قال أبو أنس:
مع صحة سماع من يُميز ما يسمعه، دون التقيد بسن في ذلك كما سبق رجحانه، فإن الأئمة لم يُنزلوا سماعَ الصغير والكبير منزلة واحدة، فإن من الأسباب التي ربما أعلوا بها رواية رجل عن شيخه إذا قامت القرائن عندهم على ذلك: استصغار الرجل في شيخه؛ كما قيل في:
قبيصة بن عقبة السوائي في سفيان الثوري، وابن وهب في ابن جريح، ومعمر في قتادة وأبي بكر بن أبي الأسود في ابن عيينة، وإسحاق بن إسماعيل الطالقاني في نحو جرير بن عبد الحميد، وغيرهم.
وممن تكلم في بعض هذا السماع للصغر: أحمد بن حنبل، وهو الذي سبق النقل عنه أنه يرى أن الصغر ليس يلزم معه عدم الضبط، وترى شرح ذلك بشيء من التفصيل في رسالتي "ثمرات النخيل في شرح أسباب التعليل".
والله تعالى الموفق.
* * *
стр. 1402
الشرط الثالث: العقل
وقال (ص ١٥) أيضًا:
"وأما العقل فالأمر فيه أظهر؛ إذ المراد هنا أن لا يكون مجنونًا، فأما المغفَّل فيأتي الكلام فيه في الباب الخامس (١) إن شاء الله تعالى.
الشرط الرابع: العدالة
وفيه مباحث:
المبحث الأول: في معنى العدالة.
المبحث الثاني: في ذكر بعض شروط تحقيق العدالة.
أولًا: هل يكفي أن يكون المُعَدِّلُ واحدًا أم يشترط التعدد؟
ثانيًا: هل يشترط أن يكون المعَدِّلُ معاصرًا لمن يعدِّله؟
المبحث الثالث: في عدالة الصحابة.
المبحث الرابع: في عدالة التابعين.
المبحث الخامس: في أوجه الطعن في العدالة.
* * *
стр. 1403
المبحث الأول
في معنى العدالة
قال العلامة المعلمي في "الاستبصار" (ص ١٦):
"والعدالة مصدر عدل الرجل صار عادلًا، والعدل في الحكم: الإنصاف فيه، كأنه من عدل الغِرَارَتين (١) على البعير مثلا، أي التسوية بينهما حتى تكونا متعادلتين، فيبقى الحمل معتدلًا مستقيمًا لا ميل فيه، فالعدل في الحكم إذًا: أن ننظر ميل المائل عن الحق فيرده (٢) إليه، وحاصله أن يُتحرى الحق فيقضي به.
فالعدالة إذًا:
هي الاستقامة على حدود الشرع، والفسق هو الخروج عن هذه الصفة، قالوا: وأصله من فسقت الرطبة إذا خرجت عن قشرتها. اهـ.
قال أبو أنس:
تعريف العدالة إجمالا: هو ملكة في الشخص تحمله على ملازمة التقوى والمروءة.
وسيأتي شيء من ذلك في الكلام على الوجه الخامس والسادس من أوجه الطعن في العدالة من المبحث الخامس منه.
سؤال: هل تقتضي العدالةُ انتفاءَ "هوى النفس" عن صاحبها؟
قال المعلمي في القاعدة الثالثة من قسم القواعد من "التنكيل" وهي "رواية المبتدع":
стр. 1404
"قد عَرَّفَ أهلُ العلم العدالةَ بأنها "ملكة تمنع عن اقتراف الكبائر وصغائر الخسّة ... " زاد السبكي: "وهوى النفس"، وقال: "لا بد منه، فإن المتقي للكبائر وصغائر الخسّة مع الرذائل المباحة قد يتبع هواه عند وجوده لشيء منها فيرتكبه، ولا عدالة لمن هو بهذه الصفة".
نقله المحلى في "شرح جمع الجوامع" لابن السبكي، ثم ذكر أنه صحيح في نفسه ولكن لا حاجة إلى زيادة القيْد، قال: "لأن من عنده ملكة تمنع عن اقتراف ما ذكر ينتفي عنه اتباع الهوى لشيء منه، وإلا لوقع في المهوي فلا يكون عنده ملكة تمنع منه".
أقول: ما من إنسان إلا وله أهواء فيما ينافي العدالة، وإنما المحذور اتباع الهوى. ومقصود السبكي تنبيه المعدِّلين، فإنه قد يخفى على بعضهم معنى "الملكة" فيكتفي في التعديل بأنه قد خبر صاحبه فلم يره ارتكب منافيًا للعدالة فيعدِّله، ولعله لو تدبَّر لعلم أن لصاحبه هوى غالبًا يُخشى أن يحمله على ارتكاب منافي العدالة إذا احتاج إليه وتهيأ له، ومتى كان الأمر كذلك فلم يغلب على ظن المعدِّل حصول تلك الملكة وهي العدالة لصاحبه، بل إما أن يترجح عنده عدم حصولها فيكون صاحبه ليس بعدل، وإما أن يرتاب في حصولها لصاحبه، فكيف يشهد بحصولها له؟ كما هو معنى التعديل.
وأهل البدع كما سماهم السلف: "أصحاب الأهواء" واتّباعهم لأهوائهم في الجملة ظاهر، وإنما يبقى النظر في العمد والخطأ، ومن ثبت تعمده أو اتهمه بذلك عارفوه لم يُؤمن كذبه.
وفي "الكفاية" للخطيب (ص ١٢٣) عن علي بن حرب الموصلي:
"كل صاحب هوى يكذب ولا يبالي".
يريد والله أعلم أنهم مظنة ذلك، فيحترس من أحدهم حتى يتبين براءته.
стр. 1405
هذا إذا كانت حجج السنة بينة، فالمخالف لها لا يكون إلا معاندًا أو متبعًا للهوى معرضًا عن حجج الحق، واتباع الهوى والإعراض عن حجج الحق قد يفحش جدًّا حتى لا يحتمل أن يعذر صاحبه، فإن لم يجزم أهل العلم بعدم العذر فعَلَى الأقَلّ لا يمكنهم تعديل الرجل، وهذه حال الداعية ... فأما غير الداعية فقد مَرَّ نقل الإجماع على أنه كالسني، إذا ثبتت عدالته قبلت روايته ... ".
* * *
стр. 1406
المبحث الثاني
في ذكر بعض شروط تحقيق العدالة
الشرط الأول
هل يكفي أن يكون المُعَدِّلُ واحدًا، أم يشترط التعدد؟
تمهيد:
قال أبو بكر الخطيب البغدادي في "الكفاية" (ص ٩٦):
باب القول في العدد المقبول تعديلهم لمن عَدَّلُوه:
قال بعض الفقهاء: لا يجوز أن يقبل في تعديل المحدث والشاهد أقل من اثنين، وردوا ذلك إلى الشهادة على حقوق الآدميين، وأنها لا تثبت بأقل من اثنين.
وقال كثير من أهل العلم: يكفي في تعديل المحدث المزكي الواحد، ولا يكفي في تعديل الشاهد على الحقوق إلا اثنان.
وقال قوم من أهل العلم: يكفي في تعديل المحدث والشاهد تزكية الواحد إذا كان المزكي بصفة من يجب قبول تزكيته.
والذي نستحبه أن يكون من يزكي المحدث اثنين للاحتياط، فإن اقتصر على تزكية واحد أجزأ، يدل على ذلك أن عمر بن الخطاب قَبِلَ في تزكية سُنين أبي جميلة قولَ عريفه، وهو واحد ... (١).
стр. 1407
ويدل على ذلك أيضًا أنه قد ثبت وجوب العمل بخبر الواحد، فوجب لذلك أن يُقبل في تعديله واحد ... (١).
تحقيق العلامة المعلمي لهذا المبحث:
قال في "الاستبصار" (ص ٤١):
"أما المعدِّل فشرطه أن يكون في نفسه بالغًا، عاقلا، عدلا، عارفا بما يثبت العدالة وما ينافيها، ذا خبرة بمن يعدله، ولا بد أن يكون متيقظًا، عارفا بطباع الناس وأعرافهم.
وهل يكفي الواحد؟ اختلف في ذلك:
فقال أبو عبيد القاسم بن سلام: لا بد من ثلاثة، واحتج بما في "صحيح" مسلم (٢) من حديث قبيصة بن المخارق عن النبي ﷺ : "إن المسألة لا تحل إلا لأحد ثلاثة: رجل تحمَّل حمالة ... ورجل أصابته فاقةٌ حتى يقول ثلاثةٌ من ذوي الحِجا من قومه: لقد أصابت فلانا فاقةٌ، فحلَّت له المسألة حتى يُصيب قِواما من عَيش".
قال أبو عبيد: "وإذا كان هذا في حق الحاجة فغيرها أولى" "فتح المغيث" (ص ١٢٣).
أقول: ومما يساعده أن العدالة تتعلق بما يخفى من حال الإنسان كالحاجة.
ولكن يَرِدُ عليه أمورٌ:
منها: أن هذا الحديث تفرد به عن قبيصة: كنانة بن نعيم، ولم يُعَدِّلْهُ ثلاثة ... وإنما قال ابن سعد: "فهو معروف ثقة إن شاء الله" فلم يجزم، ووثقه العجلي، وسيأتي في بحث المجهول أن في توثيقه نظر، وأن مذهبه قريب من مذهب ابن حبان، ووثقه
стр. 1408
ابن حبان، ومذهبه معروف في التسامح، ويأتي بيانه -أيضًا-، فإذا عددنا إخراج مسلم لحديثه توثيقا، فلم يَسلمْ له إلا مسلم.
الأمر الثاني: أن هؤلاء كلهم لم يدركوا كنانة، وإنما وثقوه بناء على مذاهبهم أن من روى عنه الثقات، ولم يجرح، ولم يأت بمنكر، فهو ثقة، وسيأتي الكلام في هذا - إن شاء الله تعالى.
الأمر الثالث: ظاهر الحديث أنه لا يحل لمحتاج المسألة حتى يقوم ثلاثة من ذوي الحجا من قومه فيخبرون أنه نزلت به فاقة، ولا يُعرف أحدٌ قال بهذا، بل مدار الحِلِّ عند أهل العلم على نفس الحاجة، فإن احتاج في نفسه إلى المسألة حلَّت له، ولا نعلم أحدا تكلف العمل بهذا، وليس هذا من ردِّ السنة بعدم العمل بموافقٍ لها، أو عاملٍ بها، المقصود أن مثل هذا قد يُستنكر فيصير الحديث منكرا، فيقدح في راويه -أعني: كنانة بن نعيم- مع قِلِّة مَا لَه من الحديث ومع أنه في حديثه هذا شيء من الاختلاف: فرواه حماد بن زيد عن هارون بن رئاب عن كنانة كما مَرَّ.
ورواه ابن عيينة عن هارون، فقال في أوله: "إن المسألة لا تصلح" وقال مرة: "حرمت" أخرجه أحمد في "المسند" (٣/ ٤٧٥).
ورواه إسماعيل بن علية عن أيوب عن هارون، فلم يذكر محل الشاهد أصلًا، بل قال: "إن المسألة لا تحل إلا لثلاثة ... ورجل أصابته فاقة فيسأل حتى يصيب قواما من عيش" أخرجه أحمد في "المسند" (٥/ ٦٠).
الأمر الرابع: أن مقتضى حمل الشاهد والمخبر على المحتاج: أن لا يحل أن يشهد أحد أو يخبر حتى يعدله ثلاثة، وهذا لا قائل به، ولا يُعلم واحد فضلا عن ثلاثة عَدَّلَ كنانة قبل أن يخبر.
الأمر الخامس: أن الأولوية التي ادعاها أبو عبيد غير ظاهرة، بل الصواب عكس ما قال: وبيان ذلك أن الحكمة في تحريم المسألة حتى يشهد ثلاثة من ذوي الحجا من
стр. 1409
قومِ مَنْ يريدُ المسألة هي أولًا: منع أهل الستر عن المسألة بدون حاجة؛ لأن أحدهم يرى أنه لو استشهد ثلاثة من قومه لا يشهدون له، وإن أقدم على المسألة بدون شهادة كان عند الناس أنه أقدم على محرم، وهو يكره ذلك محبة الستر.
وثانيًا: شَرْعُ طريقٍ يُرجى أن يَستغني بها المحتاج من أهل الصلاح أو الستر، فلا يحتاج إلى المسألة البتة، وإيضاحه أنه لا يقدم على المسألة بدون استشهاد فيضطر إلى أن يطالب ثلاثة من ذوي الحجا من قومه بأن يشهدوا له، ولا ريب أنهم إذا علموا حاجته وجب عليهم أحد أمرين: إما أن يقوموا فيشهدوا، وإما أن يواسوه من أموالهم بما يغنيه عن المسألة، ولعل هذا الثاني يكون أيسر عليهم؛ لأنهم يرون أن اقتصارهم على أن يقوموا فيشهدوا يحمل الناس على أن يرموهم باللؤم، ويقول الناس: أما كان في أموال هؤلاء الثلاثة متسع لأن يواسوا ابن عمهم بما يسد فاقته إلى أن يجد قواما من عيش؟! ولهذا -والله أعلم- شرط في الحديث أن يكونوا من قومه، وأن يكونوا من ذوي الحجا، وأن يكونوا ثلاثة؛ لأن الغالب أن الثلاثة لا يكونون كلهم فقراء أو لؤماء.
وعلى فرض أنهم قاموا فشهدوا، فالغالب أن قومه عندما يسمعون شهادة الثلاثة من ذوي الحجا فيهم يجمعون له ما يكفيه بدون أن يحتاج إلى مسألة، وعلى هذا قد أغنى الله ذلك المحتاج بدون أن يحتاج إلى مسألة؛ لأن مطالبة الثلاثة بأن يشهدوا ليس مسألة لهم، وإظهاره الحاجة ليس بمسألة صريحة، وإظهاره العزم على المسألة ليس بمسألة فتدبر، وليس في الشهادة والإخبار أثر لهذا المعنى، على أن المحتاج مضطر إلى أن يستشهد الثلاثة، فلا يكون في اشتراط ذلك مفسدة، والشاهد والمخبر غير مضطرين إلى الشهادة والإخبار، بل إن شروط أن يتقدم تعديل الثلاثة على الشهادة والإخبار -ما هو مقتضى حملهما على المسألة كما مَرَّ- وجد الشاهد عذرًا لعدم حضوره إلى الحاكم، وأما المخبر فيجد عذرا لكتمانه العلم.
стр. 1410
وقال جماعة: لا بد من اثنين، قال السخاوي في "فتح المغيث" (ص ١٢٣):
حكاه القاضي أبو بكر بن الباقلاني عن أكثر الفقهاء من أهل المدينة وغيرهم؛ لأن التزكية صفة فيحتاج في ثبوتها إلى عدلين، كالرشد والكفاءة وغيرهما، وقياسا على الشاهد بالنسبة لما هو المرجح فيها عند الشافعية والمالكية، بل هو قول محمد بن الحسن، واختاره الطحاوي.
وعارض الخطيب في الكفاية (ص ٤٧) (١) هذا القياس بقياس آخر (٢) حاصله أنه لا يكفي في شهود الزنا إلا أربعة، ومع ذلك اكتفي في إثبات الإحصان الذي به ثبت الرجم باثنين، وقد اكتفي في إثباتها بدون ما اكتفي به في الأخبار، إلا أنه غير ممكن.
وكأن الخطيب عدل عما هو أوضح في هذا خوف النقض؛ وذلك أن أوضح من هذا أن يقال: لم يكتف في عدد شهود الزنا بأقل من أربعة واكتفى في عدد مزكيهم باثنين وواحد عند قوم، فقياس ذلك أن يكفي في عدد مزكي المخبر دون ما يكفي في عدد المخبر، ونقضه أن يقال: قد اكتفى قوم في الأموال بشاهد ويمين، ولم يكتفوا في تعديل هذا الشاهد إلا باثنين اتفاقا.
стр. 1411
وهذا كله حِجَاج (١)، والصواب إنما هو النظر في النصوص، فإن وجد فيها دلالة بَيِّنَةً فذاك، وإلا نظر في التعديل: أشهادة هو، أم خبر، أم شهادة في تعديل الشاهد وخبر في تعديل المخبر؟
فإن تعين واحدٌ من هذه الثلاثة فذاك وإلا نظر في الحكمة التي لأجلها فرق الشارع بين الشهادة والخبر، ثم ينظر في التعديل: أَمِثْل الشهادة في تلك الحكمة، أم كالخبر؟
فهذه ثلاثة مسالك.
فأما النصوص فهاكها:
فمنها: حديث "الصحيحين" (٢) عن أنس في الثناء على الميت وفيه: "مر بجنازة فأثنوا عليها خيرا. فقال النبي ﷺ : "وجبت"، ثم مروا بأخرى فأثنوا عليها شرا. فقال: "وجبت"، فقال عمر بن الخطاب ﵁: ما وجبت؟ قال: "هذا أثنيتم عليه خيرا فوجبت له الجنَّة، وهذا أثنيتم عليه شرا فوجبت له النار، أنتم شهداء الله في الأرض".
ولهما (٣): من طريق أبي الأسود عن عمر نحو هذه كقصته، فقال أبو الأسود: فقلت: وما وجبت يا أمير المؤمنين؟ قال: قلت كما قال النبي ﷺ : "أيما مسلم شهد له أربعة بخير أدخله الله الجنة فقلنا: وثلاثة؟ قال: وثلاثة، فقلنا: واثنان؛ قال: واثنان، ثم لم نسأله عن الواحد".
فورد تفسير هذا بما رواه أحمد وابن حبان والحاكم في حديث أنس مرفوعًا: "ما من مسلم يموت فيشهد له أربعة من جيرانه الأدنين أنهم لا يعلمون منه إلا خيرا إلا قال الله تعالى: قد قبلت قولكم وغفرت له ما لا تعلمون".
стр. 1412
ذكره الحافظ في "الفتح"، وإيضاحه أن في الصحيحين أيضًا عنه ﷺ : "كل أمتي معافى إلا المجاهرين"، وعقبه البخاري بحديث ابن عمر مرفوعًا: "يدنو أحدكم من ربه حتى يضع كنفه عليه، ثم يقول: عملت كذا وكذا فيقول: نعم، ويقول: عملت كذا وكذا، فيقول: نعم، فيقرره، ثم يقول: إني سترت عليك في الدنيا فأنا أغفرها لك اليوم".
وفي معنى هذا أحاديث أخرى في أن من ستره الله من المؤمنين في الدنيا لم يفضحه في الآخرة.
ومن السر في ذلك والله أعلم؛ أن الإنسان إذا أظهر المعصية كان ذلك مما يجرىء الناس عليها:
أولًا: لأنه يكثر تحديثهم بها فتنتبه الدواعي إلى مُتعها، وقد قال الله ﵎: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يُحِبُّونَ أَنْ تَشِيعَ الْفَاحِشَةُ فِي الَّذِينَ آمَنُوا لَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ وَاللَّهُ يَعْلَمُ وَأَنْتُمْ لَا تَعْلَمُونَ﴾ [النور: ١٩].
ثانيًا: لأنه إذا لم يعاجَل بالعقوبة هانت على الناس.
ثالثًا: لأن العاصي يتجرأ على المعاصي بعد ذلك؛ لأنه كان يخاف أولًا على شرفه وسمعته، وبعد الفضيحة لم يبق ما يخاف عليه، بل يقول كما تقول العامة: "يا آكل الثوم كُل وأكثر".
رابعًا: أنه يحرص على أن يدعو الناس إلى مثل فعله؛ ليشاركوه في سوء السمعة، فتخف الملامة عنه.
خامسًا: يخرج بذلك عن قول الله ﴿كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ تَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ﴾ [آل عمران: ١١٠] لأنه إن أمر بمعروف أو نهى عن المنكر قيل له: ابدأ بنفسك ألم تفعل كذا وكذا؟!.
سادسًا: يكون سببًا لعدم إفادة أمر غيره بالمعروف ونهيه عن المنكر؛ لأن من يؤمر أو يُنهى يقول: لست وحيدا في هذا، قد فعل فلان كذا وفلان كذا، وأنا واحد من جملة الناس.
стр. 1413
سابعًا: أن ذلك يقلل خوف الناس من الله ، يقول أحدهم: أنا من جملة عباد الله العاصين، هذا فلان وهذا فلان وذاك فلان، وقد تقدم في فصل (٥) حديث: " ... ومن سن في الإسلام سنة سيئة كان عليه وزرها ووزر من عمل بها من بعده".
وفي "الصحيحين" (١): "لا تُقتل نفس ظلمًا إلا كان على ابن آدم الأول كفل منها؛ لأنه أول من سن القتل".
وقد قال الله : ﴿لِيَحْمِلُوا أَوْزَارَهُمْ كَامِلَةً يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَمِنْ أَوْزَارِ الَّذِينَ يُضِلُّونَهُمْ بِغَيْرِ عِلْمٍ أَلَا سَاءَ مَا يَزِرُونَ﴾ [النحل: ٢٥].
وقوله: "بغير علم" يصح أن يكون حالًا من الفاعل والمفعول معا فيدخل فيه أن المتبوع يحمل من أوزار من تبعه وإن لم يعلم بأنهم يتبعونه، كما أن ابن آدم الأول لم يكن يعلم بمن سيستن به في القتل، وليس ما تقدم بمخالف لقول الله : ﴿أَلَّا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى﴾ [النجم: ٣٨]. وما في معناها؛ لأن التحقيق أن المتبوع إنما عُذب بوزره. وبيان ذلك أن أصل الإثم في المعصية منوط بتعمدها، وأما زيادة قدره فمنوط بما ينشأ عنها من المفاسد.
ألا ترى لو أن ثلاثة صوبوا بنادقهم إلى ثلاثة قاصدين رميهم، ثم أطلقوا بنادقهم: أن أصل الإجرام قد وقع من كل منهم، وأما زيادة مقداره فموقوف على ما ترتب على ذاك الفعل، فلو أخطأ أحدُهم وأصاب آخرُ فجَرَحَ وأصاب الثالثُ فقَتَل، لكان جُرْمُ الثالث أغلظَ من جُرم الثاني، وجُرمُ الثاني أغلظَ من جُرم الأول.
وقد حرَّم الله ما حرَّم ولم يُفَصِّلْ ما يترتب على المحرمات من المفاسد، فمن علم بالتحريم، ثم أقدم على الفعل، فقد التزم ما يترتب عليه من المفاسد، فدخلت كلها في وزره، وإن لم يعلم بتفصيلها، فتدبر.
стр. 1414
هذا وقوله ﷺ : إن الله يقول: "وغفرت له ما لا يعلمون" ظاهر في أن شهادتهم إنما تنفع إذا كانت مطابقة لعلمهم؛ لأنه إنما يغفر له ما لا يعلمون، فإن كانوا علموا شرا فكتموه وقالوا: لم نعلم إلا خيرًا أو نحو ذلك، لم ينفعه ذلك، بل يضرهم؛ لأنهم شهدوا زورا.
وبناء النبي ﷺ الحكم على ثناء الناس بقوله: "وجبت" صريح في أن الذين أثنوا كانوا عدولا عنده ﷺ ، فبنى على أن شهادتهم مطابقة للواقع في أن الذي أثنوا عليه خيرًا لم يظهر منه للناس إلا خير.
وإذا كان الإنسان بحيث لا يظهر منه لجيرانه الأدنيين ونحوهم من أهل الخبرة إلا الخير العدل، والمُثني عليه منهم بذلك معدل له، فالمثنون على الميت من جيرانه وأهل الخبرة به معدلون له، وقد نص في الحديث على أنه يكفي في ذلك الأربعة ويكفي الثلاثة ويكفي الاثنان، ففي هذا دليل واضح على كفاية الاثنين في التعديل.
ويبقى النظر في الواحد، فقد يقال: قد ثبت في حديث جابر وغيره أنه كان للصحابة ﵃ أن يراجعوا النبي ﷺ مرتين، فإذا قال الثالثة، لم يكن لهم أن يراجعوه بعدها، وشواهد هذا في الأحاديث كثير، فابتداؤه ﷺ بذكر الأربعة يشعر بالنهي عن السؤال عن الواحد؛ وذلك أنه ﷺ لعله إنما ابتدأ بالأربعة مستشعرًا أنهم سيراجعونه فيسألونه عن الثلاثة، ثم يراجعونه ثانية فيسألونه عن الاثنين، ثم يقفون؛ لما تقرر عندهم من المنع عن المراجعة فوق اثنتين.
وفي هذا دلالة ما على أن ثناء الواحد لا يكفي لبناء الحكم بوجوب الجنة، فأما وجوب الجنة في نفس الأمر فقد ظهر مما تقدم أنها تجب لمن لم يظهر منه إلا الخير وإن لم يُثن عليه أحد، ففائدة الشهادة على هذا إنما هي لحكم من يسمعها ممن لم يخبر حال الميت بمقتضاها؛ كقوله ﷺ : "وجبت".
стр. 1415
وقد يحتمل أن الشهادة تنفع، فمن لم يشهدوا له في الدنيا، وكان في نفسه لم يظهر للناس منه إلا الخير، فيحتاج في الآخرة إلى أن يسأله الله ، كما في حديث ابن عمر المتقدم، ثم يقول له: "إني سترت عليك في الدنيا فأنا أغفرها لك اليوم"، ومن شهدوا له لم يحتج إلى هذا السؤال والعلم عند الله .
وقد يقال: إن قول عمر: "ثم لم نسأله عن الواحد" يشعر بأنّه لم يفهم من الحديث أن الواحد لا يكفي.
وأقول: إذا صح أن في الحديث إشارة إلى ذلك لم يضرها أن يتردد فيها الصحابي، لكن لقائل أن يقول: فسلمنا إشارة ما إلى أنه لا يكفي ثناء الواحد على الميت في الحكم له بالجنة، ولكن لا يلزم من هذا عدم الاكتفاء بتعديل الواحد للشاهد والمخبر، فإن الحكم للميت بالجنة لا ضرورة إليه ولا كبير حاجة. فإذا كان من أهل الجنة ولم يحكم له [الناس بأنه من أهلها] (١) لم يترتب على ذلك مفسدة بخلاف الشهادات والأخبار؛ فإن الضرورة فيها قائمة، وفي رد شهادة العدل وخبر الصادق ما لا يخفى من المفاسد، فتأمل.
ومن النصوص ما وقع في قضية الإفك من سؤال النبي ﷺ أسامة عن عائشة، فأخبر أنه لا يعلم إلا خيرًا، وكذلك سأل بريرة وسأل أيضًا زينب بنت جحش وكلتاهما أثنت خيرًا، وبنى النبي ﷺ على ذلك قوله على المنبر: "من يعذرني في رجل قد بلغني أذاه في أهل بيتي، فوالله ما علمت على أهلي إلا خيرًا".
وفي الاحتجاج بهذا نظر؛ لأن النبي ﷺ كان هو نفسه خبيرًا بعائشة، وإنما استظهر بسؤال غيره؛ لئلا يقول المنافقون: إن محبته إياها (والعياذ بالله) ... (٢).
وهذا -والله أعلم- من الحكمة في تأخير الله إنزال براءتها.
стр. 1416
وقال البخاري في "الصحيح": "باب إذا زكى رجل رجلًا كفاه"، وقال أبو جميلة: وجدت منبوذا فلما رآني عمر قال: "عسى الغوير أبؤسًا" كأنه يتهمني، قال عريفي: إنه رجل صالح قال: كذلك، اذهب وعلينا نفقته.
وهذا الأثر أخرجه مالك في "الموطأ"، وفيه بعد قوله "كذلك": "قال: نعم. فقال عمر: اذهب فهو حر، ولك ولاؤه، وعلينا نفقته".
والحجة فيه أن عمر قَبِلَ تعديل التعريف وَحْدَهُ، وبنى على ذلك تصديق أبي جميلة في أن ذلك الطفل كان منبوذًا، وأقره في يده، ولا يُقر اللقيط إلا في يد عدل، وحكم له بولائه، وأنفق عليه من بيت المال.
وقد أجيب على هذا بأنه مذهب لعمر مع أن أبا جميلة إما صحابي وإما من كبار التابعين، فلا يلزم من الاكتفاء في تعديله بواحد أن يكتفى بذلك فيمن بعد ذلك.
وهذا الجواب ضعيف، والظاهر أن هذا مذهب عمر، فإن لم يكن في النصوص ما يخالفه ولا نقل عن الصحابة ما يخالفه صح التمسك به.
ثم ذكر البخاري في الباب حديث أبي بكرة: "أثنى رجل على رجل عند النبي ﷺ فقال: ويلك قطعت عنق صاحبك، مرارا"، ثم قال: "من كان منكم مادحًا أخاه لا محالة فليقل: أحسب فلانا، والله حسيبه؛ ولا أزكي على الله أحدا، أحسبه كذا وكذا، إن كان يعلم ذلك منه".
قال ابن حجر في "الفتح": "ووجه احتجاجه بحديث أبي بكرة أنه ﷺ اعتبر تزكية الرجل إذا اقتصد؛ لأنه لم يعب عليه إلا الإسراف والتغالي في المدح. واعترضه ابن المنير بأن هذا القدر كاف في قبول تزكيته، وأما اعتبار النصاب فمسكوت عنه. وجوابه أن البخاري يجري على قاعدته بأن النصاب لو كان شرطا لذكر؛ إذ لا يؤخر البيان عن وقت الحاجة".
стр. 1417
أقول: لا يخفى حال هذا الجواب؛ فإنه ليس في الحديث أن الممدوح شهد أو أخبر، ولا أن النبي ﷺ بنى على مدح المادح حُكْمًا يحتاج فيه إلى عدالة الممدوح، وليس هناك حاجة لبيان نصاب التعديل.
نعم الأشبه بدقة نظر البخاري: تعالى، ولطف استنباطه، إذ فهم من قول النبي ﷺ للمادح: "قطعت عنق صاحبك" ثناء على الممدوح؛ فإن قطع العنق كناية عن الإهلاك، والمعنى كما قال الغزالي: "إن الآفة على الممدوح أنه لا يأمن أن يُحدث فيه المدح كبرًا أو إعجابًا، أو يتكل على ما شهره به المادح، فيفتر عن العمل؛ لأن الذي يستمر على العمل غالبا هو الذي يعد نفسه مقصرًا" ذكره في "الفتح".
فكأن البخاري: فهم أن المدح إنما يقطع عنق من له عنق، والكافر والفاسق مقطوعة أعناقهما، ففي قوله ﷺ : "قطعت عنق صاحبك" دلالة على أنه ﷺ قضى بأن للممدوح عنقًا يخشى أن يقطعها المادح بمدحه، العنق هي العدالة، فقد تضمن ذلك القضاء بأن الممدوح عدل، وهذا على لطفه لا يكفي للحجة، وفيه بُعْد؟ ذلك أنه ليس في الحديث أنه ﷺ لم يكن يعرف الممدوح، حتى يقال: إنه إنما أثبت له سلامة العنق بثناء ذاك المادح.
وأما المسلك الثاني (١): فالأقرب أن تزكية الشاهد شهادة، وأما تزكية المخبر فإن كانت ممن جاوره أو صحبه مدة فالظاهر أنها خبر، وإن كانت ممن تأخر عليه كتعديل الإمام أحمد لبعض التابعين فقد يقال: إنها حكم؛ لأن أئمة هذا الفن في معنى المنصوبين من الشارع أو من جماعة الأمة لبيان أحوال الرواة ورواياتهم، وقد يقال: إنها فتوى؛ لأنها خبر عما أدى إليه النظر والاجتهاد، وهو إن لم يكن حكمًا شرعيا فتبنى عليه أحكام شرعية كما لا يخفى، والأقرب أنها خبر أيضًا.
стр. 1418
وأما المسلك الثالث (١): فقد شرحت في رسالة الاحتجاج بخبر الواحد بعض ما ظهر لي من الحكمة في أنه لا يكفي في الزنا أقل من أربعة شهود، وفي الدماء وغيرها بشاهدين، وفي الأموال بشاهدين ويمين المدعي عند قوم، والاكتفاء في الخبر بواحد، والذي يظهر من ذلك أن تعديل الشاهد كالشهادة بالدماء ونحوها في أنه لا يكفي إلا اثنان، وأن تعديل المخبر كالخبر.
وعلى كل حال فخبر من عدله اثنان أرجح من خبر من لم يعدله إلا واحد، وإن قامت الحجة بكل منهما، والله أعلم.
هذا كله حال المُعَدِّل، فأما الجارح، فشرطه أن يكون عدلًا، عارفًا بما يوجب الجرح إن جرح ولم يفسر وقلنا يقبوله. واشترط بعضهم أيضًا أن لا يكون بينه وبين المجروح عداوة دنيوية شديدة؛ فإنها ربما أوقعت في التحامل ولا سيما إذا كان الجرح غير مفسر، وزاد غيرهم العداوة الدينية (٢). كما يقع بين المختلفين في العقائد، وقد بسطت القول في ذلك في " ... " (٣).
والكلام في عدد الجارح كما مر في المعدل. اهـ.
* * *
стр. 1419
الشرط الثاني
هل يشترط أن يكون المُعَدِّل معاصرًا لمن يُعدِّلُه؟
مقدمة:
ممن اشتهر بالقول بهذا: ابن القطان الفاسي.
قال الذهبي في ترجمة: حفص بن بُغَيْل -بالموحدة والمعجمة مصغرًا، الهمداني، المُرهبي، الكوفي: وقد قال فيه ابن القطان: "لا يعرف له حال". قال الذهبي: "ابن القطان يتكلم في كل من لم يقل فيه إمامٌ عاصر ذلك الرجل أو أخذ عمن عاصره ما يدل على عدالته".
وفي "الصحيحين" من هذا النمط كثيرون ما ضعفهم أحدٌ ولا هم بمجاهيل. اهـ
وقال الذهبي أيضًا في ترجمة: مالك بن الخير الزبادي بالزاي والموحدة، نسبة إلى زباد وهو موضع بالمغرب كما في "الأنساب" وذكر مالكًا هذا -المصري الإسكندراني- وقد قال فيه ابن القطان: "لم تثبت عدالته"، قال الذهبي: "يريد أنه ما نصَّ أحدٌ على أنه ثقة، وفي رواة "الصحيحين" عدد كثير ما علمنا أن أحدًا نص على توثيقهم، والجمهور على أن من كان من المشايخ قد روى عنه جماعةٌ ولم يأت بما يُنكَرْ عليه أن حديثه صحيح". اهـ
قال ابن حجر في "اللسان": "وهذا الذي نسبه إلى الجمهور لم يصرح به أحدٌ من أئمة النقد إلا ابن حبان. نَعَم هو حقٌ في حقِّ مَنْ كان مشهورًا بطلب الحديث والانتساب إليه، كما قررتُه في علوم الحديث، وهذا الرجل قد ذكره ابن حبان في "تاريخ الثقات" فهو عنده ثقة، وكذا نص الحاكم في "مستدركه" على أنه ثقة.
стр. 1420
ثم إن قول الشيخ: إن في رواة الصحيح عددًا كثيرًا إلى آخره مما يُنازَعُ فيه، بل ليس كذلك، بل هذا شيء نادر؛ لأن غالبهم معروفون بالثقة إلا من خرجا له في الاستشهاد". اهـ.
تحقيق العلَّامة المعلمي لهذا المبحث:
قال في "الاستبصار" (ص ٥٤).
"تقدم أن من شرط المعدِّل أن يكون ذا خبرة بمن يعدِّلُه، وذكروا أن الخبرة تحصل بالجِوار أو الصحبة أو المعاملة، ولا شك أنه يكفي جوارُ يوم أو يومين، وكذلك الصحبة، وكذا المعاملة لا يكفي فيها أن يكون قد اشترى منه سلعة أو سلعتين، بل لا بد من طول الجوار أو الصحبة أو المعاملة مدّة يغلب على الظن حصول الخبرة فيها، والمَدَارُ في ذلك على غلبة ظن المُزكِّي الفطن العارف بطباع الناس وأغراضهم.
واشتراط الخبرة بهذا التفصيل في مُزكِّي الشاهد لا إشكال فيه، وإنما الإشكال في تزكية الرواة؛ فإن ما في كتب الجرح والتعديل من الكلام في الرواة المتقدمين غالبًا من كلام من لم يدركهم، بل ربما كان بينه وبينهم نحو ثلاثمائة سنة، هذا الدارقطني المولود سنة ٣٠٦ يتكلم في التابعين، فيوثق ويضعف.
قد يتوهم من لا خبرة له أن كلام المحدث فيمن لم يدركه، إنما يعتمد النقل عمن أدركه، فالمتأخر ناقلٌ فقط أو حاكمٌ بما ثبت عنده بالنقل، وهذا الحصر باطل، بل إذا كان هناك نقل فإن المتأخر يذكره، فإن لم يذكره مرة ذكره أخرى أو ذكره غيره، والغالب فيما يقتصرون فيه على الحكم بقولهم "ثقة" أو"ضعيف" أو غير ذلك إنما هو اجتهاد منهم، سواء أكان هناك نقل يوافق ذاك الحكم أم لا، وكثيرًا ما يكون هناك نقل يخالف ذاك الحكم.
стр. 1421
واعتمادهم في اجتهادهم على طرق:
الطريقة الأولى: النظر فيمن روى عن الرجل، فإن لم يرو عنه إلا بعض المتهمين كابن الكلبي والهيثم بن عدي، طرحوه ولم يشتغلوا به، وإن كان قد روى عنه بعض أهل الصدق، نظروا في حال هذا الصدوق، فيكون له واحدة من أحوال:
الأولى: أن يكون يروي عن كل أحد، حتى من عُرف بالجرح المسقط.
الثانية: كالأول، إلا أنه لم يرو عمن عرف بالجرح المسقط.
الثالثة: كالأولى، إلا أنه لم يُعرف بالرواية عمن عرف بالجرح، وإنما شيوخه بين عدول ومجاهيل، والمجاهيل في شيوخه كثير.
الرابعة: كالثالثة، إلا أن المجاهيل في شيوخه قليل.
الخامسة: أن يكون قد قال: "شيوخي كلهم عدول"، أو: "أنا لا أحدث إلا عن عدل".
فصاحب الحال الأولى لا تفيد روايته عن الرجل شيئًا، وأما الأربع الباقية فإنها تفيد فائدة ما، تضعف هذه الفائدة في الثانية، ثم تقوى فيما بعدها على الترتيب، فأقوى ما تكون في الخامسة.
الطريقة الثانية: النظر في القرائن؛ كأن يوصف التابعي بأنه كان من أهل العلم، أو من سادات الأمصار (١)، أو إمامًا في مسجد النبي ﷺ ، أو مؤذنًا لعمر أو قاضيًا لعمر بن عبد العزيز، أو ذَكَر الراوي عنه أنه أخبره في مجلس بعض الأئمة وهو يسمع كما قال الزهري.
الطريقة الثالثة: وهي أعمّ الطرق، اختبار صدقه وكذبه بالنظر في أسانيد رواياته ومتونها، مع النظر في الأمور التي قد يستفاد منها تصديق تلك الروايات أو ضعفها.
стр. 1422
فأما النظر في الأسانيد:
• فمنه أن ينظر تاريخ ولادته وتاريخ وفاة شيخه الذي صرح بالسماع منه، فإن ظهر أن ذلك الشيخ مات قبل مولد الراوي، أو بعد ولادته بقليل بحيث لا يمكن عادةً أن يكون سمع منه ووعى كَذَّبُوه.
• ومنه أن يسأل عن تاريخ سماعه من الشيخ، فإذا بَيَّنَهُ وتبيَّن أن الشيخ قد كان مات قبل ذلك كَذَّبُوه.
• ومنه أن يسأل عن موضع سماعه من الشيخ، فإذا ذكر مكانًا يُعرف أن الشيخ لم يأته قط كَذَّبُوه.
• وقريب من ذلك أن يكون الراوي مكيًّا لم يخرج من مكة وصرح بالسماع من شيخ قد ثبت عنه أنه لم يأت مكة بعد بلوغ الأول سن التمييز، وإن كان قد أتاها قبل ذلك.
• ومنه أن يحدث عن شيخ حيّ فيسأل الشيخ عن ذلك فيكذبه.
فإذا لم يوجد في النظر في حاله وحال سنده ما يدل على كذبه، نظر في حال شيوخه المعروفين بالصدق، مع الشيوخ الذين زعم أنه سمع منهم على ما تقدم.
فإذا كان قد قال: حدثني فلان أنه سمع فلانًا، فتبَّين بالنظر أن فلانًا الأول لم يلق شيخه كَذَّبُوا هذا الراوي، وهكذا في بقية السند.
لكن إذا وقع شيء من هذا ممن عرفت عدالته وصدقه، وكان هناك مظنة للخطأ حملوه على الخطأ، وقد يختلفون فيكذبه بعضهم ويقول غيره: إنما أخطأ هو أو شيخه أو سقط في الإسناد رجل أو نحو ذلك. اهـ
стр. 1423
قال أبو أنس:
قد شرح الشيخ المعلمي وبيَّن ما يدل على خطأ ما ذُكر عن ابن القطان -أو غيره- من اشتراطِ توثيقِ معاصرٍ أو آخذٍ عنه لإثبات عدالة الراوي.
واعلم أن للأئمة في الحكم على الرواة مسالكَ، منها وعلى رأسها: اللقاء بالراوي وحضور مجالس تحديثه مثلا، والنظر في كتبه، وعرض أحاديثه على أحاديث أقرانه عن شيوخهم - كما سبق في كلام المعلمي.
ثم تأتي المعاصرة -وهي دون اللقاء- ويعتمد فيها الناقد على ما يبلغه من سيرة الراوي وحديثه، ونحو ذلك.
ومن الجدير بالذكر أن اللقاء أو المعاصرة لا يكفيان بمجردهما، بل لا بد أن ينضم إليهما ما سبق شرحه، حتى إنه ربما يتوفر للناقد من المعلومات عن الراوي الذي لم يعاصره ما لم يتوفر له عمن عاصره، فالأمر دائر مع مقومات ومسوغات تقويم حال الراوي في نظر الناقد، سواء كانت معاصرة أم لا؟
بل في الرواة من لقيهم بعض الأئمة، فتجملوا لهم، واستقبلوهم بأحاديث مستقيمة، فوثقوهم، وقد خبرهم أئمة آخرون واطلعوا منهم على ما يقدح في عدالتهم (راجع ترجمة ابن معين من القسم الثاني من هذا الكتاب).
وهذا نموذج تطبيقي للشيخ المعلمي ناقش فيه تلك القضية في "تنكيله".
ذكر المعلمي في النوع السابع من مغالطات ومجازفات الكوثري من "طليعة التنكيل" (ص ٥٦) قوله في المعروف الموثق: "مجهول"، أو"مجهول الصفة"، أو"لم يوثق"، أو نحو ذلك، فمن الأمثلة: "عبد الله بن محمود السعدي المروزي".
قال الكوثري: "مجهول الصفة".
стр. 1424
فقال المعلمي: "لعبد الله بن محمود السعدي المروزي ترجمة في كتاب ابن أبي حاتم، وقال: "كتب إلى أبي بمسائل ابن المبارك من تأليفه"، وله ترجمة في "تذكرة الحفاظ" (جـ ٢ ص ٢٥٧).
قال الذهبي: "الحافظ الثقة محدث مرو أبو عبد الرحمن عبد الله بن محمود بن عبد الله السعدي ... قال الحاكم: ثقة مأمون".
وزاد المعلمي الحاشية: "وهو من شيوخ ابن خزيمة وابن حبان، وذكره ابن حبان في ثقاته مع روايته عنه في "صحيحه"، وتوثيق ابن حبان لمن عرفهم وخبرهم من أعلى التوثيق؛ فإنه يتشدد في هؤلاء ويحسن الظن بغيرهم".
ثم ذكره المعلمي في "التنكيل" رقم (١٣٥) وقال:
"زعم الأستاذ -الكوثري- في "الترحيب" أنه لم يوثقه أحد من أهل عصره، وأن الحاكم متأخر عنه، وقد نعى الشيخ المعلمي على الكوثري تناقضه، إذ رَدَّ هنا توثيق الحاكم؛ لأنه ليس عصريّ عبد الله بن محمود، ثم هو يردّ جرح المتقدمين لبشار ابن قيراط، ويتشبث بقول الخليلي -المتأخر عنه بقريب من مائتي سنة: "رضيته الحنفية بخراسان". (راجع ترجمة بشار من هذا الكتاب)، مع أن الحاكم لا يعتد به، فأما الذهبي فمتابع للحاكم، ثم أومأ الأستاذ إلى أن بعض أهل عصره وثقه، وإنني إذا فتشت وجدته.
فأقول: لا حاجة إلى التفتيش، والحاكم أقرب إلى عبد الله بن محمود من ابن معين إلى أبي حنيفة! فضلا عن التابعين وأتباعهم الذين يوثقهم ابن معين، ويعمل أهل العلم بتوثيقه لهم.
والحاكم إمام مقبول القول في الجرح والتعديل ما لم يخالفه من يرجح عليه وستأتي ترجمته.
стр. 1425
ولم يقتصر الذهبي على حكاية كلمة الحاكم بل قال من عنده: "الحافظ الثقة" وفوق ذلك فعبد الله من شيوخ ابن خزيمة كما في "تذكرة الحفاظ" ولعله روى عنه في "صحيحه"، ومن شيوخ ابن حبان كما في "معجم البلدان" (بُسْت)، وذكره في "ثقاته" وذكر تاريخ وفاته، وتوثيق ابن حبان لمن عرفه حق المعرفة من أثبت التوثيق كما يأتي في ترجمته". اهـ.
* * *
стр. 1426
المبحث الثالث
في عدالة الصحابة
وفيه:
إثبات القول بعدالة الصحابة مطلقًا، وبيان عصمة الله تعالى لهم من الكذب لا سيما على رسوله ﷺ ؛ وفاءً بما تكفل به سبحانه من حفظ دينه، وصونًا لهم من الطعن المؤدي إلى الطعن في الإسلام جملةً، مع دحض الشبه المثارة حول القول بإطلاق تلك العدالة.
إِجْمالٌ قبل تفصيل:
قال أبو بكر الخطيب في "الكفاية" (ص ٤٦):
باب: ما جاء في تعديل الله ورسوله للصحابة، وأنه لا يُحتاج إلى سؤالٍ عنهم، وإنما يجب فيمن دونهم.
كل حديث اتصل إسناده بكان من رواه وبين النبي ﷺ لم يلزم العمل به إلا بعد ثبوت عدالة رجاله، ويجب النظر في أحوالهم سوى الصحابي الذي رفعه إلى رسول الله ﷺ ؛ لأن عدالة الصحابة ثابتة معلومة بتعديل الله لهم، وإخباره عن طهارتهم، واختياره لهم في نص القرآن ... (١).
ثم قال: والأخبار في هذا المعنى تتسع، وكلها مطابقة لما ورد في نص القرآن، وجميع ذلك يقتضي طهارة الصحابة، والقطع على تعديلهم ونزاهتهم، فلا يحتاج
стр. 1427
أحد منهم مع تعديل الله تعالى لهم، المطلع على بواطنهم إلى تعديل أحد من الخلق له ... (١).
هذا مذهب كافة العلماء ومن يعتد بقوله من الفقهاء.
وذهبت طائفة من أهل البدع إلى أن حال الصحابة كانت مرضية إلى وقت الحروب التي ظهرت بينهم، وسفك بعضهم دماء بعض، فصار أهل تلك الحروب ساقطي العدالة، ولما اختلطوا بأهل النزاهة وجب البحث عن أمور الرواة منهم، وليس في أهل الدين والمتحققين بالعلم من يصرف إليهم خبر ما لا يحتمل نوعًا من التأويل وضربًا من الاجتهاد، فَهُم بمثابة المخالفين من الفقهاء المجتهدين في تأويل الأحكام لإشكال الأمر والتباسه. ويجب أن يكونوا على الأصل الذي قدمناه من حال العدالة والرضا؛ إذا لم يثبت ما يزيل ذلك عنهم. اهـ
تحقيق العلَّامة المعلمي لهذا الفصل:
وفيه مواضع:
الموضع الأول:
قال في "الاستبصار في نقد الأخبار" (ص ١٩ - ٢٨):
"اسم الصحابي: يعمُّ الجمهورُ كُلَّ من رأى (٢) النبي ﷺ مسلمًا ومات على ذلك.
والمراد رؤيته إياه بعد البعثة وقبل الوفاة.
والاسم يشمل من ارتد بعد وفاة النبي ﷺ ممن كان قد رآه مسلما إذا عاد إلى الإسلام ومات عليه كطليحة بن خويلد، وعيينة بن حصن، وأضرابهما.
стр. 1428
لكن قضيته ما نُقل عن الشافعي وغيره -من أن الردة تحبط العمل الصالح قبلها ولو عقبتها توبة- أن هؤلاء لا حَظَّ لهم في فضل الصحبة.
وذهب الجمهور إلى أن الصحابة كلهم عدول، قال ابن الأنباري:
"وليس المراد بعدالتهم ثبوت العصمة لهم واستحالة المعصية منهم، وإنما المراد قبول رواياتهم من غير تكلف للبحث عن أسباب العدالة والتزكية، إلا إن ثبت ارتكاب قادح، ولم يثبت ذلك ولله الحمد، فنحن على استصحاب ما كانوا عليه في زمن رسول الله ﷺ حتى يثبت خلافه، ولا التفات إلى ما يذكره أصحاب السير فإنه لا يصح، وما صح فله تأويل صحيح" "فتح المغيث" (ص ٣٧٨).
وقال الخطيب في "الكفاية" (ص ٤٦): "باب ما جاء في تعديل الله ورسوله للصحابة، وأنه لا يحتاج إلى سؤال عنهم، وإنما يجب فيمن دونهم ... " فذكر عدة آيات وأحاديث في الثناء عليهم، إلى أن قال: "فهم على هذه الصفة، إلا أن يثبت على أحد ارتكاب ما لا يحتمل إلا قصد المعصية، والخروج من باب التأويل، فيحكم بسقوط العدالة، وقد برَّأهم الله من ذلك، ورفع أقدارهم، على أنه لو لم يرد من الله ورسوله فيهم شيء مما ذكرناه لأوجبت الحال التي كانوا عليها -من: الهجرة، والجهاد، والنصرة، وبذل المهج والأموال، وقتل الآباء والأولاد، والمناصحة في الدين، وقوة الإيمان واليقين- القطعَ على عدالتهم، والاعتقاد لنزاهتهم، وأنهم أفضل من جميع المعدلين والمزكين الذين يجيئون من بعدهم أبد الآبدين".
أقول: أما الآيات فمنها:
١ - ﴿لِلْفُقَرَاءِ الْمُهَاجِرِينَ الَّذِينَ أُخْرِجُوا مِنْ دِيَارِهِمْ وَأَمْوَالِهِمْ يَبْتَغُونَ فَضْلًا مِنَ اللَّهِ وَرِضْوَانًا وَيَنْصُرُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ أُولَئِكَ هُمُ الصَّادِقُونَ (٨) وَالَّذِينَ تَبَوَّءُوا الدَّارَ وَالْإِيمَانَ مِنْ قَبْلِهِمْ يُحِبُّونَ مَنْ هَاجَرَ إِلَيْهِمْ وَلَا يَجِدُونَ فِي صُدُورِهِمْ حَاجَةً مِمَّا أُوتُوا وَيُؤْثِرُونَ عَلَى أَنْفُسِهِمْ وَلَوْ كَانَ بِهِمْ خَصَاصَةٌ وَمَنْ يُوقَ شُحَّ نَفْسِهِ
٧ - ﴿لَا يَسْتَوِي مِنْكُمْ مَنْ أَنْفَقَ مِنْ قَبْلِ الْفَتْحِ وَقَاتَلَ أُولَئِكَ أَعْظَمُ دَرَجَةً مِنَ الَّذِينَ أَنْفَقُوا مِنْ بَعْدُ وَقَاتَلُوا وَكُلًّا وَعَدَ اللَّهُ الْحُسْنَى وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ﴾ [الحديد: ١٠].
٨ - ﴿وَإِذْ غَدَوْتَ مِنْ أَهْلِكَ تُبَوِّئُ الْمُؤْمِنِينَ مَقَاعِدَ لِلْقِتَالِ وَاللَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ﴾ [آل عمران: ١٢١].
٩ - ﴿كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ تَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَتُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ﴾ [آل عمران: ١١٠].
١٠ - ﴿وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطًا لِتَكُونُوا شُهَدَاءَ عَلَى النَّاسِ وَيَكُونَ الرَّسُولُ عَلَيْكُمْ شَهِيدًا﴾ [البقرة: ١٤٣].
ومن تدبر هذه الآيات وغيرها من القرآن وجد الثناء على المهاجرين عامًّا سالمًا من التخصيص، فإذا تَتَبَّع السنة أيضًا لم يجد ما ينافي ذلك سوى فلتات، ربما كانت تقع من بعضهم فلا تضرهم.
• فمنها: ما جرى منهم يوم بدر من ترجيح أخذ الفداء فأقرَّهم الله عليه وأنزل: ﴿لَوْلَا كِتَابٌ مِنَ اللَّهِ سَبَقَ لَمَسَّكُمْ فِيمَا أَخَذْتُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ (٦٨) فَكُلُوا مِمَّا غَنِمْتُمْ حَلَالًا طَيِّبًا وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ [الأنفال: ٦٨، ٦٩].
• ومنها: تولِّي بعضهم يوم أحد فأنزل الله : ﴿إِنَّ الَّذِينَ تَوَلَّوْا مِنْكُمْ يَوْمَ الْتَقَى الْجَمْعَانِ إِنَّمَا اسْتَزَلَّهُمُ الشَّيْطَانُ بِبَعْضِ مَا كَسَبُوا وَلَقَدْ عَفَا اللَّهُ عَنْهُمْ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ حَلِيمٌ﴾ [آل عمران: ١٥٥].
ومنها: قصة مسطح بن أثاثة لما خاض مع أهل الإفك فكان ما كان، وأقسم أبو بكر أن لا ينفق عليه، فأنزل الله : ﴿وَلَا يَأْتَلِ أُولُو الْفَضْلِ مِنْكُمْ وَالسَّعَةِ أَنْ يُؤْتُوا أُولِي الْقُرْبَى وَالْمَسَاكِينَ وَالْمُهَاجِرِينَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَلْيَعْفُوا وَلْيَصْفَحُوا أَلَا تُحِبُّونَ أَنْ يَغْفِرَ اللَّهُ لَكُمْ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ [النور: ٢٢].
стр. 1431
• ومنها قصة حاطب بن أبي بلتعة ...
• وأشد ما وقع من ذلك قصة عبد الله بن أبي سرح، مع أنه ليس من المهاجرين الأولين، وإنما كان ممن أسلم قُبيل الفتح، ثم ارتد، فأمر النبي ﷺ يوم الفتح بقتله فلم يُقتل وأسلم.
قال ابن عبد البر: "فحسن إسلامه فلم يظهر منه شيء ينكر عليه بعد ذلك وهو أحد النجباء العقلاء الكرماء من قريش"، ثم ذكر ولايته مصر وفتحه إفريقية والنوبة، ثم قال: "ودعا ربه فقال: اللهم اجعل خاتمة عملي صلاة الصبح، فتوضأ ثم صلى الصبح، فقرأ في الركعة الأولى بأم القرآن والعاديات، وفي الثانية بأم القرآن وسورة، ثم سلم من يمينه، وذهب يسلم عن يساره فقبض الله روحه، ذكر ذلك كله يزيد بن أبي حبيب وغيره".
ومع ذلك فلم يَرِدْ عنه من الحديث شيء إلا حديث واحد قد رواه غيره من الصحابة، ومع ذلك لم يصح السند إليه (١).
стр. 1432
وأما الأنصار فحالهم قريب من حال المهاجرين، إلا أنه لم يعم الإيمان جميع الأوس والخزرج، بل كان منهم أفراد منافقون، وقد ذكر الله ذلك في كتابه، لكن أولئك الأفراد كانوا قليلين كما يظهر من الآيات والأحاديث، وكما يعلم ذلك بدلالة المعقول؛ فإنهم لو كانوا هم الأكثر أو كثيرا لكانوا أظهروا كفرهم، ولم يحتاجوا إلى النفاق، ومع ذلك فقد كانوا معروفين عند النبي ﷺ والمسلمين، إن لم يكن علم اليقين فالظن، قال الله : ﴿أَمْ حَسِبَ الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ أَنْ لَنْ يُخْرِجَ اللَّهُ أَضْغَانَهُمْ (٢٩) وَلَوْ نَشَاءُ لَأَرَيْنَاكَهُمْ فَلَعَرَفْتَهُمْ بِسِيمَاهُمْ وَلَتَعْرِفَنَّهُمْ فِي لَحْنِ الْقَوْلِ وَاللَّهُ يَعْلَمُ أَعْمَالَكُمْ﴾ [محمد: ٢٩، ٣٠].
وكانوا مع ذلك خائفين كما قال الله فيهم: ﴿يَحْسَبُونَ كُلَّ صَيْحَةٍ عَلَيْهِمْ هُمُ الْعَدُوُّ فَاحْذَرْهُمْ قَاتَلَهُمُ اللَّهُ أَنَّى يُؤْفَكُونَ﴾ [المنافقون: ٤].
وكانوا مع ذلك إلى نقصٍ بالهلاك أو التوبة والإخلاص، والغالب على الظن أن من بقي منهم بعد وفاة النبي ﷺ لم يتعرض أحدٌ منهم لِأَن يَذكر عن النبي ﷺ شيئًا لخوفهم من المؤمنين، وعلمهم بنفاقه: حذيفة أو غيره ممن كان قد أسرَّ إليه النبي ﷺ بأسماء المنافقين.
وأما الأعراب فقد قال الله : ﴿قَالَتِ الْأَعْرَابُ آمَنَّا قُلْ لَمْ تُؤْمِنُوا وَلَكِنْ قُولُوا أَسْلَمْنَا وَلَمَّا يَدْخُلِ الْإِيمَانُ فِي قُلُوبِكُمْ وَإِنْ تُطِيعُوا اللَّهَ وَرَسُولَهُ لَا يَلِتْكُمْ مِنْ أَعْمَالِكُمْ شَيْئًا إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ [الحجرات: ١٤].
والظاهر أن أهل هذه الآية آمنوا بعد ذلك أو غالبهم كما تقتضيه كلمة "لمَّا".
وقد ذكر الله فِرقَهُم في سورة التوبة الآيات من (٩٥ - ١٠٥) فذكر أن منهم منافقين، ومنهم مؤمنين مخلصين، ومنهم مخلطين يرجى لهم الخير، وقال في آخر ذلك: ﴿وَقُلِ اعْمَلُوا فَسَيَرَى اللَّهُ عَمَلَكُمْ وَرَسُولُهُ وَالْمُؤْمِنُونَ﴾.
стр. 1433
ثم ابتلاهم الله بعد غزوة العسرة بوفاة رسول الله ﷺ ، فارتد أقوام من الأعراب فعرفهم المؤمنون حق المعرفة.
وأما الطلقاء من أهل مكة فلم يرتد منهم أحد بعده ﷺ ، وقد شملتهم بعض الآيات المتقدمة كما يعلم بمراجعتها، وكذلك تشملهم بعض الأحاديث كالحديث المشهور: "خير الناس قرني ... ".
وبالجملة فتعديل الله ورسوله ثابت للمهاجرين عامة، ولم يجيء ما يخصصه.
وأما الأنصار فالثناء عليهم عام، ولكن قد كان من الأوس والخزرج منافقون لكنهم قليل، ولم يحضر من المنافقين أحد بيعة العقبة، ولا شهد بدرا ولا أُحُدا؛ لأن كبيرهم اعتزل بهم، والظاهر أنه لم يبايع تحت الشجرة أَحَدٌ منهم، وقد قيل إنه كان هناك واحد منهم فلم يبايع، وقد سُمي (١).
وقول الله في ذكر تخلفهم عن غزوة تبوك: ﴿وَلَوْ أَرَادُوا الْخُرُوجَ لَأَعَدُّوا لَهُ عُدَّةً وَلَكِنْ كَرِهَ اللَّهُ انْبِعَاثَهُمْ فَثَبَّطَهُمْ وَقِيلَ اقْعُدُوا مَعَ الْقَاعِدِينَ (٤٦) لَوْ خَرَجُوا فِيكُمْ مَا زَادُوكُمْ إِلَّا خَبَالًا وَلَأَوْضَعُوا خِلَالَكُمْ يَبْغُونَكُمُ الْفِتْنَةَ وَفِيكُمْ سَمَّاعُونَ لَهُمْ وَاللَّهُ عَلِيمٌ بِالظَّالِمِينَ﴾ [التوبة: ٤٦، ٤٧].
يقتضي أنه لم يشهد تبوك أحد منهم، ولكن روي أن اثني عشر منهم اعترضوا النبي ﷺ مرجِعَهُ من تبوك، وأرادوا ترديته من العقبة.
وقد يقال - إن صح الخبر (٢): لعل هؤلاء لم يشهدوا تبوك، وإنما ترصدوا قدومه ﷺ من تبوك فالتقوه ببعض الطريق لما همّوا به، ومع ذلك ففي الخبر أن حذيفة عرف هؤلاء.
стр. 1434
هذا وقد سبق أن الظاهر أن من بقي من المنافقين لم يَرِدْ عن أَحَدٍ منهم شيءٌ عن النبي ﷺ .
وأما الأعراب فقد تم امتحانهم بوفاته ﷺ ، فمن ثبتت منهم الإسلام (١) فقد ثبتت عدالته، ومن ارتد فقد زالت، فمن عاد بعد ذلك إلى الإسلام فيحتاج إلى عدالة جديدة.
وأما الطلقاء فقد شملتهم بعض الآيات كما عرفت، ولم تقع منهم رِدَّةٌ.
ولو اقتصر المخالف في المسألة على القول بأن من تأخر إسلامُه وَقلَّت صحبتُه يحتاج إلى البحث عنهم، لكان لقوله وجهٌ في الجملة، وأوجهُ من ذلك من كان من الأعراب ويحتمل أنه ممن ارتد عقب وفاة النبي ﷺ ، فأما من عُلم أنه ممن ارتدَّ فالأمر فيه أظهر.
هذا وقد كان العرب يتحاشون من الكذب، وتأكد ذلك فيمن أسلم؛ وكان أحدهم وإن رَقَّ دينُه - لا يبلغ به أن يجترئ على الكذب على الله ورسوله، وكانوا يرون أن أصحاب رسول الله ﷺ متوافرون، وأنه إن اجترأ أحد على الكذب افتضح.
ولو قال قائل: إن الله ﵎ منع القوم من تعمُّد الكذب على نبيه ﷺ بمقتضى ضمانه بحفظ دينه ولا سيما مع إخباره بعدالتهم لما أبْعَدَ.
ومن تدبر الأحاديث المروية عمن يُمكن أن يتكلم فيه من الطلقاء ونحوهم ظهر له صدق القوم؛ فإن المروي عن هؤلاء قليل، ولا تكاد تجد حديثا يصح عن أحد منهم إلا وقد صح بلفظه أو معناه عن غيره من المهاجرين أو الأنصار، وقد كانت بين القوم إِحَنٌ بعد النبي ﷺ ، فلو استساغ أحد منهم الكذب لاختلق أحاديث تقتضي ذم خصمه، ولم نجد من هذا شيئًا صحيحا صريحا.
стр. 1435
وفوق هذا كله فأهل السنة لم يدَّعُوا عصمَة القوم، بل غاية ما ادَّعوه أنه ثبتَ لهم أصلُ العدالة، ثم لم يثبت ما يزيلها، والمخالف يزعم أنه قد ثبت عنده في حق بعضهم ما يزيل العدالة، فانحصر الخلاف في تلك الأمور التي زعمها، فإذا أثبتَ أهلُ السنة أنها لم تصح، وأن ما صح منها لا يقتضي زوال العدالة استتب الأمر.
فأما من ثبتت شهادة النبي ﷺ له بالمغفرة فقد تضمن ذلك تعديلهم أولًا وآخرًا. والله الموفق.
تنبيه:
أما الخطأ فقد وقع من بعض الصحابة كقول ابن عمر أن النبي ﷺ اعتمر في رجب وغير ذلك مما يُعرف بتتبُّع كتب السنة.
مسألة:
قال الخطيب في الكفاية (ص ٥٢):
"ومن الطريق إلى معرفة كونه صحابيًّا تظاهر الأخبار بذلك، وقد يحكم بأنه صحابي إذا كان ثقة أمينًا مقبول القول إذا قال: صحبت النبي ﷺ وكثر لقائي له ... (١) وإذا قال: أنا صحابي ولم نجد (٢) عن الصحابة رَدَّ قوله ولا ما يعارضه ... وجب إثباته صحابيا حكمًا بقوله لذلك، أو قول آحاد الصحابة".
أقول: فعرف من هذا أن من لم تثبت صحبته إلا بقوله، حُكْمُهُ حُكْمُ التابعين في البحث عن عدالته؛ لأنها لا تثبت صحبته حتى تثبت عدالته. اهـ
стр. 1436
قال أبو أنس:
يتعلق بهذا المبحث في هذه المناسبة قضايا تتصل بمعرفة الصحابة، وكيف تثبت الصحبة؟ وهل كل من ترجم له في الكتب المصنفة في الصحابة قد ثبتت صحبتهم بحيث يكون جميع ما ورد عنهم من الأخبار التي تروى عنهم موصولة؟
وحتى لا أقطع على القارىء تصدي المعلمي للدفاع عن عدالة من ثبتت صحبته وكشفه لشبهات أهل الأهواء في ذلك أرجىء تلك القضايا لآخر هذا المبحث، والله تعالى الموفق.
الموضع الثاني:
وقال في "الأنوار الكاشفة" (ص ٢٦٦ - ٢٧٧):
"الآيات القرآنية في الثناء على الصحابة والشهادة لهم بالإيمان والتقوى وكل خير معروفة، ومن آخرها نزولا قول الله : ﴿لَقَدْ تَابَ اللَّهُ عَلَى النَّبِيِّ وَالْمُهَاجِرِينَ وَالْأَنْصَارِ الَّذِينَ اتَّبَعُوهُ فِي سَاعَةِ الْعُسْرَةِ مِنْ بَعْدِ مَا كَادَ يَزِيغُ قُلُوبُ فَرِيقٍ مِنْهُمْ ثُمَّ تَابَ عَلَيْهِمْ إِنَّهُ بِهِمْ رَءُوفٌ رَحِيمٌ (١١٧) وَعَلَى الثَّلَاثَةِ الَّذِينَ خُلِّفُوا﴾ [التوبة: ١١٧، ١١٨] ساعة العسرة: غزوة تبوك.
وكلمة "المهاجرين" هنا تشمل السابقين واللاحقين ومن كان معهم من غير الأنصار، ولا نعلمه تخلف ممن كان بالمدينة من هؤلاء أحد إلا عاجز أو مأمور بالتخلف مع شدة حرصه على الخروج، وفي "الصحيح" قول النبي ﷺ لما رجع من تبوك: "إن بالمدينة أقواما ما سرتم مسيرا ولا قطعتم واديًا إلا كانوا معكم ... حبسهم العذر".
وفي "الفتح": أن المهلب استشهد لهذا الحديث بقول الله تعالى ﴿لَا يَسْتَوِي الْقَاعِدُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ غَيْرُ أُولِي الضَّرَرِ وَالْمُجَاهِدُونَ﴾ [النساء: ٩٥] وهو استشهاد متين. والمأمور بالتخلف أولى بالفضل.
стр. 1437
وفي هذا وآيات أخرى ثناء يعم المهاجرين ومن لحق بهم لا نعلم ثَمَّ ما يخصصه.
فأما الأنصار فقد عمت الآية من خرج منهم إلى تبوك والثلاثة الذين خلفوا والعاجزين، ولم يبق إلا نفر كانوا منافقين.
وفي "الصحيح" في حديث كعب بن مالك وهو أحد الثلاثة الذين خُلفوا: "فكنت إذا خرجت في الناس بعد خروج رسول الله ﷺ فطفت فيهم أحزنني أني لا أرى إلا رجلا مغموصًا عليه النفاق، أو رجلا ممن عذر الله من الضعفاء".
وفي هذا بيان أن المنافقين قد كانوا معروفين في الجملة قبل تبوك، ثم تأكد ذلك بتخلفهم لغير عذر وعدم توبتهم، ثم نزلت سورة براعة فقشقشتهم، وبهذا يتضح أنهم قد كانوا مشارًا إليهم بأعيانهم قبل وفاة النبي ﷺ .
فأما قول الله : ﴿لَا تَعْلَمُهُمْ نَحْنُ نَعْلَمُهُمْ﴾ فالمراد -والله أعلم- بالعلم ظاهره أي اليقين، وذلك لا ينفي كونهم مغموصين أي متهمين، غاية الأمر أنه يحتمل أن يكون في المتهمين من لم يكن منافقا في نفس الأمر، وقد قال تعالى: ﴿وَلَتَعْرِفَنَّهُمْ فِي لَحْنِ الْقَوْلِ﴾ ونص في سورة براءة وغيرها على جماعة منهم بأوصافهم، وعيَّن النبي ﷺ جماعة منهم، فمن المحتمل أنَّ الله بعد أن قال: ﴿لَا تَعْلَمُهُمْ﴾ أعلمه بهم كلهم.
وعلى كل حال فلم يمت النبي ﷺ إلا وقد عَرف أصحابُه المنافقين يقينا أو ظنا أو تُهمة، ولم يبق أحد من المنافقين غير متهم بالنفاق.
ومما يدل على ذلك، وعلى قلتهم وذلتهم وانقماعهم ونفرة الناس عنهم، أنه لم يُحس لهم عند وفاة النبي ﷺ حراك. ولما كانوا بهذه المثابة لم يكن لأحد منهم مجال في أن يحدث عن النبي؛ لأنه يعلم أن ذلك يعرضه لزيادة التهمة ويجر إليه ما يكره.
وقد سَمَّى أهلُ السير والتاريخ جماعة من المنافقين لا يُعرف عن أحد منهم أنه حدَّث عن النبي ﷺ ، وجميع الذين حدثوا كانوا معروفين بين الصحابة بأنهم من خيارهم.
стр. 1438
وأما الأعراب فإن الله ﵎ كشف أمرهم بموت رسول الله ﷺ ، فارتد المنافقون منهم، فتبين أنه لم يحصل لهم بالاجتماع بالنبي ﷺ ما يستقر لهم به اسم الصحبة الشرعية، فمن أسلم بعد ذلك منهم فحكمه حكم التابعين.
وأما مُسلمة الفتح فإن الناس يغلطون فيهم يقولون: كيف يُعقل أن ينقلبوا كلهم مؤمنين بين عشية وضحاها، مع أنهم إنما أسلموا حين قُهروا وغُلبوا ورأوا أن بقاءهم على الشرك يضر بدنياهم؟
والصواب أن الإسلام لم يزل يعمل في النفوس منذ نشأته. ويدلك على قوة تأثيره أمور:
الأول: ما قصه الله ﵎ من قولهم: ﴿وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لَا تَسْمَعُوا لِهَذَا الْقُرْآنِ وَالْغَوْا فِيهِ لَعَلَّكُمْ تَغْلِبُونَ﴾ [فصلت: ٢٦].
وقولهم: ﴿إِنْ كَادَ لَيُضِلُّنَا عَنْ آلِهَتِنَا لَوْلَا أَنْ صَبَرْنَا عَلَيْهَا﴾ [الفرقان: ٤٢].
الثاني: ما ورد من صدِّهم للناس أن يسمعوا القرآن حتى كان لا يَرِدُ مكةَ وارد إلا حذروه أن يستمع إلى النبي ﷺ ، ومن اشتراطهم على الذي أجار أبا بكر أن يمنعه من قراءة القرآن بحيث يسمعه الناس.
الثالث: وهو أوضحها؛ إسلامُ جماعة من أبناء كبار رؤسائهم ومفارقتهم آباءهم قديما، فمنهم عمرو وخالد ابنا أبي أحيحة سعيد بن العاص، والوليد بن الوليد ابن المغيرة، وأبو حذيفة بن عتبة بن ربيعة، وهشام بن العاص بن وائل، وعبد الله وأبو جندل ابنا سهيل بن عمرو وغيرهم.
وآباء هؤلاء هم أكابر رؤساء قريش وأعزهم وأغناهم، فارقهم أبناؤهم وأسلموا. فتدبر هذا، فقد جرت عادة الكُتَّاب إذا ذكروا السابقين إلى الإسلام ذكروا الضعفاء فيتوهم القارىء أنهم أسلموا لضعفهم وسخطهم على الأقوياء وحبهم للانتقام منهم على الأقلِّ لأنه لم يكن لهم من الرياسة والعز والغنى ما يصدُّهم عن قبول الحق وتحمل المشاق في سبيله.
стр. 1439
والحقيقة أعظم من ذلك كما رأيتَ، إلا أن الرؤساء عاندوا واستكبروا، وتابعهم أكثر قومهم مع شدة تأثرهم بالإسلام فكان في الشبان من كان قوي العزيمة فأسلموا وضحّوا برياستهم وعزهم وغناهم، متقبلين ما يستقبلهم من مصاعب ومتاعب، وبقي الإسلام يعمل عمله في نفوس الباقين، فلم يزل الإسلام يفشو فيهم حتى بعد هجرة المصطفى ﷺ .
ثم لما كان صلح الحديبية وتمكن المسلمون بعده من الاختلاطِ بالمشركين ودعوة كل واحد قريبه وصديقه فشا الإسلام بسرعة وأسلم في هذه المدة من الرؤساء خالد ابن الوليد وعمرو بن العاص وعثمان بن طلحة وغيرهم، والإسلام يعمل عمله في نفوس الباقين.
ونستطيع أن نجزم أن الإسلام كان قد طرد الشرك وخرافاته من نفوس عقلاء قريش كلهم قبل فتح مكة، ولم يبق إلا العناد المحض يلفظ آخر أنفاسه، فلما فتحت مكة مات العناد ودخلوا في الإسلام الذي قد كان تربع في نفوسهم من قَبْل.
نعم بقي أثر في صدور بعض الرؤساء فبسط لهم النبي ﷺ التأليف يوم فتح مكة وبعده وآثرهم بغنائم حنين، ولم يزل يتحراهم بحسن المعاملة حتى اقتلع البقية الباقية من أثر العناد.
ثم كان من معارضة الأنصار بعد النبي ﷺ لقريش في الخلافة واستقرار الخلافة لقريش غير خاصة ببيت من بيوتها، وخضوع العرب لها ثم العجم، ما أكد حب الإسلام في صدر كل قرشي. وكيف لا وقد جمع لهم إلى كل شبر كانوا يعتزون به من بطحاء مكة آلاف الأميال، وجعلهم ملوك الدنيا والآخرة.
ومما يوضح لك ذلك أن الذين عاندوا إلى يوم الفتح كانوا بعد ذلك من أجدِّ الناس في الجهاد، كسهيل بن عمرو، وعكرمة بن أبي جهل، وعمه الحارث، ويزيد ابن أبي سفيان.
стр. 1440
فأما ما يذكره كثير من الكُتَّاب من العصبية بين بني هاشم وبني أمية فدونك الحقيقة:
شمل الإسلام الفريقن ظاهرا وباطنا، وكما أسلم قديما جماعة من بني هاشم فكذلك من بني أمية كابني سعيد بن العاص وعثمان بن عفان وأبي حذيفة بن عتبة، وكما تأخر إسلام جماعة من بني أمية فكذلك من بني هاشم. وكما عاداه بعض بني أمية فكذلك بعض بني هاشم كأبي لهب بن عبد المطلب وأبي سفيان بن الحارث بن المطلب، ونزل القرآن بذم أبي لهب ولا نعلمه نزل في ذم أُموي معّين، وتزوج النبي ﷺ بنت أبي سفيان بن حرب الأموي ولم يتزوج هاشمية, وزوج إحدى بناته في بني هاشم وزوج ثلاثا في بني أمية. فلم يبق الإسلام في أحد الجانبين حتى يحتمل أن يستمر هدفا لكراهية الجانب الآخر، بل ألَّف الله بين قلوبهم فأصبحوا بنعمته إخوانا وأصبح الإسلام يلفهم جميعا؛ يحبونه جميعا ويعظمونه جميعا، ويعتزون به جميعا، ويحاول كل منهم أن يكون حظه منه أوفر.
ولم تكن بين فتح مكة وبين ولاية عثمان الخلافة نُفرة ما بين العشيرتين، فلما كانت الشورى وانحصر الأمر في علي وعثمان وجدت الأوهامُ منفذا إلى الخواطر، ثم لما صار في أواخر خلافة عثمان جماعة من عشيرته بني أمية أمراء وعمالا وصار بعض الناس يشكوهم أشيعت عن علي كلمات يندد بهم ويتوعدهم بأنه إذا صلي الخلافة عزلهم وأخذ أموالهم وفعل وفعل، ثم كانت الفتنة، وكان لبعض من يُعَدُّ من أصحاب علي إصبع فيها، حتى قُتل عثمان، وقام قتلته بالسعي لمبايعة علي، فبويع له، وبقي جماعة منهم في عسكره.
فمن تدبر هذا وجد هذه الأسباب العارضة كافية لتعليل ما حدث بعد ذلك، إذنْ فلا وجه لإقحام ثارات بدر وأُحد التي أماتها الإسلام، وما حُكي مما يشعر بذلك لا صحةَ له البتة، إلا نزعة شاعر فاجر في زمن بني العباس يصح أن تُعَدَّ من آثار الإسراف في النزل لا من مؤثراته.