذلك، واختار قبول زيادة الثقة مطلقًا في جميع الأحوال، وكذا تقديم الوصل والرفع على الإرسال والوقف.
وقد انتقده في صنيعه هذا ابنُ رجب في "شرح علل الترمذي" (ص ٤٢٨) عند الكلام على هذا النوع من الاختلاف، فقال:
"كلام أحمد وغيره من الحفاظ يدور على اعتبار قول الأوثق في ذلك والأحفظ ... وذكر الحاكم أن أئمة الحديث على أن القول قول الأكثرين الذين أرسلوا الحديث، وهذا يخالف تصرفه في "المستدرك"، وقد صنَّف في ذلك الحافظ أبو بكر الخطيب مصنفًا حسنًا سماه: "تمييز المزيد في متصل الأسانيد" وقسمه قسمين:
أحدهما: ما حَكم فيه بصحة ذكر الزيادة في الإسناد وتركها.
والثاني: ما حَكم فيه برد الزيادة وعدم قبولها.
стр. 1379
ثم إن الخطيب تناقض، فذكر في كتاب "الكفاية" للناس مذاهب في اختلاف الرواة في إرسال الحديث ووصله، كلها لا تُعرف عن أحدٍ من متقدمي الحفاظ، وإنما هي مأخوذة من كتب المتكلمين.
ثم إنه اختار أن الزيادة من الثقة تقبل مطلقًا، كما نصره المتكلمون وكثير من الفقهاء، وهذا يخالف تصرفه في كتاب "تمييز المزيد". اهـ
ثم ذكر ابنُ رجب أن مراد الأئمة في قبول زيادة الثقة أحيانًا إذا كان الثقة مبرزًا في الحفظ.
قلت: هذا هو الأصل، والقبول يدور على القرائن، فربما توقفوا في زيادة بعض الحفاظ، والميزان بأيديهم، رحمة الله عليهم.
(٧)
ثم جاء القاضي عياض (المتوفى سنة ٥٤٤ هـ) فأخذ من ذلك بنصيب، فألَّف كتابه "الإلمام إلى معرفة أصول الرواية وتقييد السماع"، وضَمَّنَهُ:
• ضوابط سماع الصغير.
• أنواع الأخذ والتحمل، وصحة الاحتجاج بكل منها.
• صيغ التعبير عن تلك الأنواع.
• ضوابط التحديث من الكتب، ومداخل الخلل في الاعتماد على ذلك دون الحفظ لما فيها، وتقديم صاحب الحفظ والكتاب على صاحب الكتاب فقط.
• عناية الراوي بالنقط والشكل، وأثر غياب ذلك في وقوع التصحيف والتحريف لمن لم يتقن حفظ كتابه.
• ضوابط مقابلة ومعارضة الأصول.
• آداب تناول الأصول بالإلحاقات والتصحيح والتمريض والتضبيب والضرب والحك والمحو، ونحو ذلك.
стр. 1380
• تحري الرواية باللفظ، وضوابط الرواية بالمعنى.
• ضوابط تغيير اللحن والخطأ في الكتب.
• ضرورة ضبط اختلاف الروايات في الكتاب الواحد، حتى تتميز ولا تختلط على صاحبها مع طول الزمن وكبر السن، أو على الناظر في كتابه من بعده.
• كيفية رواية الشيخ أحاديثه من كتبه، وكيف يسوق إسناده في كل حديث.
• ضوابط سِنّ ابتداء التحديث والامتناع منه.
• قولٌ لابن مهدي في أهمية انتقاء المحفوظ من العلم، وترك الشاذ، وانتقاء من يروي عنه، وما يرويه.
(٨)
ثم صنف أبو حفص الميانشي (المتوفى سنة ٥٨٠ هـ) جزءًا سماه: "ما لا يسع المحدث جهله" اعتنى به من بعده، ونقلوا عنه في غير موضع.
* * *
وبَعْدُ، فهذا أشهر ما كُتب في هذا الفن رأسًا حتى نهاية القرن الخامس الهجري، وتبقى بعض كتب السؤالات والتواريخ ونحوها، والمتدبر لما حاولتُ سردَه من فوائد تلك الكتب، والمطالع لأصلها، يستطيع الإلمام بحدود هذا العلم وقواعده وأصوله عند أهله على سبيل الإجمال، وعلى التفصيل أحيانا.
وستأتي قريبا أطروحاتٌ بهذا الصدد.
وما سبق سردُه إنما هو دلالةٌ لما يُمكن استخراجُه من كتب أهل الاختصاص، ومحاولةٌ إلى بعث المكنون من مصنفاتهم، فهكذا ينبغي أن تكون فهرسة ما فيها من الفوائد والفرائد، ويبقى كثير منها يحتاج إلى قراءةٍ متأنية، وتحليل لما تحويه من ذلك،
стр. 1381
مع محاولة دفع التأثر بالأفكار المسبقة التي يتداولها أهل المصطلح من المتأخرين، حتى تكون النتائج صافية نقية خالية من العوارض والمؤثرات الخارجية، ثم يُعرض كلامُ المتأخرين على تلك النتائج؛ ليتبين مدى قربه أو بعده منها.
لكن يبقى هنا الشق الثاني من السؤال المتقدم وهو: كيف نفهم التطبيق العملي لتلك القواعد النظرية؟
والجواب:
أن هذا ليس بالأمر الله الهيِّن، وقد كان ما قام به الشيخ العلامة عبد الرحمن المعلمي جهدا من تلك الجهود، بأطروحاته العلمية وتحقيقاته النقدية، ولقد حاولتُ في هذا الكتاب بأقسامه إبراز ذلك الجهد، بما فتح الله عليَّ من ذلك. أسأله تبارك وتعالي أن يجعل هذا العمل خطوة موفقة على هذا الدرب.
وإن من المؤسف أنه قد هُجرت كثيرٌ من قواعد هذا الفن، فنتج عن ذلك ميلٌ واضحٌ عن أحكام المتقدمين وتصرفاتهم حيال الأخبار والاختلاف في أسانيدها ومتونها، ووسَّع المتأخرون ما ضيَّقه المتقدمون واحتاطوا فيه، فتاهت بعض الحقائق، فلزمت العودة إلى أصول هذا الفن لكشف تلك الحقائق.
وإن للأئمة مصنفات، هي كالبيان التطبيقي لكيفية التعامل مع المرويات ورواتها، من ذلك: الكتب المصنفة في التواريخ، والسؤالات، والعلل، والسنن، والصحاح، ونحوها.
• أما كتب التواريخ فمثالها: "تاريخ" ابن معين برواية كل من: الدوري، والدارمي، وتواريخ البخاري الثلاثة: "الكبير"، و"الأوسط"، و"الصغير"، و"تاريخ" يعقوب الفسوي، و"تاريخ" أبي زرعة الدمشقي، و"تاريخ دمشق" لابن عساكر، و"تاريخ بغداد" للخطيب، وغيرها.
стр. 1382
• وأما كتب السؤالات فمنها: ما كان عن الإمام أحمد بن حنبل مثل: "سؤالات أبي داود" له في جرح الرواة وتعديلهم، ويلتحق بها: مسائل ابنه صالح، وابن هانىء وأبي داود، والكرماني، والكوسج، وهي مسائل عامة في الفقه والحديث وغيرهما.
ومنها سؤالات لابن معين حكاها عنه: عثمان بن أبي شيبة، والدقاق، وابن محرز، وابن مرثد الطبراني، وغيرهم.
ومنها سؤالات البرذعي لأبي زرعة الرازي.
ويلتحق بها: سؤالات جماعة للدارقطني مثل: الحاكم، والسهمي، والبرقاني، والسلمي، وغيرهم.
• أما كتب العلل فمنها: كتاب "العلل ومعرفة الرجال" للإمام أحمد رواية ابنه عبد الله، ورواية المروذي، و"علل" الخلال عنه أيضًا.
ومنها: "علل" ابن المديني، و"علل" يعقوب بن شيبة، و"العلل" المنقولة عن أبي زرعة وأبي حاتم الرازي، وما صنفه الذهلي وغيره من الحفاظ في علل أحاديث بعض مشاهير الرواة كالزهري وغيره، ويلتحق بها "علل الدارقطني".
• يضاف إلى ما سبق بعض الكتب المصنفة في الضعفاء ككتاب "الضعفاء الكبير" و"الصغير" للبخاري، وكتاب النسائي أيضًا، ثم كتاب العقيلي، وابن عدي، ويلتحق بها كتاب "المجروحين" لابن حبان.
• بالإضافة إلى بعض كتب السنن التي عنيت بشرح بعض أحوال الرجال، وعلل أحاديثهم، ككتاب "السنن" لأبي داود والنسائي.
• وكذلك اختيارات الشيخين في "صحيحيهما".
* * *
стр. 1383
والسبيل إلى الوقوف على دقائق هذا الفن وخفاياه إنما هو بالتصدي لاستقراء تلك الكتب، ممن له الأهلية في ذلك؛ إذ الأمر يحتاج إلى خلفيات متعددة يُستقرأ من خلالها، من أهمها:
١ - الإلمام بأحوال مشاهير الرواة، ومَن تدور عليهم الأحاديث في البلدان المختلفة، من حيث: طبقاتهم، ومراتبهم، وأصحاب كل منهم، ورحلاتهم، ونحو ذلك من أحوالهم.
٢ - ثم ينبغي أن يتحلى المستقرأ بالخبرة اللازمة لفهم عبارات وتصرفات الأئمة.
٣ - ويتصف مع ذلك بالإنصاف والخشية والورع.
٤ - ويكون مُنْزلا لكل إنسان منزلته اللائقة به، فلا يضع مَنْ حَقُّهُ الرفعُ أو العكس.
٥ - ويكون محترِما لأهل هذا الفن، مُقَدِّرًا لهم، لا يتقدم عليهم بهواه أو بإعجابه برأيه، بل يَتَّهِم نفسه بالقصور نحوهم، ويضع من نفسه حيال علمهم، وما حباهم الله ، ضارعا إلى الله تعالى أن يَمُنَّ عليه بفهم طريقتهم كأقرب ما يكون مرادهم، ثم التوفيق من عند الله سبحانه.
ثم إن مما يُعينُ الطالبَ على إدراك حدودِ هذا العلم ورَسْمِه: ما بدأه أبو عمرو بن الصلاح (المتوفى سنة ٦٤٣ هـ) من محاولة جمع الأبواب والفصول المستخرجة مِنْ كتب مَنْ سبق، فوضع كتابه الشهير في "أنواع علوم الحديث"، وتلاه جمعٌ من أهل الحديث وغيرهم ممن أَثْرَوا هذا المجال بمصنفات عِدَّه، اعتمدوا في وضعها على كتاب ابن الصلاح.
وقد وصف ابن الصلاح نفسُهُ كتابَه وسبب تأليفه له، فقال في صدره:
"لقد كان شأن الحديث فيما مضى عظيمًا، عظيمةً جموعُ طلبته، رفيعةً مقاديرُ حفاظه وحملته، وكانت علومهم بحياتهم حَيَّةً وأفنان فنونه ببقائهم غَضَّة، ومغانيه بأهله آهلة.
стр. 1384
فلم يزالوا في انقراضٍ، ولم يزل في اندراسٍ، حتى آضت به الحال إلى أن صار أهلُه إنما هم شرذمة قليلة العَدد، ضعيفة العُدد، لا تُعنى على الأغلب في تحمله بأكثر من سماعه غُفْلا، ولا تتعنى في تقييده بأكثر من كتابته عُطْلا، مُطَّرحين علومه التي بها جَلَّ قدرُه، مباعدين معارفه التي بها فخم أمره.
فحين كاد الباحثُ عن مُشْكَلِه لا يُلفي بها عارفا، منَّ الله الكريم ﵎ وله الحمد أجمع- بكتاب "معرفة أنواع علوم الحديث" هذا الذي أباح بأسراره الخفية، وكشف عن مشكلاته الأبية، وأحكم معاقده، وقعَّد قواعده، وأنار معالمه، وبيَّن أحكامه، وفصَّل أقسامه، وأوضح أصوله، وشرح فروعه وأصوله، وجمع شتات علومه وفوائده، وقنص شوارد نكته وفوائده".
فذكر من ذلك خمسة وستين نوعا من أنواع علوم الحديث.
وقد اعتنى بهذا الكتاب جماعة من أهل العلم -على اختلاف تخصصاتهم ومشاربهم- بَيْنَ ناظمٍ ومختصر وشارح له، ومن هؤلاء من تناول كثيرًا من قضاياه ومسائله بالتنكيت والتعقيب والاعتراض، وهذا شأن من يُنشىء فنًّا ويبتدؤه، فيأتي من بعده فيزيدُ المسائل تحريرًا وتقعيدًا، كلٌّ بحسب اجتهاده.
فألف النووي (٦٣١ - ٦٧٦) عليه كتابي "الإرشاد"، و"التقريب"، وابن جماعة (٦٣٩ - ٧٣٣) كتاب "المنهل الروي"، وابن دقيق العيد (٦٢٥ - ٧٠٢) كتاب "الاقتراح"، وابن كثير (٧٠١ - ٧٧٤) كتاب "اختصار علوم الحديث"، والزركشي (٧٤٥ - ٧٩٤) كتاب "النكت"، وابن الملقن (٧٢٣ - ٨٠٤) كتاب "المقنع"، والبلقيني (٧٢٤ - ٨٠٥) وكتاب "محاسن الاصطلاح"، وزين الدين العراقي (٧٢٥ - ٨٠٦) "الألفية وشرحها"، وكتاب "التقييد والإيضاح"، وابن حجر (٧٧٣ - ٨٥٢) كتاب "النكت"، و"نزهة النظر"، والسخاوي المتوفى (٩٠٢) كتاب "فتح المغيث"، والسيوطي المتوفى (٩١١) كتاب "تدريب الراوي" على "تقريب" النووي، والصنعاني المتوفى (١١٨٢) كتاب "توضيح الأفكار".
стр. 1385
وغيرهم، لكنَّ هؤلاءِ أشهرُهم.
وكثيرٌ من مباحث هذه الكتب يبْنِيها المتأخر على كلام المتقدم ويزيد شيئًا، أو يحرر قضية، أو يخالف نتيجة، أو يخصص عامًّا، أو يقيد مطلقًا، أو عكسهما، ونحو ذلك من ثمرات النظر.
وقد كانت مباحث هذا الفن وأصوله وقواعده ودقائقه إنما مرجعها إلى أهله الذين هم أعرف به من غيرهم -كدأب أي فن من الفنون- وكان التسليم لهم هو شأن المنصفين من أهل سائر الفنون، حتى إن إمامًا كالشافعي وهو محدث فقيه لا يُنْكَرُ علمُه وفضلُه فيهما، إلا أنه لم يكن يرى في نفسه في كثير من الأحيان أهليةً للاستقلال بالحكم على الحديث، فَيَكِلُ علمَ ذلك إلى أهله، ويُوقفُ عملَه وذهابَه إلى مقتضاه على قول أصحاب الحديث فيه، وهذا مستفيضٌ عنه.
والله من وراء القصد، وهو حسبنا ونعم الوكيل.
* * *
стр. 1386
الفصل الثاني
مراتب نقد الخبر، وشرائط قبول الحديث
ذكر العَلَّامة المعلمي في "الاستبصار" (ص ٨) أربع مراتب لنقد الخبر:
المرتبة الأولى: النظر في أحوال رجال سنده واحدًا واحدًا (١).
وسيأتي تفصيل الكلام على هذه المرتبة في "الشروط الواجب توفرها في الراوي" من شرائط قبول الحديث.
الثانية: النظر في اتصاله.
وسيأتي تناوله في الشروط المذكورة أيضًا.
الثالثة: البحث والنظر في الأمور التي تدل على خطإ إن كان.
وهذه تشمل: جمع طرق الخبر، مع السبر والاعتبار، والبحث عما يكون من علَّةٍ أو شذوذٍ أو غير ذلك.
وسيأتي شيء من ذلك.
الرابعة: النظر في الأدلة الأخرى مما يوافقه أو يخالفه.
وهذه تشمل: جمع سائر الأخبار في الباب، والنظر فيما يتعلق بذلك الخبر من عام وخاص، ومطلق ومقيد، وناسخ ومنسوخ، ونحو ذلك، أي ما يتعلق بعلم الجمع والترجيح.
стр. 1387
شرائط قبول الحديث:
أولًا: الشروط الواجب توفرها في المخبِر "الراوي".
- الشرط الأول: الإسلام.
- الشرط الثاني: البلوغ.
- الشرط الثالث: العقل.
- الشرط الرابع: العدالة.
- الشرط الخامس: الضبط.
وهذه الشروط الخمسة هي المندرجة تحت المرتبة الأولى من مراتب نقد الخبر، وهي محل البحث في الصفحات التالية.
ثانيًا: شرط الاتصال؛ وسيبحث في المرتبة الثانية من مراتب نقد الخبر.
ثالثًا: انتفاء الشذوذ والعلّة؛ وسيبحث ذلك في المرتبة الثالثة، وهي بأول المجلد الرابع من هذا الكتاب.
* * *
стр. 1388
أولًا: الشروط الواجب توافرها في الراوي
الشرط الأول: الإسلام
قال العلامة المعلمي في "الاستبصار" (ص ٨ - ١٤):
"شرط قبول الخبر أن يكون المُخْبِرُ حين أخبر به مسلمًا بالغًا عاقلًا عدلًا ضابطًا.
أما الإسلام فلاشتراطه أدلةٌ، منها: أن عامة الأدلة على مشروعية العمل بخبر الواحد في الدين خاصة واردة في خبر المسلم، ومنها: قول الله ﵎ في المنافقين والرد عليهم: ﴿وَمِنْهُمُ الَّذِينَ يُؤْذُونَ النَّبِيَّ وَيَقُولُونَ هُوَ أُذُنٌ قُلْ أُذُنُ خَيْرٍ لَكُمْ يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَيُؤْمِنُ لِلْمُؤْمِنِينَ وَرَحْمَةٌ لِلَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ وَالَّذِينَ يُؤْذُونَ رَسُولَ اللَّهِ لَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾ [التوبة: ٦١]. أي ويصدق المؤمنين.
ومنها: قوله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ جَاءَكُمْ فَاسِقٌ بِنَبَإٍ فَتَبَيَّنُوا أَنْ تُصِيبُوا قَوْمًا بِجَهَالَةٍ فَتُصْبِحُوا عَلَى مَا فَعَلْتُمْ نَادِمِينَ (٦)﴾ [الحجرات: ٦].
والكفر من الفسق قال تعالى: ﴿أَفَمَنْ كَانَ مُؤْمِنًا كَمَنْ كَانَ فَاسِقًا لَا يَسْتَوُونَ (١٨)﴾ إلى قوله: ﴿وَأَمَّا الَّذِينَ فَسَقُوا فَمَأْوَاهُمُ النَّارُ كُلَّمَا أَرَادُوا أَنْ يَخْرُجُوا مِنْهَا أُعِيدُوا فِيهَا وَقِيلَ لَهُمْ ذُوقُوا عَذَابَ النَّارِ الَّذِي كُنْتُمْ بِهِ تُكَذِّبُونَ﴾ [السجدة: ٢٠].
وقال سبحانه: ﴿وَلَقَدْ أَنْزَلْنَا إِلَيْكَ آيَاتٍ بَيِّنَاتٍ وَمَا يَكْفُرُ بِهَا إِلَّا الْفَاسِقُونَ﴾ [البقرة: ٩٩].
والآيات في ذلك كثيرة.
стр. 1389
وتبادر "المسلم" من نحو قولك: "رأيت رجلًا فاسقا" من العرف الحادث بعد صَدْر الإسلام، وسببه أنها (١) صار الغالب إذا ذُكر الكافر أن يُذكر بلفظه الخاص به "كافر" أو ما يعطي ذلك مثل: يهودي، ونصراني، ومجوسي، وإذا ذُكر المسلم الذي ليس بعدل أن يذكر بنحو: فاسق، وفاجر، ومثل هذا العرف لا يعتد به في فهم القرآن.
وغفل بعضهم عن هذا، فظن أن دخول الكافر في الآية إنما هو من باب الفحوى، قال: لأنه أسوأ حالًا من الفاسق.
ونوقش في ذلك بأن الفسق مظنة التساهل في الكذب؛ إذ المانع من الكذب هو الخوف من الله ومن عيب الناس، ومرتكب الكبيرة قد دل بارتكابه إياها على ضعف هذا الخوف من نفسه.
وأما الكافر فقد يكون عدلا في دينه بأن يكون يحسب أنه على الدين الحق، ويحافظ على حدود ذلك الدين، ويخاف الله والناس بحسب ذلك.
أقول: في هذا نظر؛ فإن الحجة قد قامت على الكافر، فدل ذلك على كذبه في زعمه أنه يعتقد أن دينه حق.
والكافر الذي بلغته دعوة الإسلام لا يخلو عن واحد من ثلاثة أمور:
الأول: التقصير في البحث عن الدين الحق.
الثاني: الهوى الغالب.
الثالث: العناد.
ولو برىء من هذه الثلاثة لأسلم، قال الله ﵎: ﴿وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنِ افْتَرَى عَلَى اللَّهِ كَذِبًا أَوْ كَذَّبَ بِالْحَقِّ لَمَّا جَاءَهُ أَلَيْسَ فِي جَهَنَّمَ مَثْوًى لِلْكَافِرِينَ (٦٨) وَالَّذِينَ جَاهَدُوا فِينَا لَنَهْدِيَنَّهُمْ سُبُلَنَا وَإِنَّ اللَّهَ لَمَعَ الْمُحْسِنِينَ﴾ [العنكبوت: ٦٨ - ٦٩].
стр. 1390
وقد اتفقوا على أن من كان مسلما مخالطا للمسلمين، ثم ارتكب كبيرة قد قامت الحجة بأنها كبيرة؛ كأن ترك صوم رمضان، فهو فاسق، فإن زاد على ذلك فزعم أنه لا حجة عنده على تحريم ما ارتكبه كان مرتدا، وهو في باب الأخبار أسوأ حالًا من المسلم المرتكب الكبيرة مع اعترافه بأنها كبيرة.
فإن قيل: إننا نجد من الكفار من يبالغ في تحري الصدق والأمانة حتى إن من يخبر حاله، ويتبع أخباره، قد يكون أوثق بخبره من خبر كثير من عدول المسلمين.
قلت: وكذلك في فساق المسلمين ممن يترك الصلاة المفروضة -مثلا- من يكون حاله في إظهار تحري الصدق والأمانة كحال الكافر المذكور.
وحَلُّ الإشكال من أوجه:
الوجه الأول: أن الظاهر من حال الكافر والفاسق الذي يُعرف بتحري الصدق أن المانع له من الكذب: الخوفُ من الناس، وحُبُّ السمعة الحسنة بينهم، وعلى هذا فهذا المانع إنما يؤثر في الأخبار التي يَخاف من اطلاع الناس على جلية الحال فيها، فلا يؤمن ممن هذا حاله أن يكذب إذا ظن أنه لا يوقف على كذبه.
الوجه الثاني: أنه لا يستنكر من الشارع أن لا يعتد بصدق مثل هذا؛ لأنه ليس بصدق يحمده عليه الشارع؛ إذ الباعث عليه هو رئاء الناس كما علمت.
الوجه الثالث: أنه لو فرض أنه يحصل من الوثوق بخبره كما يحصل بخبر المسلم العدل، فقد يكون الشارع جعل كفر هذا الرجل أو فسقه مانعا من قبول خبره في الدين؛ زجرا له، وعونا له على نفسه، لعله يستنكف من تلك الحال فيتوب، ورفعا لتلك المرتبة العلية -وهي أن يدان بخبر الرجل- عمن لا يستحقها.
الوجه الرابع: أن السبب الباعث على الحكم قد يكون خفيا، أو غير منضبط، فإذا كان هكذا فلو كَلَّفَ الشارعُ الناسَ ببناء الحُكم عليه، كان في ذلك مفاسد:
стр. 1391
منها: أنه من باب التكليف بما لا يطاق.
ومنها: أنه فتح لباب اتباع الهوى، ولكثرة الاختلاف واتهام الحكام، وغير ذلك.
فاقتضت الحكمة أن يبني الشارع الحكم على أمر آخر يشتمل على ذلك السبب غالبا، ثم تكفل الله بتطبيق العدل بقضائه وقدره.
مثل ذلك: أن السبب الباعث على شرع العقوبة على ذنب هو الذنب، فإذا شرعت العقوبة على وجهين -مثلا- فإنما ذلك لاختلاف حال ذلك الذنب، فمن ذلك الزنا شرع الحد عليه على وجهين:
الأول: الجلد.
الثاني: الرجم.
ولا يخفى أن الجلد أخف من الرجم، وأن حقه أن يكون الرجم عقوبة لمن يكون زناه جرما أغلظ من زنا من عقوبته الجلد، ولكن الغلظ والخفة في الإجرام بالزنا لا ينضبط؛ لأنَّ شديد الشهوة أقرب إلى العذر من ضعيفها، وشدتها وضعفها أمر خفي وغير منضبط، والعاشق أقرب إلى العذر من غيره، والعشق يَخْفى ولا ينضبط، والمصادف للمرأة بغتة أقرب إلى العذر من المتصدي لها، والعاجز عن التزوج بالمرأة أقرب إلى العذر من القادر على زواجها، في أمور أخر.
فلذلك عَلَّقَ الشارعُ الفرقَ بالإحصان وعدمه؛ لأنَّ الغالب أن يكون المحصن أضعف عذرا من غيره، على أنه قد يتفق خلاف ذلك، فقد يكون شاب فقير، قوي البنية، شديد الشهوة، عاشقا لامرأة، عاجزا عن التزوج بها، وهو يحبس نفسه عن التعرض لها، والقرب من مكانها، ثم حاول أن يدافع داعيته، فتزوج امرأة فقيرة، فبات معها ليلة فهلكت، ثم لم يستطع الزواج بغيرها، ولم تزل نفسه متعلقة بمعشوقته، فبينا هو ليلة في خلوة لم يفجأه إلا دخول معشوقته عليه، ورميها نفسها بين ذراعيه، فلم يتمالك أن كان ما كان.
стр. 1392
وآخر غني، ضعيف البنية، ضعيف الشهوة، لم يتزوج حتى شاخ وضعف، فتعرض مرة لامرأة لو شاء لتزوجها، ولكنه لم يلتفت إلى ذلك، بل تبعها ووقع عليها، فظاهرٌ أن ذنب هذا الشيخ الذي لم يحصن أغلظ من ذنب ذلك الشاب الذي قد أحصن بدرجات، ولكن مع ذلك حَدّ الشاب المحصن الرجم، وحَدّ الشيخ الذي لم يحصن الجلد.
إلا أننا نقول: إن الحكمة اقتضت في القانون الكلي أن يُناط الفرقُ بالإحصان وعدمه، والله هو الرقيب على عباده، يطبق العدل بقضائه وقدره، كأن يستر ذلك الشاب، ويفضح هذا الشيخ، أو غير ذلك، فإنه سبحانه بكل شيء خبير، وعلى كل شيء قدير.
ومن ذلك: القاتل إذا تعمد الضرب قد تكون عقوبته الدية، وقد تكون القتل قودا، والمعقول أن جرمه إنما يختلف بأن يكون قصد القتل أو لم يقصده، ولكن قصده القتل أمر خفي لا يعلم كما ينبغي إلا بقوله، والقاتل غالبا يدفع عن نفسه القتل، فهو وإن قصد القتل -حري بأن يقول: لم أقصده، والقرائن عامتها تشتبه، فناط الشارعُ الفرقَ بأقوى القرائن، وهي الآلة، وموضع الضرب بها، فإن كان الضرب في ذلك المكان من قِبل تلك الآلة من شأنه أن يَقتل حُكم بالقود؛ إذ الغالب أن القاتل قصد القتل، وإلا فلا، وكأنه -والله أعلم- بناء على هذا ذهب مالك: إلى أن الوالد إذا قتل ولده قتلة شنيعة كأن أضجعه فذبحه وجب القصاص، وإلا فلا، كأنه بنى دفع القصاص عن الوالد بأن الغالب أنه لا يقصد القتل، فلم يوجب القصاص عليه إلا في الحال التي يمتنع فيها أن يكون لم يقصد القتل.
стр. 1393
هذا وقد يتفق في مَن حقُّه بحكم الشرع أن يُقاد منه أن لا يكون قصد القتل، وفي مَن حقُّه أن لا يُقاد منها (١) أنه قصد القتل، فمثل هذا يطبق الله العدل فيه بقضائه وقدره.
إذا تقرر هذا فمظنته (٢) أن لا يكذب المخبِر في خبر عن الشرع مما لا ينضبط، فضبطه الشارع بالإِسلام والعدالة، وقد يتفق في المسلم العدل أن يكذب خطأ أو عمدًا، وفي غيره أن يصدق، ولكن الله ﵎ يطبق العدل بقضائه وقدره، فيهدي أهل العلم إلى معرفة خطأ ذلك أو عمده، ويغنيهم عن خبر الكافر أو الفاسق بأن ييسر لهم علمه من غير طريقه.
فإن قيل: قد لا يهتدي بعضهم إلى الخطأ، وقد لا يقف بعضهم على الطريق.
قلت: إن قصَّر فهو الموقع نفسه في ذلك، وإن لم يُقَصِّر فذلك داخل في تدبير الله ، وتطبيقه العدل، والحكم بقضائه وقدره، والبحث طويل، وفي هذا كفاية. اهـ.
* * *
стр. 1394
الشرط الثاني: البلوغ
قال المعلمي في "الاستبصار" (ص ١٥):
"وأما البلوغ فهو حَدُّ التكليف، ولا يتحقق الخوف من الله والخوف من الناس إلا بعده؛ لأن الصبي مرفوع عنه القلم، فلا يخاف الله ، وكذلك لا يخاف الناس؛ لأنهم إن ظهروا على كذبٍ منه قالوا: صبي، ولعله لو قد بلغ وتمَّ عقلُه لتحرز، ومع هذا فلا تكاد تدعو الحاجة إلى رواية الصبي؛ لأنه إن روى فالغالب أن المروي عنه حي، فيُراجع، فإن كان قد مات فالغالب إن كان الصبي صادقًا أن يكون غيره ممن هو أكبر قد سمع من ذلك المخبر أو غيره، فإن اتفق أن لا يوجد ذلك الخبر إلا عند ذلك الصبي فمثل هذا الخبر لا يوثق به.
هذا، وعامَّةُ الأدلة على شرع العمل بخبر الواحد موردها في البالغين. اهـ.
قال أبو أنس:
ما ذكره الشيخ المعلمي: ينطبق على الراوي حال الأداء، أما التحمّل ففي الكُتب المعنية بهذا الشأن جدلٌ وكلامٌ لكبار الأئمة بهذا الصدد، أرى من تمام الفائدة أن ألقي الضوء عليها:
• فمن أول من تعرض لهذه المسألة: الرامهرمزي في كتاب "المحدث الفاصل" ففيه باب: "القول في أوصاف الطالب والحد الذي إذا بلغه صلح يطلب فيه".
وهو باب طويل، أسند فيه إلى ابن عيينة قوله: قال الزهري: ما رأيت طالبا للعلم أصغر منه، يعنيني، وسمعت منه وأنا ابن خمس عشرة سنة. قال الرامهرمزي: وقد أخبر ابن عيينة من رواية الجوهري أنه كتب عن الزهري وهو ابن خمس عشرة، فصار بين ابتداء كتبه عنه إلى يوم توفي الزهري سنتان أو نحوهما، واستصغره الزهري لخمس عشرة، وهي حدّ البلوغ عند مالك والشافعي وأبي يوسف ومحمد.
стр. 1395
ثم قال: وحكى لي حال أن الأوزاعي سُئل عن الغلام يكتب الحديث قبل أن يبلغ الحدَّ الذي تجري عليه فيه الأحكام؟ فقال: إذا ضبط الإملاء جاز سماعه وإن كان دون العشر، واحتج بحديث سبرة بن معبد أن النبي ﷺ قال: "مروا أولادكم بالصلاة لسبع، واضربوهم عليها لعشر".
قال: وهذه حكاية عن الأوزاعي لا أعرف صحتها، إلا أنها صحيحة الاعتبار؛ لأنَّ الأمر بالصلاة والضرب عليها إنما هو على وجه الرياضة، لا على وجه الوجوب. وكذلك كَتْبُ الحديث، إنما هو لِلِّقاء وتحصيل السماع، وإذا كان هذا هكذا فليس المعتبر في كَتب الحديث البلوغ ولا غيره، بل يُعتبر فيه الحركة والنضاجة والتيقظ والضبط.
قال: وقد دَلَّ قولُ الزهري: ما رأيت طالبا للعلم أصغر من ابن عيينة، على أن طلاب الحديث عصر التابعين كانوا في حدود العشرين، وكذلك يُذكر عن أهل الكوفة ... وذكر أخبارا في ذلك.
ثم قال: ولو كان السماع لا يصح إلا بعد العشرين لسقطت رواية كثير من أهل العلم سوى من هو في عداد الصحابة ممن حفظ عن النبي ﷺ وهو صغير، ثم ذكر من هؤلاء: الحسن بن علي، وعبد الله بن عباس، قال: وقال علي بن المديني: حفظ المسور بن مخرمة وهو ابن ثمان، وحفظ عمر بن أبي سلمة عن النبي ﷺ وهو ابن سبع سنين، وكذلك السائب بن يزيد، وكذلك سهل بن أبي حثمة وثابت بن الضحاك الأشهلي، هؤلاء أبناء ثمان سنين، فأما عبد الله بن حنظلة الراهب، فإن رسول الله ﷺ توفي وهو ابن سبع سنين، وله رواية.
قال: وقال أحمد بن حنبل: حدثني ثابت بن الوليد بن عبد الله بن جميع حدثني أبي قال: قال أبو الطفيل: أدركت ثماني سنين من حياة رسول الله ﷺ ، وولدت عام أحد.
وإلى مسلمة بن مخلد قال: قدم النبي ﷺ المدينة وأنا ابن أربع سنين، ومات وأنا ابن أربع عشرة.
стр. 1396
ثم ذكر حكايات في حضور ما عُبِّرَ عنه بـ"الصبيان" مجالس بعض المشايخ مثل: الأعمش، وحماد بن سلمة، وعبد الله بن المبارك، وإسماعيل بن رجاء، ثم ذكر حكاية عن ابن عيينة استدل بها على أنه حفظ عن عبدة بن أبي لبابة وهو ابن عشر أو في حدودها.
• ثم جاء الخطيب فذكر في كتابه "الكفاية" (ص ٥٤) بابًا في: "ما جاء في صحة سماع الصغير"، صدَّره بقوله: قد اختلف أهل العلم في التحمُّل قبل البلوغ، فمنهم من صحح ذلك، ومنهم من دفع صحته.
قال: قلَّ من كان يثبت -وفي رواية: يكتب- الحديث على ما بلغنا في عصر التابعين وقريبًا منه إلا من جاوز حدَّ البلوغ، وصار في عداد من يصلح لمجالسة العلماء ومذاكرتهم وسؤالهم.
وقيل إن أهل الكوفة لم يكن الواحد منهم يسمع الحديث إلا بعد استكماله عشرين سنة، ويشتغل قبل ذلك بحفظ القرآن وبالتعبد.
وقال قوم: الحد في السماع خمس عشرة سنة: وقال غيرهم: ثلاث عشرة، وقال جمهور العلماء: يصح السماع لمن سنه دون ذلك، وهذا عندنا هو الصواب.
ثم ذكر الخطيب حكايات عن بعض العلماء تؤيد ما ذكره آنفا، ثم نقل عن الرامهرمزي -وهو ابن خلاد- ما نقلناه عنه قريبا في سماع جماعة من الصحابة وهم صبية، وزاد: وتزوج رسول الله ﷺ عائشة وهي بنت ست سنين، وابتنى بها وهي بنت تسع، وروت عنه ما حفظته في ذلك الوقت. وروى معاوية بن قرة المزني عن أبيه قال: كنت غلاما صغيرا فمسح رسول الله ﷺ رأسي ودعا لي.
... وممن كثرت الرواية عنه من الصحابة وكان سماعه في الصغر: أنس بن مالك، وعبد الله بن عباس، وأبو سعيد الخدري.
وكان محمود بن الربيع يذكر أنه عقل مجة مجها رسول الله ﷺ في وجهه من دلو كان معلقا في دارهم، وتوفي رسول الله ﷺ وله خمس سنين.
стр. 1397
ثم ذكر الخطيب بأسانيده سماع طائفة من الصحابة من النبي ﷺ وهم صغار، ثم ذكر جماعة كسعيد بن عامر وسفيان بن عيينة احتج أهل العلم بروايتهم ما سمعوه قبل الاحتلام.
ثم أسند الخطيب إلى عبد الله بن أحمد بن حنبل قال: سألت أبي: متى يجوز سماع الصبي في الحديث؟ فقال: إذا عقل وضبط. قلت: فإنه بلغني عن رجل سميته أنه قال: لا يجوز سماعه حتى يكون له خمس عشرة سنة؛ لأنَّ النبي ﷺ رد البراء وابن عمر استصغرهم يوم بدر، فأنكر قوله هذا، وقال: بئس القول، يجوز سماعه إذا عقل، فكيف يصنع بسفيان بن عيينة ووكيع، وذكر أيضًا قوما.
وفي رواية لاحقة عن أحمد أيضًا: "إنما ذلك في القتال، يعني: ابن خمس عشرة سنة"، أو كلاما ذا معناه، وفي أخرى: سئل عن سماع الصغير متى يصح؟ قال: إذا عقل. وسئل عن إسحاق بن إسماعيل وقيل له: إنهم يذكرون أنه كان صغيرا، فقال: قد يكون صغيرا يضبط. قيل له: فالكبير وهو لا يعرف الحديث ولا يعقل؟ قال: إذا كتب الحديث فلا بأس أن يرويه.
قال الخطيب: أراد أبو عبد الله بذلك أن يكون الكبير يضبط كتابه، غير أنه لا يعرف علل الأحاديث واختلاف الروايات ولا يعقل المعاني واستنباطها، فمثل هذا يكتب عنه لصدقه وصحة كتابه وثبوت سماعه.
وممن قال بما استنكره أحمد: ابن معين.
فأسند الخطيب إلى عباس الدوري قال: سمعت يحيى بن معين يقول: حد الغلام في كتاب الحديث: أربع عشرة سنة أو خمس عشرة سنة، أو كما قال (١).
стр. 1398
وإلى أبي داود السجستاني قال: سمعت الحسن بن علي يعني الحلواني يقول: سمعت يزيد يعني ابن هارون يقول: مقدار الغلام عندنا في الحديث يعني ثلاث عشرة سنة، ثم أورد الخطيب حديثا لحفص بن غياث من رواية علي بن المديني عنه، وذكر ابن المديني عن حفص قوله: سمعت هذا الحديث من سبعين سنة ولم أبلغ عشر سنين.
ثم اسند إلى الرامهرمزي ما نقلناه عنه آنفا حتى قوله: ... فليس المعتبر في كتب الحديث البلوغ ولا غيره، بل يعتبر فيه الحركة والنضاجة والتيقظ والضبط. فقال الخطيب: قد تقدمت منا الحكاية عن بعض أهل العلم أن السماع يصح بحصول التمييز والإصغاء حسب، ولهذا بكروا بالأطفال في السماع من الشيوخ الذين علا إسنادهم.
ثم ذكر شواهد على ذلك، منها: رواية الدبري عن عبد الرزاق، وقد مات الثاني وللأول ست سنين أو سبع، قال الخطيب: روى الدبري عن عبد الرزاق عامّة كتبه، ونقلها الناس عنه، وسمعوها منه.
ومنها: رواية القاسم بن جعفر بن عبد الواحد الهاشمي عن أبي علي اللؤلؤي كتاب "السنن" لأبي داود وأكبر سن سمعه فيه وله خمس سنين. قال الخطيب: واعتد الناس بذلك السماع ونقل عنه الكتاب عامةُ أهل العلم من حفاظ الحديث والفقهاء وغيرهم.
ثم ذكر حالات كأنها نادرة مستظرفة في سماع البعض في سن الرابعة، وأخرى في سن أقل من الثالثة.
ثم أسند إلى موسى بن هارون الحمال وسأله أبو القاسم عبيد الله بن أحمد بن بكير التميمي: متي يسمع الصبي الحديث؟ فقال: إذا فرق بين البقرة والحمار.
ثم عاد الخطيب بعد أبواب، فذكر فصل (ص ٧٦) قال فيه:
قد ذكرنا حكم السماع، وأنه يصح قبل البلوغ، وأما الأداء بالرواية فلا يكون صحيحا يلزم العمل به إلا بعد البلوغ، ويجب أيضًا أن يكون الراوي في وقت أدائه عاقلا مميزا.
стр. 1399
واستدل الخطيب على ذلك بحديث أبي الضحى عن علي (ولم يدركه) عن النبي ﷺ قال: "رفع القلم عن ثلاثة: عن النائم حتى يستيقظ، وعن الصبي حتى يحتلم، وعن المجنون حتى يفيق" (وفي الحديث خلاف كثير، وفي رفعه ووقفه وغير ذلك، راجع نصب الراية ٤/ ٢٠٩).
قال الخطيب: ولأن حال الراوي إذا كان طفلا أو مجنونا دون حال الفاسق من المسلمين، وذلك أن الفاسق يخاف ويرجو ويتجنب ذنوبا ويعتمد قربات، وكثير من الفساق يعتقدون أن الكذب على رسول الله ﷺ والتعمد له ذنب كبير وجرم غير مغفور، فإذا كان خبر الفاسق الذي هذه حاله غير مقبول، فخبر الطفل والمجنون أَوْلى بذلك، والأمة مجمعة على ما ذكرناه، لا نعرف بينها خلافا فيه.
هذا آخر ما أورده الخطيب حيال هذه القضية.
ولخص أبو عمرو بن الصلاح ذلك، وجمع شتاته في النوع الرابع والعشرين من كتابه "معرفة علوم الحديث" (ص ٢٤١) فقال:
"يصح التحمل قبل وجود الأهلية، فتقبل رواية من تحمل قبل الإسلام وروى بعده، وكذلك رواية من سمع قبل البلوغ وروى بعده، ومنع من ذلك قوم فأخطئوا؛ لأن الناس قبلوا رواية أحداث الصحابة كـ: الحسن بن علي، وابن عباس، وابن الزبير، والنعمان بن بشير، وأشباههم من غير فرق بين ما تحملوا قبل البلوغ وما بعده، ولم يزالوا قديما وحديثا يحضرون الصبيان مجالس التحديث والسماع، ويعتدون بروايتهم لذلك، والله أعلم".
ثم قال بعد قليل:
"أما الاشتعال بكتبة الحديث وتحصيله وضبطه وتقييده، فمن حين يتأهل لذلك ويستعد له، وذلك يختلف باختلاف الأشخاص، وليس ينحصر في سن مخصوص".
стр. 1400
ثم ذكر الاختلاف في أول زمان يصح فيه سماع الصغير، فأورد ما سبق نقله عن موسى بن هارون، وأحمد بن حنبل في ذلك.
ثم نقل عن القاضي عياض قوله: قد حدد أهل الصنعة في ذلك أن أقله سن محمود بن الربيع. وذكر رواية البخاري في "صحيحه" بعد أن ترجم: "متى يصح سماع الصغير" بإسناده عن محمود بن الربيع قال: عقلت من النبي ﷺ مجة مجها في وجهي وأنا ابن خمس سنين من دلو -وفي رواية أخرى- أنه كان ابن أربع سنين.
هذا ما نقله عن القاضي وأزيد عنه قوله:
وليعلم إنما أرادوا أن هذا السن أقل ما يحصل به الضبط وعقل ما يسمع وحفظه وإلا فمرجع ذلك للعادات؛ فرب بليد الطبع غبي الفطرة لا يضبط شيئًا فوق هذا السن.
ثم قال ابن الصلاح:
"التحديد بخمس هو الذي استقر عليه عمل أهل الحديث المتأخرين، فيكتبون لابن خمس فصاعدا: سمع، ولمن لم يبلغ خمسًا: حضر، أو أُحضر.
والذي ينبغي في ذلك أن نعتبر في كل صغير حاله على الخصوص، فإن وجدناه مرتفعا عن حال من لا يعقل فهما للخطاب وردا للجواب ونحو ذلك صححنا سماعه، وإن كان دون خمس، وإن لم يكن كذلك، لم نصحح سماعه وإن كان ابن خمس بل ابن خمسين".
ثم قال بعد:
"وأما حديث محمود بن الربيع فيدل على صحة ذلك من ابن خمس مثل محمود، ولا يدل على انتفاء الصحة فيما لم يكن ابن خمس، ولا على الصحة فيمن كان ابن خمس ولم يميز تمييز محمود ﵁، والله أعلم. اهـ
стр. 1401
قال أبو أنس:
مع صحة سماع من يُميز ما يسمعه، دون التقيد بسن في ذلك كما سبق رجحانه، فإن الأئمة لم يُنزلوا سماعَ الصغير والكبير منزلة واحدة، فإن من الأسباب التي ربما أعلوا بها رواية رجل عن شيخه إذا قامت القرائن عندهم على ذلك: استصغار الرجل في شيخه؛ كما قيل في:
قبيصة بن عقبة السوائي في سفيان الثوري، وابن وهب في ابن جريح، ومعمر في قتادة وأبي بكر بن أبي الأسود في ابن عيينة، وإسحاق بن إسماعيل الطالقاني في نحو جرير بن عبد الحميد، وغيرهم.
وممن تكلم في بعض هذا السماع للصغر: أحمد بن حنبل، وهو الذي سبق النقل عنه أنه يرى أن الصغر ليس يلزم معه عدم الضبط، وترى شرح ذلك بشيء من التفصيل في رسالتي "ثمرات النخيل في شرح أسباب التعليل".
والله تعالى الموفق.
* * *
стр. 1402
الشرط الثالث: العقل
وقال (ص ١٥) أيضًا:
"وأما العقل فالأمر فيه أظهر؛ إذ المراد هنا أن لا يكون مجنونًا، فأما المغفَّل فيأتي الكلام فيه في الباب الخامس (١) إن شاء الله تعالى.
الشرط الرابع: العدالة
وفيه مباحث:
المبحث الأول: في معنى العدالة.
المبحث الثاني: في ذكر بعض شروط تحقيق العدالة.
أولًا: هل يكفي أن يكون المُعَدِّلُ واحدًا أم يشترط التعدد؟
ثانيًا: هل يشترط أن يكون المعَدِّلُ معاصرًا لمن يعدِّله؟
المبحث الثالث: في عدالة الصحابة.
المبحث الرابع: في عدالة التابعين.
المبحث الخامس: في أوجه الطعن في العدالة.
* * *
стр. 1403
المبحث الأول
في معنى العدالة
قال العلامة المعلمي في "الاستبصار" (ص ١٦):
"والعدالة مصدر عدل الرجل صار عادلًا، والعدل في الحكم: الإنصاف فيه، كأنه من عدل الغِرَارَتين (١) على البعير مثلا، أي التسوية بينهما حتى تكونا متعادلتين، فيبقى الحمل معتدلًا مستقيمًا لا ميل فيه، فالعدل في الحكم إذًا: أن ننظر ميل المائل عن الحق فيرده (٢) إليه، وحاصله أن يُتحرى الحق فيقضي به.
فالعدالة إذًا:
هي الاستقامة على حدود الشرع، والفسق هو الخروج عن هذه الصفة، قالوا: وأصله من فسقت الرطبة إذا خرجت عن قشرتها. اهـ.
قال أبو أنس:
تعريف العدالة إجمالا: هو ملكة في الشخص تحمله على ملازمة التقوى والمروءة.
وسيأتي شيء من ذلك في الكلام على الوجه الخامس والسادس من أوجه الطعن في العدالة من المبحث الخامس منه.
سؤال: هل تقتضي العدالةُ انتفاءَ "هوى النفس" عن صاحبها؟
قال المعلمي في القاعدة الثالثة من قسم القواعد من "التنكيل" وهي "رواية المبتدع":
стр. 1404
"قد عَرَّفَ أهلُ العلم العدالةَ بأنها "ملكة تمنع عن اقتراف الكبائر وصغائر الخسّة ... " زاد السبكي: "وهوى النفس"، وقال: "لا بد منه، فإن المتقي للكبائر وصغائر الخسّة مع الرذائل المباحة قد يتبع هواه عند وجوده لشيء منها فيرتكبه، ولا عدالة لمن هو بهذه الصفة".
نقله المحلى في "شرح جمع الجوامع" لابن السبكي، ثم ذكر أنه صحيح في نفسه ولكن لا حاجة إلى زيادة القيْد، قال: "لأن من عنده ملكة تمنع عن اقتراف ما ذكر ينتفي عنه اتباع الهوى لشيء منه، وإلا لوقع في المهوي فلا يكون عنده ملكة تمنع منه".
أقول: ما من إنسان إلا وله أهواء فيما ينافي العدالة، وإنما المحذور اتباع الهوى. ومقصود السبكي تنبيه المعدِّلين، فإنه قد يخفى على بعضهم معنى "الملكة" فيكتفي في التعديل بأنه قد خبر صاحبه فلم يره ارتكب منافيًا للعدالة فيعدِّله، ولعله لو تدبَّر لعلم أن لصاحبه هوى غالبًا يُخشى أن يحمله على ارتكاب منافي العدالة إذا احتاج إليه وتهيأ له، ومتى كان الأمر كذلك فلم يغلب على ظن المعدِّل حصول تلك الملكة وهي العدالة لصاحبه، بل إما أن يترجح عنده عدم حصولها فيكون صاحبه ليس بعدل، وإما أن يرتاب في حصولها لصاحبه، فكيف يشهد بحصولها له؟ كما هو معنى التعديل.
وأهل البدع كما سماهم السلف: "أصحاب الأهواء" واتّباعهم لأهوائهم في الجملة ظاهر، وإنما يبقى النظر في العمد والخطأ، ومن ثبت تعمده أو اتهمه بذلك عارفوه لم يُؤمن كذبه.
وفي "الكفاية" للخطيب (ص ١٢٣) عن علي بن حرب الموصلي:
"كل صاحب هوى يكذب ولا يبالي".
يريد والله أعلم أنهم مظنة ذلك، فيحترس من أحدهم حتى يتبين براءته.
стр. 1405
هذا إذا كانت حجج السنة بينة، فالمخالف لها لا يكون إلا معاندًا أو متبعًا للهوى معرضًا عن حجج الحق، واتباع الهوى والإعراض عن حجج الحق قد يفحش جدًّا حتى لا يحتمل أن يعذر صاحبه، فإن لم يجزم أهل العلم بعدم العذر فعَلَى الأقَلّ لا يمكنهم تعديل الرجل، وهذه حال الداعية ... فأما غير الداعية فقد مَرَّ نقل الإجماع على أنه كالسني، إذا ثبتت عدالته قبلت روايته ... ".
* * *